بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمدا ذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أععيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت، نسألك أن لا تحرمنا من بركات العلم بسبب ذنوبنا وتقصيرنا وإفراطنا في حقه عز وجل، نسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم هو مأدبة الحياة التي نعيش فيها، وأن يعطينا من القوة والهمة والعزيمة ما يعيننا على معالجة هذه المسائل علما وعملا، لأن العمل هو ثمرة العلم كما نبين دائما.
في المجلس السابق بدأنا الحديث في سورة النجم، وقلنا سورة النجم تركز على موضوع مهم جدا في حياة المسلم، وهي أهمية الوحي الإلهي ومركزية الوحي الإلهي لهذا الإنسان الذي يعيش على هذا العالم. هذه القضية، قضية تعظيم الوحي في نفس المسلم واعتباره والتي تتعلق بهدف الوجود من الحياة، وما مغزى هذه الحياة الدنيا التي أنا أعيش فيها وأسير فيها وألهث خلف رزقها ونكاحها ومالها ثم ما هي النهاية؟ هل هناك دار أخرى ستأتي؟ هل هناك حساب؟ هل هناك عدل؟ أيضا قضية القضاء والقدر هل أنا مسير أو مخير؟ ما ارتباطي بإله الوجود؟
كل هذه الأقلة التي أقلقت العقلاء وأقلقت المفكرين من الفلاسفة عبر القرون، بل حتى الفلاسفة الأوروبيين إلى الوقت المعاصر، ما زالوا يعيشون حيرة وظلمة تجاه هذه الأسئلة الوجودية، لأن العلم التجريبي الفلاسفة الذين لا يستضيئون بالوحي الإلهي يبقون في قلق هذا العالم قلق الإنسان، قضية الحساب، هؤلاء مع أنهم مفكرون وأمور والتفكير فيها يصلون إلى محارات وإلى متاهات ويبقى عندهم قلق أبدا. الوحي ليس أفكارا واضحة وإنما هي نتاج العقل، ونتاج العقل قد يصيب وقد يخطئ، فحدوها، ثم ما نملكه نحن هذه المشكلة التي لا يدركها كثير من شعور عظيما وحقيقة نحن نزل آية من فوق سبع سماوات ليريحك أيها الإنسان، وليعطيك الإجابات الواضحة التي تشعر معها بالطمأنينة إلى العمل ولا يبقى عليك إلا السعي على ضوء هذه الإجابات.
فلذلك سورة النجم في وجهة نظري على الأقل خلينا نقول سورة محورية في هذا الاتجاه في تركيز قيمة الوحي، هذه القيمة التي ما زال الكفرة عبر القرون يشككون فيها ويعترضون على الرسل تجاهها. كيف يمكن لبشر أن يتلقى رسالة من السماء؟ كيف يمكن لإنسان مثلنا يأكل ويشرب وينكح ويعيش الحياة؟ كيف يمكن أن يرتبط بعالم روحاني، عالم الملائكة، وينزل عليه ملك؟ هل هذا معقول؟ هل هذا ضمن الإمكان والتصور العقلي؟
فالله سبحانه وتعالى أعطاهم هذه المقدمة واضحة في بداية سورة النجم، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: 1-2]. عندما تكلم أنه يوحى إليه من السماء، وعندما أخبركم عن حقيقة الإسلام، هو لم يكن في ضلال ولا في متاهة، ولم يكن في غواية وسوء رأي. ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. ما قصة هذا الوحي؟ أعطاهم الله التفاصيل: علمه شديد القوى، ذو مرة، فاستوى.
قلنا ما معنى فاستوى على كلام الطاهر بن عاشور؟ ما معنى استوى؟ تهيأ لقبول الرسائل من الله، كما قال سبحانه في موسى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] آتيناه حكما وعلما. فالاستواء في لغة القرآن إذا أطلق المراد اكتمال الشخص والاكتمال والتهيؤ والاستعداد، لذلك الله وصف به أنبياءه في أكثر من مكان، وصف به موسى، وصف به يوسف في سورة يوسف: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [يوسف: 22]. المهم علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى.
بعد أن تلقى جبريل الرسالة من الله بدأ ينزل تدليا، ثم دنا فتدلى. لم ينقض انقضاضا على النبي صلى الله عليه وسلم، نزول بهدوء، عظمة لهذا الوحي، وهذه رحلة الوحي التي عاشها من فوق السماء السابعة حتى وصل إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى. قل ما معنى هذه الآية؟ أي المسافة بين جبريل وبين النبي صلى الله عليه وسلم مسافة قوسين يعني تقريبا مترين مترين وشوي بغض النظر.
فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، أي فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى من خلال جبريل. ما كذب الفؤاد ما رأى، عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل قلبه صدق عينيه فيما نظر، ليس تخيلات ليس توهمات كما كان يزعم الفلاسفة أن النبوة والشعوب الوحي هو تخيلات وتوهمات ونواميس كما كان يقول الفارابي وابن سينا وغيرهم من التائهين والحائرين في مجال النبوة يعتقدون أن الإنسان يمكن أن يصبح نبيا، يقولون إنما حدث مع الأنبياء هو مجرد سمو روحاني أوصلهم إلى الشعور بالارتباط بالسماء.
لا، القرآن يكذب ابن سينا ورهطه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: 11] هو رأى شيئا حقيقيا بعينيه ليس تهيؤات ولا تخيلات ولا هرطقات فلسفية. ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى؟ يعني ما زلتم تجادلونه وتناقشونه هو الرجل يقول لكم أنا رأيت بعيني وأنتم تعرفونه، فهو ما ضل صاحبكم مش قلنا في البداية شأن ما ضل صاحبكم؟ لماذا قال صاحبكم؟ قال له هنا لأنكم تعرفون عقله هو صاحب لكم، كان يعيش بينكم، تعرفون رجاحة العقل والصدق والأمانة وكل المواصفات، كان صاحب لكم، اليوم أصبح كذاب؟ اليوم أصبح مجنون؟ اليوم أصبح ساحر؟
لذلك من كان يعرف محمدا صلى الله عليه وسلم في قبل البعثة يدرك أنه عندما قال إنني رأيت الوحي أنه صادق فيما قال، هذا رجل ليس متهمًا في صفاته ولا أخباره لأنكم تعرفونه قبل ذلك. ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى؟ ثم وصلنا أظن إلى هذا الموطن اليوم، نكمل قصة الوحي. إخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أنه التقى بجبريل في عالم الأرض التقى بجبريل أيضًا في عالم السماء، وذلك لقاء أهيب بالتأكيد وأعظم وأجل في تفاصيله التي سيرسمها لنا النص القرآني.
تفضل يا شيخ علي قبل ما نبدأ.
الصلاة والسلام.
هي حقيقة بعيدة، البعض استدل بذلك أظن في آية علقت عليها المرة الماضية لما قلنا ما كذب الفؤاد ما رأى، البعض قال إنه رأى الله، وخلاف أهل السنة معروف هل رآه بقلبه أو رآه بعينيه، لكن أنا أجد السياق بعيدًا. هو السياق يتكلم عن نزول جبريل علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى. دائمًا نحن نقول للأحبة، هذه من قواعد علم التفسير، عندما يذكر علماء التفسير أكثر من معنى، المعنى الذي أذهب إليه أو أحد مرجحات المعاني أن يكون المعنى أنسب للسياق.
يعني تجدهم يذكرون عدة معاني، تذهب لابن جرير، لابن الجوزي وغيرهم، يذكرون كما قلنا للآية الواحدة معاني عديدة. طب أنا ما المعنى الذي أختاره؟ قال لك أربع معاني، ما المعنى الذي أميل إليه؟ الآن طبعًا هناك أسس لغوية وعلمية في الترجيح، من هذه الأسس أن يكون المعنى الذي تختاره هو الأنسب للسياق حتى يكتمل المشهد. فأنت عندما تقول لي فكان قاب قوسين أو أدنى أنت عم تتكلم عن جبريل، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ثم فجأة تقول لي ما كذب الفؤاد ما رأى، محمد الرسول عليه وسلم رآه ربه، تعتبر في انتقالية مفاجئة على الأقل يعني كاجتهاد شخصي غير متناسبة مع السياق، تمام؟
الأصل يعني حتى هو دائما لابد أن أكمل المشهد وأنا أتدبر في السورة. القرآن الكريم هو يرسم مشاهد، من الخطأ أن يكون المشهد متبعثر في ذهن القارئ، وهذا يحدث مع كثير من الطلبة لما يأتي يتدبر القرآن، يشعر أنه مش قادر يكمل مشهد كامل في الآيات، لأنه خاصة لما يقرأ في كتب التفسير وهو ما عنده قدرة على رسم المشهد، شوية بالآية بتأخذه يمين على رأي ابن جرير، شوية بتأخذه شمال على رأي ابن الجوزي، شوية بتأخذه كذا، فيشعر أنه مش قادر أفهم السياق، ليه؟ لأنه بعثروني. لا، ما هو دائما طبعا بعد امتلاكك للآلات العلمية ودراستك لبعض علوم الآلة يصبح عندك قدرة أن تحدد المعاني التي ذكرها ابن جرير، ما هو الأنسب منها ليكتمل المشهد في ذهني؟
لأنني أنا أطلب مشهد مكتمل وليس مشهد مجتزأ، وهذه الانتقالات المفاجئة تبعثر لي المشهد. فدائما أنا حتى أفهم السورة على مستواي الشخصي في النظر أحاول أن أكمل المشهد، فأنظر في كلام المفسرين المعنى الذي يساعدني في تكميل المشهد، مش أنا لحالي بكمل، لا، لازم أرجع كتب التفسير، لكن أختار من الأقوال ما أجده مناسبا في تكميل المشهد حتى يكون متسلسلا غير منقطع حبل الأفكار في ذهني. فهمتم هذه القاعدة؟ وهذه تستعينوا بها إن شاء الله في دراستكم لعلم التفسير حتى تكملوا المشاهد لما تعالج مجموعة آيات كوحدة واحدة وليس أشعر أن كل مقطع في جهة، هذا بيجعلك متوتر وأنت تحاول أن تتدبر، تمام؟ والله أعلم.
اقرأ.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّ الْكُبْرَى﴾ [النجم: 13-18].
نعم، أقرأ التفسير. قال الإمام النسفي رحمه الله: رآه، رأى محمد جبريل عليهما السلام، نزلة أخرى، مرة أخرى من النزول. إذن نزلة أخرى أي مرة أخرى. النزلة هنا بمعنى المرة الأخرى، يعني كما كان هناك لقاء بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين جبريل في عالم الأرض، أيضا يا كفار قريش كان بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين جبريل لقاء في عالم السماء، وهذا تأكيد لاتصال الأرض بالسماء، واتصال الرسول البشري بالرسول الملكي، وتعظيم شأن هذه الاتصالات والارتباطات مقارنة بأصنامهم التي يعبدونها كما سيأتي معنا: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؟ ما تستطيع هذه أن تفعل مقارنة بما فعل بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ يا نوع الآن من المقارنة سيحدث بين حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصنامه. فهنا قال ولقد رآه نزلة، اقرأ.
نزلة بمعنى مرة. نعم قال ولقد رآه رأى محمد جبريل عليهما السلام نزلة أخرى وهذا الذي يؤكد أن الرؤية رؤية جبريل لأنه قبلها ما كذب الفؤاد ما رأى إذا هو كلام عن جبريل مش لله سبحانه وتعالى، فلما نقول ولقد رآه إذا هو جبريل أيضا، فحمل الآية السابقة على أن رؤية الله بتشير أنها بعيدة عن كل مشهد السياق، والله أعلم. نعم قال نزلة أخرى مرة أخرى من النزول، نصبت النزلة نصب الظرف الذي هو مرة لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل.
يعني نزلة ما إعرابها؟ ظرف زمان. نزلة أخرى، نزلة ما إعرابها؟ منصوبة على الظرفية الزمانية لأن نزلة بمعنى ماذا؟ بمعنى مرة، والمرة ظرف زمان. تمام؟ هذه الخلاصة، نزلة هنا ظرف زمان، يعني رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل مرة أخرى. هذا معنى نزلة أخرى، والنزلة في علم العربية هذا مصدر مرة على وزن فعلة، ومصدر المرة هو بمعنى المرة، نعم.
قال نصبت النزلة نصب الظرف، اكتب ظرف زمان، نصبت نصب الظرف أي ظرف الزمان، نعم، الذي هو مرة لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل فكانت حكمها آه يعني نزلة لما كانت بمعنى مرة أخذت حكمها في الإعراب. مرة ما حكمها الإعرابي؟ ظرف زمان منصوب. فنزلة لما كانت بمعنى مرة أخذت حكمها في الإعراب ونصبت على أنها ظرف زمان، طيب.
قال أي نزل جبريل عليه أي نزل عليه جبريل عليه السلام نزلة أخرى في صورته نفسه فرآه عليها. نعم، وذلك ليلة المعراج، وهذا يرجح الرأي الذي اختاره النسفي في أن المراد في الآية السابقة ذو مرة فاستوى، هو النسفي اختار أن المراد بالاستواء هو رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حقيقة في الأرض، لأن هنا السياق ولقد رآه حقيقة أيضا في السماء، وإن كان يعني هناك احتمال آخر لما ذكرناه سابقا.
فهنا يقول ولقد رآه أي رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على حقيقته بالستمئة جناح التي هو فيها. أين رآه؟ في السماء في رحلة الإسراء والمعراج كما تعلمون، نعم. قال عند سدرة المنتهى، الجمهور على أنها شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش. الآن ما هي السدرة؟ السدرة هي شجرة يعرفها العرب. السدرة لو فتحت أنت الآن على الجهاز، مكتوب اكتب شجرة السدرة، هي شجرة النبق، ما في بلادنا ما بعرف إذا تنبت ولا لا، يعني مش مشهورة عندنا، لكن العرب يعرفونها، شجرة السدرة.
تمام؟ فهذه شجرة، لكنها عند الله سبحانه وتعالى، وجاء في الأحاديث أن أوراقها أوراقها مثل قلال هجر، يعني الورقة الواحدة هكذا يعني حجمها ليست بأحجام أوراق الأرض، تختلف في حجم أوراقها وثمارها، كما جاء في حديث الإسراء والمعراج الطويل، تمام؟ وسميت بالمنتهى، إذن الجمهور على أنها شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش، هذه السدرة. شجرة من شجار النبق موجودة أين؟ في السماء السابعة عن يمين عرش الرحمن سبحانه وتعالى، ووُصفت بأنها المنتهى. قال سدرة، عرفنا شو معنى سدرة.
ما المقصود بالمنتهى؟ قال النسفي: والمنتهى بمعنى موضع الانتهاء أو الانتهاء، كأنها في منتهى الجنة وآخرها، يعني كأنها هي منتهى الجنة، لذلك سميت سدرة المنتهى. والبعض يقول لا، هي ليست منتهى الجنة، هي منتهى السماوات، يعني خلاص هي في آخر السماء السابعة وبعدها عرش الرحمن.
هنا قال: هي منتهى الجنة، والبعض يقول: هي منتهى السماوات، عندها نهاية السماء السابعة، وبعدها تبدأ الأمور الخارجة عن قدرة العقل البشري في التصور. نعم.
قال: وقيل لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ما وراءها، هذه حقيقة، نعم. ولا يعلم أحد ما وراءها؛ لأنها نهاية العالم، بعدها يأتي عالم خارج عن طوق البشر. نعم.
قال: وقيل تنتهي إليها أرواح الشهداء. يعني هذا لا يوجد عليه دليل واضح، هذا القول الأخير لا يظهر له دليل واضح، والله أعلم، نعم. قال: عندها جنة المأوى، أي الجنة التي يصير إليها المتقون. وقيل، إذن واضح أن سدرة المنتهى هي مرتبطة بالجنة.
هذا الذي يظهر، أنها ليست داخل الجنة، ليست داخل الجنة وإنما هي مرتبطة بها؛ لأنه قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل مرةً أخرى، أين رآه؟ عند سدرة المنتهى. أين هذه سدرة المنتهى؟ نحن عرفنا أنها في السماء السابعة، لكن القرآن أعطانا معلم آخر لها.
قال: هذه الشجرة عندها جنة المأوى. إذن المفهوم أنها ليست داخل الجنة، وإنما هي محاذية، ملاصقة، قريبة بشكل من الأشكال لجنة المأوى. ولماذا سميت الجنة أو وصفت بالمأوى؟ لماذا؟ أنها تأوي إليها أو يأوي إليها أهل الإيمان.
لذلك سميت جنة المأوى، يأوي إليها أهل الإيمان عندما يدخلهم الله سبحانه وتعالى في واسع رحمته، نعم. قال: وقيل تأوي إليها أرواح الشهداء. قال: إذ يغشى ليس خاصاً بأرواح الشهداء حتى، كما أخذنا في ابن رجب، هي عامة، يأوي إليها كل أهل الإيمان، نعم.
قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: 16]، أي رآه إذ يغشى السدرة ما يغشى، وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها. أي رآه، إذ هذه ظرف زمان. إذ ظرف زمان أيضاً، وهي مرتبطة بالفعل رآه المذكورة في الآية الثالثة عشرة. يعني رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عند سدرة المنتهى التي عند جنة المأوى، رأى إذ كان يغشى السدرة ما يغشى، كان عليها من أنوار الله كما ذكر أهل العلم أمور لا يستطيع العقل أن يصفها. هذه قضية لا يستطيع العقل أن يصفها. من أين أخذتها؟ من الآية.
من حضر معنا الدرس السابق الأصل يفهم الأسلوب العربي، اللي هو إيش؟ مش الحذف، اللي هو استعمال إيش؟ اللي هو التهويل. من أين أخذنا التهويل؟ أليس مر معنا في الدرس السابق؟ قلنا: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: 78]. قلنا: هذا الأسلوب عندما يكون الشيء لا يمكن لعظمته أن يحصر بالوصف، الله عز وجل يستعمل (ما) الإبهامية ليقول لك أن هذا الشيء لا يمكن للعقل أن يحصره.
فقال هنا: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: 16] من أنوار الله ما يغشى. أنت تقول: شو يعني؟ إذا كان البعض هكذا يفكر بطريقة بسيطة يقول: أنا شو استفدت؟ إذ يغشى السدرة ما يغشى، أنا ما استفدت معلومة جديدة. لا، استفدت أنه يغشاها شيء لا يمكن للعقل أن يتصوره فلذلك لم يذكره لك وتركه مبهماً.
فالإبهام هنا للتهويل والتفخيم والتعظيم، يعني شيء من أنوار الله يغشى هذه السدرة، لا يمكن للعقل الإنساني أن يستوعبه، فلا أستطيع أن أصفه لك في هذه السورة. فهذه (ما) الموصولية تفيد الإبهام في مثل هذه السياقات، واضح مشايخنا؟ طيب.
قال: وهو تعظيم وتكثير لما يغشاها. شايف وهو تعظيم، استعمال (ما) الموصولية تعظيم وتكثير، لذلك قال: ﴿مَا يَغْشَى﴾ [النجم: 16]. نعم. قال: فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى وجلاله أشياء لا يحيط بها الوصف. نعم. فقد قيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله تعالى عندها. وقيل: يغشاها فراش من ذهب.
هذا القول لا تحتاجه؛ لأن ربنا أبهم، أدخل أنا في التفاصيل؟ الله أبهم، تدخل أنت تقول لا غشاها ذهب، لا غشاها ملائكة، لماذا تدخل في التفاصيل؟ إذا كان الله أبهم فبقاء الآية على إبهامها هو المطلوب، بقاء الآية على إبهامها هو المطلوب. هذا لست مع قوله: فقد قيل يغشاها الجم الغفير من الملائكة، ولا مع قوله يغشاها فراش. خلص، خلوها على إبهامها وتعظيمها، ما عندنا معلومات ما الذي يغشاها بالضبط، وإنما هو شيء من نور الله ذو الجلال والعظمة، الله أعلم به. نعم.
قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: 17]، بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها ومكن منها. وما طغى، وما جاوز ما أمر برؤيته. وهذه دلالة أن الأمور عند سدرة المنتهى أمور محسوبة بالسنتي. لا يحق لأي مخلوق حتى ولو كان نبياً أن يتجاوز بصره ما سمح له أن ينظر إليه.
دلالة الهيمنة الإلهية، الهيمنة الإلهية. لا يجوز لمخلوق عند سدرة المنتهى أن يتجاوز بصره ما سمح له أن ينظر إليه. فالله أخبر أن محمداً صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي ما زاغ بصره، أمر أن ينظر إلى جهة معينة نظر إليها، لم يزغ بصره ولم ينظر إلى ما هو أبعد منها، الأمور مضبوطة تماماً في تلك المناطق الحرجة. نعم.
قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 18]، الآيات التي كبراها وعظماها، يعني حين رقي به إلى السماء فأري عجائب الملكوت. والحديث طبعا هذا يحتاج منك أن تقرأ السنة في صحيح البخاري حديث الإسراء والمعراج، وتنظر ما الذي يتكلم عنه النبي صلى الله عليه وسلم من الأمور العجيبة التي رآها في هذه الليلة المباركة. فحديث البراء بن عازب وغيره وحديث أنس وغيره من الأحاديث الطويلة في هذا الباب. نعم.
قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ [النجم: 19-20]. تمام، هنا انتهى المشهد الأساسي، مشهد كما قلنا تعظيم الوحي في نفس المسلم، ومركزية الوحي في الحياة، ومجادلة كل من يكذب أو يشكك في كون النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه قد رآه. الآن الله عز وجل يريد أن يقول لهم: يا كفار قريش، في المقابل -يعني بعد أن أعطيت نبيي هذا المقام العظيم وأوحيت إليه وجعلته يرتقي إلى السماء، كل هذه الأحوال الشريفة- دعونا نرى أصنامكم التي تعبدونها من دون الله في مقابل هذه الأحوال الشريفة التي حصلت لمحمد صلى الله عليه وسلم. محمد صلى الله عليه وسلم يتصل بالسماء، أصنامكم بمن تتصل؟
آلهتكم، هذه الأحجار التي قتلتم من أجلها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعذبتموهم واتهمتموهم بأنهم سفهاء إلى غير ذلك، هذه الأصنام بمن تتصل؟ وبمن ترتبط؟ وهل لها أحوال شريفة كأحوال جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم؟ فهذا سؤال أفرأيتم؟ سؤال استنكاري استقباحي لهم. في استفهام هذا، أليس كذلك؟ أفرأيتم؟ هو يستفهم، لكن هل يقصد حقيقة الاستفهام؟ كلا، هو يقصد أن يستنكر عليهم تصميمهم على عبادة الأصنام مع أنها لا تنال من هذه الأحوال الشريفة كما ينال نبينا الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه. نعم.
فقال: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة؟ أي أخبرونا عن هذه الأشياء التي تعبدونها من دون الله عز وجل، هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة؟ اللات والعزى ومناة أصنام لهم وهي مؤنثات. نعم، هو ركز على هذه الأصنام الثلاث لأنها أعظم الأصنام في جزيرة العرب. والأصنام هم أكثر من ذلك، لكن ركز على هذه الثلاث لأنها رؤوس الأصنام التي كانوا يعبدونها. طيب.
فقال: وهي مؤنثات، وهم يجعلون هذه الأصنام أيضاً بنات لله، هم كانوا والعياذ بالله -كما أنهم يجعلون الملائكة بنات لله- يجعلون هذه الأصنام إناث، ويجعلونها والعياذ بالله بنات لله سبحانه وتعالى. لذلك قال النسفي: وهي مؤنثات، هذه الأصنام مؤنثات، وهذا غير، حقيقة قمة التناقض. يعني أنت ترى في ثقافة كفار قريش وفي ثقافة العرب، هل البنات كانت مدحة لشخص إذا بشر بها أم ذمة؟ بل ذمة. ثم بعد ذلك تجعل الأصنام التي تعبدها وتتوجه إليها مؤنثات وبنات؟
أليس في هذا شيء من التناقض؟ يعني أنت ترى البنات ذمة، طيب كيف تجعل الأصنام التي تعبدها وتتجه إليها بنات؟ أليس الأصل أن تجعلها ذكوراً، لأنك أنت تحب الذكور ولا تنتمي إلى هذا الجنس وتفضله؟ فهناك شيء من التناقض والاضطراب في عقائدهم، أنهم يكرهون البنات، ثم إذا أتوا إلى أصنامهم جعلوها بنات. شيء من الحيرة يأخذ عقول هؤلاء الناس، أو الضياع، أو التيه، وهذه نتيجة العقائد التي لا تبنى على وحي إلهي، وإنما تبنى على نتائج الأفكار والعادات والتقاليد الآثمة. نعم.
قال: فاللات كانت لثقيف بالطائف. اللات هي عبارة عن صخرة، اللات هي ليست حجر -يعني كما يصورون في الأفلام، يعني حجر له وجه وكذا- لا لا، اللات كانت عبارة عن صخرة ترى. عبارة عن صخرة كانوا يعبدونها ويتوجهون إليها، ويزعمون أنها تقربهم من الله زلفى. وكانوا يقولون أن هناك شخص كان يلت التمر عند هذا السويق، عند هذه الصخرة، فمات هذا الشخص وجعلوا هذه الصخرة رمزية له، شيء من البعثرة والتناقض. فاللات أصلها من لت السويق، التمر وكذا يصنعونه مثل السويق ويشربونه، كان شخص يلت عند هذه الصخرة فمات، ما أعرف يعني كيف التفاصيل نشأت عندهم، كبرت الأمور وأصبحت هذه الصخرة اسمها اللات نسبة إلى ذاك الشخص الذي كان يصنع السويق عندها وأصبحوا يعبدونها من دون الله. وكان كما قال، كانت لقبائل الطائف، هم الذين كانوا يتوجهون إليها في العادة، ثقيف في الطائف. طيب.
قال: وقيل كانت بنخلة تعبدها قريش. وهي كانت بنخلة. نخلة هنا اسم منطقة من مناطق جزيرة العرب، يعني يعرفها أهل الجزيرة. اسم منطقة نخلة، اسم منطقة هكذا اسمها، نخلة يعني نخلة مش اسم شجرة هنا، لا، اسم مكان أو مدينة كانوا يعرفونها. طيب. قال: وهي فعلة من لوى؛ لأنهم كانوا يلوون عليها ويعكفون للعبادة. يعني هذا رأي آخر، أن اللات إنما سميت لاتاً لأنهم كانوا يلوون عندها، ليس نسبة إلى الرجل الذي كان يلت السويق، لا، هو جعل تفسيراً آخر لمعنى اللات. قال: اللات مأخوذة من لوى، وإنما سموها لاتاً لأنهم كانوا يلوون عليها. ما معنى يلوون عليها؟ أي يعكفون عندها للعبادة. قد يكون هذا توجيه آخر لماذا سميت هذه الصخرة باللات، نعم.
قال: والعزى كانت لغطفان، وهي سمرة، وأصلها سمرة شجرة السمرة. سمرة شجرة. هذه عبارة عن شجرة. العزى كانت عبارة عن شجرة يعبدونها من دون الله. تمام، شجرة مش شجرة السمر، نعم. قال: وأصلها تأنيث الأعز، وقطعها خالد بن الوليد. قال: إن هي العزى في اللغة العربية تأنيث ماذا؟ تأنيث أعز. العزى في اللغة العربية، أعز ما مؤنثه؟ عزى. فهي واضحة أنهم جعلوها إناثاً، تلاحظون؟ جعلوها إناث، ما قالوا أعز، لا، سموا الشجرة ماذا؟ عزى، وهي بنت من بنات الله ونعبدها من دون الله، تعالى الله عما يقولون. نعم.
قال: ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة. قال هذا عن خالد بن الوليد، يعني ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة والاستقرار والفتوحات في جزيرة العرب، بعث النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من الصحابة ليهدموا الأصنام التي كانت تعبد. فبعث خالد بن الوليد فقطع هذه الشجرة التي كانوا يسمونها العزى، ودائما أكثر حلف كفار قريش بها، باللات والعزى، دائما إيش يقولون؟ واللات والعزى. كانوا يحلفون باللات والعزى، هذا دليل على أنها مقدمة عندهم. نعم.
قال: ومناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة. وقيل لثقيف. مناة إذن أيضاً صخرة، مناة هي أيضاً صخرة، كانت كما قال لهذيل وقبيلة خزاعة. نعم. قال: وكأنها سميت مناة لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق. مناة مأخوذة من الإمناء، والإمناء ما هو؟ الإنزال. حتى في الإنسان إيش نقول؟ الإنسان يمني. ما معنى يمني؟ هو ينزل. فسميت مناة من الإمناء وهو الإنزال. وكانوا ينزلون عندها دماء الأضاحي، يعني يذبحون الأضاحي فتنزل دماء الأضاحي على هذه الصخرة، فمن هنا سميت مناة. نعم.
قال: لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها أي تراق. ومناة مكي مفعلة من النوء. مناة يعني القراء المكيون يقرءونها مناة، كأنه اسم آخر لها. مكي يعني قراء مكة كانوا يقرؤون الآية: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. لكن نحن عاصم وأكثر القراء: ومناة بدون الهمز. وهذا اختلاف في القراءة. نعم.
قال: مفعلة من النوء. كأنهم كانوا يستنطرون عندها الأنواء تبركاً بها. يعني رأي آخر أن سميت مناة لأنهم كانوا يستنطرون عندها بالأنواء. والأنواء هي مواطن النجوم. الأنواء هي مواطن النجوم التي كان بعض الكفار يعتقد أنها سبب في نزول الأمطار، كما جاء في الحديث: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب. فالأنواء هي مواطن في النجوم والكواكب، كان بعض العرب وكثير من العرب يعتقد أنها تؤثر في قضية هطول المطر. طيب.
قال: الأخرى هي صفة ذم، أي المتأخرة الوضيعة المقدار، كقوله ومناة وصفت بوصفين، ومناة الثالثة الأخرى. الثالثة ماذا قال؟ الثالثة قال أن الثالثة في الذكر في الآية ذكر أولاً اللات والعزى ومناة الثالثة. الثالثة في الذكر وهل المراد؟ البعض قال هي الثالثة في الاحترام والتقدير، لذلك قال الثالثة. لكن فهمتم؟ يعني بعضهم قال: أعظم الأصنام عندهم اللات، ثم بعدها في العظمة العزى، ثم مناة تأتي في المرتبة الثالثة. لكن هذا بعض المفسرين نفاه وقال بالعكس مناة هي أول الأصنام عندهم، أكثر الأصنام عبودية عندهم.
هي مناة، فبالتالي يكون الثالثة هنا وصف لها في الذكر، أنها ذكرت في الآية ثالثة وإن كانت مقدمة عندهم في العبادة، ومناة الثالثة الأخرى. وأما وصفها بالأخرى فقيل هي وصف ذم، أي الأخيرة الوضيعة. معنى الأخرى هنا كيف نقول: هذا فلان الأخير؟ شأن الأخير يعني الوضيع المتأخر الذي لازم يكون دائماً آخر شيء، من كثرة ما هو وضيع لا يستحق أن يقدم، فتكون كلمة الأخرى هنا للذم؛ أي مناة التي لا تستحق التقديم ولا العبادة، بل حقها دائماً أن تؤخر وأن ترمى وأن لا يلتفت إليها. لذلك قال: الوضيعة المقدار.
نعم، قال كقوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: 38] أي وضعائهم لرؤسائهم وأشرافهم. ويجوز أن تكون الأولية هذا تفسير، وكأنه فهم الآية كما على آية سورة الأعراف. في سورة الأعراف: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: 38]. الآن البعض يظن أخراهم زمناً، هذا تفسير، لكن هو يقول لا، أخراهم، كثير من المفسرين يقول: المراد بالأخرى هنا ليس التأخر الزمني، التأخر في الرتبة. أخراهم يعني قالت الطائفة الوضيعة عن أولاهم، عن الطائفة الرؤساء والأمراء. فكلمة الأخرى باختصار يعني يستدل بها أو تستعمل أحياناً للدلالة على تأخر المرتبة ووضاعة القدر. نعم.
قال: ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم للات والعزى. يجوز، لكن قلنا هذا فيه نقاش، يعني هو كأنه يقول ويحتمل أن يكون المراد بالثالثة أخرى أنها الثالثة والأخيرة في الاحترام والتقدير عندهم. لكن هذا محل نزاع بين المؤرخين، لأن البعض يقول مناة ليست هي الأخيرة من حيث الاحترام والتقدير بل كانوا يعظمونها، والبعض يقول هي الأخيرة من حيث بعد المسافة، يعني هي مناة كانت أبعد صنم عن كفار قريش. فالبعض كان يقول: الثالثة الأخرى بالنسبة لكفار قريش؛ لأنه أقرب الأصنام لديهم اللات ثم العزى ثم ماذا؟ مناة. فكانت الأخرى لأنها أبعد صنم عن موطن عيشهم ومكان عيشهم. هذا أيضاً محتمل.
طيب، قال: كانوا يقولون إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله. نعم، إذا هذا من، كما قلنا، من العقائد التي كانت منتشرة بينهم، كانوا يقولون إن الملائكة والأصنام كلاهما جعلوها والعياذ بالله بنات لله سبحانه وتعالى. وهذا من كبير الجهل، يعني الشيء الذي أنت تكرهه وهو البنات تتخذه إلهاً؟ هذا نوع من ضياع العقل والحيرة في نفوسهم. نعم.
قال: كانوا يقولون إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، وكانوا يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاؤهم عند الله مع وادهم البنات. فالنسفي يشير إلى التناقض، يعني إذا جعلتموهم بنات وأنهم يشفعون لكم عند الله، وأنتم في نفس الوقت ماذا تفعلون؟ تئدون البنات عندما يأتونكم وتقتلونهم. يعني فهمونا، هم البنات عندكم معظّمات مكرمات ولا عندكم دنيئات؟ يعني يا أخي وقفونا على صافٍ في هذا الموضوع. نعم، قال: مع وادهم البنات وكراهتهم لهن. فقيل لهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ﴾ [النجم: 21-22].
يعني هذه الآية كانت نوعاً من الاستطراد. لما ذكر أصنامهم وأراد أن يذمها بأنها ليس لها من المقامات الشريفة كما للنبي صلى الله عليه وسلم، نبههم على هذا الخلل العقلي في أذهانهم، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّلَاثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ [النجم: 19-20]. بس تنبيه: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَىٰ﴾ تجعلون لكم يعني الشيء الذي تكرهونه لأنفسكم، وله لربكم؟ كانوا يؤمنون بالله لكنهم يشركون معه، فقال: هذه قسمة ضيزى، أي قسمة جائرة غير عاقلة أبداً، أن تجعل لربك ما تكره وتأخذ لنفسك ما تشتهي، عجيب هذا الإنسان.
يجعل لربه ما يكره، ويجعل لنفسه ما يشتهي. وهذا وإن كان في حال الكفار كثيراً، لكنه يوجد أيضاً في حال كثير من المنتسبين للإسلام؛ أنه إذا قدم شيئاً لله يقدم ماذا؟ أسوأ ما عنده، صحيح؟ من المال، من الرزق، من العطاء، وإذا قدم شيئاً لدنياه يقدم أفضل ما عنده. لو سألت كثيراً من الناس: كم تعطي للمشاريع الدعوية وتربية أبنائك؟ تجده يعطي فضالة الوقت، بالكاد يعطي. هذا لله! طيب، كم تعطي للدنيا وللسوشيال ميديا وللكلام الفارغ ومضيعة الأعمار؟ آه، تجده يعطي خلاصة وقته، أليس كذلك؟
فقضية ألكم الذكر وله الأنثى وإن كانت في الكفار ابتداءً، لكنها قضية تنقas على أحوال كثير من أهل الإسلام، كيف أنهم يجعلون لله ما يكرهون من الرزق، من المال، من الصدقات، من الأوقات، ويجعلون لشهواتهم وملذاتهم ما يفضلونه وما يحبونه. وهذه قسمة ضيزى أيضاً يا أهل الإسلام! دائماً الله سبحانه وتعالى يجب أن يعطى أفضل شيء، من الأوقات، من الأرزاق، من القربات، من كل شيء، يعطى سبحانه وتعالى أفضل شيء. وإياك أن تقدم نفسك على ذات الله عز وجل في العطاء، سواء العطاء الوقتي أو العطاء المادي، سواء في وقتك أو في المادة أو في أي مكان تبذل فيه، يجب أن تجعل لله الأفضل، ولا يكون حالك كحال كفار قريش تجعل لله الأدون.
فهمتم الكلام إخواني؟ ترى هذه قضية حتى نحن كطلبة علم علينا أن نلوم بها أنفسنا عندما نقدم كثيراً مما نشتهيه على مراد الله سبحانه، ونعطي الله فضالة كل شيء في أعمالنا وأموالنا. هذا أمر يحتاج منك إلى توقف، لأنها قسمة ضيزى كما قال ربنا سبحانه وتعالى.
نعم، قال: أيجعل لكم البنات ولكم البنين قسمة ضيزى؟ أي جائرة. من ضازه يضيزه إذا ضامه. ضامه يعني ظلمه وجار عليه. نعم، قال: وضيزى فعلة، إذ لا فعلة في النعوت، فكسرت الصاد. يعني أصله ضيزى هي الآن على وزن فعلة من حيث الظاهر لكن أصلها فعلة. يقولون: أصلها فعلة ثم كسرت الفاء فأصبحت فعلة على وزن ضيزى. لماذا؟ لأنه لا يوجد في أصل الوصف ما هو على وزن فعلة، الأصل عند العرب إما فعلة أو فعلة، وأما فعلة بالكسر فهذا غير موجود. فعرفنا بذلك أن ضيزى ليس أصلها الكسر، أصلها الضم ثم حولت إلى الكسر. نعم.
قال: فكسرت الصاد للياء كما قيل بيض. فكسرت الضاد للياء. فكسرت الضاد للياء كما قيل بيض للياء، يعني لمناسبة الياء. يعني لماذا كسرت الضاد إذا كان أصلها فعلة؟ لماذا أصبحت فعلة؟ قالوا حتى تتناسب الحركة مع الياء، الياء تطلب قبلها كسرة. فكان الأنسب أن تأتي، يعني تخيل أنك تقرأها بالضم كيف ستصبح معك؟ تضبط معك؟ صعبة! ضويزاتي، كيف تخرج هذه؟ لكن ضيزة تجدها سلسة، فهنا لمناسبة الياء كسر ما قبلها.
نعم، قال: كما قيل بيض وهو بيض. كما قيل بيض، كما قيل بيض بيض، اكسروا الباء. كما قيل بيض وأصلها ماذا؟ بوذ في اللغة العربية. تمام؟ لكن لماذا قيل بيض لمناسبة الياء؟ والدليل على أن أصلها بوذ أنهم يقولون حمر، سود، كل الألوان بالضم، خضر. فالأصل تكون نفس الشيء، بوذ بالضم على سياق الألوان، لكنهم كسروا لمناسبة الياء. نعم.
قال: مثل حمر وسود. ضئزة بالهمزة مكي. القراء، مكة، قراء مكة قرؤوها ضئزة. نحن نقرأها بالياء، هم يقرؤونها بالهمزة، وهذا إبدال بين الحروف لا إشكال فيه. نعم.
قال: من ضأزه مثل ضازه. نعم، إن هي، ما الأصنام إلا أسماء ليس تحتها في الحقيقة مسميات. طبعاً الآن بعد أن، كما قلنا، ألكم الذكر وله الأنثى هي فائدة استطرادية. طبعاً نحن نقول لما نقول فائدة استطرادية، استطرادية ليس معناها أنها فائدة غير مهمة، لكن حتى الآيات القرآنية هناك محور للكلام، أحياناً يخرج عن السياق ليعطيك فائدة ثم يعود. هذا يسمى في اللغة استطراد، وهذا من الجميل أصلاً في الكلام أن يكون فيه استطراد. يعني تخيل الدرس كلياته الشيخ جامد فيه، ما بيضحكش ولا ضحكة، كيف بيصير عندك؟ تزهق، تقول بعدين!
الاستطرادات هي ملح الكلام، والعرب تعرف ذلك. فالقرآن استعمل أسلوب الاستطراد؛ أنه يكون ماشياً في سياق معين فجأة يأخذك إلى سياق هكذا معلومة على الهامش ثم يعيدك، طبعاً هي كله مهم وكله عظيم وكله تحتاج إليه، لكن لما نقول استطراد بالنسبة إلى الموضوع الأساسي، استطراد بالنسبة إلى ماذا؟ للموضوع الأساسي اللي إحنا ماشيين فيه. فقضية ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضيزى هذا استطراد، خروج، ثم الآن سنعود إلى ما نحن فيه أنه هذه أصنامكم: اللات والعزى ومناة الثالثة.
الثالثة الأخرى، هل تعرفون ما هي؟ هل هي ترتبط بإله السماء؟ هل ينزل عليها وحي؟ فالله يقول لهم: أنا أقول لكم، أنا أقول لكم ما هي، هذه عبارة عن أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. سميتم هذه الصخرة اللات، سميتم هذه الشجرة العزى، سميتم تلك الصخرة مناة، عبارة عن أسماء أنتم وآباؤكم اخترعتموها وجعلتموها آلهة، وليس لكم حجة ولا برهان من الله أن هذه الأصنام وهذه الأحجار وهذه الأشجار تستحق العبادة مع الله سبحانه وتعالى. هي أسماء، حبر على ورق، كيف تقول اسم بس حبر على ورق؟ لكن من حيث المضمون هل لها تأثير؟ هل يوحى إليها كما يوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم؟ هذا الفرق بين أصنامكم وبين محمد صلى الله عليه وسلم الذي يربطكم بالإله الحق ويطلب منكم ألا تشركوا به شيئاً.
فهذا كله عقد مقارنة بين الوحي الإلهي وبين حجم التبعثر الذهني خلينا نقول، والفوضى الذهنية العقدية التي يعيشونها، وهذا تقول أيضاً لكل الفلاسفة من الغرب إلى غيرهم، كل فلسفاتكم التي تحث على الشرك إنما هي كلام، كلام، كلام. نيتشه لما قال: مات الإله، كلام، كلام، ينفع ويشتري، يعني ما حدا سائل، يعني كلام أنت أتيت به يا نيتشه وأردت أن تفرضه على الناس وتقنع الناس به، كلام فارغ لا قيمة له. وقل هذا مع هيجل وغيره ممن دخل في الفلسفة وأراد أن يصور حقيقة الإله، هذا جعل الإله مات وهذا جعل الإله لا يتحكم وهذا صور ما صور، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ [النجم: 19].
هكذا كل شيء سوى الله ولا يقود إلى الله إنما هو كلام وحبر على الورق لا قيمة له. نعم، قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم: 23] ليس تحتها في الحقيقة مسميات.
دائماً أحبابي الكرام، بس فائدة على الهامش: استثارة القرآن، يعني دائماً حتى تشعر أنك تتفاعل مع القرآن لا بد تسقط القرآن على المعاني التي تعيشها اليوم، وهذا ما يسمى بماذا؟ استثارة القرآن. لأنه أنت لو بقيت وأنت تتدبر الآية بس ذهنك اللات والعزى رح تشعر أنه ما بيأثر القرآن في حياتك، لكن الأصنام هي رمز لكل فكرة خاطئة باطلة، حتى من أفكار اليوم. فيجب عليك أن تحسن إسقاط القرآن على واقعك.
فالصنم هو فكرة قديمة، لكن هل اليوم يمكن أن أجعل الصنم بصور أخرى له؟ كثيرة هي الأصنام اليوم بأشكال ومراسم ومعالم أخرى. فاستثارة القرآن تعني أن تجعل للمعاني القديمة ما ينطبق عليها من المعاني الجديدة حتى تشعر أن القرآن يسير معك في حركة الحياة ويوجهك، وليس فقط خلص الأصنام اللات والعزى، هيك بعض الشباب لما يتدبر القرآن ذهنه فقط في اللات والعزى ولا يعبئ الآيات بمفاهيم أخرى تنطبق على واقعه المعاصر. الرأسمالية أصنام، الاشتراكية أصنام، الشيوعية، كل هذه المناهج هي أصنام عبدت من دون الله، وإن هي إلا كلام وحبر على الورق. نعم.
قال: ليست تحتها في الحقيقة مسميات، لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها وأشد منافاة لها. أصنام وأحجار هي أبعد شيء أن تكون إلهاً، أبعد شيء عن الإلهية هي هذه الجمادات التي لا تتكلم ولا تبصر ولا تعي ولا تفهم، فكيف تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء عنها؟ نعم.
قال: سميتموها، أي سميتم بها. يقال: سميته ذكراً وسميته، يعني يجوز أن تقول في اللغة: سميته سميت بها أو سميته، يعني كلاهما جائز، سميتم بها إن هي إلا أسماء سميتموها أصنامكم. فالعربي يجوز أن تقول: سميت بهذا الشيء أو ماذا؟ سميته كذا، بحرف الجر وبدون حرف الجر، يجوز بحرف الجر ويجوز التعدية مباشرة بدون حرف الجر.
طيب، قال: أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان حجة. إن يتبعون. سلطان هو الحجة والبرهان. نعم. قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: 23] إلا توهماً أن ما هم عليه حق وما تهوى الأنفس وما تشتهيه أنفسهم. هذا هو الفرق بين أهل الإسلام وبين كل المعتقدات الباطلة؛ أن مرجعيتنا ما هي؟ الوحي. وأما مرجعيتهم ما هي؟ الظن الكاذب، الظن غير المبني على الأدلة، وما تهوى الأنفس.
اختلاف جوهري في المرجعيات، وهذه حقيقة عظمى لمن يتأمل ويتدبر، حقيقة عظمى يستريح لها المسلم عندما يشعر أنه الحمد لله، أنا مرجعيتي في تحديد كل قضايا وجودي ليس هواي، وليس ظني، وليس ما أجتهد به، وإنما مرجعية الوحي الإلهي. وأما أنتم، أيها الاشتراكيون، أيها الرأسماليون، أيها الحداثيون، أيها الليبراليون، أيها البراجماتيون، على كل أسمائهم، ما مرجعيتكم؟ الظن الكاذب، الظن الذي لا يقوم على أدلة. لأن الظن الذي يقوم على أدلة نحن متعبدون به في الشريعة، صحيح؟ فأكثر الأحكام الشرعية أصلاً فقهية ظنية، لكن ظن مبني على أدلة.
أما هنا الظن المذموم هو الظن الذي لا يقوم على أدلة، ظن لا يقوم على أدلة وإنما هو مجرد خرص واعتقاد هكذا هوائي. فلما تكون مرجعية الدين عندك الظن وما تهوى الأنفس، فماذا تتوقع تكون النتائج؟ ستكون النتائج مثل هذه التناقضات التي وقع بها هؤلاء الكفار.
نعم، قال: ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ [النجم: 23]. مساكين هؤلاء الناس! جاءهم من ربهم الهدى، تركوا الهدى، تركوا جاءهم الهدى. هنا الوحي لماذا سمي هدى؟ وتدبر، عليك أن تعرف، قبل قليل كنا نسميه وحي، الآن لماذا سميناه؟ نفس الوحي سمي هدى هنا، لأنهم ماذا يعانون هم؟ هم ماذا يعانون؟ ضلال، من حيرة، من اضطراب، من تناقض فكري، فيحتاجون إلى ماذا؟ إلى المخلص، وهو الهدى، والوحي هو ذاك الهدى، هو ذاك المخلص.
لمن ينصاع ويعتبر وخضع لقانون الإله سبحانه وتعالى. لكن هم للأسف لم يذهبوا إلى الهدى الذي سيأخذ بأيديهم إلى درب السلامة. وأصروا أن يستمروا على ماذا؟ على الظن وما تهوى الأنفس. حب النفس. حب الذات. الثقة الزائدة بالعقل قادتهم إلى هذه المهالك. قادتهم إلى قعر جهنم والعياذ بالله. قضية خطيرة وأساسية في حياة المسلم. لو أننا نعتبر ونتفكر بها، نحمد الله على نعمة الإسلام. نحمد الله على نعمة القرآن. نحمد الله على نعمة النبي صلى الله عليه وسلم. نحمد الله أننا أصبحنا نمتلك إجابات واضحة عن هدف وجودنا وحياتنا. وأننا عرفنا الهدى، ونسأل الله أن يثبتنا عليه ويزيدنا هدى.
هذه نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من حرم منها. إي والله، لا يعرف قدرها إلا من حرم منها. وكفار قريش كانوا أعقل العرب، ومع ذلك كانوا في ضلال. والسبب هو تقديم هوى النفس والظن على الوحي الإلهي، وعدم انصياع الإنسان وخضوعه لقانون الله سبحانه وتعالى. نعم، قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: 23] فتركوه ولم يعملوا به. شوف الجمال هنا، قال: ولقد جاءهم. الآن لو قلت لك: رتب لي الآية ترتيبًا لغويًا أصيلًا، يعني ما هو الترتيب الأصلي للآية؟ ولقد جاءهم الهدى من ربهم، صح؟ على قاعدتنا التي ذكرناها في بداية التفسير؛ أي تقديم على خلاف الأصل يكون له أهمية، صحيح؟ لماذا أخر وقدم؟ لماذا قال: ولقد جاءهم؟ ما قال: الهدى. لا، ولقد جاءهم من ربهم، بعدين ختم بالهدى. ولقد جاءهم، ما قال: ولقد جاءهم الهدى من ربهم. لا، عكس، قال: ولقد جاءهم من ربهم الهدى. آه يا علي!
أكانوا يزعمون أن ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم هو مجرد ماذا؟ سحر أو كهانة أو شعر أو مما يأتي بعقله؟ فيخبرهم أن من الذي جاءكم. والله أنا بتمنى إني أكون أنا نبي، والله أنا بتمنى إنه ينزل علي القرآن! وكما كان كفار قريش كانوا يقولون: لو أن هذا القرآن نزل على رجل من القريتين عظيم. هل أمور الأديان والإلهيات والعقائد تكون بحسب التمني واشتهاء الإنسان؟ هل هذا موردها؟ هكذا كان حال كفار قريش، خلص اقتنعوا أنه هذا الحجر صنم بده يكون صنم يعبد من دون الله. يا جماعة طيب وين البرهان؟ وين الحجة؟ هي شغلة بالتمني وكل واحد على كيفه يحط صنم يعبده؟ أو هكذا الأمور خبط عشواء؟ لابد وجود قانون، لابد وجود براهين، لابد وجود أدلة في مسائل الإلهيات، وليس الأمر هكذا خبط عشواء وكل إنسان يتمنى ويشتهي أي شكل من أشكال العبودية فيتوجه إليه. فهذه آية تمثل حقيقة الإنسان الذي يعبد الله على ما يشتهي، أو يتخذ منهاج الإلهيات عموما على ما يشتهي ويرغب. هل هكذا أمور الأديان؟
فأم هنا بمعنى ماذا؟ لا، أم بمعنى ليس؟ إيش يا جماعة؟ مرت معنا أم في سورة الطور، قلنا أم إذا جاء بعدها جملة يا شيخ؟ أحسنت، بمعنى بل والهمزة. مش هيك مر معنا في سورة الطور؟ نحن لازم نعملكم اختبار الظاهر بعد ما نخلص سورة القمر. نعمل اختبار يا شيخ أبو نبيل، مشان نشوف الشباب تراجعوا ولا لا، الظاهر الكتاب استوى وعرفت السيارة. تيجوا عندي بتفتحوها عندي وبعدين تسكروها، الله يعطينا العافية يا مشايخ. لابد مراجعة مشايخ حتى تثبت المعاني وإلا ينسى. هذا العلم دائما ينسى، وآفة العلم النسيان. فأم بمعنى بل والهمزة، أي أترى هل للإنسان ما تمنى؟ بل هل للإنسان ما تمنى؟ هل الإنسان أمور العقائد يأخذها بما يشتهيه وما يهواه؟ هل هكذا تحسب الأمور؟ كلا والله، فهذا فيه نوع استنكار عليهم.
إن كفار قريش يريدونها هكذا، بالله يا مشايخ، النبي منا، لا، ابن القرآن ينزل على فلان وهو هيك، وكل واحد على كيفه يعني من ينزل القرآن؟ من يرسل الله نبيا؟ هذا بدنا نعبد اليوم، لا، الصنم هذا مش عاجبني، اليوم الثاني هذا الصنم شكله. هذا ليس دين، هذه أمنيات واشتهاءات وأهواء، والدين لا يكون هكذا. طيب، قال: أي ليس للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام أو من قوله: ﴿وَلَئِن رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلاحْسَنَى﴾ [فصلت: 50]. الأمر لا يتعلق فقط بهذين، بأي عقيدة باطلة يتمناها ويحبها وليس عليه برهان أو ليس له برهان عليها. يعني القضية ليست فقط أنهم يجعلون الأصنام شفعاء عند الله ويتمنون ذلك، أو قضية: ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى. الآية عامة، لذلك لم تحدد شيئًا.
كل اعتقاد أحب الإنسان أن يكون اعتقادًا ولا يوجد له دليل عليه، تقول له هكذا هذه الآية. كل اعتقاد أنت اعتقدته وتمنيت أن يكون صوابًا ولا تملك دليلًا عليه، نقول لك: أم للإنسان ما تمنى. حتى الفرق البدعية المنسوبة إلى الإسلام يأتون بأمور خلاص يريدونها هكذا مع أنها لا يوجد عليها أدلة واضحة، تقول: أم للإنسان ما تمنى. فالآيات القرآنية كما تصلح في الكفر الأكبر تصلح في الكفر الأصغر، وكما يستعملها العلماء في الشرك الأصغر يستعملونها في البدع وغير ذلك، وهذا من سعة آيات القرآن في إسقاطاتها. نعم، قال: وقيل هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي. كل هذا، قلت كل شيء، كل شيء تمنوه في أمور الأديان وليس شيئًا معينًا بحد ذاته، يعني كل ما ذكره النسفي رحمة الله عليه هي أمثلة ونماذج على أمور تمنوها في العقائد، وقس عليها ما سواها. نعم.
قال: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾ [النجم: 25] أي هو مالكهما وله الحكم فيهما، يعطي النبوة والشفاعة من شاء وارتضى لا من تمنى. أحسنت، فهي قضية حاسمة؛ الذي يحدد الأمور من قبل ومن بعد هو الله في العقائد وفي غيرها، في العقائد وفي غيرها. لذلك قال: فلله، شوف الآية ما أفخمها! أم للإنسان ما تمنى؟ إياك أن تظن ذلك، الله له الآخرة والأولى. الآخرة يوم القيامة، ما بعده إلى نهاية الأمر الذي لا نهاية له أصلًا، والأولى وهي الحياة الدنيا. كل شيء بحكم الله وليس باشتهاءك أيها الإنسان، الذي يحدد العقائد هو الله، الذي يحدد ما ينبغي أن يكون وما لا يكون هو الله، الذي يحدد من يشفع ومن لا يشفع هو الله، كل هذا بأمر الله. ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾، الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى في الآخرة وفي الأولى. وركز على قضية الآخرة هنا لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم ستشفع لهم في الدار الآخرة، فكان هناك تركيز على موضوع الدار الآخرة كما سيأتي في تسلسل الآيات، نعم.
قال: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: 26]. هذه الآية يستدل بها أهل السنة والجماعة على شروط الشفاعة. من يستخلص لي شروط الشفاعة من هذه الآية؟ هذا في علم العقائد يقولون شروط الشفاعة يستنبطونها من هذه الآية، يعني من الذي يمكن أن يشفع عند الله سبحانه وتعالى؟ هل كل إنسان وكل ملك وكل مخلوق يمكن أن يشفع للعصاة والمذنبين عند الله؟ بالتأكيد الذي يسمح له أن يشفع عند الله له معايير، له شروط، الأمر مش هكذا محسوبية زي حالة الدنيا، في الدنيا واحد يدق باب الوزير المحافظ يدخل، اه بيشفع، يعني الأمور ماشية هكذا! عند الله الأمور مختلفة تماماً.
الذي سيشفع له شرطان ذكرهما الله في الآية؛ الشرط الأول: يعني إذاً وجود الإذن الإلهي. أولاً لابد أن يأذن الله، فحتى لو كنت من أكبر الأولياء في الأرض إذا لم يأذن لك الله لن تستطيع الشفاعة، إذاً هذا الشرط الأول الإذن الإلهي. ثانياً: أن يرضى ابتداءً عن الشافع، أن يكون الذي سيشفع قد رضي الله سبحانه وتعالى عنه. في يوم القيامة الفجار هل يشفعون عند الله؟ لا طبعا، العصاة المفسدين في الأرض، جبابرة الأرض، لأن الله لا يرضى عن أفعالهم وصنائعهم، فلابد إذاً من هذين الشرطين: أن يكون الشافع مرضياً عند الله في تصرفاته، وأن يأذن الله له بالشفاعة. فهذان الشرطان أخذناهما من قوله: إلا من بعد أن يأذن الله. هذا الإذن لمن يشاء ويرضى. رضا الله سبحانه وتعالى عن الشافع ورضاه طبعًا أن يشفع على المشفوع له.
طيب، قال: يعني أن أمر الشفاعة ضيق، فإن الملائكة مع قربتهم... كفار قريش كانوا يفكرون الشفاعة على كيفهم، فهمتم السياق؟ يعني لماذا أصلًا الإنسان في قال: أمن الإنسان ما تمنى؟ لماذا خصها بموضوع الشفاعة؟ هم ماذا كانوا يعتقدون في أصنامهم؟ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]. هم كانوا يتصورون أن اللات والعزى ومناة ماذا ستفعل لهم في الدار الآخرة؟ ستشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى. فالله يخبرهم أنه هيك الموضوع هو هكذا؟ أمن للإنسان ما تمنى؟ خلص أنتم نفسكم أنها تشفع لكم ما تشفع لكم؟ هيك الموضوع سهل؟ لا، الأمر ليس كذلك. ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى﴾ وكم من ملك، مش صنم، يعني أنتم أصنام، الله يقول: وكم من ملك مقرب عندي له مكانة عظمى ويعبدني ليلًا ونهارًا، لا يشفع إلا بعد هذه القوانين. نعم.
قال: يعني أن أمر الشفاعة ضيق، فإن الملائكة مع قربتهم وكثرتهم لو شفعوا بأجمعهم لأحد لم تغن شفاعتهم شيئًا قط ولم تنفع إلا إذا شفعوا من بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة لمن يشاء الشفاعة له ويرضاه ويراه أهلًا لأن يشفع له. فكيف تشفع الأصنام إليه؟ ويرضاه ويراه أهلًا لأن يشفع له، فجعل الرضا عن الشافع والمشفوع له لأنه قال: ويرضى، أي ويرضاه ويراه أهلًا لأن يشفع له، فرضاه على الشافع والمشفوع له، رضا عن الأمرين أو الاثنين معًا. قال: فكيف تشفع الأصنام إليه؟ يعني إذا كانت الملائكة وهي على هذه الدرجة من العبودية لله والقرب من الله لا تشفع إلا بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فما تظنون بهذه الأحجار وهذه الأصنام؟ هل تظنون الأمر هكذا سبهللة؟ كلا، نعم. قال: فكيف تشفع الأصنام إليه لعبدتهم؟
نعم، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى﴾ [النجم: 27] لأنهم إذا قالوا للملائكة... هذا أيضاً شيء من الاستطراد. عاد إلى قضية الاستطراد لما أتى بذكر الملائكة، هم الآن نحن لما ذكرنا اللات والعزى قلنا جعلوا هذه الأصنام ماذا؟ بنات لله سبحانه. فهنا لما ذكر الملائكة أراد أن يكمل الفكرة السابقة، وأيضاً هذه الملائكة لا تنسون أنكم جعلتموها أيضاً بنات لله سبحانه وتعالى. يعني فالشيء بالشيء يذكر؛ كما جعلوا الأصنام بنات الله جعلوا الملائكة بنات الله، فذكر موضوع أنهم ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ضمن هذا السياق هو شيء من الاستطراد لما مر معنا أنهم جعلوا أصنامهم أيضاً بنات لله، فهذا ذكر مع هذا في سياق واحد.
نعم، قال: ليسمون كل واحد منهم تسمية الأنثى لأنهم إذا قالوا للملائكة بنات الله فقد سموا كل واحد منهم بنتاً وهي تسمية الأنثى. نعم، ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النجم: 28] أي بما يقولون. وقرئ بها أي بالملائكة أو التسمية. ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ وهو تقليد الآباء ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي﴾. يعني هناك من قرأ: وما لهم بها من علم، ونحن نقرأ: وما لهم به من علم، تمام؟ أي بما يقولون، الضمير في به يعود على ما يقولونه. وهناك قراءة أخرى: ما لهم بها من علم، فالضمير في بها يعود على ماذا حينئذ؟ يعود على الملائكة أو التسمية. يعني هذه الملائكة أنتوا شو عرفكم في الملائكة وفي خلق الله؟ كيف عرفتوا أنها إناث ولا ذكور؟ يعني بناءً على ماذا؟ أو يعود على التسمية. وهذه التسمية أنتم لم تبنوها على علم، ما لهم بها أي بهذه التسمية من علم، وإنما نعود إلى نفس الإشكالية؛ ما مرجعيتكم في أمور العقائد؟
ما هي المرجعية في أمور العقائد عند هؤلاء الكفار الجاهليين؟ قال: إن يتبعون إلا الظن هو تقليد الآباء وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا. طبعًا هو يعني الظن ليس فقط تقليد الآباء، هو كل شيء لا يبنى على دليل. كل اعتقاد لم تبنيه أنت على دليل فهو ظن مذموم عند الله سبحانه وتعالى، سواء كان بالهوى أو بتقليد الآباء أو بغير ذلك من الأمور. نعم، قال: وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، أي إنما يعرف الحق الذي هو حقيقة الشيء وما هو عليه بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم. نعم، يعني يريد أن يقول: الظن الكاذب ليس سبيلًا للوصول إلى الحقائق الإلهية. هذه عبارة قد تكون قاعدة، هذه نعتبرها هذا الختام. قاعدة: إن الظن لا يغني من الحق شيئًا. ما معنى ذلك؟ أي الظن الذي لا يقوم على أدلة لا يوصل إلى الحقائق الشرعية والإلهية، بل لا يوصل حتى في أمور الدنيا، لكن كوننا نتكلم في أمور الأديان الله يخبر: هذا الظن الذي اتبعتموه منهجًا في أمور دينكم، اعلموا أنه لا يمكن أن يوصلكم إلى حقيقة، لا يمكن أن يوصلكم إلى شيء تطمئنون به في أمور الدين، لا يمكن أن يمنحكم الراحة والسعادة.
فلذلك قال: إن الظن لا يغني من الحق، أي لا يوصل إلى حقيقة وعقيدة راسخة واضحة لله سبحانه وتعالى. وهذا حال كفار قريش وحال الجاهليين وحال الكفر في كل زمان ومكان. كل من بنى عقائده على الظن وما تهوى الأنفس، فنقول له: إن الظن لا يغني من الحق شيئًا، أي لا يوصل إلى الحقائق الشرعية الإلهية، نعم. قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَمَّن تَوَلى عَن ذِكْرِنَا﴾ [النجم: 29]، فأعرض عمن رأيته معرضًا. الخطاب لكفار قريش، الكاميرا تلتفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. يا محمد صلى الله عليه وسلم، نحن نعرف أنهم يستهزئون بك، يستهزئون بالوحي، يكذبون بما أتيت به، يقولون عنك مجنون، يقولون عنك ساحر.
يقولون عنك كاهن، يقول أتى به من فلان. ما هو الحل؟ فأعرض.
الحل هو فأعرض عمن تولى. التولية ليست هي إعراضًا أيضًا؟ تولى. تولى أيضًا أعرض، فكأن الإعراض هو جزاء الإعراض، لأنه قال، يعني كأنه قال: فأعرض عمن أعرض. الإنسان الذي لا يعطي اهتمام لك ولا يحترم الوحي الإلهي ولا يجعله مرجعية، هو أعرض، فنتيجته منا ماذا؟ أن نعرض عنه بعد أن ندعوه ونبين له ونجلس قدر المستطاع في إقامة الحجج عليه، بعد ذلك ماذا أفعل معه؟ هل يكون جليسي وأكيلي وأمازحه معه وأقضي معه الحياة؟ لا.
فأعرض عمن تولى، أعرض عمن أعرض، هذه قاعدة الله سبحانه وتعالى في كتابه، من أعرض عن الذكر، هنا سماه ذكرًا. لاحظوا، سماه وحيًا، سماه هدى، سماه ذكرًا، أسماء مختلفة والمسمى واحد، الوحي الإلهي، فأعرض عمن تولى عن ذكرنا، من أعرض عن ذكرنا، من رفض مرجعية الوحي، فأعرض عنه يا محمد صلى الله عليه وسلم، واستمر في مسيرتك الدعوية والعلمية وبناء الجيل الصالح، فإن هؤلاء لا يستحقون الوقوف معهم أكثر من ذلك، نعم.
قال: فأعرض عمن رأيته معرضًا عن ذكر الله أي القرآن ولم يرد هذه السور أنها مكية لم تتكلم عن موضوع المقاتلة والمجابهة بالسيف. هذه سور مكية فكان الموضوع يقتصر على ماذا؟ الإعراض خلص يعني اتركه مستمر في مسيرك، لكن في السور المدنية لهجة الخطاب ستختلف، أليس كذلك؟ سيطلب منه المقاتلة والمجاهدة ليكون الدين كله لله. هذه السور المكية عادةً يكون الخطاب للنبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه خطاب الإعراض، تمام؟ أعرض عنهم، فاعف عنهم واصفح إلى غير ذلك الصفح الجميل، كل هذا في السور المكية تجدونه حاضرًا لأنه لم يؤمر بقتال بعد صلوات ربي وسلامه عليه، نعم.
قال ولم إلا الحياة الدنيا، ذلك أي اختيارهم الدنيا. هذا يدل أحبابي الكرام يعني هذا الربط بين فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، يعني الربط بين ولم يرد إلا الحياة الدنيا مع الإعراض عن الذكر هل له يعني هكذا وجه يظهر لكم؟ يعني لماذا قال أعرض عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا؟ هل في رابط بين هذين الجملتين؟ فهمتم السؤال ولا أعيده؟ هل في رابط بين أعرض عن ذكرنا وبين ولم يرد إلا الحياة الدنيا؟ ها شيخ عمر؟
أحسنت، يعني أن الحياة الدنيا هي سبب الإعراض عن الذكر وعن الوحي يعني، طيب جيد، أيوه. يعني أيوه من أعرض عن الذكر سيعيش للدنيا. لكن خلوني أوقف مع ما قاله الأخ، إخواني أدلة القرآن وحديث القرآن وكلام الوحي هل هو مقنع ولا هو يمكن أن يتفاوت الناس في الاقتناع به؟ الأدلة القرآنية حجة الله على خلقه. هل هي مقنعة؟ أم دامغة؟ أم يمكن أن يتفاوت الناس في الاقتناع بها؟ كأصل فكري الآن انسى التفاوت لأمر نفسي.
كأصل فكري هل هناك دليل شرعي إلهي ضعيف؟ هل الوحي الإلهي فيه ضعف من جهة من الجهات؟ طيب لماذا تعرض عن الذكر؟ إذا كان الوحي واضح وكانت أدلة القرآن دامغة وكان من كل من فهم القرآن وأدلته يقتنع أنه شيء من الله وأنه كلام إله وأن أدلته، لماذا تعرض؟ كما قال الأخ، هو لا يعرض عن عدم اقتناع. هو يعرض لأنه يريد الحياة الدنيا، ويشعر أن الوحي يقيد هذه الرغبات ويقيد هذه الشهوات. فهمتم الفكرة؟
لذلك الغرب اليوم لماذا يبحث عن الإلحاد؟ لأشنع صور الإنسانية. لماذا؟ حتى يخرجوا عن أي شيء اسمه قانون إله. ليه؟ حتى يعيشوا العهر والفجور والخنا والزنا كما يريدون، والشذوذ والجندر وكل شيء وكل شيء، لأنهم يعلمون أن حتى أديانهم المحرفة تقيدهم بشيء من الأخلاقيات. فدائماً الإعراض عن الذكر ليس هو نتيجة عدم اقتناع وإنما هو نتيجة ماذا؟ أنه لم يرد إلا الحياة الدنيا. هذه قضية مهمة جداً أن تفهمها.
الذين أعرضوا عن الذكر إياك أن تظن أنهم في حالة عدم اقتناع، أو أن الذكر لم يجبه عن الأسئلة الفطرية. لا، هو يريد الحياة الدنيا فأعرض عن الذكر. فهمتم؟ هو يريد الحياة الدنيا فأعرض عن الذكر، وإلا لو وقف مع الذكر فإن الذكر سيشفي غليله، ولن يجد أي فجوة في كلام الله سبحانه وتعالى أو كلام نبيه صلى الله عليه وسلم. فهذه قضية مهمة جداً حتى نثق بما عندنا، حتى نثق بما نملكه.
نحن نملك حقائق يقينية لا شك فيها، حقائق واضحة. طيب لماذا أعرض عنها الغرب اليوم؟ لأنهم لم يريدوا إلا يريدون الدنيا والشهوات والملذات والأموال وما شابه ذلك، فلذلك أعرضوا عن الذكر، هذه حقيقة الله ذكرها قبل ١٥٠٠ سنة وتتجدد في كل زمان وفي كل مكان. أعرض يا محمد عن هؤلاء الذين أعرضوا عن ذكرنا ولم يكن سبب إعراضهم عقما في ذكرنا وإنما هو إرادتهم للحياة الدنيا، نعم.
قال: ذلك أي اختيارهم الدنيا والرضا بها مبلغهم من العلم منتهى علمهم. هذا ما وصلوا إليه من منتهى العلم، خلاص يريدون الدنيا هذا مبلغهم أي منتهى علمهم. وهذا ذم لهم، وهذا ذم لهم أن علمهم لم يصل ولم يتعدى إلى الدار الآخرة وإنما اقتصر فقط على علوم الحياة الدنيا، وهذا من جهل الإنسان. وهذا يدل على أن العلوم الدنيوية مهما كانت شريفة فتبقى أدون من العلم الإلهي، أن العلوم الدنيوية مهما كانت شريفة، طب ولا هندسة ولا فيزياء وذلك مبلغهم من العلم دنيا.
وأن العلم الإلهي العلم الشرعي هو أشرف العلوم وأعظمها لأنه يقودك إلى ما هو أبعد من الحياة الدنيا، نعم. قال: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، أي هو أعلم بالضال والمهتدي ومجازيهما. يعني هنا قال: هو أعرض، أعرض يا محمد صلى الله عليه وسلم وترك الأمر للإله، أعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم، فالأمر في النهاية لي فأنا الإله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه أعلم الذين ضلوا عن السبيل ولم يصلوا إليه وأعلم الذين اهتدوا إلى الله سبحانه وتعالى، وسيجازى كل إنسان بناء على ما فعله وما سعى إليه. من ذهب إلى الضلالة وأعرض عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، فإن أنه سيجازى على هذا، وأما من استقبل الهدى والوحي الإلهي، وجعله مصدراً يسير أمور حياته وفق منهجها، فسأجزيه بالحسنى كما سيأتي في الآيات اللاحقة.
هذا قانون الله، يعني هذه السور تعطي قوانين، قوانين الكون كما أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون. ممتاز، قانون: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النحل: 125]، نعم. قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم: 31]، بعقاب ما عملوا من السوء، أو بسبب ما عملوا، ما عملوا من السوء. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: 31]، بالمثوبة الحسنى، وهي الجنة، أو بسبب الأعمال الحسنى. والمعنى أن الله عز وجل اختلف في تفسير الباء هنا، ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، الباء هنا تدل على ماذا؟ هل هي باء السببية؟ ليجزيهم بسبب أعمالهم، أو باء العوض، ليجزيهم بعقاب ما عملوا؟ هذا خلاف، البعض جعلها باء السببية، فيكون المعنى ليجزي الذين أساؤوا بسبب أعمالهم السيئة. والبعض جعلها باء ماذا؟ العوض، ليجزي الذين أساؤوا بعقاب، بسبب أعمال، يعني بدون السببية، أي بعقاب ما عملوا من السوء، فهنا ستجعل الباء باء العوض. وكلاهما يؤدي أو يصب في نفس الاتجاه، طيب.
ويجزي الذين أحسنوا، أيضاً هذه الآية تتكلم عن قوانين الله. قوانين الله التي ستحكم هذا العالم في الدار الآخرة: إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى، ثم في الدار الآخرة: ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا ما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وكأن هذه الآية تعطيك مغزى الوجود. ما مغزى الوجود من هذه الآية؟ ولله ما في السماوات وما في الأرض، الله يقول: أنني أنا الذي خلقت وأوجدت وأملك ما في السماوات وما في الأرض. طيب، ما هو المغزى؟ لماذا يا رب؟ خلقت السماوات والأرض وأودعت فيها قوانين الفيزياء والكيمياء والطب والأحياء إلى غير ذلك. لماذا؟ لماذا؟ ما هو الهدف من الوجود؟ مش قلنا القرآن يجيبنا عن الأسئلة الأساسية؟ لماذا نحن في هذا العالم؟ ولماذا خلق هذا العالم؟
فالله يعطيك الإجابة هنا. ما هي الإجابة؟ هي تكون الحياة الدنيا رحلة ابتلاء. ومن نجح في هذا الابتلاء سيجزى بالحسنى، ومن فشل في هذا الابتلاء سيجازى على سيئاته. هي هكذا فكرة باختصار. شفتها؟ ترى هي سهلة أنت بالنسبة لك واضحة، لكن عاش من أجلها فلاسفة ولم يهتدوا لها. كم هي الفكرة مريحة وسهلة وأنت تصل لها كل يوم وأنت تقرأ القرآن، وكم جلس فلاسفة في اليونان وفي العالم الغربي في العصر الحديث يبحثون عن هذه الإجابات وتوهوا عنها. الله يقدمها لك من خلال الوحي الإلهي. المغزى من وجودك أيها الإنسان أن تبتلى مع هذا الإله، فإذا أحسنت فلك الحسنى، وإن أسأت فلك العقاب. كم هي مريحة وواضحة وجلية ومفهومة هذه الحقيقة للوجود الإنساني، نعم.
قال والمعنى أن الله عز وجل إنما خلق العالم وسوى هذه الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين والمسيء منهم. هذه الخلاصة ذكرها لك إياها النسفي: والمعنى أن الله عز وجل إنما خلق العالم وسوى هذا الملكوت ليجزي المحسن من المكلفين. إذاً في تكليف ستكلف به، إذا أحسنت ستجازى بالإحسان، وإذا أسأت ستجازى بالإساءة. هكذا قامت الكون، ومن أجل ذلك خلقت السماوات والأرض، نعم. قال: إذ الملك أهل لنصر الأولياء وقهر الأعداء. الملك الذي ملك السماوات والأرض هو أهل لأن ينصر أولياءه الذين أحسنوا بالحسنى ويقهر أعداءه الذين عملوا السيئات، طيب.
قال: الذين بدل أو في موضع رفع على المدح أي هم الذين يجتنبون كبائر الإثم. هنا بدأت الآيات سلام ورحمة تمدح الذين ماذا؟ أحسنوا بالحسنى. من هم الذين أحسنوا بالحسنى؟ مدح للذين أحسنوا بالحسنى، فالله عز وجل يقول في مدحهم وفي الثناء عليهم هؤلاء الذين أحسنوا بالحسنى هم الذين. فالذين إما أن تجعل بدل من الذين أحسنوا أو تجعل خبر لمبتدأ. التقدير: الذين أحسنوا بالحسنى من هم؟ هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش. قواكم الله. تمام؟
فهنا بدأت الآيات كانت تعرف أو تعطيك أبرز صفات هؤلاء الذين أحسنوا بالحسنى. وحقيقة الطريقة التي رسم بها هؤلاء القوم طريقة ترحم الضعف الإنساني، ترحّم الضعف الإنساني. انظر ماذا قال ربكم، نعم. قال: يجتنبون كبائر الإثم أي الكبائر من الإثم لأن الإثم جنس يشتمل على كبائر وصغائر. معنى الإثم جنس يشمل كبائر وصغائر، وهذه من أقوى الأدلة على أن المعاصي تنقسم إلى كبائر وصغائر. لأنه صار جدل بين بعض العلماء الكلام هل الكبائر الذنوب فيها كبائر وصغائر؟ فالبعض نفى، قال: كل الذنوب كبائر. حقيقة هذا قول ضعيف، والصحيح بنص كتاب ربنا سبحانه وتعالى أن الذنوب منها ما هي كبائر ومنها ما هي صغائر. لا يسوى هذا في هذا. طبعًا الذي قال كل الذنوب كبائر هو راعى جانب إيماني، ما أنه كل شيء يعصى به الله كبير، أن أي معصية لله يجب أن تأخذها بعين الاعتبار أنها كبيرة، لكن هذا لا ينفي في النهاية أن الله قسم الذنوب إلى كبائر وصغائر، نعم.
قال: أي الكبائر من الإثم، لأن الإثم جنس، يعني الإثم جنس ينقسم تحته كبائر وصغائر. هكذا، الإثم جنس، كيف تقول الحيوان وينقسم تحته إلى ماذا؟ أسد وفرس وما شابه ذلك. كذلك الإثم هو جنس عام يشمل كبائر وصغائر. هذا معنى قوله والإثم جنس يشتمل أسفل منه على كبائر وعلى صغائر. الآن أراد أن يعرف الكبائر، طبعًا تعريف الكبيرة من الأمور التي اختلف فيها علماء العقائد اختلافًا كبيرًا واسعًا، ومن أصح ومن أشهر الأقوال أن الكبيرة هو كل ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، كل ما وضع الله عليه حدًا في الدنيا أو وعيدًا أو لعنة في الآخرة فهذا كبيرة، وما عدا ذلك فيكون من قبيل الصغائر. تمام؟ يعني هذا أقرب ضوابط لهذا الموضوع، طيب.
قال: والكبائر الذنوب التي يكبر عقابها.بيرة حمزة وعلي، أي نوع أي نوع الكبيرة منه. والفواحش ما فحش من الكبائر. يسمى لماذا سميت الكبائر كبائر؟ لأنه يكبر عقابها. لماذا سميت الكبائر كبائر؟ لأن العقاب عليها أشد، طيب. قال: حمزة وعلي قرأوها الذين يجتنبون كبير الإثم والفواحش. هناك قراءة أخرى في الآية: الذين يجتنبون كبير الإثم والفواحش. قراءة أخرى، طيب. قال: أي نوع الكبيرة منه. والفواحش ما فحش من الكبائر. آه، يعني حتى الكبائر فيها فواحش، يعني أعلى أنواع الكبائر، يعني كأن الكبائر أيضًا تنقسم إلى الكبائر الاعتيادية وإلى أسوأ أنواع الكبائر. أسوأ أنواع الكبائر اللي هي الفواحش، اللي هي يسمى السبع الموبقات، سبع الموبقات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، طيب.
قال: كأنه قال: والفواحش منها خاصة. يعني كأن الآية: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش بالتحديد منها، لأنها أصعب الكبائر وأسوأ الكبائر، طيب. فهذه صفة الذين أحسنوا بالحسنى، أهم صفة إذًا بدك تحاول تحرص عليها أيها الإنسان إنك لا تفعل الكبائر. أهم شيء بالنسبة لي ولك ولكل مسلم ألا نصل إلى مرحلة نفعل فيها ماذا؟ الكبائر. طيب بالنسبة للصغائر ما موضوعها؟ فقال سبحانه: قيل الكبائر ما أوعد الله عليه النار والفواحش ما شرع فيها الحد. يعني ما فيش داعي لهذا التعريف، خلص احنا قلنا الكبائر عمومًا كل ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وهذا يشمل الفواحش، وهذا التفصيل لا داعي له، نعم.
قال: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: 32] أي الصغائر، والاستثناء منقطع. اللمم. قال: الذين يجتنبون كبائر الإثم والـ
الفواحش إلا اللمم. ما هو اللمم؟ صغائر الذنوب. يعني هل المراد أن لا نجتنب اللمم؟ إنه خلص افعلوها. أما اللمم اللي هي الصغائر لا ليس هذا هو المراد، وإنما هو إخبار عن ضعف الإنسان. هو أن الإنسان مهما بلغ من التقوى لا بد وأن يقارف شيئًا من ماذا؟ من اللمم. ومن منا لا يعصي؟ من منا لا تقع عينه على شيء لا يرضي الله؟ من منا لا يستغيب هكذا سهوًا؟ من منا لا يعني تصدر منه كلمة في غير موطنها؟
فالله عز وجل يخبر هذه الذنوب اللمم حاولوا واجتهدوا أن تتركوها، لكن لا بد وأن تقع منكم فأنا أغفرها لكم بشرط ما هو؟ أن تجتنبوا الكبائر. من يعطينا آية أخرى بهذا المفهوم؟ تقريبًا هذا المفهوم. أيوه، أحسنت. ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31] والمراد الصغائر. فتكفير الصغائر مشروط باجتناب الكبائر.
فلذلك هنا لما قال الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، كأن الله يقول لك اجتنب كبائر الإثم والفواحش وأنا الصغائر أتجاوز عنها. طبعًا أنت مطلوب منك حتى الصغائر لا ترتكبها؛ لأن الصغيرة ممكن مع الوقت تصبح ماذا؟ كبيرة وتقودك إلى كبيرة، فلا تحط في الزاوية الصعبة، لكن الصغائر تبقى صغائر في مجال عفو الله سبحانه وتعالى، وهذا الحمد لله من رحمة الله بضعفنا. فكل واحد منا لا بد وأن يخطئ، كل بني آدم خطاء، لا بد نخطئ.
قال: والاستثناء منقطع؛ لأنه ليس من الكبائر والفواحش. يعني هذا الاستثناء ليس استثناءً متصلاً وإنما استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع هو الذي يكون المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، هذا يهتم به طلاب العربية. قال: كالنظرة والقبلة واللمسة والغمزة. يعني هو أعطاك أمثلة على الصغائر، يعني كنظرة أزحت عينك عليها بالخطأ، أو يعني ما هو إحنا ما بدنا مشكلة نجرب بعض الشباب يعني، ولا قبلة هنا يا زيادة شوية تمام، غمزة حاطط إيده في إيد واحدة، لكن لا تتهاون في هذه الأمور؛ لأن صدقني قد لا تضبط نفسك فتقع في الزنا، يعني لا تتساهل بها.
مراد قبلة بالغلط، لمسة بالغلط، ماشي. لكن الإدمان عليها سيوقعك في الكبائر ولا بد، فاجتنب ولا تتبع خطوات الشيطان، والسلامة لا يعدلها شيء. قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: 32] فيغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة، هو أعلم بكم إذ أنشأكم. فيغفر ما يشاء من الذنوب من غير توبة، هذا يعني كأنه فتحة فسحة أمل. فسحة أمل، إن ربك واسع المغفرة، لما قال عن اللمم والصغائر قال ربنا واسع المغفرة، بس أهم شيء اجتنب الكبائر.
طبعًا هذا هو يعني يفهمه المسلم في سياقه، إنه مش أنا خلص معناتها ربنا قال إن ربك واسع المغفرة من بكرة رح نبلش صغائر، لا يا عمي الله يرضى عليك، مش هذا المطلوب منك، المطلوب إنه إذا الإنسان شعر بشيء من التقصير لا تجلد نفسك فتأيأس من روح الله؛ لأن الصغائر يعني تقع. إن ربك واسع المغفرة، ربنا بيغفر، ربنا بيسامح، ربنا بيعطيك مساحة، بس أهم شيء تجتنب الكبائر، الصغائر قاوم نفسك عليها.
إذا وقعت فيها بعض الشباب أو الأخوات يمكن تجلد نفسها جلد حقيقة سلبي على أخطاء صغيرة في الحياة تشعره باليأس والقنوط والإنسان سيء وما فيش مني خير، أنا سبباً في أطلب العلم، أنا عيني وقعت على شيء حرام خلاص راح أترك طلب العلم، دير بالك انتبه. استمر في طلب العلم، استمر في درب الصالحين، استمر في السعي في الخيرات حتى ولو وقعت في الصغائر فكلنا ذاك الرجل.
كلنا ذاك الرجل والصحابة الكرام كانوا يذنبون ويقعون في الصغائر، يعني لا تظن يعني أنه هذه الصورة أنه ما كانوا يذنبون، فاعرف ضعفك واعرف أن ربك واسع المغفرة وجاهد. فهذه فسحة أمل لكل إنسان وقع في صغائر حتى لا يشعر باليأس والإحباط من نفسه.
أخواتي الصوت فقط الصوت أخواتنا. قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم﴾ [النجم: 32] أي أباكم من الأرض ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ جمع جنين. كما يقول هو أعلم بكم، يعني كأنه يقول هو أعلم بضعفكم. سمعت مالها؟ إن ربك واسع المغفرة. ربنا عارف فيك، عارف ضعفك، عارف الشهوات التي تغزوك، عارف عينيك التي أنت مش قادر تمسكهم، عارف هذه النفس الأمارة بالسوء. هو أعلم بكم، أنا عارفك من لما خلقتك من الأرض.
كأنه يقول لك هو أعلم بكم من وقت ما أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم. أعلم ضعفكم وأعلم كل ما تمرون به من شهوات من أفكار من خواطر رديئة، إن ربك واسع المغفرة، هو أعلم بضعفنا. آيات جميلة حقيقة تشعر الإنسان بالراحة، ربنا بيقول لك أنا عارف، عارف أنك ستخطئ، عارف ستذنب، عارف ضعفك الإنساني وضعفك البشري، أنا عارفك من لما خلقتك، هو أعلم بكم إذ أي من وقت أنشأكم من الأرض، أنشأكم من الأرض أبونا آدم، وإذ أنتم أجنة أنا وإياك ونحن أجنة في بطون أمهاتنا.
الله يعلم ضعف الإنسان عن مقاومة الشهوات والملذات، فيتجاوز لك عن هذه الأخطاء التي قد تزل بها الأقدام، لكن الكبائر دير بالك سياج الله العظيم. قال: ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ جمع جنين في بطون أمهاتكم ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] فلا تنسبوها إلى زكاء العمل وزيادة الخير والطاعات أو إلى. قال في المقابل يعني أنا أعلم بك فأغفر لك الصغائر وكذا، لكن في المقابل أيضًا لا تأخذ في نفسك شعور بماذا؟ بالصلاح وتزكي نفسك أمام الناس، خلص نحن عارفين أنه في بيننا ذنوب صح ولا لا؟ وكل واحد فينا ربنا ساتر عليه.
فإن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم، بس في نفس الوقت لا تظن نفسك أنك ولي وأنك تستحق التقدير والاحترام لأنك طالب علم أو لأنك متدين أو ما شابه ذلك، لا تزكي نفسك بأي شكل من أشكال التزكية. فأنا أعطيتك فسحة أمل وقلت لك إني واسع المغفرة، بس في المقابل إيش؟ لا تستعرض نفسك في الصلاح والتقوى وتظن نفسك لأنك الولي الصالح المقدم عند الله تزكي نفسك، اتهم نفسك دومًا بالتقصير وعد عليها باللوم وأنني عصيت وأنني أنتظر من الله التوبة فقد وعدني بالتوبة.
لا تزكي نفسك ولا تشعر نفسك أنك مقدم على أقرانك أو على أهل زمانك كونك والله تقوم الليل أو كونك طالب علم أو كونك نلت شهادة شرعية أو ما شابه ذلك من أمور الصلاح التي قد توسوس لبعض الناس الشعور بماذا؟ أنه أولى أن يقدم أو أن يذكر أو أن يعجل أو ما شابه ذلك، اعرف ضعفك واعرف أنك تعيش بستر الله.
اعرف أنك تعيش بستر الله أيها الإنسان، ولو فضحك الله ولو كانت لذنوبك رائحة لما مشى الناس معي ولا مع غيري كما كان السلف يقولون. لو كان للذنوب روائح منتنة لما مشى الناس معنا ليه؟ نحن سنكشف مباشرة أننا أصحاب ذنوب وخطايا، لكننا نعيش بستر الله، الله هو الساتر على ذنوبنا وغداراتنا. فعش بستر الله وإن ربك واسع المغفرة، بس لا تزكوا أنفسكم ولا تظهروا أنفسكم أكثر مما أنتم عليه في الواقع.
هو أعلم بمن اتقى. وربنا عارف المتقي من غيره، ليش تظهر نفسك للناس؟ هذا شيء بينك وبين الله، لا تزكوا أنفسكم، هو سبحانه الذي يعلم المتقي من غيره، الصادق من الكاذب، المؤمن من المنافق في هذه الميادين. هذا درس بليغ من الله سبحانه وتعالى للمنهج الذي ينبغي أن يسلكه الإنسان في هذه الحياة.
قال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] فلا تنسبوها إلى ذكاء العمل وزيادة الخير والطاعات أو إلى الزكاة والطهارة من المعاصي، ولا تثنوا عليها. تزكي نفسك لا إنك ما بتعملش معاصي، ولا تزكي نفسك إنك بتعمل خيرات وطاعات. في كلا الجانبين اترك التزكية، لا تزكي نفسك إني بعمل وبعمل، ولا تزكي نفسك إنه أنا الحمد لله ما بقاش في خطايا، والله إنك وقعت في خطايا انتبهت لها أو لم تنتبه، لا يمكن أنك لا تقع في خطيئة.
قال: فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولاً وآخراً قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم. وقيل كان ناس يعملون أعمالاً حسنة ثم يقولون صلاتنا وصيامنا وحجنا، فنزلت يعني يمدحون أنفسهم، إنه والله صلينا الحمد لله، هذا ترى بعض الناس، والله الحمد لله عملنا السنة دي عمرتين، والله بفضل الله إني دعوة دعاء ما شاء الله، الله يرضى عنك حجي، يعني هذا بينك وبين رب العالمين سيدي الشيخ، تمام. والله إني بكيت يا شيخ بكاء، خلص خليها بيني وبين الله يا شيخ. بعد ما يكون حكى وخلص. خلص خليها بيني وبين رب العالمين، يا شيخ والله يا حجي ما أنت حكيت كل شيء.
تمام، صلينا وحجينا، فنزلت هذه الآية، إنه بعض الصحابة كانوا وقعوا في هذا الخطأ، فالله عز وجل قال لهم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]. قال: وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء لا على سبيل الاعتراف بالنعمة فإنه جائز. يعني أحياناً قد تضطر أن تتكلم بشيء من العبوديات إما لتشجع غيرك أو تحمد الله. والله أحمد الله عز وجل أنني قرأت هذا الكتاب أو إنسان يخبر والله الحمد لله الله من علي حفظت كتابه الكريم على سبيل الاعتراف بنعمة الله هذا يدخل تحت عموم ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11].
لكن لا تجرب نفسك، يعني هذا إنما يكون على سبيل الطارئ السريع، أما دائماً دائماً أنت تتحدث لأخشى أن يكون سبباً لدخول الشيطان عليك، أما هكذا مرورا عابرا تكلمت عن نعمة أسداها الله لك جيد اعترافا بفضل الله، لكن الاستمرار لا احذر لأنه الشيطان قد يدخل عليك من هذا الباب.
قال لأن المسرة بالطاعة طاعة وذكرها شكر، هو أعلم بمن اتقى فاكتفوا بعلمه عن علم الناس وبجزائه عن ثناء الناس. شوف هذه الجملة الأخيرة جميلة من النسفي. قال: هو أعلم بمن اتقى. طيب شو نعمل؟ فالنتيجة إذا كان الله هو أعلم بمن اتقى فاكتفوا بعلمه عن علم الناس. أنت تحتاج هو سؤالي لك ولنفسي، من تحتاج أن يعرف أنك ذكي وطاهر؟ الله أم الناس؟
إذا كنت أنت محتاج أن يعرفك الله وربي يقول لك أنا عارفك، خلص هو أعلم، أما إذا كنت تبحث عن معرفة الناس فاطلب ثوابك عند الناس، لا تطلب ثوابك عند الله سبحانه وتعالى. لذلك قال هو أعلم بمن اتقى، المطلوب من ذلك فاكتفوا بعلمه عن علم الناس وبجزائه في جنات النعيم عن ثناء الناس في الدنيا. هذا المطلوب منا لما نعمل الأعمال الصالحة نكتفي أن الله يعرفنا ولا نطلب من الناس أن يعرفونا ولا نبحث عن ثنائهم ولا عن رضاهم، فهو سبحانه خلص بما أنه عرف سيجازيك.
فالسؤال هو أنت تطلب الثواب ممن؟ هذا الذي يجب أن تبحث عن إجابته في داخل نفسك، أنت تبحث عن الثواب ممن يا طالب العلم ويا طالبة العلم ويا أيها السائر إلى الله؟ لأنه يوم القيامة الله عز وجل سيقول لك إذا كنت تبحث الثواب عند غيري فاذهب إلى من تبحث الثواب عنده، اذهب إلى من كنت تعتقد أنه سيجازيك، خلينا نرى هل سيجازيك أم لا. ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-7] إلى آخر السورة. ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20].
هنا ينتهي هذا المشهد، ستبدأ السورة بمشهدها الأخير لعلني أتركه للمجلس القادم إن شاء الله، نختم سورة النجم ثم نتوقف إن شاء الله حتى ننهي دورة همم التي أعلنا عنها اليوم بإذن الله عشرة أيام متواصلة، بعد ذلك نعود إلى مجالس التفسير. نسأل الله أن يتينا الصحة والقوة والعافية جميعاً، ويعيننا على طاعته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل