غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اتقى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله أيها الأكارم في عودة جديدة على موائد القرآن، هذا الكلام العذب العظيم المنزل من الله رب العالمين سبحانه وتعالى؛ ليكون هداية ونوراً واستبصاراً وضياءً للإنسان في رحلته في هذه الحياة الدنيا. وكلما ابتعد الإنسان عن هذه المجالس جفت الينابيع، فيحتاج أن يجددها بالعودة إلى التدبر؛ فإن أعظم علم وأهم علم ينبغي أن ينشغل به طالب العلم خصوصاً، وينشغل به المسلم عموماً، هو أن يتدبر معاني كلام الله سبحانه وتعالى وأن يتبصر في هذه الرسائل.
فهذا الكلام ليس كلاماً بشرياً، ليس اجتهاداً لعالم، أو وجهة نظر لفيلسوف، أو تقييماً، إنما هو كلام الله رب العالمين. وهنا أخذ قدسيته وأخذ هيبته وجلاله في النفوس؛ أنت تقرأ هذه الآيات وتمر عليها وأنت في قناعة نفسك وفي قرارك أيها المؤمن تعلم أن هذا كلام ربك، وأن الله سبحانه وتعالى حاشاه أن يكون تكلم بهذا الكلام عبثاً أو غفلة أو فقط لتعبئة فراغات دعوية، أو كما نحن نتحدث كثيراً على الهوامش بكلام غير نافع.
بل كل كلمة وكل توجيه وكل نصيحة في هذه الآيات إنما هي لصالح ذلك الإنسان الذي يخوض رحلة الحياة بما فيها من الآمال والآلام، بما فيها من البلاء والرخاء، بما فيها من الشدة واليسر؛ هي هكذا الحياة. ولأن الحياة صعبة ولأن البلاء شديد، يحتاج الإنسان إلى شيء يوجهه ويخفف عنه. هذا الشيء الذي انزله الله سبحانه وتعالى ليوجهه ويخفف عنه قسوة الحياة وصوبتها هو القرآن.
فكل من بحث عن مخففات ومهدئات ومسكنات في زمن البلاء والمحن والشدة في غير القرآن، فلن يستطيع أن يصل إلى الهدوء والراحة والسكينة، إنما هي فقط إبر مسكنة. أما القرآن فهو لا يعطيك مسكنات والفساد موجود، لا، القرآن يعالج؛ لأن المسكنات تأخذ حبة مسكن لكن يبقى المرض موجوداً لكن فقط تهدأ، أما القرآن يعالج أصل المشكلة ويعالج جذرها في قلب الإنسان، فيعطيه من الطمأنينة والرضا عن الله سبحانه وتعالى، ويجعله يعرف أين يضع أقدامه، وما هو الموقف الشرعي في خضم الفتن وفي خضم الملمات، وكيف أثبت قلبي في ساعة البلاء وكيف أتصرف في هذه المواقف.
وهو يعلمك القرآن قواعد السير في كل الزوايا والنواحي. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حث على منهج التدارس القراني؛ الإنسان لو كان وحده في المنزل يحاول أن تدبر القرآن ربما تقوى يوم، يومين، شهر، شهرين، ثم بعد ذلك تفتر تنكسر همتك، لكن لما يكون الإنسان مع أخوانه في مجلس يتدارسون فيه، تجد الهمة تكون أعلى والاهتمام أكبر. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»؛ لأن المطلوب ليس فقط تلاوة القرآن، يتلون كتاب الله ويتدارسونه، منهج التدارس هو المنهج الذي كان يعيشه الصحابة رضوان الله عليهم، يجتمعون أفراداً وجماعات في المساجد وفي الدور.
كل شخص يعطي انطباعاً عن الآية، انطباعاً يعني كيف أثرت الآية في داخله، ما هي المشاعر التي أوحت الآية فيها إليه، كيف ينزل هذه الآية على واقعه، كيف تثبته هذه الآية في خضم الملمات والفتن والشبهات والشهوات المحدقه. لن تجد علاجاً جذرياً لكل هذه المشاكل إلا من خلال القرآن. طبعا البعض قد يظن هذه مبالغة، وهذه ليست مبالغة؛ لأن هذا القرآن استطاع أن يصنع جيلاً فريداً من الصحابة الكرام، وهذا الجيل استطاع أن يغير وجه العالم، ولم يقراوا لا في الفلسفة ولم يقراوا في كلام فقهاء ولا علماء ولا كتب ولا مصنفات، وإنما سمعوا القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم فصنع القرآن تلك النفوس النقية الطاهرة العفيفة الثابتة الراسخه التي شهدت بدر وأحد والخندق وتبوك ومؤتة.
نفوس صنعت على موائد القرآن فنجحت أي نجاح. في حياتك أيها الانسان يجب أن ينطلق من القرآن والسماع لتعليمات القرآن ثم العمل بها، وانا انصحك انك لا تبتعد عن هذا حتى لا تفقد البوصلة في حياتك. وضمن هذا احياء الدرس القراني، ما زلنا نستمر في التعليق والتفسير من تفسير العلامة النسفي رحمه الله تعالى عليه، وهو من أجود التفاسير المختصرة. نعم، يوجد فيه بعض الأخطاء، يوجد فيه بعض الإشكالات تحل، يعني، لكن بجملة الحال أن هذا التفسير مختصر نافع لطلاب العلم، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الهمة والجلد على هذه المجالس.
وحقيقة استغرب من عموم المسلمين اليوم وهم يرون هذه الفتن التي بدأت تشرئب بأعناقها، وهذه الملاحم التي بدأت تخرج من هنا وهناك، وما زالوا بعيدين عن القرآن أو غير مهتمين بالدرس القراني! الآن في وقت الفتن ووقت الشدائد ووقت المصائب والله أعلم ما الذي تحمله لنا الأيام القادمة؛ فالظاهر أنها حبلى بالأحداث. ما الذي سيثبت أمام الأهوال؟ ما في غير القرآن! لن يثبتك إلا الاجتماع على القرآن وأن تقبل بكل عقلي؛ لأن الأمور أصعب بكثير من أن تحلها وحدك، أو أن تعالجها هكذا بحوارات عامة وبدروس عامة بعيدة عن كتاب الله سبحانه وتعالى.
فاليوم أنا أقول أننا لا أعلم وقتاً من الحالة المعاصرة أنت بأمس الحاجة فيه إلى الرجوع للقران مثل هذه الأيام؛ عليك أن تضرب، كما يقولون، ما عاد في هناك مجال. ربما تمر أحياناً حالات رخاء وحالات من الأمن العام التي تجعل الإنسان يتكاسل، أو قد يؤجل بعض الملفات المتعلقة بالتفسير؛ اليوم ما في مجال، اليوم من لا يعد نفسه على موائد القرآن لا يعرف أين ستكون قدمه في مواقف الفتن الشديدة. فجهّز عدتك، وما تتعلمه هنا علمه لزوجتك، لأهلك، لأبنائك، لإخوتك؛ لأن القرآن هو الذي سيثبت فيما هو قادم.
لأن هذا القرآن فيه طبيعة في آياته وكلماته أنها تزرع الثبات، لذلك الله سبحانه وتعالى كثيراً ما كرر هذا المعنى في القرآن: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120]، وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به. فالقران فيه خاصية التثبيت، يعني بيختلف عن كلام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم، الكلام جميل ورائع وتستمتع، لا، بس في هناك خاصية لهذا الكتاب لا توجد في كلام أحد من البشر، خاصية التثبيت.
وهذه خاصية الله وضعها في كتابه لمن يقرا هذا الكتاب بتدبر في لحظات الشدة. وبالتأكيد ربما كثير منكم مر في لحظات شدة يشعر أنه ما في شيء سيعالج حالة القلق والاضطراب وهلع القلب إلا القرآن؛ تقرأ قرآناً في لحظات شدة لحظات بلاء تشعر في سكينة، في راحة، في هدوء. هذا سر من أسرار القرآن، نعم، هذا سر من أسرار القرآن يجب أن تؤمن به، أن القرآن من خاصيته التثبيت لمن فهم المعنى وادرك المغزى، وهذا تثبيت من الله سبحانه وتعالى.
لذلك الصحابة ايش اللي ثبتهم أيام الخندق وبلغت القلوب الحناجر فكانوا لما راوا الأحزاب اجتمعوا عليهم من كل حدب وصوب ماذا قالوا؟ قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً. من أين آتاهم هذا الثبات؟ الإيمان والتسليم، مع أنهم يرون الأحزاب اجتمعوا عليهم من كل حدب وصوب وما بقي بين الكفار وبين أن يصلوا إلى عقر المدينة ووسطها إلا أن يجتازوا هذا الخندق، وكان الغدر من بين من خلفهم من بني قريظة. ما الذي يثبت الإنسان في اللحظات الصعبة؟ القرآن يا إخوة.
فلذلك أنا نصيحة لكل مسلم ومسلمة اليوم في هذه اللحظات العسيرة والصعبة من حياة الأمة وتاريخها؛ اقبل على القرآن وتمسك به فانه زادك. إذا كان عندنا تقصير في المرحلة الماضية، عيب أن يستمر التقصير إلى الآن؛ لأنه موضوع درس نحوي ودرس لغوي ودور السيرة ما راح تساعدك في هذا، سيساعدك هذا القرآن، فلا تهمشه ولا تجعله من آخر الأولويات، بل أعطه سقف الأولويات. كنت مهندساً، كنت طبيباً، كنت مبرمجاً، كنت مزارعاً، مهما كانت وظيفتك، اليوم أنت أمام ضرورة حياتية لتنقذ نفسك، لأنه أيضاً أمام عائلتك أمام الناس.
إخواني، في لحظات الفتن كثير من الشباب ينهار ما يستطيع يستحمل، اليس كذلك؟ ينهار أحياناً من صوت أشياء من فوق رأسه، تأتي بعض الشباب عنده هلع زائد، فما بالك تكون المعركة في ميدانك وتجدها تسقط فوق راسك وفوق رأس عيالك؟ هذه المواقف ما هي سهلة، الثبات فيها أسال الله أن يفرج عن أهل غزة كربهم، فعلاً ما هم فيه، تخيل نفسك فيه وأنت تمسي لا تنتظر الصباح، وتصبح لا تنتظر المساء، وفي كل لحظة أنت معرض تاتيك قذيفة ولا يأتيك شيء يشيلك ويشيل بيتك وعائلتك وتهوي كل هذه الأحلام التي انت كنت راسمها بالزواج والابناء وأشتري سيارة كذا وصاروخ واحد ينهي الملف كامل.
فالموضوع متعب، فما بالك أب يفقد أبناءه؟ ممكن أنت تبقى، لكن هذا الذي أتى على منزلك جعلك تفقد والدتك، جعلك تفقد أبناءك، جعلك تفقد إخوانك. بعض الناس في غزة بقوا وحيدين ما بقي معه أحد. طب هذه المواقف الصعبة كيف سيعالج الإنسان من ناحية عقدية؟ لا تظن مجرد درس عام هكذا، طيب، درس سمعته من شيخ، بذاته بحد ذاته هو الذي سيمنحك هذه القوة للثبات على فراق الأحبة، على فقد العمل، على الجوع، على الحصار، على معاني كثيرة.
أنتم بحمد الله ونسأل الله أن يحفظ الخير والبركه في بلادنا وبلاد المسلمين، لكن ما زلت لم تمس في هذا الجانب، لكن الواقع يفرض أن كل شيء قابل للتغير، كل شيء الآن قابل للتغير في أي لحظة تماماً، أنتم تلاحظون الأحداث كما يقول الإعلام كرة الثلج عم تكبر عم تكبر بشكل لا أحد يعرف إلى أين سينتهي المطاف، وبالتالي ما في مجال أن تؤخر المعالجة إلى حينها؛ لأنه عند حينها ربما لا تجد وقت للتفكير، قد يكون الهلع أو الخوف أو يعني غلب الإنسان مضطرب.
فانت الأصل تأخذ الوقاية، مش دائماً بقول لك في الطب خذ الوقاية قبل ما يأتي المرض وتبدا تحاول تعالج؟ من الآن ابني نفسك إيمانياً وقلبياً استعداداً لما هو قادم، ولا تشتغل بالحواشي! الحواشي، يعني أنتم بغنى أن أقول لك لا تشتغل بمسائل والله لا تسمن ولا تغني من جوع؛ في مسائل التبديع والتفسيق والتكفير والدخول في الناس والرجال، والله أن الأمر أصعب من ذلك بكثير! الآن هناك ملفات رقم واحد خطيرة وتجد بعض الشباب ما زال يتكلم في ملفات رقم عشرة و أحد عشر في أعيان وأئمة وسادة وإيش هذا؟ أدل الأخوان على الجهل.
ومن يقول إنه يحمي حمى الشريعة، فهو لم يعرف الشريعة بهذه الطريقة. كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه عندما هجم التتار على دمشق وبدا الناس يخافون، ماذا كان دوره؟ كان دوره يناظر الأشاعرة في هذه اللحظة، هو يعرف فساد معتقدهم، لكن لما كان الخوف يدب في الناس، كان وظيفته تثبيت الناس، فكان يذهب في مساجد دمشق يقرأ عليهم فضائل الشام، الأحاديث التي فيها فضائل الشام وفضيلة الشهادة في الشام وفضيلة الثبات فيها، ويثبت قلوب الناس؛ لأن هذا مش وقت فتح ملفات أخرى والمزاوجة.
أنت لا تفكر بالطريقة الصحيحة عندما تثير ملفات يمكن تأجيلها. احمل عقيدة بالطريقة الصحيحة التي ترضي الله سبحانه وتعالى بحيث تكون قادر على معرفة سلم الأولويات، ولا أولى عند هجوم العدو الصائل عن دفع الحرم عن الحرمات وبلاد الإسلام والمسلمين، وتتكلم في العقيدة الصحيحة وتنشر بدون الدخول في مسائل هي الآن ليست سلم أولويات الشباب المسلم وهموم المسلمين اليوم. فهذا أيضاً أرجو أن تربوا بأنفسكم عنه؛ لأن الواقع يحتاج إلى الرجال والواقع يحتاج إلى موازنات، والامor أصلاً عم تختل حتى على المشايخ والدعاة من حيث الموقف وما الذي ينبغي أن يكون، طب نقف هنا، طب نقف هناك، طب مع من نقف؟
حتى المشايخ والدعاة تجد اضطراباً واضحاً، وبعضهم تاهت وصلته، تاهت، واضح أنها تاهت، وأنه قد يكون من الأفاضل في زوايا، لكنه ضاع مع الفتن. فالمخرج والمخلص لك يا عبد الله ويا أمة الله، الله في القرآن، وهذه ليست، بارجع بقول، ليست مبالغة، لكن من يعرف ويحسن الفهم للقرآن سيتضح له كثير من المعاني في قابل الأيام حتى لا أطيل في هذا السياق.
نبدأ إن شاء الله في السورة التي انتهى الحديث إليها، وهي سورة الإنسان، وجيد، يعني الإنسان هو بدايه حديثنا اليوم، الله يرضى عليك، الكلام عن الإنسان، وهذه السورة العظيمة التي تعالج الإنسان قبل أن يوجد وهو عدم، وهو ملف البداية، وتعالج الإنسان في النهاية وما بين الدورين. هذه السورة عظمتها أيها الكرام أنها تكلمت بشكل عذب وجميل في انعطافات هذا الإنسان قبل أن يوجد، والإنسان في نهاية المطاف، وما بين ذلك ما الذي ينبغي أن يكون، وما هو الموقف الذي يجب أن اتخذه.
بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. بدأت بالعدم: عندما كنت أيها الإنسان ماذا؟ عدماً، لا وجود لك. ذكرتك بهذه الحالة السابقة، ثم بعد آيتين ثلاث: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 4]، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ [الإنسان: 5] إلى النهايات. فهي أعطتك قصة الإنسان في هذا الوجود، قصة عندما كنت عدماً وأصبحت موجوداً على هذه الأرض، ثم قصة النهاية وأنك ستكون إما في جنة عرضها السماوات والارض.
أو والعياذ بالله في نار تلظى. وما بين البدايات والنهايات يحتاج الإنسان أن يعرف الموقف الذي يجب أن يكون، فجاءت السورة في ختامها: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِفًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: 24-26]. إذاً ما بين البداية والنهاية هذا هو الموقف المطلوب: صبر، ذكر قرآن، ثبات. ولا تطع إثماً أو كفوراً، عدم الرد على أعداء الأمة، الرسوخ الإيماني، هذا ما بين مرحلتين؛ من أحسن التعامل مع هذا وصل الإنسان إلى مبتغاه.
فالإنسان هو محط البلاء وهو محط الصراع على هذه الأرض، فلذلك جاءت هذه السورة باسمها، إيش اسمها؟ الإنسان. لأنك أنت محط الصراع، وأنت محط البلاء، وأنت قصة الحياة ابتليت، خلقت لتبتلى وليعرف الله ويظهر عليك سبيل الرشاد أو سبيل الضلال لتحاسب وتعاقب على ذلك. فكل شخص منا هو إنسان، أنت إنسان وأنا إنسان وكل شخص لما يسمع هذه الآيات ينزلها على نفسه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1] الآية بتتكلم عني وعنك، لم يكن شيئاً مذكوراً، كل واحد فينا يفكر نفسه قبل ما يولد. أحياناً لما تجلس مع كبار السن ويبدأوا يتكلموا بعض الأشياء؛ والله في السبعينات صار كذا، وفي الستينات صار كذا، إحنا وإياكم إيش بنكون؟ إحنا ماذا كنا في ذاك الزمان؟ كنا عدم، ما كان لنا وجود على هذه الأرض، ما أحد كان يعرف أن هناك شخص اسمه فلان سياتي وفلان سياتي، كنت في حيز العدم.
اليوم في 2025 إحنا وإياك في حيز الوجود وأصبحنا نتكلم وأصبح لنا رأي وقناعة وقرارات وأفكار، ثم بعد الله أعلم كم سيكتب لنا سنعود إلى دار أخرى وننتقل إلى الله سبحانه وتعالى. فتذكر إذاً أيها الإنسان أنه في يوم من الأيام أنت لم تكن موجوداً، وبالتالي عليك أن تفهم يعني إذا لم أكن موجوداً في يوم من الأيام وفي دهر من الدهور، إذاً لماذا وجدت؟ وهذا هو الذي تريد السورة أن تخبرك إياه؛ ما دمت لم تكن موجوداً، إذاً من الذي أوجدني ولماذا وجدت؟ مش هذا هو السؤال الخطير في حياة الإنسان؟
فتأتي السورة لتخبرك: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2]. لذلك وجدت، نبتليه، هذه الغاية العظمى. بعد أن كنت دماً فأصبحت إنساناً كاملاً بشكله وصورته، علي أن اعرف سر الوجود وغاية الحياة. أنت موجود للبلاء، فاعدد نفسك يا عبد الله، ولا تنس الغاية التي أوجدت من أجلها. لأن الذي يحصل معنا في العادة ما هو؟ أننا ننسى أننا وجدنا للبلاء، وإنما كثير منا يعتقد أنه وجد للبقاء، فأصبحنا نظن أننا نحن من نسير الحياة بأرزاق نكاح وطعامنا وشرابنا. وعندما نعصي وعندما نخطئ وعندما نزل كثير منا يتتابع وهو غير منتبه ولا يتوقف أنه في مشكلة، أنه هل هذا الذي أفعله من النظر إلى الحرام أو أكل الحرام أو تعاطي الحرام لا يجب أن يتوقف؟ هذا مخالف لمقصد الوجود، أنا وجدت لأبتلى فلماذا هذا التتابع في الحرام أكثر أكثر؟ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103].
بهذه القضية الناس تعيش في سكرات شهوات، ملذات، مسلسلات، أفلام، مباريات، حياة جلسات عائلية فارغة، قيل وقال، إطالة السهر، طب أين غاية الوجود؟ أين نبتليه في حياتك أين هي موجودة؟ أظن أنكم ترون الواقع المر حتى في بلاد المسلمين، أنه كثير بل أكثر الناس أصبح يتناسى هذه القضية ويعيش كأنه مخلد. فقراء القرآن هذه فائدتها؛ أن القرآن كلما مررت عليه كل شهر بيرجع يحيي هذه المعاني، أنه تذكر ترى أنت موجود للبلاء لا تنس الغاية، إذا ضاعت البوصلة بحاول يلملم أوراقك ويعيدك من جديد لتفهم سر الوجود. فإذا كانت عندك معصية اصلح أمورك، إذا كان عندك قصور أدرك، إذا كان ابتعاد قرب، وهكذا ليبق الإنسان في يقظة تامة. هذه فائدة أنك تبقى تقرا القرآن، أن البعض بيقول يعني ايش الفائده أن اظنني أمر على آيات القرآن تذكرك وتنبهه على أمور كثيرة أنت نسيتها في خضم الحياة، في خضم ضجيجها وصخبها وبيعها وشرائها وجامعات وامتحانات وسوق عمل ووظيفه وزواج. أنتم عارفين القصص هذه كلها تجعل الإنسان يفقد كثير من المعاني التي لا ينبغي أن تفقد. ما الذي يحيي هذه المعاني من جديد؟ القرآن والدرس القراني معاً تجلس تقرا يا رب.
نبدأ إن شاء الله الآن المعالجة التفصيلية لهذه السورة، وهذه سورة مكية أيها الكرام، سورة الإنسان سورة مكية، أي نزلت قبل الهجرة، نزلت لتخبر الصحابه ولتهيئة النفوس لمعركة الحياة. أقرأ الآية الأولى ونبدا نعلق عليها إن شاء الله، أقرأها كآية ثم نقرا التفسير. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. هل أتى، قد مضى.
طيب الآن بدأت السورة بهذا الاستفهام: هل أتى؟ هل أداة استفهام أيها الكرام، واختلف المفسرون، فبعضهم قال هي باقية على الاستفهام، لكنه استفهام تقريري، كأن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تقرر بهذه الحقيقة، فهو سبحانه عندما يستفهم هو لا يطلب جواباً، فهو العليم، هو يستفهم ما يسمى في اللغة بالاستفهام التقريري. كيف؟ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1] فتقول إيه: بلى شرحت صدري يا الله. نفس: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. يا ترى أيها الإنسان الذي أنت الآن تقرا الآيات هذه، هل جاء عليك فترة من الزمان والدهر لم تكن أنت موجوداً على سلم الحياة وكنت عدماً؟ هو يقرر تذكر هذه القضية، وهو أنك كنت عدماً. والعدمية أيها الكرام هي دلالة الافتقار، الذي يكون عدماً من الذي سيخرجه إلى حيز الوجود؟ لابد من موجد. فانا واياك لما كنا عدم، نحن مفتقرون إلى موجد يوجده من العدم ويجعلنا في حيز الموجود.
وهذه أول قضية يجب على الإنسان أن يتذكرها دوماً، أنك كنت مفتقراً إلى الموجد سبحانه وتعالى، فاياك أن تنساه، لأن كثير منا يتناسى هذه الحقيقة: أنا كيف تشكلت على هذه الارض؟ هناك من أوجدني، فعيب أن أعصي هذا الموجد، عيب أن أخرج عن قانونه وأن أخرج عن شريعته عندما يامرني بغض البصر. هو الذي أوجدني، عندما يامرني بكف الأذى هو الذي أوجدني، عندما يامرني بأكل الطيب وترك الحرام هو الذي أوجدني، عندما يامرني بالاستقامة. وعليك أن تتذكر العدمية فتتذكر نعمة الإيجاد.
القول الثاني: أن هنا الاستفهام ليس حاضراً وقائماً بل هل بمعنى قد. هل بمعنى قد وهذا القول اختاره الزمخشري وسار عليه النسفي، لأنه أصلاً النسفي في تفسيره هو اختصار لاختصار من الزمخشري، فهو مشى على طريقه الزمخشري أن هل هنا تفسر بأيه بقد. لذلك ماذا قال النسفي في التفسير؟ هل أتى يعني قد مضى. فجعل هل مقابلها قد. وهذا قول اختاره، والبعض اعترض عليه في ذلك، لكن ستبقى المسألة اجتهادية. يقول هل أتى، سامشي الآن مع كلام النسفي أن هل مش استفهام تقريري، بل هل بمعنى قد، يقول هل أتى، يعني قد مضى على الإنسان. هنا النسفي يقول: الإنسان المراد به آدم على وجه الخصوص. هكذا اختار النسفي هذا التفسير، أن الإنسان مراد به من؟ آدم على وجه الخصوص. هذا هو التفسير الأول وسياتي معنا تفسير آخر، أن الإنسان ليس آدم على وجه الخصوص، بل المراد أي إنسان. وهذا هو الأقرب، أنه ليس المراد آدم على وجه الخصوص، بل المراد أي إنسان يقرا هذه الآية عليه أن يتذكر أنه كان في حيز العدم.
قال حين من الدهر، قال حين من الدهر أربعين سنة مصورة قبل نفخ الروح فيه. هذه من الإسرائيليات وهي أنه يعني يقول النسفي إنه آدم جلس جسداً لا تنف لم ينفخ فيه الروح مدة أربعين سنة. يعني هو تم تشكيله من طين فأصبح صلصال الفخار، مش جاء في سور القرآن فاصبح بدناً الآن، استمر على صورة البدن قبل أن تنفخ فيه الروح كم؟ أربعين سنة. هل هناك دليل صحيح يعتمد عليه في هذا؟ لا، هذه إسرائيليات. فالنسفي اختار يعني بعض الأقوال في تفسير الآية لا تعتمد على دليل صحيح صريح، لكنه يعني تؤخذ وتذكر في الكتب. والذي يظهر لي أن المراد هل أتى يعني ليس قولي وإنما هو قول كثير من المفسرين أنه هل أتى يعني قد مضى على الإنسان حين من الدهر يعني مدة من الدهر بدون تحديدها بأربعين سنة لادم. لأنني لست مع تحديد الإنسان بآدم ولست مع القول بأن حين من الدهر المراد بها أربعين سنة، بل الآية على عمومها، ودائماً لما تخلي الآية على عمومها تعطي يعني حيوية للنص في كل زمان ومكان يمكن أن يطبق. خلاص حين من الدهر بغض النظر كم هو هذا الحين.
ثم لم يكن شيئاً مذكوراً، لم يذكر اسمه ولم يدر ما يراد به لأنه كان طيناً يمر به الزمان. فانت يا آدم كنت عبارة عن طين بدن ما فيه روح، فما كنت تعرف أنك ستصبح حياً بروح وما كنت تعرف ما الذي يراد بك، فانما كنت مجرد جثة بدن خال من الروح، ثم نفخت فيك الروح بعد ذلك. نعم، قال: ولو كان غير موجود لم يوصف بأنه قد أتى عليه حين من الدهر. اه، النسفي الله يرضى عنه عم حاول يفكر في الآية بطريقة أخرى تبعاً لبعض العلماء. وايش وجهة نظر النسفي؟ يقول: ما دام الله سبحانه وتعالى قال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. ما دام قال هل أتى على الإنسان حين من الدهر إذاً الله يتكلم عن جسد موجود، لكنه لم تنفخ فيه الروح بعد. ماذا قال لذلك؟ قال: ولو كان غير موجود أي كـ لم يوصف بأنه قد أتى عليه حين من الدهر.
كيف يفكر النسفي في الآية؟ يقول النسفي: الله عز وجل يتكلم عن آدم لما كان جسد، مش حكينا؟ فمر عليه حين من الدهر وهو موجود، بس موجود بأي صورة؟ بصورته الجسدية دون الروح. طب ليش يا نسفي أنت اتجهت بهذا الاتجاه؟ يعني المتبادر لذهن القارئ للآية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. ما الذي يتبادر إلى ذهنك؟ العدمية التامة للجسد والروح، صح؟ هذا الذي يسبق إلى ذهننا، أن المراد هل أتى عليك أيها الإنسان حين من الدهر مدة من الزمن كنت عدماً تماماً جسداً وروحاً. النسفي لا، ما بتفق مع هذه الطريقة في التفسير، بيقول: ليس المراد لم يكن شيئاً مذكوراً جسداً وروحاً، هو بيقول لا، لم يكن شيئاً مذكوراً روحاً ككائن حي، لكنه كان ايش؟ جسد. وهذا اللي خلاه يحصر الإنسان الأول بآدم، يريد أن يقول الله يخاطب على عن آدم أنه هل أتى على آدم هيك، هل أتى على آدم مدة زمنية لم يكن أحد يعرف اسمه ولم يكن يعرف ما المراد منه؟ ما هي هذه المدة الزمنية؟ كون آدم عبارة عن جسد لم ينفخ فيه الروح.
طب لماذا أنت ذهبت بالأيه لهذا الحصر الكبير؟ يعني ليش أنت حصرت في آدم ولما كان جسد؟ قال: لأن الوصف بقوله هل أتى على الإنسان حين من الدهر يقتضي أن يكون موجوداً وإلا فلا يعبر هل أتى على الإنسان. يعني كيف أقول لك أجى عليك وقت؟ لما أقول لك أجى عليك وقت، إذاً أنت لازم تكون ايش؟ موجوداً ولو على الأقل بالبدن. فإن أقول أجى عليك وقت وأنت أصلاً مش موجود بأي صورة من الصور البدنية والروحية يقول هيك، يقول: لا يقال هل أتى عليك وقت وأنت غير موجود لا بدن ولا روح، فلازم نقدر هذا التقدير وهو أن نقول هل أتى على آدم وقت عندما كان بدناً لا روح فيه، وهو عندئذ لم يكن شيئاً مذكوراً، ما حدا كان عارف ما المراد من هذا الجسد. حتى يقولون إن الشيطان قبل أن يعصي يا رب العالمين كان يمر بجسد آدم قبل أن ينفخ فيه الروح فيقول لشيء ما أريد هذا، كان يمر على الجثة لسه ما نفخ فيها الروح فكان يقول إبليس لشيء ما خلق هذا، بس إبليس لسه مش عارف. فلما نفخ في آدم الروح أمر إبليس أن يسجد له فعصى إبليس ربه فغوى تمام، أو استكبر فالله سبحانه وتعالى أخرجه من حيز الطاعة إلى حيز والعياذ بالله الخذلان.
لكن هل نحن ملزمون بطريقة فهم النسفي؟ حقيقةً كلا، لأن هناك طرف آخر من العلماء يقولون: مش ملزم كلامك يا نسفي، يمكن أقول هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً والمراد العدمية التامة، ليس موجوداً لا بدناً ولا روحاً، بل إذا قلنا هذا هو المتبادر أصلاً من الآية لكان هو الأقرب، يعني الذي يقرأ الآية يتبادر العدمية المحضة.
جيد أنك لما تقرا التفسير جيد أنك تفهم آراء العلماء أنه في طريق يفكر بهذه الطريقة وهناك من يفكر، وهذا كله ليس بأذواق ولا بأهوائهم، بل على ما تقتضيه العربية. أنه لاحظ النسفي لماذا ذهب إلى طريقتي في التفسير؟ يقول لك لأن العربية لا تقول اتى عليه حين من الدهر إلا إذا كان موجوداً بشكل من أشكال الوجود، ولو الوجود البدني. لكن هنا النزاع: هل فعلاً العربية لا تقول ذلك؟ هل هناك مانع من شيء من التوسع ووجود شيء من المجاز، فيكون الخطاب للإنسان: يا أيها الإنسان جاء عليك حين من الدهر لم تكن مذكوراً فيه، والمعتبر بهذا حين من الدهر الحين الذي كان فيه معدوماً؟ أنت كنت معدوم، لكن الله سبحانه وتعالى كان مقدراً لوجودك ولا لا؟ أنا لما كنت معدوم هل الله سبحانه وتعالى مقدر لوجودي؟
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذكُورًا ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 1-2]. النسفي ضيق شوي جهة التفسير، وخص بادم مع أن الأصل أن يحمل المعنى على ما هو أوسع ليصدق كل انسان على نفسه.
المهم قال: ومحل لم يكن شيئا مذكورا النصب على الحال من الانسان. فهذه الجمله منصوبه على الحاليه: هل اتى على الانسان حين من الدهر حاله كونه لم يكن شيئا مذكورا؟ وستختار فنقول: هل اتى على الانسان حين من الدهر وهو غير مذكور؟ بتقدر تختصرها كتفسير بهذا المعنى: هل اتى عليك حين من الدهر حاله كونك فيه غير مذكور، ما احد يعرفك ولست جسدا قائما متحركا؟ كل شخص منا جاء عليه هذا الحين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، كان عدما ثم وجد. طب هنا دائما لما تاتي ايه بدك تفكر، هي الايه ماذا تريد أن تقول لي؟ انا خلص فككت الايه من حيث التراكيب اللفظيه، لكن ما هي الرساله؟ الله يريد ان يرسل لي رساله: انت ايها الانسان كنت عدم فاصبحت موجودا، اذا تذكر افتقارك الى الموجد، وهذا الافتقار يستلزم منك أن تتعبد الموجد وان تخضع له وان لا تخرج عن شريعته. لانه كثير منا بمجرد ما يكبر في الحياه ويصبح عنده اموال وثروات، ﴿كَلا إنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]، بس يشوف صار غني والحياه مريحه وسيارات ينسى. في يوم من الايام ترى انت كنت عدم، صفر باللغه الصفريه يعني ليست شيئا، والاله اوجدك. فبمجرد انه اصبح لديك مال وثروه نسي اصل الفكره والموضوع.
خليني اذكرك بشيء ثاني غير موضوع العدميه، لاحظوا ماذا قال في الايه التانيه، بس طبعا كمل قراءه التفسير: اي اتى عليه حين من الدهر غير مذكور، غير مذكور اختصر لم يكن شيئا مذكورا بعباره مختزله وهي ايش؟ غير مذكور. هذا اختزال لتلك العباره الطويله. طب انا خلقنا الانسان، اي ولد ادم، وقيل الاول ولد ادم ايضا. وحين، لاحظ هو نفسه الان هو يقر ان الانسان التي وردت في الايه الاولى هل اتى على الانسان هسه هو فسرها بادم، بس قال: ويحتمل ان يكون المراد بها ولده ذريته، ثم اما الانسان في الايه الثانيه هي يقينا ذريه ادم، لان الانسان في الايه الاولى محتمله ان تكون فيها ادم المراد ومحتمل ان يكون المراد بها ذريته، واما الانسان في الايه الثانيه انا خلقنا الانسان من نطفه هي مستحيل تكون ادم، ليه؟ لانه ادم خلق من طين واحنا اللي خلقنا من نطفه. فلذلك الانسان في الايه الثانيه لا يمكن أن يراد بها ادم وانما المراد بها ذريته، لانهم هم الذين يخلقون من نطفه، والنطفه هي الحيوان المنوي الحيوانات المنويه.
ولذلك قال: وحين من ال... الان الايه الثانيه اقراها اقراها من فوق ثم ارجع اقراها من تحت، إنا خلقنا الانسان من نطفه امشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. فالله سبحانه وتعالى لما ذكر في الايه الاولى العدميه للانسان، ايها الانسان كنت عدما، طب ماذا حدث يا الله؟ انا خلقنا. واضح انا خلقنا، لاحظوا هذا الارتباط، في الايه الاولى اخبرك انت كنت عدم، كلنا كلنا عدما، ماذا حصل في الايه الثانيه؟ عم بيعطيك الخطوه بعد خطوه: انا خلقنا. ولاحظوا النسبه إلى نفسه، يعني الله يقول لك: انا الذي خلقت، انا الذي اوجدت من هذا العدم واعدت وجعلت لك قيمه الوجود، فهذا عليك أن تحفظ المنه لله سبحانه وتعالى وتخضع له. انا خلقنا هذا الانسان، ذريه ولد ادم، من ماذا؟
وحين من الظهر شيخنا، طبعا هنا حاول أن يرجع إلى الايه السابقه، هو لما قال: وقيل الانسان في الايه الاولى ولد ادم ايضا، وان حين من الدهر على هذا هي مده لبثه في بطن امه الى ان صار شيئا مذكورا بين الناس. والنسفي مصر على فكره معينة، ما هي؟ انه أن كلمه حين من الدهر تقتضي أن يكون هناك وجود للبدن، فانت يا بتقول: هل اتى على ادم حين من الدهر كان فيه جثه لا روح فيه، واما إذا اردت أن تقول: هل اتى على الانسان، اذا كان ستحمل الانسان على ذريه ادم، فكيف سيكون المعنى عند النسفي؟ لانه لازم يكون عنده شيء من وجود الجثه. فيقول: هل اتى على الانسان، يعني ذريه ادم، حين من الدهر لما كان جثه في بطن امه، انت كنت عباره عن جنين في بطن امك، هذا هو الحين من الدهر عند من؟ عند النسفي، إذا اردت ان تفسر الانسان بانه ذريه ادم.
بس انا يعني في اعتقادي أن النسفي حصر نفسه في قضيه ماذا؟ ضروره وجود شيء حتى يصح أن يقال: هل اتى على الانسان حين من الدهر. وحقيقه ارى أن لا يوجد شيء ضروري في الوجود، ما في مشكله أن نقول: هل اتى على الانسان حين من الدهر كان عدما جسدا وروحا، بدون تصور أن المراد انه كان جنينا في بطن امه، وان كان كلام النسفي يعني محتمل وهو احد التفاسير.
ملخص خلينا الان نركز في الايه الثانيه: انا خلقنا الانسان من نطفه، قلنا ما هي النطفه؟ الحيوانات المنويه. لكن هنا الله سبحانه وتعالى لا يتكلم عن الحيوان المنوي من الذكر فقط، بل يتكلم هنا في النطفه عن البويضه المخصبه. انتم بتعرفوا طبعا دارسين شويه احيا، ولا حالاتي البويضه المخصبه هي التقاء ماذا؟ مني الرجل في بويضه المراه، فيحصل التخصيب ويبدا تتشكل قصه جنين في رحم الام. لذلك ماذا عبر بعد من نطفه؟ قال: من نطفه امشاج. الامشاج ومعنى المختلطه، الامشاج الاختلاط وهي جمع كلمه امشاج هي جمع، فيقول: نطفه امشاج، لان النطفه هنا المراد بها ليس فقط الحيوان المنوي تبع الذكر، بل المراد بها ايضا ما يكون من جهه المراه. فالنطفه ان نقول هي البويضه المخصبه، والبويضه المخصبه عباره عن ماذا؟ عن امشاج، عن خليط من كروموسومات الرجل مع كروموسومات المراه اختلطت امشاج، شكلت هذا الجنين كبويضه مخصبه، وسيبدا هذا الجنين يكبر ويكبر في مرحله العلقه ثم المضغه ثم ثم ثم حتى يصبح انسانا كاملا الى ان يخرج من رحم امه.
فلذلك قال: من نطفه امشاج، يعني من نطفه هي عباره عن امشاج. كيف النطفه عباره عن امشاج؟ الامشاج الخلائط، نقول: لان النطفه المراد بها هنا البويضه المخصبه، والبويضه المخصبه عباره عن خلائط، خلائط من ايش؟ من كروموسومات الرجل وكروموسومات المراه الموجوده في ماء الرجل وماء المراه، فهمتم؟ إذا لماذا وصف النطفه بانها اخلاط؟ لانها امشاج، هذا جمع. فاذا بدي افسرها بالجمع سيكون معناها اخلاط، امشاج اخلاط، فاصبح كانه قال: انا خلقنا الانسان من نطفه، هي النطفه ايش وصفها؟ اخلاط. فتقول: ايش يعني النطفه اخلاط؟ اقول لك: هو يتكلم عن بويضه مخصبه، والبويضه المخصبه تتشكل من خليط اخلاط من الرجل والمراه. نعم، من نطفه، من نطفه امشاج نعت او بدل منها، اذا فسرها بانها نعت أو بدل انها نعت أو بدل من النطفه، يصلح ان تعتبر نعتا ويصلح ان تعتبر بدلا.
نعم، اي من نطفه قد امتزج فيها الماءان. وما الماءان؟ يعني يقصد ماء الرجل وماء المراه أو كروموسومات الرجل مع كروموسومات المراه. ومزجه بمعنا نقول: مزجه ومشجه بنفس المعنى، تمام تقول: مزج الشيء ومشج بنفس المعنى، يعني ايش مزجه؟ خلطه، فالمشج والمزج بمعنى واحد، والفرق بينهما هو فقط حرف ايش؟ الشين والزاي، مشج ومزج. قال بمعنى ايش؟ يعني بمعنى، يعني بنفس المعنى عند العرب، ونطفه كبرهم اعشار فهو لفظ ويريد أن، اي فهو لفظ مفرد غير جمع، ولذا وقع صفه للمفرد وتلي.
نعم، البرمه وهي الصينيه أو السدر عند العرب، يقولون: فلان عنده برمه اعشار. البرمه وهي الصينيه هي عباره عن يعني مركبه من مجموعه من الكسر، اعشار بمعنى كسر، فيقول العرب: برمه اعشار، يعني برمه مشكله من اعشار من كسر تم تجميعها فاصبحت ماذا؟ برمه. فهو يريد أن يقول: نطفه امشاج، هذا التركيب هو كقول العرب: برمه اعشار، يعني برمه مشكله من اعشار. فنفس الشيء نطفه امشاج، يعني نطفه مشكله من امشاج، من امزجة، من خلائط. فيقول: هذه طريقه للعرب، إذا كان هناك شيء وهذا الشيء مركب من اشياء، يتم النعت بهذه الاشياء، فيقولون: برمه اعشار، ويقولون: نطفه امشاج، يعني نطفه مشكله من امشاج، من اخلاط، لان البويضه المخصبه كما اتفقنا هي مشكله من اخلاط ماء الرجل وماء المراه.
طيب قال: نبتليه، حال اي خلقناه مبتلين له، وهذه هي النقطه الاساسيه في الايه. الله عز وجل يخبرك هنا باصل الخلقه، اذا اخبرك انك كنت عدما ثم اخبرك انه هو الذي خلقك ثم اخبرك عن ماده خلقك، ماذا خلقت؟ من بويضه مخصبه، من ماء مهين، وتذكر الانسان باصل الخلقه ايضا من الاشياء التي تجعله يقر ضروره انه لا يصلح الا ان يكون عبدا. لا تصلح الا ان تكون ماذا؟ عبد. ودائما القران يركز على قضيه انك خلقت من ماء مهين، مش هيك في سور اخرى؟ وانك خلقت من ماء دافق، فتذكر انك عباره عن حيوانات منويه. فاذا جاءك نفس الاستكبار والشعور بالاستعلاء واراده الخروج عن معنى العبودية، فدائما القران يقول لك: تذكر ماذا انت، ما في داعي لهذا الاستعلاء والتضخم النفسي، فانت عبد ولا تصلح الا ان تكون عبدا، انت عباره عن خليط من الامزاد، اصبحت بويضه مخصبه، خرجت الى الدنيا ستبتلى.
فاذا العدميه تجعلك تقر انك عبد، وطبيعه الماده التي خلقت منها وهي الحيوانات المنويه تجعلك تعترف انك لا يصلح الا أن تكون عبدا لهذا الموجد العظيم. ولذلك بعد أن كان الايات تجر للاعتراف بالعبودية، يخبرك الله عز وجل لماذا اوجدك ايها الانسان؟ قال: نبتليه، لهذا اوجدت، فلا تنسى هذا الهدف الذي من اجل وجدت.
نعم، قال: اي مريدين ابتلاءه بالامر والنهي، فجعلناه سميعا بصيرا ذا سمع وبصر. فجعلناه سميعا بصيرا ربنا قال: خلقتك لابتلي، فلذلك ها لاحظوا فاء السببيه، هي ف، قال فلذلك جعلتك سميعا بصيرا. لماذا ذكر السمع والبصر هنا؟ ما علاقه هذا بالبلاء؟ قال: نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. تفضل يعني ليش ذكر السمع والبصر بالتحديد شيخ؟ حتى يكون شاهدا عليه، سمعه وبصره، ايوه يعني اكثر، ايوه فيك ايش يعني؟ كيف يعني قل الحجه؟ يعني ايش علاقه السمع والبصر بهذا؟
جيد، يعني هو انت كلامك يحوم حول معاني صحيحه. احسنت، الان نواقل المعرفه الاساسيه في الانسان ما هي؟ البصر والسمع، هي التي تنقل المعرفه الى العقل، والعقل يقوم بماذا؟ بالتحليل. فانت ايها الانسان عندك سمع ستدخل منه مدخلات، وعندك بصر ستدخل منه مدخلات، وهذه المدخلات سيتم طبخها اين؟ في العقل لتخرج بمخرجات في حياتك، سواء مواقف عقديه، مواقف حياتيه، كل مواقفك اذا انت في الحقيقه اردت ان تنظر فيها، هي عباره عن ماذا؟ عن مدخلات بصريه ومدخلات سمعيه تراكمت منذ زمن الطفوله الى مراحل التعليم الى ان كبرت. هذه المدخلات السمعيه والبصريه هي التي عم تشكل ماذا؟ مواقفك، اختياراتك، توجهاتك الفكريه والعقديه والسياسيه والاجتماعيه وكل مواقف الحياه.
فكان الله يريد ان يقول لك يا ايها الانسان: أنني خلقتك لابتلي، ها أنا خلقنا الانسان من نطفه امشاج نبتليه، اعطيتك آله السمع وآله البصر حتى تشكل المعرفه من خلالها، هي مدخلات، فحاول أن تستعمل هذه الادوات بالشكل الصحيح. عليك أن تحسن المدخلات البصريه، وعليك أن تحسن اختيار المدخلات السمعيه، حتى تستطيع أن تنجح في رحله البلاء. لانك اذا كنت تنظر إلى الحرام وبتجره هي المدخلات البصريه، ستفشل في البلاء. واذا كنت بتسمع الحرام ومدخلات السمعيه خطا، ستفشل في البلاء. فاذا هو يخبرك عن طبيعه هذا البلاء، آلات البلاء ومحلات البلاء في الجسد الظاهر: السمع والبصر. انا خلقنا الانسان من نطفه امشاج نبتليه، اي فلذلك جعلتك سميعا بصيرا، ستختبر ما المدخلات التي ستدخلها من البصر إلى العقل، وما هي المدخلات التي ستدخلها من السمع إلى العقل.
لانه الانسان بيسمع سمع اخبار، بيسمع مجريات، بيسمع قران، بيسمع سنه، بيسمع شبهات، بيسمع كلام في معازف، بيسمع اشياء كثيره، وهذه ستشكل، ويرى يرى امور نافعه، يرى آيات القران، يرى مجالس العلم، ويرى النساء، ويرى الشهوات، ويرى المحرمات. انت من ستحدد هذه المدخلات، وبناء عليها سيتم تفكير العقل، وبناء عليها ستكون المخرج وهي التي ستحكم بعد قليل: انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا، بناء على السمع والبصر لانها هي النواقل المعرفيه. كل ما ينشا عندك من معرفه في داخلك انت طول حياتك، كيف اصبحت دكتور؟ كيف اصبحت مهندس؟ كيف اصبحت مقاول؟ كيف اصبحت طالب شريعه؟ هي كلها من خلال النواقل. اي يعني مرحله وصلت اليها في الحياه، اما دراسه درستها في المدرسه أو في الجامعه أو أو أو، دورات اخذتها أو مجالس حضرتها أو خبرات تلقيتها.
إذا نظرت فعلا في حياه الانسان، النواقل المعرفيه هي سمعه وبصره، بقدر ما توفق في ادخال المدخلات الصحيحه بقدر ما توفق الى مخرجات صحيحه، وبقدر ما تكون فاشل في مدخلات في السمع والبصر بقدر ما ستكون مخرجات في الحياه فاشله في مواقف.
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: 3] بينا له طريق الهدى بأدلة العقل والسمع. فالهداية هنا المراد هداية البيان؛ لأنه الهداية تستعمل في القرآن بمعنى هداية التوفيق تمام، وهو أن يوفقك الله إلى الخير، وتستعمل الهداية بمعنى ماذا؟ هداية البيان والإرشاد. فقوله: إنا هديتك بمعنى بينت لك سبيل الخير وسبيل الشر، ثم أنت بعد ذلك ستتخذ القرار.
فهل الهداية المراد مثلاً -الله عز وجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]- ما المراد بالهداية هنا؟ التوفيق، لا النبي عليه الصلاة والسلام هداية الإرشاد يمارسها، لكن هداية التوفيق هل يستطيع النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا؛ لأن الذي يوفق قلبي وقلبك إلى الإسلام هو الله سبحانه وتعالى. فالنبي صلى الله عليه وسلم أُعطي هداية الإرشاد والبيان، لكنه لم يُعطَ هداية إيش؟ التوفيق؛ لأن التوفيق من الله. فلماذا هنا الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: 3] هذا المراد هداية التوفيق أم مجرد البيان؟ مجرد البيان هديناه السبيل؛ يعني بينا له سبيل الخير وسبيل الشر. وأين ربنا بينها لكم؟ في القرآن والسنة، أعطاك تفاصيل طريق الخير وتفاصيل طريق الشر، وقال لك: أفضل، أيها الإنسان، اختار وانظر المسلك الذي يليك.
قال النسفي: بينا له طريق الهدى بأدلة العقل وأدلة السمع. بالعقل وبالسمع اللي هو الكتاب والسنة كله يرشدك؛ يعني ليس فقط الوحي هو الذي أعطاك الله عز وجل إياه لتهتدي به، بل حتى فطرتك هي تدلك على الخير، عقلك لو استعملته بالشكل الجيد أيضاً يدلك على ماذا؟ على الخير، على التوحيد وعلى معانيه. فلذلك لما نقول الله بين لنا سبيل الخير وسبيل الشر، ليس فقط هذا البيان من خلال القرآن، وإن كان القرآن أعظم بيان، لكن حتى الفطرة حتى العقل السليم هو جزء من هدايات البيان التي منحها الله سبحانه وتعالى للإنسان.
إذاً الله يقول: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: 3] فماذا فعل الإنسان؟ هذا الإنسان الذي كان عدماً، هذا الإنسان الذي خُلِقَ من نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ، ماذا ستكون اختياراته في الحياة؟ قال: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. إذاً هذا الإنسان سينقسم إلى قسمين: إنسان شاكر؛ يعني معترف بالجميل، جميل إيش؟ أولاً: الإيجاد من العدم، أنه أنا كنت صفراً أصبحت موجوداً، فهو شاكر، وشكره كيف يكون؟ بأن يستعمل أدواته في عبادة الله سبحانه وتعالى. فالشاكر هو الذي يستعمل ما أنعم الله عز وجل به عليه في طاعته، ربنا أنعم عليك أولاً بنعمة الوجود، هل استعملت وجودك في طاعته وخدمته؟ أنعم عليك بنعمة السمع والبصر، هل استعملت هذه النعم في طاعته؟ فالشاكر هو الذي يستعمل ما أنعم الله عز وجل به عليه في ماذا؟ في طاعة ربه، فلذلك قال: ﴿إِمَّا شَاكِرًا﴾ يعني مستعملاً هذه النعم في طاعة الله، ﴿وَإِمَّا كَفُورًا﴾ كافراً.
كمل قال: حالان من الهاء في هديناه، أي أن شكر، أي أن كفر، فقد هديناه السبيل في الحالين؛ يعني بينا له سبيل الخير وسبيل الشر فبعض الناس حاله سيكون شاكراً وحاله سيكون أنه كفور. نعم، أو من السبيل؛ أي عرفناه السبيل، أما سبيلاً شاكراً وأما سبيلاً كفوراً. ووصف السبيل بالشكر والكفر مجاز هذا رأي آخر، قال بعض أهل العلم: إن الرأي الأول أن الشاكر والكفور هو من أن هذا وصف للإنسان. لكن هناك رأي آخر أن الشاكر والكفور ليس وصفاً للإنسان بل وصف للسبيل؛ يعني أنا هديناه السبيل أي بينا له السبيل، طب ما هو السبيل؟ أما سبيلاً شاكراً وأما سبيلاً كفوراً. لكن ماذا قال النسفي؟ قال: ووصف السبيل الطريق بأنه طريق شاكر وهذا الطريق اسمه طريق كفور، قال: هذا مجاز؛ لأن الذي يوصف بأنه شاكر أو كفور الإنسان الذي يسلك الطريق وليس نفس الطريق، فوصف الطريق بأن هذا طريق شاكر وهذا طريق كفور، قال: هذا من مجازات اللغة، وإلا الاصل أن الشاكر والكفور هو الانسان السالك في الطريق وليس نفس الطريق. فلذلك المعنى الأول أظنه أصح.
قال: ولما ذكر الفريقين أتباعهما ما أعد لهما فقال: نعم بعد أن ذكر البدايات، ذكر الله عز وجل بدايتك إن كنت عدماً وكيف أنا خلقناك فكنت بويضة مخصبة ثم اصبحت إنساناً خرجت فبين الله لك بأدلة العقل والسمع طريق الخير وطريق الشر وأنت ستختار. طيب ما نتائج القرارات اللي في الدنيا في الآخرة؟ إذا اخترت أن تكون كفوراً فالنتيجة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 4]، وإن اخترت أن تكون شاكراً فالنتيجة النهائية: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5]؛ يعني أعطاك البدايات والنهايات في أربع خمس آيات خلاصة يعني، عليك أن تأخذ الخلاصة وتمشي بناء على هذا.
قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: 4]. إنَّا أعتدنا للكافرين سلاسل، جمع سلسلة بغير تنوين حفص ومكي وأبو عمرو. والسلاسل إخواني هي التي تكون في الأقدام، وأما الأغلال فهي القيود التي تكون في الأيدي، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا﴾ [الإنسان: 4]. ايش الفرق بين السلاسل والأغلال؟ السلاسل الكلبشات اللي بتكون في الرجلين، والأغلال اللي بتكون في ايش؟ في اليد والعنق هي تسمى أغلال عند العرب.
طبعاً كلمة سلاسل هي ممنوعة من الصرف على صيغة منتهى الجموع سلاسل الأصل أنها ايش ممنوعة من الصرف، لذلك لم تُنَوَّنْ، لم تنون في قراءة حفص وقراءة ومكي وأبو عمرو وحمزه، وبه وبه أي بتنوين، قرأت بالتنوين، وهذا على من يصرف الممنوع من الصرف للمناسبة أو لشيء من ذلك. الأصل هي ممنوعة من الصرف باتفاق الجميع، فبعضهم قراؤا على موجب أنها ممنوعة من الصرف فلم ينونوها، وهذه قراءتنا لذلك احنا لما نقراها: إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً، صح ما بتقول سلاسلا، هذه قراءتنا. لكن هناك قراء ينون سلاسل يجعلون فيها تنوين، طب كيف تنونوها مع أنها ممنوعة من الصرف؟ قالوا: يجوز أن يُنَوَّنَ الممنوع من الصرف للتناسب، وأغلالاً وسعيراً منونتان، فنجعل سلاسلا منونة لتناسب التنوين فيما بعدها من الكلمات. طبعاً هذا مش من اختيارهم هم، هذه بتكون ثبتت قراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة.
إذاً قال: وبه أي بتنوين نعم قال: وليناسب أغلالاً وسعيراً؛ إذ يجوز صرف غير المنصرف للتناسب. شو قال؟ إذ يجوز صرف يعني تنوين غير المنصرف الاسم الممنوع من الصرف من أجل التناسب. شو يعني التناسب؟ أنه هاي الكلمه تناسب ما بعدها، فأغلالاً وسعيراً جاءت منونتين فلذلك نُوِّنَتْ حتى يصبح كله منوناً، هذا اسمه ايش؟ تناسب. نعم، قال: ﴿وَأَغْلَالًا﴾ جمع غل وقلنا الأغلال ما يكون في الأيدي والاعناق، ﴿وَسَعِيرًا﴾ ناراً موقدة.
فالله يخْبِر تراه يا انسان إذا أنت بعد كل هذه المعرفة بعد أن كنت عدماً فوجدت، وبعد أن عرفت أنني خلقتك من بويضة مخصبة وأننا الذي هديتك، إذا حضرتك اخترت أن تكون كفوراً فكن على دراية وبينة أننا أعتدنا لأمثالك سلاسل بتنتظر شوف كلمة أعتدنا يعني في شيء عم بيستناك ايش اللي بستناك والعياذ بالله سلاسل وأغلال وسعير كل هذا عم ينتظرك والعياذ بالله عند الله سبحانه وتعالى.
طب إذا يا رب اخترت الطريق الآخر وأردت أن أكون في طريق الشاكر ماذا لي؟ قال: وقال ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ [الإنسان: 5]، جمع بر أو بار، جمع بر أو بار كرب وأرباب نعم، كرب وأرباب وشاهد واشهاد ودق ويجوز أن نقول: إذا الأبرار جمع ما مفردها؟ اما بر أو بار؛ يعني يحتمل أن يكون المفرد بر ويحتمل أن يكون المفرد بار، لماذا؟ لأنه هذا الوزن في الجمع أبرار أفْعَال يصلح أن يكون مفرده على وزن رب بَرَّ فعل ويصلح أن يكون مفرده على وزن فاعل مثل أشهاد ما مفردها شاهد، هو يؤكد لك أن أبرار يصلح أن تكون مفردها رب عفواً بر ويصلح أن يكون مفردها بار؛ لأن أرباب مفردها رب وأشهاد مفردها شاهد، إذا صيغة أفعال في الجمع يصلح في مفردها أن يكون على وزن فعل أو أفعال.
قال: من هم الأبرار؟ قال: وهم الصادقون في الإيمان، أو الذين لا يؤذون الذرة ولا يضمرون الشر -هذيك عبارة رشيقة- الذين لا يؤذون الذر لا يؤذون اقل مخلوق ولا يضمرون الشر عموماً. الأبرار هم الأتقياء الذين اختاروا طريق الشكر اختاروا طريق الطاعة فيقول: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ أي الصادقون في الإيمان الموفقون الذين سلكوا طريق المَبَرَّة إلى الله. وهذا مقابل للكفار، ماذا سيكون لهم؟
نعم قال: ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ [الإنسان: 5] خمر فِنَفْسُ الخمر تسمى كأساً، وقيل: الكأس الزجاجة إذا كان فيها خمر، قال سبحانه: إن الأبرار في الجنة يعني يشربون من كاس الكأس أما هي نفس الخمر فقيل الخمر تسمى كاساً، وقيل لا، وقيل الكأس مش هي الخمر الكأس هي الزجاجة التي يوضع فيها الخمر فالعرب تسمي كل زجاجة فيها خمر كاس. هس احنا في لغتنا المعاصرة احنا بنطلق الكأس على أي كوب صح حتى لو كان فارغ ولا في عصير لكن هذه ليست لغة العرب العرب لا تقول كأساً إلا للزجاجة إذا كان فيها خمر، أما إذا الزجاجة أو الكوب كان فارغاً من الخمر فيه عصير أو ما في أي شيء فلا تسميه ماذا كأساً فلغة القرآن جاءت على هذا فالكأس إما هو نفس الخمر واما هو الزجاجة يعني الكوب الذي فيه الخمر بالتحديد دون غيره من الأشربة يعني كوب في شاي بتسميه يا موسى كاس؟ لاحكي أعطيني كاساً من الشاي يعني هذا مجاز وإلا الأصل كاس وما يكون فيه الخمر.
ولكن خمر الجنة يختلف عن خمر الدنيا فقال: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ أي ما تُمزج به كافوراً، ماء كافور وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده. الكافور يتميز بثلاث صفات بلونه الأبيض ورائحته الجميلة وأنه بارد تمام ففي هناك يقول النسفي: عين ماء في الجنة من الكافور هناك عين ماء في الجنة من ايش؟ من الكافور هذه العين التي فيها الكافور بصفاته الثلاث يتم مزج كاس الخمر منها فيكون عندك كاس من الخمر ولكنه ممزوج بماذا؟ بعين ماء الكافور.
طبعاً لاحظ كيف المقابلة يعني في الوقت الذي سيكون فيه الكفار في النار سلاسل وأغلال وسعير أنت أيها المؤمن ستكون في الجنة ماسك كاس من الخمر وفيها كافور وجالس مستريح ومرتاح. شوف ختامات المشاهد وأنت عم بتطلع الكفار -إن شاء الله بنشوف يعني نتنياهو والجماعة كل هذول تمام بتشوفهم قاعد هذا إذا لم يتوبوا قبل موتهم- تراهم على هذه الحالة.
وهذا إخوان يدل على ماذا؟ أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، يعني احنا بنألم والانسان ينجرح لما يرى من أهوال إخواني المستضعفين في غزة وفي كل بقاع الإسلام، لكن حتى يثبت الإيمان في قلوبنا ولا نقنط من رحمة ربنا يجب أن نعيد هذه المعاني، وهي أن الدنيا نهاياتها كم تزن عند الله في المعايير الإلهية؟ لا شيء كما قال سبحانه وتعالى أو كما جاء في الحديث: «أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة ولو كانت تزن جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة أبداً» لو كانت الدنيا عند الله ذات قيمة لكان ما خلى أمريكا ولا الصهيونية ولا الماسونية ولا غيرهم يشربوا منها كاس ماء لو كان لها قيمة عند الله، لكنها كالجيفه عند الله شايفين كل هاي الدنيا بصخبها ومشاكلها وخلافاتها اللي بقاتل عليها وبنقطع أرحامنا من أجلها نختلف عليها مالية وكلها كالجيفة، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان هناك الحياة الكاملة فلذلك كل ما يدار في هذه الدنيا من مشاهد بما فيها من الألم بما فيها من الفراق بما فيها من الشهداء ما فيها من الأشلاء ما فيها من الضعف تذكروا دائماً أنها لا تزن عند الله شيئاً لذلك جعل فيها البلاء لأوليائه لأنه أعد لهم الراحة الأبدية السرمدية في جنات النعيم.
فلا تقلق عبد الله دائماً إذا قللت حجم الدنيا الدنيا بتهون لكن كلما كانت الدنيا عظيمة في نفسك تجزع عند فراق الأحبة تجزع عند الآلام تجزع عند الاتعاب تجزع عند الخسارات المالية ليه؟ لأنه الدنيا كبيرة عندك القرآن يعلمك أن تصغر الدنيا بكل ما فيها من الملذات الدنيا هيك سم حتى اسمها شو اسمها؟ دنيا من الدناءة خلاص خليها تمشي بكل تفاصيلها مش مستاهلة وعش من أجل غاية شريفة يعني ما دام الدنيا فعش من أجل غاية شريفة فيها ايش؟ من أجل الإسلام ايش من أجل أمتك مش ضروري تعيش من أجل ذاتك وشهواتك وملذاتك والمصاري والبزنس والنساء والشهوات خلي في لها قيمة للحياة، طبعا لا تنسى نصيبك من الدنيا ما هو كربنا قال بس سمى ايش لا تنسى نصيبك خليه شيء محدود وأما الإنسان المسلم فيعيش من أجل الغايات الشريفة بناء الأمجاد والدفاع عن دين الله وإقامة شرع الله إلى غير هذه المعاني العظيمة.
إذاً في الجنة في الوقت الذي يكون الكفار يَجُرُّونَ بالسلاسل والأغلال يكون الأبرار يشربون من كاس من خمر مزجت هذه الخمر بماء الكافور لذلك قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾ [الإنسان: 6] عيناً بدل من كافور كان مزاجها كافوراً ما هذا الكافور؟ كأنك قلت كافوراً عيناً يشرب بها نعم قال عيناً بدل منه ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 6] أي منها يشرب بها الباء بمعنى من يعني عيناً يشرب بها يعني يشرب منها عباد الله. نعم قال أو الباء زائدة والبع قال الباء هنا زائدة فيكون التقدير عيناً طبعا زائدة للتاكيد
عينا يشربها عباد الله. نعم قال: أو هو محمول على المعنى أن يلتذ بها؟ أو هو محمول على المعنى؟ ماذا يقصد؟ محمول على المعنى أننا نقول: يشرب، نضمن فيها معنى فعل آخر تقديره يلتذ. نجعل الفعل يشرب متضمنا لمعنى فعل آخر، وهو يلتذ، فيكون التقدير: عينا يلتذ بها.
ولماذا يقول ذلك؟ أنت في اللغة العربية هل تقول: شربت من هذا الإناء، ولا شربت بهذا الإناء؟ أنت في اللغة العربية شو بتقول؟ شربت من هذا الإناء، ولا شربت بهذا الإناء؟ شربته من هذا الإناء، صح؟ فلما جاءت يشرب بها، هذا على خلاف المعتاد، العرب لا تقول: شربت بهذه العين، العرب تقول: شربت من هذه العين، فهنا بدنا نعالج حرف الباء.
فقلنا: إما أن نقول الباء بمعنى من؛ خلص، يشرب بها، يشرب منها، هذه معالجة، أو نقول: الباء زائدة للتوكيد ولا يوجد حرف جر، والتقدير: عينا يشربها، وهذا يصلح، أو نقول: في هناك فعل يصلح أن يأتي معه حرف الجر الباء، هو أنسب أن يفسر به الفعل يشرب، وهو أن نفسر يشرب بمعنى ايش؟ يلتذ، هذا يسمى التضمين، فتقصبح كأن الآية تقول: عينا يلتذ بها عباد الله، والعرب تقول: التذ بهذا الشيء، فبتضل الباء على ظاهرها بدون الحاجة أن نفسرها بمعنى حرف جر آخر.
إذاً، عيناً يشرب بها، إما نقول: يشرب منها، أو نقول: هناك الفعل يشرب ضمن معنى فعل آخر وهو يلتذ، فالتقدير: عيناً يلتذ بها عباد الله، وهذا يدل أن القرآن حمال وجوه وتستطيع أن تعطي أكثر من معنى داخل السياق.
كمل، قال: وإنما قال أولاً بحرف من، وثانيا بحرف الباء؛ لأن الكأس مبتدأ شربهم وأول غايته، وأما العين فبها يمزجون عندي فيها شرابهم، عندك فيها؟ لا لا، فبها يعني ايش؟ يقول الآن ايش أصبح تركيب الآية؟ خلونا نتركب الآية: إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً، عيناً كافوراً، هذه الكافور هي عين ماء، عيناً يشرب بها عباد الله.
ففي البداية قال: يشربون من كأس، بعدين قال: يشرب بها، لماذا قال في البداية يشربون من كأس، بعدين لما جاء للنهاية قال: عيناً يشرب بها؟ في الأول قال: يشرب من، في الثانية قال: يشرب به، لماذا اختلف حرف الجر؟ فهمتم وين المشكلة؟ إن الأبرار يشربون من، يشربون من كأس كان مزاجها كافور، عيناً يشرب، ما قال من أيضاً، لا، قال: يشرب بها.
فيقول هنا النسفي لتحليل هذه الآية: يقول: وإنما قال أولاً بحرف من يعني عند مطلع الآية: يشربون من كأس، وفي الثانية في فعل يشرب الثاني، عداه بالباء؛ لأنه في مطلع الآية؛ لأن الكأس في مطلع الآية هو مبتدأ شربهم، أنت منين ابتدأت الشرب أيها البار؟ ابتداء الشرب من الكأس، فقال: لأن الكأس مبتدأ شربهم، ومن حرف جر يدل على الابتداء، أقول: مشيت من البيت إلى المسجد، من، مش دايماً بقولوا حرف جر يدل على الابتداء؟ فلما كان ابتداء الشرب من الكأس ناسب ذلك حرف الجر من الذي يدل على الابتداء.
قال: لأن الكأس مبتدأ شربهم وأول غايته، ثم قال: وأما العين فهذه ليست مكان الشرب، وإنما مكان ايش؟ المزج، فقال: وأما العين فبها يمزجون شرابهم، فالعين ليست مكان الشرب، أنت من وين بتشرب؟ من الكأس، مش هيك اتفقنا؟ يشربون من كأس، فالشرب يبتدئ من الكأس، لكن العين شو وظيفتها؟ ايش وظيفتها العين؟ وظيفتها أنه نمزج الكأس من الكافور، بروح على عين الماء فبيجد هذه الكاس الخمرية ممزوجة بماذا؟ بعين الكافور، فلذلك قال: وأما العين عين الماء الكافورية هذه فبها يتم مزج الشراب.
فكأن العين ليست مكاناً للشرب وإنما مكان للمزج، فلما كانت مكاناً للمزج ما قال عيناً يشرب منها؛ لأنه احنا ما بنشرب منها، احنا ايش بنعمل؟ نمزج بها الخمر، واللي احنا بنشرب من وين؟ من الكأس، فلذلك قال: وأما العين فهي ليست مكاناً للشرب فلم يقل يشرب منها، وإنما مكان للمزج.
كيف أنت عندك عين بتروح عندك كاسة حاب تمزجها بهذه العين وتغادر، فتشرب في النهاية من الكأس؟ فقال: وأما العين فبها يمزجون شرابهم، فكأنه قيل: يشرب عباد الله، يعني عين يشربها، عين يشرب عباد الله بها، أي بمزجها أو بمخلوط الخمر.
طبعا هذا تفسير، هناك تفسير آخر في الآية إخواني حقيقة ومشهور عند أهل العلم، ما هو؟ قال بعض المفسرين: إن الله سبحانه وتعالى تكلم عن نوعين من الناس -أنت ما عطيتني المايك صحيح؟ طيب- الله سبحانه وتعالى تكلم عن نوعين من الناس الذين يدخلون الجنة؛ هناك الأبرار وهناك السابقون، تمام؟ بسم الله، هناك أيها الكرام الأبرار وهناك السابقون، ودايماً القرآن لما بكلم عن اللي بيدخل الجنة، مش في هناك أصحاب اليمين وعندك السابقون السابقون؟ فهناك تفسير آخر للآية ايش بقول؟
بقول: الأبرار هم أصحاب اليمين، وهؤلاء أصحاب اليمين كيف؟ فيشربون، ما بشربوا من عين الكافور مباشرة، لا، هؤلاء أقل مرتبة من السابقين، فالأبرار بيشربوا من كأس خمرية ممزوجه بالكافور بس، وأما السابقون السابقون هذول الطبقة العليا، فهؤلاء لا، مش محتاجين يشربوا من كأس مباشرة، يشربون من العين، يشربون من العين مباشرة، دلالة النعيم الأعلى الذي أعطوه، فهكذا يكون تفسير الآية عند هذا الصنف من العلماء: أن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً أي كأس خمر ممتزج بالكافور، هذه هذا الكافور هو عبارة عن ماذا؟ عن عين يشرب منها عباد الله المقربين اللي هم السبيشال زي ما نحكي يعني الدرجة العليا، فكان من في الدرجة الدنيا في الجنة، هؤلاء قصارة ما يستطيعون أن يشربوا من كأس ممزوج من هذه العين بس، لا يستطيعون أن يشربوا من العين مباشرة، أما الطبقة العليا من أهل الجنة، لا، هؤلاء يشربون من العين مباشرة وفي هذا من اللذه والسرور والسعادة ما يفوق تخيل.
هيك عين ماء كافور لونها أبيض، رائحتها كافور، وبادرة بتجي على ضما بعد رحلة الحياة الدنيا، فبتكون يعني في أعلى أعلى درجات الجمال لأهل السابقين السابقين.
إذاً النسفي يرى أن الآية بتتكلم عن صنف واحد، لكن غير النسفي يرى أن الآية بتتكلم عن صنفين من المؤمنين؛ النسفي خلاصه ما عنده أن الآية بتقول: إن الأبرار بيشربوا من كأس، هذه الكأس ممزوجة بالكافور، هذا الكافور من وين بيجي؟ هو عبارة عن عين ماء في الجنة يتم مزج الخمر به، بس هذا التفسير اللي قدمه النسفي.
لا، في هناك تفسير آخر وفيه توسعة للمعنى أكثر وأكثر: أن الآية تكلمت عن صنفين؛ الصنف اللي بيشربوا من الكأس الممزوحة، والصنف اللي بيروحوا على الكافور مباشرة، على العين مباشرة ينهلون منها، فعباد الله على التفسير الثاني هم السابقون والأبرار هم أصحاب اليمين.
كمل، قال: يفجرونها يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم تفجيراً سهلاً لا يمتنع عليهم. لاحظ، هؤلاء الذين يذهبون إلى العين مباشرة ليشربوا منها، شوف هذه القدرات التي يعطاها أهل الجنة، يستطيعون أن يفجروا عين الماء من أي مكان شاؤوا في بيوتهم، يعني أنت شفت عين كافور فحبيت أن هاي العين الكافور تتفجر من الأرض اللي في قصرك، قلت: يا رب أنا حاب تتفجر عندي هيك في قصري، خلص، يفجرونها تفجيراً وين ما بدك تتفجر هذه العين، تمام؟ مش ربنا قال: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12]؟ أينما أحببت أن تفجر هذه العين لك تفجر، بدك اياها في جانب قصرك، بدك اياها في مزرعتك في الجنة اللي جانبك.
قال: يفجرونها، يعني لهم صلاحية تفجير هذه العين في أي مكان أحبه في الجنة، خلص الصلاحية، وما بدكم تفجرها فجروها بس أتمنى وتخيل، يعني بدك هون بفجر لك اياها من هون، بدك اياها تطلع من هون، فأنت مش محصور في مكان معين، حدا في الدنيا بيسمع في عين مي أبصر عجلون ولا بده يروح مشوار لحتى يوصلها؟ لا، في الجنة فيش تعب، بدك العين تطلع من تحت رجلك بتطلع، ما عندك أي تعب أو محتاج أجرة يعني مشوار وتاخذ أجرة وتروح.
كمل، هذا دلالة كثرة النعيم؛ أنك تملك اللذة وفي أي وقت شئت ما راح تتعب في تحصيلها، فقال: يفجرونها حيث شاؤوا، شوف شو قال النسفي: حيث شاؤوا من منازلهم، وين ما بدك تفجيره، دلالة طبعا هاي المبالغة تفجرها تفجيراً، يعني مبالغة وأن كمية الخروج لهذه الماء والتدفق عالي جداً، وأن هذا التفجير من كل مكان يشاء، وتفجير سهل لا يمتنع عليهم ولا يستصعب على أحد من أهل الجنة أن يأتي وأن يفجر هذه العين.
طيب، لكن السؤال هون الآن نحن نسمع هذا الكلام بنحكي: والله ما أحلى هذا الشعور، يعني شيء جميل، آه، بس هذا مش ببلاش، سامحني، يعني الآن قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ﴾ [الإنسان: 7].
حتى الإنسان... إنسان ببعث لك تشويق صحيح وفي عنصر تشويق وجمال وراحة، لكن الراحة لا تأتي إلا بعد التعب، ذلك سئل الإمام أحمد بن حنبل: يا إمام، متى الراحة؟ فقال: عند أول قدم تضعها في الجنة. يعني في الدنيا لا تبحث عن راحة، بعض الشباب يقول لك: بس أتزوج برتاح، لا ما راح ترتاح، طيب بس اشتغل وألاقي وظيفه بزنس، ما راح ترتاح؛ إنه صاحب المال تعبان، طيب لما يكبروا أولادي وأخلص تربيتهم ويرروحوا كل واحد على بيته وأصير أحج أرجع أنا والمدام مع بعض، برضه ما راح ترتاح؛ رح تدب فيك الأمراض، فباختياري هي الدنيا جبلت على كدر، ما في راحة، فلا تنتظرها، عود نفسك أن الحياة هكذا، الحياة كدر وتعب، يعني في لحظات جميلة في، بس لا يوجد حالة من الراحة المستدامة، عليك أن تنتظر البلاء في أي لحظة، مرض، فقد، فقر، ابتلاء، حروب، هكذا الدنيا، فأعد نفسك لها.
لذلك بعد أن أعطاك هذا التشويق للجنة، أعطاك الثمن الذي سيدفعه، ماذا قال؟ قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّ نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 7-12]. هنا انتهى المشهد وهذه الخلاصة: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾. يعني هي القضية أنك ستمر برحلة من البلاء، وهذا أصلاً هو طبيعة الصورة من بدايتها: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2].
البلاء بده صبر يا جماعة، ما في مجال، يحتاج إلى صبر، هذا الصبر ستجد ثمنه عند الله سبحانه وتعالى براحة أبدية سرمدية لا تنتهي، هي هذه قصة الدنيا، قصة الإنسان مهما كان وفي أي مكان عاش، الآن سناتي إلى التفصيل الجزئي لها.
قال: يوفون بالنذر، بما قال؟ أول صفة الآن سيذكر صفات الأبرار اللي رح يشربوا من هذه الخمر ومن هذا الكافور، أول صفة قال: يوفون بالنذر.
وهنا نستغرب لماذا قال يوفون بالنذر ولم يقل إنهم يؤدون الفرائض؟ هسه النذر ما هو؟ ايش النذر؟ الشيء اللي أنت بتفرض على نفسك، بتقول: إذا ربنا شفى لمريض رح أصوم شهر، إذا صارت هاي الشيء معي راح أذبح ذبيحة، النذر هذا ليس شيء ربنا أوجب عليك، النذر هذا الشيء أنت أوجبته على نفسك، والأصل فيه أنه مكروه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر: «أنه لا ياتي بخير»، يعني لا تظن أن النذر سبب في شفاء مريض أو شيء، وإنما يستخرج به من البخيل، يعني الإنسان الكحتوت ما بيطلعش، ما بيطلع إلا إذا صار في مرض عند ابنه، صار عنده مشكلة عائلية، فبتلاقيه بصير يتصدق مشان ايش؟ لعل وعسى ربنا يحلها، إذا ما في مشاكل ما بتصدق.
طيب، فالآن لو فكرنا: لماذا الله سبحانه وتعالى ذكر من صفات الأبرار أنهم يوفون بالنذر، مع أنه النذر مش أعلى الطاعات حقيقة؟ نحن قلنا: النذر مكروه أصلاً. ليش ما قال؟ أو لماذا لم يقل: يوفون بالطاعات، صح؟ يعني واحد الأصل يلفت انتباهه هذا الاختيار: لماذا قال إنهم يوفون بالنذر، ولم يقل إنهم يوفون بالفرائض التي افترضت عليهم من الصلوات الخمس وصيام رمضان؟ ليش ربنا ذكر الوفاء بالنذر بالتحديد دون غيره؟
آه شيخنا، الذي يوفي بنذر ألزم نفسه به هو... أحسنت، يعني أولى أن يوفي بنذر الله أو بما... أحسنت، هكذا قال المفسرون: الذي يوفي بشيء هو افترضه على نفسه، من باب أولى أن يوفي بما افترضه الله عليه مباشرة.
يعني النذر اتفقنا هو شيء أنت ألزمت نفسك به، صحيح؟ فإذا كنت توفي بما ألزمت نفسك به، إذاً فانت قادر، أقدر وأقدر على أن توفي بشيء أنت لم تلزم نفسك به، بل الله سبحانه وتعالى ألزمك به.
يعني شوفوا، أحيانا الإنسان بنذر نذر ويلزم نفسه بشيء بس بحاول يتملص منه إذا وقع، بحاول ما يوفي فيه، ليه؟ بحجة: يا شيخ هذا مش شيء ربنا أوجبه علي، هذا شيء أنا حكيته مع نفسي، فيحاول أنه يتملص منه، وأما الفرائض، آه، بخاف ما يصليش الظهر، بخاف ما يصلي العصر، بس بجوز ما يخاف إذا نذر أنه يصلي صلاة أنه يتركها، تركها، يعني الشيطان بقول له: هذا شيء ربنا ما فرضه عليك، أنت افترضته على نفسك، فأن شاء الله ربنا بيسامحك، أما العصر والظهر أوك تتركها؛ لأنه هذا شيء ربنا فرضه عليك ابتداء.
فإذا كان الأبرار يفون بالنذر ولا يغدرون في النذر، فمن باب أولى هيك أنهم يوفون بما افترضه الله عليهم ابتداء كالصلوات الخمس ورمضان، فلذلك.
ذكر النذر من باب الأولوية كما قالوا. وهذا سيذكره النسفي، قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ بما أوجبوا على أنفسهم، وهو جواب من عسى يقول ما لهم يرزقون ذلك. يعني الآن هو يقول ما سبب انتقال السياق هكذا؟ إن الأبرار من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا * يوفون بالنذر. ليش الانتقال من ذكر نعيم الجنة والعودة إلى الدنيا مرة أخرى؟ عدنا إلى الدنيا مرة أخرى، فيقول: لماذا هذا الانتقال؟ قال: كان هناك شخص سأل، من هؤلاء الأبرار الذين يشربون من كأس كان مزاجها كافورا؟ ما صفاتهم؟ فجاء الجواب: هؤلاء هم الذين يوفون بالنذر في الدنيا. هذا معنى قوله، وهو جواب. يعني هذه الآية هي جواب من عسى أن يقول، يعني جواب شخص لما سمع الآية عسى أن يسأل فيقول: من هؤلاء يا رب الأبرار الذين أعطيتهم هذا النعيم؟ فالله يجيبه: هؤلاء الذين أول صفة من صفاتهم يوفون بالنذر، يؤدون ما أوجبه الله عليهم ابتداء.
قال: والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات. التوفر يعني الإخلاص أو كمال قيامهم بأداء الواجبات. ليه؟ لأن من وفى بما أوجبه على نفسه لوجه الله، كان بما أوجبه الله عليه أوفى. هذا هو الطبيعي، الإنسان إذا افترض شيء على نفسه وأداه لوجه الله، من باب أولى أنه يؤدي الفرائض اللي ربنا افترضها عليه ابتداء. يعني شخص خايف من عدم وفاء النذر، ومش خايف مثلا من ترك صلوات خمس؟ مش منطق. يعني أنت نذرت على نفسك صلاة، بتقول: والله يا شيخ خايف أموت وما عملت هذا النذر! طب أنت ما تصلي الصلوات الخمس أصلا، طب مش خايف تموت وأنت ما بتصلي الصلوات الخمس؟ فبقول لك: الإنسان الطبيعي السوي، إذا بخاف ما يؤدي النذر، من باب أولى بده يكون خايف أن يؤدي ما افترض الله عليه ابتداء. نعم.
ويخافون يوما كان شره أو شدائده مستطيرا منتشرا، من استطار الفجر. نعم، هذا هو الوصف الثاني لهؤلاء الأبرار، أنهم عاشوا في الدنيا على خوف ووجل من يوم القيامة، وهم في الدنيا عاشوا على خوف ووجل من يوم القيامة، هذا اليوم الذي وصفه الله كان شره مستطيرا، يعني شدائده مرعبه شديدة. قال: كان شره يعني شدائده مستطيرا. وفسر مستطيرا بمعنى منتشرا في كل مكان، فإن أهوال يوم القيامة ليست في بقعة معينة، بل في كل مرحلة وفي كل عرصة من عرصات القيامة هناك أهوال.
كمل قال: ويطعمون الطعام على حبه أي على حب الطعام مع الاشتهاء والحاجة إليه، أو على حب الله، مسكينا فقيرا عاجزا عن الكسب. لهم أنهم يطعمون الطعام، البذل والعطاء في الدنيا. يطعمون الطعام مع حبه، ايش يعني مع حب أو على حبه؟ ايش يعني على حبه؟ على هنا إما تفسر كما فسرها، بمعنى مع. أقول: أنا أعطيتك هذا الشيء على حبي له. شو يعني على حبي له؟ يعني مع حبي له واشتياقي إليه. يكون معك وجبة دسمة أنت تشتهيها وتريدها، وربما فتشت عنها فترة حتى وجدتها، ويخرج لك فقير هكذا أمامك ولا مسكين ويطلبها منك، وتروح تقدم له هذه الوجبة مع أنك في شدة الاشتهاء إليها. هذه القدرة على التخلي عن أهواء النفس ولذاذ النفس ابتغاء مرضاة الله، هذا شعار هؤلاء. كان لديهم قدرة أن يتركوا محبوبات نفوسهم، ويتركوا شهواتهم من أجل ماذا؟ مرضاة الله سبحانه وتعالى. يطعمون الطعام على حبه، يعني مع أنهم حابينه ويريدونه ويشتهونه، لكن مع ذلك أطعموه. هذه قدرة عالية جدا في الإنسان، أن يكون قادر أن يتخلى عن محبوبات ومرغوبات ابتغاء ماذا؟ رضا الله سبحانه وتعالى. وهذا لاحظ لسه درجة أن يتركون الشيء مع أنه، يعني لو هو أنا كان معي طعام أحبه وجاني مسكين وما أعطيته إياه، أنا ما فعلت حرام، صح ولا لا؟ لكن الأفضل والموقف الأسمى أن تعطيه وتدوس على شهوتك، كما يقول في هذا المقام.
بعض الناس هو أموره أصعب بكثير من هذا. بعض الناس تمر أمامه شهوة محرمة ولا يستطيع أن يتخلى عنها من أجل الله. يمر أمام مشهد صورة امرأة مثلا بجمالها وزينتها، أو مقطع فيديو على هالجوالات أو شيء من هذه المصائب، فلما ينظر، هل لديك قدرة؟ أنا عارف أنك تحب هذا المنظر، تحبه كشهوة رجل، لكن هل عندك قدرة أن تتخلى عنه؟ مع أن التخلي هنا عن النظر ليس فقط إثار أفضلية، التخلي هنا ايش؟ واجب. من الذي يستطيع أن يكسر هواه وشهوته مع أنه يحب الشيء ويتركها لله؟ إذا الله سبحانه وتعالى سيقدر لك يا من تغض بصرك، هذا الذي أريد أن أصل إليه، الله سبحانه وتعالى سيقدر لك أنك مررت على شيء تحبه من اللذائذ والمعاصي والشهوات فتركته وغضضت الطرف عن رضا الله سبحانه وتعالى، قدرت تدوس على نفسك وشهوتك من أجله، هذا الموقف يعظمه الله جدا جدا للإنسان.
يعني في إنسان يتخلى عن أشياء بس هو ما يحبها كثير، مثلا أنت بتكون عندك ثياب مستعملة في البيت، بيجي فقير بتقول يا مدام شوف إذا في ثياب مستعملة وكذا أعطيتها جزاك الله خيرا، بس أنت ما أعطيت هذا العطاء مع حبه، أنت أعطيته لأنه أنت ما قاعد تلبسه بدك تتخلص منه، جزاك الله خيرا تثاب، بس مش هذا هو الأفخم، لا، الأفخم والأعظم، والذي يريد الله أن يراك، أن يراه منك، أنه لا شيء أنت تحبه وتعشقه وتتعلق به ويريد أن يراك وأنت تتخلى عنه ابتغاء مرضاة الله، هذا الشعور العظيم هذا الذي يدل على صميم الإيمان حقيقة وصميم محبة الله سبحانه وتعالى. أما أنك تعطي شيء أنت أصلا مش بحاجته، أو من طرف طرف جيبك كما يقولون، هذا وإن كان مطلوبا وجيدا وكذا، ولكنه ليس وذاك. الله عز وجل أكد هذا المعنى في آية عظيمة، ماذا قال؟ ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]. شوف البر والأبرار هون كيف التناسق! سبحان الله، إن الأبرار يشربون من كأس، مين الأبرار؟ الذين يطعمون الطعام على حبه. ارجع لسورة آل عمران: لن تنالوا البر، يعني منزلة الأبرار، حتى تنفقوا مما تحبون، من الشيء اللي بتشتهيه وبتتمنّاه، طبعا والأهم هم أنك إذا أيضا في شهوات محرمة أنت بتشتهيها وبتحبها، أيضا تدوس عليها ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.
كمل قال: مسكينا فقيرا عاجزا عن الاكتساب، ويتيما صغيرا لا أب له، واسيرا مأسورا مملوكا أو غيره. أعطوا هذا الطعام إما لمسكين أو يتيم أو أسير أو أي وجه من أوجه الخير. ثم عللوا إطعامهم فقالوا: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: 9] أي لطلب ثوابه، أو هو بيان من الله عز وجل عما في ضمائرهم؛ لأن الله تعالى علمه منهم فأثنى عليهم وإن لم يقولوا شيئا. طيب الآن، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا. الآن هل هم قالوا هذا فعلا بلسانهم أم هذا بلسان الحال كما يقولون؟ محتمل. يعني هل هم قالوا فعلا هذا الكلام؟ أو أن الله عبر عما كان يدور في ضمائرهم بهذا التعبير؟ ولسان حالهم يقول: إنما نطعمكم لوجه الله. هذا جائز وهذا جائز من حيث تفسير الآية.
لكن لاحظ لماذا هذا الكلام ضروري هنا؟ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا. حتى تكتمل هذه الخصلة فيهم. لا، إخواني، أحيانا شوف هذا الكلام، أحيانا قد تتخلى أنت عن شيء تحبه، لكن لطلب مجد دنيوي، صح ولا لا؟ بعض الناس، بعض الجاهليين كان يتخلى عن حياته، إخواني، عن حياته حتى يذكر في المآثر أنه تخلى عن حياته من أجل قومه. يعني في شيء أعز عليك من نفسك؟ روحك. بعض كفار الجاهلية، وكانت هذه من مدح العرب، كان مستعد يتخلى عن حياته، يبذل حياته، بس مش من أجل لوجه الله، إنما قدم وبذل أعلى شيء يحبه ابتغاء مجد، ابتغاء جاه. فهنا الله يريد أن ينبه أنه مجرد أنك أطعمت الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا، ليس بمجرد هذا أنت تكون حصلت الكمال. ليه؟ لأنه ممكن تكون أطعمت الطعام مع حبك له مسكينا ويتيما واسيرا من أجل جاه تطلبه ومكانة بين الناس.
لذلك فيما قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن حاتم الطائي، فيما يروى في الآثار، أنه قال: إنما بحث عن ثناء فحصل. حاتم الطائي بتعرفوا قصه في الكرم، اللي كان يدخل عليه الفقير في الليلة وحاتم ما عنده حاجة والقصص، ويذبح له فرس كامل، يعني حاتم أسطورة من أساطير الكرم والبذل والسخاء. لكن هل وكان يتخلى عن أنفس الأشياء في إطعام الضيوف والمساكين، لكن هل كان يفعل هذا إنما نطعمكم لوجه الله؟ لا، كان يفعل هذا كما جاء في الآثار، وإن كان البعض يتكلم فيها، ليذكر ليُعرف بهذا عند العرب، وعُرف. قال: فحصل أجره في الدنيا. أنت من أجل هذا اشتغلت؟ لا، اللي بتكلم عنهم الآية نوع آخر، نوع يطعمون الطعام على حبه ليس بحثا عن جاه ولا عن دنيا، وإنما ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ فقط، لا نبحث عن جاه ولا عشيرة ولا يقال فلان أعطى للمسكين أو لإخوانه أو لأي منطقة، لا لا، لوجه الله سبحانه وتعالى وطلبا لثوابه.
لا نريد منكم جزاء. نعم، قال: لا نريد منكم جزاء هدية على ذلك، ولا شكورا ثناء. نعم، فالجزاء هو الهدية، والشكور هو الثناء. لا ننتظر منكم لا تهدون هدية على المعروف اللي قدمناه، ولا ننتظر ثناء حسنا في الدنيا. نعم. إنا نخاف من ربنا. أي إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة، أو إنا نخاف من ربنا. نعم، إنا نخاف من ربنا، يعني ماذا ما معنى إنا نخاف من ربنا؟ المعنى الأول الذي ذكره النسفي: إنا لا نريد منكم جزاء ولا شكورا؛ لأننا نخاف من ربنا أن يعاقبنا يوم القيامة على طلبنا الجزاء والشكور منكم. فهذا المعنى الأول، إنا لا نريد منكم المكافأة في الدنيا لخوف عقاب الله يوم القيامة، لماذا طلبتم الجزاء والمكافأة في الدنيا؟ فهذا تقدير الخوف، نخاف من ربنا المحاسبة على طلبنا الجزاء.
طيب وهناك سياق آخر قد يكون هو المتبادر إلى أذهانكم في تفسير الآية: أننا إيه قال أو أو إنا نخاف من ربنا فتصدق لوجهه حتى نأمن من ذلك الخوف. اه، أن يكون تقدير الآية: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، إنا نخاف من ربنا. إحنا بس جماعة خايفين من ربنا لذلك أطعنا. الخوف من الله هو الذي جعلنا نستكثر من الصدقات والأعمال الصالحة. يعني هكذا السؤال: لماذا لا تريدون جزاء ولا شكورا؟ طيب ليش أعطيتم؟ ما الهدف الذي كان بسببه الإعطاء؟ أنه خايفين من الله، فمن أجل أن نأمن في ذاك اليوم أردنا أن نقدم صدقات في هذا اليوم.
نعم قال: ﴿يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان: 10]. ووصف اليوم بصفة أهله من الأشقياء، نحو: نهارك صائم، والقنطار. الآن، يوم القيامة هل هو يوم عابس؟ اليوم كيوم لا يكون عابسا، وإنما العبوس يكون للاشقياء فيه. فيقول: وصف يوم بأنه عابس، مع أن العابس ليس هو اليوم؛ لأن اليوم شيء معنوي، زمن، ما راح تشوف له وجه. وإنما قال: وصفه بصفة أهله الأشقياء، هو يعني يوم عبوس يعني يوم أهله الأشقياء يكونون في على هذه الصفة عبوسا قمطريرا. فهذا من المبالغة. هذا عند العرب اسمه إيش؟ مبالغة. أن تكون الصفة لأهل ذلك اليوم فيصبح صفة لنفس اليوم. فالله عز وجل ذكر أن وجوه الكافرين يوم القيامة عليها غبرة ترهقها قترة، وأنهم في عبوس وفي كذا. هذه الحالة العامة التي ستكون للأشقياء كانها على سبيل المبالغة أصبحت صفة لنفس اليوم.
وهنا تدرج في المبالغة في الوصف؛ لأن قمطريرا، القمطرير هو أشد العبوس. فقال: عبوسا ثم قال مش بس عبوس بل أشد العبوس، عبوسا قمطريرا. العرب دائما إذا وصفت تبدأ بأخف الأوصاف ثم تنتقل إلى أعلاها، تمام. فتقول مثلا هذا الشيء جميل، بهي. تصف أولا بالصفة الأسهل ثم تأتي بالصفة الأكثر مبالغة. فلذلك قال: يوما عبوس، كأنه قال: مش بس عبوس بل هو أشد من ذلك، هو قمطرير. والقمطرير هو شديد العبوس. نعم، قال: قال: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ﴾ [الإنسان: 11]. قال: والقمطرير هو الشديد العبوس الذي يجمع ما بين عينيه. بتعرف الواحد لما يصير هكذا يعبس بقوة، بتلاقي عينيه دخلت ببعضها، صح ولا لا؟ مكشر يعني، عينين تدخل في بعضها البعض لشده ما ظهر عليه. قال: فواقهم الله شر ذلك اليوم أي صانهم من شدائده، ولقاهم أعطاهم بدل عبوس الفجار نظرة حسنة في الوجوه وسرورا فرحا في القلوب.
فهؤلاء لما قاموا بهذه الأعمال الجيدة في الدنيا، يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شر ويطعمون الطعام، لما فعلوا هذه الأفعال وعاشوا في هذه الحياة الدنيا، ملاحظين يوم القيامة اللي بعيش في الدنيا يا شباب وهو يراقب الدار الآخرة ربنا ما بنساه في الدار الآخرة. بس اللي بعيش في الدنيا وناسي ملف الدار الآخرة وحاطه على الرَف، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ﴾ [الحشر: 19] هو الجزاء من جنس العمل. إذا نسيت ربنا في الدنيا، يعني نسيت لقاءه، ستنسى يوم القيامة. ولكن إذا تذكرت الله في الدنيا ففعلت هذه الأفعال وديونك: إنا نخاف من ربنا، عشت الخوف في الدنيا، فالله عز وجل يجمع على إنسان خوف في الدنيا وخوف في الآخرة من...
خاف الله في الدنيا أمن في الآخرة، ومن لم يخف في الدنيا خاف في الآخرة، هيك عدل صح ولا لا؟ عدل. خفت ربنا في الدنيا فحملك هذا الخوف على الإنفاق والبذل وترك الحرام، ربنا بيأمنك في الدار الآخرة. فأيش قال؟ ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: 11] مقابل هذا الخوف اللي عشته أيها المؤمن في الدنيا من الله، ستكون مكافأتك واضحة. فوقاهم الله حماية وقاية حماية تامة يعني بأعلى الدرجات الأمنية، وهذه ليست من بشر لا ملك ولا وزير ولا عميد جيش، وإنما الحماية من الله. فوقاهم الله شر ذلك اليوم بكل ما فيه من الأهوال. مش بس كده الوقاية، طيب ماشي وقاهم بس خلاص؟ لا، واعطاهم زيادة، ﴿وَلَقَاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: 11] لأنهم كانوا يخافون يوماً عبوساً قمطريراً. كانوا يخافون من ذاك اليوم العبوس أهله، كافأ الله بمخالفة ذلك عليهم، فأعطاهم وجهاً نضراً، ما في عبس، ما في وجهاً ليس عبوساً. لذلك قال: ولقاهم نضرة أي حسناً في الوجوه، وسروراً فرحاً في القلوب.
وجزاهم أكمل قال: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: 12] بصبرهم على الإثار، نزلت في علي وإثار مما يعني هو أحياناً التقييد بيفقد جو الآية. وجزاهم بما صبروا صبروا على الشهوات، صبروا على الطاعات، صبروا عند البلايا والمحن والبليات. وجزاهم بما صبروا، الصبر مر وصعب على النفس، لكنك إنما الحلم بالتحلم، تعين نفسك بعد ماذا على الصبر، وبشد الله عز وجل يرزقه، كذلك من أراد أن يتصبر لوجه الله صبره الله. إنه بعض الناس بقول لك طب أنا ما بقدر أصبر، شاعر إني ضعيف الهمة في الصبر، يقول: من يتصبر يصبره الله. يعني شد على نفسك ربنا بعينك، بشرط أن يكون تصبرك من أجله، مستحيل ينساك. نعم قال: نزلت في علي وفاطمة جاريه وفضة، هذه جارية قيل لعلي وفاطمة -طبعاً القصة هذه قصة أقرب أن تكون موضوعة مكذوبة مجو عندي- نعم مش موجودة الأساس، لا هي نزلت في علي وفاطمة وفضة جارية لهما لما مرض، يعني كأنها أم لهما، لما مرض الحسن والحسين، اقرأ لما مرض الحسن والحسين رضي الله عنهما نذروا صوم ثلاثة أيام، فاستقر علي رضي الله عنه من يهودي ثلاثة أوعية من الشعير، فطحنت فاطمة رضي الله عنها كل يوم صاعاً وخبزت، فآثر بذلك ثلاثة عشايا على أنفسهم مسكيناً ويتيماً وأسيراً، ولم يذوقوا إلا الماء في وقت الإفطار. يعني قيل إن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب، لكن هذه التفاصيل وهي القصة وأنهم صاموا ثلاثة أيام كل يوم عند الفطور كان يجي عليهم يوم دخل عليهم مسكين، يوم دخل عليهم يتيم، يوم دخل عليهم أسير -المراد بالأسير هنا العبد- يوم دخل عليهم أسير، فماذا قالوا؟ أطعموهم. فثلاث أيام صاموا ما أفطروا، ولا في يوم أنه كل ما يجي وقت الإفطار بيطلع لهم واحد تمام، فتصدقوا بكل عشائهم، وكان مرادهم وجه الله. لكن كما قالوا هذه القصة قصة ضعيفة وتكاد تكون لا أصل لها.
نعم قال: جنة بستاناً فيه مأكل هنيء، وحريراً فيه ملبس بهي جميل. متكئين حال من متكئين، حال منهم في جزائهم فيها في الجنة على الأرائك الأسرة جمع الأريكة. لا يرون حال من الضمير المرفوع في متكئين أ جزاهم بما صبروا. الآن سيبدأ يعود إلى وصف الجنة وما فيها من النعيم، جنة وحرير، والحرير كان محرماً على الرجال في الدنيا، فمقابل ذلك سيلبس في الآخرة، وهو دلالة التنعم والرفاهية. وفي هذه الجنة والحريق قال: متكئين لا شمس فيها ولا زمهرير، فظل دائم وهواءها هنا. الآيات ستصف حالة التنعم العالية جداً جداً لأهل الجنة، لعل القلب يشتاق ويحن إلى هذا الجمال، لأنه الآية يعني الإنسان اللي بخفف عنده إخواني ألم الدنيا تذكره دوماً أن هناك راحة، ولا لو كان الإنسان ما عنده تصور عن وجود راحة تنتظره لما تخمن، لأنه الدنيا تعب، وكمان في الآخرة تعب يا مصيبة المصار؟ كانوا يقولون يعني المغفلون كحمق اليهود، عفواً فقراء اليهود كانوا هكذا يقولون، لماذا يعني في التاريخ كانت هذه من المقولات الشائعة؟ قال: فقراء اليهود تعبوا في الدنيا وتعبوا في الآخرة، يعني لا هو أسلم حتى يتعب في يعني يرتاح في الآخرة، ولا هو عايش في الدنيا معه حاجة طعاً، قص عليها فقراء كل قوم يعني ليسوا على الإسلام، فقراء البوذيين وفقراء يعني لا أنت حصلت الدنيا ولا حصلت آخرة، مسكين هذا الإنسان.
فالآن وصف حاله الرغد والرفاهية التي هم فيها، متكئين فيها في هذه الجنة على الأرائك. أولاً لا يوجد فيها شمس تؤذيهم ولا برد يتعبهم، لذلك قال: ﴿لَّا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13] لانه لا شمس في الجنة ولا زمهرير، وهو شدة البرودة. نعم فلها دائم وهواؤها معتدل، لا حر شمس يحمي ولا شدة برد تؤذي. نعم قال وفي الحديث: هواء الجنة سجس سجس سجس. هذه بالمقابل لا حر يعني معتدل معتدل، بس هذا الحديث أيضاً يعني كاد يكون لا أصل له. المراد أنه معتدل. قال فالزمهرير البرد الشديد، وقيل القمر أي الجنة مضيئة لا يحتاج فيها إلى شمس ولا قمر، لا المشهور أن الزمهرير هو البرد الشديد، الزمهرير هو البرد الشديد، فالمراد أن الجنة لا يوجد فيها حر ولا يوجد فيها ماذا برد. نعم والشمس هي رمز الحرارة يعني. نعم قال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ [الإنسان: 14] قريبة منهم ظلال أشجار. طبعا هو الآن سيعطيك مشهد متكامل الأركان، بدك هيك تبدا تتخيل، لانه العرب كانت تعتمد على الخيال في كرتها وتصوراتها، بدي إياك تتخيل ذاك الشخص اللي دخل الجنة، والآن هو على أريكته في حديقة من الحدي الحدائق، ما في شمس تعطيه حرارة ولا برد وإنما جو معتدل لطيف. طيب هو الآن جالس على أريكته وجو معتدل لطيف، وهناك قطوف من العنب والفواكه دانية، من بس يعمل كده وياكل، يعني لا يحتاج حتى أن يتعب يده من أجل أن يصل إليها فقال: ودانية.
نعم قال: ودانية عليهم ظلالها قريبه منهم ظلال أشجارها، عطفت على جنة أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها، كانهم وعدوا بجنتين لأنهم وصفوا بالخوف بقوله: إنا نخاف من ربنا ولمن خاف مقام ربه جنتان. وذللت سخرت للقائم والقاعد والمتكئ، وهو حال من دانية، أي تدنو ظلالها عليهم في حال تذليل قطوف فيها عليهم أو معطوفة عليها، أي ودانية عليهم ظلالها ومذل، هنا في أكثر من تخريج نحوي. وذللت بمعنى سخرت للقائم والقاعد والمتكئ، يعني إذا الآن أنت كنت متكئ تجدها قريبة منك، كنت قاعد تجدها قريبة، كنت واقف تجدها مناسبة، فهي مذل يعني مسخرة على حسب هيئتك من الاتكاء أو القعود أو الوقوف. إذا سخرت للقائم والقاعد والمتكئ كل واحد بجدها مسبه لحم مجلسه، وهو حال من دان، أي ودانية عليهم ظلالها حالة كونها مسخرة مذل لهم، أي تدنو ظلالها. ودانية طبعا بكلم عن الثمار، عف ربما ذبت الثمار هو بيتكلم هنا عن الظلال، ثم سيتكلم عن القطوف. إذا ودانية عليهم ظلالها حالة كونها ذللت قطوفها تذليلاً، أو نقول إذا وهو حال من دانية أي تدنو ظلال هذه الأشجار عليهم في حال تذليل القطوف عليهم، أو نقول أن وذللت معطوفة على دانية، وهذا يكون عطف فعل على اسم فاعل، أنه دانية اسم فاعل وذللت فعل، هل يجوز أن يعطف الفعل على اسم الفاعل؟ يجوز نعم، يعطف على اسم شبه فعل فعل، كما قال ابن مالك: وعكس استعمل تجده سهلاً. لذلك قال معطوفة عليها فتكون ذللت وهي فعل، يجوز أن نقول معطوفة على دانية ويكون التقدير إذا قلنا الآية على العطف ودانية عليهم ظلالها ومذل، هكذا التقدير: ومذل قطوفها، قطوف جمع قطف، نعم قطوفها ثمارها جمع قطف تذليلاً.
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: 15] أي يدير عليهم خدمهم كؤوس الشراب والآنية جمع إناء وهو وعاء الماء، ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ [الإنسان: 15] أي من فضة جمع كوب وهو أبريق، وهو أبريق لا عروة له. إذا ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب. الاكواب ربنا ذكر أنها من الفضة، لا بس لأن الأكواب معطوفة على الآن عرفنا أن الأكواب أيضاً من فضة. إذا قال هم هؤلاء الشباب الله يرضى عنهم في الجنة متكئين على أرائك ودانية الظلال وذنه الثمار، وهم في هذه الحالة ياتي أطفال وخدام يطوفون عليهم بآنية من فضة، إناء مصنوع من فضة، وأكواب أيضاً مصنوعة من ماذا؟ من فضة. طيب كيف عرفنا أن الأكواب من الفضة؟ بعطفها على الآنية، ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب من فضة تمام. طب ايش الفرق بين الآنية والأكواب؟ تمام، هو قال الكوب هو الإبريق الذي لا عروة له، تمام، الإبريق الذي ايه لا عروة. العروة اللي هو الخرطوم الطالع يعني أو واليد اليد التي يمسك منها عفواً، العروة هي اليد التي يمسك منها، فهذا يسمى كوب. ليه؟ هل له يد يمسك منها زي المقات يعني عفواً لا، فكوب لا يسمى كوباً إلا إذا لم يكن له يد يمسك منها كان سادةً مثل ك. وأما الآنية فالظاهر أنها هي التي لها عروة يمسك منها، فلذلك فرق بين الآنية والأكواب، الأكواب ليس لها شيء يمسك منه ساذجة مثل ك، والآنية يكون لها شيء يمسك منه.
قال: ﴿كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ [الإنسان: 15] كان تامة، أي كون القوارير هو الإناء الزجاجي. متى القارورة تسمى قارورة؟ قالوا إذا كانت من زجاج، فقال الله: ويطاف عليهم بآنية من فضة، وأكواب لا عروة لها مصنوعة من ماذا؟ من فضة، ولكنها شفافه، قال كانت قوارير، يعني هذه الآنية الفضية وهذه الأكواب الفضية هي ماذا؟ هي شفافة زجاجية، بتعرفوا هيك الإبريق والكأس الشفاف الذي يرى ما في داخله هذا الإنسان يحبه ويفضل على مثل هذا المعتم الذي لا يرى ما في داخله، فلذلك قال: كانت قوارير. طبعاً كان قال وكان هنا تامة ليست كان الناقصة التي تاخذ اسماً وخبرًا، وإنما كان التي بمعنى وجد، فلذلك قال: واكواب كانت قوارير، يعني كونت يعني صنعت، فكانت قوارير بتكوين الله يعني صنعت فجوجدت على صورة القوارير بصنع الله لها على ذلك. طيب ولكن هذه القوارير القوارير من فضة، فهي مخلوقة من الفضة، لكن لونها لون الزجاج الشفاف، فهي جامعة لبياض الفضة وحسنها وصفاء قوارير الزجاجية وشفافيتها. فإذا المادة فضية ولمعان الفضة لكنها فيها شفافيه الزجاج، لأنه الفضة البحت ما بتكون شفافة، لو كان مصنوع من فضة فقط أو فضة بحته بالشكل الطبيعي ما راح تكون شفافة. فبقول هي صنعت من الفضة لكن فيها شفافية الزجاج، يعني هيك صنعت من فضة وفيها لمعان الفضة، ولكنها في نفس الوقت فيها شفافية الزجاج. لذلك جمع بين آنية من فضة وأكواب من فضة، كانت قوارير كانت زجاجية، فأنت رح تقول كيف من فضة وفي نفس الوقت زجاجية كيف بدها تركب؟ لا منقول هي المادة التي صنعت منها فضة، ولكنها شفافة فتشبه القوارير الزجاجية في شفافيتها، هذا المراد الله أعلم. لذلك قال قوارير من فضة، فهي جامعة لبياض الفضة وحسنها وصفاء القوارير وشفافيتها. نعم قال حيث يرى ما فيها من الشراب من خارجها.
نعم قال ابن عباس رضي الله عنهما: قوارير، كل أرض من تربتها وأرض الجنة فضة. آه، ايش يقول ابن عباس؟ الدنيا الآن أي قوارير قوارير كل أرض تكون مأخوذة من تربة هذه الأرض، طب في الدنيا الزجاج صنع من تربة الدنيا، طب في الآخرة الزجاج سيصنع من تربة الجنة، طب ما هي تربة الجنة؟ فضة. فيقول ابن عباس بما القوارير تك بحسب تربة الأرض، فزجاج الدنيا صنع من تربة الدنيا، وقوارير الآخرة تصنع من تربة الآخرة. طيب شو تربة الآخرة؟ الفضة، فبالتالي قوارير الجنة ستكون مصنوعة من الفضة، يعني كأن زجاج الجنة فضي، يعني كأن هذه الخلاصة زجاج الجنة هو عبارة عن مادة فضية لكنها جمعت بين فضية المادة وشفافية المشهد. نعم قال قرا نافع والكسائي وعاصم وفي رواية أبي بكر بالتنوين فيهما، وعاصم في رواية أبي بكر له عاصم له راوية شعبه أبو بكر شعبه وحفص، فيقول هذه القوارير زي سلاسل ممنوعة من الصرف، قوارير زي سلاسل ممنوعة من الصرف فلا تنون. فيقول هذه الآية قراها نافع والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر هي الواو زائده في رواية أبي بكر شعبه، بماذا؟ بالتنوين فيهما في الموضع الأول والثاني، ويطاف عليهم بانيه من فضه وأكواب كانت قوارير، قوارير من فضة بتنون، وصار تنوين بدك تطبق أحكام النون الساكنة كانت قوارير، قوارير من، هيك بتقراها عند شعبه.
وأما القراءة الثانية وهي قراءة حمزة وابن عامر وعاصم من طريق حفص، اللي هي قراءتنا كيف بقراها؟ واكواب كانت قوارير قوارير من فضة، ما بنجيب تنوين لأنه ممنوع من الصرف، هي ممنوعة من الصرف طبعاً، طب اللي صرفها ليش صرفها؟ للتناسب، للتناسب لأنه الآيات كلها منونة في الآية السابقة: وذللت قطوفها تذليلاً، فكان ويطاف عليهم بانيه من فضة وأكواب كانت قوارير، فقالوا حتى تناسب ختام الآية التي قبلها، ذا قل فال التنوين في الأول في الأول، يعني في قوارير الأولى تكون لتناسبة الآية المتقدمة والمتاخرة قدروها تقديراً يكون هناك تناسب ختامات الآيات. طب هذا فهمناه في قوارير الأولى، طب ليش نونت قوارير الثانية إذا كان التناسب في ختام الآيات هي لقوارير الأولى؟ فقو الثانية قوارير من فضة لماذا نونت؟ تكون اتباعاً لقوارير الأولى، يكون سبب ذلك الاتباع، قال أيوه والوقف على الأول قد قيل ولا يث به، لأن الثاني بدل من الأول نعم.
الصحيح أن يقول قوارير من فضة، هذا ليس استئنافاً، بل هذا تبع للآية السابقة. فتقول كانت قوارير، قوارير من فضة فقوارير من فضة هي إكمال للمعنى السابق، لأن قوارير الثانية إعرابها بدل من قوارير الأولى.
نختم هنا، قال سبحانه: ﴿قَدَرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: 16] صفة لقوارير من فضة، أي أهل الجنة قدروها على أشكال مخصوصة فجاءت كما قدروها تكريمة لهم. أو الآن، ما معنى قدروها تقديرا؟ قال سبحانه: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: 15-16]، شوف التركيز في التفاصيل، التركيز في تفاصيل المشهد، ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب من فضة، وهذه الآنية من فضة وأكواب من فضة هي قوارير يعني على صورة القوارير من حيث الشفافية، بس هي قوارير فضية.
كأنه يقول: قوارير مش من القوارير اللي بتعرفوها في الدنيا، لأنه زجاج الدنيا مش فضي. بيقول لا، هذه قوارير نوعها مختلف، قوارير ومصنوعة من فضة مادة مخصصة للجنة. وأخر صفة من صفات هذه القوارير الفضية قال قدروها تقديرا. ايش يعني قدروها تقديرا؟ يقول أهل التفسير: قدروها في نفوسهم على أشكال مخصوصة، يعني هو في نفسه هو جالس في الجنة متمنٍ يجي الكوب على شكل معين، مقدر على صورة معينة، فيأتيه الكوب على الصورة التي قدرها في نفسه. قدر بده ابريق هيك شكله يعني بلش يتخيل، وبتعرف ما فيها ما اشتهت الأنفس، فكل شيء قدروا أن يأتي الإبريق على صورته أو الإناء على صورته جاءهم الإبريق والإناء والكوب على الهيئة التي قدروها في أنفسهم وأحبوا أن تكون عليها تكريمة من الله لهم، هذا المعنى الأول لمعنى ايش قدروها تقديرا، أي أهل الجنة قدروها على أشكال مخصوصة فجاءت كما قدروها تكريمة لهم.
قال السقاة جعلوها على قدر ري شاربها فهي أذل لهم وأخف عليهم. القول الثاني أن الذين قدروا ليس أهل الجنة، وإنما الحشم والخدم. قدر الحشم والخدم هذا الإناء تقديرا، يعني حط في شراب بالسنتي على حسب ما يحتاج الشارب. قال السقاة جعلوها على قدر شاربها، فالحشم لما يعبوا لك الكاس ما بعطيك إياه نص فاضي، بعطيك إياه على المقدار اللي أنت راح تشرب وتروى ولا تطلب زيادة، فهذا معنى قدر السقاة مقدار ري الشارب، فعبوا الإناء له على مقدار ريه تماما، فهي أذل لهم وأخف عليهم.
وبالتالي قال عن مجاهد بن جبر: لا يفيض ولا يغيض. ايش يعني لا يفيض ولا يغيض؟ يعني هو بمعنى الكلام السابق، يعني وضعوا الشراب على كمية الري، فلا هو يفيض وبعطيك إياه بكبكب عليك (بعض الشباب صب لك يعطيك إياه تكبكب عليك)، ولا هي ايش تغيض أنها ناقصة، جاي بالسنتي بالسنتي تماما، ما فيها زيادة تفيض وتسقط عليك ولا نقصان عن قدر ما تشتهي وتحبه. فهذا المعنى الثاني لمعنى قدروها تقديرا، قدر السقاة حاجة الشاربين على قدر لذتهم فلا تفيض ولا تغيض، كما قال مجاهد بن جبر.
نقف إن شاء الله اليوم عند هذا المقدار. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. أقم الصلاة.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل