دخولتسجيل الدخول

المجلس الرابع والستون - سورة المرسلات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على تفسير العلامة النسفي رحمه الله تعالى عليه. ما زلنا نعيش في أفياء مجالس التفسير هذه المجالس العطرة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يثبتنا على فهم كلام ربنا لننسار على ضوء هذا الكتاب في هذه الحياة، ونعوذ بالله من الغفلات.

وصلنا أيها الكرام في هذا التفسير إلى تفسير سورة المرسلات. سورة المرسلات من السور المكية التي نزلت لتعالج موضوعاً تكررت معالجته في القرآن في أماكن كثيرة، لكنه هو الموضوع الأهم في حياة الإنسان، ولذلك ينبغي أن يُقرأ مرات ومرات، ألا وهو موضوع الدار الآخرة. موضوع الدار الآخرة ومشاهد ذلك اليوم ومعالجة الذين يجحدون هذه الحقيقة الكبرى التي متى ما جحدها الإنسان وبقي متعلقاً بالدنيا ظاناً أنه خالد فيها، أو أنه لا يوجد يوم للحساب ولا لفصل الأمور، عاش حياته الدنيا لشهواته وملذاته.

العيش على هذه الأرض بقضية الدار الآخرة هو من أهم قضايا الاعتقاد. من أهم قضايا الاعتقاد أن يبقى الإنسان متذكراً أن هناك يوماً قادماً لا محالة، هو أهيب يوم وأعظم يوم وأخطر يوم في حياة ذاك الإنسان. ذاك اليوم الذي مهما تكلمنا عن أهواله وأوصافه وأحواله، يبقى الكلام يقصر عن الحقيقة. يبقى الكلام يقصر عن الحقيقة لأنه يوم عظيم. ولذلك الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يعتمد الإجمال في الكلام عن ذلك اليوم عندما يقول: القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة. حتى هنا في سورة المرسلات قوله سبحانه وتعالى: لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل. هذا الأسلوب المتكرر: وما أدراك وما أدراك، يدل على أن الكلام جزء من الحقيقه والواقع وإلا فالحقيقة أفضع والواقع مهيب والحال جَلَل. وبالتالي ينبغي على الإنسان أن يتذكر أن ذاك اليوم هو أهم يوم في حياته وأخطر ساعات سيمر بها، وعليه أن يُعد العدة وأن يجعل كل ما في هذه الحياة الدنيا من لحظات وخطرات إنما هي خدمة ووقف لذلك اليوم المهيب.

لا تقصر في الساعات، ولا تقصر في الأيام، ولا تقصر في طاقتك، ولا تقصر بالذنوب والمعاصي في الخلوات والجلوات، فإنك مقبل على حدث جَلَل مهيب. أيضاً لا تعطي الدنيا أكبر من حجمها، ولا تقاتل عليها، ولا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. فالحدث القادم كبير كفيل بأن ينسي الإنسان كل مصاعب الدنيا وكل ما مر به من مآسي وآلام وأهوال وأحوال، فإن الدنيا جزء يسير يسير من المشهد العظيم الذي ينتظر ذاك الإنسان. فلذلك الحديث عن الدار الآخرة حديث مهم. ولذلك الإنسان أيضاً في كل يوم من أيام حياته ينبغي أن يقرأ القرآن ويتلو القرآن ليتذكر هذا اليوم ويتذكر أن الدنيا إنما هي فصل يسير وجزء قصير من فصول الحكاية، وأن الفصل الأعظم والأهيب هو ذاك الفصل الذي ينتظرك عند الله سبحانه وتعالى.

لذلك كان من أعظم الكفر ومن أعظم التكذيب أن يكذب الإنسان بذلك اليوم، وهذا ما ركزت عليه سورة المرسلات: ويل يومئذ للمكذبين، ويل يومئذ للمكذبين، الذين عاشوا في الدنيا وهم غير مكترثين وغير عابئين بتلك الحقيقة الكبرى.

دعونا ننظر في كيف بدأت سورة المرسلات رسم المشهد لذلك اليوم المهيب بحركة الملائكة التي تطوف وتجول في السماوات العلى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: 1-6].

الصورة بدأت بمشهد مليء بالحركة، والحركة ليست الحركة الهادئة الخفيفه، الحركة الثقيلة المفعمة، وهي حركة لكائن آخر في هذا الوجود كثير من الناس لا يؤمن ولا يعبأ بوجوده ولكنه كائن كبير عظيم مطيع لله سبحانه وتعالى وهو الملائكة. أنظروا إلى هذه البدايات القوية: والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً والناشرات نشراً فالفارقات فرقاً فالملقيات ذكراً عذراً أو نذراً.

أحياناً عندما تغلب علينا الحياة المادية أيها الشباب، يصبح الإنسان ينسى وجود كائنات أخرى تشارك في رسم مشهد الحياة الدنيا. هناك الإنسان، هناك الجن، هناك الملائكة تماماً كمخلوقات رئيسية، هذه الأصناف الثلاثة كثيراً ما يتحدث عنها القرآن لئلا يبقى الإنسان حاصراً نفسه في المحسوس الذي هو يراه بعينه، غافلاً عن وجود كائنات لها مقدرة أعلى من قدراته. فقدرة الجن أعلى من قدرات الإنسان فيما أعطيه من قدرات بدنية وجسدية وحالية، والملائكة أعظم من الجن والانس فيما أعطوا من قدرات. فيبقى الإنسان المؤمن عندما يقرأ القرآن يبقى مستحضراً لهذا المشهد: وأنني لست وحيداً من يدير هذا الكون، لست أنا صاحب الأمر من قبل ومن بعد، إنما أنا جزء من مخلوقات عظيمة مهيبة تسكن السماوات العلى وتسكن هذه الأرض وتذهب وتاتي.

ومن هذه المخلوقات العظيمة هذه الملائكة. مهم جداً استحضار الانسان لمشهد الملائكة، مشهد وجود الملائكة. وهذا المشهد لا ينقطع؛ ملائكة يتعاقبون فيكم يشهدون معكم صلاة الفجر وصلاة العصر، ويحضرون مجالس الذكر ثم يصعدون إلى الله سبحانه وتعالى: كيف وجدت عبادي؟ أو كيف تركتم عبادي؟ فهناك من ترك يذكر الله وفي مجلس علم وواحة خير، وهناك من تركته الملائكه في معصية من المعاصي وفي قبيحة من القبائح. هنالك الملائكة التي تتحرك بالقطر والسحاب، هنالك الملائكة التي تنزل بالعذاب، هنالك الملائكة التي تقبض الارواح، هنالك الملائكة التي تقسم الأرزاق.

إذاً هناك في هذا الكون، ولعله في جنبات هذا المكان وأنت في الطرقات وتسير، هناك ملائكة أنت لا تراهم بعينك ولا تحسهم بملمس، لكنهم قطعا ًموجودون ويديرون هذا الكون بأمر الله سبحانه وتعالى. مهم جداً أن يبقى ذهنك مستحضراً لوجود هذا الجنس من المخلوقات. وحتى كفار قريش كانوا يؤمنون بهم وكانوا يعتقدون والعياذ بالله فيهم الكفريات، فهذا حتى الكفار كانوا يقرون بوجوده، فهذه فكرة مهمة.

إذاً، لاحظ الله هنا كيف بدأت السورة بهذا القسم، القسم بالملائكة باعتبارهم من أعظم المخلوقات التي ينبغي على الإنسان أن يستحضر وجودهم في هذا الكون، بل من ينكر وجود الملائكة هو كافر، لأن أحد أركان الإيمان ستة. ما هي؟ أن تؤمن بالله وملائكته. أنت متخيل أنه أحد أركان الإيمان التي إذا انتفت كفرت وخرجت من دائرة هذا الدين؟ عليك أن تؤمن بمخلوق اسمه الملائكة. هذا أحد أركان الإيمان الأُسس الغيبية: عليك أن تؤمن بمخلوق اسمه الملائكة. وفي حال عدم ايمانك بهذا المخلوق أنت خارج أسوار الشريعة تماماً. يعني الإيمان بالملائكة مش ملف هامشي من الملفات العقدية، يعني حبيت تؤمن بهم تؤمن، ما حبيت بيجعلك، مش مسألة وصلت إلى أن تكون ركناً!

أنت وتخيل حجم هذه القضية وكم هي عظيمة عند الله سبحانه وتعالى إلى أن جُعلت أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها دينك، وإذا انتفت انتفى عنك الدين. أن تؤمن أن هناك جنساً اسمه الملائكة، وإذا ما آمنت بهم أنت كافر أنت مخلد في نار جهنم! يعني ممكن واحد يخلد في نار جهنم فقط لأنه مش قادر هيك يصدق بشيء اسمه الملائكة؟ خلص، يخلد في نار جهنم خالد مخلد فيها أبداً. ايش مشكلته؟ يقول لك: أنا مؤمن بوجود الله، مؤمن بالرسل، بس مش مؤمن بالملائكة! رح تكون في نار جهنم بس من أجل الملائكة، مما يدل على أن قضية الملائكة -أعود فأقول- ليست قضية هامشية بل قضية من أعظم قضايا الوجود. ولذلك جعلها الله بعد الإيمان به: أن تؤمن بالله وملائكته. ليست قضية على الرف وسهلة، لا، بل جعلها الله أحد قضايا الوجود الكبرى. وهذه يعني من حقائق الإيمان التي ينبغي على الإنسان أن يوطن عليها نفسه ويعلمها أبناءه وعائلته وأحبابه والناس. الإيمان بالملائكة عظيم تماماً.

فهذا مدخل لسورة المرسلات التي ابتدات بالكلام عن الملائكة وبمشهد وحركتهم العنيفة في هذا الكون، وهي حركة مطلوبة من أجل صلاح البشرية. فقال سبحانه وتعالى: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين.

قال تعالى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: 1-6]. طبعا هذا كله هو القسم، والمقسم عليه: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: 7]. الآيات الستة الأولى ما هي؟ هي القسم، لكن أقسم الله بماذا؟ على ماذا أقسم الله؟ بالملائكة بأحوالها التي ذكرها على شيء، ما هو؟ أنما توعدون لواقع، فالمقسم عليه هو الدار الآخرة.

وهذا شبيه بأي سورة؟ بتشعر أنما توعدون لواقع: الذاريات. بس الذاريات الأشهر فيها أن القسم كان بالرياح: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّما تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ [الذاريات: 1-5]. هناك ايش قال؟ لصادق، وإن الدين لواقع، والدين هو الجزاء.

هنا لا، مباشرة: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّما تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ [المرسلات: 1-7]. إذاً في الذاريات: إنما توعدون لصادق، وفي المرسلات: إنما توعدون لواقع. وكلا السورتين كانت تتحدث عن ماذا؟ عن الدار الآخرة، لكن الاظهر في الذاريات أن القسم كان بالرياح، والاظهر في المرسلات أن القسم بالملائكة.

طيب دعونا ننظر كيف جاء القسم، ودائماً القسم -وابن القيم رحمه الله عليه له كتاب في أيمان القرآن، حاول أن ينظر بالأشياء التي حلف الله بها في القرآن ويعالج طريقة الحلف ولماذا حلف بها بهذه الطريقه- فكرة نافعة ومهمة لأنها متكررة حقيقه في القرآن بكثرة، خاصة في السور أو الأجزاء الأخيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى.

أقسم الله عز وجل أولاً بالملائكة التي أرسلت بالمعروف، فقال: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: 1]. هذه واو القسم، التقدير: أقسم بالمرسلات. المرسلات بماذا؟ بالعُرف. العُرف -طبعاً هناك عدة تفاسير لها- من أشهر تفاسيرها: المعروف. فالله عز وجل أرسل الملائكة تحمل المعروف، والمراد بالمعروف الأوامر والنواهي التي أنزلتها الملائكة على رسل الله وعلى أنبياء الله.

ثم قال: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ [المرسلات: 2]، لاحظ الحركة التي تحدثها الملائكة في أثناء نزولها بالوحي، حركة العصف، حركة قوية عنيفة تدل على قوة هذه المخلوقات.

قال: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾ [المرسلات: 3]، الملائكة وهي التي تنشر الشرائع في الأرض، تنشر الشرائع في الأرض.

قال: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات: 4]، الملائكة التي تنزل من الله ما يفرق بين الحق والباطل وبين الكفر والإيمان.

﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: 5]، هذا الوحي الذي تلقيه الملائكة على الرسل، هذا الذكر ما وظيفته؟ قال: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: 6]، عذراً للمحقين وإنذاراً للمبطلين.

فهنا يعني ينتهي المشهد. لاحظ كيف المشهد يحمل أعظم وظيفة من وظائف الملائكة، هو وظيفة النزول بأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، وهذه أعظم قضية لهم. هناك ملائكة مسؤولة عن القطر والمطر، هناك ملائكة مسؤولة عن الجبال، هناك ملائكة مسؤولة عن أشياء كثيرة، لكن أعظم ملائكة من هم؟ الملائكة المسؤولون عن الوحي، لذلك كان جبريل سيد الملائكة لأنه هو المسؤول عن أعظم وظيفة من وظائف الملائكة وهي وظيفة النزول بالأوامر الإلهية والنواهي لهذه البشرية. فالله سبحانه وتعالى إنما خلق هذه البشرية ليعبد، وإنما يُعبد بما أَمَر، وهذه الأوامر لابد وأن يتولى ملائكة النزول بها، أو شاء الله سبحانه وتعالى أن يولي ملائكة النزول بها.

أقرا ماذا قال النسفي؟ قال رحمه الله تعالى: أقسم سبحانه وتعالى بطوائف من الملائكة أرسلت بأوامر، اللي هو العُرف: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ العرف هنا المعروف على أحد التفاسير، والمراد بها أوامر الله ونواهيه. ﴿فالعاصفات في مضيه﴾ يعني في أثناء نزولها كانت الحركة قوية عنيفة دلالة سرعة الامتثال لأوامر الله سبحانه وتعالى، ما نزلت بالهون، نزلت سريعا لتبلغ هذه السرعة كأنها سببت عاصفاً، وإن كنا نحن لا نراها.

قال: وطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطه بالوحي أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرنا النفوس الموتى بالكفر والجهل بما يعني كلمة والناشرات لها عدة احتمالات فيقول: ﴿والناشرات نشراً﴾ إما نشرنا الأجنحة إما أن يكون النشر للأجنحة في أثناء النزول بالوحي، أو المراد نشرنا الشرائع على الأرض، أو نشرنا نفوس الموتى بالكفر والجهل بما أنزلوا من الإيمان والنور، وهذا يكون معنى مجازي للنشر (يعني النشر هنا بالمعنى الثالث: الإحياء، يعني أحيوا نفوس الموتى بالكفر بما أنزلوه من حياة الإيمان).

طيب قال الفارقات، أيوه ففرّق قال: أو نشرنا النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحينا، ففرق بين الحق والباطل فهذا معنى الفارقات فرقاً نعم. ﴿فالملقيات ذكرا﴾ إلى الانبياء عليهم السلام عذراً لمُحق أو نذراً للمبطلين.

أو أقسم -هذا هو التفسير الأول والأظهر حقيقة في القسم هنا أنه حديث عن الملائكة- هناك قول آخر يرى أن المرسلات وما بعدها حديث عن الرياح. هناك قول آخر ستجدونه في كتب التفسير سيذكره النسفي الآن أن المراد بالمرسلات والعاصفات والناشرات الريح فقال: أو أقسم برياح عذاب أرسلت فعصفت، ورياح رحمة نشرت.

هنا إذا قلنا المرسلات هي الرياح، فالمراد: ﴿والمرسلات عرفا﴾ المراد بالعرف: التتابع فيكون المعنى: أقسم بالرياح المتتابعة كعرف الديك، بتعرف عرف الديك وعرف الحصان (حركة يكون متتابَعاً). فقال: إذا قلنا أقسم بالرياح رياح العذاب التي تتركب بصورة متتابعة، ﴿فالعاصفات﴾ فأحدثن عصفاً بالكفار. وأما الناشرات فيكون إقسام بنوع آخر من الرياح وهي رياح الرحمة، فيكون: ﴿والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا﴾ رياح العذاب، و﴿والناشرات نشرا فالفارقات فرقا﴾ رياح الرحمة والخير. لذلك قال: وبرياح رحمة نشرنا السحاب في الجو. نعم قال: وبرياح رحمة نشرنا السحاب في الجو، ففرّق بينه، ففرّق بينه يعني وزعنا هذا السحاب الذي يأتي بالمطر في أماكن متعددة، نعم. كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم: 48]، كِسَفاً يعني قطة سحابة هنا وسحابة هنا وسحابة هنا وسحابة هنا. نعم قال: فالقين ذكرا.

أما عذراً للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرون، وأما نذراً للذين لا يشكرون وينسبون ذلك إلى الأنواء.

فالقي ذكرى، إذا قلنا المراد هنا الرياح فكيف الرياح تلقي ذكرى؟ هنا السؤال. وهذا الذي جعلنا نقول إن الأظهر المراد الملائكة، لكن إذا قلنا الرياح على هذا التفسير الثاني، وأن هناك رياح رحمة ورياح عذاب، فختم فهذه الرياح تلقي ذكراً؛ كيف الرياح تلقي ذكراً؟

الرياح تلقي بذور النباتات.

يعني ماشي بس شوي صعبة.

أيوة أحسنت، يعني أنت أتيت اقتربت مما نريد، فالملقيات ذكراً المراد بالذكر هنا نفس المطر، سمى المطر ذكراً، سمى المطر ايش ذكراً باعتبار ماذا؟ يذكر الإنسان العاقل النبيه بماذا؟ بربه سبحانه وتعالى وبنعمه عليه. هيك الأصل، فهنا إذا قلنا إن المراد الرياح، فمعنى أن الرياح تلقي ذكراً أي تلقي مطراً، الأصل في هذا المطر أن يذكر الإنسان بخالقه وربه، لذلك قال: فالقين ذكراً يعني مطراً. أما عذراً للذين يعتذرون إلى الله بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرون، فالاصل أن هذا الغيث إذا نزل يكون ذكراً يسبب عذراً، أو نذراً يسبب عذراً، عذراً أي اعتذاراً، أي أن هذا المذنب العاصي إذا رأى المطر وهو ينزل على الأرض تذكر ربه سبحانه وتعالى، فأحدث له نزول المطر توبة وأناب إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا المطر هو الذكر على هذا التفسير، وأنه يورث اعتذاراً للمذنبين إذا رأوا نعمة الله في الغيث فيشكرون ويتوبون عن تقصيرهم.

وأما أن يكون هذا المطر هذا الذكر إنذاراً للذين لا يشكرون الله، أنه الآن جاءكم مطر بس بكره بتجيكم عاصفة بتحرق، تمام كحال قوم عاد، قالوا: ﴿هَٰذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ۚ بَل هو مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: 24]. فقال: وأما إنذاراً أن يكون هذا المطر إنذاراً للذين لا يشكرون الله وينسبون هذا المطر إلى الأنواء، كحال كفار قريش وبعض العرب الذين كانوا يقولون: مطرنا بسبب الكوكب الفلاني وليس بسبب الله سبحانه وتعالى. طيب، وجعلنا هذه الرياح ملقياً للذكر باعتبار السببية، يعني جعلت الرياح ملقياً للذكر على هذا التفسير باعتبار أنها تلقي أشياء وهي المطر، تسبب هذا معنى السبب، تسبب تذكر الله سبحانه وتعالى.

ولكن كما قلت الذي يظهر والله أعلم من السياق أن المرسلات الحديث هنا عن الملائكة، أن الحديث هنا عن الملائكة، لحتى نبتعد عن تلك المجازات البعيدة شوية عن ذهن الإنسان، ويكون الكلام أكثر اقتراباً للحقيقة، فلذلك سنختار هذا التفسير أن المراد والمرسلات أي الملائكة التي أرسلها الله بالمعروف، فالعاصفات هذه حركة الملائكة عند نزولها، والناشرات الملائكة التي تنشر الخير والشرائع وما يريد الله أن ينشر في الأرض، فالفارقات فرقا الملائكة تفرق بين الحق والباطل وبين أهل الإيمان وأهل الكفر، فالملقيات ذكرا أن الملائكة تنزل بالوحي وهو الذكر على الأنبياء عبر ليس فقط النبي عليه الصلاة والسلام بل حتى عبر تاريخ الرسل والأنبياء.

وهذا الذكر الذي ينزل وهذا الوحي ما وظيفته؟ أن يكون عذرا أو نذرا؛ يكون سببا عذرا أن يجعل الإنسان اليقظ يعتذر ويتوب إلى الله ويجدد الصفحات معه، ويجعل الإنسان وبعض الناس بالنسبة للكفار يكون هذا الذكر لهم إنذاراً وتخويفاً وترهيباً من الحالة التي هم مقيمون عليها.

فوظيفة الله عرفاً حال أي متتابعة، كعرف الفرس يتلو بعضه بعضاً، أو مفعول له أي أرسلنا أرسلن للإحسان والمعروف. نعم، والمرسلات عرفاً هذه واو القسم، والمرسلات اسم مجرور وعلامة جره الكسرة لأن واو القسم هي حرف جر، تعرف حروف الجر ماذا تفعل؟ تجر الأسماء مثل من وإلى وعن وعلى، فالواو واو القسم، والمرسلات اسم مجرور بواو القسم لأن واو القسم حرف جر، لكن الآن الكلام في إعراب عرفاً، ما إعرابها؟ قال: والمرسلات عرفاً، هناك إعرابان ذكر، أما أن تعرب حالاً وهذا إذا جعلنا العرف بمعنى المتتابع، ترى حتى الملائكة إذا قلنا المرسلات هي الملائكة يمكن نقول الملائكة المرسلات عرفاً، أما أن يكون المراد عرفاً بالمعروف وهي الأوامر والنواهي كما قلنا في بداية المجلس، أو المراد بالعرف التتابع، يعني حتى الملائكة يمكن نقول والمرسلات عرفاً أي متتابعات، يصلح.

فإذاً إذا قلنا عرفاً بمعنى متتابعات فسيكون إعراب عرفاً ماذا؟ حال، اقسم الله بالمرسلات حال تتابعها، حال تتابعها وتزاحمها بالنزول بشرائع الله، ويجوز أن نقول لا، أن عرفاً مفعول لأجله، كيف أقول: جئتك ابتغاء معروفك، ابتغاء ما إعرابها؟ مفعول لأجله، فيجوز أن نقول أن عرفاً هنا إعرابها ليس حال بل مفعول له مفعول لأجله، ويكون المعنى: أقسم بالمرسلات لاجل المعروف بالمرسلات التي أرسلتهم لأجل أن ياتوا بالمعروف والخير والاحسان لهذه البشرية، فهذا احتمال وهذا احتمال.

ثم قال وعصف ونشرا مصدران، مصدران يعني مفعول مطلق، لأنه قال: فالعاصفات عصفا، ما إعراب عصفا؟ مفعول مطلق. فالفارقات فرقا، ما إعراب فرقا؟ مفعول مطلق وظيفته التأكيد لهذا المشهد. نعم، قال: أو نذرا أبو عمر وكوفي وغير أبي بكر وحماد، والعذر والنذر مصدران، العذر الآن عذرا أو نذرة هو يريد أن يقول إن هناك قراءتان في نذرة قراءة إسكان الذال نذرة وهي قراءة الأكثر، وقراءة ضم الذال نذراً وهذه قراءة أخرى في الآية، تمام.

قال: والعذر والنذر مصدران من عذر إذا ماحى الإساءة ومن أنذر إذا خوف، على فعل كالكفر والشكر. جميل، إذا كلمة عذراً ما هي؟ هي عبارة عن مصدر، والمعنى بالعذر هو محو الإساءة يعني الاعتذار والتوبة إلى الله، هذا معنى العذر، وأما النذر فمعناه التخويف من أنذر إذا خوف، فيكون مصدر على وزن ماذا؟ فعل، عذر ونذر مصدران على وزن فعل، تمام، مثل كفر وشكر، كفر مصدر وشكر مصدر، فكذلك العذر والنذر مصدران.

طيب، مصدران لكن ما إعرابهما هنا؟ فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا، قال: وانتصابه على البدل من ذكرا إعرابه ما بدل، هذا القول الأول أن عذراً إعرابها بدل من ذكرا، تمام، تقول: فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا، كان هذا البدل وظيفته التفسير، التفسير لطبيعة الذكر، فالملقيات ذكرا يعني ملقي عذراً أو نذراً، فهذا معنى البدلية، البدل هنا وظيفتها ماذا؟ نوع من التقرير والتفسير لهذا الذكر؛ هذا الذكر ما تفسيره؟ ما طبيعته؟ هذا الذكر هو عذرا يعني اعذاراً أو نذرا يعني إنذاراً، هذه طبيعة هذا الذكر، هذه وظيفة القرآن، هذه وظيفة الوحي أن يجعل الإنسان المحسن يتوب إلى الله ويعود إليه، ويجعل الإنسان المسيء في خوف وتركب ووجل.

قال: أو على المفعول له، ويجوز أن نعرب عذرا أو نذرا على أنها مفعول له أي لأجله، ويكون المعنى: فالملقيات ذكرا لاجل إعذار المؤمنين ولاجل إنذار الكافرين، يجوز أن يكون إعرابها مفعولاً لأجله أيضاً.

طيب، قال رحمه الله: إنما توعدون، أن الذي توعدون من مجيء يوم القيامة لواقع، لواقع، ما معنى لواقع؟

نعم، قال: لواقع لكائن نازل لا ريب فيه، هذا هو المقسم عليه، إذن كل هذا القسم في الست آيات الهدف منه الوصول لماذا؟ للمقسم عليه، أقسم بالملائكة المتتابعة أو الملائكة المرسلة بالمعروف التي تعصف عصفاً عند نزولها، والتي تنشر نشراً الشرائع، والتي تفرق فرقاً بين الحق والباطل، والتي تنزل الذكرى على العباد، أقسم بكل هؤلاء على ماذا؟ على وقوع يوم القيامة، انما توعدون لواقع.

نعم، قال: وهو جواب القسم ولا وقف إلى هناك لوصل الجواب بالقسم. نعم، يعني الأصل أن الوقف يكون بعد إنما توعدون لواقع حتى لا تفصل بين القسم والمقسم عليه، لذلك قال: ولا وقف إلى هنا لوصل الجواب بالقسم، يعني ما بتقول والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا عذرا أو نذرا بعدين تسكت إنما توعدون لواقع، لأنه هيك أنت ما وصلت المعنى، إنما توعدون لواقع هو جواب القسم، يعني هل أنت بتقول يا شيخ أسامة أقسم بالله بعدين بتسكت بعدين جاء محمد؟ يعني أنت فصلت بين المقسم عليه والقسم، أنت بتحكي جملة واحدة: أقسم بالله أن محمداً جاء، لازم تربط في العادة بين القسم والمقسم عليه.

هذا إذا بدك توقف على رؤوس الآية وقف ما في مشكلة، بس لازم تعطيني قراءة متواصلة معبرة، فأنت مثلا هيك لو إمام يا شيخ أسامة عم يصلي فيك إمام وعلاها بعض الأئمة قرأ الفاتحة بعدين حضرته قرأ أول ست آيات من سورة المرسلات وركع، نقول له ما أقبح هذا الوقف، صح؟ تخيل الإمام قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: 1-6] الله أكبر ركع! لا يا عم الله يرضى عليك، كمل المعنى، يعني أنت هذا معنى كلام النسفي أنه ما بصير توقف القراءة هنا وخلص وترروح تركع أو تغلق المصحف لأن الآيات لم يكتمل معناها. متى بدك توقف؟ عند إنما توعدون لواقع، حبيت توقف هنا وتركع اه والله اكتمل المشهد، اكتملت الفكرة، أما واحد يحكي أقسم بالله بعدين يركع ما بيضبط، فهمتم ما معنى كلام النسفي ولا وقف إلى هنا لوصل الجواب بالقسم؟ يعني يقصد لا يصح الوقف والانتهاء من القراءة، مش يقصد أنه لا يجوز الوقف على رؤوس الآيات لأن الوقف على رؤوس الآيات حسن عموماً عند علماء التجويد لو قلت والمرسلات عرفاً في مشكلة؟ لا، هو يقصد ولا وقف هنا، لا يكتمل المعنى إلا بقراءة إنما توعدون لواقع هيك اكتمل هذا القسم.

نعم، قال الله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ * وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ * لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 8-15]. نعم، لما قال إنما توعدون لواقع، أراد أن يبين معالم هذا الشيء الواقع وكم هو مهيب عظيم جليل ينبغي أن يترك أثره في النفوس المؤمنة، قال: فإذا النجوم طمست، بدأ بذكر معالم هذا اليوم الواقع؛ فإذا النجوم طمست أي ذهب نورها، وإذا السماء فرجت أي تشققت وانشقت، وإذا الجبال نسفت فتتت، وإذا الرسل أقتت، وسيأتي معنا يعني إذا رسل الله حدد لها موعد لتشهد على أقوامها.

الآن إذا أداة شرط غير جازمة تحتاج إلى جواب شرط، أليس كذلك؟ إذا قلت لك: إذا جاء محمد فانت ماذا تنتظر؟ جواب الشرط، إذا جاء محمد ماذا سيحصل؟ ساكرمه، ساعطيه، ساضيفه، فالسؤال هنا: كما أن القسم له مقسم عليه كذلك الشرط له جزاء، نفس الفكرة، فأين جواب الشرط؟ قال: فإذا النجوم طمست، طيب يا رب إذا النجوم طمست، إذا السماء فرجت، إذا الجبال نسفت، إذا الرسل أقتت، اه ماذا سيحصل؟ اه الآن يقولون جواب الشرط...

أه هذا ما يصلح جواب ويل، هذا تهديد، جواب الشرط محذوف دل عليه السياق؛ إذا النجوم طمست، إذا السماء فرجت، إذا الجبال نسفت، ااه عاصم وقع هذا اليوم وحصل، طيب لماذا حذف الجواب؟ حذف الجواب هنا يصنع عند العربي الذي يعرف بلاغة العرب نوع من الغموض الذي يثير الخوف، ما يسمى حذف جواب الشرط يصنع حالة من الغموض التي تثير الخوف وتثير الوجل؛ إذا النجوم طمست عندئذ يوم القيامة، إذا السماء فرجت عندئذ يوم القيامة، إذا الجبال نسفت عندئذ يوم القيامة، إذا الرسل أقتت عندئذ يوم القيامة، هو كل واحد بده جواب شرط، تمام، كل واحد يحتاج إلى جوابه، فهو يصنع لك حالة من الخوف أنك أنت بدك تفهم ماذا سيحصل عند حصول هذه المشاهد العظيمة.

قال: فإذا النجوم طمست محيت أو ذهب بنورها، ذهب بنورها فما عاد لها نور، وعلى رأسها الشمس وعلى رأس النجوم الشمس، كما قال في سورة التكوير: ﴿وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1]. نعم، قال: وجوابه فإذا محذوف، وجواب فإذا الشرطية محذوف دل عليه السياق، والعامل فيها لأنه إذا الشرطية هي ظرف زمان وتحتاج إلى عامل يعمل فيها، لذلك قال: وعامل فيها جوابها المحذوف، نعم، وهو وقوع الفصل، ما هو هذا الجواب المحذوف؟ كما قلنا: فإذا النجوم طمست عندئذ يقع يوم الفصل، نعم، والنجوم فاعل فعل يفسره طمست، وإذا السماء فرجت فتحت فكانت أبواباً، لأن الفرجة هو الفتحة ومنه الفرج وما شابه ذلك من الاشتقاقات لأنها كلها تدل على انفتاح وشق.

نعم، وإذا الجبال نسفت قلعت من أماكنها، نسفت يعني قلعت من أماكنها، وإذا الرسل أقتت أي وقتت كقراءة أبي عمر، وأبدلت الهمزة، هناك قراءة وإذا الرسل أقتت، وإذا الرسل وقتت بالواو، وقراءة وقتت هي تفسر أكثر وأكثر ما المراد بأقت؟ قال: أبدلت الهمزة من الواو، يعني هي أصلها واو، لكن الواو قلبت همزة فأصبحت على قراءتنا أقتت وهي في الأصل ماذا؟ وقتت، نعم.

ومعنى توقيت الرسل المراد بالرسل طبعا رسل الله الأنبياء، وما معنى الرسل أقتت أو وقتت؟ قال: ومعنى توقيت الرسل تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم، لأن الله عز وجل يأتي بكل نبي يشهد على أمته يوم القيامة؛ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: 109] ثم ينتبهون بعد ذلك ويجيبون الله سبحانه وتعالى، فمعنى توقيت الرسل يعني تحديد موعد لهم عند الله ليشهدوا على أممهم؛ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41].

طبعا هذه الأحداث أيها الكرام أحداث مهمة، الإنسان ينتبه لها، يعني قضية فإذا النجوم طمست، إذا السماء فرجت، إذا الجبال نسفت، ربما لأن الإنسان لا يشاهد هذه في حياته بتلاقيه مش منتبه على عظمة هذه المشاهد، بينما شيء أصغر منها وأتفه منها تجد نص الشعب الأردني طالع على الشوارع.

ينظر اليه زي الصواريخ، تجد اشياء بسيطه، هكذا صاروخ انتقل تحرك من منطقه الى منطقه، لانه شيء غير مألوف، تجد الناس تتعجب، وبعض الناس ترتبك، وبعض الناس يخشى أن يسقط شيء عليه، أليس كذلك؟ وهذا شيء تافه مقارنه بالاحداث العظيمه والمهيبة.

انت تخيل أن الشمس تذهب، الشمس هذه التي تراها تذهب تماما، وتخيل أن الجبال التي على وجه الارض تقلع من اماكنها، وتخيل أن السماء تتشقق امام عينيك وتفتح، لا تتكلم عن شيء سهل، يعني هذه احيانا كثرت قراءتها يصبح الانسان غير منتبه لجلالتها وعظمتها.

اعتِياد القراءة مع ضعف التامل يجعل احيانا الانسان غير منتبه لعظمه هذه المشاهد والاثر الكبير، الله عز وجل يخوفك، ما المقصود من هذه الايات؟ ما المشاعر التي ينبغي ان تكون لديك وانت تقرا هذه الايات؟ مشاعر الخوف، مشاعر القلق.

ولا ليس المراد فقط ذكر هذه الامور من باب الحكايه يعني، آه والله يوم القيامه رح يصير كذا كذا، اي والله رح يصير كذا، خلص تمام، انما المراد ان يحدث خوفا، وهذا الخوف انما ياتي مع التدبر مع التامل.

نعم، قال: لأي يوم أجلت، اخرت وامهل، وفيه تعظيم لليوم وتخويف من هوله.

نعم، لأي يوم مؤه؟ هذا استفهام، لأي يوم أجلت يا ترى؟ لأي يوم أجلت؟ هل هذا الاستفهام حقيقي؟ لا، هذا الاستفهام الغرض منه التهويل والتعظيم، يا ترى لأي يوم أجلت هذه الرسل؟ ما أعظمه من يوم، وما أهيب من يوم، وما أعظمها من ساعه.

نعم، قال: والتاجيل من الاجل كالتوقيت من الوقت، نعم، ليوم الفصل، بيان ليوم التاجيل، وإذا هو اعطى السؤال ثم اعطى الجواب، يا ترى لأي يوم أجلت؟ فاعطاك اولا حتى يعظم الامر في نفسك، ثم اعطاك الجواب هكذا في وجهك، ليوم الفصل.

نعم، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق، ولاحظوا هنا اختار ان يسمى هذا اليوم يوم، اختار ان يسمى هذا اليوم بيوم الفصل، تعرف يوم القيامه له اسماء كثيره، لكن هنا ناسب ان يكون الاسم الذي اختير ما هو؟ يوم الفصل، واسمه يوم القيامه، واسمه القارعه، واسمه الحاقه، لكن من اسمائه ايضا ما هو؟ الفصل، لحتى يعطيك اشاره انه ذاك اليوم سيفصل فيه في كل شيء، ما من صغيره ولا كبيره الا سيفصل فيها، في الدماء والاشلاء والحقوق والمظلوميه.

الانسان الذي صبر وتعب واحسن على تعبه واحسانه، فاختيار هذا الاسم مناسب، خاصه مع القسم الذي بدana به، لان الملائكه ايش قال؟ ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات: 3]، تفرق بين الحق والباطل، هذا في الدنيا من خلال الشرائع التي تنزل، فياتي يوم الفصل ليكون الفصل على كماله في الدار الاخره، ويعرف كل انسان اين اساء واين احسن.

نعم، قال: وما أدراك ما يوم الفصل، ايضا لاحظوا استفهام اخر المراد منه التهويل والتفضيل، قراءه، لكن غدا ستشاهده عيانا، انت اليوم تاخذ شيئا من معالمه، لكن غدا سترى أهواله وفضائحه وسترى انقسامات الناس فيه، وهذا يجعل الانسان يا اخوه يتذكر أن اعظم يوم في حياته هو يوم الفصل.

اعظم يوم عليك ان تعد العده لاجله هو ذاك اليوم المهيب، وان الدنيا بارزاقها وزواجها ومتعها ولذائذها انما هي حلم سريع وطيف خفيف سينتهي عما قريب، وثم تنكشف الحقائق وتنكشف الامور، فمن كان يقرا القران عليه ان يعرف أن هذا القران يطالبك باعداد العده لذاك اليوم، وان لا تعطي الدنيا اكبر من حجمها بالتعلق والتشبث والانشغال بشهوات وملذاتها والسوشيال ميديا التي فيها والعلاقات الاجتماعيه، هذه خليها على الاطراف على الحواشي، لكن لا تجعلها هي الاصل في حياتك.

نعم، قال: ويل، مبتدا وان كان نكره، لانه في اصله مصدر منصوب سد مسد فعله، ولكنه عدل به الى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه.

خليني افهمك اياها الان، ماذا يقول النسفي؟ اصلها ويلا، مش ويل هيك الاصل، وويلا بالنصب، ماذا كانت؟ كانت عباره عن مفعول مطلق سد مسد فعله، فكانت هي اصلا جمله فعليه تمام، كانت في الاصل جمله فعليه من فعل محذوف ومفعول مطلق موجود، كيف اقول لك: سلاما سلاما؟ اي اسلم سلاما، فحذف الفعل وابقى المفعول المطلق يسد مسد فعله.

مش الملائكه لما دخلت على سيدنا ابراهيم ايش قالت؟ قالت سلاما، قال سلام، فما لبث ان جاء بعجل حنيذ، الملائكه لما دخلت على سيدنا ابراهيم قالت سلاما، ابراهيم عليه السلام ماذا رد؟ قال سلام، طيب ليش الملائكه قالت سلاما وابراهيم رد سلام؟ مع انه كل واحد بيكلم، الملائكه قالوا سلمنا بالجمله الفعليه، فسلاما هي مفعول مطلق لفعل محذوف، اي نسلم سلاما عليك.

طيب، الجمله الفعليه التي عباره عن فعل وفاعل عند العرب تدل على ماذا؟ على التجدد والحدوث بعد الانقطاع والعدم، يعني هي بس فوائد على الهامش، الجمله الفعليه، جاء زيد، ضرب بكر، يجيء زيد، يضرب بكر، يقول الجمله الفعليه تدل عند العرب على ماذا؟ على الحدوث بعد العدم، هي دلالتها، واذا كان الفعل فيها فعلا مضارعا فانه يدل على حدوث وتجدد، شو يعني تجدد؟ حدوث ثم انقطاع ثم حدوث ثم انقطاع ثم حدوث ثم انقطاع.

اما الجمله الاسميه، انتم بتعرفوا الان في اللغه العربيه الجمله اما جمله فعليه او جمله اسميه، الجمله الفعليه ايش؟ فعل وفاعل وممتعلقاتها، والجمله الاسميه عباره عن مبتدا وخبر، العرب متى تاتي بالجمله الاسميه؟ اذا ارادت ان تاتي بمعنى يدل على الثبات والدوام الذي لا ينقطع، فاذا الجمله الفعليه تدل على حدوث وتجدد، وهذا يدل على عدم وانقطاع ثم حصول، والجمله الاسميه تدل على ماذا؟ على ثبات ودوام لا ينقطع.

فالملائكه لما دخلت على ابراهيم قالت سلاما بالجمله الفعليه، ابراهيم عليه السلام رد على الجمله الاسميه فقال: سلام، اي سلام عليكم، مبتدا وخبر، لان الجمله الاسميه تدل على ماذا؟ على ثبوت ودوام، يعني انتم سلمتم علي بالجمله الفعليه، انا برد عليكم السلام بالجمله الاسميه، لان تسليمكم يدل على حدوث وانقطاع، واما تسليمي فيدل على ثبات ودوام لا انقطاع فيه.

الان بدنا نيجي نسقط هذه الفكره على هذه الحاله، فهنا ماذا يقول النسفي؟ ويل يومئذ، هذه جمله اسميه، ويل مبتدا ويومئذ للمكذبين، ويل للمكذبين يومئذ للمكذبين، الخبر، ويل مبتدا وللمكذبين الخبر، ويومئذ ظرف زمان، فويل يومئذ للمكذبين، جمله فعليه ولا اسميه؟ اسميه، فاذا على القاعده اللي ذكرناها الجمله الاسميه تدل على ماذا؟ ثبوت ودوام لا انقطاع فيه، فكان الويل للمكذبين يوم القيامه، والويل هو الهلاك، هو ماذا؟ شيء مستمر دائم، لا يفتر عنهم ساعه، يعني ما فيش اي توقف في عذاب الكفار، في عذاب جهنم يستريحوا، ما فيش، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها راحه، ففعلا هو ويل يومئذ للمكذبين، نسال الله السلامه والعافيه.

فيقول لك هذه جمله اسميه لكنها في اصله كانت جمله فعليه، كانت في الاصل ويلا، كيف الملائكه سلاما وقدرنا الفعل محذوف؟ تمام، فيقول هنا كانت اصلها ويلا، مصدر ايش قال؟ منصوب سد مسد فعله، فكانت في الاصل جمله فعليه، والجمله الفعليه تدل على تجدد وانقطاع، تجدد وانقطاع، قال، ولكنه عدل به، او ولكنه عدل به مثلا نقول افضل، ولكن هذا اللي هي ويلا، هذا عدل به الى ماذا؟ الى الرفع، فبدل من ان يكون ويلا اصبحت ايش؟ ويل، لتصبح جمله اسميه من مبتدا وخبر، طب لماذا عدل به من كونه جمله فعليه الى جمله اسميه؟ قال للدلاله على معنى الثبات استمراريه الهلاك والعذاب في نار جهنم، لذلك قال: للدلاله على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه، وهم المكذبون، المدعو عليهم وهم المكذبون، ونحوه: سلام عليكم.

اتى بنفس فكره السلام حتى يعطيك السلام بالجمله الاسميه ابلغ من السلام بالجمله الفعليه، لذلك دائما انت لما تسلم على اخوانك ايش بتقول لهم؟ السلام عليكم ورحمه الله، ليش السلام جمله اسميه؟ حتى تدل على أن الامان مستمر، الله عز وجل علمنا ان في الشريعه الاسلاميه لما تسلم على اخيك ما بتقول له: سلاما عليك يا فلان، لا، الجمله الصحيحه ان تقول: السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، فالسلام جمله اسميه اصلا في الشريعه الاسلاميه حتى يعطي معنى ثبات واستمراريه الامان وعدم انقطاعها، بخلاف لو عبرت بالجمله الفعليه انت تعطي معنى الحدوث الذي ناشئ عن عدم ويقبل الانقطاع، ولا تعطيني معنى الديمومه.

طب سؤال، تفضل شيخنا شو تقدير الفعل المحذوف لو كان فعل المصدر هنا؟ بدك ترجع، هو ما قدره، لانه احيانا قد يكون هذا الفعل لم يثبت استعماله، فبدنا نرجع للمعجم هل ثبت استعمال فعل لويل؟ لانه احيانا هذا يقولون احيانا بعض الاشياء يقولون هو ان المصدر سد مسد فعلا لم تنطق به العرب، يعني هو يتصور فعل لم تنطق به العرب، مثل ايش؟ هنا في فكرة في هناك فعل غاب عن ذهني، يقولون يعني كان هناك كلمه ليس لها فعل مذكور، وانما فعل يتوهم وجوده ان العرب قالت به، مع انه هو لم يسمع عن العرب بشكل من الاشكال، تمام، فهذا تحتاج أن ترجع، هل هذا الفعل فعلا ورد عن العرب والله ويل؟ أو يعني بدك ترجع للمعجم، لكنني لا اعتقد أن هنا يتكلم عن فعل مذكور، وانما فعل كان ينبغي أن تتكلم به العرب، هكذا يقولون: فعل كان ينبغي أن تتكلم به العرب لكنها لم تستعمله اصلا، فلذلك لا يعرف في سياق انه ظهر او برز، الا ان يكون على لغة قوم عاد، ساعتها بدك ترجع للمعجم.

نعم نعم، ممكن يكون معنى يعني بمعنى فعل مناسب له؟ آه، مثل هلك، لان الويل هو الهلاك، فاذا قلت فعل من معناه، آه ممكن هلك، بس هذا موضوع اخر، لكن هل الويل له فعل منه نفسه؟ انا لا اعلم ذلك.

نعم، يومئذ ظرف ل المكذبين بذلك اليوم خبره، خبره، يعني خبر المبتدا لانه ويل مبتدا، ما هو الخبر؟ وهو وعيد للمكذبين، ويل للمكذبين يومئذ.

وهو وعيد لاهل مكه اي ثم نفعل بامثال من الاخرين مثلما فعلنا بالاول، طب لم نهلك الاولين؟ انت قراتها اقرا الان أنا منهلك، يعني اقرا لي الآن، سير اقرا مقطع مقطع واختم عند ويل يومئذ للمكذبين، اقرا مقطع كامل واختم عند ويل يومئذ للمكذبين.

نعم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 16-19].

نعم، قال: ألم نهلك الأولين؟ الأمم الخاليه المكذبة، قوم عاد قوم ثمود وهذه الامور.

نعم، ثم نتبعهم الاخرين، مستانف بعد وقف، يقصد ان ثم نتبعهم الاخرين هي ليست اخبار عن شيء حصل في الماضي، وانما اخبار عن شيء سيحصل في المستقبل، فكان الايه هكذا، ودائما اخواني عليك أن تعرف شيء، فرق بين من يقرا القران قراءه تعبيريه، يعني هناك بعض القراء سبحان الله لما يقرا وتسمع قراءته بتحسه هو فاهم ايش بيقرا، فبالتالي يعرف اين يوقف، يعرف اين يكمل، لما يكون سياق تعجب: ما أدراك، بياخذ قلبك معه، لما يحكيها فتجده يحسن التعبير عن معاني القران بصيغته الصوتية، وفي بعض القراء الله يكرمهم، هو مش فاهم، بالتالي هو لا يعرف وين يقف وين يبدا وين يخلط، فبالتالي انت لا تمتع معه لانك لا تشعر ان قراته قراءه تعبيريه.

الاصل في الانسان المسلم الذي يتدبر القران ان يقرا قراءه تعبيريه، وهكذا اصلا كانت تفعل العرب، مش القارعة وما أدراك ما القارعة، هذه ما هي قراءه سرد، لكن فرق بين: القارعة، ما القارعة؟ شوف شفت الصيغة الصوتية؟ ما القارعة؟ هل هي القارعة، ما القارعة؟ شوف الاداء الصوتي كيف سيجعل اصلا وقع الاية يختلف، فعليك وانت تقرا القران أن تقرا قراءه صحيحه تعبيريه، بحيث السامع يعرف انه والله هذا عبر عن استفهام هنا، عبر عن تهويل هنا، عبر عن تعجب وهكذا، هذا مهم لمن اراد أن يتدبر.

فهنا ماذا قال؟ قال: ألم نهلك الأولين؟ انتهت، ثم نتبعهم الآخرين، هذه جمله وعيديه اصلا، هذه الجمله باختصار هي بتحلف لكفار قريش، انا حتى افهمك اياها تحلف لمين؟ لكفار قريش، هي مش اخباريه بالمعنى الدقيق، هو مش يقول: ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين، انت كانك بس بتعطي خبرين، لا، ألم نهلك الأولين؟ هذا الاستفهام المراد منه التقرير، زي ألم نشرح لك صدرك، ألم نهلك الأولين؟ ما الهدف من هذا الاستفهام؟ التقرير، لان كفار قريش يعرفون ان الله اهلك عاد وثمود وفرعون وما شابه ذلك، فاذا هذا الاستفهام الاول استفهام تقريري انتهى: ألم نهلك الأولين؟ فماذا ستقول كالجواب؟ بلى، مش نعم، بلى، ألم نهلك الأولين؟ بلى، انتهى، تقف ثم القراءه التعبيرية: ثم نتبعهم الآخرين، يعني جايكم الدور يا كفار قريش، هيك معنى ثم نتبعهم الآخرين، يعني سياتيكم الدور يا كفار قريش.

لذلك قالوا في مصحف ابن مسعود: ثم سنتبع، في قراءه طبعا هي مش قراءه ثابته، لكن قالوا هذا في مصحفه ان ثم سنتبع، فالمراد عن شيء مستقبلي، والهدف منها أن تكون جمله وعيد لكفار قريش، انه جايكم الدور بهذا المعنى.

فلذلك قال النسفي: ثم نتبعهم الآخرين، جمله استئنافيه، يعني ليس لها ارتباط بالجمله السابقه، مستانفه بعد وقف، لان التعبير الاول انتهى عند: ألم نهلك الأولين؟ بلى يا رب، ثم سنتبع، يعني ثم نتبعهم الآخرين، انتظروا جايكم.

نعم، قال: لذلك قال وهو وعيد لاهل مكه، اذا هي الجمله ايش هدفها؟ الوعيد وليس الاخبار، هدفها الوعيد وليس الاخبار، والوعيد يعني هذا اقرب إلى أن يكون انشاء منه أن يكون خبرا، كان أوين والله لأعمل فيك كذا، هذا مش خبر، هذا ماذا؟ تهديد.

نعم، اي ثم نفعل بامثال من الاخرين مثل ما فعلنا.

بالأول لأنهم كذبوا مثل تكذيبكم أي سنفعل بأمثال من الآخرين من كفار قريش ومن يسير على طريقتهم إلى يوم القيامة، مثل ما فعلنا بالأول لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم. وهذا بشارة لأهل الإيمان أنه كل غطرسة الكفار اليوم ستنتهي إلى دمار، كن واثقاً بالله كل غطرسة الكفار وأمريكا والصليب والصهيونية وكل الذين يحاربون الله ورسوله لن يكونوا أشد عوداً من قوم عاد وقوم ثمود وفرعون. هؤلاء قوم أعطوا أجساماً وأعطوا قوة لم يعطاها هؤلاء، ربما هؤلاء أعطوا تكنولوجيا ممكن، لكن الله سبحانه وتعالى يوعد أن كل من حارب الله ورسوله سيهلك أو سيهلك كما أهلك الأولون.

نعم، قال: كذلك مثل ذلك الفعل الشنيع نفعل بالمجرمين بكل من أجرم. نعم، هذه سنة يعني الله عز وجل يعطيك هنا سنة، كذلك نفعل بالمجرمين كل مجرم سيحصل ما حصله المتقدمون، هي سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً ولو طال الزمان لو تأخر الزمان فإن هذه حكمة. نعم، قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 15] بما أوعد بما أوعدنا.

نعم، قال الله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَار مَّكِينٍ * إِلَى قَدَر مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 20-24]. هذا المقطع هو أجابة لهؤلاء الذين يستبعدون وجود اليوم الآخر ويستهلون قضية أنه معقول أن الله عز وجل يعيد هذه الأجساد البالية التي ضاعت في التراب يعيدها يوم القيامة ويحييها من جديد. فالله عز وجل دائماً ما ينبه في القرآن على هذه الفكرة: يا أيها المعترض، يا أيها المستبعد وجود الدار الآخرة ماذا كنت؟ ماذا كنت؟ ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُم مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾ [المرسلات: 20]. أنت لم تكن شيئاً، كنت عبارة يا أيها الإنسان المتغطرس المستعلي الطاغي بنفسك، أنت كنت عبارة عن السائل المنوي. ما هو الماء المهين؟ السائل المنوي، وهو ماء مهين حقير في النفوس ليس بشيء يذكر، ثم كبرت وأصبحت إنساناً، ثم أصبحت تطغى على ربك وعلى خالقك وتباري وتتعالى بالمعاصي والذنوب في الخلوات والجلوات.

الله سبحانه وتعالى يذكر هؤلاء الذين ما زالوا متشككين في وقوع الدار الآخرة: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُم مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴾ [المرسلات: 20]. كنتم عبارة عن سائل منوي، هذا الماء المهين انتقل وأصبح في أرحام الأمهات في قرار مكين. ما هو القرار مكين؟ أرحام الأمهات، دخلت هذا السائل من خلال المعاشرة الزوجية وشكل البويضة المخصبة وأصبح في مكان متمكن إلى أن كبر وكبر ثم بعد ذلك خرج إلى الدنيا في وقت مقدر معلوم من الذي فعل ذلك؟ الله جل في علاه. يعني دائماً هذه الأمور نحن بتمر علينا مروراً سريعاً، ولاحظ سورة الإنسان نفس الفكرة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]. كنت عدماً، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: 2] اللي هي البويضة المخصبة.

لذلك قلنا دائماً القرآن من أساليبه في تذكير الإنسان بأصل خلقته أو تذكير الإنسان المتغطرس المتعالي على الله بما أصله، يعيدك إلى لحظة البداية ماذا كنت؟ أتذكر دوماً إذا كنت متعالياً على ربك معرضاً عن شرعه متناسياً للدار الآخرة، تذكر أصلك وحكايتك الأولى ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَار مَّكِينٍ﴾ [المرسلات: 20-21]. قال: ألم نخلقكم من ماء مهين حقير وهو النطفة، فجعلناه أي الماء في قرار مكين، مقر يتمكن فيه وهو الرحم رحم الأمهات، نعم ومحل إلى قدر معلوم الحال، أي يعني حالة كونه إلى قدر معلوم، أي مؤخر إلى مقدار من الوقت معلوم، معلوم قد علمه الله وحكم به وهي مدة الحمل، إلى قدر معلوم ما هي مدة الحمل؟ تسعة أشهر تقريباً يعني تزيد تنقص، وهو تسعة أشهر أو ما فوقها أو ما دونها.

﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: 23] فقدرنا ذلك تقديراً فنعم القادرون فنعم المقدر له نحن الآن. فقدرنا فيها خلاف بين المفسرين: القول الأول فقدرنا من التقدير، فقدرنا أي وضعنا قدرا معلوماً فنعم القادرون أي المقدر نحن. القول الثاني فقدرنا من القدرة، كأنه قال فقدرنا تمام من القدرة، فيجوز أن نفسرها هكذا وهكذا. فقدرنا إما بمعنى قدرنا فنعم القادرون يعني فنعم المقدرون الذين يضعون المواعيد التي لا تنخرم، وإاما أن يقول فقدرنا أي من القدرة، نحن قد لدينا قدرة على ذلك فنعم القادرون وهذا قد يكون أنسب لـ فنعم القادرون أن تكون من القدرة، فقدرنا فنعم القادرون أن تكون من القدرة أعلى من أن تكون من ماذا؟ كفهم أعلى من أن تكون من التقدير، وإن كان القرآن حمال وجوه ويحتمل هذا وهذا.

طيب، لذلك قال: ﴿فَقَدَرْنَا﴾ [المرسلات: 23] المعنى الأول فقدرنا ذلك تقديراً، قال فنعم المقدر وهذه إحدى القراءات بالتجديد، أو ايش قال؟ قال: أو فقدرنا على ذلك فنعم القادرون عليه نحن، والأول أحق لقراءة نافع وعلي بالتشديد. طبعا هنا النسفي اختر ماذا؟ التفسير الأول وهو أن تكون قدرنا من التقدير لوجود قراءة تساعد على ذلك وهي ماذا؟ أن قراءة نافع ايش هي؟ كما قلت لكم ﴿فَقَدَرْنَا﴾ تمام، فقدرنا نعم. ولقوله: ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبسة: 19] هذا توجيه هو توجيه النسفي أن تفسر قدرنا فنعم القادرون بمعنى التقدير أبلغ وأوجه، والمسألة يعني فيها مساحة الاجتهاد.

نعم، قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 24] بنعمة الفطرة. يحاول النسفي وهذا طريقة لبعض المفسرين أن يجعل ويل يومئذ للمكذبين في كل مقطع هي متعلقة بموضوع هذا المقطع. هسه هناك من يقول: ويل يومئذ للمكذبين هي مجرد تكرار طول السورة فقط. هناك من يقول: لا، لماذا كررت ويل يومئذ للمكذبين بعد كل مقطع؟ ليكون المراد في كل مرة ويل يومئذ للمكذبين بالخمس آيات اللي قبلها فقط، يعني لما قال ابتداء: ﴿أَلَمْ نَهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ * كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 16-19] يعني ويل للمكذبين بقدرتنا على الإهلاك.

طيب: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَار مَّكِينٍ * إِلَى قَدَر مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 20-24] هنا المكذبين بماذا؟ بالخلق وبالفطرة. هس أنت لا بدك تحط على البعث، ستحمل كل الآيات على البعث لو بدك تقول ويل يومئذ للمكذبين بالبعث آيات ستفسر بالبعث، لكن الذين يقولون: لا، بدنا نفسر ويل يومئذ للمكذبين كل مرة على حسب المضمون اللي قبلها، هنا المضمون قبل كان كلام عن ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين. ويل لكذب باننا من خلق وفعل هذه الأمور وقدر هذا التقدير لأنه سياتي بعدها كلام آخر، دعونا نقرا نعم.

قال الله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا * وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 25-28]. ألم نجعل الأرض كفاته؟ هو من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه، وهو اسم ما يكفت كقالمام لما يضم وبصب. كفت الشيء إذا جمعه. كفت الشيء عند العرب يكفت فلان الشيء إذا ايش جمعه وضمه، والكفة هي اسم مصدر. قال وهو اسم وايش يعني وهو اسم يتكلم عن الكفات اسم مصدر تمام، أنت خلص اعتبر معنى المصدر لأنه يدل على الحدث، اسم لما يكفت فكل ما يكفت يسمى ماذا كفة.

وقال: وهو اسم ما يكفت، أو عفوًا اسم ما مش اسمه ما يكفت، اسم ما يكفت مش ما يكفت لأنه فرق كبير بينهما ليه؟ ايش اسمه ما يكفت أو ما يكفت هو أصلاً قال لك يكفت اسم للشيء الذي يقوم بالجمع، أما إذا قلنا اسم ما يكفت اسم للشيء المجموع، فإذن هو قال: وهو اسم ما يكفت، حتى هي عندكم مفتوحة يعني الكفات هو اسم للشيء الذي يقوم بعملية الجمع والضم. الآن ما هو الشيء الذي يقوم بعملية الجمع والضم في الآية؟ الأرض، فهي تجمع أحياء فوقها وتجمع أمواتاً في باطنها، صح؟

فيقول سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: 25] أي ألم نجعل الأرض آلة للجمع؟ كان هذا المعنى، ألم نجعل الأرض كفاة أي ألم نجعلها أداة لجمع الأشياء. بس ايش الأشياء اللي بتجمعها الأرض؟ فسرها بعد ذلك في الآية التي تليها: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 25-26] فالارض أداة للجمع، طب ماذا تجمع يا الله؟ فسرها في الآية التي تليها: تجمع أحياء فوقها وتجمع أمواتاً في داخلها وباطنها أحياء وأمواتاً، فهمنا تقدير الآية؟

إذن ألم نجعل الأرض كفاة أي أداة للجمع أحياء وأمواتاً، جمعت أحياء فوقها وأمواتاً في باطنها. نعم قال: أحياء وأمواتاً، كأنه قيل كافته أحياء وأمواتاً أو بفعل مضمر يدل عليه كفاه، فبالتالي كأنه وقيل كافته أحياء وأمواتاً. إذاً ما إعراب أحياء؟ مفعول به كافته أحياء مفعول به لاسم الفاعل المصدر يعمل عمل الفعل، كأن الآية: ألم نجعل الأرض تكفت أحياء، فالمصدر هنا يعمل عمل الفعل فيأخذ مفعولاً به، فيكون الإعراب أحياء ما إعرابها؟ مفعول به للمصدر أو اسم المصدر.

نعم، أو بفعل مضمر يدل عليه كفاه وهو وهو تكفي أو قال نجعل أحياء مفعول به لفعل محذوف مضمر يدل عليه المصدر المذكور وهو تكفت أحياء، فيكون التقدير ألم نجعل الأرض كفة تكفت أحياء، فبقدر فعل مضمر في السياق لكن الأول أولى، لأنه إذا كان بالامكان عدم الإضمار فالأولى أن نختار وجه عدم الإضمار، لأنه تقدير شيء محذوف هذا على خلاف العادة أو خلاف الأصل، نقول طيب.

قال: أي تكفت أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنها، والتنكير فيهما للتفخيم. نعم، لماذا قال آل لم يقل الأحياء والاموات؟ قال أحياء نكرة وأمواتاً، التنكير هنا من مقاصده التكثير، يعني أحياء كثر وأموات كثر. نعم قال: أي تكفت أحياء لا يعدون وأمواتاً لا يحصرون لا يحصرون كثر.

نعم: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] جبالاً ثوابت شامخات عاليات، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا﴾ [المرسلات: 27] عذباً. قال لاحظوا هنا الله سبحانه وتعالى يخبر عن مظاهر القدرة أيضاً، هذا المقطع هو جواب لمن يشكك في قدرة الله على البعث، أول مقطع كيف أجاب لمن يشكك في قدرة الله على البعث؟ تذكيره بأصل الخلقه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَار مَّكِينٍ * إِلَى قَدَر مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: 20-23].

المقطع الثاني أيضاً هو أجابة لمن يشكك على قدرة الله في البعث أنه إيه انظر إلى مخلوقات الله الجبارة في الأرض: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: 25] وعاء يجمع أحياء فوقه وأمواتاً تحته، ﴿وَجَعَلْنَا﴾ [المرسلات: 27] على الأرض ماذا؟ ﴿رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: 27] جبال راسيه ثابته تمنع الأرض من الاضطراب، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتًا﴾ [المرسلات: 27] عذباً زلالاً، لأن النظر في مظاهر الخلق ومظاهر القدرة يجعل الإنسان يقر الذي خلق هذه الاشياء لا يعجزه أن يعيد الأجساد البالية مرة أخرى ليوم الفصل.

نعم، قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 28] بهذه النعم. وقدرها بهذه النعم ماشي يعني هي نعم، وأيضاً أقول: ويل للمكذبين بأن الذي خلق هذه الاشياء ووضعها في الأرض هو الله، أن هنا في مساحة للتدبر والنسف قدرها ويل للمكذبين بهذه النعم، صح هي نعم، الماء الفرات والجبال الرواسي والارض هي كلها نعم بالتأكيد. فممكن نقول: ويل للمكذبين بهذه النعم، ويمكن نقول أيضاً: ويلات للمكذبين بأن الله هو الذي خلق هذه الأشياء وأوجدها، فهناك مساحة كبيرة لحمل ويل يومئذ للمكذبين على المقطع الذي سبقها.

طيب أكمل، قال الله: ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: 29-30]. شوف ما تتركه من إيقاع نفسي كلمة انطلقوا مرتين: ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا﴾ [المرسلات: 29-30] شوف تكرار الفعل يعطي إيحاء نفسي لعظمة المشهد، هذا مش تكرير تكرار اعتباطي هكذا بدون فائدة، يعطي إيحاء نفسياً للقارئ أن هناك شيء مرعب ينتظر هؤلاء المكذبين بهذا اليوم العظيم.

نعم: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 30-34]. هذا المقطع من أكثر المقاطع في القرآن إضاعاً في وصف نار جهنم وإن كان مختصراً لكنه فضيع في أخبار طبيعة نار جهنم والعياذ بالله. يقول سبحانه وتعالى للمكذبين: ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: 29] ولاحظ كيف كان الآية قفزت من الدنيا إلى الآخرة، قفزت في كنا نتكلم ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأمواتاً، الآن اخذتك إلى الدار الآخرة وتريك هؤلاء وهم يخرجون من قبورهم. كنتم مش مقتنعين أنه في دار آخرة صحيح يعني شاكين في الموضوع وتأخذون باستهزاء، فالمنادي يناديهم: انطلقوا، اطلعوا، اطلعوا من قبوركم، انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون، تعالوا على الدار الآخرة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.

ثم أعاد الوعيد الرهيب: ﴿انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: 30] والظل هنا هو دخان جهنم، دخان جهنم ظل سماه الله ظلاً له ثلاث شعب يعني ثلاث رؤوس. بتعرف إخوان النار لما تكون ملتهبة أحياناً بتشوف لهيبها وهيك طالع منه ثلاث ألسنة، بقول لك لسان النار بتكون مش لسان واحد، أكثر من لسان لشده تفرع النار في المكان. فيقول سبحانه: انطلقوا إلى ظل دخان جهنم، لسه الكلام مش عن جهنم، عن دخانها، دخان جهنم له ثلاثة ألسنة، فما بالك بجهنم نفسها كنار كم لسان لها؟ كم لسان لها؟ يقول سبحانه: انطلقوا، نعم.

﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: 29] أي يقال للكافرين يوم القيامة: سيروا إلى التي كنتم التي كنتم تكذبون بها. انطلقوا تكرير للتاكيد، انطلق اطلع اطلع مرة ثانية نعم ينطلق تكرير للتاكيد إلى ظل دخان جهنم ذي ثلاث شعب يتشعب لعظمه لثلاث لثلاث شعب نعم، له ثلاث رؤوس، دخان جهنم له ثلاث رؤوس. لاحظ فما بالك بجهنم نفسها، نعم وهكذا الدخان العظيم يتفرع ثلاث يتفرق ثلاث فرق.

﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ [المرسلات: 31] نعت ظل أي لا مظلل لا مظلل من حر ذلك اليوم وحر النار، ﴿وَلَا يُغْنِي﴾ [المرسلات: 31] في محل الجر أي وغير مغن لهم من اللهب من حر اللهب شيئاً، يعني هذا الظل عفوًا هذا الدخان دخان جهنم لن تستفيد منه شيئاً، يعني لا تظن أن

دخان جهنم يمكنك أن تنتفع من أنه والله شانه دخان كثير ممكن يخفف من وهج الشمس التي في عرصات يوم القيامة، تمام؛ لأنه فعلا أحيانا الدخان الكثيف ممكن يعمل حاجز يمنع أشعة الشمس مثلا من الوصول. لا، يقول لهم: هذا الدخان وإن كان كثيفا وله ألسنة، لكن هذه الكثافة إياكم أن تظنوا أنه طب ممكن ننتفع منها، لن تنتفعوا منها أن تقيكم من حر جهنم، من حر الشمس التي ستدنو من كل شخص منكم في عرصات القيامة. قال: لا ظليل، لن يشكل ظلا نافعا. قال: ولا يغني، لن يستطيع هذا الدخان أن يحميكم من لهب جهنم أن يصل إليكم، فهو باختصار هو عذاب على عذاب وعذاب على عذاب.

نعم، قال: إنها أي النار ترمي بشرر، هو ما تطاير من النار كالقصر في العظم وقيل هو الآن الله عز وجل يصف الشرر الذي يتطاير من جهنم، أنها ترمي بشرر، بتعرفوا الشرار الذي يتطاير من النار شرارة واحدة من جهنم بحجم قصر من قصور الدنيا، شرارة هيك طايرة بال هيك عشوائيا خلينا نقول، هذه الشرارة التي تطير عشوائيا الشرارة الواحدة بحجم قصر من قصور الدنيا هي الشرارة، فما بالك بجهنم نفسها؟ هذا هو التهويل والتفضيل.

له حسابا، وهو يفكر أن يعصي الله سبحانه وفكر بالإقدام على المنكرات ونفسك ما هي قادرة تترك معصية معينة، تذكر أن جهنم شرارة واحدة منها كقصر من قصور الدنيا، أنها ترمي بشرر كالقصر في حجمه، قال: في العظم. وقيل القصر هو الغليظ من الشجر، والواحدة ماذا قصره؟ لكن المشهور عند المفسرين هو الأول، أن القصر المراد به البناء العظيم. نعم، قال: كأنه جمالات.

كوفي غير أبي بكر وجمع جمع جمل، وجمع جمل جمال لا جمع جمل الآن. كأنه ماذا جمالات؟ الآن هذه فيها أكثر من قراءة، قراءة جمالة وفي قراءة جمالات وفيها أيضا قراءات أخرى يعني من باب الفائده يعني. فعلى قراءة الكوفيين اللي احنا حفص عن عاصم هنا، حفص عن عاصم هي دائما قراءة كوفية هذه، تمام، فعلى قراءتنا جمالة هي جمع ماذا جمل، جمل يجمع على جمال، كيف حجر حجارة؟ جمل جمالة هي أحد الجموع، تمام، وجمالات غيرهم أي غير الكوفيين ماذا يقراون؟ يقراون الآية جمالات، وعلى هذه القراءة الثانية سيكون ماذا جمع الجمع، يعني جمل تجمع على جمال، وجمال تجمع على جمالات، فهو جمع للجمع.

تخيل هذه في العربية الجمع يمكن أن يجمع نفس الجمع، يمكن أن يجمع فيقول العرب كلب كلاب أكلب، فكلب جمع لايش لكلاب، وكلباء جمع كلب، فيقول هنا على قراءة جمالات تقول جمل يجمع على جمال، وجمال تجمع على جمالات، فهذا اسمه جمع الجمع. طيب، قال صفر جمع أصفر أي أسود تضرب إلى الصفرة، تمام. فالله عز وجل يقول: إنها ترمي بشرر كالقصر هذا وصف للشرر باعتبار ماذا ضخامته؟ قال: كأنه جمالات.

خلونا نمشي على قراءتنا: كأنه جمل أصفر، كانها عبارة عن جمال صفراء، فهو يخبرك عن لون هذا الشرار في البداية، أخبرك عن ايش عن عظم حجمها لما شبهها بالجمال الصفر. هذا التشبيه باعتبار ماذا؟ هذا مهم تجيب عنه السؤال، تشبيه باعتبار ماذا الآن؟ مش باعتبار الحجم، لأنه الحجم خلص مر معنا هي أن القصر في الحجم، باعتبار اللون العرب بالنسبة لها إذا قالت جمال صفر ماذا يقصد بالجمال الصفر؟ الجمال السوداء التي تميل إلى صفار، لأنه إذا شفتوا الجمال إذا أحد فيكم عنده خبرة بالجمال الجمل الأسود ما بيكون أسود في العادة صافي سواده، بيكون في هيك مناطق في جسده ضاربه على ذهب شوي، يعني هو أسود وفيه مناطق ذهبية، قليل جدا أن يكون أصفر عفوا أسود خالص خالص، فالعرب إذا قالت جمال جمال صفر تقصد جمال سوداء فيها اصفرار.

وهذا طبيعة هذا الدخان كلون أنه دخان أسود وفيه اصفرار اللهيب وفيه اصفرار اللهيب تبع جهنم، فهمتم لماذا جعل لونه أسود على اصفرار؟ تفضل: إنها ترمي بشرر، لا الكلام عن الشرر عفوا إذا أنا قلت دخان، لا الكلام عن الشرر، هذه الشرر التي تخرج وتتطاير سوداء فيها ماذا؟ فيها شيء من سفرة النار التي لابد منها. نعم، قال: وشبه الشرر بالقصر لعظمه وارتفاعه، وبالجمال للعظم والطول واللون. نعم، وشبهها بالجمال للعظم هسه هو لاحظ العظم مرة أخرى بس العظم اللي في القصور أعلى من العظم اللي في الجمال، فلذلك أنا بتفق معه أنه شبهها بالجمال من حيث ممكن نقول الطول واللون تمام بس مش من حيث العظم.

نعم، هات أشوف بالله اللون، هذا هذا طلع معك الجمل أصفر اه يعني نوعا ما بس لسه في جمل أسود، اكتب جمل أسود ما تكتب أصفر، هؤلاء مش ماشيين على الصور المعتمده بس هذا بني، لا أنا في نوع أنا كنت أعرفه خاصه لما كنا نقيم هناك في المدينة كان في جمال أسود بس بتلاقي في مناطق ذهبية هيك جاي على بني فاتح مياد صفرا، فانا متخيل الصورة تماما للجمل الأسود الأسود الذي فيه نقاط تميل إلى اصفرار. طيب، أكمل قال: ويل يومئذ للمكذبين بأن هذه صفتها.

قال الله: ﴿هَٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 35-37]. هذا يوم لا ينطقون. وقرئ بنصب اليوم أي هذا الذي قص عليكم واقع يومئذ. وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية وعن قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: 31] فقال في فقال في ذلك اليوم، في ذلك اليوم مواقف.

الآن هذه الآية: هذا يوم لا ينطقون ظاهرها يتعارض مع آية أخرى، وهي قوله تعالى: ثم إنكم يوم القيامة بارك الله فيك عند ربكم تختصمون. أين وجه التعارض؟ هذه الآية ما ظاهرها هذا يوم لا ينطقون؟ إيه يا موسى، ما ظاهرها؟ شو ما تفهم منها؟ أنه إيه أنهم صامتون يوم القيامة. طب إيه ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون وآيات كثيرة في القرآن تدل أن الكفار ربنا من قدم لنا هذا يحاجون ويخاصمون، تدل أنهم لا هم مش ساكتين، هم بالعكس بحاولوا ينفذوا وقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب. إذا هم بتكلموا، طب كيف هذا يوم لا ينطقون وفي آيات أخرى تدل على أنهم ينطقون ويحاججون؟ أن هناك تعارض صح يا مالك؟ فماذا نقول؟

ام عرفت لا هو حتى في العرصات رح ينطقوا رح ينطقوا تمام هو الجواب كما قال ابن عباس يعني هذا استشكال ليس حديثا استشكال قديم عرض على ابن عباس قيل يا ابن عباس يقول ربنا هذا يوم لا ينطقون ويقول في مقام آخر ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون، فابن عباس أراحك وقدم لك الجواب، فماذا قال؟ فقال في ذلك اليوم مواقف وفي بعضها يختصمون وفي بعضها لا ينطقون. نعم في عرصات القيامة في مواقف، ففي البداية الكل ساكت ما بتكلم وفي مواقف أخرى ومشاهد أخرى خاصة عندما يخلو الله عز وجل به رح ينطق غصبا عنه ويتكلم بما فعلت يداه، فإذا هي مواقف. في مشهد الصمت الرهيب وعنت الوجوه للحي القيوم وفي مشهد في سورة طه ماذا قال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: 108] في مشهد قبل ما ياتي الرب سبحانه وتعالى للفصل الكل صامت ما حدا قادر يتكلم خوفا ووجلا وهيبة لله سبحانه وتعالى وهذا اليوم، ثم لما يأتي الله عز وجل وينفرد بكل إنسان على حدة ليكلمه هنا سيتكلم غصبا عنه أمام الله سبحانه وتعالى ويقول الكافر: ما لي هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فهذا إذا على حسب المواقف.

طيب، قال: أو لا ينطقون بما ينفعهم، فجعل نطقهم كلا نطق، نعم، ولا يؤذن لهم، أو هذا تفسير آخر، هذا يوم لا ينطقون ليس المراد الصمت لا التفسير الآخر يقول لا ينطقون بشيء ينفعهم ويخدمهم، لكنهم ينطقون بشيء لا قيمه له ولن يعذرهم الله به، فالكلام هنا على هذا التفسير نفى النطق الذي ينفع صاحبه، وأما النطق الذي هو مجرد المحاجة والجدل التي لا تنفع صاحبها فسينطق بها هذا توجيه آخر.

نعم، قال: ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون عطف على يؤذن منخرط في سلك النفي أي لا يكون لهم إذن واعتذار، ويل يومئذ للمكذبين بهذا. قال: ولا يؤذن لهم فيعتذرون هذه بدها شاطر، واحد شاطر في اللغة العربية، قال: ولا يؤذن لهم أي لا يسمح لهم فيعتذرون، الآن يعني فيعتذرون هل هو اثبات للاعتذار ولا نفي للاعتذار؟ ولا يؤذن لهم ولا يؤذن لهم فيعتذرون، الآن فيعتذرون يعني اثبات أنهم سيعتذرون إلى الله ولا نفي للاعتذار؟ هذه يا هيك يا هيك خلينا نشوف لماذا نفي؟ خلص لله يرضى عليه هو كلامه صحيح هو نفي للاعتذار ولكن لماذا؟ أيوه الاعتذار يحتاج إلى إذن لما لم يأذن لهم فلا يستطيعون. ماشي كلام جيد يعني عموما الآن عادة في مثل هذه السياقات يكون ماذا ولا يؤذن لهم فيعتذر، فالأصل أو في العادة تكون فاء السببية مسبوقة بنفي، فيكون الفعل المضارع الواقع بعد فاء السببية منصوب، وهنا سيكون علامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال القمسة مثلا، هل لنا من شفعاء فيشفعوا؟ مش فيشفع، فيشفعوا تكون فاء السببية مسبوقة باستفهام أو نفي أو نهي، فيكون ما بعدها منصوب بأن طبعا مضمرة وجوبا لأن هنا فاء السببية سبقت بنفي أو استفهام أو ما شابه ذلك، فالذي كان توقعه القارئ خلينا نقول ابتداء يكون السياق ولا يؤذن لهم فيتسبب الإذن باعتذار، ولا يؤذن لهم فيعتذر. إذا قلت ولا يؤذن لهم فيعتذر بالنصب سيكون المعنى لا يؤذن لهؤلاء الكفار، لأنه إذا أذن لهم فالإذن سيسبب اعتذاراً، فنحن لا نأذن لهم حتى لا يتسبب الإذن لهم بالاعتذار، لكن الآية لم تقل لا نأذن لهم فيعتذر، قالت مباشرة: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] أثبتت النون مما يدل على أن فيعتذرون هي معطوفة على جملة النفي كاملا، والتقدير: ولا يؤذن لهم فلا يعتذرون، هذا التقدير كأن هناك أداة نفي أخرى مقدرة في السياق، لا يؤذن لهم فيعتذرون، التقدير: لا يؤذن لهم، هذه جملة، فلا يعتذرون هذه جملة ثانية.

طبعا هو ستقول لي في النهاية سواء على الطريقة الأولى لا نأذن لهم فيعتذر أو على الطريقة الثانية لا يؤذن لهم فلا يعتذرون، اللي هي الواردة في الآية، النتيجة واحدة، النتيجة أنه ايش لن يحصل اعتذار، لكن كل طريقة أو كل وجه لغوي سيعطي طريقة في نفي الاعتذار الذي يهمنا هنا أن المراد لا يؤذن لهم فيعتذرون التقدير لا يؤذن لهم فلا يعتذرون، تمام.

قال: لا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون عطف على يؤذن فيكون الاعتذار منخرط في سلك النفي أي كأنه هو أيضا منفي، فيكون التقدير: لا يكون لهم إذن ولا يكون لهم اعتذار، فيكون نفى وقوع هذا ووقوع هذا، وإن كان كما قال الأخ نفي وقوع الاعتذار في النهاية هو ناتج عن ماذا؟ عن عدم الاذن لهم بالحديث والكلام.

طيب، قال قال الله: ﴿هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ۖ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: 38] عاد كرر تسميته بيوم الفصل، لأنه هو اليوم الذي ستفصل فيه المشاهد بين الظالم والمظلوم والمحسن والمسيء، نعم، ﴿فَإِن كَانَ لَكُم كَيدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: 39] ويل يومئذ للمكذبين، هذا يوم الفصل بين المحق والمبطل والمحسن والمسيء بالجزاء، جمعناكم يا مكذبين محمد عليه الصلاة والسلام والأولين والمكذبين قبلكم، نعم، لأنه قال في البداية ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين فالآن يهددهم فيقول لهم: جمعناكم مع الأولين اللي أهلكناهم قوم عاد وقوم ثمود وقوم نوح وكل الكفار سيجمعون مع أقرانهم وأشكالهم، نعم.

قال: فان كان لكم كيد حيلة في دفع العذاب فكيدون، فاحتالوا علي بتخليص أنفسكم من العذاب، يعني خلينا اليوم نشوف شطارتكم، أنتم في الدنيا كنتم تزعمون أنكم تستطيعون الهروب من العذاب وتستخففون بعذاب الله وأن الأمر سهل ويسير، واليوم دعونا نرى الكيد هل تستطيعون أن تحتالوا وأن تجدوا مهربا؟ إذا كان لكم كيد قدرة على الفرار الآن من العذاب وأرونا قدرتكم فكيدون، نعم، والكيد متعد تقول كدت فلانا إذا احتلت عليه. نعم، ويل يومئذ للمكذبين بالبعث.

نعم، قال الله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: 41] دائما القرآن لما ينتهي من مشهد الكافرين يشير إلى مشهد المؤمنين، هي المقابلة هي أكثر ما يوقع الألم في نفوس الكفار، يعني يوم القيامة هناك ألم على الكفار جسدي وهو ما سيلقون من العذاب جسدي ونفسي، وأيضا من الآلام النفسية التي سيعاني منها الكفار ما هي؟ رؤيتهم أهل الإيمان وهم يتنعمون، يعني مش أنت بس عم تتعذب وفيش حدا عم بتنعم، لا تخيل أنت عم تتعذب أشد العذاب وفي آخر الغرفة واحد قاعد وحاط كاسة شاي وقهوة ومبسوط ومع حورية وأنت قاعد تتشوح نار جهنم، هذا عذاب نفسي يستحقه هؤلاء المجرمون المكذبون أنه أنت عم تتعذب ومن عذابك أنك راح تشوف واحد أمامك مبسوط ومسرور وفي تمام انبساطه وبأطعمة شوف كمية العذاب والالم، حتى الإنسان المسلم الموحد الذي يلقى في نار جهنم ترى لا تستخف به القضية ما يعني تقع في كبائر الذنوب وتستخف باكل الربا أو بالزنا والفواحش وترى القضية سهلة مجرد أنك في نار جهنم وترى أخلك في الله كنت معاه في الدنيا أو أحبابك أو زوجتك أو إخوانك أمامك متنعم وأنت جالس في نار جهنم في عذابها، والله مرعب، مرعب المشهد، الله سبحانه وتعالى يريد أن يريك حتى هذه المفاصله أنه في هذه اللحظات التي يرمى فيها بشرر كقصر على هؤلاء هناك من سيكون في النعيم المقيم.

إن المتقين في قمة ايش؟ قال: في ظل، ليش هنا بدأ بالظلال أنه قبل شوي لما تكلم عن الدخان.

شو قال: لا ظليل ولا يغني. شوف، دائماً اختيارات القرآن في مكانها. هو عم بيقابل؛ لما تكلم عن دخان جهنم، إيش نفى عنه؟ لا ظليل! في اللحظة التي لا ظليل لهؤلاء المجرمين، سيكون أهل الجنة في قمة الظل، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ﴾ [المرسلات: 41]. هذه مناسبات مهمة، في ظلال ووعي. جارية في الجنة المياه، وهم هؤلاء يكونون الكفار عطشى في نار جهنم.

قال: أكمل، اقرأ اقرأ التفسير، ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: 42] أي لذيذه مشتهاه، وفواكه من أي شيء يشتهيه الإنسان. نعم، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [المرسلات: 43] في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف الذي هو في ظلال؛ أي هم مستقرون في ظلال، مقول حالة كونهم مقولاً لهم: كلوا واشربوا. فإذاً هذه الجمله، يقال لهم كلوا واشربوا، هي جملة حالية، التقدير: إن المتقين مستقرون في الظلال حالة كونهم يقال لهم كلوا واشربوا وخذوا راحتكم.

نعم، ﴿هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: 43] في الدنيا، فهنيئاً مفعول يعني لأجله؛ أي كل هذا من الهناء بما كنتم تعملون. تمام، هو هناء بما كنتم تعملون. نعم، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: 44] فاحسنوا تجز بهذا. ﴿وَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 45] بالجنة، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: 44]؛ يعني كما أننا نجزي المكذبين بما سبق، فكذلك من أحسن في هذه الدنيا فصبر على لأوائها، وصبر على شهوات نفسه وملاذها، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين، كما قال في سيدنا يوسف: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].

نعم، قال: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: 46]. كلام مستأنف، خطاب للمكذبين في الدنيا، اه رجعنا للمكذبين، لأنه الأهم في سورة المرسلات. خطاب المكذبين، كما أنه الأهم كان في سورة الإنسان الكلام عن المؤمنين؛ يعني في سورة الإنسان الكلام الأكبر كان عن نعيم أهل الجنة، صحيح؟ ﴿وَقَلِيلٌ مِّن عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]، ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: 28]. كان الكلام عن الكافرين مساحته قليلة، في سورة المرسلات العكس، الكلام والمساحة الأكبر عن المكذبين، والكلام عن المؤمنين كان خاطراً سريعاً؛ لأنه مهم، مهم جداً، وأنت تتكلم عن المكذبين وعذابهم، استحضار أنه في قمة العذاب سيخرج مشهد أمامهم، مشهد أهل الإيمان وهم يتنعمون. فهمت كيف تشعر بدلالة النص وسياقه؟ أنت وأنت تتكلم عن قمة العذاب التي يتعرض لها هؤلاء المكذبون، عليك أن تستحضر أن هناك مشهد أهل الإيمان وهم يتنعمون؛ لأن هذا المشهد من أكبر ما يغيظ الكفار ويزيد همهم وحسرتهم في نار جهنم. فعاد الكلام عن الكفار الذين هم موضوع القصة أو موضوع السورة، ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا﴾ [المرسلات: 46] عاد للحديث معهم في الدنيا، عاد للحديث معهم في ماذا؟ في الدنيا. لما قال لأهل الإيمان في الجنة كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون، رجع الكفار في الدنيا: أما أنتم يا كفار، مبدئياً مبدئياً كلوا، ومش بس كلوا وتمتعوا جنس اباحية الحاد دنيا اقتلوا المسلمين، طبعا هذا فتمتعوا هذا ليس أمر لهم تكليفي، هذا أمر تهديدي، كيف أقول لك: اعمل اللي بدك إياه؟ شو يعني اعمل اللي بدك إياه؟ رح تشوف! أحسنت، تهديد.

فإذاً هذا أمر تهديدي، يقول لهم: تمتعوا بكل ما عندكم لكن سترون. نعم، قال: خطاب للمكذبين في الدنيا على وجه التهديد، كقوله: اعملوا ما شئتم، نعم، ﴿قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: 46]، لأن متاع الدنيا قليل، انكم مجرمون، الدنيا كلها قليلة. ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ [المرسلات: 46]، ما وجه القلة هنا؟ أن الدنيا باعتبار الآخرة كلها قليلة، وليس يقولهم كلوا وتمتعوا قليلا بس لا تاكلوا وتتمتعوا كثيراً، لا لا تفهم الآية بهذه الطريقة، هو لا يقول لهم كلوا وتمتعوا قليلاً أما كثيراً لا لا تاكلوش، لا هو يقول: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ القليل هي الدنيا كلها؛ لأنها لا تزن عند الله إلا مدة يسيرة جداً لا اعتبار لها.

نعم، ﴿إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: 46] كافرون؛ أي أن كل مجرم يأكل ويتمتع أياماً قلائل ثم يبقى في الهلاك الدائم. ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 47]. يعني أنكم مجرمون، طبعا ها لاحظوا كلوا وتمتعوا قليلاً انكم مجرمون، ما السياق انكم مجرمون هنا؟ يعني كيف تربطها بالآية السابقة: كلوا وتمتعوا قليلاً انكم مجرمون؟ هو تهديد، أحسنت، يعني أنت قاربت، المراد كلوا وتمتعوا قليلاً انكم من صنف المجرمين، والمجرم بطبعه يعني كأن هي السنة أن المجرم بطبعه يتمتع في الدنيا قليلاً، ثم ماذا سيحصل؟ سياتيه الهلاك الدائم يوم القيامة. فكان السياق هكذا: كل وتمتع قليلاً فانت مجرم من المجرمين، والمجرم في الحقيقة في المعتاد يأخذ نصيبه في الدنيا في هذه الأيام القلائل التي سيعيشها خمسين ستين سنة، ثم بعد ذلك يزول عنه هذا الاكل وهذا التمتع ويقع في الهلاك المستمر والعياذ بالله.

طيب، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 47]، شوف إيقاع ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ﴾ كل شوي عم مفاجئك في السورة، طلع لك في السورة حتى تعرف مصائب مصائب يوم القيامة لمن كذب بالآخرة واستهان بها.

كمل، قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: 48]. اخشعوا لله وتواضعوا إليه بقبول وحيه واتباع دينه ودعوا هذا الاستكبار، يعني هو جعل الركوع بمعنى الخشوع والخضوع، وبعض المفسرين يفسر يقول: الركوع بمعنى الصلاة، وهذا أيضاً من الاحتمالات. تمام، وإذا قيل لهم اركعوا؛ يعني صلوا، عبر بالجزء وأراد الكل، أن الركوع جزء من الصلاة، أطلق الجزء وأراد الكل، فالركوع يتضمن معنى الخشوع بالتأكيد، ويتضمن معنى الصلاة المكتوبة. وهذا كله فعلوه، تركوا الخشوع والخضوع لله، تركوا الصلوات المكتوبات، وكانوا إذا قيل لهم في الدنيا: اركعوا صلوا اتقوا الله، لا يركعون، لا يخضع، لا يركع لا يسجد، عاش مستكبراً على الإله الذي خلقه من ماء مهين.

طيب، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 49]. نعم، قال: لا يركعون، لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على استكبارهم، أو إذا قيل لهم صلوا لا يصلون، إذاً هنا المعنى الثاني فسر الركوع بمعنى الصلاة عموماً. نعم، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 49] بالامر والنهي، للمكذبين بالصلاة، للمكذبين بالصيام، فسر هنا المكذبين بشرائع الله.

طيب، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50] بعد القرآن يؤمنون؟ شوف هذا الختام، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50] كان الله يقول لنا: من لم يعظه القرآن فلا واعظ له، الذي لا يحركه القرآن ولا خوفه القرآن ما الذي سيحركه؟ إذاً كلام من رب العزة نزل من فوق سبع سماوات، وأنت متأكد أنه كل آية عم تقرأها الآن من الذي تكلم بها ابتداءً؟ الله في علاه. أنت مش هذا اعتقادك كمسلم؟ إذا كانت هذه آيات من فوق سبع سماوات الله تكلم بها وانزلها عليك ليحذرك، هذا الله الذي خلقك وأوجدك من العدم، وخلقك من ماء مهين، وأعطاك فرصة في الحياة، الإله الذي يعرف الأمور كما هي مبتداها ومنتهاها هو الذي يتلو، يعني ينزل عليك هذه الآيات ينذرك وينبهك.

إذا هذه الآيات لم تعظ قلبك ولم توخذ في حياتك، هل تظن انه كلام بشر مثلي أو كلام واعظ أو كلام عالم من علماء الأرض سيغير في حياتك سينتج فيها؟ إذا كان إلهك، أنت إلهك عم بتكلم معك! الإله يتكلم معك وأنت مش مقتنع ومعترض عليه ومش عاجبك الكلام وبتتعامل معه باستهانه وعدم اكتراث، وإذا جاءك مخلوق بدو يكلمك هل سيكون المخلوق أثر كلامه في قلبك أعظم من كلام خالقك سبحانه؟ ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: 50]، لا يوجد أي حديث يعلو حديث الله، ولا يوجد أي كلام أعلى من كلام الله، من لا يغيره القرآن، من لا يصلحه القرآن، من لا يجعله القرآن على استقامة لن يصلحه شيء. لذلك قال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي بعد هذا الكتاب بعد هذا القرآن يؤمنون إن لم يؤمنوا بالقران مع أنه آية مبصرة ومعجزة باهرة من بين الكتب السماوية، فباي كتاب يؤمنون؟ هذا ختام مناسب للسورة.

تذكر دوماً في حياتك يا أيها المسلم: إذا لم يصلحك القرآن لن يصلحك شيء، القرآن نقطة البدايه ونقطة الانطلاق في صلاح الإنسان. فاحذر أن تلتمس الهداية من كلام لا يحوم حول القرآن، كلام أهل العلم يرجع إليه بس بشرط أن يكون يحوم حول القرآن، أما كلام بعيد عن القرآن ولا ياخذ من معينه ولا يحوم في حماه فهو كلام لا يغير ولا يصلح وإن كان ممكن يكون مسكن تمام، ممكن تروح على شخص علماني أو غير متدين يعطيك مسكنات: أنت منيح، أنت كذا، أنت جيد، لا تقلق، لا تخاف، هذه كلها مسكنات. لكن الكلام الذي يصلح الإنسان صلاحاً حقيقياً في وجدانه وقلبه هو كلام الله سبحانه وتعالى، ﴿وَلَنْ تَجْدَ أَصْدَقَ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87] ﴿وَلَنْ تَجْدَ أَصْدَقَ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: 122].

هذا ختام تفسيرنا لجزء تبارك بحمد الله، والاسبوع القادم ان شاء الله نسرع في تفسير عم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. غراس العلم طريق نحو علم شرعي راسخ.