دخولتسجيل الدخول

المجلس الأربعون - سورة الجمعة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد على مائدة القرآن نلتقي، ويتجدد بنا اللقاء لنقف مع معاني آيات ربنا سبحانه وتعالى. وهذا الوقوف أيها الأحبة مع آيات القرآن هو الوقوف الهادئ المستدام الذي هدفه تحليل هذه الآيات واستثارتها.

بعض الناس قد يعتقد أننا نريد أن نقرا متناً من أوله إلى آخره وننتهي، وهذه طريقة خاطئة يا طلبة العلم. القرآن ليس متناً تتعامل معه كما تتعامل مع متن فقهي أو نحوي أو صرفي أو شيء من علوم المقاصد والآلات، هذا كلام ربك سبحانه وتعالى. ووظيفة هذا القرآن كبيرة في حياتك، ليست فقط وظيفة علمية بل وظيفة إيمانية؛ تثبيت، توضيح البوصلة، وتوجيهك إلى الله عز وجل. وعليه فإن مكوثك مع آيات القرآن وقتاً طويلاً مستداماً مهم جداً للثبات على دين الله، ولتزداد المادة التثبيثية التي تزيده حباً لله وتعلقاً به وارتباطاً بآياته وفهم مراده. هذا الذي تفعله، وكما قلت، ليس فقط مهمة علمية، أنت هنا لا تستكشف فقط معاني مفردات أو أحكام عامة، أنت تثبت إيمَانك.

وهذه طريقة السلف وطريقة الصحابة قبل ذلك في طريقة تلقي القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك الطرطوشي في كتابه الحوادث والبدع، يعني وقد تستغربون ذلك، يقول: ومن البدع التي أحدثها الناس في زمانه أن ينشغلوا بحفظ القرآن ولا يدرسون معانيه! تصور، عدّ ذلك في كتاب الحوادث والبدع من البدع الحادثة في الأمة، قال: إن ينشغل الناس بحفظ القرآن وعدم الاهتمام بماذا بالنظر في معانيه. هذه بدعة جعلها حادثة في أمة الإسلام.

وبالتالي ننتبه أيها الأحبة أن كثيراً حتى من أصحاب المشاريع الخيرية اليوم، جزاهم الله خيراً في مشاريع التحفيظ، أصبح موضوع الحفظ هو الذي يأخذ الوقت كاملاً، وأصبحت قضية أن يعرف الطلبة منذ الصغر معاني آيات الله عز وجل لا يعطى ذاك الأهمية أو ذاك البال. وهذا خطأ، خطأ تربوي إيماني. الحفظ لكتاب الله مهم وعظيم، وفهم كتاب الله وتدبر معانيه أعظم وأعظم. يعني قد لا تكون عندك ذاكرة قوية في الحفظ، ليس كل الناس أعطوا ذاكرة، لكن لا تسامح إذا لم تفهم القرآن! لا تسامح إذا لم تفهم القرآن! إذا لم تحفظ غيرك ممكن يسد مسدك، لكن إذا لم تفهم أنت من سيخسر؟ ستخسر الكثير من معاني الإيمان والتثبيت في حياتك.

فلذلك أيها الأحبة علينا أن نهتم، ويزداد اهتمامنا مع مرور الوقت ومع اشتداد الأزمات في هذه الأمة، علينا أن نزداد ارتباطاً بكتاب الله عز وجل قراءة وتلاوة ونظراً وأخذاً لمعانيه، لأنك في كثير من اللحظات لن تجد ما يثبتك في الأزمات إلا القرآن. سبحان الله هذه الآيات لها قوة أودعها الله عز وجل فيها، هذه الآيات الله عز وجل أودع فيها قوة، وهو صاحبها المتكلم بها عز وجل، أودع فيها قوة لتثبيت الإيمان في لحظات الضعف، في لحظات البلاء، في لحظات الشدة، في لحظات الكرب. فتعامل طالب العلم مع القرآن يجب أن يكون تعاملاً سامياً باعتباره أصل الطريق ونهاية الطريق، باعتباره البوصلة والمنهج، باعتباره كل شيء في الحياة العلمية. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يحتفي مع الصحابه الكرام بالقرآن، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يتدارس مع جبريل القرآن، يعني تخيلوا النبي عليه الصلاة والسلام لم يتدارس مع جبريل أي متن ولا كتاب إلا كتاباً واحداً، وهو ماذا؟ القرآن. في هذا اللقاء المهيب الذي التقت فيه السماء بالأرض كان التدارس للقران.

إذاً القرآن له دور كبير، شوف كثير من طلاب العلم، الكثير من الناس لأنهم غلب عليهم جانب الحفظ وضعفوا جداً في جانب الفهم، لما نتكلم هذا الكلام هو بالنسبة لهم قد يعتبروه كلام إيش وعظي: جزاك الله خيراً، إيه والله القرآن جميل يا شيخ، الحمد لله على هذه النعمة. لكن هو لسه مش مدرك، مش مدرك عمق ما يقوله العلماء عن القرآن ودور القرآن. يا أيها المسلم القرآن عظيم جداً، القرآن مهم جداً جداً في حياتك، يمكن تزهد في كل شيء لكن لا يمكن أن تزهد في القرآن! لا يمكن أن يكون هذا الاحتفاء من الله بالقرآن الآن لو قرأت القرآن ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. هناك احتفاء من الله عز وجل بكتابه، والنبي صلى الله عليه وسلم في سيرته احتفاء كبير منه بهذا الكتاب، وتوجيه الصحابة أن لا ينشغلوا إلا به في مرحلة التأسيس والبناء الإيماني.

إذاً هذا الكتاب فيه من القوة التغييرية والإصلاحية ما لا يمكن، يستحيل، يستحيل أن تحصل بطريق آخر مهما أخذت دورات في التزكية والسلوك والتربية وجلست عند واعظ نحرير وعند وعند، إذا لم يكن لك علاقه بالقران ستبقى ضعيفاً! فثبيت هذه الفكرة في منهجية طالب العلم وفي منهجية المسلم عموماً أظن ستغير الكثير من واقعه.

نحن أيها الأحبة في سورة الجمعة، اليس كذلك؟ طيب قبل أن ندخل في سورة الجمعة، سامحوني احتاج تعليق استطرادي على ما تكلمنا به في المجلس السابق. المجلس السابق في يوم الثلاثاء السابق تكلمنا عن رسالة وجهناها إلى العلماء الصامتين. طبعا هذه الرسالة أنا أدرك أنها كانت مؤلمه للكثيرين، وحدث عليها شغب من بعضهم؛ يعني لماذا يا شيخ هكذا أسقطت على كل المشايخ وهناك من هو معذور؟ وحقيقة هناك من حاول أن يصطاد في الماء العكر. فإن الرسالة أظن كل إنسان يعرف لمن وجهت إليه، لكن البعض حاول أن يشغب، وهذا يحتاج مني الآن أن أوضح مرة أخرى، أحياناً توضيح الواضحات جيد حتى يبقى الكلام في سياقه الصحيح ولا يشغب به من في قلبه مرض.

أحبابي الكرام، أهل العلم في اوقات الفتن والأزمات على ثلاثة أنحاء. النوع الأول من العلماء هم العلماء الصادقون الربانيون، وفيهم خير عظيم، وهم الذين يستطيعون الكلام والجهر والوقوف مع قضايا الأمة والحياة معها، ويقفون معها إلى نهاية الطريق مهما كان الثمن. وهذا هو أعلى صنف من أصناف العلماء، ونحن نتفق على ذلك؛ الذين يقفون مع قضايا الأمة ويثبتون المسلمين وينصرون إخوانهم ويعيشون قضيتهم، ويعرفون ما المسالك التي يجب أن يسلكوها، فهم في واقع الأمة وفي حياتها صادعون بالحق عارفون به. هذا هو الصنف الأعلى الذي نسال الله سبحانه وتعالى أن نحذو حذوهم وأن نسير على خطاهم.

وهناك صنف آخر من أهل العلم وهو صنف فاضل أيضاً، لكنه معذور في صمته لأنه مقهور أو مهدد بحبس أو أذاً أو ما شابه ذلك، ويخاف على نفسه خوفاً حقيقياً في تهديدات حقيقية. فمثل هذا لو صمت ولم يستطع أن يتكلم لما أحيط به وأحيد به، هل هذا مذموم؟ هل يفهم من الكلام السابق أنه مذموم؟ هذا لم يكن مقصوداً بالتأكيد في كلامنا السابق، وهؤلاء معذورون عند الله سبحانه وتعالى في أي بلد كانوا. هذا العالم الذي يحترق من داخله على أمته، ويود لو أنه استطاع أن يعلم ويوجه وأن يصدع بالحق وأن يقف مع أزمات المسلمين، لكنه وضع في ظرف لا يستطيع الكلام، وإذا تكلم إما أن يزج به، وإما أن تحدث به قارعة وكارثة على أيدي الظالمين. فمثل هذا بالتأكيد أيها الأحبة هو معذور بصمته، بل كل واحد منا قد يتعرض لمثل هذا الظرف في لحظة من لحظات الحياة، أي إنسان متصدر أمام الناس يمكن أن يتعرض في لحظة من لحظات الحياة إلى ضغوط شديدة جداً، هو محترق في قلبه على أمته لكنه لا يستطيع أن يتحدث، فمثل هؤلاء معذورون وليسوا مقصودين في الكلام حتى لا يتم إدخال قسم على قسم.

وأما الذي كنا نتحدث عنه فهو القسم الثالث. هذا القسم الثالث ممن نسب نفسه إلى العلم؛ هؤلاء منهم من هم مثبط متخاذل يطعنون في ظهور المرابطين في غزة، ويبدون الخور في أمورهم وأخطائهم وتحالفاتهم وأنهم يستحقون، والعياذ بالله يتكلمون بكلام اهل النفاق الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا! فهذا الصنف هو الذي تحدثنا عنه. وآخرون مثلهم هم الذين ربما لم يتحدثوا بهذا الكلام جهاراً لكنهم صمتوا الصمت السلبي. ما هو الصمت السلبي؟ هو أنه إنسان غير مبالٍ بقضايا الأمة، يعني هو لو تكلم ووقف لن يحدث له شيء، لن يسجن، لن يحدث له ضرر، يمكن مثلاً يفصل من وظيفته، يعني هذا قصار ما يمكن أن يحدث له، خاصة ممن هو راسخ في مكانته الاجتماعية. لن يحدث له ضرر، لكنه ألف الصمت وألف عدم المبالاة في قضايا الأمة، وألف أن يكون كلامه مع طلبته كلاماً جامداً لا يروي قلباً: الله يفرج عن إخواننا في غزة، هذا ما يمكن أن يفعل ككلمة عابرة تعطيك أنت كطالب تتلقى منه ماذا؟ انطباعاً عن هذا الشخص أنه غير مبالٍ، أنه غير مهتم، لا يحيي هذه القضايا، مع أنه يستطيع الكلام ولا يوجد تهديد ولا خطورة عليه في الكلام، لكنه ما يسميه، أعجبتني كلمة الشيخ عصام بشير المراكشي، ألف الصمت. هو طبع حياته عبر عقود أنه ما يتكلم ولا يشغل هذا الموضوع، وإذا تكلم يتكلم هكذا كأنهم يعني يتكلم عن أناس في قارة أخرى أو في عالم من العوالم الأخرى، ليس المسلمون الذين نحن نشترك في الدم والعقيدة والطريق إلى الله سبحانه وتعالى.

فهذا الصنف نعم داخل في الكلام مذموم؛ لأنك لو تكلمت لن يحدث لك شيء والأمة تحتاج اليوم، طبعا البعض يقول: طيب يا شيخ ألا يكفي لو أن اثنين ثلاثة تكلموا خلاص؟ يعني هل لابد أن يكون للعلماء أصحاب الصداره والمكانة العالية، هل لابد أن يكون للجميع موقف؟ إيه نعم. من يقول إنه إذا تكلم البعض سقط الإثم عن الباقين هذا كلام غير علمي. الآن تتكلم عن أزمة من الأزمات الكبرى وملحمة من الملاحم تحتاج اصطفاف العلم وجهر العلماء بالحق فيها لقلة العلماء؛ نحن لا نتكلم عن مئات العلماء في الشرق والغرب، والأمة بحالة الرخاء في العلم هم كالعلماء الذين يوثق بعلمهم يعددون على الاصابع، النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن العلم يقبض من هذه الأمة بموت العلماء، فهم معدودون على الأصابع أصالة. فإذا سكت هؤلاء المعدودون من سيتكلم؟ من سيتكلم؟

فهذا الصنف الثالث هو المقصود، من فذل وثبت وطعن في ظهر إخوانه أو صمت صمتاً لا مبرر له فيه ولا عذر له فيه، فمثل هؤلاء نعم مذمومون، ومثل هؤلاء يوجه إليهم الكلام ويؤنبون؛ لأن مثلهم خطر على عقل الجيل الصاعد من طلاب العلم. نحن لا نريد أن نخرج النسخ القديمة من طلاب العلم، هذه النسخ التي فقط تشرح متناً وتحفظ كتاباً ويجلسون هكذا في مجالس يتكلمون فيها بأمور خارج عن واقع الأمة وليس لهم أي دراية بآلامها ولا بجراحها. هذا النوع حقيقة لا نريد إنتاجه؛ لأنه هو الذي آلمنا خلال العقود الماضية.

أحياناً بعض الكلام أيها الأحبة قد يكون قاسي، لكن أحياناً، أحياناً وليس دائماً، بعض القسوة جيدة لأنها بتعمل مثل الصعقة الكهربائية حتى يستيقظ بعض الناس أنه فعلاً هذا الذي يحدث الآن، الصعق الكهربائي أو أحياناً الكلمات الحادة قد تعطي بعض الطلاب الذين هم فيهم خير وفيهم حب لأمتهم تعطيهم يقظة أنه: هل أنا أمشي في بناء العلم والمعرفة بالاتجاه الصحيح؟ هل أنا نموذج لعالم رباني؟ هل أنا نموذج لإنسان يقود الأمة إلى الخير والصلاح؟ فهذه قضية ننتبه لها.

طيب تعليق آخر، هذا الصنف الثالث الذي قلنا عنه وهو الذي لا يبالي بقضايا الأمة ولا يلتفت لها ويستطيع أن يقف وأن يتكلم بكلام يحرك الشعوب ويوجهها، لكنه غير عابئ بهذه الأمور أو أنه يخذل إخوانه، هذا يجب علينا أن ننتبه فيه. من كان منهم مخدلاً، يعني هو تحدث جهاراً أمام الطلاب والناس على أي وسيلة، من كان يحذر ويثبط ويطعن في ظهر إخوانه وهم الآن، الآن تحت القصف والقتل وتعمل فيهم آلة بني صهيون وتكالبت عليهم الأمم، من كان يتكلم بالتخوين فيهم والطعن فيهم فمثل هذا يحذر منه بعينه، يقال: فلان لا يسمع منه، فلان يحذر منه لأنه آفة مسمومة، لأنه آفة مسمومة مهما كان لقبه ومكانته.

الآن الذي صمته سلبي، الذي صمته سلبي غير مبالٍ، مثل هذا لا ينبغي لك أن تدخل في تعيينه أو أن تقول: فلان من المشايخ صمته سلبي، أنا لا أنصح بالدخول في هذا أبداً. وإياكم من طريقة الذين يطعنون في العلماء أو يدخلون في كل ذاهب ورائح لابد يصنف كل شخص، هذه طريقة مذمومة وإن كانت نشأت عند بعض الطلاب الطعن في العلماء وتعديلهم على الهواء والمساج، لكن دعوكم من هذه الطرق تماماً.

الذين صمتوا صمتاً سلبياً نكلهم إلى الله، لكن لا تدخل في تعيينهم، وليس من عملك ولا من اهتماماتك أن تقول والله الشيخ الفلاني صمته سلبي ولا غير سلبي، هذا أمره إلى الله، قد قد يكون معذورا بينه وبينه الله أنه مقهور، ممكن احتمال عقل وارد، ولا مو وارد؟ أنت لا تستعجل في تصنيفهم وإدخالهم، لكن أنت خذ القاعدة الجملية أننا نعوذ بالله أن نكون ممن صمت بلا عذر، نعوذ بالله أن نكون سلبيين في التعامل مع قضايا الأمة، نعوذ بالله أن نكون انتقائيين، والله متى ما وجدنا المزاج العام لنا أن نفتي وننتكلم خذنا، ومتى وجدنا المزاج العام في محلة أخرى من محال

الإسلام لا نتكلم، هذا الانتقائي في اختيار المكان الذي يتكلم فيه حسب رؤية من هو يعمل معهم، هذه مسؤولية عند الله كبيرة، مسؤولية عند الله كبيرة، فليتق الله سبحانه. ونعيد له الكلام: فلتق الله قبل فوات الأوان، فلتق الله قبل فوات الأوان. ولمثل هؤلاء يوجه الكلام.

أما من ناقشني في بعضهم، بدأ يذكر لي أسماء: فلان طبش قد يكون معذور، وفلان، نحن لم نتكلم بأسماء أصلاً، لم نخض في اسم معين؛ لأنه لا يجوز أصلاً الخوض في الأسماء الآن. كما قلت، من جهر بالطعن في الإخوة المجاهدين المرابطين يحذر منه بعينه، هذا لا عبرة به أصلاً ولا كرامة له.

لكن الكلام، كما قلنا، في من ماذا؟ في من صمت صمتاً سلبيًّا، هذا ليس شأننا أن نعين ولا أن، بينه وبين الله هو أعلم بحاله، لكننا نعوذ بالله من هذا الحال. ويا خيبة الأعمار إذا الإنسان يطلب العلم سنوات وسنوات، ويحفظ المتون والمصنفات، ويشرح الكتب، ويعقد المجالس، ثم أقول مرة أخرى: إذا احتاجته الأمة لا تجده. ويا خيبة الأعمار إذا احتاجتك الأمة لا تجدك وأنت غير معذور. يعني إذا كنت معذوراً، مهدد، شيء آخر، لكن أنت غير معذور، كلمة ربما قصارى ما يحدث لك تعزل من منصبك.

يعني الإنسان لا يريد أن يتاذى في سبيل الله إذا كان مجرد أنك تعزل من منصبك لا تريد ذلك؟ بعض الناس إخواني لا يريد أن يسمع كلمة هكذا توجه له فيها تعنيف، حساس جداً جداً، يقول: والله أنا مقامي لا يسمح أنه أحد يوجه لي كلمة. يا أخي، إذا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا عنه ساحر، وقالوا عنه مجنون، وتخيل النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه أوذي بالكلام القاسي، من أنا وانت حتى لا نؤذى؟ من أنا وأنت حتى لا نرضى لأنفسنا أن نسمع شيئاً من الكلام أو نؤنب أو يصيبنا شيء من الأذى؟

اليس هذا الطريق مبناه على البلاء؟ أليس طريق الدعوات وطريق بناء الأمم هو طريق فيه بلاء وفيه دماء وفيه أذى وفيه ما فيه مما تعرض له السابقون؟ هكذا قرأنا القرآن، وهكذا نظرنا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا كان مجرد تعليق حتى يوضع الكلام في سياقه ولا يحمل الكلام ما لا يحتمل: من الأصناف الذين نتكلم عنهم من كان معذورا عذره الله، ومن لم يكن معذورا حاسبه الله، والله سبحانه وتعالى الموفق أولاً وآخراً.

نعود إلى ما نحن فيه: سورة الجمعة. أيها الأحبة، عرفنا موضوعها في الدرس السابق، قلنا سورة الجمعة تتحدث عن قضية أساسية، وهي قضية ماذا؟ أحسنت، يعني كلمة خلينا نركز على كلمة سحب البساط؛ أن الله يخبرنا أنه سحب البساط من بني إسرائيل في حمل راية العقيدة في آخر الزمان، ووضع هذه الأمانة فينا: أمة الإسلام. تمام، وأولها العرب، ثم من سياتي معهم وينضم تحت لوائهم ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: 3].

فالله عز وجل في سورة الجمعة يخبرنا عن قضية عظيمة أساسية، وهي قضية أنه استخلفكم يا أمة العرب لتكونوا من يحمل الشريعة في آخر الزمان، وكل من سيدخل تحت لواء النبي العربي صلوات ربي وسلامه عليه عرباً أو عجمًا فهو منهم؛ فسلمان الفارسي منا، وبلال الحبشي منا، وكل من آمن ودخل تحت اللواء فهو منا ونحن منه. هكذا هي، هذا الإسلام الذي علمنا الأخوة والرابطة مع المسلمين في أقاصي الأرض شرقا وغربا.

وهنا هذه السورة تنبه على: لماذا سحب الله البساط من تحت بني إسرائيل؟ ماذا فعل بنو إسرائيل حتى سلب الله منهم قيادة الأمم؟ ماذا فعلوا؟ سيأتي معنا، لماذا يذكر الله ماذا فعلوا؟ لنحذر منه؛ لأن الأمة في بعض أزمانها قد تفعل كما فعلوا فتسحب منها السياده وتصير إلى ما نحن إليه الآن. يعني ما نحن فيه الأمة المسلمة اليوم يوم من الذل والهوان وقهرنا أعداؤنا، ما سببه؟ أننا فعلنا كما فعل بنو إسرائيل، حملوا التوراة ثم لم يحملوها.

متى فعلت الأمة كما فعل بني إسرائيل؟ ومتى مشت على خطاهم في الأخلاق والسلوك؟ سيصيبها من الذل ما أصاب بني إسرائيل، وسيسحب الله منها الولاية، حتى تعود هذه الأمة بعلمائها وطلابها، طلاب العلم الصادقين، ينفض الغبار عن المعاني الصحيحة ويعيد تشييد معاني الإيمان، لتعود الأمة إلى مكانها الصحيح قائده للأمم ورائده لها. هذه قضية مهمة جداً حقيقة، سورة الجمعة قضيتها مهمة وأساسية.

في ثنايا ذلك أيضاً، عرفنا الله عز وجل، أخبرنا عن مقاصد بعثة الرسول في الأمة، فماذا قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2]. ما وظيفة الرسل وأتباع الرسل من طلاب العلم؟ ما وظيفتهم؟ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. هذه ثلاثة وظائف أساسية لطلاب العلم وللعلماء وللدعاة ولكل من يسير على نهجهم.

أول وظيفة ما هي؟ تلاوة القرآن. تلاوة القرآن وظيفة، أيها الأحبة، ليست وظيفة مجرد تبرك؛ أنت لا تقرا القرآن مجرد أنك تبرك به، لا لا، أنت تقرا ليوجه البوصلة ويوضح لك المعاني وليكشف لك الطريق وليؤديك إلى الله سبحانه وتعالى، وليزيدك صدقاً وإيماناً ارتباطاً. فتلاوة القرآن مهمة عظيمة، ويكفيها شرفاً أنها مهمة الأنبياء، فالذي ينام في يوم ولا يقرأ القرآن فليعلم أنه مقصر، والذي يفوته حزبه من القرآن يوماً بعد يوم فليعلم أنه مقصر.

فما بالك بأقوام ينسبون أنفسهم على أنهم مسلمون ولا يفتحون القرآن أصلاً؟ ما بالكم بأقوام لربما يفتح القرآن من رمضان إلى رمضان، ما سوى ذلك ليس له علاقة؟ هذه مشكلة، معناه أنت مسلم نعم، لكنك بعيد غاية البعد عن رسالة الإسلام، وبعيد غاية البعد عن فهم الإسلام وعن فهم لماذا أنت مسلم. أنت مسلم ابتداء لتقرا القرآن ليوجهك وليأخذ بيدك وليزرع فيك الإيمان.

فلما يأتينا أناس عندهم مشاكل حياتية ومشاكل نفسية ومشاكل اجتماعية وأمور متقلبة تشعر أن هناك مشكلة في حياته، تكتشفها بعد ذلك أنه ليس له علاقة بالقران؛ بالتالي معاني الإيمان عنده مندرس ومندس فيضعف ويبتلى ويقلق ويضجر ويخاف ويجزع وما شابه ذلك. وإلا من عاش مع القرآن وتلا القرآن ستزول عنه كثير من هذه الاشكاليات الاجتماعية والحياتية والنفسية وما شابه ذلك.

طيب، ثم قلنا الوظيفة الثانية للرسل، ما هي؟ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة: 2]. قلنا: لماذا قدم التزكية على العلم؟ لماذا قدم التزكية على العلم؟ ذكرها الشيخ في المرة الماضية، ما اريد أشوف شخص آخر متذكر معنا برفع اليد؟ أحسنت، حبيبنا، لأن بني إسرائيل أساس مشكلتهم، ليس، يعني المشكلة التي كانت سبباً في سحب البساط من تحت أقدامهم، ما هي؟ هل أنهم لم يتعلموا؟ لا، تعلموا، لكن مشكلتهم أنهم لم يزكوا علمهم، لم يزكوا علمهم فلم يعملوا بعلمهم.

فهنا ما دامت الآية تتكلم أو السورة تتكلم عن استخلاف الأمة العربية وتحذيرهم من السير على خطى بني إسرائيل، إذاً لابد من التأكيد: عليكم بالوظيفة الثانية وهي التزكية. علم بدون تزكية لا فائدة منه، علم لا يصحبه، يا طلاب العلم، لا فائدة منه، نعم قد يستفيد منك الناس، لكن لست أهلاً له، كما مر معنا في الحديث البارحه في كتاب جامع بيان العلم وفضله، لما تكلمنا عن حديث الغيث، والذي نزل على القلوب؛ القلب الثاني كان ماذا؟ قلب حبس الماء، لكنه لم يخرج الكلأ أي لم ينتفع بالععلم.

فبعض الناس أوعية تحبس الماء، فيعلمون الناس لكن هم بأنفسهم لم ينتفعوا بعلومهم، فهذا مثل مذموم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. هذه قضية إذاً مهمة، الوظيفة الثانية يا طلاب العلم: التزكية، وكل علم لا يقود إلى التزكية فهو علم مبتور.

النوع الثالث أو الهدف الثالث من أهداف بعثة الأنبياء هو تعلم الكتاب وماذا؟ والسنة. لذا قلنا: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]. الحكمة ما هي عند أكثر العلماء؟ المراد بالحكمة إذا اقترنت بالقران، ركزوا، الحكمة إذا اقترنت بالقران: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: 34]. فالحكمة إذا اقترنت بالقران فأكثر المفسرين على أنها السنة. ومالك بن انس ماذا قال؟ الفقه في الدين عموماً، هذا تفسير آخر أيضاً قرأناه البارحة، أن الحكمة يفسرها بعض أهل العلم بأنها عموم الفقه في الدين، لكن كثير منهم من فسرها بماذا؟ بالسنة بالتحديد.

هذه إذاً وظائف ثلاث هي وظائف الرسل وأتباع الرسل: قراءة القرآن، وتزكية النفس، وتعلم الكتاب والسنة. ثم امتنى الله عز وجل عليهم فقال: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]. يعني تذكروا هذه المنة العظيمة يا أمة الإسلام، يا أمة العرب، تذكروا كيف كنتم في جهالة وفي عمَاية. من يقرا التاريخ العربي، أيها الأحبة، قبل مجيء الإسلام، وكيف كانت حياتهم! مجرد قراءتك ربما الشعر الجاهلي بحد ذاته يعطيك تصور حياة: إما انسان عاشق، أو إنسان شارب خمر، أو إنسان شغل مشاكل بينهم وبين عشائر أخرى، وإما إنسان يبحث عن مال وطعام وشراب.

يعني ما في أهداف، ما في أي هدف وغاية شريفة يعيشون من أجلها. وإن فعلاً كانوا من قبل لفي ضلال: ضياع حياة بدون أهداف وبدون غاية شريفة ليست حياة. الحياة التي ليس فيها أهداف ولا غايات شريفة يعمل من أجلها، هذه حياة البهائم، وإلا هي ليست حياة أهل الإسلام. فالله عز وجل من تمام منته أخبرهم أنكم كنتم قبل أن تشغلوا أوقاتكم بتلاوة القرآن وتعلم الكتاب والسنة والتزكية، ماذا كنتم؟ في ضلال مبين.

إذاً، الذي يشغل وقته بتلاوة القرآن والتزكية والتعلم للكتاب والسنة، هذا عمر وقته بما ينبغي أن يكون عليه المسلم. ومن يقصر في هذه الوظائف، إذا هو يعيش بدون أهداف؛ إنسان لا يقرأ القرآن، ولا يزكي قلبه، ولا يتعلم أساسيات دينه من الكتاب والسنة، هذا إنسان يعيش بدون أهداف. قد يعيش لهدف دنيوي، لكن في مقياس الله سبحانه: دنيا الله، أصیر أنا بروفيسور في علم الفلك وأطلع على القمر وأرجع. هس هدف ماشي، هو هدف دنيوي، لكنه في المعيار الإلهي لا شيء. المعيار الإلهي ليس دنيويًّا.

نحن قد نضع أهدافاً دنيوية؛ ممكن واحد يضع هدف دنيوي أن يجمع مئة ألف دينار خلال سنوات حياته، مليون دينار، هدف في في عالم التخطيط والإدارة اليوم بيعتبره هدف، أليس كذلك؟ بقول لك كيف تنجح في إقامة مشروعك؟ كيف كذا؟ وبتاخذ دورة عليه وتجلس مجالس وهكذا حتى تستطيع أن تحصل مشروعك الدنيوي. طبعا كونه ليس هدفا في المنظور الإلهي، هل هذا يعني طبعا أنه لا يجوز؟ لا، إذا كان في شيء حلال ما عندي مشكله، لكن بدك تعرف أنه هي دنيا.

حتى لو كان مباحاً ما في مشكله، وكلنا قد يدخل في مشاريع ويحاول يجمع من أجل أن يبني أسرة أو عائلة أو يصرف، هذا شيء طبيعي. لكن العبرة: إياك أن يكون هذا هو أعلى أهدافك، إياك أن تكون حياتك فقط مال ومادة، اجعل هذه الأمور كلها على جانب الحياة، وأما الحياة الحقيقية هي أن أتعلق بالله، وأن أتلو القرآن، وأن أزكي نفسي، وأن أتعلم لأعمر هذه الدنيا بمنهج الله سبحانه وتعالى وأتحرك.

وكل إنسان، طبعا، طبيب، مهندس، فيزياء، كيمياء، كذا، هو يضع نصب عينيه أن هذا التخصص هو جزء من خدمة هذه الأمة، وجزء من التزكية وجزء من التعلم بإذن الله، هو مشارك. فأنت تستطيع أن توظف حتى الأمور الدنيوية لخدمة الدين وعماره الأرض، ولا هكذا تقوم الحياة. لكن إياك إياك أن يكون مجرد هدفك دنيا، فهذا من الضلال المبين، إذا كان هدفك فقط الدنيا فهذا من الضلال المبين.

نعم، اقرأ. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: 3].

نعم، هنا ربنا سبحانه وتعالى أخبر العرب الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخاطبهم ابتداء فقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: 2]. ثم أخبر سبحانه أن هذا الاستمرار في حمل الرسالة النبوية سيستمر في هذه الأمة إلى قيام الساعة، فقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: 3].

يعني هؤلاء الجيل الأول هم جيل الصحابة الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم وحصلوا هذا الشرف شرف الصحبه. لكن هل شرف الاتباع سينتهي عند الصحابه أيضا؟ لا، يعني الصحابة حصنوا الصحبه، لكن شرف الاتباع يكون لكل من سار على خطى النبي الاعظم صلوات ربي وسلامه عليه، لذلك قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: 3].

أي لم يلحقوا بهم بعد، لكن اقترب لحوقهم؛ لأنه لما صح حرف جزم ينفي، لكنه ينفي شيئاً اقترب حصوله، هكذا يقول لما. إذا نفت شيء تنفي شيء اقترب حصوله، ليست مثل لم. يعني سبحانه ما قال: واخرين منهم لم يلحقوا بهم، لا قال ايش: ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا﴾ [الجمعة: 3]. شو الفرق بين لما ولم في اللغة العربية؟

أه، لم تدل على أنهم لم يلحقوا ووقفنا، لكن لما تدل على أنهم مش فقط احتمالية، تدل على أنهم لم يلحقوا لكن اقترب لحوقهم، عن قريب سيلحقون، فلما هذه الألف تصنع فرق في المعنى، هذه الألف تصنع فرق في المعنى.

طيب، قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 3]. الآن في خلاف بين المفسرين في بيان مرجع الضمير أو ما المراد هنا باخرين منهم. خلينا نقول عموماً: هل المراد ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 3] أي وسيكون هناك عرب آخرون يلحقون بالعرب الأوائل الذين جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا قول قاله البعض.

لكن الذي يظهر أن ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 3] هذه عامة في كل من سيتبع النبي صلى الله عليه وسلم من العرب والعجم. فستقول لي: طب، منهم، ألا تدل على أنهم من العرب؟ يعني المرجع في الضمير منهم، ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾، الآن الضمير في منهم يعود على من؟ على الأميين، هو الذي في الآية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ [الجمعة: 2].

مش هيك مطلع الآية. طيب، الآن هذه الآية: ماذا قال؟ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾. إذا أردت تحمل الآية على ظاهرها، سيكون المعنى: واخرين أيضاً من الأميين سوف يلحقون. فإذا أردت تتعامل مع الظاهر، ستقول: الآية تتكلم عن العرب فقط. لكن أنا أظن وأعتقد، والله أعلم، أَن الآية أعم من ذلك؛ وأن المراد ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ أن البعض هنا أنهم منهم ليس فقط في الجنس العربي، لا! واخرين منهم في الانتماء للدين، فهم منا ونحن منهم؛ لأننا اشتركنا في الدين، عرباً وعجماً، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، فأصبحنا كلنا، أو فاصبحنا -نعم، أصبحنا كلنا- جنساً واحداً على اختلاف أعراقنا وأشكالنا، وهذا جميل جداً إذا حملنا عليه معنى الآية، كيف أَن العجمي عندما يلتحق بالأهل العرب في الإسلام يصبح ماذا؟ منهم، واحداً منا، وعلاقتنا وولاؤنا للإسلام وليس للأجناس.

هذه عقيدةٌ أيها الاحبة يزرعها القرآن في كلمة «منهم». حسنت. قال: سلمان منا أهل البيت. أي نعم، هذا ذكرناه في المجلس السابق؛ لأنه أصلاً الآية لما ذكرت قالوا: يا رسول الله، ما في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؟ فنظر إلى سلمان، نظر إلى سلمان الفارسي، وقال: «لو كان الدين -أو كما قال عليه الصلاة والسلام- معلقاً بالثريا لادركه رجال من هؤلاء». فأراد أن يخبر أَن سلمان أصبح منهم؛ أي من العرب. طيب، هو أصبح من العرب؟ ليس المراد في الجنس، وإنما المراد في ماذا؟ في العقيدة والدين، وبالتالي الإسلام هنا يذيب هذه المعاني، ويعلي من شأن ماذا؟ رباط الأخوة الإيمانية، فهو أعلى رباط يجمعنا عرباً وعجماً.

نعم، قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ مجرور معطوف على الأميين. نعم، يعني إنه بعثه في الأميين الذين على عهده؛ يعني قوله: وآخرين، وآخرين هذا ماذا يقال؟ اسم معطوف مجرور، لماذا معطوف على اسم مجرور سابق، وهو هو الذي في الأميين، فآخرين هي معطوف على الأميين، وآخرين فهي اسم معطوف مجرور؛ لأن المعطوف عليه، وهو الأميين، مجرور أيضاً. نعم، قال: وفي آخرين من الأميين لما يلحقوا بهم، أي لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحق بهم. نعم، إذاً معنى: لم يلحقوا بهم؛ لما، وقال: ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ أي هم لم يلحقوا وسيلحقون. كيف عرف أنهم سيلحقون؟ أنه قال لما ولم يقل لم. قال لما، إذاً هم لم يلحقوا، لكنهم اقترب لحقهم. نعم، قال: وهم الذين بعد الصحابة رضي الله عنهم، أو هم الذين يأتون- هذه العبارة دقيقة- وهم الذين بعد الصحابة عرباً أو عجماً، كل من جاء بعد الصحابة عرباً أو عجماً فهو منهم. نعم، قال: أو هم الذين يأتون من بعدهم إلى يوم الدين. شوف شو الفرق بين القول الأول والثاني؟ أحسنت، الأول الذي يظهر لي أنه يقصد التابعين بالتحديد، يقصد التابعين بالتحديد، لكن القول الثاني عممه فقال: كل من سياتي إلى يوم الدين. هذا الثاني أقرب، يعني ما في داعي نخصص الأمر بجيل التابعين فقط، ليس فقط من جاء بعد الصحابة وهو جيل التابعين، بل كل من سياتي إلى يوم الدين داخل في هذا العموم.

قال: وقيل هم العجم. إذا لاحظ، في قول يقول: إن هم العجم، أصلاً ليس المراد العرب، وإنما المراد ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ العجم بالتحديد، وأن الله قال منهم ليدل على أن العجم سيصبحون من العرب، ليس جنساً، وإنما أخوة وعقيدة. نعم، قال: أو منصوب معطوف على المنصوب في ﴿وَيُعَلِّمُهُمْ﴾؛ أن يعلمهم ويعلم آخرين؛ لأن التعليم، إذاً: يعلمهم ويعلم، أي يعلمهم ويعلم آخرين؛ لأن هذا توجيه آخر، وهو أن كلمة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ ليست معطوفة على أميين، وإنما معطوفة على ماذا؟ على الضمير في ﴿وَيُعَلِّمُهُمْ﴾، فيكون التقدير: ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويعلمهم- الضمير في يعلمهم يعود على الأمميين- يعني ويعلم الأمميين الكتاب والحكمة وآخرين منهم أيضاً يعلمهم، فيكون وآخرين معطوفاً على الضمير في يعلمهم، يعني يعلم هؤلاء ويعلم آخرين منهم لما يلحقوا بهم. لكن في النهاية، يعني هي قضية مرجع الضمير، ما المراد بالأخرين منهم؟ هي نفس القضية، أنهم عرباً وعجماً، كل من سياتي بعدهم.

نعم، قال: أن يعلمهم ويعلم آخرين؛ لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان كان كله مستندا إلى أوله. نعم، فلانه قد ياتي شخص يقول لك: كيف النبي، كيف النبي صلى الله عليه وسلم سيعلم الاخرين مع أنه لن يدرك زمانهم؟ صح؟ إذا قلنا يعلم الاميين ويعلم الاخرين الذين لم يلحقوا، طيب، كيف سيعلمهم وهو مات قبل مجيئهم؟ باعتبار أنه هو أصل العلم صلى الله عليه وسلم، وكل من سيتعلم الكتاب والسنة بعد ذلك فإنما مرجع علمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون هو المعلم الأول، هو المعلم الأول. وهذا ما أراد النسفي أن يجيب عنه، لذلك هو ماذا قال؟ قال: لأن التعليم- اقرأ مرة أخرى العبارة- قال: لأن التعليم إذا تناسق إلى آخ- تناسق يعني تتابع. ما معنى تناسق؟ أي أن تعليم العلوم الشرعية إذا تتابع إلى آخر الزمان، كان كله مستنداً إلى المعلم الأول، فلا إشكال إذاً أن يكون المعنى: ويعلمهم الكتاب ويعلم الآخرين، وإن كان الآخرون لم ياتوا بعد؛ لأنهم في الحقيقة ينهلون من ميراث النبوة.

نعم، قال: لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان، كان كله مستنداً إلى أوله، فكانه هو الذي تولى كل ما وجد منه. اه، فكان هو الذي تولى، صلوات ربي وسلامه عليه، كل ما وجد، فكل التعليم يعود إليه. قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في تمكينه رجلاً أمياً من ذلك الأمر العظيم، وتاييده عليه، واختياره إياه من بين كافة البشر. لاحظوا أنه اسم العزيز الحكيم عم بتكرر المرة الثانية، ابتدأ به في مطلع السورة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ صح؟ ثم في الآية الثالثة ايش قال؟ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. لماذا يكرر هذين الاسمين بكثره في هذا السياق؟ ما هو المقصد لو اردنا ان نتدبر لماذا يكرر هذين الاسمين بالتحديد؟ اه حبيبنا، أحسنت؛ لأن الموضوع هو موضوع، كما قلنا، سحب البساط من بني إسرائيل وإعطاء الرسالة إلى أمة جديدة، وهذا يحتاج إلى ماذا؟ إلى قوة وإلى، وهو سبحانه وتعالى، وإلى حكمة ودراية. هذا موضوع أن يضع الرسالة حيث شاء، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، قضية سحب البساط من هنا ووضعه إلى هنا، ومنح العرب حمل الرسالة إلى آخر الزمان، هذا لا يناسبه مثلاً كلمة الغفور الرحيم صح؟ لا يناسبه إلا هذين الاسمين: العزيز، الغالب، الحكيم، العارف؛ فإن الموضوع موضوع دراية وحكمة وقوة وغلبة، هو الذي يفعل ذلك سبحانه وتعالى بعزته وحكمته.

نعم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: 4]. نعم، هنا إذاً يؤكد الله قضية هذا التفضيل الاختياري لكم يا أمة العرب، يا أمة الإسلام، لتكونوا حملة اللواء في آخر الزمان، فضل من الله عظيم، ذلك فضل الله، اختيار الله هذه الأمة لتكون حملة اللواء، ذلك فضل الله، وفضل الله ليس أحد يتحكم فيه، بل ربنا هو الذي يتحكم أين يضع فضله سبحانه وتعالى، لذلك قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، وهذا فيه رد على اليهود لما انزعجوا: لماذا خرج النبي الخاتم من غير جنسهم؟ فأراد أن يعلمهم: هذا فضل الله واختياره واصطفاؤه، هو الذي يضع فضله حيث شاء، وليس لكم أن تعترضوا، وإنما عليكم أن تؤمنوا وتسلموا، وإنما عليكم أن تؤمنوا وتسلموا، لكن اليهود أهل بهت وكذب وخيانة، وليسوا أهل تسليم لأوامر الله سبحانه وتعالى.

نعم، قال: ذلك الفضل الله الذي أعطاه محمداً، وهو أن يكون نبي أبناء عص- النسفي قال: ذلك الفضل الذي أعطاه محمداً صلى الله عليه وسلم. حقيقة أنا أرى أن القضية أعم، لو قلنا: ذلك الفضل الذي أعطاه لأمة محمد عليه الصلاة والسلام. يعني هل القضية هنا بيان تفضيل الله لمحمد عليه الصلاة والسلام، ولا سياق بيان تفضيل الله لهذه الأمة؟ هو سياق الامتنان هنا، سياق امتنان في ماذا؟ في اختيارنا لنحمل الرسالة، فالأولى أن يقول: ذلك فضل الله، أي ذلك الفضل أن بعث الله فيكم محمداً صلى الله عليه وسلم. نعم، عليه الصلاة والسلام تفضل الله عليه بالفضل العظيم، لكن المراد في هذا السياق الذي نحن فيه، لما نقول: ذلك، الآن هذا اسم إشارة صح؟ ذلك الآن، هذا اسم الإشارة يشير إلى ماذا؟ هو بعثه النبي الأعظم في هذه الأمة، فاختيار هذه الأمة لبعثه النبي الأعظم هو الذي أشار إليه بماذا؟ بذلك، أي ذلك التفضيل لكم والمنن عليكم ببعثه محمد صلى الله عليه وسلم فيكم هو فضل الله، وهو يعطيه من يشاء ويضعه في المكان الذي يريد، فهذا أراه أولى والله تعالى جل وعلا.

نعم، قال: ذلك الفضل الذي أعطاه محمداً، وهو أن يكون نبي أبناء عصره، ونبي أبناء العصور الغوابر. الغوابر يعني القادمة؛ أن كلمة الغابر هي من الأضداد، الغابر تستعمل بمعنى السابق وتستعمل بمعنى اللاحق، فكلمة الغابر هنا بمعنى ماذا؟ اللاحق، وليس بمعنى السابق؛ لأن هذه تسمى بعض الكلمات العربية تكون معناها متناقض، مثل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17]، كلمة عسعس هي من الأضداد، تاتي بمعنى أقبل وتاتي بمعنى أدبر، هذا من عجيب اللغة. نعم، قال: هو فضل الله يؤتيه من يشاء، أعطاه وتقتضيه حكمته، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: 4]. نعم، والله ذو الفضل العظيم. فيا أيها المسلم، هذا تاخذ منه أنت ثمرة أولاً أن تشكر الله على هذه النعمة: أن جعلك من أهل الفضل، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نعمة ما بعدها نعمة، نعمة عظيمة جداً انك هديت للإسلام وأصبحت من أمة الإسلام. ثم عليك تسأل الله عز وجل من فضله، مادام: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فالفضل كله بيده، فهذا ناخذ منه قيمة إيمانية: أن الإنسان دائماً يسأل الله ويطلب الله من فضله العظيم، ولا يتقيد بالمخلوقين؛ المخلوق وسائل وآلات، لكنهم ليس من يحسبون المسالة، ربنا سبحانه هو الذي يحسب المسألة بقضائه وقدره، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. فنعوذ بالله أن يحرمنا من فضله، نسأله سبحانه وتعالى أن يصب علينا الخير صبا، علينا وعلى إخواننا من أهل الإيمان.

نعم، قال تعالى: مثل- الآن انتهى المقطع الأول، وهو مقطع: أنتم من ستحمل الراية. الآن وجه الكلام إلى من؟ إلى بني إسرائيل الذين سحبت منهم الراية، أراد أن يؤنبهم ويخبرهم صراحة: لماذا سحبت منكم الراية؟ لماذا حرمتم من هذا الاصطفاء؟ أكيد أنتم عصيتم وعملتم، مش عصيان كبائر وذنوب وقتل وسفك وأخطاء كثيرة، لكن الخطأ الأساسي الذي يركز عليه القرآن في بني إسرائيل، بدءاً من سورة الفاتحة إلى هنا، هناك خطا أساسي، هو خلينا نقول محور كل أخطائهم الأخرى، هناك خطأ أساسي في جنس بني إسرائيل هو محور كل أخطائهم وتفريعاته الأخرى، ما هو هذا الخطا؟ سناتي اليه الآن في قراءة الآية. قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 5].

نعم، إذاً هنا ربنا سبحانه وتعالى يخبرنا عن إشكالية بني إسرائيل عبر العصور حتى نحذر منها ولا نقع فيها. مشكلة بني إسرائيل أيها الأحبة، أن الله سبحانه وتعالى أعطاهم التوراة فيها من الأحكام الشرعية ما فيها، وبعث إليهم موسى ومن تبعه من الانبياء، كلهم يدعونهم إلى التمسك بالتوراة والى العمل بها، كتابهم كان التوراة، حتى عيسى عليه السلام إنما هو مكمل للتوراه والانجيل هو مكمل وليس تشريعاً جديداً تماماً. كيف تعامل مع كيف تعامل بنو إسرائيل مع كتابهم ومع أنبيائهم؟ الله عز وجل يخبر عن هذه الحالة ويصفها أو يعطي لها تشبيهاً- هكذا تكرهه النفوس، اليس كذلك؟- يعطي لها تشبيهاً منفرا منها، يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ أعطيناهم التوراة وعلمنا معانيها لكنهم لم يحملوها أي لم يعملوا بها، لم يعملوا بها، خالفوا أحكامها، وقتلوا أنبياءهم، وسفكوا الدماء، وتلاعبوا بالنصوص، فعلوا كل ما يخطر على بالهم من التبديل والتحريف والتلاعب والحيل إلى غير ذلك. فالله عز وجل سبحانه وتعالى انتقم منهم وراهم ليسوا أهلاً لأن تبقى الرسالة وحمل أمانة الدين في أعناقهم. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾- الآن هذا في بني إسرائيل، ثم هي رسالة لنا لكل عالم ولكل طالب علم، لكل إنسان حمله الله العلم والفقه والقران ثم لم يعمل به: مثل الذين حملوا القرآن ثم لم يحملوه، مثل الذين درسوا العلوم الشرعية ثم لم يعملوا بها- ما هي الآن؟

هي نفس المعنى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]. وهذا المثل ليس خاصاً من بني إسرائيل بل كل من سار على خطاهم وعلى نمطهم فيصدق عليه هذا المثل: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. تخيلوا حماراً وضع على ظهره ماذا؟ كتب، وضع على ظهره كتباً فهو يحملها. الآن هذا المثل هو مثل لماذا؟ ما هي صورة هذا المثل؟ يعني لماذا جعل هذه الصورة صورة حمار وعليه كتب؟ أعطيني مضمون المثل كامل، فهمتم؟ أنا أريد الآن لماذا جعل الله هذه العناصر هي التي تشكل المثل: حمار وعليه كتب؟ هذه الصورة ما المراد بها؟ اه. زل، يعني طيب يعني حامل الكتب تدل على ماذا؟ مش قاعد بقراها، لا ممكن يكون قراها بس أنه يعني أنت كلامك قريب جداً. ايوه طيب، الحمار لا يعقل- طيب ليش وض- بدي اياك الصورة، ليش وضع عليه الكتب على ظهره؟ اه. زرد، ما عنده القدرة على اله- ولو كان عنده الكتب وحملها على ظهره موجودة عنده، ممكن يكون قراها وحملها، يعني نعم، ما فهم منها، حتى لو يعني هي زي ما تفضلتم، اللي هو يعني تحوم حول كلامكم، نعم صحيح، بحملها بس هو

نفسه، يعني قصدك حملها لتصل إلى غيره، يعني قضية الوصول إلى الغير ممكن، أيوه. شوف في حدا عنده رأي آخر؟ في حدا هون؟ أيوه. سالم النفس نعم اختيار الحمار دون الحصان دون أي حيوان آخر، أولاً هذا مقصد، ها كان بإمكانه أن يكون مثل الحصان، والحصان لا يعقل، لكن الحمار له رمزية عرفية متعارف عليها في الغباء، أليس كذلك؟ يعني الحمار دون سائر الدواب له رمزية حتى عند العرب منذ القدم في ماذا؟ في الحمق والغباء، إذا فبنو إسرائيل في هذه الحالة مثلهم مثل الحمار، فاختيار الحمار ليمثلهم دلالة على أنهم في قمة الحمق والغباء.

جيد، ثم لماذا قال: الكتب على ظهره؟ دلالة على أنه تعب، أليس كذلك؟ يعني أنه حمل كتباً على ظهره، دلالة على ماذا؟ تعب. والإنسان لما يحمل شيئاً على ظهره يتعب، لكن هل استفاد من هذا التعب شيئاً؟ لم يستفد من هذا التعب شيئاً، وهذا حال بني إسرائيل، فهم حمقى مثل الحمار، حملوا هذه الكتب، الحمار أن يحمل الكتب، عفواً يحمل الأمتعة، أليس كذلك؟ نفس الشيء بنو إسرائيل حملوا ربنا أعطاهم الكتاب لكنهم لم يحملوه حق الحمل، فهذا مثل حمار وضع على ظهره كتب وحملت عليه كتب، لكنه ماذا؟ لم يستفد هو بنفسه من حملها شيئاً، لم يستفد هو من حملها شيئاً، فهذا مثل طالب العلم ومثل الذي ينسب نفسه إلى العلم ممن يقرأ الكتب ويتعب في قراءته.

مش قلنا الحمار تعب في حمل الكتب؟ هذا نموذج. المقابل طالب العلم اللي حامل هذه الكتب ورايح جاي فيها وبيقرأ وبيطلع وبشوف، يعني هو قرأ لكنه لم يستفد من هذا التعب شيئاً، كما أن الحمار لم يستفد من حمله للكتب شيئاً، لم تدخل في قلبه، هو حمار ما استفاد منها لم ينتفع بها، فكذلك هذا الطالب الذي ينسب نفسه للعلم يقرأ وحامل هذه الكتب ورايح جاي وكذا ويدرس أو يدرس لكنه لا ينتفع هو بنفسه، معاصيه هي هي، ذنوبه هي هي، أعماله هي هي، نفاقه هي ريائه على نفس الحال، الكتب لم تقدمه شيئاً، فقد تعب في حمل الكتب، تعب في الدراسة الجامعية أو غيرها، تعب حتى أصبح صاحب منزلة، أو لكنه في النهاية لم يستفد شيئاً، فهو كالحمار يحمل أسفاراً.

فالله يريد أن ينفرنا وينفر أن نكون من هذه الحال، هذه وظيفتها أنه أنت تنفر، أعوذ بالله أن أكون طالب علم أو طالبة علم وحالي كحال الحمار يحمل أسفاراً، يذهب يحمل الكتب للجامعة ويعود ويأتي للمجالس ويعود، لكن العلم لا ينتفع لا يقربه من الله، لا يزكيه، لا يزداد في ميدان العمل، فأنا ساكون حالي كحال الحمار، فإذاً هو المراد منه التنفير وأنت تتقزز من هذه الصورة حتى لا تشابه أصحابها وأحوالهم.

نعم، قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5]. كلفوا علمها والعمل بما فيها ثم لم يحملوها، ثم لم يعملوا بها فكانهم لاحظوا إذاً هو النسفي قال معنى: لم يعملوا بالتوراة، إيش لم يحملوها؟ لم يعملوا بها. فالقضية عمل، بنو إسرائيل مشكلتهم إخوان العمل مش مشكلتهم العلم ابتداء في الجملة، مشكلتهم كانت أنهم لا يعملون، فكل طالب علم لا يعمل فهو على خطى بني إسرائيل، وكل عالم لا يعمل بعلمه فهو على خطى بني إسرائيل.

نعم قال: ثم لم يعملوا بها فكأنهم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفار، جمع سفر وهو الكتاب الكبير، السفر إذاً هو الكتاب الكبير ليس أي كتاب يسمى سفر. نعم، قال: ويحمل في محل النصب على الحال أو الجر على الوصف لأن الحمار كاللئيم في قوله ولقد أمر على اللئيم يسبني، يعني هذه مسألة نحوية، هي جملة يحمل أسفاراً هل تعتبر حالاً؟ هذا هو الأظهر، واختار قولاً آخر أنها يجوز أن تعرب الجملة على أنها نعت بناء على أن الحمار وإن كانت معرفة من حيث اللفظ لكنها نكرة من حيث المعنى، هذا له علاقه في علم النحو.

نعم قال: شبه اليهود في أنهم حملة التوراة وقرائها وحفاظ ما فيها ثم لم يعملوا بها ولم ينتفعوا، إذاً هم حملوا التوراة وقرؤوها وحفظوها، يعني أنت ممكن تكون تحفظ القرآن وتحفظ الأحاديث والبخاري ومسلم والكتب التسعة كلها عندك ثم لا تعمل بها، فاذاً إخواني الحفظ هو مجرد وسيلة لكن لا يعني أنك صالح انتبه، العبرة مش بكثره محفوظاته، والحفظ مهم ولا بد تحفظ، لكن العبرة يعني أنت كونك صالح أو غير صالح ليس أنك تحفظ القرآن حفظاً أو تحفظ الكتب التسعة حفظاً أو تحفظ المتون حفظاً ثم لا تعمل، لا عبرة بهذا الحفظ ولا قيمة له على سموك إذا لم تعمل بمحفوظك.

نعم قال: ثم لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بآيات، وذلك أن فيها نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والبشارة به ولم يؤمنوا به، طبعا الأمر أعم من ذلك، يعني هو قال لم يعملوا بها من أي جهة؟ أن الله علمهم فيها بقدوم النبي الأعظم وأعطاهم الصفات له، ثم بعد ذلك لما جاء لم يؤمنوا به، هو حقيقة لم يعملوا بها من كل الجهات، وهذه منها قضية أنهم لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم مع أن التوراة أخبرتهم بصفاته، هي جهة من جهات عدم العمل، وأنهم لم يعملوا بها في كل الميادين وليس فقط في هذه القضية.

نعم قال: بالحمار حمل كتباً كباراً كتباً كباراً من كتب العلم فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، يعني هو فقط حامل هذه الكتب على ظهره ولا يشعر إلا بماذا؟ بالكد والتعب، لكن هل هو مستفيد هو كحمار؟ هل هو مستفيد من حمل هذه الكتب؟ مش مستفيد شيء. نعم قال: وكل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، إذاً هذه هي النسفي أعطاكم القاعدة أن هذه ليست في بني إسرائيل فقط، قال: كل هذه ضع تحتها خط، كل من علم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله، إياك أن تفكر أن هذا خاص ببني إسرائيل بل إلى يوم القيامة، كل عالم وطالب علم هذا حاله والعياذ بالله، فحاله كحال الحمار يحمل أسفاراً.

نعم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: 5] أي بئس مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآيات أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم مثلهم مثلهم، يعني هذا خلاف في الناحية التقديرية للإعراب، القول الأول هو قال بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، اعتبر أن هناك تمييزاً محذوفاً وأن التقدير بئس مثلاً مثل القوم الذين كذبوا، فقدر كلمة مثلاً في المنتصف بين بئس وبين كلمة مثله، لكن هذا أظنه ليس هو الأولى في الإعراب.

الوجه الثاني هو الأولى وهو أن بئس مثل القوم مثل هو الفاعل لبئس ويوجد فيه معايير الفاعلية والمبتدأ محذوف، ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجُمُعَة: 5] مثلهم، فقوله أو بئس مثل القوم المكذبين مثلهم، كلمة مثلهم هذه الأخيرة هي المقدرة في السياق وهي مبتدأ مؤخر، مبتدأ مؤخر محذوف وجملة بئس مثل القوم الذين كذبوا خبر مقدم، التقدير مثلهم بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، فهذا مبتدأ مؤخر والجملة بئس مثل مبتدأ خبر مقدم.

نعم قال: وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على مراد بالقوم هنا، القوم الذين كذبوا بآيات الله من هم؟ هم اليهود، هذا هو السياق. نعم قال: وهم اليهود الذين كذبوا بآيات الله الدالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجُمُعَة: 5] أي وقت اختيارهم الظلم أو لا يهدي من سبق في علمه أنه يكون ظالماً.

هسه شوف التفسير الثاني أنتم ترفون أنني لا أفضله في هذه السياقات أن تقول لا يهدي القوم الظالمين، لا يهدي من سبق في علمه وفي قضائه السابق أنه ظالم، هذه يعني لا تثير معنى في النفس، يعني كأنك تقول الله لا يهدي قوماً كتب سابقاً أنهم ظلمة، طب هل هذا يثير معنى عظيم في السياق؟ ما هو كل شيء بقضاء الله وقدر نحن نعرف ذلك، فلما تقول والله لا يهدي قوماً كتب أنهم ظلمة ليس معنًى قوياً في السياق.

لكن لو قلنا على المعنى الأول مثلاً لا يهدي القوم الظالمين أي لا يهدي قوماً اختاروا الظلم مسلكاً، لا يهدي القوم الظالمين أي لا يهدي الإنسان الذي اختار الظلم مسلكاً، اه نقول هذا شخص لا يهديه ربنا سبحانه وتعالى إلى الخير والصواب ولا ينور طريقه ولا يدله على الإيمان، فهذا أفضل من أن نقول لا يهدي القوم الذين سبق في علمه أنهم ظلموا، لأن كل الحياة هي قضاء وقدر، كل الحياة هي قضاء وقدر، فأنا يجب أن أعطي الإنسان شيئاً يعمله، لا أركز على قضية القدر الآن، يجب أن أركز على قضية الإرادة الحرة باختصار هنا، يجب أن أركز على اختيارك مش أركز على القدر السابق، القدر السابق لا أنا أعرفه ولا أنت ولا كافر ولا مؤمن، في أحد يعرف الأقدار السابقة؟ لا أحد يعرف إلا ما طلع الله عز وجل عليه من الأنبياء، لكن هنا الأصل أن أتحدث عن الإرادة الحرة وهو الاختيار، إذا اخترت الظلم لن يهديك الله، إذا اخترت الظلم لن يهديك الله ولن يوفقك ولن تصل إلى خير في حياتك كما حدث في بني إسرائيل، بنو إسرائيل اختاروا الظلم، ظلموا الأنبياء، ظلموا التوراة، ظلموا العلم، ظلموا بعضهم بعضاً، لما كان الظلم لهم اختياراً ومسلكاً فالله لم يهديهم ولم ينور بصائرهم لما فيه صالحهم، فها هم والعياذ بالله إلى الآن يقتلون المسلمين ويسفكون دماءهم، هذه أفعال أفعال إنسان رشيد مهدي ولا أفعال إنسان مجرم سفاك للدماء ظالم؟ الله عز وجل طمس بصيرته وعقله، هذه أمثال الحمار يحمل أسفاراً ترونها أمامكم إلى الآن.

قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 6-7]. نعم ما زال الخطاب الآن موجه إلى بني إسرائيل مباشرة، هنا الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم قل، يعني قل يا محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين هادوا، هادوا يعني اليهود، تمام خاطب اليهود، اليهود كما قلنا كان بالنسبة لهم طامة كبيرة ولطمة عنيفة أن الرسول الأعظم لم يأت من جنسهم وهم يدعون أنهم ماذا؟ أولياء الله وأحباؤه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقررها أنكم حتى في هذه المقولة أنكم شعب الله المختار أنكم كذب، فإن من قال عن نفسه إنه ولي الله وحبيب الله الأصل أنه يشتاق إلى لقاء محبوبه، إذا كنت تدعي محبة شيء وأنك خلاصة الحب له وهو اختارك واصطفاك إذاً الشيء المنطقي في التصرف الإنساني أن تشتاق إلى لقاء محبوبك، فهل أنتم هكذا يا بني إسرائيل؟ هل أنتم تحبون لقاء الله سبحانه وتعالى وتشتاقون إليه؟ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ [الجمعة: 6] يعني إذا أنتم شعب الله المختار من دون باقي البشر وكما قلنا في الدرس الماضي كانوا يسمون باقي البشر أممي أو يسمونه أممي يعني ونحن الشعب المختار، فالله يريد أن يثبت لكم أنكم كذب وأنكم أصحاب بهت ولا تستحقون حمل هذه الرسالة، إذا كنتم تزعمون أنكم مختارون من الله دون الناس فنطلب منكم شيء واحد تبرهنون به صدق هذه الدعوة: تمنوا الموت، يعني تمنوا لقاء الله سبحانه لأن الموت هو الذي سيجعلكم ترتقون إلى الله فتقتربون منه، فتمنوا الموت إن كنتم صادقين.

ثم الله يعطينا الإجابة بدون ما ننتظر إجابة من هؤلاء الكذب والفجرة قال: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: 7] بما السبية هذه أي بسبب ما قدمت أيديهم من المصائب، قتلوا الأنبياء، خانوا الله، حرفوا الكتب، كل شيء يتصور في بالك فعلوه، فهؤلاء يتصور منهم أن يتمنوا لقاء الله؟ هم أقل من ذلك بكثير، يعرفون فجورهم ومعاصيهم وبالتالي لا يمكن أن يتمنوا الموت ولا لقاء الله، ها أنتم ترون آثارهم وأذنابهم كيف يجبنون وكيف يخافون وكيف يفزعون ويهلعون من الموت، هذا تصرف شعب مختار؟ شعب يريد أن يلقى الله سبحانه؟ هذا تصرف شعب أكل على الدنيا كاذب مجرم أفاك؟ ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 7].

ربنا عار أنكم قوم ظلم، ظلمتم أنفسكم بالشرك، وظلمتم أنبياءكم، وظلمتم الكتب السماوية، وظلمتم الناس، الله عليم بالظالمين، وهذه لغة تهديد، يعني والله عليم بالظالمين ليست فقط أخبار هي لغة تهديد، الله عالم بالظالم إيش معنى هذا؟ سيهلكه ويعذبه.

نعم قال: قل يا أيها الذين هادوا هاد يهود إذا تهود، أن زعمتم أن هو الفعل هاد من الفعل هاذا يهود هذا فعل عربي هذا يهود ومعناه تهود وأصل هذا تاب وأناب ورجع هذا أصلها، أصلها ما معنى في العربية هذا؟ أي تاب وأناب ورجع.

نعم قال: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الجمعة: 6]. كانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، أي إن كان قولكم حقاً وكنتم على ثقة فتمنوا على الله أن يميتكم وينقلكم سريعاً إلى دار كرامه التي أعدها لأوليائه، يعني خلاص أتمنوا الجنة وكونوا عشاق شهادة إذا كنتم هكذا يعني.

نعم قال: ثم قال: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: 7] أي بسبب بسبب ما قدموا من الكفر، طبعا ما هو أوسع من الكفر، يعني دائماً أنا لا أحب التحديدات، إذا جاء النص عاماً أنهم ليس فقط كفروا، هم كفروا وقتلوا وسفكوا وفعلوا المصائب، فالكفر هو نوع من أنواع ما يندرج تحت بما ما مبهمة لتشمل كل ما قدمت أيديهم من المصائب. نعم قال: ولا فرق بين لا ولن في أن

كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في (لا) تأكيداً وتشديداً ليس في (لا). فأتى مرة بلفظ التأكيد: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ﴾ [البقرة: 95] في سورة البقرة، نعم، ومرة بغير لفظه: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ [البقرة: 95]. هذه فائدة بلاغية ربما يهتم بها الشباب الذين يدرسون معي البلاغة؛ هو التفريق أن (لن) و(لا) في العربية تنفي الشيء المستقبلي، (لن) و(لا) كلاهما أداة نفي تنفي الشيء المستقبلي، لكن أيهما أشد توكيداً في نفي المستقبل؟ (لن). (لن) أشد توكيداً في نفي المستقبل. لذلك في سورة البقرة لما تكلم الله عز وجل باية مش مقاربه لهذه الآية ايش قال: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ﴾، فأتى هناك بـ(لن) التي تفيد التوكيد، وأما هنا في سورة الجمعة فلم يحتاج إلى توكيد، فأتى بـ(لا) التي لا تفيد التوكيد، فقال: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾، فقال: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾ بدون الحاجة إلى توكيد.

نعم، لأن هناك (لن) تفيد النصب، هو قال: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْه﴾، الآن هو (يتمنوه) فعل مضارع منصوب بـ(لن)، ما في شيء، وحذفت النون لأنه من الأفعال الخمسة. وهنا قال: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾، فهنا الفعل من الأفعال الخمسة، (ويتمنوه) هو الفعل الأصلي (يتمنون) أصبح من الأفعال الخمسة، النون هناك حذفت لأنه منصوب وهنا بقيت لأنه مرفوع، فمش نون التوكيد هذه، فقط ظننت نون التوكيد، لا هي الفعل أصله (يتمنى)، أصله فيه نون مشددة. نعم، قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾، وعيد لهم. إذاً، هذه صيغة وعيد مش اخبار فقط، يعني نحن نعرف أن الله عليم بالظظالمين، فعليك تنتبه أنه أحياناً الجملة قد تكون في الظاهر خبرية لكنها تكون تهديديه والمراد بها التهديد وما شابه ذلك من المعاني. نعم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8]. هنا الله عز وجل يقرر حقيقة عامة لليهود ولكل من يخشى من الموت: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾، شوف صورة تفرون منه؛ الانسان الذي يحاول أن يهرب خشية أن يقع به الموت، والمسكين لا يعرف أنه إذا جاء الموت وجاءت ساعته والله لو خرج إلى أعلى الجبال والى القمر والشمس أو نزل إلى قعر الأرض لن ينفع ذلك شيئاً. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، سيلقاه ولا هذا الجزع ولا هذا الهلع إذا جاءت ساعة الموت، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. يعني بالتالي هذا الذي عليك أن تركز عليه قضية الفرار من الموت لن تنفعك، بالتالي أنت ابذل الاسباب ثم إذا جاءت ساعتك أو ساعتي سنموت، المهم جهز أوراقك للقاء الله. الله عز وجل يعطيك الخلاصة، لا تفكر كثيراً بالموت لأنه إذا جاءت ساعته سيلقاه، المهم فكر في ماذا ستلقى الله سبحانه وتعالى. لذلك قال: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

فالانسان المسلم المتبصر يعرف أنه لا يشتغل طوال حياته في الفرار من الموت والتوقي منه وأن يمنع نفسه من الرباط والجهاد، الموت سيأتي سيأتي في ساعته، فلا تحرم نفسك من افعال الخير والمرابطة وبذل الروح في سبيل الله، فإن الموت سيلاقيك سيلقاه والجهاد والرباط لا يقدم شيئاً ولا يؤخر، ما دام كتب في يوم معين أنك ستموت ستموت. وانما كما يقولون تعددت الاسباب والموت واحد، هي فقط وسيلة الموت هي التي انت ستختارها، أما ساعة الموت هل أنت ستختارها؟ لن تختار شيئاً. وبالتالي الجبن والخوف من الموت لا ينفع، فاستغل ساعات العمر في الإقدام والاقبال على الله والدعوة إلى الله ولو دفعت ما دفعت قدر المستطاع، طبعا بحكمه وتوازن، واشتغل بما ستلقى به الله سبحانه وتعالى. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ سبحانه، ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. هذا درس ليس فقط لبني إسرائيل بل لكل مسلم ومسلمه ولكل انسان على هذه الأرض. نعم، قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ ولا تجسر أن تتمنوه خيفة أن تؤخذ بـ.. ولا تسرون، يعني لا تتجرأ، ما عندك جسارة أي تجرؤ على أن تتمناه. نعم، قال: ﴿وَلَا تَسُرُونَ أَن تَتَمَنَّوْهُ خِيفَةَ أَن تُؤْخَذُوا بِوَبَالِ كُفْرِكُمْ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ لا محالة، والجملة خبر (إن)، ودخلت الفاء لتضمن الذي معنى الشرط. هذا مسألة نحويه يعني قد تكون شوي تحتاج لوقت حتى نشرحها ونتجاوز عنها. القضية أن الجمله جمله خبرية فكيف دخلت (الفاء) التي تربط جواب الشرط بجمله الشرط يعني ما في جملة شرطية هنا؟

فقال هي ليست جمله شرطية لكن فيها معنى الشرط من جهة وجود (الذي) وهو اسم الموصول يفيد معنى أداة الشرط هنا؛ إن الموت الذي تفرون منه فيه نوع من انواع الابهام، مثل (من يفر من الموت فانه ملاقيه) كأن الآية هكذا تقول: من يفر فإنه ملاقيه، لكن هي ما قالت (من يفر)، قالت: ﴿الَّذِي إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾. نعم، قال: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فيجازيكم بما أنتم أهله من العقاب. نعم، لأنه قال: ﴿فَيُنَبِّئُكُم﴾ إذاً وهي الفكرة، تشوف الذكاء في الاختصار، يقول: إذا نبأنا بما كنا نعمل ماذا سينبني على ذلك؟ فيجازيكم. فهي (يجازيكم) هل هي تفسير (ينبئكم) وكأنها تفسير لها؟ لكن هي ليست تفسير لها، هي ثمرتها، إذا كان سينبأنا ما كنا نعمل وفقط يعني يوم القيامة ربنا رح يخبرك ايش كنت تعمل وخلص وتروح وتنتتهي الامور، لا هو سينبئك لأنه سيجازيك بناء على ذلك. فالنسفي لأنه تفسير مختصر أعطاك الخلاصة، (سينبيء) ليس مجرد أنه سيخبرك أنت يا فلان عصيت، طيب ماذا سيحدث؟ هو ليس مجرد تنبيء بمعنى الاخبار، هو نبأ سينبني عليه ثمره وهي المجازاة، فذكر لك الثمره فقال (فيجازي). نعم، قال تعالى: اقرا الثلاث آيات مع بعض حتى نختم السورة. نعم:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: 9-11].

لما أعد الله سبحانه وتعالى هذه الأمة للاستخلاف بدلاً من بني إسرائيل كان القرآن من أوله إلى آخره يعالج هذه الجماعة المؤمنة في كل تصرفاتها ويحذرها من الأخطاء السلوكيه التي إذا توسعت فإنها ستكون سبباً في ماذا أيضاً؟ في سحب الاستخلاف منهم وذلهم. فهنا درس تربوي إلى يوم القيامة يعلمه الله عز وجل للصحابه ولكل من سياتي بعد الصحابه وهي أهمية ألا يقدم الإنسان هواه على طاعة مولاه. هذا عنوان الدرس باختصار؛ أهمية ألا يقدم الإنسان هواه على طاعة مولاه سبحانه وتعالى. سبب هذه القصة كما جاء في الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره أن الصحابه الكرام كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وكان الزمن زمن مجاعة وشدة، فجأة جاء طارق إلى المدينة وجاء صوت قافلة دخلت المدينة محملة بالطعام والشراب والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة، فالصحابه يعني كان نقول في لحظة ضعف بشري تركوا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذهبوا إلى التجارة لياخذوا منها ويشتروا منها البضائع وما شابه ذلك، خاصة أن الزمن كما قلنا كان زمن شدة وكان زمن قحط كما جاء في بعض الروايات.

هنا الله سبحانه وتعالى انبهم تانيباً شديداً إلى يوم القيامة: كيف تركتم النبي صلى الله عليه وسلم قائماً وذهبتم إلى رغباتكم وأهوائكم؟ هذا لا يصلح للجماعة المسلمة التي يهيئها الله لحمل راية الاستخلاف. الآن البعض قد يعتبر هذا شيء يعني خطا صغير يا شيخ يعني هم لم يفعلوا شيئاً كبيراً مجرد خطبة جمعة النبي صلى الله عليه وسلم! شوف الذين نعدهم لقياده هذه الأمة لا تقبل منهم الاخطاء اليسيرة، الله عز وجل كان يعد الصحابه لفتح روم وفارس، كان يعدهم للخلافة بعد النبي عليه الصلاه والسلام، فالأخطاء الصغيره لا تقبل. لذلك دائماً اقول: قد يستحمل من العوام من الأخطاء ما لا نقبله من طالب علم ولا من عالم، يعني العام قد يخطئ خطأ يكون حجم الإنكار عليه هكذا محدود، لكن نفس الخطأ نفسه لو صدر من عالم يصدر نفسه ليحمل الرايه أو طالب علم نصدّره ليكون لواء يرفع، أقوله: لا مثلك لا يفعل ذلك.

إخواني الأخطاء في الحياة تبدأ صغيرة، لكن التتابع على الأخطاء الصغيرة يجعل مساحة الخطأ تكبر، وهذا ما يعلمنا الله إياه. تخيل أن الله عز وجل يؤنب الصحابة بقرآن يتلى إلى يوم القيامة على خطأ سلوكي في تركهم النبي صلى الله عليه وسلم قائماً في خطبة جمعة مع أنهم كانوا في لحظات كما قلنا من الشدة والمجاعة! فالله عز وجل يعلمنا في التربية يجب علينا أن نركز نعم حتى على الاخطاء اليسيرة. لذلك حتى وانت تربي ابنك الصغير، وهذا من امور التربوية، لا تقبل الاخطاء الصغيرة دائماً وتغض الطرف عنها إذا كان هناك خطأ معصية من ابنك الصغير نبه، لا تقل ان شاء الله بس يكبر بنبه، ما في (بس يكبر)، حتى الخطأ الصغير يجب ينبه، لا تقول والله هذا تشديد وتضييق. الله عز وجل لم يشدد على الصحابة لكنه كان يعدهم للأمور العظام، إذا أردت أن تعد ابنك للأمور العظيمة فنبه من الصغر على دقائق الامور أن هذا معصية هذا خطأ هذا كذا، طبعا بدون تشديد يكون في قسوة أو كذا، الأسلوب له دور، لكن الفكرة أن كثير من الناس يتغافل في قضايا التربية يقول: خلص بمشي له لسه صغير، بظل يقول لسه صغير حتى يصير عمره 20 سنه، هسه بكبر، 20 سنة بيكبر يعني بس يتخرج توجيهي هنا هيك صار كبير يعني اه، طبعا بعدها يكتشف أن تسعى الخرق على الراتق انتهى الامر، وكل الأخطاء والسلوكيات السلبية تشربها الابن وعاش عليها، الآن بعد الـ 20 سنه بدك تبدأ التربية؟ رضي الله عنك فاتك القطار! فاتك القطار!

فالتنبيه على الأخطاء والإشارة إليها هو ليس انتقاداً ليس خطأً، بل هو الصواب، لكن عندما يكون أسلوبك حكيماً هادئاً أسلوباً تربوياً صحيحاً، لابد أن يعتاد الطفل وأن يعتاد المسلم منذ صغره أن يطيع مولاه ويخالف هواه، لابد أن يعتاد هذا الأمر. لكن كما قلنا كل سن له طريقة في الخطاب ولهجة الأسلوب وأسلوب التعامل. فهذا إذاً درس يعلمه الله للصحابه الكرام: لأنكم ستقودون الأمم أنتم الجيل الأول الرعيل الأول، لا نقبل منكم مثل هذه الأخطاء وإن كانت قد تظهر في عيون بعض الناس أنها أخطاء صغيرة، لكن نعالج من البداية حتى نحمي أنفسنا من التوسع في مثل هذا.

اقرأ الآية قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ النداء الأذان، نعم، وهذا يدل أنهم كان المفروض عليهم الفرض أن تلبي نداء الجمعة إذا سمعت، والكمال أن تاتي إلى الجمعة قبل النداء، لأنه قال: ﴿إِذَا نُودِي فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فأنت هنا ستقول: يعني الذهاب إلى الجمعة يكون فقط إذا نودي لها؟ لا، النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الذي يذهب في الساعة الأولى له ناقة، والذي يذهب في الساعة الثانية له كذا وكذا إلى آخر الحديث. فالمراد هنا تحديد الوقت الأدنى، يعني أقل شيء أقل شيء مسموح إذا سمعتم الأذان فعليكم أن تسعوا إلى ذكر الله، وأما من أتى قبل الأذان فأنعم به وأكرم وجزاه الله خيراً وازداد ثواباً وعظمة.

نعم، قال: ومن بيان لـ(إذا) وتفسير له، ﴿وَمِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، (من) حرف جر فائدته البيان؛ البيان للظرفية يعني وقت نودي لص... إذاً ما معناها؟ الوقت، يعني وقت النداء بالأذان، طيب ما هو هذا الوقت؟ من يوم الجمعة. فمن يوم الجمعة هي تفسير للوقت المبهم الذي جاء مبهماً في كلمة (إذا)، هذا معنى قوله (بيان لـ(إذا)) لأن (من) بينت الزمان الذي جاء مبهماً في (إذا) لأنه إذا معناها الوقت أيضاً. نعم، قال: ويوم الجمعة سيد الأيام، وفي الحديث: «من مات يوم الجمعة كتب الله له اجر شهيد ووقي فتنه القبر». نعم، طب هذا الحديث ينظر في سنده. نعم.

قال: ﴿فَاسْعَوْا﴾ فامضوا، وقرئ بها، وقال الفراء: السعي والمضي والذهاب واحد، ولا يدل على الركض، لأن البعض قد يقول السعي اليس شيئاً فيه هكذا عنف؟ لا، السعي والمضي قال بمعنى واحد، وإنما هو المشي. نعم، قال: وليس المراد به السرعة في المشي، أنه كلمة (فاسعوا) ربما الأذن إذا سمعتها تتوقع أن المعنى أن تركض إلى الأذان! لا، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا»، الإنسان منهي أن يركض إلى الصلاة ركضة، والمراد بالسعي هنا المضي في الشيء. نعم، قال: ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي إلى الخطبة عند الجمهور، فالمراد بذكر الله هنا الخطبة، خطبة الجمعة. طيب لماذا سماها ذكراً؟ لأن أهم شيء فيها الذكر، دائماً العبادة يجوز أن تسمى بأهم ركن فيها، لذلك كثير مثلاً ما يعبر الله عن الصلاة ماذا؟ بالسجود، تمام، يعبر عن الصلاة كلها بالسجود لأن السجود قالوا أهم ركن فيها. فالعبادة يجوز أن يعبر عنها بأهم ركن فيها، وأهم ركن في الخطبة ما هو؟ الذكر. فلذلك عند جمهور الفقهاء الخطبة إذا خلت من ذكر الله باطلة، بنكسر عليها وبدنا نعيد الصلاة مرة أخرى، لا تصح خطبة جمعة لا يذكر فيها الله سبحانه وتعالى. نعم، قال: وبه استدل استدل أبو حنيفة رحمه الله على أن الخطيب إذا اقتصر على الحمد لله جاز، يعني في المذهب.

الحنفي إذا قال الخطيب الحمد لله ونزل؛ خلصت الخطبة. صحت؛ لماذا؟ لانه أتى بالركن الأساسي وهو ذكر الله. استدل بهذه الآية، فما وجه الدلالة؟ ما قلناه أن الله عبر عن الخطبة بالذكر، إذاً الركن الأساسي في الخطبة هو الذكر، فإذا أتيت به أجزاك.

طبعاً أبو حنيفة يقصد الحد الأدنى، وليس أن أبو حنيفة يحثك على هذا، هو يقول الحد الأدنى، لكنه بالتأكيد يحثك على ما هو أعلى من ذلك. قال: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يتكاثر فيه البيع والشراء عند الزوال، هذا ربما في زمانهم طبعاً في زمان الصحابة.

يعني هو لما قال ذر البيع، طب لا نذر شيئاً آخر إلا البيع؟ لا، المراد ما هو أعم من البيع؛ ذروا كل ما يشغل عن الصلاة. طب لماذا خص البيع بالذكر؟ لأنه هو أكثر ممارسه في ذاك الزمن. نعم، قال: فقيل لهم بادروا تجارة الآخرة واتركوا تجارة الدنيا، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح، وذروا البيع الذي نفعه يسير. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي السعي إلى ذكر الله ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

نعم، قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ أي أُديت؛ ﴿فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أمر إباحة نعم. فانتشروا في الأرض ليس أمر وجوب، يجب أن ننتشر؟ لا، الأمر للإباحة، وهذا على قاعدة الأصوليين أن النهي بعد الحظر يفيد الإباحة. إذا كان الله حظر من شيء ثم بعد ذلك أمر به بعد ذلك يعني بعد أن حظر منه، فالامر هنا ليس للوجوب بل للإباحة، هذه قاعدة أصولية: الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة.

طبعاً فيها تدقيق؛ لأن البعض يقول: الأمر بعد الحظر يعود على ما كان عليه قبل الحظر، فإذا كان قبل الحظر على الإباحة فهو مباح، وإذا كان قبل الحظر على الوجوب فهو كذا. المهم هنا الأمر ليس للوجوب، مش فانتشروا يعني لازم ننتشر، وإنما أبيح لكم الانتشار بعد انتهاء الصلاة، هذا معنى الأمر هنا.

نعم، قال: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ الرزق، أو طلب العلم، أو عيادة المريض، أو زيارة أخ في الله، أو كل شيء يعني بفضل الله، هذا معنى عام كل هذا داخل تحته، هذا تفسير نوعي. نعم، قال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَاشْكُروهُ﴾ على ما وفقكم لأداء فرضه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. إذاً فذكر الله يكون أثناء العبادة لأنه قال: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ويكون بعد العبادة أيضاً لأنه قرر مرة أخرى فقال: ﴿واذكروا الله كثيراً﴾، فذكر الله هو ديدن المؤمن أن يذكر الله كثيراً.

هذا أمر ليس للإباحة بل هو للاستحباب؛ هو للاستحباب أن المؤمن عليه أن يلتزم الذكر شعاراً ودثاراً. نعم، قال: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ تفرقوا عنك إليها. وتقديره: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه؛ فحذف أحدهما. الله مذكر والتجاره مؤنث، فقوله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾ الضمير جاء مؤنثاً، إذاً يعود على ماذا؟ على التجارة، وحذف ما يعود على اللهو لفهمه من السياق، فالتقدير: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه، بس هذا حذفه، خلص اكتفاء بما ذكر ابتداءً.

قال: فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، وإنما خصت التجارة لأنها كانت أهم عندهم، لذلك أنت في زمنك يمكن تقول شيء آخر: وإذا رأوا مسلسلاً انفضوا إليه، إذا رأوا مباراة كرة قدم مهمة تركوا الصلاة في المسجد وذهبوا إليه. فهو يركز النسفي أن ذكر التجارة هنا ليس مقصوداً لذاته، أي شيء يشغلك اليوم، ممكن الناس تترك صلاة الجمعة من أجل مباراة كرة قدم، أو يترك من أجل عزومة غداء يجهزها لأقاربه، أي شيء يشغلك عن ذكر الله سبحانه هو تقديم لهواك على طاعة مولاك فاحذر.

نعم، قال: روي أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء، فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعه زيت الشام مميز، إذاً من أيام الصحابة زيت الأردن وفلسطين وهذه المناطق. نعم، قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه، فما بقي معه إلا ثمانية أو اثنا عشر، فقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً» العياذ بالله. تخيل يعني لو كلهم قاموا لاشتعل عليهم الوادي ناراً، لكن بقاء من بقي يعني شفع لمن غادر وترك.

نعم، طبعاً إذا صحت الرواية، ليست هذه الرواية هي في الصحيحين بهذا السياق، يعني لم يأتِ الحديث في الصحيحين أنه سيظلم الله عليهم ناراً، وإنما هذه رواية واحدة. نعم، قال: وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل التصفيق، فهو المراد باللهو. نعم، هذا قيل إن المراد باللهو في الآية التصفيق واللهو، كانوا إذا جاءت تجارة دخلت المدينة صفقوا لها وانبسطوا يعني سروراً وفرحاً بها.

نعم، قال: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ على المنبر تخطب. وفيه دليل على أن الخطيب ينبغي أن يخطب قائماً، جميل هذا الاستدلال، أليس السنة والبعض جعله واجباً أن الخطيب يخطب قائماً؟ هنا استدلوا بهذه الآية: تركوك قائماً؛ إذاً النبي صلى الله عليه وسلم كان هديه أنه يخطب قائماً. هل هذا على سبيل الوجوب والاستحباب؟ الجمهور على أنه على سبيل الاستحباب.

نعم، قال: ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي لا يفوتهم رزق الله بترك البيع، فهو خير الرازقين. فدائماً الإنسان لا تخشى على الدنيا، لا تقلق على الدنيا، إياك أن تقدم هواك على طاعة مولاك. من أجل والله يا شيخ خايف يقر راتبي أو تضيع عفتي، أو دائماً أجعل الله بين عينيك والله يغنيك. كثير من الشباب يتنازل عن مبادئه الدينية، أو الأخت تتنازل عن جلبابها أو حيائها من أجل لعاعة الدنيا. فالله يعلمنا هنا: إذا خالفت هواك وأطعت مولاك فالله خير الرازقين، الناس ليس بيدهم مفاتيح الرزق، الناس وسائط، فمن كان مع الله الله عز وجل سيجعل له فرجاً ومخرجاً.

وأما من عادته أنه يتنازل عن مبادئه وعن أحكام شرعه وعن التزامه وسمته من أجل رزق، تجارة، وظيفة، لعاعة، الله عز وجل يحرمه بركة هذا الأمر. نعم، ممكن تظلك في هي الوظيفة ما في مشكلة، لكن ستحرم البركات إذا دخلت هذه الوظيفة مقابل أنك تنازلت عن مبادئك الدينية والشرعية. إذاً: ﴿قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة وتذكروا والله خير الرازقين﴾.

لا تقول لي والله أنا خايف تروح القافلة، أو خايف المحل يسكر، أو خايف الشغل مثلاً يحيشي. الله خير الرازقين، هذه عقيدة، الله خير الرازقين هذه عقيدة وسلوك وليست فقط آية تقرأ هكذا ونطوي عليها، أنك إذا كنت موقناً أن الله هو خير رازق بل الرزق بيده أولاً وآخراً لا يمكن تتنازل عن مبادئك. اللهم إلا إذا وصلت إلى مرحلة الموت الاضطرار يعني، وهذه حالة استثنائية يعني لا يصل إليها الإنسان إلا في النادر النادر فلا يقاس عليها.

وإنما أكثر الناس للأسف يتساهلون وهم لسه في مرحلة الحاجة ولم يصلوا بعد إلى مرحلة الاضطرار. الله الله في الثبات على دينه، وإذا اردت أن تعد نفسك لهذه الأمة فهذه قاعدتك: عليك أن تخالف الهوى. مخالفة الهوى هي علامة صدق في الإيمان وعلامة ثقة بالله سبحانه وتعالى، وأما من اعتاد موافقة الهوى ومخالفة الشرع فهذه خصله من خصال النفاق والعياذ بالله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الصادقين المقبلين وأن يجعلنا من حسن المتوكلين به، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. آمين.