غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على تفسير الإمام النسفي رحمه الله تعالى عليه لكلام ربنا سبحانه وتعالى؛ هذه الرحلة التي نعيشها في أفياء هذا الكتاب العظيم وهذا التوجيه الإلهي الذي لا ينبغي للمؤمن أن يعدل عنه، خاصة في زمن الفتن والشبهات والشهوات؛ ينبغي أن يستكثر الإنسان من تدبر القرآن والنظر في معانيه وتلمح إرشاداته والمسارات التي يرسمها القرآن للإنسان في هذه الحياة. ومن نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد أن يرزقه همة تدبر القرآن، فإن هذا فتح من الله سبحانه وتعالى وصرف للهمة نحو الخير.
ولذلك كثير من الناس تجد أنفسها لا تحب تدبر القرآن وهذا حرمان، يعني هو لا يجد في نفسه الدافعية؛ عدم وجود الدافعية نخشى أن يكون سبباً من أسباب الإقفال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. إذاً هناك حالة إقفال على قلوب كثير من الناس بسببها لا يقبل على القرآن ولا يقبل على تدبره والعيش في معانيه. والبعض قد يعتقد أن مجرد تدبر القرآن لا يؤثر في الحياة وهذا خطأ، وهذا ناتج من الأمراض المتراكمة على هذا القلب السقيم، وإلا فإن القرآن من خاصيته أنه يؤثر في القلب ويصلحه ويعيد تشكيله إذا أخذ بحق؛ فكونك أنت لا تنتفع بتدبر القرآن إذاً المشكلة فيك أنت، المشكلة فيك أنت في قلبك الذنوب التي تراكمت، فعليك أن تسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقك قلباً جديداً، قلباً يحب القرآن ويحب تدبره ويحب التقاط المعاني منه، فإن هذا القلب هو القلب الذي يعيش مع القرآن ويصلحه القرآن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوجه قلوبنا إلى تدبر كتابه.
نحن الآن نعيش في أفياء سورة الإنسان، وفي الدرس الماضي تكلمنا عن هذه السورة وفي مطلعها وعن طبيعة الموضوع التي تعالجه هذه السورة؛ الحديث عن الإنسان ذاك المخلوق الذي خلقه الله سبحانه وتعالى على هذه الأرض ليؤدي وظيفة، وهي وظيفة ليبلوكم، ليكون هناك اختبار وامتحان، وبعد هذا الاختبار والامتحان سيكون الجزاء: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 4]. وإذا كنت من الموفقين في الامتحان فهنا الله سبحانه وتعالى ذكر نعيم أهل الجنة يشوقك إليها، وهذا يدل على أن الإنسان يا إخوان يحتاج إلى مشوق، الإنسان يحتاج إلى دافع حتى يصبر على البلاء واللواء والمصائب التي تترى عليه في هذه الحياة الدنيا، والمشوق الكبير هو أن يتذكر الإنسان دوماً أن هناك داراً ينتظر المصير إليها، وأن هذه الدنيا لابد وأن تضع في نهايتها عصا الترحال عند الله سبحانه وتعالى؛ فمن وضع عصا الترحال في جنات النعيم أفلح.
فدائماً القرآن يشوقك؛ فسورة الإنسان تكلمت عن جزء من هذا التشويق، خاصة لمن يعرف العرب؛ العرب لما تتكلم لها عن الخمر أنت تتكلم عن أعظم لذة كانوا يعني يعيشونها قبل الاسلام، فلما تجد هذه السورة تتكلم عن موضوع لذة الخمر وكيف تصاغ مع الزنجبيل ومع آنية أخرى ربما بالنسبة لك تقول أنت يعني لماذا موضوع الخمر بالتحديد، لماذا موضوع الخمر بالتحديد يتكلم فيه؟ هناك عنصر تشويق؛ لأنك مسلم وُلِدت مسلما ربما لا تعرف الخمر والحمد لله، فقد يكون لك ذكر الخمر لا يؤثر كثيراً، لكن بالنسبة للعربي الذي هو أول من خوطب بهذا الكتاب، لما تقول له خمر أنت يعني كيف بالنسبة لك أفضل شراب في الواقع المعاصر، وبالنسبة له أفضل شراب الخمر؛ فالقران يشوق بما يعلمه من حالهم أن الخمر ولذتها وكيف يَنْتَشُ بها هي أكبر ما يسوقهم.
ومع ذلك القرآن يذكر أساليب أخرى للتشويق في كل زمان ومكان، مثل الحور العين، مثل الطعام والشراب والراحة، هذا عنصر عام، بس البعض قد يقول لماذا التركيز على الخمر في كثير من الآيات؟ لأن هذا الكتاب أول ما خاطب، أول ما خاطب خاطب عُرباً يعشقون الخمر عشقاً ويرونها أفضل أشربتهم وبها يعني تطيب حياتهم في وجهة نظرهم، فكان لابد من مطالبتهم باستبدال خمر الدنيا الزائفة بالخمر الصحيحة النافعة، وهي خمر الجنة، حيث الراحة والسعاده والحياة الابدية؛ الخمر التي لا تذهب العقل بل مخلوطة بالزنجبيل والسلسبيل وما شابه ذلك.
هذا جيد أن يفهم الإنسان طريقة القرآن في صناعة التشويق، ويعرف أنه أحياناً بعض عناصر صناعة التشويق بعضها قد لا تفرق بالنسبة لك، قد لا تراها، هو بالنسبة لنا أصل الجمال موجود بس مش بحجم اللذه التي يدركها العربي؛ لأنه العربي هو عارج عمر، أنت بالنسبة لك لما تقرا إنه الخمر ستكون مخلوطة بالزنجبيل داخلياً قد لا تشعر بماذا بشيء كبير من حيث الانبعاث الروحاني؛ لأنه أنت مش عارف شو الخمر وربنا عصمك منها. لكن أعود فأقول العربي يدرك ذلك تماماً، فتحدث له من التشويق والاندفاع ما قد لا تحدثه لك، لكنك مؤمن وتوقن كإنسان مسلم أن هذا بالتأكيد شراب مميز ينتظرني في جنات النعيم.
طيب، أين وصلنا في التفسير؟ الآية تسعة عشر.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين وارحم إخواننا المستضعفين. قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا﴾، ويسقون أي الأبرار فيها في الجنة كأساً أي خمراً. خلينا نقرا الآية ثم نعود إلى التفسير، نقرا الآية في مطلع الصفحة ثم نعود.
بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 17-18].
نحن مرّ معنا في المجلس السابق أن الكأس إذا أطلقت فإنما تطلق على ما فيه الخمر، يعني العرب قد تسمي الخمر كأساً، نفس الخمر تسمى كأساً هذا أحد الاقوال، والقول الثاني أن الإناء الذي فيه الخمر يسمى كأساً. سامحونا على الانقطاع، نعود الآن كما قلت؛ الله سبحانه وتعالى أعاد ليخاطب العرب بالشراب الذي يحبونه ويخبرهم أنه سيبدل في الجنة من هذا الجنس لكن بما هو أطيب وأنقى وأفضل، فقال سبحانه: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا﴾ كأساً يعني خمراً ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ هذه الخمرة ممزوجة بالزنجبيل، والعرب أيضاً كانت تحب شراب الزنجبيل؛ فكانه جمع لهم أكثر ما يشتهونه، جمع لهم أكثر ما يشتهون وكانوا يحبون الخمر المخلوطة بالزنجبيل، بالضبط. ولهذا الله سبحانه وتعالى لما يخبر عن ذلك، شوف، لا يمكن يكون القرآن يشوق في شيء هم لا يعرفونه أو لا يطيبون؛ لما ذكر لهم الخمر مع الزنجبيل ويغريهم: ﴿وَيُسْقَوْنَ﴾ أي الأبرار ﴿فِيهَا﴾ في الجنة ﴿كَأْسًا﴾ خمراً ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا﴾ بدل من زنجبيلاً، إذا كان مزاجها زنجبيلاً، عيناً فيها، ما إعرابها؟ بدل من زنجبيل، يعني يسقون كأساً كان مزاجها زنجبيل، التقدير: يسقون كأساً كان مزاجها عيناً فيها تسمى سلسبيل؛ كان مزاجها عيناً، يعني عين ماء، ﴿عَيْنًا فِيهَا﴾ أي في الجنة ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾.
فهذا الزنجبيل من أين يؤخذ؟ هذا الزنجبيل من أين يؤخذ؟ من عين في الجنة، عين ماء، تمام، أو عين زنجبيل، نقول عين ماء عين زنجبيل، هذه العين التي تخرج الزنجبيل في الجنة ما اسمها؟ سلسبيلة؛ إذاً هناك عين تنتج الزنجبيل في الجنة هذه العين لها اسم السلسبيل، لذلك قال: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ هذا الزنجبيل كان البدل هنا بدل المراد منه التفسير والشرح؛ زنجبيل هو عبارة عن عين داخل الجنة تسمى سلسبيلة. فجملة عيناً فيها تسمى سلسبيلة تستطيع أن تقول هي تفسيرية لطبيعه هذا الزنجبيل، أنه عين.
سميت العين الزنجبيل لطعم الزنجبيل فيها، العرب تستلذ وتستطعم انحدارها في الحلق وسهولة مساغ. قال أبو عبيدة: ماء سلسبيل أي عذب طيب. إذاً هذه العين التي تخرج الزنجبيل، لماذا سميت بسلسبيل؟ لأن السلسبيل في اللغة معناه الشيء سهل الانحدار، تمام، الشيء السلس السهل، فهذا يدل على أن هذا الشراب الوصول إليه سهل وشرابه سهل، لأن أحياناً بعض أنواع الزنجبيل ترى بتكون مؤذية شوي صحيح، بعض الزنجبيل الحاد بيعمل حرقة ما أنت لا تستلذ به بل بالعكس تشعر أنك يعني بتتعذب وأنت عم تشربه، لا، هذا زنجبيل يخلو من الأذى الذي يكون أثناء شرب الزنجبيل في الدنيا أو الشعور بالحرقة الزائدة التي قد تؤذي الإنسان، فلذلك قال: سلسبيل، لسهولة انحدارها في الحلق وسهولة مساغ، وليس كزنجبيل الدنيا تشعر معه أحياناً بشيء من يعني الحرق أو الألم في ثنايا شربه.
قال أبو عبيده: نعم قال أبو عبيدة ماء سلسبيل أي عذب طيب تمام. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ إذا رايتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً، ويطوف عليهم ولدان غلمان ينشئهم الله تعالى لخدمة المؤمنين، إذن من هو الولدان هنا؟ الولدان هو عبارة عن غلمان ينشئهم الله، يعني يخلقهم الله في الجنة؛ ما وظيفته هؤلاء الغلمان الذين يخلقهم الله في الجنة؟ وظيفتهم يخدموك، يطوفون عليك بالخمر، يطوفون عليك بالطعام، بالشراب، بكل ما تشتهيه وتستلذه. فإذا أنت في الجنة أيضاً مخدوم، ما في داعي تخدم نفسك، أنت مخدوم في الجنة، الله عز وجل وفر لك الخدم.
قال: أو ولدان الكفرة يجعلهم الله تعالى خدماً لأهل الجنة؛ يعني هذا يحتاج إلى دليل، هو يقول المراد بالولدان هم أطفال الكفار، أطفال الكفار أطفال الكفار الذين ماتوا وهم أطفال يجعلهم الله سبحانه وتعالى خدماً لأهل الجنة، لكن أقول هذا الكلام يحتاج إلى دليل ولا يصح أن يقال هكذا ببادئ الرأي، ولا أعرف دليلاً صحيحاً في هذا وإنما الكلام على اطلاقه هناك غلمان سيخدمون أهل الجنة الآن من أين أتوا ما اصلهم أنا لا أمتلك دليل واضح في هذا.
كمل: ﴿مُّخَلَّدُونَ﴾ أي لا يموتون. ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ﴾ لحسن وصفاء ألوانهم وانبثاقهم في مجالسهم ﴿لُؤْلُؤًا مَّنْثُورًا﴾ وتخصيص المنثور لأنه أزين في النظر من المنظوم. تمام، فيقول لك هؤلاء الولدان لمن ينظر إليهم وهم منتشرون أمامك ليخدموك تنظر إليهم تحسبهم من جمالهم وصفائهم كأنهم لؤلؤ مش منظوم في مسبحة واحدة بل لؤلؤ منثور؛ العرب تقول اللؤلؤ لما يكون منثور حب هنا حب هنا حب هنا أجمل من اللؤلؤ لما يكون في صف واحد مثل المسبحة، فلذلك ذكر هذا القيد لؤلؤاً منثوراً، لأنه هذا أجمل من اللؤلؤ المنظوم المنسق المرتب كأنك ترى شيء مضيء هنا شيء مضيء هنا مضيء هنا في أماكن متعددة من قصرك أو بيتك، فهذا يجدك جمالاً ورغبة.
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ قال: وإذا رأيت ثم؛ ثم الظرف أي في الجنة، ثم هذا ظرف ليست ثم، الناس يخطئ، وإذا رأيت ثمة يعني إذا رأيت هناك وأطلقت بصرك إلى الجنة رايت ماذا نعيماً وملكا كبيرا. رايت نعيما وملكا كبيرا كل انسان حجم الاملاك التي يمتلكها في الجنة لا يمكن أن تتصورها، فان أقل أهل الجنة منزلة يملك كما يملك عشرة أضعاف ملك أهل الأرض، أقل أهل الجنة منزلة يملك ماذا ما هو اعظم ملك في الدنيا الذي يكون اقل مرتبه في الجنة يملك عشرة أضعافه كما جاء في الحديث، وهذا أقل واحد آخر واحد يدخل الجنة، فما بالك بمن يكون في المراتب العليا ومن السابقين ومن المقربين، أنت تتكلم عما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
إذاً وإذا رأيت ثم أي هناك في الجنة نعم وليس لي رايت مفعول ظاهر ولا مقدر ليشيع في لكل مرئي تقديره، واذا اكتسبت الرؤيه في الجنه رايت نعيما كثيرا، الان رايت كم مره تكررت في هذه الآيه مرتين صح وإذا رأيت ثم رأيت؛ رايت هنا يتكلم عن الرؤية البصرية والرؤية البصرية تاخذ مفعول به واحد، رايت زيداً رايت عمراً اذا الفعل رأى البصري يأخذ مفعولاً به واحداً. طيب رأى الأولى هنا لم تأخذ مفعول به، أين المفعول به إلا للفعل رأى؟ رأى الأولى قال: وإذا رأيت ثم؛ ثم هذا ظرف مكان لا يوجد مفعول به لراى الأولى لا يوجد مفعول به رأى الأولى ما قال واذا رأيت شيئا ثم ما قال واذا رأيت شيء ثم المفعول به غير موجود طب هل هو غير موجود لكنني اقدره في السياق اقول واذا رأيت ثم يقصد واذا رأيت الجنة ثم أو إذا رأيت نعيماً ثم قال لك لا انسفي يقول المفعول به هنا محذوف ولا يقدر لأن المراد مجرد وقوع الرؤية المراد ماذا مجرد وقوع الرؤية يعني هذه ناحيه بلاغية انا ما بدي ادوشك فيها لكنني يعني اريد أن أقول أن أحيانا يحذف المفعول به ولا يقدر في السياق لأن الهدف أن يقع الفعل بغض النظر عن المفعول به الهدف أن يقع الفعل بغض النظر عن المفعول به فكان الله يقول واذا حصلت رؤيا كأنه هذا التقدير واذا حصلت رؤيا في الجنة فاتى مره ثانيه بالفعل رأى بس مع المفعول به فقال رأيت نعيما شوف هذا جمال القرآن هو يقول لك بمجرد أن تحصل رؤية ستحصل رؤية نعيم فكانه يخبرك ويؤكد لك أن
النعيم عظيم من خلال تكرار الفعل رأى مرتين: وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً. لذلك قال: إذا اكتسبت الرؤية في الجنة بمجرد... وهذا ما يسمّى بمجرد أن تحصل رؤيا في الجنة فإن هذه الرؤيا لن تحصل إلا على وجه النعيم والملك الكبير، هيك بده يقول لك. الآن في الدنيا لو قلت لك إذا رأيت سترى نعيماً ما بزبط، ليه؟ لأنه في الدنيا إذا وقعت رؤية قد تقع على شيء تحبه وقد تقع عينك على شيء لا تحبه. لو دخلت على أفضل قصر في الدنيا، لو تزوجت أفضل النساء، لو حصلت أكبر اللذائذ، أي لذة ستراها وتقع عليها عينك سترى فيها جوانب إيجابية وسترى فيها أي شيء من النقص والخلل. أجمل بيت بتلاقي ماسورة آخر شي ضاربة فيه، أحسن شارع بتلاقي آخر شي مشكلة معينة، في الدنيا لا توجد رؤية كاملة النعيم. أما في الجنة وهذا من نعيمها بمجرد أنه تفتح عينيك في الجنة لن تقع عينك إلا على كمال. بمجرد أن تفتح عينيك على أي شيء على أي زاوية من زوايا الجنة لن تقع عينك إلا على ايش؟ كمال. فلذلك كيف القرآن عبر؟ عبر على طريقة العرب فيقول: إذا اكتسبت الرؤية يعني إذا فتحت عينيك، هيك بقول لك أنا بدي أفسر لك كلام النسفي لما قال: وإذا اكتسبت الرؤية في الجنة، يعني إذا فتحت عينيك في الجنة فإنها لن تفتح إلا على نعيم وملك كبير. لا يمكن أنه عينك في الجنة تسقط على خلل، ما فيش ماسورة في الجنة بتسر، فش مشكلة والله في البناء هنا، فش في الجنة حورية يعني فيها بعض العيوب، لن تقع عينك إذا وقعت الرؤية إلا على نعيم وملك كبير. شوف تعبير القرآن حتى يعطيك كمال الالتذاذ: لن ترى إلا ما يسرك. وإذا اكتسبت الرؤية في الجنة رايت... وإذا اكتسبت الرؤية في الجنة رايت نعيماً كثيراً وملْكاً كبيراً واسعاً.
نعم، يروى أن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أقصاه كما يرى أدناه. يرى أقصاه يعني يرى آخره كما يرى أقرب نقطة منه. إن أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام. طيب، حديث ينظر في سنده، لكن أنا أشرح الحديث، مسيرته ألف عام يرى البعيد من ملكه كما القريب، كله تحت محط نظره. نعم، وقيل: ملك لا يعقبه هلك، أو لهم فيها ما يشاؤون، أو يسلم عليهم الملائكة ويستأذنون في الدخول عليهم، وكل هذا من المعاني السائغة؛ يعني لا يوجد تعارض بين هذه المعاني. فالنعيم كل هذه المعاني: أن نعيماً لا ينفذ، نعيم يدخل فيه الملائكة، لهم فيها ما يشاءون. كل ما ذكره هو داخل لا تضارب فيه. إذاً: وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملْكاً كبيراً.
نعم، ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ من فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21]. الختامية في ذكر نعيم الجنة هنا. نعم، عاليهم بالنصب على أنه حال من الضمير في يطوف عليهم، أي يطوف عليهم ولدان عالياً للمطوف عليهم ثياب وسكون مدني وحمزة على أنه مبتدأ خبره ثياب سندس. إذاً هناك قراءتان في هذه الآية: قراءة عاليهم، وهذه القراءة التي نقرا بها نحن. على قراءة عاليهم، عاليهم مرتبطة بأي فعل؟ مرتبطة بالفعل اللي في آية 19، يعني: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مَّخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: 19] حاله كونهم عاليهم ثياب سندس خضر. طب من الذي يعلوه ثياب سندس خضر؟ الولدان أم الذين يطوف عليهم الولدان اللي هم حضرتكم أهل الجنة إن شاء الله، اه، الذين عاليهم ثياب سندس خضر أهل الجنة أنفسهم. فيقول: ويطوف عليهم يعني يطوف على أهل الجنة ولدان مخلدون حاله كون أهل الجنة عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق. ممتاز، إذاً هذا حال مرتبط بالجملة ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مَّخَلَّدُونَ﴾ حاله كون أهل الجنة عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق.
هناك القراءة الثانية: عاليهم الياء ساكنة. الياء ساكنة على هذه القراءة وهي قراءة المدنيين وحمزة، عليهم ثياب. عليهم، سيكون إعرابه ماذا؟ مبتدأ، تمام، وتكون الضمة مقدرة، وثياب سندس وثياب سندس خبر للمبتدأ. إذاً على أنه مبتدأ خبره ثياب سندس، أي ما يعلوهم هو ثياب السندس، هذا على قراءة المدنيين وحمزة. طيب، ما هو السندس؟ هذا هو السؤال. عاليهم ثياب سندس، ما هو السندس؟ قال: رقيق الديباج، والديباج هو نوع من أنواع الحرير. وأهل الجنة لما الرجال كانوا محرومين أو محظورين أو ممنوعين من الحرير في الدنيا عوضهم الله سبحانه وتعالى بلباس الحرير في الجنة. ولذلك كثير من أهل العلم يقول: ومن لبس الحرير في الدنيا من أهل الإيمان ولم يتب من ذلك حرم هذه اللذه في الجنة حتى لو دخل الجنة، قال بعض اهل العلم، وإن كان هذه القاعدة يعني البعض يناقش فيها. فالمهم ثياب سندس، السندس هو ماذا؟ هو رقيق الديباج، رقيق الحرير، وهذا السندس ما لونه؟ أخضر، ثياب سندس خضر. نعم، أي ما يعلوهم من ملابسهم ثياب سندس رقيق الديباج خضر جمع أخضر، واستبرق غليظ، والاستبرق ما هو الاستبرق؟ هو غليظ الديباج، يعني حرير غليظ سميك، والعرب تعرف هذه الأمور والذين يتعاملون مع الأقمشة يعرفون هذا، فهناك الحرير الخفيف وهناك الحرير السميك، أنواع متعددة وأشكال مختلفة.
نعم، برفعهما حملاً على الثياب نافع وحفص، وبرفعهما حمزة وعلي حملاً على سندس، وبرفع الأول وجر الثاني أو عكسه غيرهم. ﴿وَحُلُّواْ﴾ عطف على ويطوف عليهم، نعم. أساور من فضة، وفي سورة الملائكة: يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً. قال: ﴿وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ﴾ حلوا عطف على ويطوف عليهم، إذاً: يطوف عليهم ولدان حاله كون أهل الجنة حلوا باساور من فضة، وهذه أيضاً محرمة في الدنيا لكنها جائزة في جنات النعيم، وهي ما النعيم؟ جنات النعيم. وحلوا، أقرأ عطف على ويطوف عليهم، عطف على ويطوف عليهم أساور من فضة، وفي سورة الملائكة: يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ. سورة الملائكة أي سورة؟ سورة فاطر تسمى سورة الملائكة. نعم، قال ابن المسيب: لا أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أساور: واحد من فضة، واخر من ذهب، واخر من لؤلؤ. نعم، لأن الله في سورة فاطر ذكر أن الجنة يحلون أساور من ذهب ولؤلؤ، وفي سورة الإنسان ذكر أن أهل الجنة يحلون بأساور من فضة، فهذه يدل على التنوع، سيكون معك أساور من ذهب وأساور من فضة وأساور من لؤلؤ، يعني امور طيبة إن شاء الله، اللهم بلغنا.
نعم، ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أضيف إليه تعالى للتشريف والتخصيص. وسقاهم ربهم، شوف ما قال: وسيسقيهم ربهم، يعني شراب من الله مباشرة. وسقاهم ربهم، ايش بدك أعلى وأجمل وأحلى أن يكون الله هو الذي يسقيك؟ المراد يمنحك سقاءً هذا بحد ذاته أعظم تشريف واختصاص لك أيها الإنسان، أنك في الجنة الذي سيسقيك هنا مباشرة الله. وقوله: وسقاهم ربهم، شراب من الله مباشرة، شراب من الله مباشرة. فالإضافة للتشريف، يعني وهذا يدل على شرف هذه السقية، ايش يعني للتشريف؟ ليدلل على شرفها وأنها مختصة بأهل الإيمان الذين وصلوا إلى دار الفلاح. وقيل، وقيل إن الملائكة يعرضون عليهم الشراب فيأبون قبوله منهم ويقولون: لقد طالنا لقد طال أخذنا من الوسائط. فإذا هم بكاسات تلاقي أفواههم بغير أكف، تلاقي أفواههم، نعم تلاقي أفواههم بغير أكف من غيب إلى عبد، يعني جمع هذه العبارة شوي صوفية بس مش مشكلة يعني بطريقتها في التعبير، يعني ويقولون، هذا علماء السلوك شو يقولون؟ يقولون إن الملائكة تاتي الى أهل الجنة فتريد أن تسقيهم، فأهل الجنة يقولون: يكفي أن ناخذ بالوسائط، أنتم وسائط بيننا وبين الله، نريد نأخذ من المنبع الصافي، نريد نسقى من الله مباشرة، فالملائكة تختفي وياتيهم شراب من غيب، يعني من الله ينزل إلى أفواههم مباشرة. هذا السيناريو كلياته ما فيش حديث فيه بهذه الطريقة، لكن يعني ها بحاول الإنسان يتلطف يعني في اخذ الإشارات من الآيات، ولكننا لا نثبت ذلك تفسيراً أكثر من كونه يعني فكرة إيمانية طيبة.
نعم، يعني بهذه الأمور بس هذا لا هذا جاب العيد كثير هذا، طيب شراباً طهوراً ليس برجس كخمر الدنيا، نعم، فإن خمر الدنيا رجس، وأما خمر الآخرة فهي شراب طهور. يعني، ولاحظوا أن سورة الإنسان تكلمت حوالي ثلاث مرات عن موضوع الشراب، صحيح؟ من البدايه وهي بتتكلم عن الشراب، إنا اعتدنا أن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً وفي المنتصف: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا﴾ [الإنسان: 17]، وختم النعيم هنا بماذا؟ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: 21]. ايش قصه الشراب؟ يعني من باب طبعا التفكير، لماذا سوره الإنسان أو لماذا هذا التركيز الكبير على الشراب في البداية وفي المنتصف وفي النهاية كان الحديث عن الشراب حاضرا في سورة الإنسان صحيح؟ في حدا عنده هيك فكرة؟ أنت لن تفسر أنت فقط من التفسير الإشاري اللطائف، أيوه. يعني الإنسان يلتذ كثيراً بالشراب، في حدا عنده شيء؟ في حدا عنده فكرة؟ هو الموضوع بس للتفكير أنا أفتح باب المجال: لماذا سورة الإنسان تتكلم عن الشراب بكثره؟ تمام، لماذا تتكلم عن الشراب بكثرة في البداية والمنتصف والختام؟ تفضل. ممكن لأنه الإنسان إذا يعني خاصة الشراب المذكور الخمر، الدلال على هداية البال والراحة في الجنة سيكثر فيها الشراب. أحسنت، هذا يعني قد يكون من أكثر أنه بشكل عام حالات النعيم في حالة النعيم والدلال وما شابه ذلك وجود الشراب الحلو دائما يكون حاضراً.
وقد يقال، وقد يقال وهذا كما قلت من باب ما اجتهد به أنه يعطيك الكلام عن الشراب يخفي ما هو أعظم، وهو الطعام. يعني إذا كان الشراب هو بهذه اللذه وبهذه التفاصيل، فما بالك بماذا بالطعام؟ أنا لما أعطيك صورة الأدنى وأعطيك فيها تفاصيل وأشياء وأنت تقول: إيه يا اخي إذا هذا صفة بس شراب، طب هذا ايش راح يكون؟ لحم الجنة ودجاج الجنة ورز الجنة ومند الجنة وتفاصيلها، يعني ماذا ستكون هذه التفاصيل إذا كان الشراب فيه تنوع وفيه اختيارات عديدة، وبدك تشرب مع الكافور اشرب وبدك تشرب مع السلسبيل اشرب وسقيا من الله؟ فما بالك بما هو قد يكون مطلوباً أكثر للإنسان وهو الطعام وما فيه من الشهوات وما شابه ذلك والخيارات الكثيرة؟ لأنه خيارات الإنسان في الطعام تكون أكثر من خياراته في الشراب عادة في الدنيا. أقول هذا أحد المعاني وكما قال يمكن نقول إن ذكر الشراب هو دلالة الدلال والنعيم والإنسان مرتاح وأموره طيبة ويريد عصير من هنا وعصير من هنا، حالة الفاكهة. وهذا قد يقودك أنه هي حالة التفكه، فما بالك بالوجبه الرئيسية؟ تمام، يعني في انسان وجبته الرئيسية شراب، الجماعة اللي بيعملوا دايت ولا لا يا شيخ؟ تمام، لكن الناس الوضع الطبيعي أنه الشراب ما بيكون هو الوجبة الرئيسية، عادة بده يكون في طعام في رز وشيء، فإذا هو اعطاك الشيء الثانوي اللي بيكون عاده بعد الطعام. بعد الطعام أنت بصير تاخد مثلاً اليوم مشروبات غازية أو شيء، فهو اعطاك الثواني، فما بالك بالاساس واللب؟ هذا جزء من صناعة التشويق أنه أخفى عنك الجزء الأهم، الجزء الأطيب.
هذا السقاء يا رب، طيب ايش الطعام؟ لا لا الطعام نشوف إن شاء الله بس تدخلها. طبعا هو في آيات أخرى أو في سور أخرى أشار إلى شيء من الأطعمة، لكن أنا أقول كيف يمكن للإنسان أن يفكر؟ كيف القرآن يشوقه من خلال فقط ذكر الشراب وما خفي أعظم كما يقول. تفضل. اه تمام، بس أنا سؤالي قد يكون أدق شوي، يعني هو لماذا يركز على موضوع الأشربة بغض النظر وأكيد الخمر لها مزايا خاصة فيها؟ لكن هو كان سؤالي لماذا يركز على السقاء ولم يركز على الطعام هنا؟ أنتم ملاحظين ما في ذكر للطعام في سورة الإنسان، في ذكر لايش؟ للشراب. فهذا أقول والله أعلم، قد يكون جزء من صناعة التشويق للإنسان الذي يتكلم عن الشيء الثانوي فما بالك بالأساسي؟ سريعاً آخر مداخلة. اه، يعني مش مشكلة جزاك الله خيراً. طيب سريعاً، ورد الأعراف: ﴿أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 50] من الطعام نعم، أو مما رزقكم الله سورة الإنسان تبين أن هذه الشرابات التي... أنت بتشرب... أنت بتشرب... أنت بتحاول تربط يعني مما رزقكم الله من أنواع الأشربة الأخرى تقصد، فجاءت سورة الإنسان لتفصل أنواع الأشربة؟ صعب أقول: أحيانا أو لا، لكن ممكن يعني من حيث فكرة أن مما رزقكم الله مجملة، سورة الإنسان عم بتفصل بعض أنواع مما رزقكم الله. تمام، بس احنا سؤالنا برجع بقول هو لماذا سورة الإنسان ركزت على الشراب وليس على الطعام؟ وأظن يعني في مساحة مفتوحة للتدبر بإذن الله.
أكمل: ﴿شَرَابًا طَهُورًا﴾ ليس برجس كخمر الدنيا، نعم. فان خمر الدنيا رجس وأما خمر الآخرة فهي شراب طهور، يعني، ولاحظوا أن سورة الإنسان يعني تكلمت حوالي ثلاث مرات عن موضوع الشراب، صحيح من البداية وهي بتتكلم عن الشراب. ليس برجس كخمر الدنيا لأن كونها رجساً بالشرع لا بالعقل ولا... نعم، يعني كون الخمر هذا حكم بالعقل ولا بالشرع؟ اخذ من الشريعة، نعم. أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة. ثم قال: إذاً ليس برجس كخمر الدنيا، لأن كونها رجساً إنما أخذ بالشرع لا بالعقل، والجنة لا يوجد فيها تكاليف. طبعا هذا يعني تفسير متكلف شوي وجه نظري، لأنه يريد يقول لك لما الجنة قال شرابها طهور ليه خمر الجنة طاهرة؟ لماذا قال: لأن خمر الدنيا ليش...
قال: لأن نجاستها مأخوذة بماذا؟ بالشرع، لا بالعقل، وفي الجنة في تشريعات؟ لا، فش تكليف، فبالتالي كان شراب الجنة ماذا؟ طهور.
بس هذا الكلام فيه إشكالية وهو يسير في جزء من على طريقة الأشاعة والماتريدية التي ينتسب إليها مين؟ النسفي عليه رحمة الله، وهو أنهم يرون أن الأحكام إنما حسن الحسن والقبيح مرده الشرع فقط ولا مدخل للعقل فيه، وهذا خطأ، هذا الكلام أنه هل الخمر هي رجس فقط لأن الشرع يريدها هكذا ولا يوجد ملمح عقلي قد يلمحه العقل؟ هذا كلام غير صحيح، بس هذا يسير على طريقته أن الأشاعرة والماتريدية مثلاً يقولون: الزنا حرام، ليش حرام؟ لأن الشرع حرمه، طيب وين العلة؟ طب فيش علة عقلية أو يتلمسها العقل؟ لا، ما لك دخل، السرقة حرام، ليش حرام؟ لأن الشرع حرمه، طبعا هذا كلامه العقدي.
انسفوا أصول الفقه، ايش بقولوا؟ لأنه في نوع أصلاً من التعارض بين كلامهم الأصولي وكلامهم العقدي، بس هم يرون أن الشريعة إذا حرمت شيئاً أو أوجبت شيئاً، فقط لأن الله يريد أن يحرم أو يريد أن يوجب ولا يجوز أن نقول إن هناك ملمح عقلي في ذلك، وهذا كلام خطأ، نعم، الله هو صاحب الأمر من قبل ومن بعد، وهو الذي يحرم ما يشاء ويحلل ما يشاء، لكننا عرفنا أنه إن حرم فلعلل ومقاصد قد يدرك العقل جزء منها، وإذا أوجب أشياء فلعلل ومقاصد قد يدرك العقل جزء منها.
فقوله إنما وصف خمر الجنة أنها طهور لأن الجنة ما فيها تشريعات بخلاف الدنيا فخمرها رجس لأن الدنيا فيها تكليفات، هذا الكلام مش صحيح، يعني الموضوع مش هذا بعده، الموضوع مش قضية أنه الجنة فش فيها تشريعات والدنيا فيها تشريعات، لا، وصف خمر الجنة أنها طهور لمدحها ورفعها، وليس لأنه الجنة فش فيها تشريعات فبالتالي خمرها طهور والدنيا فيها تشريعات فخمرها رجس، هذا التحليل الذي قدمه النسفي منتقد.
شراب الجنة طهور، أراد بالطهور هنا المدح؛ أنه في غاية الطهارة، في غاية النقاء، في غاية الصفاء، وليس المراد المقارنة بين التشريع وعدم التشريع، يعني هذا فيه تكلف واضح، قال: أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة، وهذه توجيه آخر لماذا شراب الخمر في الجنة طهور؟ انتقل لفكرة أخرى؛ أن خمر الدنيا من ايش يصنع؟ من العنب فرضا، فالعنب بده ايش؟ يعصر، لما يعصر أنتم بتعرفوا اللي بيعصر بتكون إيده وكذا وبعصر لك الخمر بإيده، فبتطلع الخمر مش صافية كثير يعني، لانه العصارة بتعرفش هل غسل إيده قبل ما يعصر ولا لا؟ أما في الجنة لا، الأمور طيبة يعني، فهذا من الله مباشرة، ماشي.
قال: فإن العنب في الدنيا لما يعصر حتى ينتج خمر فإنه يكون بالأيدي الوضرة وتدوسه الأقدام الدنسة -ما بعرفش يعني كيف طريقة صناعة الخمر عندهم قديماً بس شكلهم بيطلعوا دعسوا على العنب تدعيس- لا، لا، هو الملمح العقلي أنا كنت أقوله أخي في موضوع التكليف، أنه هل الأحكام الشرعية العقل يدرك عللها أو لا يدرك عللها؟ فبقول لا، الأحكام الشرعية نعم صح من الله والله هو المحرم، لكن لا مانع أن العقل يتفهم العلل ويتفهم الأحكام، أما هنا هو يقدم تفسيراً آخر لما معنى طهور؟ طهور يعني لم تلوثه الأيدي والأقدام، كما هو لك الحال في خمر الدنيا.
﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: 22]. يققال لأهل الجنة: إن هذا النعيم كان لكم جزاء لأعمالكم، وكان سعيكم مشكوراً، محموداً، مقبولاً، مرضياً. عندنا كلمة السعي في القرآن من الكلمات التي المفردات المتكررة، جميل يعني يتم إنتاج دراسة حولها. كلمة السعي في القرآن؛ الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4]، وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، كلمة السعي في القرآن من تتبعها في مواردها سيجد فيها سراً، سيجد فيها ملمحاً جميلاً انك تتتبع وتنظر فيه.
الله سبحانه وتعالى يريد من الإنسان في الدنيا السعي، أنت في الدنيا ما في حالة توقف، حالة التوقف مرفوضة، مطلوب منك ماذا؟ السعي، ولذلك كما جاء في الحديث: «إن أصدق الأسماء حارث وهمام». لماذا أصدق الأسماء حارث وهمام؟ لأنها تمثل واقع الإنسان، الإنسان طول عمره بحرث، بقول لك: أنا هسه أنا بحرث، بحرث، رايح جاي، الإنسان طول عمره يحرث، فأصدق اسم للإنسان حارث، بقول لك هذا أصدق اسم. شو يعني أصدق اسم؟ يعني يمثل واقعه، أصدق ما يمثل واقعك أنك إنسان حارث وهمام، همام يعني عندك إرادات ونوايا، وأنت من الصبح للمساء عندك نوايا وإرادات، هناك من يحرث للآخرة، وهناك من يسعى للدنيا فقط؛ شهوات، ملذات، نزوات، رغبات، وهناك من يسعى لجنة عرضها السماوات والأرض.
شتان بين السعي، لذلك قال سبحانه: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4]. انظر إلى حال مجتمعاتنا اليوم والسعي الذي يسعى إليه الناس؛ هذا يسعى لمشروع معين، وهذا يسعى لدنيا، وهذا بيسعى خلف فتاة يريد يتزوجها، وذاك يسعى خلف حرام، وذاك يسعى للجنة، وذاك يسعى لمنصب، وهذا يسعى لجاه، كل واحد له سعيه، كل واحد له أفكاره، كل واحد له طموحاته، لكن بالتأكيد هناك طريق معين هو الذي يوصل إلى جنة الله سبحانه وتعالى وإلى النهايات السعيدة، فقال سبحانه: إن هذا النعيم الذي ذكرته لكم كان لكم جزاء على أعمالكم، وكان سعيكم -السعي؛ الطريق الذي اخترته وسرت فيه إلى الله- وكان سعيكم مشكوراً؛ التعب، الجهد الذي بذلته في الدنيا سيشكره الله لك يوم القيامة فيعطيك هذا النعيم المقيم وهذه السعادة الأبدية.
إذ ما معنى وكان سعيكم مشكوراً؟ قال النسفي: مشكوراً يعني محموداً عند الله، مقبولاً، مرضياً، حيث قلتم: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. رجعهم على أول الصفحة، يعني كان هذا مقابل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نَطْعُمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 8-9]. وهذا جزء من السعي، وامثلته كثيرة في السعي في الصلاة، في العلم، في نفع الناس، في إغاثة الملهوف، في الدعم وما شابه ذلك، كل هذا شكل من أشكال السعي.
فالله سبحانه وتعالى شكور، من أسماء الله الحسنى، ما هي الشكور؟ الله عز وجل لا ينسى ولا يغفل ولا يترك اللحظات الجميلة التي أنت بذلتها في هذه الدنيا بحثاً عن رضاه، شكور سبحانه لا يجحد، لا يترك، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. هذا من المعاني العظيمة أن الإنسان وهو يسعى في هذه الدنيا يتلمس اسم الله الشكور، أنه ما في شيء رح يضيع عند الله سبحانه، كل شيء مقبول ومحمود ومرضي، والله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يهمش لحظة معينة أنت تعبت من أجله، أو ساعة معينة أنت صبرت فيها، أو بلاء معين مررت فيه في الحياة وتعاملت معه بالشكل الصحيح، لا يمكن ينسى أي لحظة وأي ثانية قدمتها له سبحانه وتعالى.
دقيقة، دقيقة، نعم. طيب، أحسنت، أحسنت، فهمت عليك، بس خلينا نبعد كثير عن موضوع النص.
طيب، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 23-24]. بعد هذه الرحلة التي عشناها في الجنة، بترجع سورة الإنسان الآن للدنيا حتى تفهم أنه هذا النعيم في الجنة الوصول إليه مش سهل، هذا النعيم وهذه اللحظات الجميلة وهذا الخمر وهذا الدلال، هذا الوصول إليه ليس بالمجان تماماً، يعني لن تصل إلى الجنة وإلى كل هذه السعادة -يعني الله عز وجل أعد فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعَت- يعني هل تتوقع أنه يعطيك اياها بدون جهد تبذله أنت؟ لا، الإنسان إذا يريد يعطي مليون دينار لشخص لا يعطيها إلا ضمن مواصفات عالية جداً جداً، أن يكون أهلاً لهذا المليون دينار أن يعطاه، ما راح يعطيك اياها مجاناً، فما بالك بما هو أعلى من ذلك بكثير بكثير من النعيم المقيم والسعادة الأبدية والخلود وما فيه من التفاصيل.
لأن كثير من الناس اليوم لما تقول لهم هذا الكلام بقول لك: كلامك صح يا شيخ، لكن بتشعر أن واقع الناس اليوم أنه هو يدخل الجنة ببلاش، يعني لو نظرت إلى حال المجتمعات تقول: يا فلان ترى الجنة وكذا، لك إن شاء الله ملحقين، أو الجنة بتيجي، أو الأمر سهل وأن الله غفور رحيم. ما هو ماشي، لكن هذه الرحمة لها أهلها، يعني الله عز وجل لا يضع الرحمة في مكان لا يستحقه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 218]. مش أي إنسان يستحق الرحمة أصلاً عند الله سبحانه وتعالى.
إذاً عادت سورة الإنسان للحديث عن الدنيا وما هو السعي في الدنيا الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، وما هي عوامل ثبات المسلم في الدنيا؟ ما هي عوامل ثبات المسلم في الدنيا حتى يصل إلى هذا النعيم المقيم؟ أظن هذا من أهم أهم الأجوبة في حياتك، كيف أثبت على الدين في هذه الحياة لأصل إلى تلك السعاده التي ذكرها لي قبل قليل؟
فأول شيء قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: 23]. أول مثبت للإنسان في الحياة؛ القرآن، لذلك أكد بالمفعول المطلق: أنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً، فالله عز وجل يشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يأتي بعده، هذا النعيم المقيم بدايته أن تتمسك بالقران في الدنيا. لاحظ ماذا قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: 23]. تكرير الضمير بعد إقاعي اسماً، لأنه تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله تعالى بالتنزيل، ليتقرر في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله مفرقاً إلا لحكمة وصواب.
تمام، ايش يقصد تكرير الضمير بعد إقاعه اسماً؟ إنا نحن، إنا نحن، أن الضمير يعود على من؟ على الله سبحانه. طيب، نحن؟ على الله أيضاً. طيب، لماذا هذا التكرار مش هيك؟ ممكن واحد يسال: لماذا لم يقل إنا نزلنا عليك القرآن بدون نحن؟ ما هي كله يعود على الله. إنا؛ إن هي اسم إن، طيب، نحن ايش فائدتها هنا؟ آه، أحسنت، لماذا يريد أن يؤكد؟ هذا الذي أراد أن ينبهه فيقول: تكرار الضمير -اكتب معنى تكرار الضمير- أنه أتى بالضمير نحن بعد نا، وكلاهما يعود على الله، كرر الضمير بعد إقاعه اسماً؛ لأننا ايش إعرابها هنا؟ اسم إن، ونحن توكيد. ما فائدة التوكيد؟ قال: ليكون تأكيداً، اه، تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله.
إيش يعني تأكيد على تأكيد؟ وين التأكيد الأول أبو عبد الرحمن؟ وين التأكيد الأول؟ أن أصلاً إن ما هي أداة تأكيد، وأتى بنحن ليكون تأكيد ثاني، إنا نحن، يعني تأكد تأكيدا لا مآرية فيه، كن واثقاً، كن متاكداً أنا نحن الإله نزلنا عليك، إذاً تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله، الله يقول كأنه هكذا يقول: أنا اللي أنزلت عليك، أنا اللي أنزلت دون غيري، وهذا معنى الاختصاص.
إيش يعني الاختصاص؟ أن الذي أنزل هو الله وليس أي ذات أخرى في الوجود، والذي أنزل هو الله وليس أي ذات أخرى في الوجود، وهذا يعطيك قيمة القرآن، شو أعلى قيمة القرآن إيش هي يا إخواني؟ أنه من الله، أعلى قيمة في القرآن اللي تخلي الإنسان يتشوف إليها أني أنا أدرك أن هذه الآية أول من تكلم بها الله، لا مؤلف، ولا مصنف، ولا إمام، ولا شيخ، ولا ما شابه ذلك، الله هو الذي يتكلم.
فهذا اعظم ما يعطي القرآن جماليته وقيمته في قلوب الناس، أنه يوقنون أنه من الله، وما دام من الله فانا أقرأ بلساني كلاماً تكلم الله سبحانه وتعالى به قبل أي مخلوق سبحانه وتعالى، فهذا يشعرك باللذه، يشعرك بالاهتمام، يشعرك بقيمه ما تقرأ، أن هذا مش رأي، هذه مش فلسفة، هذا مش إنسان عم بتحليل وبيعطي وجهة نظر، هذا الإله بذاته وجلاله عم بينزل عليك ماذا ينتظرك وايش لازم تسوي، عم بينزل ما الذي ينتظرك وما الذي ينبغي أن تتخذ من الإجراءات في حياتك.
بالتالي إذا أنت ما تمسكت بهذا القرآن أنت ضائع، أنت محروم، أنت مخذول والعياذ بالله، إنا نحن، إذاً قال: تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله دون سواه بالتنزيل بالتنزيل للقرآن، ليتقرر في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان سبحانه هو المنزل، ما دام الله هو المنزل لم يكن تنزيله لهذا القرآن مفرقاً -أنتم بتعرفوا القرآن نزل مرة واحدة؟ لا، نزل مفرقاً على ثلاثة وعشرين سنة- لم يكن تنزيله مفرقاً إلا لحكمة وصواب يريده الله سبحانه وتعالى، إلا لحكمة وصواب.
ومن الحكمه؟ طب من حكم نزول القرآن مفرقاً ما هي؟ ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: 24]. فقال: ومن الحكمة أي ومن حكمة نزول القرآن مفرقاً ولم ينزل مرة واحدة -تخيل هذا المشهد أن الله سبحانه وتعالى أنزل على نبيه القرآن مرة واحدة، قالوا يا محمد عليه الصلاة والسلام خذ القرآن خلص هي مره واحدة اذهب، طب خلال سنة مش محتاج صلى الله عليه وسلم لمثبتات، مش محتاج أن تنزل على قلبه تثبت في مواجهته مع الكفار وفي الحروب- فيقول سبحانه من الحكمة التي بسببها أنزلت أنا عليك القرآن مفرقا هو أنني أريد أن أعينك على الصبر، أريد أن أعينك على الصبر، فكيف ذلك؟ في كل بلاء، وفي كل مرحلة، وفي كل خطوة من خطوات حياته صلى الله عليه وسلم يجد جبريل ياتي بآيات من الله لتنزل على قلبه.
وهذا إخواني مهم جداً في التعاطي مع القرآن، إذا أردت أن القرآن يؤثر في حياتك ما بينفع بس يكون هدفك أن تأخذه جملة، بل ليكن هدفك في الحياة دائماً وجود ورد قراني مستدام.
معتمد على التدبر والتفكر كان القرآن ينزل، كأن القرآن أنت من تتلقاه، وهذه الطريقة هي الطريقة التي كان يتعامل فيها الصحابة مع القرآن، لذلك أثر القرآن في حياتهم. ابن عمر كم جلس يحفظ سورة البقرة؟ مش قالوا ثمان سنوات! طب لماذا؟ هو مش موضوعه إني بس بدي أحفظ القرآن وأمشي وخلص؛ لأنه اليوم للاسف كثير حتى من بعض المراكز والآليات يظن أن المقصود هو أن يحفظ القرآن كحفظ، وهذا خطأ.
حفظ القرآن مطلوب وفرض كفاية، لكن ما هو أهم وأعلى من الحفظ ما هو؟ التدبر. أنا بدي أعيش مع القرآن، أنا بدي القرآن يؤثر في نفسي. فإذا أخذت القرآن دفعة واحدة، أخشى أنك ستفقد دفعة واحدة، بخلاف الذي يعيش مع القرآن أجزاء وأجزاء وأجزاء. ابن عمر ثمان سنوات وهو يحاول أن يتعايش مع سورة البقرة؛ ثمان سنوات ما عنده ضعف في الذاكرة رضي الله عنه، بس هو حاول أن يتعايش مع سورة البقرة، فعم يعطيها مساحتها في الفهم، في التدبر، في التروي، فأثرت صنعت عبد الله بن عمر.
هكذا ينبغي أن يتعامل مع القرآن؛ لان الله أنزله مفرقا ومنجماً، إذاً عليك أن تتعاطى مع القرآن بهذه الطريقة، أن تتعامل مع القرآن موضوعاً موضوعاً بطريقة منجمة ومفرقة حتى تشعر باثره. طبعا هذا مش معناه أنه ما تختم القرآن، اختم الله يبارك فيك وينفع، لكن أنا أقصده القرآن ثقيل، يعني كلام في أحكام وتطبيقات وآليات، ما بنفع تخلص كل ملف القرآن في شهر: «الحمد لله خلصت، يلا على كتاب ثاني». مش هيك بتعامل مع القرآن.
القرآن رحلة حياة، وتأخذ أجزاء القرآن تمر عليها مرة بعد مرة، لذلك شيخ الاسلام كان يقول في آخر عمره: إنني ندمت على تضييع أوقاتي في غير معاني القرآن. وهذا ابن تيمية رحمه الله عليه يقول إنني أندم على أنني ضيعت أوقاتي، طبعا هو وجهة نظره أنه ايش كان ضيع أوقاته؟ ضيعت أوقاتي بحكي بالتم، إف، شو كان يعمل يعني تمام؟ وكان في مناظرات مع الأشاعرة ومع المعتزلة، وهنا يحارب التتار، وداخل في يعني هو يرى أن أعظم شيء كان ينبغي أن يعيش معه في الحياة معاني القرآن؛ لأنه معاني القرآن لا تأتي دفعة واحدة.
وإذا قرأت سورة الإنسان مرتين وثلاث وأربع ستبقى تعطيك من المعاني الجديدة والفوائد الكبيرة ما لا تعطيه القراءة الأولى ولا الثانية ولا الثالثة، وهذا من عجيب القرآن وهو توالي المعاني.
فالمهم قال فاصبر إذاً. ومن الحكمة لنزول القرآن مفرقا قال الأمر بالمصابرة فاصبر. نعم ومن الحكمة الأمر بالمصابرة: فاصبر لحكم ربك، عليك بتبليغ الرسالة واحتمال الأذية وتاخير نصرتك على أعدائك من أهل مكة. ولا تطع منهم من الكفار، فاصبر لحكم ربك، حقيقة هذه من أعظم القواعد القرآنية للإنسان المسلم في زمن البلاء وفي زمن الاستضعاف. فاصبر لحكم ربك، يعني اصبر هنا الحكم الحكم القدري، المراد بالحكم هنا الآن بتعرفوا حكم شرعي وهناك حكم قدري هو القضاء والقدر، يعني فاصبر لما يقدره الله عليك حتى ياتي الفرج من عنده.
أنا وظيفتي كمسلم أن أدعو إلى الله، وأن أتمسك بمنهج أهل السنة والجماعة، وأن أبقى ثابتاً على الدعوة والمجاهدة وتحمل الأذى وتحمل ما سيقع. طب إلى متى يا رب؟ فاصبر لحكم ربك، مش أنت مش وظيفتك تعرف متى؛ عشرين سنة، ثلاثين سنة في الاستضعاف، أربعين سنة، مئة، مئتين سنة، هذا أمر الله النافذ. هذه مهمة جداً إخواني لكل الشباب المسلم الذي دائما يستعجل النصر ويستعجل قطف الثمار: ومتى رح ننتصر على اليهود؟ ومتى رح تتحقق للأمة أمجادها؟ الوقت هذا ليس من عملي ولا من عملك متى لحظة النصر، هذا أمر الله.
لكن ايش وظيفتي أنا كمسلم حتى تاتي هذه اللحظه؟ ما هي؟ فاصبر، هذا شغلك. قال فاصبر إذا كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاصبر لحكم الله القدري وتحمل وصابر حتى تأتي اللحظة، سواء أنت أدركتها أو أدركها الجيل الثاني أو الثالث، اعمل الوظيفة المطلوبة منك أنت، أنت وظيفتك المصابرة والثبات، وأما قطف الثمار ليس ضرورة أني أنا الذي أقطف ثمرة النصر والتمكين، ممكن يأتي جيل ثاني أو ثالث هو الذي يقطف هذه الثمرة.
إذاً فاصبر، عليك بتبليغ الرسالة واحتمال الأذية وتأخير نصرتك على أعدائك. عليك بتبليغ الرسالة واحتمال الأذية واحتمال تأخير نصرتك على أعدائك من أهل مكة. نعم، فتأخير هذه معطوفة على واحتمال الأذية، واحتمال أن تتحمل أن الله يؤخر نصرك، بدك تتحمل، بدك تدفع ثمن، والثمن فيه شهداء، وفيه أشلاء، وفيه مثابرة، وفيه ثواب، وفي سجن، وفي أمور كثيرة، لكن هذه رحلة الإنسان في الدنيا، وهذه الرحلة ثمنها الجنة.
ما برجع بقول: ولماذا ذكر لك الجنة؟ قال لك في جنة هي مواصفاتها بتستناك، ختم لك الصفحة ايش قال لك؟ بس ه الجنة بدك تشتغل لها، هي الجنة بدك تشتغل لها، بدك تصبر لحكم ربك. وأما رحمكم الله المستسلمون المنهزمون الذين لا يريدون أن يتحملوا الأقضية والأقدار فهؤلاء أنى لهم الجنة؟ ما بتضبط. نعم، ولا تطع منهم من الكفار للضجر من تاخر الظفر آثماً راكباً لما هو آثم داعياً لك إليه، أو كفوراً فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه؛ لأنهم إما أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو آثم أو كفر أو غير آثم ولا كفر، فنهى أن يساعدهم على الأولين دون الثالث.
جميل، يعني الآن أقول الكلام العام ثم أعود إلى تفسير النسفي. قال فاصبر لحكم ربك، ثم نهاه عن شغلة تقع فيها كثير من الإسلاميين في أثناء مراحل الصبر، ما هي؟ أن طول مرحلة البلاء تجعل كثيراً من الناس في الطريق تبدأ ايش تساوم على ثوابت الدين؛ طول مرحلة البلاء تجعل كثير ممن يدعي الدعوة أو هو اشتغل بها فعلا تبدأ همته ورصيد الهمة يضعف يضعف يضعف حتى يبدأ ايش يساوم على بعض مبادئ الدين، فالله عز وجل يعطينا قاعدة كلية: مطلوب منك الصبر وإياك والتنازل. قال: ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً، إذا طلبوا منك تتنازل، طلبوا أن تصير مساومات.
الذي يجعل كثيراً من الملتزمين أو المتدينين يساوم هو طول البلاء، يبدأ تضعف رصيده، رصيده فيبدا يساوم على بعض الأمور ويسمى هذا طبعا ايش سياسة شرعية ومصلحة مرعية يعني بتضبط معه في النهاية، لكن هو لا، هو تنازل. فرق بين السياسة الشرعية وبين التنازل، هذا شيء وهذا شيء. فالله يحذر أهل الإيمان من التنازل والشعور بالوهن والضعف أثناء رحلة الثبات، لذلك قال سبحانه ايش: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] العاقبة لكم. لكن هذا مطلوب منكم.
شوف الله عز وجل عم يخبرك ما الذي ينتظرك في هذا الطريق، ما قال لك الله طريق الجنة مفروشة بالورود، لا ربنا ما قال لك الجنة الطريق إليها مفروش بالورود، قال لك من البداية الطريق في تعب وفي صبر وفي تحمل وفي دماء وفي أشلاء وفي شهادة وفي بذل في سبيل الله، والمطلوب منك تصبر ولا تداهن. ولا تطع منهم آثماً، قال آثماً راكباً لما هو آثم داعياً لك إليه، فالآثنان ويدعو إليها، أو كفوراً، والكفور قال فاعل لما هو ايش كفر داعياً لك إليه؛ لأنه اعتبر كفور صيغة مبالغة، فهو ليس فقط كافر في نفسه كيف طهور؟ شو الماء الطهور؟ طاهر في نفسه مطهر لغيره. فالكفر نفس الوزن، كافر في نفسه داعياً غيره للكفر.
طيب قال لأنهم، طبعا هو لماذا قال: لا تطع منهم آثماً أو كفوراً؟ قال لأنهم لأن أعداء الأمة، أعداءك في هذا الطريق إما أن يدعوك إلى مساعدتهم على ما هو معصية، أو يدعونك إلى أن تساعدهم على ما هو كفر، يعني يا بقولوا لك يا اخي نحن ما بدنا اياك تكفر بس نحن مثلا نرضى منك بالاختلاط، نرضى منك تعمل أفلام قبيحة، نرضى منك معاصي وذنوب، هذا شكل من أشكال ما يدعونك إليه معاصي.
فإذا وجدوك يعني قبلت هذا السقف، بيرفعون سقفه شوي، لا، طيب ليش ما تبدل الدين؟ فيصلون بك إلى سقف الكفر، فاعداؤك في هذا الطريق سيساومونك على معاصي أو ايش كفريات، فالله يقول: ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً.
الحالة الثالثة، طيب ممكن الكافر يدعوني إلى شيء لا إثم فيه ولا كفر؟ ممكن، مثل حلف الفضول وبعض الأحلاف القديمة التي تقوم على نصرة المظلوم أو ما شابه ذلك، فيقول النسفي: فالله سبحانه نهى نبيه أن يساعد الكافرين على الأولين، ما هم الأولين؟ إذا طلبوا منك أن تفعل معصية أو كفراً ما تساعدهم، لكن إذا دعوك إلى شيء فيه مصلحة للبشرية فيمكن الكافر يدعوه إلى شيء فيه مصلحة للبشرية ويمكن اتعاون معه في هذه الزاوية، لذلك هو حصر القسمة العقلية فقال: الكافر إما أن يدعوك إلى إثم أو إلى كفر، أو يدعوك إلى شيء لا إثم فيه ولا كفر. فنهى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يساعدهم وأن يعاونهم على الأولين، على الإثم أو الكفر، ولكن دون الثالث.
أما الثالث، وهو مساعدتهم على ما لا إثم فيه ولا معصية ولا كفر، فلا إشكال أن تدخل في بعض الأحلاف التي هذه فكرتها أو بعض المساهمات أو الأمور التي لا تكون على حساب الدين.
طيب وقيل وقيل: الإثم عتبه، لأنه كان عتبة الربيعة هنا، بدخلوا في تفاسير أحيانا بعض المتكلمين، يعني ما في عليها دليل واضح، هل الإثم هنا عتبه بن ربيعة؟ ما في دليل واضح أن المراد بالإثم عتبه، والكفور الوليد بن عتبه، لكن يعني هي تصدق عليه، تصدق عليه، لكن هل هو فعلا كان المقصود بهذه الآية؟ هذا يحتاج أن يرجع إلى سبب نزول صحيح يثبت ذلك. نعم وقيل: الإثم عتبه، لأنه كان ركاباً للماثئ والفسوق.
طبعا هنا بدي أنبهك على قضية في التفسير، لما يققال: وقيل الإثم عتبه، ليس المراد على هذا القول أن الإثم هو فقط عتبه ولا يوجد مثال آخر له، لا، المراد أن إثم هنا أول ما نزلت نزلت في عتبه بن ربيعة وقص عليه من يمارس فعله حتى تفكر، نعم النموذج المثالي يعني، النموذج السيء قصدك في هذا هو عتبه، ولكن هنا في العادة هو يراد تفسيرها سبب نزولها أن الإثم المراد به هنا كسبب نزول عتبه، لكن كل من فعل فعل عتبه هو آثم، فالقطع بالتأكيد ليس المراد الحصر في عتبه بن ربيعة.
قال: لأنه كان ركاباً للماثئ والفسوق، وأما الكفور هو من هو؟ الوليد بن عتبه، لأنه كان غالياً في الكفر والجعظري. أيوه، والظاهر أن المراد كل آثم وكافر، طيب لماذا ذكرت ذاك القول؟ أرجع فأقول: هو ليس خطأ أن نقول عمن قصد في الآية والوليد، حتى يقول: والظاهر أن المراد كل آثم وكافر، أنه باتفاق الجميع المراد كل آثم وكل كافر، أصلاً باتفاق الجميع الآية تعم كل آثم وتعم كل كافر، لكن الذين قالوا أن الإثم هو عتبه بن ربيعة والكفور والوليد هم يقصدون ماذا؟ سبب نزوله، ولا فيش عفوا مفسر يعرف التفسير يقول الإثم هو فقط فقط الوليد ولا يدخل فيها غيره، تمام.
طيب أي لا تطع أحدهما، وإذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه، فقد نهى عن طاعتهما معا متفرقة، ولو كان بالواو لجاز أن قد نهى عن طاعتهما، يعني إذا نهى عن طاعة أحدهما لا بعينه فقد نهى عن طاعتهما معا متفرقة. في حد معه نسخة أخرى؟ أيوه في كلمة معا ساقطة نعم أحسنت، هيك وهذا هو الذي ينبغي أن يكون في كلمة معا ساقطة في النسخة، إخواني في كلمة معا ساقطة. يقول: إذا كان الله نهاك أن تطيع أحدهما فمن باب أولى أن تنهى عن طاعتهما معا، يعني يعني ما يجيش أحد يتحد يقول الله عز وجل ايش قال: ولا تطع آثماً أو كفوراً، أما إذا أطعت الاثنين معا مش داخل في الآية لأن الله أعطاني تخيير يعني لا تطع ثم أو كفور، طيب الاثنين معا من باب أولى. فيقول: إذا كان نهى عن طاعة أحدهما فمن باب أولى النهي عن طاعتهما معا، فيكون بالتالي نهاك عن طاعتهما معا باللازم ونهك عن طاعة أحدهما بالمنطوق.
ولو كان بالواو لجاز أن يطيع أحدهما؛ لأن الواو للجمع فيكون منهياً عن طاعتهما لا عن طاعة أحدهما. جميل هذا الكلام، فيقول لك: لماذا لم تأتي آية هكذا: ولا تطع منهم آثماً وكفوراً؟ لماذا الله عز وجل قال: لا تطع آثماً أو كفوراً؟ اللي يفهم معاني أول واو راح يعرف كيف القرآن اختار حرف العطف المناسب هنا، ولازم تفهم كلام النسفي: لماذا الله عز وجل لم يقل ولا تطع منهما آثماً وكفوراً؟ قال لا تطع آثماً أو كفوراً. تفضل عصام: لازم نجمع عشان ماطيع ليكون لحاله ممكن. احسنت، يعني هو ايش بقول لك؟
ايوه ينهى أن تطيع من جمع بين الإثم والكفر، وأما من حوى أحدهما ففي أولويّة هنا، حتى ما في أولويّة حتى نقول والنهي عن الجميع يتضمن النهي عن أحدهما بخلاف إذا نهيتك عنها هذا أو هذا، فإن هذا يتضمن بالأولوية النهي عن من جمع الصفتين، يعني إذا قلت: لا تطع آثماً وكفراً بتقول: إذا ربنا نهاني أن أطيع ايش شخص صفته آثم وكفور، لكن إذا شخص آثم فقط أو كفور فقط ربنا ما نهاني عنه، وفيش أولوية حتى تقول: لا والله بالأولوية، أما إذا قال لك: لا تطع من كان صفته أنه آثم أو صفته أنه كفور، فالأولوية تقتضي طب إذا كان آثماً كفوراً من...
باب أولى أنك ما تطيعه، فهمت؟ هذا اختيار مناسب لاختيار حرف العطف (أو) في هذا السياق. وقيل: (أو) بمعنى (ولا)، يعني أن (أو) بمعنى الواو. البعض قال: (أو) هنا بمعنى الواو، فبالتالي المراد: لا تطع، لا تطع آثماً أو كفوراً، يعني: لا تطع آثماً ولا كفوراً، أي لا تطع آثماً ولا كفوراً. وطبعاً هو لاحظ ما قال: (أو) بمعنى الواو، قال: (أو) بمعنى ايش؟ ولا! ليش؟ لأنه لو قال: (أو) بمعنى الواو وسكت، رجعنا للمشكلة اللي حكيناهار قبل شوي. لكن لو قلنا: (أو) بمعنى (ولا)، صار: لا تطع آثماً ولا كفوراً، صار نهي عن كل واحد أيضاً على وجه الخصوص. وإذا نهى عن كل واحد على وجه الخصوص، نهى عن الجمع بينهما سريعاً. الآية، يعني هو شوف مثل هذه الأمور، يعني اختلاف كتب التنزيل أو علوم أسباب النزول فيها سعة.
طيب ايش؟ يعني شوف: أي شيء في الحياة بده صبر؛ أي مسلك إلى الله، العلم، الجهاد، البذل، الإنفاق، مساعدة الملهوف، رعاية حقوق الزوجة، تربية الأبناء. يعني كلمة (الصبر) خذها على أوسع مساحة في حياتك، خلص، الله يرضى عليك. طيب، نُكمل، نُكمل شيخ التفسير.
أيوه، ايش هو؟ هو قال: ومن الحكمة الأمر بالمصابرة؛ ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: 48]. آه، فهمت عليك، يعني تقول: يعني ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ في نزول القرآن مفرّقاً؟ تمام، يمكن أن يقال هذا، أحسنت.
فاذاً أول شيء مطلوب منك في الحياة أنك ايش؟ تصبر. تصبر وما تتنازل،ها؛ تصبر وما تتنازل عن دينك ولا عن مبادئك. طبعاً نحن نتكلم عن الصبر بالمعنى العام، أكيد كل واحد فيكم في حياته تجيه لحظات بيضعف فيها، صح ولا لا شيخ أسامة؟ يعني أنت عم بتتقدم لوظائف، يا أخي الوظيفة الحلال مش راضية تيجي، وكل ما قدم لشركات ما بتحكي معي إلا الشركات الغلط، تيجي الآية: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الطور: 24]. وأنا بدي حتى أنزل الآية على واقع القرآن، بدك تجيب أمثلة من الواقع حتى تثيرها. الله عز وجل يقول: ﴿فَاصْبِرْ وَلَا تُطِعْ﴾؛ إذا طال بك بلاء عدم وجود عمل ووظيفه في الواقع المعاصر، وظهرت أمامك شياطين الإنس: بدي وظيفة محرمة أو عمل محرم. اصبر، لا، استنى، مش تقول: خلص، اشتغل وتبدا تتنازل! لا تتنازل؛ ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾، انتظر حتى يفتحها الله عليك، ولا تطع آثماً يدعوك إلى الربا أو الشغل المختلط، أو كفوراً يدعوك إلى شغل أصلاً يناقض الأسس ويناقض المبادئ ويناقض كلياته.
هذا نموذج أيضاً، شو في عندنا خيار آخر؟ مين عنده هيك نماذج يمكن تسقط عليها الآية في الواقع من باب استثارة القرآن، تدعو الناس إلى الصبر وعدم التنازل في حياتهم الشخصية؟ طبعاً مش حياة الأمة الكبيرة، أمورنا صعبة، لكن في حياتك الشخصية أنت أشياء تضطر أنك تضعف أمامها. أيوه يا أبو عبد الرحمن، أحسنت؛ يعني أثناء ما أنت تبحث عن فتاة تتزوجها، تقول لي: يا شيخ، والله بيجيني بعض الشلل، والله ما أنا ملاقي المواصفات الشرعية، بحثت، بحثت، ما في يا شيخ. بيبلش ايش بيجي صاحبه يقول له: يا أخي، هو يعني هو لازم وحدة مجلبة؟ يعني مش مشكلة لو لابسة كذا، أمور طيبة، هم شيء. فيبدا يطيع هذا الآثم الذي يدعوه إلى الإثم، ويبدأ يتنازل. يا أخي اصبر، ما هي مشكلة، اصبر إلى أن يأتي الله بفرج من عنده، لا تتنازل. فهناك أمثلة كثيرة في الحياة يمكن أن تطبق عليها هذه الآية. بدك شيء؟
أيوه، الحياة اليومية، أيوه، بالحياة اليومية، هذا بدك.. قطع بالمواصلات! نعم، نعم، تمام. نعم، آه، ولا تطع من يدعوك إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ الناس راح تلومك، يا أخي خلص خليه في حاله، أنت ايش علاقتك فيه؟ ربنا بيحاسبه، مش هيك دائماً هي الفكرة العامة في المجتمع؟ ربنا بحاسبه، أنا ايش علاقتي فيه؟ يلا اصبر، اصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تطع آثماً؛ آثماً سيكون هنا معناها على سياق الذي يدعوك إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أحسنت، وهذا إخواني هكذا القرآن يقرأ؛ استثر القرآن في واقعك، حاول تجيب الآية تسقطها على واقع معين في حياتك لينتج ممارسة عملية، ما تخلي القرآن بس مجرد أفكار عامة، لا، أنا بدي أعرف كيف أسقط القرآن على واقع الحياة.
كمل: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ [الطور: 25-26]. تمام، الله عز وجل يعطينا إخواني في سورة الإنسان عوامل ثبات الإنسان على دينه، كما قلنا، هي ثلاثة عوامل ذكرها في سورة الإنسان وذكرناها في سورة المزمل: الصبر، والذكر، وقيام الليل. يعني شوف، أي إنسان بيقول لي: شيخ، أنا بدي أصير إنسان صالح، أنا بدي أترك دروب الظلام، بدي أصير مستقيم على دين الله، ما فيش وصفة غير ها الوصفة، يعني ما تحاول تخترع طرق أخرى غير الطرق اللي ربنا ذكرها. ما دام الله هو الذي يذكرها، إذاً الله سبحانه وتعالى يعلم أن هذه الوسائل الثلاث هي الموصلة للثبات: الصبر، والذكر، وقيام الليل. لك أي تغيير في حياة الإنسان يجب أن يبدا من خلال هذه الطرق ولو من أحدها، أما تقول لي: يا شيخ، لا، أنا ما بدي اصبر وما بدي أذكر وما بدي قيام ليل، بس بدي أكون مستقيم! والله صعبة، لأنه الله عز وجل وضع العلاج في القرآن، أنا من وين بدي أجيب لك علاج، وصفة؟
ما بدي أنا أشاعر بالتعب في ترك المنكرات، بدي أضلني مثلاً أطلق بصري للحرام وأشوف مسلسلات وعايش حياتي زي ما بدي وفي نفس الوقت بدي أضلني مستقيم! ما راح يزبط، بدك تصبر وبدك تذكر. ما بدي أتعب لساني في أذكار الصباح والمساء والاوراد وكذا، بدي أضلني.. مش شغلنيش! وبالليل ما بديش أستيقظ وبدي أضلني نايم! أنت.. يعني بعض الناس بحطك في الزاوية الصعبة، أنت عاد بدك تدبر حالك معه، لا، ودبر حاله في النهاية، أنا ايش أسوي؟ يعني الله عز وجل يعطيك قواعد عامة فيها النجاح والفلاح. الذي خلق هذه النفس الإنسانية هو الذي يعرف ما الذي يصلحها؛ اللي خلق نفسي ونفسك هو الذي يعرف العلاج المناسب لتمردها، لتسبيحها في الشهوات، إشكاليات في الحياة، الإرهاق النفسي الذي أنت تعيشه. شو في حياتك بدك تعالج هذا الإرهاق النفسي؟ بدك تاخذ العلاج الرباني. أي علاج آخر، وعظي، إيماني، كذا، هو ممكن يكون مسكن، آه، ينفع شوي، علاج جزئي بس مش علاج جذري يعني.
طب يا شيخ، مجالس العلم؟ مجالس العلم هي داخلة تحت مفهوم الذكر إخواني؛ الذكر هو مش فقط سبحان الله والحمد لله ولا إه إلا الله والله أكبر، هذا جزء من الذكر، لكن قراءة القرآن ذكر، حلق الذكر ما هي اسمها حلق الذكر؟ فأصلاً العلم هو جزء من الذكر، فهو داخل ضمن العلاج. فمفهوم الذكر لا تسقطه بمعناه الضيق أنه فقط أن تسبح وأن تذكر الله وحدك، على المعنى الواسع: أي برنامج علمي، أي قراءة كتاب نافع، أي.. كل هذا داخل تحت عموم ماذا؟ ذكر الله سبحانه وتعالى. باختصار: أي شيء يذكرك بالله فهو ذكر، مجالس الصالحين ذكر، أي شيء يذكرك بالله فهو داخل تحت واذكر، اعمل أي ممارسه بتذكرك بربنا، لأنه احنا بنضيق مفهوم الذكر على حالنا وما بنعرف سعة هذا المصطلح.
طيب، إذاً: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾، هو قال ايش هنا النسفي؟ قال: صلّ له، هذا يسمى تفسير بالمثال، يعني هذا شكل من أشكال الذكر: الصلاة، بس ليست محصورة في ذلك. قال: صلّ له بكرة، والبكرة هنا صلاة الفجر، ويمكن تحمل ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ على أذكار الصباح، مش ضروري صلاة الفجر، هذا كله أيضاً تفسير بالمثال. فتفسير ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ تفسير بصلاة الفجر، هذا تفسير بايه؟ بالمثال. وإلا فأي ذكر في الصباح: قرآن، أذكار الصباح، مش حكينا صلاة الفجر؟ كله داخل تحت هذا. ﴿وَأَصِيلاً﴾ ونفسر الأصيل بصلاة الظهر والعصر، وقد لا أختار هذا التفسير؛ لأن الأصيل هو وقت قبيل الغروب يسمى الأصيل، فإما أن نقول الأصيل صلاة المغرب إذا بدنا نفسرها كصلاة، أو نقول هي أذكار المساء، وهذا هو الحد الأدنى اللي بتلاحظوا في القرآن دائماً يذكر في الذكر: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: 205]. ربنا ركز أن الإنسان المسلم الحد الأدنى في الذكر، الحد الأدنى أنه يكون في ذكر في الصباح وذكر في المساء. الآن، ما بين ذلك جيد، بالعكس، كلما استكثرت من الخير استكثر، لكن كحد أدنى الذي يعني خلينا نقول: ما الذي يزيل عني اسم الغفلة؟
يخرجني من أنني غافل وأعتبر من ضمن الذاكرين؟ الحد الأدنى: أذكار الصباح والمساء. فاذا أنت انسان مش حريص حتى على أذكار الصباح والمساء، أنت من الغافلين. لذلك قال: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾. جماعة آية أذكر في الصباح والمساء ولا تكن من الغافلين، كان هذا الاقتران كأنه أقول: يشعر أن الذي لا يحافظ على الحد الأدنى -الحد الأدنى أذكار الصباح والمساء- هو داخل تحت مفهوم غافل. كيف أخرج من ذلك؟ أذكار الصباح والمساء. وطبعاً أكيد أذكار الصلوات، أذكار.. أنه بتزيد ابتعاد عن الغفلة، لكن خلي في شيء ايش أساسي لا تتنازل عنه. ممكن أنت مشغول كثير في حياتك، عندك اهتمامات، عندك، عندك، بصير عندك نوع من التقصير، وكلنا ذاك الرجل، إنسان يعرف كلنا ذاك الرجل المقصر، لكن على الأقل ثبت قواعد أساسية في الذكر لا تتنازل عنها. لذلك قال: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي صلاة الظهر والعصر وقلت وأصيلا تحمل أيضاً على عند وقت الغروب أو قبيل الغروب.
ثم بعد أن قال الذكر قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾، وبعض الليل فصلي صلاة العشائين، إذاً من هنا للتبعيض، فسر من هنا بالبعض، ومن الليل يعني وبعض الليل، ومن الليل يعني وبعض الليل فصلّ له سبحانه وتعالى. طبعاً هو أنا عارف النسفي بده يوصل أن الآية بتتكلم عن الصلوات الخمس؛ النسفي طريقته في التفسير أنه بده يقول لك هي الآية بتتكلم عن الصلوات الخمس: كيف؟ ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾ الفجر، وأصيلا ظهر وعصر، ومن الليل مغرب عشاء. ما بقدر أقول خطأ، لأنه صعب تخطئ، لكن يعني ليست الإشارات العامة للآية تتجه بهذا الاتجاه، على الأقل ليست الإشارات العامة تتجه بهذا الاتجاه، وإن كان أكيد الصلوات عموماً هي من شكل عظيم من أشكال ذكر الله. يعني أنا أتفق أن الصلوات شكل من أشكال ذكر الله، لكن هل المراد بذكر هذه الأوقات الصلوات الخمس؟ هذا رأي النسفي، ورأي محترم وعالم مجتهد له اختياراته، لكن يعني الآية لا يظهر أنها تتجه بهذا الاتجاه بشكل واضح.
كمل: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾، فالتالي أنا أقول: من الليل يعني كثير من المفسرين يقولون: قيام الليل، حاول أن يكون لك ورد من الليل. نعم، وسبحه ليلاً طويلاً؛ تهجد له هزيعاً طويلاً من الليل، ثلثيه أو نصفه أو ثلثه. تمام، إذاً إخواني، هذه مهم جداً ننتبه لها: عوامل الثبات: قيام الليل، ذكر الله، والصبر. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45].
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الطور: 27]. شوف السياق القرآني العذب الجميل وهو يصور حالة الناس في الدنيا الذين يتعلقون بالدنيا ويقاتلون عليها: أن هؤلاء الكفرة العصاة الفساق الذين نسوا لقاء الله سبحانه وتعالى ونسوا الدار الآخرة، هو تعلق هذه العاجله، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾؛ يحبون الدنيا، حب الدنيا ملأ قلوبهم، فما عاد بالنسبة لهم طموح أبعد من كدة فيقاتلون عليها وينهبون من أجلها وسعيهم ليلاً ونهاراً فقط لشهواتهم ونزواتهم. هذا الذي جعلهم يقعون في هذه الكفريات أو المعاصي. يرحمك الله، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾، ولاحظ سمى الدنيا ايش؟ عاجلة؛ سمى الدنيا شيء عاجل حاضر، والإنسان الذكي والثقب الموفق هو الذي ينظر إلى الأشياء العظيمة المؤخرة وإلى العواقب الجميله الفاخرة، ولا ينظر إلى الشيء العاجل خاصمه إذا كان هذا العاجل حقير في مقابله المتاخر. يعني لو كان العاجل ثمين، ما عندي مشكلة، لكن العاجل حقير، لا قيمة له ولا يزن عند الله جناح بعوضة، والعبرة بالأخر العظيم.
فقال: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾، والوراء هنا ما معناه؟ الأمام! الوراء من الكلمات التي تطلق على الخلف وعلى الأمام. فيقول: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ يعني قدامهم كما قال النسفي، يعني أمامهم، يعني جايك يوم ثقيل. شوف تسمية يوم القيامة أنه يوم إيش؟ ثقيل، صعب، يوم القيامة يوم صعب. نعم، قد لغفلته وتناسينا وتشغلنا بالدنيا نسينا هذه الفكرة، بس بالتاكيد القرآن لمن يقرأه كثيراً تبقى هذا المعنى متقّد في ذهنه، أن يوم القيامة يوم ثقيل، يوم حساب، يوم تصفية الحساب، يوم اعلان النتائج خلينا نسميه، يوم اعلان النتائج: ايش عشت حياتك؟ أما شاكراً وأما كفوراً. ذكر أول السورة أن الدنيا للبلاء والناس أما شاكراً وأما كفوراً. اعلان النتائج في ذاك اليوم الثقيل الذي سيعلن المصير الأبدي الختامي لي ولك.
نعم، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ الكفرة ﴿يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ يؤثرون على الآخرة، ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ قدامهم أو خلف ظهورهم ﴿يَوْماً ثَقِيلاً﴾ شديداً لا يعبؤون به، وهو يوم القيامة. طبعاً إذا قلنا وراءهم بمعنى قدامهم، المراد أن يوم القيامة جايك لسه أمامك، إذا قلنا وراءهم على التفسير الثاني للوراء خلف ظهورهم بمعنى ايش؟ أنهم القوه وراء ظهورهم غير عابئين به. فأنت حسب ما ستفسر وراء سينتج المعنى: إذا قلت وراء بمعنى القدام يعني لسه جاييني، إذا قلت وراء بمعنى خلف ظهورهم بمعنى أنهم القوه وراء ظهورهم مش مهتمين بالملف وماشيين يعني في فجورهم: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5].
لأن شدائده تثقل على الكفار، أسأل الله العافية. والله هو شديد على الجميع، أسأل الله أن يخفف عنا، ولكن أكيد الكفار شدته ستكون مضاعفة يعني. ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا * نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: 27-28]. نحن خلقناهم وشددنا، بمعنى أحكمنا. تقول: أحكمت صنع هذا الشيء، يعني أتقنت. فالإحكام هو ماذا؟ الاتقان. نحن خلقناهم وشددنا، يعني أحكمنا واتقننا أسرهم. شو يعني الأسر؟ يعني الخلق تمام، أسرهم مش اعتقال يعني لا، الأسر هنا إخوان بمعنى الخلق. نحن خلقناهم واتقننا خلقتهم. نعم، هنا تذكير الناس بالخلق، لأن السورة ابتدأت بالخلق فختمت بالخلق: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ دَهْرٍ لَّمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا﴾ [الإنسان: 1]. وشددنا أسرهم.
شوف أدلة القرآن على وجود الله سبحانه وتعالى وتوحيده كما ذكر ابن رشد وغيره قديماً وحديثاً، أدلة القرآن على وجود الله هي تنبني على دليلين: دليل الخلق من العدم، ودليل الاتقان في الصنعة. اقرأ كل سور القرآن وأدلة القرآن التي دلت على وجود الله ستجد إما القرآن يطلب منك أن تنظر في الشمس والقمر والجبال وكذا اللي هي الاتقان الصنعة، أو يطلب منك أن تنظر إلى الخلق ومظاهر الخلق من العدم. فأدلة القرآن على وجود الله ووحدانيته هي تعتمد على هذين الدليلين: دليل إيجاد الشيء من العدم، لأنه إذا الشيء وجد من العدم إذاً لا بد من موجد فلا بد أن أعرف من هو الموجد، والاتقان الرهيب في صنعة الكون يدل على متقن فلا بد أن أعرف من هو المتقن لأنه لا يوجد اتقان رهيب معقد بالمصادفة. فأدلة وجود الله تقوم على الخلق والاتقان، وفي هذه الآية جمع الدليلان معاً. فقال لك: الأدلة على وجودي متضمنة في هاتين؛ خلقتك من عدم وأتقنت صنعتك. فإذا نظرت إلى جانب الخلق فالخلق يدل على خالق، وإذا نظرت إلى جانب الاتقان في الصنعة في صنعتك فالإتقان يدل على متقن. فعليك أن تعرف يا من تحب العاجلة وتذر وراءك يوماً ثقيلاً أن هناك إلهاً وأن هناك موجداً لهذا الكون، عليك أن تنظر إليه وترقبه قبل أن يفوت الأوان.
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والفراء: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: 28]، أي إذا شئنا إهلاكهم أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في الخلقة ممن يطيع. نعم، يعني الله عز وجل في خلينا نسميها لهجة تهديد، فيها لهجة ايش؟ تهديد. وإذا بدكم مصرين على هذه الحالة من التمرد: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ نستطيع أن ناتي بمن هو غيركم ممن يطيع ولا يعصي، فانتبهوا قبل أن يفوتكم الأوان ويأتي حال التبديل.
﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: 29]. أن هذه السورة تذكرة، عظة. فالشارة هنا: أن هذه الإشارة إلى آية؟ إلى السورة التي تلوناها، هذه السورة هذه الآيات تذكره لك أيها الإنسان لهدف وجودك وغاية حياتك والنهاية والوسائل التي تعينك على الثبات، هذا كله من الله درس عليك أن تفهم جيدا في الحياة. ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بالتقرب إليه، كل إنسان مسؤول عن نفسه. يعني بعد سماعك هذا الدرس كيف أنا أعطيكم درس كذا وموعظة، ايش بقول لك بعدين؟ ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أنت بعد ذلك حر في المسار الذي تتخذه، حاب تسير على درب الاستقامة انت من سيكسب، حاب تضلك في شهواتك وغيي وعبثك انت الخسران. قال: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ربنا معطيك إرادة حرة أنت تختار الطريق اللي بدك اياه، لكن كن متأكداً أنك ستتحاسب على اختيارك، كن متأكداً أنك ستتحاسب على اختيارك ولن يمضي الموضوع هكذا.
وما تشاؤون إلا أن يشاء الله. لما قال لك في الآية السابقة أنني أعطيتك إرادة حرة لتختار، أراد أن ينبه على قضية حتى ما حدا يفهم الموضوع غلط: كونك بس ها كونك عندك مشيئة، لا تظن أنني كإله لا أعرف ماذا ستختار، فمشيتك أيها الإنسان مرتبطة أيضاً بمشيئتي. لذلك قال: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]. لأن هنا هي المسألة الفاصلة في باب القدر، لما نقول الإنسان يمتلك إرادة حرة لاختيار سبيل الخير أو سبيل الشر، أنا عندي إرادة وربنا معطيني قدره أن اختار هذا وهذا، هل يعني هذا أن الإله ما له أي تدخل في هذا ولا يعرف اختياراتي وليس له مشيئة في اختياراتي؟ لا، الله يعرف اختياراتي وله مشيئة، بس هذه المشيئة أنا غير مطلع عليها، أنا غير مطلع عليها ولا أعرف مشيئة الله لأنها صندوق مغلق، القدر سر الله. أنا ما بعرف ربنا ايش كاتب سابقا، طب ما دام لأنه بعض الناس تشكل عليهم، طيب إذا انا إلي مشيئة بس مشيئتي مربوطه بمشيئتي الله ايش قيمة مشيئتي؟ فهمتم السؤال؟ أنا إلي مشيئة هيك بتحكوا في الآية السابقة: ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ﴾ بعدين بتجي هاي الآية بتقول لي لكن مشيئتك مربوطه بمشيئة الله، طب إذا ما قيمة مشيئتي إذا هي مربوطه بمشيئة الله؟ آه يا موسى؟
طيب مبنية على العمل، بس ما هو بقول لك انا في النهاية مشيئتي مربوطة بمشيئة الله، فكيف يعني انا بدي اعمل واسعى؟ انت بتقول لي في النهاية إنه مشيئتك ايها الإنسان مربوطة ومرتهنة بمشيئة الله. مالك؟ جميل، هذا معنى لطيف إنه إذا شئت شيئاً خيراً فاعلم أن الله هو الذي شاء لي ذلك. لا، بس هنا في باب القضاء والقدر عليك أن تفهم شيئاً: إنه بعض الناس تشكل عليهم كيف أن مشيئة الإنسان مرتبطه بمشيئة العبد، اليس عفوا بمشيئة الله؟ أليس هذا ظلم لأيه؟ أن في النهاية الله سبحانه وتعالى لما أعطاك إرادة حرة هو بس بخبرك معلومة الأصل هي مش مؤثره في حياتك يعني عفوا مش مؤثره باختيارك، بقول لك في معلومة معينة إنه أي شيء راح تختاره، بس كمعلومة أنا هذا الكاس أنا اخترت أشرب هذا الكاس، مشيئتي أن أشرب هذا الكاس هي مرتبطه بمشيئة الله، لكن لما اخترته هذا لما اخترته هذا اخترت أن أشرب، أنا مش عارف ايش مشيئة ربنا في هذا الموضوع. مشيئة ربنا عبارة عن صندوق مغلق أنا لا أعرفه، فانا الآن شئت أن أشرب هذا الكاس، فإذا شربت بعد حصول العمل أعرف آه أن مشيئتي هذه كانت بمشيئة الله سابقا.
فلحظة اتخاذ القرار هذه المهم تفهمها، لحظة اتخاذ قرارك أنت ما كنت تعرف ايش في القدر في مشيئة الله صح؟ يعني لما قررت تتزوج فلانة أنت كنت تعرف إنه هيك ربنا بده إن هاي مشيئة الله؟ لا. لما قررت تسلك طريق الالتزام، هذا القرار لما أنت اتخذته هل كنت تعرف إنه هيك ربنا بده؟ لا. كل الأشياء وكل حياتنا وكل قراراتنا في الحياة نحن بنقررها ونحن ما بنعرف ايش ربنا كاتب، فإذا فعلنا ومشينا وانتهينا عرفنا أن الله كان يريد ذلك. فالعبرة في حياتك بلحظة اتخاذ القرار، لحظة اتخاذ القرار أنت حر بمعنى أنت لا تشعر إنه القدر عم بيمنعك وإنه في شيء ضاغط على أعصابك لاتخاذ قرار معين، وهذا شيء يجهد الإنسان من نفسه بل أصلاً لا تسير الحياة إلا بهذا الشيء، وهذا من عجائب صنعة الله، هذا من عجائب الخلق أن الإنسان وهو مقهور بالقدر لا يشعر بذلك أبداً. طبعا لا يشعر بذلك أبداً في اختياراته، هسه أنت بتشوف قدر في موت الناس، في الحروب، في كذا، لكن في قراراتك في الحياة أنت مقهور بالقدر ولكنك لا تشعر بذلك بل تشعر بكامل الحرية، فتلاقي الواحد بخطط: بكره بدي أدرس جامعة وبدي أتخصص في كذا وبدي اشتغل وبدي أروح عند فلان، اليوم بدي أترك هاي الوظيفة بدي أروح، نحن بنسير في الحياة وبنسعى ونتخذ قرارات وكذا، فمش ولا إنسان فينا بيشعر إنه في شيء ريموت كنترول عم بتحكم فيه صح؟ بس في الواقع كل قرارات حياتك مرتبطه بمشيئة الله، فأنت إذا قررت تدرس هذا الشيء ودرسته فالله شاءه قبل أن تشاء أنت، وإذا قررت تترك عمل لعمل آخر الله شاءه قبل أن أشاء، فهو فقط في المراد هنا: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.
المراد هنا إخبار الله للإنسان أنه صح ﴿فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ بس بدك تفهم شغلة: إنه حتى لو شئت أن تتخذ لربك سبيلاً بس من باب المعلومة أن حتى هذه المشيئة هي مرتبطه بمشيئة الله. طيب شو المطلوب مني إذاً؟ أدعو الله سبحانه وتعالى أن يشاء لك الخير، ما دامت مشيئتي -باختصار- إذا كان إقبالي على الخير هو راهن مشيئة الله لي أن أقبل على الخير، إذاً علي أن أطلب وأدعو وألجأ إلى الله: يا رب أرجو أن تشاء لي الخير حتى أشاء أنا الخير، لأنني أنا في النهاية لن أشاء الخير إلا إذا شاءه الله. فلذلك تاتي قيمة الدعاء في الحياة: يا رب أرجو أن تشاء لي الخير وأن تصرفني إلى الخير، لأن مشيئتي أنا إنه أنا أحب العلم، أحب القرآن، أن أحب الالتزام، هذا القرار هو مرتبط بمشيئتك صح، فعلي أن أطلب منك أن توفقني وأن تشاء لي حتى أنا أشاء هذا الشيء وأذهب إليه، لأنني أعرف إذا أنت لم تفتح لي هذا الباب ولم تختره لي أنا لن أستطيع أن أختاره ولن أجد قلبي مقبلاً عليه. هذه قضية مهمة الدعاء: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾. عليك بالدعاء، ادعو الله أن يشاء لك الخير وأن يختار لك الخير، مش أنت في الاستخارة شو بتحكي؟ اللهم إني استخيرك بعلمك، فأنت تطلب من الله الخير وأن يشاء لك الخير في زواج أو وظيفة أو ما شابه ذلك. فاستخارتك تقوم على ايش؟ ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فمجرد أنه أنت تظن أنه أنت الوحيد بدون تدخل إلهي في موضوع إراداتك واختياراتك، هذا تصور غير صحيح.
وما تشاؤون اتخاذ السبيل إلى الله، وبالياء مكي وشامي وأبو عمرو ومحل هنا قراءة وما تشاؤون وهناك قراءة وما يشاءون. ومحل إلا أن يشاء الله النصب على الظرف، أي إلا وقت مشيئة الله، وإنما يشاء الله ذلك ممن علم منه واختياره ذلك. وإنما يشاء الله ذلك ممن علم منه اختيار ذلك، يعني هو أراد أن يدخل. لماذا الله عز وجل يشاء لفلان الخير ويشاء لفلان الشر؟ هذا علمه عند الله سبحانه وتعالى بدون القضية اللي ذكرها النسفي: وإنما يشاء الله ذلك ممن علم منه اختيار ذلك. هو أكيد ربنا عز وجل يعلم أن فلان سيتخذ سبيل الضلال، ويعلم أن فلان سيتخذ سبيل الرشاد. طب كيف علم ذلك سابقا قبل أن يصدر الفعل؟ إله، لذلك هو يعلم ويشاء قبل أن يحصل أي شيء في هذا الوجود. فالله سبحانه وتعالى بسعة علمه وسعة مشيئته يعرف كل التفاصيل، ويعرف أن هاي الطينة رح تختار طريق الخير، وتلك الطينة رح تختار طريق الشر. طيب لماذا جعل تلك الطينة تختار؟ بك تتسلسل رح تتوسوس.
فلذلك الصحابة كانوا جالسين بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوماً، فقال الحديث المشهور: «إن الله سبحانه وتعالى خلق خلقاً للجنة وخلق خلقاً للنار». يعني ربنا عز وجل من البداية لما خلق الناس هو يعرف باختصار من سيدخل الجنة ويسلك طريق الجنة، ويعرف من سيدخل النار ويسلك طريق النار. قالوا: إذا يا رسول الله ففيما العمل؟ يعني نحن ليش بنشتغل إذا كل شيء محسوم سابقاً؟ لماذا نشتغل إذا كل شيء محسوم سابقاً؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام أعطى الإجابة الواضحة النافعة، قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». ايش يعني؟ يعني أنت ما لك علاقة بالقدر السابق، أنت بتؤمن به بس أنت مش عارف شو فيه، أنت اشتغل بناء على الإمكانيات اللي بين إيديك. مش ربنا رفع أنزل القرآن وبعث الأنبياء وهي دروس علم وهي مسجد وهي كذا، في شيء حاكم على أحدكم في قراراته لا، اعمل وفق الإمكانيات المتاحة إليك، واعلم أنك كلما وفقت إلى خير فالله يريد ذلك لك، وإذا يسرت إلى شر فهذا إرادة الله لك. طب ليش أراد لي كذا وأراد فلان كذا؟ هذا علم الله ما بقدر أتكلم أكثر من ذلك في سر القضاء والقدر. لذلك القضاء والقدر من أصعب الأبواب اللي لازم الإنسان يؤمن بها بس ما يتعمق في التسلسل في الأفكار فيها، ليه؟ لأنك ربما يأتيك الشيطان من هذا الباب ويعقد عليك الحياة وتبلش تدخل الأمور عندك ببعضها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الإيجابي: اعمل، خلص خلص، اشتغل بالإمكانيات. لو جلست من الآن لعشر سنين وانت تفكر في القدر ما رح توصل لنتائج، صندوق مغلق، صندوق مغلق. اعمل الشيء اللي بتقدر تقدمه الآن، ما هو العمل؟ التفكير الصحيح، التفكير الإيجابي، وكل ما فكرت بشكل صحيح احمد الله لأن الله عم يختارني عم يوجهني باتجاه الخير ودروبها، هذه نعمه تحمد الله أن الله عم يختارك لهذا الطريق. وإذا وجدت نفسك تتجه نحو الشر والمعاصي والذنوب ابكي على خطيئتك لأن هذا يعني أن الله شاء لك هذه المعصية وشاء لك هذا الضلال وشاء لك هذا الاختيار، فيبكي الإنسان يعني ربنا ما اختارني زي ما اختار فلان للخير، ربنا ما اختارني زي ما اختار هذا للرباط وهذا.
للجهاد، وهذا للمال، وهذا ربنا اختارني في مكان آخر. تمام، هسا صح أنت اللي اشتغلت وكذا، بس أنت عارف ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فيبقى الإنسان يشعر بايش؟ بالحزن، ويحاول أنه يفعل شيء جيد، لأنه إذا فعل شيء جيد هو في ذهنه ايش؟ ما دمت قدرت أفعل هذا الشيء الجيد، معناتها ربنا شاء لي، فخليني أصر أنه ربنا ما اختارني، ربنا عم بيوفقني. هذا الموضوع مهم جداً، ما يكون وسوسة، لكنه مهم أن تعرف أن كل شيء بإرادة الله ومشيئته. بس خلوني أختم السورة حتى يأذن المغرب الآن.
إلا أن يشاء الله. كمل، وقيل هو لعموم المشيئة في الطاعة والعصيان والكفر والإيمان، فيكون حجة لنا على المعتزله أن الله كان عليماً بما يكون منهم من الأحوال، حكيماً مصيباً في الاقوال والأفعال. طيب، إن المعتزلة ترى أن الإنسان في أفعاله هو الذي يخلق فعله بفعله. الفرق بين المعتزلة وغيرهم أن المعتزلة ايش ترى؟ أنه فيش مشيئة لله في أفعالنا، أنت بتفعل الفعل بإرادتك الحرة بدون وجود مشيئة لله. تمام، الأشاعرة والماتريدية ينحون نحو الجبر تمام، ربما الماتريدية لا، يعني حتى أكون منصف، الماتريدية لا، أقرب إلى الاعتزال منهم إلى الأشاعرة في هذا الموضوع، بس الأشاعرة عموماً يميلون نحو الجبر؛ أنه الله هو الذي يشاء، وأن الإنسان ما له مشيئة حقيقية. أهل السنة والجماعة أتوا بالمنتصف، قالوا: لا، الله يشاء، والانسان له مشيئة مرتبطة بمشيئة الله. فالمعتزلة له إرادة، وهذا الشيء كل واحد يجده من نفسه أصلاً، بغال نفسي إذا بحكي أنا ماليش مشيئة، هيني عم بشرب، هيني جيت على المدرسة معنا بضحكها حالي، هيني كيف اجيت؟ إلي مشيئة، بس هي المشيئة مرتبطة بمشيئة الله وليست منفصلة عنها.
طيب، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ عليماً بما يكون منهم من الأحوال، حكيماً مصيباً في الأقوال والأفعال. إذن الله عليم بما ستختار، حكيم أنه شاء لك هذا الاختيار دون ذلك. شوف عليماً حكيم مناسبته للموضوع، قال: عليماً باختياراتك وبمشيئتك، حكيم لما جعل فلان يختار طريق الخير وفلان يختار طريق الشر، هذه حكمة، لا يظلم ربك أحداً، يعلم من الذي يصلح لهذا ومن الذي يصلح لهذا. ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾؛ هم المؤمنون في رحمته جنته، لأنها برحمته تنال، فالرحمة هنا بمعنى الجنة، وهو حجة على المعتزلة لأنهم يقولون قد شاء أن يدخل كلا في رحمته، لأنه شاء إيمان الكل، والله تعالى أخبر أنه يدخل من يشاء في رحمته وهو الذي علم منه أنه يختار الهدى.
﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، الكافرين لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها. نعم، لماذا الكفار أو لماذا الكفر ظلم؟ لأن الكفر الظلم ما هو؟ قال: أن تضع الشيء في غير موضعه، هذا أحد التعاريف، الظلم أنك تضع شيئاً في غير موضعه، فإذا وضعت الكفر مكان الإيمان فهذا ظلم، إذا لم تفرد الله بالعبودية وإنما عبدت معه سواه هذا ظلم، إذا صرفت العبادة لغير الله هذا ظلم، لأنك وضعت العبادة في غير موضعها الصحيح. فيقول الكفر ظلم لأنه وضع العبادة في غير موضعها، ونصب بفعل يفسره.
وقال: والظالمين، والظالمين الكافرين لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، ونصب بفعل يفسره، أعد لهم عذاباً أليماً، نحو أوعد وكافأ. طبعا هو يريد أن يقول الظالمين مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل ماذا؟ المذكور، تمام، بس ليس ليس الفعل المذكور بعينه، بل بمراده، لأن الفعل المذكور بعينه "أعد" لا ينصب مفعولاً به مباشرة، فلا بد ناتي بفعل بمعنى الفعل أعد، قال مثلاً بمعنى "أوعد"؛ يعني أوعد الظالمين، أعد لهم عذاباً أليماً، هذا التقدير، أوعد الظالمين أعد لهم عذاباً أليماً. طيب ليش ما نخلي الظالمين مفعول به مقدم لـ "أعد لهم"؟ لأنه "أعد" خلص أخذ مفعوله، طبعا مفعوله هو الجار والمجرور هنا، هذا يسمى في اللغة العربية باب الاشتغال، باب حفلة، يعني اللي بيعرف في النحو بيفكه، اللي مش عارف النحو يسامحني، مش معقول أشرح له إياه، اسمه باب الاشتغال. باختصار، "أعد" أخذت ضميرها ومفعولها، فالظالمين تحتاج إلى فعل لها، فما هو الفعل؟ فعلها محذوف يفسره الفعل المذكور "أعده". طب ما هو هذا الفعل المحذوف الذي ينصب الظالمين ويفسره الفعل المذكور "أعد"؟ قال: هذا الفعل المحذوف تستطيع أن تفسره بايش؟ أما "أوعد" أو بايش؟ بـ "كافأ"، فالتقدير "كافأ الظالمين، أعد لهم عذاباً أليماً"، وتستطيع أن تقول "أوعد الظالمين من الوعيد، فأعد لهم عذاباً أليماً". هذان الفعلان تم اختيارهما لأنهما أنسب فعلين لهذا السياق، أنسب فعلين لهذا السياق.
وللاحظ أن السورة انتهت بماذا؟ بذكر المصير النهائي، كأنها ابتدت بذكره ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، انتهت بماذا؟ بذكر الختامات. ابتدأت بالبدايات وانتهت بالختامات؛ ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ﴾ جنته، رحمته مع جنته، ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وما بين البدايه والنهاية قصة حياة، وما بين البداية والنهاية، ما بين ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ إلى ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، قصتك أيها الإنسان؛ تسعى وتحرث وكذا، فإما أن تدخل إلى جنة الله سبحانه وإلى رحمته، وإما أن تدخل إلى ناره. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا وأن يوفقنا لكل ما هو خير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل