بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آلة وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حيّاكم الله معشر طلبة العلم في مجلس جديد مستمر بإذن الله في التعليق على تفسير العلامة النسفي رحمه الله تعالى عليه لكتاب ربنا سبحانه وتعالى. ونحمده سبحانه ما زال يمدنا بمدد التوفيق والهمم لعقد مثل هذه المجالس ومدارسة كتاب الله عز وجل. أعظم التوفيق من الله عز وجل أن تختم القرآن الكريم من بدايته إلى نهايته ختمة تدبر وتعقل وتفهم، وأن يشغلك بهذه المعاني، وأن يشغل خاطرك في البحث عن مراد الله عز وجل.
فإن أهم ما يشغل به الذاكر، وأعظم ما يشغل الإنسان في هذه الحياة وتطحن به هذه الطواحين، هو هذه الآيات. فكم من إنسان عقله منشغل، لكنه منشغل بلذة من ملذات الحياة الدنيا، أو بالصفقات، ولا بالسياسة، ولا بفهم مراد ربه سبحانه وتعالى الذي خلقه وأوجده. ومن هنا دائماً أنبه إلى أن حضور مجالس التفسير والاشتغال بهذا العلم من أعظم الأمور التي يمكن أن تنشغل بها في حياتك، فلا أقول من أعظم، هي الأعظم. لا أقول من أعظم الأمور، بل هي أعظم الأمور، ولن تجد شيئاً أعظم من كلام الله سبحانه وتعالى، ولن تجد معنى يستحق أن تتدبر معانيه أعظم من هذه الآيات.
لربما هذا الكلام من الناحية النظرية مقرر عندكم، لكن من الناحية العملية تحتاج أن تؤطر قلبك عليه؛ لأن النفوس تهرب إلى مساحات الملذات والمباحات في الحياة الدنيا، وتنصرف عن هذه الأفكار التي نقررها في بداية كل مجلس، وهي معلومة في العقل الظاهر، لكنها بعد لم تستقر في العقل الباطن، ولم تصبح منهج حياة أو نمط حياة معتاداً أنني لا يمكن أن أنفك عن كلام الله عز وجل وأن أفتش في كتب التفسير.
لذلك عندما تنظر في همم العلماء الذين يفسرون كتاب الله، تجد العالم إذا أراد أن يفسر آية قال: أعود إلى أكثر من كذا وكذا من كتب التفسير، انظر الهمة يعني! في المعنى الواحد والآية الواحدة ينظر في أكثر من مئة كتاب من كتب التفسير، لماذا كل هذا التعب؟ لأن الوصول إلى حقيقة مراد الله شيء عظيم. الوصول إلى حقيقة مراد الله شيء عظيم، ربما النسفي يقول كلاماً يأتي عالم آخر ينقضه، ويأتي مفسر آخر ويوضح، يعني ليس شرطاً أن يكون كل ما ذكره النسفي في التفسير هو بالضرورة المعنى الصحيح أو المعنى الأكمل، ربما لم يذكر معنى صحيحاً أو لربما ذكر جزءاً من المعنى، ربما ذكر المعنى الصحيح لكن لم يوفق للتعبير عنه بشكل أعمق مؤثر، وهكذا.
وبالتالي، طالب القرآن لا يكتفي أصلاً بتفسير واحد، بل عليه أن يدمن النظر ويوسع الأفق حتى يكتمل المشهد، ويوسع أفقه في فهم كلام ربه سبحانه وتعالى. والمهم ما دمت تهتم بهذا الميدان فأنت على خير بإذن الله، وما دام الله يصرف قلبك لتجشم عناء حضور هذه المجالس فاحمد الله عز وجل على هذه النعمة، فكم من محروم من هذه الإرادة! ما عنده إرادة أن ينظر فيه، هو فقط يلتفت لنفسه ومن أجل متاعها وشهواتها، ولا يفكر بالطريقة التي أنت فكرت بها عندما عزمت على أن تحضر هذا المجلس، فالحمد لله أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً.
ما زال حديثنا قائماً أيها الأحباب الكرام في تفسير سورة القمر، ونحن شرعنا في تفسير العلامة النسفي ابتداءً من سورة الحجرات، والآن حديثنا إلى سورة القمر وجزء الذاريات. إذا تلاحظون، أسماء السور فيه تتكلم في الحزب الأول عن أسماء أجرام؛ فالذاريات، والطور، والنجم، والقمر، وكلها أسماء أجرام، أما سماوية وإما أرضية وإما هوائية كما يقولون. فالذاريات هي الرياح، والطور جبل، والنجم والقمر أجرام سماوية، وهذا كله من تعظيم الله سبحانه وتعالى لمخلوقاته، وتعظيم هذه المخلوقات وتعظيم للذي خلقها.
تعظيم هذه المخلوقات يعني بيان قدرتها، فالنجم إذا شاء الله هواه، والنجم إذا هوى، والقمر إذا شاء الله انشق، ضربة الساعة وانشق القمر، والطور حدثت عنده العجائب وكلم الله عنده موسى وتجلى ربنا للجبل فجعله دكاً. كل هذه الأجرام السماوية والأرضية على عظمتها خاضعة لعظمة من؟ لعظمة الخالق سبحانه وتعالى. فالله سبحانه يريد منا أن نتامل فيها حتى يعرفنا بجلاله وكماله وقدرته وعظمته.
سورة القمر هي إحدى مراحل الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وكفار قريش، إحدى مراحل الصراع بين الحق والباطل في توطيد بعض المعاني العميقة والمهمة في حياة الإنسان، ألا وهو معنى اليوم الآخر. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ * وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِّر﴾ [القمر: 1-2]، وكذبوا واتبعوا أهواءهم. هذه مشكلة الإنسان، الإنسان الذي يرى الحقائق تتجلى أمامه تؤكد أن هناك رباً خالقاً موجداً لهذا الكون، وأن هناك رسلاً بعثهم الله ليدلوا على توحيده، وأن هناك يوماً آخر لابد آتياً، كل هذه الحقائق الله سبحانه وتعالى بينها لأجل الأدلة وأوضحها، لكن ما زال الإنسان لا يصدق، ليس لأن الأدلة غير واضحة، بل اتباعاً للهواء.
ما زال يكذب لا يقلب، بل كذب واتبعوا أهواءهم، هذه مشكلة الهوى التي تعصف بالانسان حتى المسلم، يعصف به الهوى فيجعله يترنح في المعاصي والذنوب ودرب الضلال والزيغ والبعد عن الله سبحانه وتعالى. اتباع الهوى هي قضية عظمى حاول القرآن أن يسلط الضوء عليها بشكل جريء وواضح حتى يحذرك منها أيها الإنسان، ﴿وَكَذَبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: 3]، يعني لكل حكاية نهاية، وكل أمر قدره الله ستأتي آيته المستقرة كما قدرها ربنا سبحانه، مر معنا أن هذا يمكن أن يجعل مثلاً، اليس كذلك؟ وكل أمر مستقر قلنا هذا على سبيل المثل على أحد التفسيرين.
ثم قال ماذا بعد؟ وكذب وكل امر مستقر؟ قال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ۖ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: 4-5]. جاءتهم الحكم البالغة، أن الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم هل أغنت النذر؟ هل نفعت مع هؤلاء المعاندين؟ هل أقبلوا على الحق وتشربوه؟ استمروا في منهج الهوى، فما تغني النذر. فتولى عنهم، خلاص! لما أنت تناقش إنسان مراراً وتكراراً وما زال مصراً على منهجية اتباع الهوى، في النهاية: فتولى عنهم، دع وشانَه هو الذي يتحمل نتيجة قراره ونتيجة اتباعه للهوى.
فتولى عنهم، الآن ما المشهد الذي سينتظرهم؟ قال: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ * مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: 7-8]. هذه الساعة والله طلعت صعبة، كنا نستهزئ بها ونتهكم بها ونستعجل حضورها، إذا به يوم عسر لم نحسب له هذا الحساب. هذا المشهد الفظيع الذي راوه وكانوا يستهزئون به في الحياة الدنيا، اليوم الله سبحانه وتعالى سيخبرنا عن مآل المكذبين عبر التاريخ، عبر حركة الإنسان منذ آدم إلى قيام الساعة، الذين كذبوا الرسل، الذين كذبوا الحق، الذين لم يتبعوا الهدى بل اتبعوا أهواءهم، ماذا كان مصيرهم؟
هذه القضية، قضية المصير الرهيب الذي ينتظر هؤلاء الاقوام الذين لا يتبعون الهدى ويصرون على اتباع أهوائهم، هذه قضية إذا تلاحظون القرآن تكلم عنها كثيراً، اليس كذلك؟ يعني قصة عذاب قوم نوح وعاد وثمود وفرعون، كم مرة تكررت في القرآن؟ كم مرة تكررت في القرآن مراراً وتكراراً؟ هذا التكرار ليس تكراراً عبثياً بالتاكيد، الله سبحانه وتعالى يريد أن يوصل فكرة من خلاله، وهو انك أيها الإنسان يجب دائماً أن تكون مستحضراً للعقاب الرهيب الذي يمكن أن يحل بك في حال أنك مصمم على اتباع الهوى، ومصمم على الإعراض عن الحق، وأن هناك أمماً كانت أقوى منكم عدداً وعدة وأجساماً وبناءً وأعماراً كقوم نوح وعاد وثمود، لكن لما استمروا في منهجية اتباع الهوى ماذا كانت النهاية؟
انظروا إلى هذه النهايات المؤلمه، وهذا يقاس على الأمم اليوم، على الدول التي تحارب الإسلام والمسلمين، يقال نفس القضية: أمريكا بسطوتها والاتحاد السوفيتي بجبروته لا يستطيع أن يقف أمام قدرة الله سبحانه وتعالى، وإن ملكوا الاستخبارات القوية، وإن ملكوا الأسلحة الفتاكة، وإن هم لم يصلوا إلى قوة قوم عاد وثمود ونوح وما شابه هذه الأمم من حيث قوة الأجسام والأبدان والعدد والعدّة، هم أعطاهم الله سبحانه وتعالى، ربما فاقوهم في التكنولوجيا وما شابه ذلك، لكن أقصد هم بدنياً وذهنياً لم يصلوا النهاية، ماذا كان؟
قوم نوح وعاد وثمود بأدنى شيء في ليلة واحدة، في ليلة واحدة أو في سبع ليال في أيام محدودة كانت الاستئصال والاقلاع، وسنقرا اليوم الآيات الأليم الشديد الذي نزل. لا تطغى، وانتبه لنفسك، إياك أن تعرض صراحة عن اتباع الهوى، إذا أخطأت فعد إلى الصواب، إذا أخطأت تب إلى الله سبحانه وتعالى؛ لان إصرارك على اتباع الضلال ليس في صالحك، إصرارك على سلوك درب الضلال والزيغ واتباع الأهواء ليس في صالحك.
وهذه الآيات عندما نقراها لا تحملها فقط على الكفار، أن بعض الناس عندما يقرأ العذاب يقول: هذا حل بأقوام ماذا؟ حل بأقوام كافرين، بالتالي أنا ليس لي علاقة بالموضوع. لا، أيضاً هذا أقوام فيهم أصل الإسلام، لكنهم أصروا على ماذا؟ على محاربة الله بالربا، بالزنا، بالفحش، بالفجور، فيحل بهم من العذاب ما يحل بالقوم الكافرين، باختصار لا تختبر نفسك في محادة الله، لا تختبر نفسك في الابتعاد عن منهج الله؛ فإنك ستجد الشقاء والعناء، وهذه هي رسالة الله سبحانه وتعالى لنا: من ابتعد عن منهج الله فهذه نهايته، شقاء في الدنيا وفي الآخرة.
هؤلاء قوم نوح وعاد وثمود ماذا جلبوا لأنفسهم إلا الشقاء والتعاسة والهلاك في الدنيا، وينتظرهم شقاء وتعاسة وهلاك أبدي، فلماذا الابتعاد ولماذا الإعراض أيها الإنسان؟ هذه المعاني معاني الخوف من الله، الخوف من سخطه، الخوف من عقابه، من أجلها كررت قصص الأقوام المكذبين وما حدث بهم من هلاك، يعني هذا لازم يكون حاضراً معك اليوم.
اليوم سنقرأ قوم نوح ماذا حدث بهم، الخلاصة النهائية، النتائج النهائية، لماذا؟ ساخرج أنا، ماذا سأستفيد؟ أجلّ الله وأعظم الله في نفسي حتى لا يحل بي من العذاب ما حل بهؤلاء القوم المكذبين. وإياك، ما قلت، أن تنظر أن هذا العذاب والهلاك إنما هو فقط لأنهم كفار، هو لأنهم ابتعدوا عن منهج الله، وبالتالي يمكن أن يعذبك الله على معاصي وأنت مسلم ما دمت مصراً على اتباع الهوى، وتأتيك النذر من الله والرسالات من الله ومن ينبهك ومن يصلحك وتبقى مصراً، وهؤلاء متى حل بهم العذاب الأقوام المكذبين؟ متى حل بهم العذاب؟ أكْثَرَ الله لهم النذر والمواعظ والزواجر، فأصروا على تكذيبهم.
كذلك أنت أيها العاصي، كم من شيخ وعظك؟ كم من إنسان نصحك؟ كم من بلية امتلاك الله بها لتستيقظ؟ وهذه النذر ما أغنت ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾، وبقيت مصراً على عنادك ومحادّتك لله سبحانه وتعالى، بالتالي يمكن أن يقع بك من العذاب ما يقع بهؤلاء: فشل في حياتك الزوجية، فشل في عملك في مشاريعك، خسارة مادية فادحة، أن يهلك لك الأبناء والذرية، يعاقبكَ الله سبحانه وتعالى بسبب هذا الإصرار على الذنوب والمعاصي والابتعاد عن الله. فهذه القصص قراءتها مهم حتى تعرف من هو الله في عظمته وجلاله وقدرته.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة واتم التسليم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم اغفر للمصنف ولشيخنا ووالدينا وللحاضرين أجمعين. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ * فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفَرَ * وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 9-15].
قال المصنف رحمه الله: كذبت قبلهم قبل أهل مكة. قصة الهلاك العام لقوم نوح بعد ألف سنة من الدعوة المستمرة من قبل نوح، في المقابل الإصرار المستميت على اتباع الهوى من قبل القوم المكذبين، فكانت النتيجة الرهيبة الغرق العام والطوفان الذي أهلك كل شيء، ونجا فقط القوم الصالحون الصادقون مع الله سبحانه وتعالى.
نبدا التفسير: نعم، كذبت قبلهم، الضمير في قبلهم يعود على أهل مكة؛ لأن الكلام في الأساس هو وعيد وتهديد لأهل مكة الذين ما زالوا في مرحلة العناد للنبي صلى الله عليه وسلم. يا أهل مكة، كذبت قبلهم قبلكم، كذبت اقوام كثر، أولهم قوم نوح، دعونا ننظر كيف كانت النهاية. هنا سورة القمر ركزت على النهايات، يعني ما ركز على تفصيل كم دعا نوح وكيف دعا وكيف قومه؛ لأن سورة القمر تريد أن تركز على التخويف، هذا المشهد الذي تريد أن تبرزه، بالتالي ما في داع لأن نذكر سياق ما حدث بين هذا مذكور وسياتي في سور أخرى، نريد فقط مشهد العذاب، كيف كان مشهد العذاب الرهيب، وهذا يجعلك تتدبر بشكل صحيح أنني أنا في سورة القمر من قصة قوم نوح ماذا أريد أن أرسل في ذهني حتى أخاف وأخشى وأتقي الله سبحانه وتعالى؟ لذلك هذا فقط الذي رسم في قصة نوح وما بعده.
نعم يقول ربنا: كذبت قبلهم قبل أهل مكة قوم نوح. طبعا كذبوا، ماذا كذب؟ الفعل الأول: كذبت قبلهم قوم نوح. كذبت ماذا؟ هل ذكر المفعول به؟ هل قال كذبت قوم نوح رسول الله؟ حذف المفعول به قال: كذبت قوم نوح. حصل منهم تكذيب، لماذا حُذف المفعول به؟ إشارة إلى أن تكذيبهم تكذيب عظيم عام لكل الملاعين.
وقع منهم التكذيب لا يصدقون شيئاً، فلم يذكر المفعول به دلالةً على أن تكذيبهم كان تكذيباً شاملاً عاماً في كل ما أخبر به نوح عليه السلام؛ كذبوا نوحاً في التوحيد، كذبوا في اليوم الآخر، لم يتركوا شيئاً إلا كذبوا. فكان نهجهم في الحياة ما هو؟ شغلهم الشاغل التكذيب، فلذلك حذف المفعول به دلالةً على عموم تكذيبهم وعلى أنهم كانوا يكذبون في كل المعاني.
ثم بعد ذلك ذكر تكذيباً تفصيلياً؛ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَذْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ [القمر: 9]. فذكر أولاً التكذيب العام المجمل، ثم ذكر التكذيب التفصيلي الذي وقع منهم للعبد الصالح نوح عليه السلام. وانظروا إلى تشريف الله لنوح لما قال ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾، نسبه إلى نفسه؛ يعني مش أي شخص، هذا عبدي، هذا خاصتي، هذا اجتبائي واختياري.
من أنتم حتى تحاربون نوحاً الذي هو عبدي؟! وفيها نوع أيضاً من دلالة المحادة، لأنهم كذبوا من اصطفاه الله، كذبوا من اختاره الله. والذي يكذب من اختاره الله واصطفاه ويحاربه، ماذا ستكون نهايته؟ الذي يحارب أولياء الله كيف ستكون نهاية هذا المعنى؟ الذي يحارب عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم بسجن أو قهر أو تعذيب أو ما شابه ذلك، ماذا ستكون نهايته؟ كل هذه الأفكار يجب أن تكون حاضرةً معك وأنت تتأتمر بكلمة «كذبوا عبدنا» و«ولينا»، لأن هذا يكون في كل زمان وفي كل مكان، وأولياء الله موجودون في كل زمان وفي كل مكان.
فلما كذبوا عبدنا ماذا حدث معهم؟ أكمل قال رحمه الله: قوم نوح فكذبوا عبدنا نوحاً عليه السلام. ومعنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه. يقول: لماذا كرر الله فعل التكذيب؟ أنا قدمت لكم تصوراً معيناً أنه ذكر التكذيب عاماً ثم ذكر التكذيب خاصاً، ومن نسى فيه سيقدم رؤيةً أخرى؛ لماذا تكرر فعل التكذيب في الآية مرتين: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَذْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: 9] ثم عاد فقال ﴿فَكَذَّبُوا﴾؟ لماذا كرره مرتين؟ ألم يكفي أن يقال مرة واحدة كذبت قبلهم قوم نوح عبدا خلاص؟ لماذا كرر فعل التقديم؟
ماذا يقول العلامة النسفي؟ قال: ومعنى تكرار التكذيب أنهم كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب، كلما مضى منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب. هنا يرى النسفي أن الدلالة على أن هذا التكذيب -لأن نوحاً كم دعا قومه؟ كم سنة؟ ألف سنة إلا خمسين عاماً- يعني قالوا أجيال، فكان التكذيب كان سنةً متواليةً في آبائهم وأبنائهم، كان متكرراً. فلما كرر فعل التكذيب أراد بتكراره الدلالة على تكرار وقوع التكذيب من الآباء ثم الابناء ثم أبناء الأبناء، كانت الأجيال المتعاقبة استمرت على تكذيب نوح عليه السلام. لذلك قال: ومعنى تكرار فعل التكذيب أي أنهم كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب؛ أي كل جيل كذب، ثم جاء الجيل اللاحق فكذب، ثم الجيل الثالث فكذب، الكل للأسف توالى على هذه السلسلة وعلى هذا المنهج. قال: كلما مضى منهم قرن يكذب تبعه قرن مكذب؛ يعني كلما انتهى جيل والله بنحكي يلا إن شاء الله الجيل أحسن، الجيل الذي بعده قال: الجيل الثالث يكون أفضل، فإذا به مستمر على التكذيب. فهذا دلالة على أن التكذيب كان متجذراً في هذه الأمة جيلاً بعد جيل. أقول: هذا معنى أيضاً يمكن أن يقال.
قال رحمه الله: ثم ذكر معنى آخر لتكرار التكذيب، قال: أو كذبت قوم نوح الرسل فكذبوا عبدنا، أي لما كانوا مكذبين بالرسل جاحذين لنبوة راسا، كذبوا نوحاً لأنه من جملة الرسل. هذا وجه آخر ورأي آخر لماذا كرر الله سبحانه وتعالى في هذا التكذيب؛ قال: يحتمل أن يراد لما قال في البداية ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَذْمُ نُوحٍ﴾ [القمر: 9] أن المراد أنهم كذبوا بأصل بعثه الرسل وباصل باب النبوات، كذبوا في قضية وجود أصلاً النبوات. فلما كذبوا بأصل النبوات حصل منهم تكذيب لعبدنا الخاص وهو نوح عليه السلام. فكذب الأولى إشارة إلى تكذيبهم بأصل النبوات، وكذب الثانية إشارة إلى تكذيبهم بالعبد الخاص وهو نوح باعتباره فرداً من أفراد النبوة. فهمنا معنى هذا الكلام؟ فهذا وجه ثالث يمكن أن تضيفه.
أجمل أنك تبدأ تقرا القرآن وأنت تفهم هذا التفصيل، أن فعل التكذيب هنا كرر لمعنى وليس شيئاً اعتباطياً هكذا بالمصادفة.
قال رحمه الله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ [القمر: 9]. وهو مجنون -مجنون خبر لمبتدا محذوف، ونعمة بلاغة لماذا حذف المسند إليه؟ تمام هنا بالتأكيد لها معاني الاجتناب، عبث، قبار، جامع، فلينبه إلى غير ذلك مما ذكره السيوطي. دائماً حذف المسند إليه وحذف المبتدا يكون لعله تذكر في علم البلاغة. المهم وقالوا مجنون، وهنا قد نقول: لماذا حذفت المبتدا؟ لأنه معدوم من السياق، من هو المبتدا؟ وبالتالي هل في حاجة أن يذكر؟ خلاص هو معلوم أن الكلام عن نوح، هل في داعي أن يقول الله هو مجنون؟ ما هو الكلام أنه عن نوح فيحذف المبتدا هنا. المسند إليه هي أن ذكره يكون فيه شيء من العبث بوضوحه للسامعين والقارئين. طيب هو مجنون.
قال رحمه الله: كلامهم أم أخبار من الله؟ اختلف المفسرون الآن، وقالوا: مجنون وسجد الآن وازدجر، هل هي من تتمة كلامهم؟ يعني هم قالوا هو مجنون وازدجر، يتكلمون؟ أم هو إخبار من الله؟ فيكون الكلام: قالوا مجنون، نقطة، ثم يكمل الله: وازدجر، أي وزجره قومه. فكلمة اختلف المفسرون: هل هي من تتمة كلام قوم نوح؟ أو هو من أخبار الله عما حدث مع نوح؟ مفهوم الكلام؟
فالتفسير الأول قال: وازدجر عن أداء الرسالة بالشتم وهدد بالقتل. فإذاً التفسير الأول أن هذا من كلام الله، وأن الله أخبرنا أن نوحاً ازدجر؛ ايش يعني ازدجر؟ أي زجره قومه عن الدعوة من خلال تهديده بالقتل وسبه وشتمه وتواعده لنرجمنك؛ مش في سورة الشعراء قالوا ﴿لَنَرْجُعَنَّكَ﴾؟ فاذا ازدجر نوح، الله يخبرنا أن نوحاً زجر ودفع، ما معنى ودفع عن الدعوة من خلال تهديده بالقتل والرجم وما شابه ذلك؟
القول الثاني قال: أو هو من جملة قيلهم. القول الثاني في الآية أن استجر هذا من كلام قوم نوح، وأن هذا معطوف على مجنون؛ أي قالوا مجنون واستجر، أي مجنون واحنا ذكرناه ما تخافوش منه ما راح يقرب عليكم. فكلمة صدرت من قوم نوح أنهم قالوا هذا رجل مجنون ونحن زجرناه ولن يمسكم بسوء، هم يظנים أنفسهم أنهم انتصروا.
قال رحمه الله: أو هو من جملة قيلهم، أي قالوا هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته وذهبت بلبه. ذكر قولاً آخر أنهم قالوا ازدجر، أي الجن هي التي زجرته وهي التي أقدم ما هو يقوله، وكانه موافق لما ذكر عن قوم نوح في سورة المؤمنون؛ في سورة المؤمنون ماذا قال قوم نوح عن نبيهم؟ به ايش قالوا؟ جنة، احسنتم. فهذا كأنه تفسير للقرآن بالقرآن، أنه مع مسدجر هنا يقول النسفي: أي زجرت الجن واصابته بجنونه في عقلها، يقول كلاماً ليس سوياً فدعوكم منه. إذاً هو مجنون هو مجنون واسدود، أي مجنونا تلاعبت به الجن حتى اصبح خلفاً يتكلم بكلام غير سوي.
قال رحمه الله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ [القمر: 10]. الآن المشهد يعني بعد ألف سنة، خلاص بعد ألف سنة من الدعوة والاتهام بالقتل والرجم دعا بدعاء واحد، ماذا قال؟ قال: ربي ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾. شفت كلمتين دائماً هذه تعطيك معاني القوة في الحياة، أن الإنسان المظلوم عندما يستغيث بالله سبحانه وتعالى كيف يديره الله؟ نوح عليه السلام قال هاتين الكلمتين قال: فدعا ربه، وربنا عز وجل بدو يخبرك أنه إذا ظلمت أيها الإنسان في طريقك إلى الله التلجأ إلى الله، لأن نوحاً ماذا فعل؟ دعا ربه، كلمة دعا هنا مقصودة، نعم مش نوع وقف جالساً متفرجا، لا، لما وقع عليه من الظلم ما وقع ووقع عليه من التكذيب ما وقع ومحاولة القتل والرجم هنا نوح مد يديه إلى.. هل الله سبحانه يترك أولياءه؟ هل الله عز وجل يترك من دعا إليه وقضى عمره في تعليم الناس الخير في لحظة ظلمه؟ لا يتركه الله سبحانه وتعالى. قال فدعا ربه، مد يديه إلى خالقه الذي أرسله وبعثه بالنبوة. فدعا ربه، ماذا كان مضمون الدعاء؟ مضمون الدعاء باختصار: يا رب أنا مغلوب. يعني شوف الاختصار هنا فيه جمال، أن الموضوع مش انك تطيل الدعاء، لا، هما كلمتان: يا رب أنا مغلوب، مش قادر أكثر من هيك، لا استطيع وركبت على أمري فانتصر يا رب لدينك. فماذا كانت الإجابة؟
قال رحمه الله: أي بأني مغلوب، غلبني قومي فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس من إجابتهم لي فانتصر، فانتقم لي منهم بعذاب تبعثه عليهم، هو الانتقام لهذا الدين الذي حاربوه ووقفوا في وجهه ونوح ممثل هذا الدين. ممتاز، فاذاً انتصر يا رب بكافه اشكال الانتصار أو بأي شكل من أشكال الانتصار التي تختارها. فماذا كانت الإجابة؟ شوف الإجابة المرعبة. أنت شفت أسلوب القرآن في رسم المشهد، قال: ﴿فَفَتَحْنَا﴾ [القمر: 11]. المشهد: مغلوب، فانتصر، نزل العذاب كأن السماء تفتحت لهذه الدعوات، دعوة نوح صعدت إلى السماء فتفتحت من أجلها أبواب بماء منهمر، وهذا عنصر المفاجأة والتعقيب مراد في الآية، عنصر المفاجأة والتعقيب لأن الفاء هنا قد ففتحنا، الفاء تدل على ماذا؟ على التعقيب، أنه فش مدة زمنية طويلة بعد الدعاء جاءت الإجابة، الفاء بخلاف ثم، لو قال ثم فتحنا أبواب السماء، ثم تدل على ماذا؟ على أن بعد مدة زمنية طويلة استجاب الله الدعاء، لما ذكر الفاء هنا: ﴿دَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَفَتَحْنَا﴾ [القمر: 10-11] متتابعا لم تكن هناك مدة زمنية، لأن الأنبياء في العادة لا يقولون يا رب انتصر إلا عند اللحظة الأخيرة، النبي يصبر على قومه صح ويطيل النفس. النبي عليه الصلاة والسلام كم صبر على كفار قريش حتى في غزوه أحد وقد أدنى وجهه قال.. لا يعلمه نوح صبر، عشان هيك هو منقول العزم من الرسل ألف سنة يا إخواني! الواحد فينا ربما خمس سنوات ما بصبر، ما بتحمل أن الناس تكذبه؛ ألف سنة إلا خمسين عاماً ونوع عليه السلام يتجرع مرارة التكذيب، مرارة المعانة، الخوف، التهديد، مدة زمنية هائلة، وصل إلى هذه المرحلة يسمى الإشباع؛ يعني لما قال إنني مغروب فانتصر، الله يعلم أن نوحاً وصل إلى مرحلة ماذا؟ إشباع، أن القوم خلاص ما منهم فائده، فلذلك كانت الإجابة مباشرة: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ [القمر: 11] هذه الدعوة فتحت لها أبواب السماء بالعذاب الرهيب الذي نزل على هؤلاء.
قال رحمه الله: تفتحنا شامي ويزيد وسهل ويعقوب القراء الشاعر يزيد خرا. وأيهما أشد مبالغة: فتحنا ولا فتحنا؟ فتحنا هذا فعل يدل على المبالغة، كأن كل شيء عم بتفتح، كل أبواب السماء عم بتفتح بشكل كثيف لنزول العذاب الرهيب. طيب.
قال رحمه الله: ﴿بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ [القمر: 11] منصب في كثرة وتتابع لم ينقطع أربعين يوماً، يعني هذه رواية قيل. سيحب طوفان، كيف أهلك قوم نوح بالطوفان؟ أربعون يوماً ماء منمر غزير من كل مكان يسقط على الأرض، وفي المقابل من الأرض ماذا خرج؟
قال رحمه الله: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12] فجرنا الأرض وفجرنا ما قال وفجرنا عيون الأرض، العكس، قال وفجرنا الأرض. ماذا تشعر أنت تسمع كلمة الأرض هكذا؟ وفي الجنة الأرض تشعر أن الأرض كلها في عملية تفجر من كل مناحيها، فكان هذا أبلغ من أن يقول وفجرنا عيون الأرض، قال العكس وفجرنا الأرض عيونها، حتى يعطيك للوهلة الأولى أن الأرض كلها تتفجر من كل مناحيها وتخرج الماء. فالماء إذاً ينزل من السماء منعمراً ويخرج من الأرض المتفجرة. طبعا هذا كله مقصود، الله يريد أن يريك قدرته في العذاب فيرسم لك هذا المشهد الرهيب، نهاية لن يقف شيء، ولا أطرست أي سلاح نووي ولا فتاك يقف أمام قوة الله الجبار المنتقم سبحانه وتعالى الذي فتح أبواب السماء وفجر الأرض، شوف الأرض كلها تفجرت، من الذي يقف أمام هذا الإله ويستطيع أن يتحداه؟ نعم.
قال رحمه الله: وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر، وهو أبلغ من قولك وفجرنا عيون الأرض. أي النوعان من الماء السماوي والأرضي إذاً؟ فماذا كانت النتيجة؟ الطوفان المدمر. هذه هي باختصار.
قال رحمه الله: ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: 12] على حال قدرها الله كيف شاء، أو على أمر قد قدر في اللوح المحفوظ أنه يكون، وهو هذا الثاني التفسير. فالتقى الماء على أمر قد قدر، أي في ساعة قدرية قدرها الله في اللوح المحفوظ، وبالتالي يعني كل شيء سيحدث للمكذبين هو في علم الله السابق، وكلها لكن له وقته، فلا تستعجل الهلاك. أحياناً الدعاء إلى الله سبحانه مع طول الحرب بين الحق والباطل يصيب الإنسان شيء من اليأس، شيء من الإحباط، الشعور بأن الحق لا ينتصر، لا، هناك أمر قد قدر. وعندما جاء هلاك قوم نوح التقى ماء السماء وماء الأرض في لحظة قدرية، ولذلك دائماً نقول: الانتصار بيد الله، أنت فقط أيها الإنسان الداعية إلى الله أنت سبب، أنت داعية، وأما لحظة الانتصار الكامل الانتصار الرهيب وظهور الحق على الباطل هذا أمر قد قدر، ليس من شأنك أنت أن تسأل عنه، هذا أمر قد قدر عند الله سبحانه، وهذا فكرة مرادة من الآية أنه أنت دعك متى يأتي النصر؛ لما جاء النصر إلى نوح جاءه في لحظة قدرية الله هو الذي اختارها وليس نوح هو الذي اختارها، فالتقى ماء السماء بماء الأرض فانهزم الباطل وانتصر الحق، وهكذا في كل زمان ومكان هناك أمر قد قدر عند الله سبحانه، المهم أن يستعملك الله في نصره وأن تكون طالبة علم وطالبة علم جادة في نصرة هذا الدين، وأما متى يأتي فاعلم أنه أمر قد قدر، استرح يعني لا تفكر في هذا الشيء. طيب.
قال رحمه الله: على أمر هذا هو التفسير الثاني، طبعا التفسير الأول.
قال على أمر قد قدر أي على حالة وكيفية قدرها الله. التفسير الأول: فالتقى الماء على أمر قد قدر أي على هيئة وصفة قدرها الله في الالتقاء، فالكلام عن تقدير كيفية الالتقاء. لكن على التفسير الثاني كلام عن تقدير وقت الالتقاء. فهمتم الفرق بين التفسيرين؟ على التفسير الأول أي التقى الماء على أمر قد قدر أي على حال وكيفية وصورة قدرها الله سبحانه أنها تكون على هذا الوضع. التفسير الثاني: على أمر قدر أي قدر وقته وحدد في اللوح المحفوظ النهاية. يعني هو الله قدر الهيئة وقدر الوقت والزمان كله بتقدير الله سبحانه.
فيمكن أن نقول إن الآية تشمل كلا الأمرين. قال في اللوح المحفوظ إنه يكون، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان. قال رحمه الله: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: 13]. أراد السفينة؛ لأنه هو الله سبحانه وتعالى، تعرفون طبعا قصة قوم نوح في السورة الطويلة لما أمر الله نوحا أن يصنع سفينة، وكان يوجد فيها ماء وكان يمر به قومه فيستهزؤون بنوح ويقولون يا نوح هذه السفينة أين ستمشي ويضحكون. وورد في بعض القصص أنهم كانوا يخرجون على ظهر السفينة فيقضون يعني نوع من الاستخفاف لهذه القضية. الله يخبر من أنه لم يكن مغفلا عندما كان يبني السفينة في أرض قاحلة، بل هو واثق بوعد الله وواثق باللحظة القدرية التي ستأتي، وأن الله عندما أمره أن يبني السفينة وأن يصنعها هذا ليس شيئا هكذا استخفافا به، وإنما هناك شيء أعده وإن كتبه الله وإن كان مؤجل التوقيت.
على أمر قد قدر، وحملناه، ما قال وعملناه على سفينة، العرب تتفنن في أساليب التعبير. يمكن يقول لك في سياق حملناه على سفينة هذا في سورة هود هكذا قال، هنا قال حملناه على ذات ألواح ودسر. ذات الألواح والدسر هي نفسها السفينة، لكن هذا من التفنن في الأسْلُوب التعبيري. العرب أحيانا تقول مشى فلان أو ركب فلان سفينة، وتقول أحيانا ركب فلان ذات ألواح ودسر نوع من الإطالة طبعا. الألواح هي الألواح الخشبية التي تصنع منها السفينة، والدسر هي المسامير التي تدق بها هذه الألواح. فمثلا بدل أن يقول وحملناه على السفينة التي صنعها، قال وحملناه على ذات ألواح ودسر، فهذا نوع من التفنن في التعبير نعم.
قال رحمه الله: وهي من الصفات التي تقوم مقام الموصوفات. الموصوف هو السفينة، السفينة موصوف وصفتها أنها مصنوعة من ألواح ودسر، فهنا استغنى بالصفة عن الموصوف. فهمتم الآن ما هو الموصوف؟ ذات ألواح ودسر قلت ما هي السفينة؟ فالسفينة هي الموصوف، وصفتها أنها ذات ألواح ودسر. قال فهنا استغنى بذكر الصفة عن ذكر الموصوف فلم يذكر السفينة، وإنما ذكر فقط صفتها، وهذا كما قلنا تفعله العرب في مجاري كلامها. قال رحمه الله: فتنوب منابها وتؤدي مؤداها بحيث لا يفصل بينها وبينها يعني في الذهن خلاص، إذن ذات الألواح والدسر هي السفينة، تفاهم؟ وهذا هو هذا، وإنما هذا من تنوع وتفنن القرآن في أساليب تعبيره.
نعم قال ونحوه: ﴿وَقَمِيصُ مَسْرُودَةٌ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [سبأ: 11]. أراد ولكنه قميص درع يعني هذا شاهد هذه الفكره في لسان العرب. فمثلا هنا يقول صاحب القصيدة المتنبي يقول ولكن قميصي مسرودة من حديد. القميص المسرودة من حديد هي ماذا باختصار؟ الدرع يسمى عند العرب قميصا لكنه مسرود ومصنوع من حديد. فبدلا من أن يقول المتنبي ولبست درعا قال مثلا لبست قميصا من حديد طول القضية. طبعا هنا يمكن أن يلتفت وينظر في نواحي جمالية بلاغية، لكن القميص المسَرود من حديد هو يساوي الدرع، لكنك أحيانا قد تعبر بالدرع وأحيانا قد تتفنن في العبارة فتقول لبست قميصا مسرودا من حديد، فهذا كله من إقامة الصفة مقام الموصوف على سبيل التفنن والجمال.
قال رحمه الله: ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة؟ الذهني لماذا يعني هنا في هذا السياق في سياق ذكر العذاب قال حملناه على ذات ألواح ودسر. نحن قلنا من التفنن صح، لكن هل يمكن أن أحد منكم يلحظ معنى بلاغي؟ يعني معنى هكذا عميق إيماني، ليش ذكر يعني لماذا لم يقل وعملناه على سفينة؟ لا، هنا في سورة القمر وهو يرسم مشهد العذاب اختار أن يعبر عن السفينة بأنها ألواح ومسامير. فهمتم السؤال؟
نعم تفضل، أحسنت الشيء البسيط. فهمتم يعني يريد الله أن يقول كيف نجا نوح؟ هل احتاج إلى شيء خارق لينجو؟ مجرد ألواح خشبية ومسامير أنهت الموضوع في النجاة. فهمتم المعنى؟ يعني هو يريد أن يقول لك طوفان هائل فتحنا أبواب السماء وفجرنا الأرض يعني المشهد مرعب جدا، والنجاة احتاجت فقط إلى ماذا؟ إلى ألواح ومسامير. يعني ما احتاجت إلى قوة خارقة مذهلة، ما احتاجت إلى أن تغير قواعد الكرة الأرضية. هذا يدل على ماذا؟ يعني الطوفان المدمر أولياء الله ينجون منه بأدنى حاجة، مجرد ألواح وشوية مسامير حديد كانت نجاة المؤمنين. شوف هذا معنى جميل رائع أنك الله سبحانه وتعالى قادر أن ينجيك وأن يخرجك من أيدي القوم الظالمين بأدنى حيلة وبأدنى وسيلة، ولم يحتاج الأمر الشيء الكبير الكثير حتى تحصل النجاة. هذا معنى إيماني عميق أنك إذا كنت في بلية من البلايا وتسلط عليك ظالم، بأدنى شيء كما أنجى نوح بذلك ألواح ودسر فقط، وليس بشيء أصعب ولا أضخم، لم يعكس صاروخ نفاث ربما في القوة جبارة، ولا انتزاع ولا تدخل ملائكة تنزل تلتقطه، مجرد ألواح وخشب ومسامير أنهت الموضوع. معناه جميل وملفت حقيقة في هذه الكلمة أو هذا التعبير في هذا السياق.
نعم قال رحمه الله: ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة وبين هذه الصفة لم يصح، وهذا من فصيح الكلام وبديعه. ألا ترى أنك لو جمعت بين السفينة... لم. يقول لك يعني أنت لا يجوز أن تقول وحملناه على سفينة ذات ألواح ودسر، العرب لا تقول هكذا، لا، لأنه صار تكرار لا فائده تحته. خلاص يا بتقول حملناه على سفينة يا بتقول عملناه على ذات ألواح ودسر. كيف أقول لك شو معنى والله مشيت اليوم ركبت سيارة باربع... ركبت على ذات العجلات الأربع، أو تقول ركبت سيارة؟ أما أن تكون ركبت على سيارة ذات عجلات أربع، فهذا توضيح الواضحات وهذا لا تفعله العرب، يعني تكرار سميج لا فائدة منك. كذلك لو قال أنجيناه على سفينة ذات ألواح ودسر، ومعروف أن السفينة تتكون من مسامير الخشب ماذا ستكون؟ فبالتالي لن يكون هناك معنى للجمع بين الصفة والموصوف، فأما أن تذكر الموصوف وحده وأما أن تذكر الصفة. والله عز وجل اختار أن يذكر الصفة للمعنى الجميل الذي ذكرناه ضمن ذكر الصفة في هذا السياق.
نعم قال رحمه الله: والدسر جمع دسار وهو المسمار فعال عند وزن فعل، يعني وزن فعال، وسمي المسمار دسارا لماذا؟ قال لأن الدسار من الفعل دسر والفعل دسر بمعنى ماذا؟ دفعه والمسمار دائما أنت ماذا تفعل فيه؟ أنت تدفعه في داخل ماذا الثقب الذي تذكره فيه. فهمتم قال رحمه الله من دسره إذا دفعه لأنه يدسر به منفذه. قال رحمه يعني دقه ويدق فيه.
قال رحمه الله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: 14]. بعيوننا حال من الضمير في تجري. الله سبحانه وتعالى يؤكد أن القوم الصالحين الذين نجوا بوسيلة وهي ذات ألواح ودسر، وكانوا في رحلة النجاة في رعاية الله وحفظه، الله لا يتركك إذا كنت في الملحظ الإيماني الذي ناخذه من تجري بأعيننا. إذا كنت مع الله الله لا يتركك، الله لم يترك نوح ولم يتخلى عنه ولم يستغني عنه، بل بقي محافظا عليه حتى نجا وخرج من الطوفان. قال تجري بحفظنا ورعايتنا، الله لا يتخلى عن عبيده وأوليائه الذين يقاتلون من أجله ويدعون من أجله ويثبتون من أجله. إياك أن تعتقد هذا ويسوء ظنك بمولاك. إذا تجري بأعيننا هذه السفينة كانت تجري والله يرعاها، تجري والله يرعاها في جريها، لا يمكن أن يصيبها شيء لا يمكن أن تغرق لأنها تحت عين الله.
نعم قال وبأعيننا حال من الضمير في تجري أي محفوظة بنا. جزاء مفعول له لما قدم من فتح أبواب السماء وما بعده. جزاء مفعول لأجله، أي لماذا فعلنا هذا؟ لماذا فتحنا أبواب السماء؟ كل هذا لماذا حدث؟ هذا العذاب لماذا؟ قال جزاء لمن كان كفر، ففعلنا كل هذا هو جزاء وعقاب. جزاء بالهلاك للمكذبين وجزاء بالنجاة لنوح والصالحين، فهو جزاء لهذا ولهذا للفريقين. فكان جزاء الكافرين الهلاك وكان جزاء الذين كفروا وكذبوا النجاة.
قال أي فعلنا ذلك جزاء لمن كان كفر وهو نوح عليه السلام. ما معنى التغطية؟ عندما تأتي إلى بذرة وتضعها في الأرض ثم تضع عليها التراب تقول كفرتها، فالكفر في اللغة هو ماذا؟ أن تغطي الشيء. فهنا ربنا يقول جزاء لمن كان كفر أي جزاء لمن كان غطيا. مين اللي غطى؟ نوح صح. طيب كيف تم التغطية نوح أنا بدي أياك تفهم التعبير القراني. قال جزاء لمن كان غطي أي لمن تم تغطيته. طيب نوح كيف تم تغطيته؟ إنما هو أيه، أحسنت يعني تكذيب نوح هو تغطية للحق الذي جاء به نوح. هذا المراد بكفر نوح أن نوح بحد ذاته لم يدفن هل هو دفنوه لا، وإنما كذبوا بالحق الذي أتى به فجعل تكذيبهم للحق الذي أتى به نوح تغطية، وكأنه وضعوا على نوح حرام وبشرشف وما جابها ذلك وغطت ما أتي به ومنعوا من ظهوره. كذلك قال وهو نوح اقرا. قال رحمه الله: وهو نوح عليه السلام وجعله مكفورا. جعله مكفورا أي مغطى. لماذا؟ لله ورحمته. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. فكان نوح النعمة مكفورة أي نعمة لم يتم الاستفادة منها، لم يتم توظيفها بشكل جيد، وإنما قابلوها بالكفران بالتغطية من خلال الجحد والتكذيب والإعراض والاستهتار إلى غير ذلك.
قال رحمه الله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ [القمر: 15] أي السفينة، أو الفعل تركناها الضمير في تركناها يعود على ماذا؟ إما على سفينة نوح قيل لأنها استوت على الجودي فترة ورأتها أمم وأقوام. وأخيرا ولقد تركناها أي القصة والفعل التي فعلناها، فالضمير إما أن يعود على ذات السفينة أو على نفس القصة والعذاب أي تركنا قصة قوم نوح عبرة لمن يريد الاعتبار. لذلك قال الضمير إما أن يعود على السفينة أو على الفعل المراد بالفُعْلِ اللي هو الإهلاك. الإهلاك جعلها الله وتركها عبرة لمن يريد أن يعتبر. قال أي جعلناها آية يعتبر بها. فترك هنا بمعنى جعل. ترك هنا بمعنى جعل لأنه ترك تاتي بمعنى ألقى، وترك تأتي بمعنى جعل أي صير. فهنا ترك ليس بمعنى ألقى، وترك التي بمعنى ألقى تأخذ مفعولا به واحدا فقط، أما ترك الذي بمعنى صير وجعل تأخذ مفعولين، فهنا ترك بمعنى جعل لذلك ركز على تفسيرها أي جعلناها، لأنه ترك هنا أخذت مفعولين نعم.
قال رحمه الله عن قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، اللي هي السفينة. قيل إن تركها بعرض الجزيرة. والمراد بالجزيرة يطلق على المناطق الحدودية بين شمال السعودية والعراق وتصل إلى الموصل. فالجزيرة هنا ليست جزيرة العرب، وإنما إذا قرأته في كتب التاريخ فلان وكان حاكما على الجزيرة من قبل أمير المؤمنين، الجزيرة كثيرا ما تذكر في أيام الدولة الأموية والعباسية في كتب التاريخ، ويراد بالجزيرة مناطق شمال مناطق الحدودية بين شمال السعودية ومناطق مع العراق، وتصل تدخل فيها بعض مناطق الشام ومناطق الموصل، يعني كل هذه الدائرة كانت عند مؤرخين تسمى ماذا الجزيرة، تسمى عندهم منطقة الجزيرة. ولقينا سفينة نوح على نشور نهى يعني ركدت في مناطق العراق كما قالوا بقينا على جبل في الموصل إلى غير ذلك.
قال رحمه الله: وقيل على الجودي دهرا طويلا. قال دهرا طويلا حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة. قيل إن أوائل الصحابة الكرام استطاعوا أن يشاهدوا هذه السفينة ثم ذهبت الله أعلم. اليوم مقاطع اليوتيوب السفينة موجودة الله أعلم من أين.
قال رحمه الله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 15] متعظ يتعظ ويعتبر. وكان الله يلومنا على تقصيرنا في الاعتبار. إياك أن تشاق الله سبحانه وتعالى، إياك أن تقف في وجه الإله فتأكل الربا وتختترف الحرام وتصر على خلع الحجاب وترتكب الموبقات. هل من مدكر في إنسان يذكر وينتبه قبل فوات الأوان؟ هذه قصة لحد ذاتها قصة عذاب تستحق أن تعتبر وتفهم عظمة هذا الإله.
قال وأصله مذكر بالذال والتاء يعني مذكر بدال مشددة اليس كذلك لكن أصله دال ثم أصله مذكر ثم التاء أبدلت ذالا ثم أدغمت الدال في الذال فأصبح الكل دالا، يعني هي حركات صرفية هذا يعني لا يشغلكم كثيرا إن شاء الله. قال ولكن أبدلت منها الدال ودال من موضع فأدغمت الذال في الدال قال رحمه الله وجعلها هي من ذكر الفعل ذكر ذال بعدها تاء. في قواعد علم الصرف إذا جاءت الذال بعدها تاء افتعل ومشتقاته ماذا يقول ابن مالك الألفية؟ ودلني فاتا في افتعال مبدلا وشذا في إذ همزة نحو تفتعان رد أثره مطبقي في الدان واسدد واذكر دال من بقي. هذا نظره في آخر ألفية ابن مالك ويخبر عن بعض القواعد الصرفية يسمونها إعلال القلب تمام. هنا طبعا هو ليس إعلال قلب أكثر منه إبدال، هو شكل من الأشكال الإبدال حقيقة، لأن إعلال القلب هو خاص بأحرف العلة، هذا شكل من أشكال الإبدال أن التاء في افتعل إذا كانت مسبوقة بدال فإن التاء تقلب دالا ثم تدغم الدال في الدال فيصبح الكل دالا، فيصبح الكل دالا لذلك النتيجة النهائية في.
فَمَا هِيَ؟ ﴿هَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾. أراد أن يعرفك من أين أتت الدال هذه؟ هو يقول لك أصلها الفعل ذكر. الفعل: ماذا ذكر؟ لما صفناه على وزن افتعل؛ لو قلت لك: ذكر، ائت به على وزن افتعل، كيف تقول؟ الفعل: ذكر، تقول: اذتكر. العرب لا تقول صعبة على اللسان؛ إذ ذكر ثقيلة، صح؟ فالعرب قالت: ماذا نفعل؟ نقلب التاء دالاً فتصبح اذذكر، بعدين ذالاً دالاً قالوا: مخرجهما متقارب، تعرفون في التجويد إدغام المتقاربين. إذ قالوا بما أنهما متقاربان، أدغمهما في بعضهما البعض فاصبحت ادّكر.
قال رحمه الله: ﴿فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. جمع نذير وهو الإنذار، استفهام اليس كذلك؟ لكن هل هو استفهام حقيقي؟ هل الله يستفهم: كيف كان؟ ولا ماذا؟ لا، هو ليس استنكاراً، وإنما هو تهويل وتعذيب وتقطيع، ولا يستنكر شيئاً طالما أنكر القضية؛ بعدما نزلت: كيف رأيتم عذابي؟ مهيب متعب، فالمراد التهويل والتعظيم والتعجيب من قدرة الله سبحانه أنه إذا غضب لا يقف في وجهه شيء.
قال: جمع نذير وهو الإنذار، ونذري يعقوب فيهما. يعقوب قرأها: ونذر فيهما في الوصل والوقف، هذه مرت معنا كثيراً للقضية أنه في اختلاف بين القراء في بعض الكلمات قراءتها في الوصل. فيعقوب قرأها فكيف كان عذابي ونذري وصلاً ووقفاً، حتى لو أكمن قد يقراها بالياء، سهل يقرأها بالياء في حال الوصل: فكيف كان عذابي ونذري ولقد يسرنا، وأما في حال الوقف فيحذف الياء، وأما نحن في قراءتنا، قراءة عاصم، فنحذف الياء وصلاً ووقفاً، وكيف كان عذابي ونذر. وإذا أكمن: وكيف كان عذابي ونذر، ومقدمنا القرآن، ونعم.
قال: وعلى هذا الاختلاف ما بعده إلى آخر السورة. وعلى هذا الاختلاف ما بعده، أي كلمة ونذر أينما تكررت في السورة ففيها هذا الخلاف بين القراء، ستمر معنا في أكثر من موطن في السورة، فيقول في كل المواطن: اختلف القراء على هذا النمط من الافتتاح.
قال رحمه الله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ سهلناه للادكار والاتعاظ؛ لأن شحناه بالموعظة الشافية وصرفنا فيه من الوعد والوعيد، وهذا من نعمة الله علينا أن الناس إذا أرادوا أن يستطيعوا أن يعتبروا منه، على تفاوت في مقدار الاعتبار، لكن حتى العامي البسيط لو فكر قليلاً يستطيع كذلك. يعني القرآن ليس كتاباً معقداً، كتاباً عباراته تحتاج إلى مشاكل، نعم كلما أعطيته أكثر من الوقت والاهتمام أعطاك أكثر من المعاني والفوائد، لكن في الجملة هو كتاب يمكن تدبره لمن أراد أن يتدبر ولمن قصده بنية التدبر، فلا يحتاج أن تكون متخصصاً، دكتوراً، بروفيسوراً في العلوم الشرعية حتى تفكر. أغلبكم ربما غير متخصص أصلاً في العلوم الشرعية ومع ذلك هو يشعر أنه يفهم أصول الكلمات، نعم تبقى بعض الكلمات الغريبة تحتاج أن تعود إلى المعاجم وتراجع فيها، لكن عموماً بمجرد أن يفَكَّ لك المعنى تجد القرآن سهلاً، لكن المشكلة إرادة التدبر، وأن أكثرنا لا يفكر في أن يتعب نفسه في قضية التدبر ويشغل نفسه بها.
نعم، قال رحمه الله: ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ متعظ، هذا حث، هذا حث من الله. هل جربت من الله؟ وإذا كان الله يحث على الشيء فهذا يدل على أنه شيء ماذا؟ مهم، الله يحثك عليه، بالتالي لا تتغافل عنه. نعم، قال: وقيل ولقد سهلناه للحفظ وأعنا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه؟ يعني البعض قال: ولقد يسرنا القرآن للذكر، البعض قال: الذكر هنا بمعنى الحفظ، ولكن المعنى الأول هو الأشهر. ذكر هنا بمعنى الاتعاظ والاعتبار الآن، نعم هو حتى الحفظ صراحة هو مسهل وميسر، لكن المعنى الأساسي الذي أنزل من أجله القرآن هو الاتعاظ والاعتبار، وقضية الحفظ هي قضية تبعية وليست هي الغاية الأساس.
قال رحمه الله: فهل من طالب لحفظه ليُعان عليه؟ ويروى أن كتب أهل الأديان نحو التوراه والإنجيل لا يتلوها أهلها إلا نظراً، ولا في أعينهم صعوبة قال: ولا يحفظونها ظاهراً كالقران، يعني هل عمرك رأيت راهباً من يحفظ كتاب الإنجيل أو التوراه؟ دائماً لابد الكتاب بين أيديهم خاصة مع النسخ الكثيرة والأرقام والصفحات، الله المستعان، الحمد لله على نعمة الهداية.
قال رحمه الله: ﴿كَذَبَتْ عَادٌ فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي وإنذارات لهم بالعذاب. إلى قصة عذاب ثانية، والمراد هنا كما قلنا سورة القمر تركز على المشاهد النهائية، مشهد العذاب هذا الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يرسم في ذهنك وأنت تقرا الآيات وتعتبر بها، فالله عز وجل يخبر: كذبت عاد كما كذبت نوح، نعم، فماذا كانت النتيجة؟ فكيف كان هذا؟ أخبرني بالله عليك كيف وجدتم عذابي ونذري التي حلت بهم؟ كيف وجدتموها وعذابي؟ نعم.
قال: وانذارات لهم بالعذاب قبل نزوله، أو إنذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم، هذا خلاف. كان عذاب ونذر هنا ما المراد بها؟ هل المراد كيف كان إنذاري لهم قبل نزول العذاب بهم؟ أو المراد كيف تجد هذا العذاب منذراً لمن بعدهم؟ فهذا المراد بالإنذار: إنذار نفس قوم عاد أو قبل نزول العذاب بهم، أو المراد إنذار من بعدهم من خلال ذكر قصص عذاب قوم عاد. هذا محتمل وهذا محتمل.
قال رحمه الله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ باردة أو شديدة الصوت، فمعنى صرصر على معنى باردة، وهذا مشهور أن الريح الصرصر هي الريح شديدة البروده، أو أنها شديدة الصوت. قال: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ شؤم، النحس هو اليوم والله اليوم هذا منحوس، اليوم هذا يوم نحس منحوس يعني في يوم كان يوم أمير، هو اليوم الذي حل به عذاب الله، ولا يوجد من هذا اليوم.
قال: مستمر دائم الشر، فقد استمر عليهم حتى أهلكهم، وكان في أربعاء في آخر الشهر الله أعلم؛ لأنه يوم اقتلعهم من جذورهم وأبادهم إبادة تامة فلم يبقي منهم. قال رحمه الله: تنزع الناس، تقلعهم عن أماكنهم، شوف التعبير المخيف الذي يريد الله أن يصوره في ذهنك دائماً تتامل الكلمة القرآنية، كلمة تنزع. اقتلعوا من جذورهم، النزع أن هذه الريح تخيلك تطير الشخص من مكانه وتنزعه وتقلعه من جذوره، فكلمة النزع هي تعطيك تصور إنسان متجذر في الأرض، وهذه الريح تقوم بخلعه من ماذا؟ من جذوره، خاصة أن قوم عاد كانوا معروفين بماذا؟ بالأجساد الطويلة، يعني قوم عاد من زي الكهنة خطيرنا، لكن قوم عاد طولهم شديد تماماً في السماء وعرضهم فكانوا قوم جبارين، مش أي ريح بتشيلهم، بتنزعهم من جذورهم، ما شدة هذه الريح؟ نعم.
قال رحمه الله: وكانوا يصطفون أخذاً بعضهم بأيدي بعض، ويتداخلون في الشعاب، ويحفرون الحفر، كانوا يحاورون الثبات أمام هذه، بعض يظنوا أنها يعني ما راح تطيرهم، ويحفرون حفر يدخلون في داخلها، الكل تزرع حفراً، حفراً مسكت في يد صاحبك، العذاب لن تستطيع الفرار منها، قال: فيندسون فيها، فتنزعهم وتكبهم وتدق رقابهم الريح هكذا كل هذه.
قال: كانهم حال، كيف حالهم يعني كيف كانت هيئتهم بعد أن ماتوا وأصبحوا خامدين على الأرض؟ شبههم الله بأعجاز النخل. النخلة تعرف النخل لما تكون القاعة على النخله طويلة جداً ما عليهاش راسها وأوراقها، أظنكم تخيلتم هذا المشهد أنه يشاهد في الحياة العامة، النخلة عندما تموت وتكون على الأرض وراسها في الأعلى منتزع منها، هكذا كان حالهم، أجسامهم طويلة عواميد أو عواميد على الأرض طويلة جداً منقاة وانتزعت رؤوسهم من أجسادهم، إخواننا متخيلين المشهد؟ إيش هاي الريح اللي فكت الراس عن الجسد؟ يعني طيرتهم فخبطوا بشغلة ماتوا، ريح نزعت الراس عن الجسد، عذاب مرعب.
أمر سهل جداً الذي يتكلم فيه أو الذي يوصف هنا عظمة هذه الريح قوية جداً جداً أن وصلت أن تفعل بهؤلاء هذا المشهد الرهيب. قال رحمه الله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ أصول نخل منقلع عن مغارسه، وشبهوا بأعجاز النخل لأن الريح بمعنى منقعر أي منقلع عن مغرسه، أي المكان الذي غرس فيه، يعني ملقى على الأرض هكذا بها وامتداء، فمعنى كلمة منقعر هنا أي منقلع من مكان غرسه.
قال: وشبهوا بأعجاز النخل لأن الريح كانت تقطع رؤوسهم، تقطع الرؤوس عن الجسد، رهيبة. قال: فتبقى أجسادا بلا رؤوس، فيتساقطون على الأرض أمواتا وهم جثث طوال. وذكر صفة نخل على اللفظ نعم، لأن النخل مفردة ماذا؟ نخلة هي مؤنث، لكن كلمة نخل كلفظ مذكر كلفظ، لأنه لا يوجد فيه تأنيث، تاء التأنيث موجودة فقط في ماذا؟ في المفرد، وأما في الجمع على الكتاب تأنيث لا، لما كانت صورة الجمع خالية من تاء التأنيث ذكر الصفة، فماذا قال؟ قال أعجاز نخل منقعر، ما قال أعجاز نخل منقعرة، قال: أعجاز نخل منقعر فجعل الصفة مذكرة لأن كلمة نخل مذكرة من حيث اللفظ لعدم وجود علامة التأنيث، وإن كانت من حيث المعنى هي مؤنثه، لذلك قال.
ولو حملها قال: ولو حملها على المعنى لأنث، يعني لو كان الله سبحانه باعتبار معناها لأنك قال أعجاز نخل خاوي، في صورة أخرى ماذا قال؟ أعجاز نخل خاوية. لماذا في صورة القمر قال نخل منقعر، وفي صورة أخرى قال نخل خاوية؟ نفس الصفة صح، وهنا ذكر فقال منقعر، فهذا من باب ماذا؟ أن هناك هنا اعتبر اللفظ وهناك اعتبره المعنى، جيد أن تفهم هذا الاختلاف في التعبير القراني. جميل قال رحمه الله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ لم يفسرها النسب تفسيره.
قال: ﴿كَذَبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ المشهد الثالث مشهد عذاب قوم ثمود، قال: فقالوا: ﴿أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ﴾ انتصب بشراً بفعل يفسره نتبعه، تقديره أن أتبع بشراً منا واحداً، يعني هذا ما يسمى بموضوع باب الاجتهاد، ما يسمى في النحو باب الاشتغال، أن الفعل أن بشرا مفعول به لفعل محذوف. واحد بدنا نتبعك ونحن أمة عظيمة فعلت وصنعت ونحتت الجبال وبسطت الأرض وما شابه ذلك، شوفوا لغة الاستخفاف والاستعقار، بشر ومنا، يعني أنت واحد مني، تمام؟ واحد إحنا الآلاف المؤلفة بدنا نتبع واحد؟ هل هذا معقول؟ هذا الاستخفاف وعدم الاعتبار، ماذا كانت نتيجته؟ قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ كان يقول: إن لن تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق، يعني صالح كان يقول لهم: إذا أنتم لم تتبعوني ستكونون على ضلال، فهم ماذا قابلوا؟ لا والله إذا احنا اتبعناك، اتباعك لنا سيكون هو الضلال، فكانهم قابلوا كلامه بهذا الكلام.
نعم، قال: وسعر ونيران، جمع سعير، نعم، فالسعر هنا المعنى الأول لها أنها النيران وتكون جمع سعير، قال: فعكسوا عليه فقالوا إن اتبعناك كنا إذاً، كما تقول وقيل الضلال، هذا التفسير الأول أنه هو صالح كان يقول لهم: إذا لم تتبعوا ستكونون في ضلال ونيران، فهم بماذا أجابوا؟ ربنا قالوا: بالعكس، إذا احنا اتبعناك، اتباعك هو الضلال وهو النيران وعدم اتباعك هو النجاة لنا بحقائق الأمور كما هي.
نعم، قال رحمه الله: وقيل الضلال الخطا والبعد عن الصواب، والسعر الجنون وقول يعني هذا تفسير آخر للسعر أن السعر هو الجنون من السعال عند سعار، جنون، فإذن السعر أما أن تكون جمع سعير وتكون بمعنى النيران، وأما أن تكون سعر من السعار وهو الجنون، أن إذاً لا في ضلال أي في خطا وسعار وجنون إذاً نحن.
وقالوا: ﴿أَبَشَرًا﴾ إنكار لأن يتبعوا مثلهم في الجنسية، استفهام إنكاري، بشرا، يعني إحنا هم بدهم ملائكة حتى يقتنعوا، مش مقتنعين أنه يكون واحد بشر هو الرسول. نعم، قال رحمه الله: وطلبوا أن يكون من الملائكه وقالوا: منا لأنه إذا كان من هنا مثلهم في الجنسية الجنسية أم الجنس؟ بشر من جنس البشر، هذا معنى الجنس، جنسية، معنى الجنس. قال: لأنه إذا كان منهم كانت المماثلة أقوى، إذاً هم قالوا: من هذه منه مقصودة أنه هو بشر ومش بس بشر، واحد من جماعتنا، فقالوا هذا أقرب للمثلية، وإن ظنوا أنه كلما كان مماثراً أكثر لا يصلح أن يكون نبياً، وهذا كله من السخافة.
أقول النبوة ليس لها علاقة أن يكون منك ولا من غيرك، العبرة بما قاله بما أتى به من الحقائق، هكذا جادل، هكذا ناقش. نعم، قال رحمه الله: ﴿وَقَالُوا وَاحِدًا﴾ إنكار لأن تتبع الأمة رجلاً واحداً، أو أراد واحداً من أفنائهم ليس بأشرافهم، لأن أمة كاملة تتبع شخص واحد أو المراد بالواحد هنا التحقير، واحد واحد من هالناس وليس من أشرافهم وعليها القوم، لذلك قال: أو من الحواشي يعني شايفه وليس من الأصول والأشراف.
نعم، قال: من أفنائهم ليس بأشرفهم وأفضلهم، ويدل عليه قوله: ويدل عليه يدل على أن المعنى الثاني هو الأرجح، كأنه من المراد واحداً أي واحداً من الحواشي وليس من الأشراف، أنهم قالوا بعد ذلك. نعم، قال: ﴿أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا﴾ أي يعني لماذا هو مختص بالذكر؟ لماذا نزل القرآن؟ كقالة قريش في صورة أخرى، ما هي؟ نفس الكلام، وقالوا لولا نزل في صورة الزخرف: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين. نفس الكلام، أهل الباطل التافهة هي تتكرر عبر الدهر، نفس الكلام، نفس الطريقة في التفكير، كلهم ليش محمد صلى الله عليه وسلم من بيننا؟ نفس الإشي. قوم صالح ثمود ماذا قالوا؟ ليش صالح هو الذي اختير نبيا؟ ليش مش فلان وفلان من أشرافنا وزعمائنا؟ إيش دخ
لكُم أنت عليك أن تُناقش الحُجَّة بالحُجَّة.
قالت رحمه الله: أي أنزل عليه الوحي من بيننا وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبُوَّة. بل بدون اختيار النبي من عندهم بالمواصفات التي هم يريدونها، نعم. قال: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: 25]، بَطِرٌ متكبر، هو المتكبر هو المتكبر. بَطِرٌ متكبر؛ حَمَلَهُ بَطَرُهُ وطلَبُهُ التَّعَظُّمَ علينا على ادعاء ذلك. سيعلمون غداً عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة مَن الكذاب الأَشِرُ. هذه لغة التهديد، صح؟ أنت بتُحكي شغلة بقول لك بكرة بنعرف مين الذي سيكون كذاب أَشِر ومين هو الصادق حقيقة.
قال رحمه الله: من الكذاب الأَشِرُ؟ أصالح أم مَن كذَّبه؟ ستعلمون. شامي وحمزة على الشام قراوها: بالخِطاب. اقراوها ماذا؟ بالغيبة: سيعلمون، نعم. قال على حكاية ما قال لهم صالح مُجيباً لهم، أو كان صالح هو الذي يجيبه: ستعلمون غداً مَن الكذاب الأَشِر، فيكون هذا على لسان صالح. قال: أو هو من كلام الله على سبيل الالتفات. ما معنى الالتفات؟ ومن الغيبة للخطاب أو العكس، الخطاب للغيبة. فهنا الآيات كانت تتكلم بصيغة الغيبة: ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ۖ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: 25]، ثم قال: ﴿سَتَعْلَمُونَ﴾ [القمر: 26]، فانتقل الكلام إليهم مباشرة مواجهة لهم بعد أن كان الكلام عنهم على صيغة الغائب، طيب.
قال رحمه الله: إنا مرسلو الناقة باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، فتنةً لهم امتحان لهم وابتلاء. وهو مفعول له أو حال، مفعول له مفعول لأجله يعني، فتنةً ما إعرابها هنا؟ مفعول لأجله. لماذا خلق الله ناقة صالح؟ لماذا أخرجها من الصخر؟ لتكون فتنةً لهم. ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ [القمر: 28] فانتظرهم وتبصَّر ما هم صانعون، النظر والترقب، ترقب يا صالح كيف يواجهونها. دعونا ننظر كيف نتعامل معه.
قال رحمه الله: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَعْجَلْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ﴾. وهذا مطلوب دائماً من الدعاة عند مواجهة أقوامهم، طيب. قال: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ [القمر: 28]، بيِّنهم لها شُرْبُ يومٍ ولا هم شُرْبُ يومٍ. صالح أعلم قومهم أن الله عز وجل أخرج لكم الناقة وأعطاكم معجزةً كما طلبتم معجزةً، غير معجزة إيش بدك أعظم من ناقة تخرج من صخرة؟ بس هاي الناقة لها تفاهمات معكم، هناك كان عين ما يشرب منه قوم صالح، فالله سبحانه وتعالى أمر صالحاً أن يقول لقومه: هذه الناقة لها يوم معين تشرب فيه، وأنتم لا يجوز أن تشربوا، وفي يوم أنتم تشربون هي لا تشرب، إذاً هناك قسمة، يوم يكون للناقة لا يجوز لقوم صالح أن يشربوا، ويوم لقوم صالح لا تشرب فيه الناقة. لذلك قال: ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، يوم لكم ويوم للناقة.
قال: وبينهم تغريباً للعقلاء. أنواع الضمير (هم) هذا لا يُستخدم إلا إذا كان يعود إلى عقلاء. ناقة هل هي عاقلة؟ ما قُري من العقلاء تماماً، فالضمير في قسمة بينهم، الضمير (بينهم) يشمل قوم صالح ويشمل الناقة، صح؟ فهو يشمل عقلاء وغير عقلاء، والأصل في هذا الضمير أنه لا يُستخدم إلا للعقلاء، مع أنه هنا يحتوي على فرد غير عاقل وهو الناقة، فقالوا: إنما لا تغريباً للعقلاء، لأن العقلاء كثرة، هي واحدة فغلَّبهم الله واستعمل الضمير الخاصة بالعقلاء.
قال رحمه الله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: 28]، يحضر القوم الشرب يوم وتحضر الناقة يوماً، يعني كل شرب له مِن يحضره، اليوم هذا يوم حضور القوم واليوم حضور الناقة، كل شرب محتضر من صاحبه في موعده، نعم. فنادوا صاحبهم قُدار بن سالف أو حَيْمَر ثمود الذي قام ماذا؟ بعقر الناقة. تشاركهم في ماذا؟ في عين اليوم؟ لا والله. أخرج الله آية لهم، احترموا آية الله يا جماعة، ناقة تخرج من الصخر، والله لو كل الأيام لها بتستاهل ناقة تخرج من الصخر، احترموا آية الله، وكالعادة المكذبين الذين يتبعون أهواءهم بدأوا ماذا يحاولون قتل الناقة حتى جاء شقيُّهُم قُدار بن سالف وقام بعقرها بالتعاون مع قوم ثمود، نعم.
قال: فتعاطى بن سالف، قال رحمه الله: فتعاطى، فاشترى على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث. الله، هذا معرفة تعاطى، ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: 29]، أي تعاطى الفعل الشنيع الذي ما كان ينبغي أن يفعل، هذه الفعلة التي كان فيها هلاك قوم ثمود هي بعدها حدث الهلاك، طيب. هذا معنى تعاطى على أشهر الاقوال، سيذكر معنا معاني أخرى من الفعل تعاطى. اقرأ قال: فعقر الناقة، أو فتعاطى الناقة فعقرها. أعطى المعنى، معنى التعاطي هنا على تفسير الثاني أنه تناول الناقة فعقرها، فالمراد بالتعاطي الحسي، المعنى الأول التعاطي المعنى، أما هنا تعاطي وأخذت ناقة وعقلها.
قال: أو فتعاطى السيف، فعاطَ السيف يتناول السيف، وهنا أيضاً التعاطي بالمعنى الحسي أنه تناول سيفه فعقرها، نعم. قال: وإنما قال فعقروا الناقة في آية الأعراف الله عز وجل الناقة كلهم هنا واضح أن الذي عقر مَن هو؟ واحد، صاحبهم فنادوا صاحبهم واحد. طيب لماذا اختلف التعبير؟ يعني إذا كان يعني يا واحد اللي عقرها يا جماعة، كيف قال كذا وكذا؟ أحسنت، لأنهم كانوا قابلين راضين بالفعل، أنهم ساعدوه وأظهروا السرور بفعله، وهذا يدل على أن الذي يرضى بالمنكر يأخذ حكمه من فعل المنكر، هذا المعنى، من رضي بالمنكر وبَلَغَهُ فرضي به يأخذ حكمه من فعله، ولذلك الله عز وجل جعله معاقرين للناقة لما رضوا بما فعل صاحبهم ولم ينكروا، وهذا معنى جميل في أن تفهم اختلاف التعابير القرآنية كيف يوصل إلى بعض الأفكار والمفاهيم الحياتية، مَن شهد المنكر وحضره كان كمن فعله، وقد مرَّ حديث معنا أبي داود بهذا المعنى، أن مَن شهد المنكر، وحتى ولو عذراً أن مَن رضي المنكر حتى ولو كان غائباً كان كمن حاضره وشهده، نعم.
قال رحمه الله: لرضاهم به أو لأنه عقر بمعونتهم، قال: فعقروا بواقع الجماعة لرضاهم به، لأنهم كانوا راضين فجعلوا كأنهم عاقرون معه. قال رحمه الله: فكيف كان عَقْرُ بمعونتهم؟ أما لرضاهم، وأما لأنهم ساعدوه، وكلاهما جريمة، سواء كنتم راضين ولو لم تعينوه أو ساعدتموه فعلياً، كلاهما جريمة تجعلكم مشاركين في المنكر العظيم وتستحقون نزول العذاب الأليم.
قال رحمه الله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: 30]، أنا أرسلنا عليهم في اليوم الرابع من عقرها صيحةً واحدةً، ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب كما مرَّ في سورة هود. أعطاهم ثلاثة أيام، قالوا: بعد ثلاثة أيام لن يبقى منكم. هم طبعا سهروا يستهزؤوا، خلينا اليوم الرابع. قال رحمه الله: صيحة واحدة، صاح بهم جبريل عليه السلام واحدة، يعني أكثر من إيش؟ صرخة واحدة يعني جبريل ما تعب مش أنه تعب وانهك، هو يعذبهم مجرد قدرة الإيمان عليك أن تخاف من الله سبحانه، لذلك هناك قصص العذاب فقط هنا الله فقط تريد أن يريك قدرتك حتى تخاف، صيحة واحدة كان فيها إنهاء في كل القوم المكذبين الذين كانوا ينحتون الجبال وعظماء في أجسامهم، لم يأخذ الأمر من جبريل وقتاً كثيراً.
قال رحمه الله: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: 31]، والهشيم الشجر اليابس المتهشم المتكسر، والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وما يحتضر. الهشيم تعرفوا إخواني، خاصة من راى منكم حدائق قديماً من الأغصان التي خلاص مر عليها الأزمنة وصارت هشةً ضعيفةً هذه يجمعها من يريد يصلح حظيرة. المحتضر هو الشخص الذي يريد يعمل حظيرة للغنم أو حظيرة للدجاج أو يجمع هذه الأغصان وهذه الجذوع الهشة ويبنيها فوق بعضها البعض ويصنع بها جداراً وسوراً تتشكل به. هكذا أصبح قوم ماذا؟ هكذا أصبح قوم ثمود، متخيلون لمشهدهم؟ الله يشبههم أنهم أصبحوا كجذوع هشة يجمعها المحتضر حتى يبني حظيرته، لأن المحتضر لما يجمع يجمع أكثر الأغصان هشاشةً حتى تصلح في ماذا؟ في عملية البناء للحظيرة، هكذا أصبحت أجسادهم على الأرض أغصان مهترئة بدون نخل ثالثة عفا عليها الزمن ومر عليها الناس.
تخيل مشهدهم وهم ملقون على الأرض وأصبحوا على هذه الهيئة كهشيم المحتضر، أي كالهشيم الذي يجمعه المحتضر. المحتضر اسم فاعل الشخص الذي يريد أن يصنع حظيرة، فهذا الشخص يبحث عن هشيم عن أغصان وشجر يابس متكسر يجمعها حتى يبني بها الجدار، فهم أصبحوا كهذا الهشيم بمجرد صيحة واحدة. الله يرسم لك المشهد حتى تتخيل حجم القوة والعنف الذي حدث به نتيجة التكتيك.
قال رحمه الله: وما يحتضر به يلبس بطول الزمان وتطؤه البهائم تقفز على الحظيرة، فدائماً هشيم المحتضر هذا أسوأ الهشيم وأكثره دوساً ورداءةً، لذلك خصصه بالذكر. لماذا لم يقل كالهشيم؟ لا لا، قال هشيم المحتضر، لأنه هشيم الموضوع على الحظيرة هذا أسوأ وأضعف أنواع الهشيم. لماذا قال؟ لأنه ييبس كثيراً بطول الزمان وكثره وطء البهائم عليه، تعرف البهائم، فهو هشيم تالف يابس جداً ناشف، وهكذا حالهم بصيحة واحدة أصبحوا كهذا الهشيم، لصورة كئيبة ونهاية حزينة للقوم المكذبين.
قال: فيتحطم ويتهشم. وقرأ الحسن بفتح الظاء، بفتح الظاء يعني المحتْضَر، والمحتْضَر هنا اسم ماذا؟ مفعول، أنه محتْضَر، اسم فاعل إذا فتحنا الظاء أصبح اسم مفعول، وبالتالي المراد على هذه القراءة كهشيم المحتضَر أي كهشيم الانحضار. قال: وهو موضع الاحتضار أي الحظيرة، يصلح لهذه الأمور الأربعة، وهنا اختار الناس في أن يجعله ليس اسم مفعول، اختار أن يجعله اسم مكان وهو موضع الاحتضار.
اللغة العربية يعني أن يفهم، يعني هذه ربما القواعد أخذناها في أول متن في علم الصرف في بدايه تدريس من الصرف، يفهمك أن محتضر هذه الصيغ تكون تصلح أن تكون اسم مكان اسم زمان، فإذا أنت بدأت تقرا في كتب التفسير تصبح تفهم كيف تعامل المفسر مع هذه الكلمة وعلى أي معنى من المعاني حملها. الذي لا يعرف كل الأغاني والمكان سيبقى يعاني وهو يقرأ في كتب التفسير ولا يحمل الكلام على المحمل.
نعم، قال رحمه الله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 32]. كذبت قوم لوط بالنذر، إنا أرسلنا عليهم حاصباً ريحاً تحصبهم بالحجارة. نفس الشيء قوم لوط عاندوا رسول الله وكانوا والعياذ بالله يفعلون الفاحشة ولا يرعون عنها، فكان العقاب؟ ما نوع العقاب؟ يعني قومه عقابهم الطوفان ممتاز، قوم عاد عقابهم ريح صرصر، قوم ثمود عقابهم صيحة واحدة، قوم لوط ماذا كان نوعية العقاب؟ شوف هذا التنوع، يعني حتى الله عز وجل بيعطيك إيش أنه أنا بعاقب كما اريد، هذول اخترت لهم الطوفان وهذول اخترت لهم الريح، بإمكانه الكل ينهيهم بصيحه جبريل، لماذا التنوع في العقاب؟ لماذا ما رايكم؟ نعم، تنوع قدرة الله سبحانه وتعالى وأنني قادر أن أفعل تماماً وأنني يعني لا يلزمني نوع معين من العذاب، وهذا يزداد به رعب الإنسان وهذا مراد في هذه السورة نشوفه تنوع العذاب يا كفار قريش انتبهوا ترى الموضوع سهل على الإله ولا يشق عليه شيء.
نعم، قال رحمه الله: ريحاً تحصبهم بالحجارة أي ترميهم بالحجارة، إلا آل لوط بنيها ومن آمن معه، نجيناهم بسحر من الأسحار، ولذا صرفه صح؟ فالمراد بسحر يوم من الايام، طبعا تعرفنا الصادق فقال نجيناهم بسحر أي بسحر يوم من الأيام، كلمة سحر إذا كان المراد بها سحر يوم من الأيام ليس معيناً فإنها تكون مصروفةً فتُنوَّن، أما كلمة سحر إذا أريد بها سحر يوم بعينه فهنا تمنع من الصرف فلا تنوَّن وتجر بالفتحة، فلذلك قال: بسحر من الأسحار ولم يجعله ممنوعاً من الصرف لأنه ليس مراداً به سحر يوم بعينه، وإنما المراد به سحراً يوم من الأيام، لا يهمك معرفه هذا اليوم بالتحديد، طيب.
قال: ويقال لقيته بسحر، لقيته بسحرة، بسحرة التنوين يقلب المعنى تماماً، طيب. قال: ويقال لقيته بسحره إذا لقيته في سحر يومه عن يومه الذي يتحدث فيه اليوم المعين هذا الذي نحن فيه. الآن انتهى أعطاك فكرة عامة، قال: وقيل هما سحران، فسحر الأعلى قبل انصداع الفجر والآخر عند انصداعه، كان هذا قيل من السحر، السحر الذي يكون مصاحباً لطلوع الفجر الصادق، ولكن هذا ليس هو مشهور في كلام العرب في قضية السحر، طيب.
أكمل قال: نعمةً مفعول له أي إنعاماً لها أحبابي، يعني مفعول لأجله، أي لماذا نجى الله لوطاً ومن آمن معه؟ نعمة وشكراً من الله لهم أن ألغت على الدين وصبروا، فمن إنعام الله على أوليائه أنه ينجيهم ولا يهلكهم مع القوم الظالمين، قال: أي إنعاماً من عندنا، كذلك من عندنا دلالة على أنه اصطفاء واختيار، كلمة من عندنا هذه مش مذكورة هنا عبثاً، لا نعمة من عندنا، مني أنا الله، نعمة مني أنا الله، وهذا فيه تعظيم لقدر هذه النعمة وأنها فيها اختصاص وصفاء واجتماع.
قال: كذلك نجزي مَن شكر نعمة الله بإيمانه وطاعته، فهذه رسالة من الله كل مَن يثبت أنا أفعل به نفس الشيء، يعني هاي رسالة إلي ولك، كذلك نجزي من شكر الذي يشكر نعم الله ولا يكفرها ويثبت على دينه ولا يبدل ويثبت أمام الفتن، الله سبحانه يكافئه كذلك نجزي من شكر، يعني هذه سنتنا التي لا تتبدل ولا تتغير، كل من شكر نعمة الله، والشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح كما قالوا في الطاعة، الشكر إذا فعلته كما يريد الله، الله سبحانه وتعالى يعينك ويثبتك وهذه شواهد القوم الشاكرين.
نعم، قال رحمه الله: ولقد أنذرهم لوط عليه السلام بطشتنا أخذتنا بالعذاب، فتماروا بالنذر فكذبوا بالنذر متشاكين. تماروا أي شك هنا بمعنى ماذا؟ الشك، فصاروا يشككوا معقول يا لوط في عذاب أنت تخوفنا من شيء غير واقع؟ تماروا بالنذر باختصار لم يتعاملوا بجدية وتعاملوا باستخفاف واستهزاء، هذا معنى كلمة تماروا الاستخفاف وعدم التعامل بجدية والتشكيك، طيب.
فماذا كانت النتيجة؟ قال: ولقد راودوه عن ضيفه طلب الفاحشة من أضيافه، فطمسنا أعينهم. قوم لوط كانوا يفعلون الفاحشة مع الرجال، فجاءت الملائكة إلى لوط في صورة رجال جميلين رجال حسان فدخلوا بيت لوط امرأة.
لوط كانت تقف مع قومها فذهبت فوشت وقالت للقوم: ترى لوط عنده رجال جميلون يعني إذا أردتم أن تفعلوا بالفاحشة، فالمرأة التي ترود للفاحشة والعياذ بالله فجاء قوم لوط مهرعين مسرعين يريدون أن يفعلوا. فلوط كما جاء في سياقات سور أخرى أعرف، يعني هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون، لا تفضحوني يا جماعة هذا القوم وضيوف ما بيصير هذا الكلام وهؤلاء بنات يتزوجونهن إذا أنتم تريدون الحلال، لكنهم أصروا.
أنا حاضرا، قال: أبعد شوي خلينا نتفاهم معهم. فجبريل قالوا بطرف جناحه طمس أعينهم، قيل هو طمس حقيقي ذهبت أعينهم وأصبح وجههم بدون عين، هذا معنى الطمس. ذهبت المعاني عندما تطمس شيئاً أنت تذهب ماذا؟ معالم. سميت طمس طمساً تذهب به على القلم الحبر، فالطمس يذهب المعالم. فجبريل قيل طمس معالمهم فما بقيت لهم عيون، وقيل كان طمساً معنوياً أنه أفقدهم الإدراك فما عادوا يلاحظون الضيوف. فقيل هو طمس حقيقي، وقيل هو طمس معنوياً فقدوا الإدراك وليس أن عيونهم ذهبت فعلياً، هذا محتمل وهذا محتمل. قال رحمه الله: وقيل مسحناها وجعلناها كسائر الوجه لا كسائر الوجه.
يعني فصار الأمام كالخلف لا يوجد فيه أي شيء كله مقموص، هذا بعد قوله أنها مسحناها وجعلناها كسائر الوجه لا يوجد أي معالم كما هو في المنطقة. قال رؤي أنهم لما عالجوا باب لوط عليه السلام ليدخل قالت الملائكة: خليهم يدخلون، ملائكة قالت: ﴿إِنَّ رُسُلَ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: 81] فصفقهم جبريل عليه السلام بجناحه صفقة فتركهم يترددون لا يهتدون خروجاً. يعني شافوا نجوم الظهر زي ما يحكوا صاروا يترددون يحاولون الخروج، إيش اللي صار؟ كيف الإنسان يطفى عليك الضوء فجأة؟ هذا الذي حدث معهم.
يحاولون الخروج من المكان، قيل حتى إنهم لم يعرفوا الباب الذي سيخرجون منه حتى جاءهم لوط وأخرجهم من الباب قال: لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط، لوط هو الذي أخرجهم بعد، سواء كانت طمساً حقيقياً أو طمساً معنوياً المهم أنه مصلحة في حالة من الاندهاش لا يرون شيئاً أمامك. قال: فذوقوا فقلت لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة عذابي والنذور. ولقد صبحهم بكرة أول النهار علم بعد السحر نج... عذاب الأليم وهي الريح الحاصب والمطر الشديد، فقوم لوط المؤمنون نجوا بالسحر ثم لما جاء البكرة، البكرة هو أول النهار حل العذاب، وكان لوط ومن آمن معه قد نجوا بسحر. قال رحمه الله: عذاب مستقر ثابت قد استقر عليهم إلى أن إلى أن يفضي إلى أن يفضي بهم عذاب الآخرة، فجعل العذاب مستقرا لأن عذابهم لن ينتهي، أليس كذلك؟ هل عذاب قوم لوط انتهى؟ لا، لسه وراه مشوار طويل لن ينتهي. عذاب مستقر، كيف هو مستقر؟
صح، قال عذاب مستقر، طب كيف هو مستقر وقد انتهى؟ المراد أن عذابهم هذا معنى الاستقرار هنا أنه عذاب لن ينتهي في حياتهم أبداً، وهذا بئس الشقاء أن يكون عذابك أبدي والعياذ بالله. قال رحمه الله: وفائدة تكرير فذوقوا فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر.
يريد أن يقول لماذا كرر الله هاتان أو هاتين الآيتين في هذه السياقات ثلاث مرات؟ اللي هي فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن، لماذا هذا تكرر في مواضع متعددة في سورة القمر؟ فيريد أن يخَبِّرك عن سبب التكرار فقال أن يجددوا عند استماعكم لنبأ من أنباء الأولين تذكاراً واتعاظاً، وأن يستأنفوا تنبهاً واستيقاظاً إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، كل مرة لما تسمع هذا يحثك أكثر وأكثر على الانتباه أن الله ليس مره واحدة يقول لك، قالها مرة ومرتين وثلاث فهو ينبهك على هذا الموضوع، وهذا يجعلك تهتم وتتذكر والاعتبار والاتعاظ، لأن الله بعد كل قصة عن ينبهك: انتبه، بعدين بيعطي قصة تموت، بعدين بقول لك: انتبه، بعدين يعطيك قصة لوط، بعدين بقول لك: انتبه، يعني كم مرة الله نبهك ثلاث مرات على موضوع الاعتبار والاتعاظ؟ لأنها قضية أساسية في التعامل مع النص القرآني. قال رحمه الله: وهذا حكم التكرير في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] في سورة الرحمن كم مرة تكررت؟ واحد وثلاثون مرة أو ثلاثون مرة.
لماذا تكررت؟ هي فكرة أساسية يريد الله أنك تنتبه أنه إياك أن تكذب بهذه النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليك مثلاً. قال: عند كل نعمة عدها وقوم، وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 15] المكذّبين لأنه هي سورة المرسلات تخويف وترعب بالتالي محتاجة أنه تنتبه، ويل يومئذ للمكذبين كل شوي تتنبه على هذا المعنى، لأنه المعنى الأبرز الذي يريد الله منك أن تحققه في هذه السورة، قال عند كل آية أوردها وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب مصورة عموماً في كتاب الله وهو أن تبقى تلك العبر وتلك الأحكام بارزة في النفوس حاضرة عند الألباب. قال: مذكورة غير منسية في كل أوان. قال رحمه الله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر: 41] وهي قصة هلاك قوم فرعون موسى وهارون اللذين جاءا إلى فرعون، من هم النذر؟ أما موسى وهارون عليهم السلام بقيت تبعهما من الأنبياء. قال: قال موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء أو هو جمع نذير وهو الإنذار هنا معنى آخر.
إذاً أو يراد بالنذر أي الإنذارات، إذاً نذر هنا ورقة جاء آل فرعون النذر إما أن يحمل النذر على معنى الرسل وهم البشر، أو يحمل النذر على معنى الإنذارات يعني ولقد جاء آل فرعون إنذاراتي وتنبيهاتي المتكررة. قال: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر: 42] بالآيات التسع، ولعل المعنى الثاني يكون هنا أقوى أن يراد أن النذر ليس المراد بها موسى وهارون بالتحديد وإنما المراد بها الإنذارات عموماً، ومنها هذه الآيات التسع التي ذكرها الله في سورة الأعراف أرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم بالإضافة إلى اليد والعصا كانت تسع آيات. كيف تعاملوا معها؟ قال: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 42] لا يغالب مقتدر لا يعجزه شيء. قال رحمه الله: أكفاركم يا أهل مكة؟ اختصر الموضوع لأنه ذكره كثيراً، لماذا قوم فرعون لم يبسط في قصة عذابهم كثيراً في التفاصيل الدقيقة في سور سابقة؟ بالتالي يكفيك الخلاصة أن كان عذابهم أخذ عزيز مقتدر، أخذ من هو عزيز لا يمكن أن يغلبه أحد ويغالبه أحد، لأن العزة تقتضي الاقتدار التام أصلاً، فالعزيز هو الذي لا يغالب لا يستطيع أحد أن يغلبه ولا أن يكفر، والمقتدر هو قدر أبلغ من قادر، المقتدر أبلغ من قادر لأنها تدل على كمال القدرة ولذلك استعمل هذا الاسم هنا في سياق العذاب فكان أبلغ.
قال رحمه الله: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّن أُولَٰئِكُمْ﴾ [القمر: 43] وما بعد كل هذه الرحلة وبعد كل هذه الجولة أيه كفار يخبروننا بعد ما أعطيناكم كل هذه الجولة في رحلات العذاب التي حلت الأمم السابقة، بالله أخبرونا كفاركم أنتم يا كفار قريش يعني جماعتكم أحسن معقول من قوم نوح وعاد وثمود ولهم صك غفران يعني لن يحكم كما حل بهؤلاء المكذبين؟ ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّن أُولَٰئِكُمْ﴾ [القمر: 43] من أولئك الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون؟ أي أهم خير قوة وآلة ومكاناً في الدنيا أو أقل كفراً وعنادا؟ يعني إن كفاركم مثل أولئك بل شر منهم.
الله لا ينتظر جواباً منه لما قال أكفاركم خير من أولئكم، هل الله سبحانه ينتظر جواباً؟ لا، هو المراد أن يقول له الخلاصة أنه أنتم زيكم أحياناً، لذلك أعطاك الخلاصة في النهاية، يعني إن كفاركم يا كفار قريش هناك الجماعة بل أنتم شر منهم، فانتم أضعف منهم آلة وعدة وقوة ومع ذلك تمارسون كما كانوا يمارسون مع أنهم كانوا أقوى منكم قوة وعدة وعتاداً، فانتم كفاركم مثلهم بل أنتم شر منهم، لأنه ما عندكم من الإمكانيات ما كان عند أولئك القوم المكذبين ومع ذلك تستمرون في منهج التكذيب والعناد. أفضل بعذاب الاقوام كلها وقوتهم ممكن أن الشرية هنا أنه وصلكم من الأنباء ما فيه مزدجر كما ذكر في بداية السورة ولم يتعظوا بالأنباء التي فيها الزجر، يمكن أن يقال هكذا قال رحمه الله: ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: 43] أم أنزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة أن من كفر منكم وكذب الرسل كان آمناً من عذاب الله وآمنتم بتلك البراءة يعني؟ ما الذي هل دفعكم مثلاً هم خير من الكفار السابقين مثلاً أو دفعكم للكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم أن عندكم براءة يعني صك غفران من الكتب السابقة، قيل لكم في أنكم إذا كذبتم لن يصيبكم كما أصاب الأمم السابقين، عندكم صدق غفران كان لكم خلاص أنتم كفار قريش مسامحون أكفروا ولن يصيبكم ما حل بقوم نوح وعاد وثمود؟ هل هذا عندكم؟ لذلك قال: ﴿أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أي أم أنزلت عليكم يا أهل مكة براءة في الكتب المتقدمة أن من كفر منكم والرسل هو آمن ولن يعاقب؟ والزبر هي الكتب المتقدمة، الزبر ما هي هنا؟ أم لكم براءة في الزبر، الزبر هي الكتب التي أنزلت على الأمم السابقين.
قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ [القمر: 44] نحن جماعة أمرنا مجتمع منتصر ممتنع لا نرام ولا نظام لأنكم تعتقدون أنكم مجتمعون ومتناصرون وأننا كفار قريش لا يمكن النظام ولا أن يحل بنا العذاب نحن سننتصر على من يعني؟ هل تظنون هذا بأنفسكم أنكم ستستطيعون مقاومة العذاب إذا أتى؟ لأنهم كانوا يقولون: أم يقولون نحن جميع إيش؟ نحن جميع أي نحن جماعة متماسكون لا يستطيع أي نعم منتصر، منتصر أي ممتنعون لا نرام ولا نظام. وطبعاً هذا كله من استهزاء الله بهم، من أنتم باختصار؟ يعني من أنتم حتى تظنوا أنه لن يحل بكم كما حل بتلك الأمم؟ ونفس الشيء من أنت أيها العاصي الشارد عن الله حتى تعاند الله عز وجل وتظن أنك في أمان وأنك أمام استحققت بالله وآذيت الله وحاربت الله باكل الربا باقتراب الفواحش؟ من أنت؟ هل تظن أنك خير من أولئك؟ أو تظن أن لك براءة أنه عقاب؟ انتظر أن الحياة هكذا انتظر أنك أقوى وأن كل شيء يحل بك؟ دعك من كل هذه الترهات واعتذر.
قال رحمه الله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45] جمع أهل مكة ويولون الدبر أي الأدبار، كما قال كلوا في بعض بطنكم، شخصاً واحداً وإنما هم أشخاص كثر فكان الأصل أن يقال ويولون ماذا؟ الأدبار، لكنه استغنى بالمفرد عن الجمع فقال ويولون الدبر، والمراد الأدبار، كما أن العرب كثيراً فمنه قوله: كلوا في بعض بطنكم، الأصل أن يقول كلوا في بعض بطونكم لكنه قال بطنكم استغناء بالمفرد عن الجمع. قال: انصرفون منهزمين يعني يوم بدر، وهذه من علامات النبوة نعم. قيل إن هذا وعيد من أنه قال لهم سيهزم الجمع ويولون الدبر هذه نزلت في مكة، وقيل وقعت واقعة في أي غزوة؟ في غزوة بدر أنهم فعلاً هزم جمعهم وولوا الأدبار فارغين باتجاه مكة فكان هذا مصداقاً ومن علامات النبوة، وأن الله تواعدهم بالهزيمة وحصلت الهزيمة بعد سنوات معدودة في واقعة بدر. لكن الآية أعم من ذلك، هذا وعيد عام للكفار أنهم سيهزمون وأول الهزائس كانت وليست الآية خاصة بغزوة بدر لا، هي أول الهزائم التي جعلتهم يولون الدبر هي بدر لكنه بهزائم فادحه في غزوات أخرى بعد ذلك، فالآية أعم من ذلك.
قال رحمه الله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46] موعد عذابهم بعد بدراً، وهذا في الدنيا هذا لسه ولا شيء يعني هذا كله يعني لسه أمور خفيفة جداً. بل الساعة ما هو أعظم وأفضع ينتظركم متى؟ إذا قامت الساعة، والقيام بل الساعة هي الموعد الرهيب، هذا كله في الدنيا أنكم تولدون سياتي ما هو أفضع وأشد في الصيغ المرعبة في الوعيد. نعم قال: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46] أشد من موقف بدر، والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدى لدوائه وأمره. قال: وامروا مذاقاً من أشد قال رحمه الله: وامروا، أما المراد أنه أمر من المرارة لأنه هنا أراد أن يعطي معنيين قال: والساعة أدهى وامر، أمر قال: أما من المرارة والمرارة تعرفون المر أو أنه من المر والمرّة هي ماذا؟ الشدة. أما أن نقول هي من المرارة أو من الشدة، هذا معنى تفسير وامر لذلك ذكر له معنيين.
قال رحمه الله: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 47] في ضلال عن الحق في الدنيا وسعُر، نيران في الآخرة، أو فيها لكن ونيران يوم يسحب الضلال أما أن يحمل على معنى الهلاك أو أن يحمل على معنى أما عن الحق في الدنيا قال أول هلاك وكله محتمل ومشتمل تحت هذا المعنى. الآن هذا ختام السورة، الآن تختم الله يخبر يا جماعة الخير المجرمون في كل آن في ضلال أي في هلاك في الدنيا وسعر وفي نيران في الدار الآخرة. نعم قال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: 48] قولك وجد مس الحمى طعم الضرب، لأن النار إذا أصابتهم بحرها فكأنها تمسهم مساً بذلك وسقر غير منصرف للتأنيث والتعريف لأنها على مجموعة من الصرف قال: لأنها علم لجهنم علم العالمية والتأنيث عمل الصرف فلذلك قال مس سكره المضاف إليه مجرور وعلامة جره بدلاً من الكسرة لأنها ممنوعة من الصرف. قال من سقرته النار إذا لوحته، يعني ماذا سميت أسماء النار؟ لماذا سميت النار؟ فقال هو مأخوذ إلى ماذا؟ إذا لوحته.
قال رحمه الله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49] أصلح النسخة إن كل شيء، كلمة شيء سقطت فيما كل شيء آخر، إذا نصلح إليه كل شيء خلقناه بقدر. نعم قال: كل كل منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، وقرئ برفع شاذ والنصب أولى لأنه لو رفع أمكن أن يكون.
خلقناه في موضع الجر وصفا لشيء، ويكون الخبر بقدر، وتقديره أن كل شيء مخلوق لنا كائن بقدر، ويحتمل أن يكون خلقناه هو الخبر، وتقديره أن كل شيء مخلوق لنا بقدر. فلما تردد الأمر في الرفع عدل إلى النصب، وتقديره أنا خلقنا كل شيء بقدر، فعدل إلى النصب لأن النصب واضح لا يسبب لبسا. والمراد، ما معنى أن كل شيء خلقناه؟ الله يريد أنا خلقنا كل شيء لماذا؟ بقدر، وهذه الآية من أصول أهل السنة والجماعة في إثبات القدر السابق، ولذلك دائما في كتب العقائد يكررونها أن هذه تثبت وجود القدر، في خلاف للفرق الاعتزالية والجهمية وغيرها ممن كانوا ينفون الأقدار، أن كل شيء خلقه الله بقدر سابق، ومنها افعال العباد.
قال: فيكون الخلق عاما لكل شيء، وهو المراد بالآية. ولا يجوز في النصب أن يكون خلقناه صفة لشيء؛ لأنه تفسير ناصب، والصفة لا تعمل في الموصوف. والقدر والقدر التقدير، أي بتقدير، والقدر بفكناهما بمعنى واحد وهو التقدير، أن كل شيء خلقناه مقدرا تقديرا سابقا. قال: أو خلقنا كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة، أو مقدرا مكتوبا في اللوح معلوما قبل كونه قد علمناه، قد علمناه حاله وزمانه. قال أبو هريرة: لقد علمت قد علمنا حاله وزمانه.
قال أبو هريرة: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت انكار القدر، فنزلت الآية: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، فاياك أن تنفي القدر فتشابه الكفار في نَفيهم، أصل الإيمان الأقدار، وأن كل شيء بعلم سابق. وكان عمر يحلف أنها نزلت في القدرية، أي في الفرق ينفون الأقدار، الإسلام للأسف ابتلي بنفي القدر، وهذا الأصل أنه ناقض من نواقض التوحيد.
قال رحمه الله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾، إلا كلمة واحدة، أي ما أمرنا لشيء نريد تكوينه إلا أن نقول له كن فيكون. إذا اردنا أن يكون هناك أمر من الأمور فمجرد كلمة كن يكون، ولا يحتاج الأمر إلى عناء ولا إلى تعب، وهذا دلاله على كمال القدرة، وهذا يتناسب مع ختام آيات العذاب أنه أنتم تلاحظون في كل آيات العذاب موضوع العذاب ما كان، عذاب قوم نوح لم يستنزف الإله، عذاب قوم ثمود وصالح كله لم يكن مستنزفا، ذات ألواح ودسر حاصب صيحة واحدة، كله بسهولة، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ.
قال رحمه الله: كلمح بالبصر، على قدر ما يلمح أحدهم ببصره. وقيل المراد بأمرنا القيامة، هنا ليس الشأن والقضاء، وإنما المراد القيامة بالتحديد، وإن كان المعنى الأول أوسع وأعم. قال كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: 77]. قال: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ أشباهكم في الكفر من الأمم فهل من مدكر متعظ؟ يقولون: فهل من مدكر، كأنه بقول لهم قبلها فوات الأوان، يعني كرر فهل من مدكر أربع مرات في هذه السورة لينتبه كفار قريش أنه في النهاية إذا لم تنتبهوا بعد كل هذه البصائر قضية القتال والمناظرة لابد منها أنها قادمة.
قال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ أي أولئك الكفار، أي وكل شيء مفعول لهم ثابت في الزبر. وكل ما صدر من هؤلاء الكفار من تكذيب واستهزاء وتهكم ومعادلة لهذه الدعوة كله ثابت مستقر في الزبر. والزبر هنا ليست الكتب على معنى آخر، المراد الكتب التي في أيدي الحفظة الملائكة التي تسجل ما يفعل الإنسان من خير أو شر. لاحظ أن الكلمه يختلف دلالة السياق، قبل قليل كانت الزبر الكتب المتقدمة، هنا الزبر فسرها النسفي دواوين الحفظة الملائكة التي تكتب أعمال العباد.
قال: ففعلوه في موضع جر، نعت لشيء، وكل شيء صفته أنهم فعلوه وقاموا به هو مسجل في صحف الملائكة ودواوينهم وسيحاسبون عليه يوم القيامة، هذا المعنى باختصار. قال: ﴿وَفِي الزُبُرِ﴾ خبر لكل. ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الأعمال ومن كل ما هو كائن مستطر، أولا أعطاهم المعنى العام، ثم عاد فأكده بالتفصيل، كل شيء فعلتموه هو في دواوين الحفظة، بل كل صغير وكبير؛ لأنه أعاد نفس المعنى صح، لكن بطريقه مفصله أكثر، قال: كل شيء عام، ثم قال: كل صغير وكبير، الصغير والكبیر هو داخل تحت كلمة شيء السياق السابق، لكن هنا فصله للدلالة على أن الحساب شديد، وأن كل كلمة مما قلتموه وتفوهتموه وحاربتم بها الإسلام والمسلمين كله مستطر وستحاسبون عليه أشد الحساب. قال: مستتر مسطور في اللوح.
قال رحمه الله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ وانهار، يعني نهر هنا مفرد، وأراد بها الجماعة أيضا في جنات وأنهار، لكنه عبر بالمفرد عن الجمعية، اكتفى باسم الجنس، إنه نهر اسم جنس، اكتفى باسم الجنس للجمعية. وقيل هو السعة والضياء، النهار ليس هو النهر المتبادر إلى الأذهان، قيل إن المراد بالنهر هنا السعة؛ لأن النهر في اللغة أصلا معناه الشق، والشق يدل على السعة، فقيل معنى آخر: أن المتقين في جنات ونهر أي في جنات وسعة، وليس المراد الأنهار التي فيها المياه، المتبادر هو المعنى الأول حقيقة، ويشهد له سياق القرآن في أماكن متعددة.
قال رحمه الله في مطعم سمي النهار نهارا، ومنه النهار، لماذا سمي النهار نهارا؟ إن النهار هو انشقاق لليل ويدل فيه سعة، بخلاف الليل لأنه كبت وكبس، أما النهار سمي نهارا بما فيه من السعة، فهو يريد أن يخربك أن مادة نهر تدل على الانشقاق والسعة والضياء، هذا أصل هذه المادة. ومنه سمي النهر الجاري نهرا، لأن النهر هل هو اسم للماء في البلاغ؟ قلنا إنه حقيقة الذي يكون فيه الماء، النهر حقيقة ليس هو الماء الجاري، النهر في أصل العرب هو الشق المفتوح الذي يجري فيه الماء، وإنما سمي الماء نهرا لأنه مجاور للشق الذي هو في الحقيورة معان، نعم نختم اقرأ.
قال رحمه الله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ في مكان مرضي، فمقعد الصدق معناه المكان الذي ترضاه النفوس، في مقعد صدق، أي أن المتقين في الجنات، هذه الجنات هي مكان مرضي ترضاه النفوس وتحبه، وكلنا يشتاق إليه. مقعد الصدق عند، قال نعم، قال عند مليك، عندية منزله وكرامة لا مسافة، ومما قضية الفكرة لا يمكن للانسان أن يكون قريبا من الله في ذاته، بحجه أنك إذا قلت إن فلان قريب من الله في الجنة هذا سيقتضي الجهة والحيّز، وأنتم عارفين هذه القصص التي لا ينتهي منها الأشاعرة وما تريدية ولهم، فحاول الناس في أن يقول العندية هنا أنك لا عند الله بمعنى أنك قريب من ذاته، لا عندي منزله وكرامة، أنك عند الله، أي منزلتك عند الله وكرامتك عند الله كبيرة. بالتالي لما زوجة فرعون قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: 11]، لما قالت ربي ابني لي عندك شو كان قصدها امرأة فرعون عندك؟ كانت قصد عندك القرب الحقيقي من الذات، أم قصدت القرب المعنوي على رأي ما تريدية ومشاعرة أنه قرب معنوي، يعني قرب المنزلة؟ لكن على طريقة أهل السنة لا مانع أن يقال إنه قرب أيضا من ذاته سبحانه؛ لأن الجنة مختلفه أمورها عن امور الدنيا، وأن الإنسان كلما كان أعلى في مراتب الجنة كلما كان أقرب حقيقة من ذات الله سبحانه وتعالى، فلا معنى لقوله إن العنديه هنا العنديه المنزلة وليست عندية المسافة والمماثلة، دعك من هذا بل هي عندي منزلة وعنديه مسافه وقرب. وهذا لا يقتضي لا تجسيما ولا يعني تحيزا ولا حدية لله سبحانه وتعالى في مكان مخلوق كما يتوهم.
قال رحمه الله: مقتدر، قادر لكن مقتدر أبلغ من قادر، احنا قلنا مقتدر أبلغ من قادر في الدلالة على اكتمال القدرة. قال: وفائده التنكير فيهما، لماذا قال مليك ما قال الملك؟ ولماذا قال المقتدر ولم يقل المقتدر؟ لماذا نكر هذين الاثنين في الختام؟ التنكير هنا للدلالة على العموم، وهي تمام ملكه وتمام هذا قدرته، لأن من مقاصد التنكير عند العربية أهل العربية الدلالة على العموم. قال: وفائده التنكير فيهما أن يعلم أن لا شيء إلا وهو تحت ملكه وقدرته، فملكه عم كل شيء وقدرته عم كل شيء، ففائده التنكير الدلالة على العموم، وهذا نهاية تعليقنا على سورة القمر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، في المجلس القادم في سورة الرحمن، نسأل الله أن يرحمنا برحمته.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل