حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلسنا المستمر في التعليق على تفسير العلامة النسفي رحمه الله تعالى عليه على كتاب ربنا سبحانه وتعالى، ونسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من هذا النعيم العظيم من نعيم تفسير كتابه والجلوس في ظلال هذا الكلام المبارك والتدبر لما فيه من القيم والأفكار والتوجهات لنقيم حياتنا وفق هذه الأفكار وفق هذه التعليمات وفق هذه الإرشادات.
فكم من تائه حائر عن منهج الاستقامة لبعده عن كلام ربه سبحانه وتعالى، لا يمكن أبدا أن تصل إلى منهج الاستقامة والرشاد وأن تقيم حياة صحيحة وفق مراد الله سبحانه وتعالى إلا إذا اتبعت ما في هذا الكتاب العظيم؛ لأن هذا الكتاب إنما أنزله الله سبحانه وتعالى هدى للمتقين، وأنزله نورا، وأنزله حياة وذكرى، وكل هذه الأسماء العديدة لكتاب الله سبحانه وتعالى التي تبين طبيعة هذا الكتاب وحقيقة هذا الكتاب ولماذا أنزل.
وبالتالي حريب الإنسان ألا يضيع ساعات العمر بعيدا عن هذا الكلام العظيم، حريب الإنسان أن ينتبه لما هو أهم حتى في طلب العلم؛ فإن كثيرا من الناشئة اليوم في طلب العلم ربما يركزون على بنيات الطريق أو يشتغلون بحواشي الحواشي وطرا المتون، وينشغلون فلا يمرون على كتاب الله سبحانه وتعالى من أوله إلى آخره ختمة تدبر، وهذا حرمان أو شكل من أشكال الحرمان عليك أن تستعيذ بالله منه.
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك، من زوال النعم أن الله سبحانه وتعالى يفتح عليك بابا للتعرف عليه من خلال كتابه ثم يحرمك من هذا الباب ويصرفك عنه، هذا من أعظم النعيم الذي يمكن أن يحرمك الله منه أن تعيش هذه الحياة بدون تدبر لكتاب الله سبحانه وتعالى مع أنه موجود بين يديك، وكتب التفسير تعبأت الدنيا بأفخم الطبعات ومجملها والنسخ القشيب، لكن مع ذلك يموت الإنسان دون أن يقرأ تفسيرا دون أن يفهم معنى هذا الكلام العظيم، فاستعيذوا بالله سبحانه وتعالى من أن تكونوا من المخذولين عبد الله وأمة الله وأنت تسير في هذه الحياة الدنيا وتحسب نفسك على خير وأنت في النهاية محروم.
وعدنا اليوم بإذن الله مع سورة جديدة من سور هذا التفسير المباركة وهي سورة الرحمن، طبعا نحن قلنا سابقا إننا نحتاج أن نراجع دائما المادة القديمة، وأرجو أن يكون هذا ديدنا، لكن المراجع أحيانا لا يحفزها إلا وجود اختبار، وقد سئلنا اليوم هل هناك اختبار سيكون في الجزء؛ لأننا هكذا انهينا جزءا من الحجرات إلى القمر هكذا انهينا جزءا كاملا من كتاب الله سبحانه وتعالى، سنعقد إن شاء الله اختبارا في هذا الجزء نعلن عنه في وقت لاحق بإذن الله حتى يعني يكون حافزا للمراجعه؛ لأن هذا التفسير يعني ثلاثة مجلدات، إذا لم يكن هناك مراجعة مستمره تتبخر الأفكار التي تمت دراستها، نحتاج كل جزء على الأقل أن يكون هناك اختبار في المادة التي ذكرها النسفي من معاني المفردات، من معاني المركبات، من الأفكار العامة، حتى نعزز هذه المعاني ولا تفوتنا بإذن الله، طبعا مع سورة الفاتحة فاستعدوا من الآن للمراجعة حتى إذا جاء الموعد وأعلن عنه يكون الطالب مستعدا بإذن الله.
موعدنا اليوم بإذن الله كما قلنا مع سورة جديدة عظيمة جليلة من سور كلام ربنا سبحانه وتعالى، ألا وهي سورة الرحمن، والاسم بحد ذاته اسم جميل ورائع وراقي، وهكذا يفتح القلوب للتدبر والتفكر الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء سبحانه وتعالى، هذه السورة أحبابي في قول الجمهور هي سورة مكية، هذه سورة عند جماهير أهل العلم سورة نزلت في مكة، وذهب بعضهم إلى أنها نزلت في المدينة، وبعضهم قال هي نزلت في المدينة باستثناء قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29] فهذه نزلت في مكة والباقي في المدينة، يعني هي ثلاثة أقوال، ولكن قول الجمهور أنها نزلت أين في مكة وهذا هو الأظهر.
دعونا نقول من حيث المواضيع والمعالجة هذه السورة سورة الرحمن، دعونا نقول ما وجه الارتباط أو المناسبة بينها وبين السورة السابقة التي انهينا المجلس السابق ألا وهي سورة القمر، هناك عدة مناسبات ذكرها أهل العلم، فمن المناسبات الجميلة أن سورة القمر انتهت بقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 55]، كأنه أراد أن يعرفك من هو المليك المقتدر فقال الرحمن، لما ذكر مليكا مقتدراً على وجه التنكير تماما كأنه أراد أن يعرفك من هو هذا المليك المقتدر، فجاء التعريف به في مطلع السورة السابقة بهذا الجمال المليك المقتدر هو من الرحمن علم القرآن خلق الانسان، هذا وجه من أوجه المناسبة.
الوجه الثاني من أوجه المناسبة وهذا جيد أن يعرف الطالب التناسب بين تراتيب السور، أن سورة القمر كانت تتكلم عن النقم التي انزلها الله بالأمم نوح وعاد وثمود ولوط وفرعون وكفار قريش اليس كذلك؟ كانت كل ما ذكرناه في المجلس السابق هو تعداد للنقم ودعت للاعتبار والاتعاظ بحال هؤلاء الأمم، لذلك كان بعد كل نهاية مقطع من مقاطع النقم ماذا كان يقول ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟ جاءت سورة الرحمن مقابلة لذلك جاءت تركز على ماذا على النعم، يعني سورة القمر ركزت على النقم ودعت للاعتبار والاتعاظ، سورة الرحمن ركزت على ماذا على النعم ودعت بشكرها، وهذا من المقابلات الجميلة.
المناسبة الثالثة بين السورتين أن سورة القمر انتهت بذكر مجمل للجحيم وللمقيم، وقدر لجنات النعيم؛ فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: 47-48] ثم أخبر عن المتقين ماذا نهايتهم واما المتقين ماذا سيكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر فذكر الجنة والنار جاء مجملا في سورة القمر، في سورة الرحمن جاء مفصلا وجاء التفصيل أكثر لذكر الجنة، يعني في تفصيل في ذكر النار فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان يعرف المجرمون بسيماهم نعم جاءت أربع خمس آيات تتكلم عن النار لكن التفصيل الأعمق والأهم كان لمقعد الصدق الذي ختمت به سورة القمر فكان ذكر الجنة بذكر مراتبها المرتبتان العليان ثم ومن دونهما جنتان المرتبتان السفليان فكان فيها إطناب كثير في ذكر تفاصيل الجنة لأن مظاهر الرحمة في الجنة أعلى من مظاهر الرحمة في ماذا في النار.
نعم سياتي أن التذكير بالنار فيه رحمة لكن أين الرحمة أكبر أنت تشعر بها اكيد في موضوع الجنة لما فيها من الخير والكرم والعطاء الإلهي فكان تفصيل الجنة هو المطلوب أكثر في سورة الرحمن لأننا في سياق تعداد النعم، فهذه مجموعة من المناسبات ذكرها الآلوسي في روح المعاني وغيره من أهل العلم والسيوطي في التناسب بين السور، فينبغي للطالب أن ينتبه لها لأنها تناسبات جميلة تجعلك تشعر أنك ماشي في سلسلة مرتبطة وليس انفصال تام بين مواضيع السور هناك ارتباط بين المطالع والختام ثم السورة الأخرى مطلعها يتناسب مع ختام السورة السابقة وهكذا فتشعر أنت أن الدرس ماشي بتسلسل فكري ذهني متلائم متناغم والله تعالى أجل وأعلم.
طيب نبدا الآن إن شاء الله بقراءة المقطع الأول من هذه السورة لنبدا التعليق عليه بإذن الله، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان * والارض وضعها للانام * فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام * والحب ذو العصف والريحان * فبأي آلاء ربكما تكذبان.
نعم هذا هو المقطع الأول الذي سنبدأ مدارسته بإذن الله، وانظروا بداية هذه السورة البداية المشوقة الرائعة آية كاملة كانت الرحمن حتى يذهب ذهنك بعيدا في معاني الرحمة ليذهب ذهنك بعيدا وأنت تتصور وتتخيل حجم الرحمات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى علينا، وذكر رحمة الله سبحانه وتعالى وأن ينتبه الإنسان لحجم النعم التي تغرقه في هذه الحياة هو من أكبر المعاني الداعية إلى تحقيق مقام العبودية لله سبحانه وتعالى؛ فإن الإنسان إذا تذكر ما أنعم الله عز وجل به عليه في سمائه وأرضه في يومه ونهاره في حياته في دنیاه وفي آخرته سيجد أنه غارق في النعم.
وهذا الغرق في النعم إذا لم يقودك إلى شكر المنعم، إذا لم يقودك إلى تحقيق العبودية لله، إذا لم يقودك إلى التخلي عن الذنوب والمعاصي والتخفف منها، فانت عبد غافل، فانت عبد مخذول، فانت عبد محروم، لذلك الله سبحانه وتعالى سنجده في هذه السورة كم مرة يكرر فباي آلاء ربكما تكذبان 31 مرة ستتكرر معك هذه الآية، كأن الله يقول لك انتبه أيها الإنسان على حجم النعم التي أنعمت بها عليك وأنت تقابل هذه النعم العظيمة بالكفران، بالمعاصي، بالذنوب، بمجاهرة العبودية لهذا الإله العظيم الذي أغدق عليك هذه النعم من دون سابقه خير منك، فذكر النعم وهذا التعداد في سورة الرحمن هدفه تحقيق مقام العبودية عند الإنسان وأن ينتبه الإنسان إلى هذه الفكرة أنه أحيانا يعني هذا من تنويع القرآن، أحيانا القرآن يستخدم كما قلت أسلوب الترغيب والترهيب، أحيانا أسلوب ذكر عذابات الأمم الماضية من اساليب القرآن في إيقاظ معنى العبودية، أيضا تذكيرك بالنعم التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليك، وهذا كما قلت من تفنن القرآن في دفع الإنسان إلى تحقيق هذه المقامات العظيمة مقامات العبودية لله سبحانه وتعالى.
فانظر الآن حجم النعم الهائلة التي أنعم الله عز وجل بها علينا وسنجد سورة الرحمن تتكلم عن النعم الدينية والنعم النفسية والنعم المخلوقة في السماوات وفي الأرض والنعم الدنيوية والنعم الأخروية، أنت ستلاحظ بعد استقرائي لهذه السورة من بدايتها إلى نهايتها أن هذه السورة تكلمت عن النعم بكافه اشكالها النعيم في الدنيا ونعيم الآخرة والدنيا النعيم فيها ديني ونفسي وآفاقي كل هذا ستجده مسطرا فلذلك هذه السورة هي سورة النعم.
من الأسماء التي سميت أو اشتهرت عند الناس لهذه السورة أنها عروس القرآن، هذه التسمية وردت في حديث عند البيهقي رحمه الله تعالى عليه في كتاب الشعب عن علي رضي الله تعالى عنه أن سورة الرحمن عروس القرآن، لكن الحديث حقيقة ضعيف جدا وفيه راوي منكر فلذلك لا يعتمد على هذه التسمية، تسميتها بعروس القرآن تسميه ضعيفة وردت في أثر عن علي بن ابي طالب عند البيهقي لكن الحديث منكر لا يعول عليه في هذا الميدان.
طيب نبدأ نقرا ونبدأ ننظر ونعد هذه النعم العظيمة التي أنعم الله بها علينا، قال الإمام النسفي رحمه الله قوله تعالى: الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان أي الجنس أو آدم أو محمدا عليهما الصلاة والسلام، ولاحظ أنه سيفسر الآية الثالثة ثم سيقود إلى الآيات السابقة، قال خلق الإنسان ما المراد بالانسان هنا هذا المراد بالانسان جنس البشرية عموما وليس شخصا معينا بحد ذاته الجنس البشري أو المراد بالانسان آدم بالتحديد لأنه أبو البشر أو المراد محمد عليه الصلاة والسلام الارجح هو الأول المراد أنه خلق جنس البشرية وليس شخصا بحد ذاته، ثم قال علمه البيان.
قال علمه البيان عدد الله عز وجل هنا بدا يشرح المعنى المجمل هنا النسفي عاد ليشرح المعنى المجمل لهذه الآيات الثلاث فيقول عدل الله آلاءه على الإنسان، قال فاراد أن يقدم أول شيء ما هو اسبق قدما من ضروب آلائه وصنوف نعمائه وما هو اقدم شيء من ضروب النعم قال الأمور الدينية الأمور الدينية أسبق من قضايا الخلق لأن الدين البعض يقول هو سابق على الخلق من جهة أن الدين كان عند الملائكة قبل خلق الإنسان، أقصد يعني أن الدين كان مشروعا حتى عند الملائكة وحتى عند الجن الذين كانوا قبل خلق الإنسان فكانه من هذه الجهة اعتبر الامور الدينية اقدم، وبغض النظر لكن الامور الدينية هي فعلا تستحق البدء بها لأن النعم الدينية أشرف من النعم الدنيوية بغض النظر عن القدم وعدم القدم.
لماذا يبدأ بذكر النعم الدينية لو سالتك ما أعظم نعمه أنعمها الله عليك؟ الإسلام، مش دائما أنت تقول أعظم نعمة أنعم الله عليه الإسلام وتوابعه من نزول القرآن وبعثه الرسل وما شابه ذلك، فبدا الله بذكر النعم الدينية قبل ذكر النعم الدنيوية لأنه سيذكر النعم الدنيوية النجم والشجر والسماء والارض والشمس والقمر لكن هذه في النهاية دنيا اليس كذلك، فبدأ بذكر النعم الدينية تنبيها على أنها أشرف وأهم من النعم الدنيوية.
وقدم من نعمه الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها وهو انعامه بالقران وتنزيله، القرآن هو أقصى مراتب الدين وأعلاه وهو انعامه بالقران وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم وحي الله رتبه وأعلاه منزلة وأحسنه في أبواب الدين أثرا وهو سنام.
الكتب السماوية ومصدق والعيار عليها. العيار عليها يعني الحاكم عليها، بدليل قوله في سورة المائدة: ومهيمن، ومهيمن عليه، ومهيمناً عليه. لما ذكر إيش مطلع الآية؟ ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. فالقرآن هو الحاكم والمصدق لما في الكتب السابقة، لذلك جعله هو سنام الكتب السابقة، هو عيارها الحاكم عليها، هو المصدق لما فيها، وهو ختامها وأجمعها، فلذلك خصه بالذكر.
علم القرآن، ولاحظ "علم القرآن"، علم يأخذ كم مفعول أحبابي الكرام؟ أنت لو قلت لك: وظف الفعل "علم"، مش أقول لك في المدرسة: وظف الفعل علم في جملة مفيدة، ماذا تقول؟ علم المعلم طلابه الدرس، صح؟ فالفعل علم يأخذ مفعولين، مفعول به أول ومفعول به ثان. طيب هنا "علم القرآن"، هل أخذ المفعولين؟ علم الله القرآن، طب أين المفعول به الثاني؟ اللي هو فعلياً المفعول به الأول المحذوف هنا. المفعول به الأول وأبقى الله المفعول به الثاني، إذن تقدير الآية هي: علم الله الإنسان القرآن، هذا التقدير: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 1-2] تقديرها: علم من الذي علم؟ الله هو الفاعل هنا. أين المفعول به الأول؟ الإنسان، وأين المفعول به الثاني؟ مذكور، القرآن. فأصل التقدير: علم الله الإنسان القرآن.
طيب، لماذا حذف المفعول به الأول واستغنى بالمفعول به الثاني؟ هذا سؤال للجمهور، يلا. فهمتم الآن السؤال؟ الله اقتصر على المفعول به الثاني، ما قال: علم الإنسان القرآن، لا، مباشرة قال: علم القرآن. فأنا سأسألك: علمه لمن؟ هسّه، هذا هو المفعول به الأول المحذوف، اللي أنت ربما فاهمه ضمنيا في ذهنك، لكن لماذا لم يذكر؟ فهمتم السؤال؟ لماذا لم يذكر؟ تفضل شيخنا أبو عبد الرحمن.
لانه يعني ممكن نقول لأنه سيشير إليه في الآية الثالثة: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: 3]، ممكن. طيب، في حدا عنده رأي آخر؟ لا، يعني خلينا نبتعد عن الأمور اللفظية للأمور المعنوية، أنت هيك حملت حصرت الفكرة في أمر معنوي. أيوه، لفظي الشمول وعدم الحصر. كيف الشمول وعدم الحصر؟ يعني كل الناس القرآن. طيب، كان بإمكان يقول: علم الناس القرآن، هكذا شمل الناس جميعا، آهات ال غير الإنسان كذلك، القرآن الجن. يعني أعمر الاهتمام على القرآن. أحسنت، في هذه الفكرة أن المهم أنه وقع تعليم القرآن بغض النظر من المعلم. لأنه هنا هل هو في مقام تشريف المعلم ولا في مقام تشريف القرآن؟ نحن هنا في مقام تشريف القرآن فلذلك حذف المفعول به الأول وأبقى المفعول به الثاني، حتى تبقى الكاميرا عندك وأنت تركز على الآية على القرآن.
يعني كأنه يقول: علم القرآن، لمين علمه؟ ليس الآن هو المهم، فهمت؟ لمن علمه ليس هذا هو المهم الآن، المهم أنه علم القرآن هذا. لأن الاهتمام منصب هنا على القرآن وليس على من تعلمه. ليس المراد هنا تشريف الإنسان، المراد في هذا السياق تشريف القرآن، فكان من المناسب أن يلغي المفعول به الأول وهو الإنسان ويسلط الضوء على المفعول به الثاني وهو القرآن، حتى هو الذي يأتي على ذهنك عند القراءة، وإن كان الإنسان مفهوم ضمنا أنه هو المعلم. فهذا يعني من أفضل ما يقال في ذلك: إنه أراد أن يشرف القرآن بغض النظر من الذي تعلم.
نعم، قال: واخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم اتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه للدين وليحيى علماً بوحيه وكتبه. هذه فائدة حقيقة نفيسة تستحق أن تضع تحتها خطاً، يعني لو سالك لماذا ما قال خلق الإنسان ثم قال علم القرآن؟ لماذا بدأ بذكر القرآن والدين ثم ذكر خلق الإنسان؟ طبعا هناك مقصد سابق، أن كما قلنا أن نعمة الدين أهم من نعمة الخلق، هذا ذكرناه قبل قليل، لكن في هناك مقصد آخر أشار إليه النسفي وأعجبني حقيقة، قال -أعيدها-: واخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، واخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، الضمير في "ذكر" يعود على القرآن، واخر ذكر خلق الإنسان عن ذكر القرآن.
فهو ابتداءً قال: ذكر القرآن، ثم قال: خلق الإنسان، صح؟ قال: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 2] ثم إيش قال؟ ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: 3]. لماذا قدم القرآن ثم ذكر الإنسان بعد ذلك؟ قال: لأنه يريد أن يشير ماذا قال؟ قال ثم قال ثم اتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه للدين ويحيط علما بوحيه. أن توصل لك الصورة مقصد، وهو أن الله خلقك من أجل الدين وليس من أجل مقصد آخر. أنت أيها الإنسان خلقت من أجل ماذا؟ من أجل العبودية. أنت أيها الإنسان خلقت من أجل القرآن، وجودك في هذه الحياة من أجل هذا هو الغاية، وجودك من أجل القرآن هذا الهدف من وجودك، سواء تمثلت لهذا الهدف ولا لا، هو الله يعطيك رسالة: أيها الإنسان أنا خلقتك من أجل القرآن، خلقتك من أجل الدين. فقدم الغاية التي خلقت من أجلها عليك.
فهمتم الفكرة؟ قدم الغاية التي خلقت من أجلها على ذكرك أنت وعلى ذكر خلقك. لو قال خلق الإنسان ثم قال علم القرآن لفاتت لفاتت هذه الفائدة. لكن لما ذكر نزول القرآن وتعليمه ثم ذكر خلق الإنسان هو أرشدك إلى معنى عظيم جداً يجب أن تتحقق في هذه الحياة، وهو أن الهدف الذي خلقت من أجله ليس الزواج وليس أن أجمع المال وليس أن ألهث وليس أن أشبع نهمي وشهواتي وملذاتي. أنا خلقت لغاية عظيمة وهي ماذا؟ خلقت لغاية عظيمة وهي الدين، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فنبهك على المقصد من خلقك قبل أن يذكر خلقك، وهذا من إبداع القرآن في التقديم والتأخير. لذلك قال: واخر ذكر خلق الإنسان عن ذكر تعليم القرآن، ثم اتبعه إياه، يعني ذكر القرآن ثم ذكر خلق الإنسان، قال ليعلم أو ليعلم أنه إنما خلقه للدين.
وهذه رسالة عظيمة وهذه قيمة عليا في حياتك، تعرف أيها الإنسان أنا وانت وانت أن تعرف أننا إنما خلقنا من أجل ماذا؟ أن نتعبد الله، فاياك أن تضيع البوصلة من يدك، إياك أن تصبح رأسمالياً، إياك أن تصبح ماكينة فقط تشتغل من الصباح للمساء ولا يوجد عندك تعبداً ولا علاقة بالله سبحانه، فقط انسان تلهث خلف الدينار والدرهم وخلف الشهوات والملذات. هكذا الرأسمالية وأمريكا اليوم والعالم الغربي يريدك، يريد أن يخرجك من الغاية التي خلقت من أجلها حتى تصبح انساناً مادياً شهوانياً حاله كحال البهائم، تلهث خلف شهوة بطنك وخلف شهوة فرجك، لا يوجد عندك مقصد آخر. الله سبحانه لا يجعلك شريفاً ويكرمك، يقول لك: أنا خلقتك للقران، خلقتك للعبودية، وما عدا ذلك فهي وسائل، فلا تشتغل عما خلقت من أجله، لا تشتغل عما خلقت من أجله وأبق فيما خلقت له. هذا معنى عظيم وقيمة عليا نستفيدها من مطلع هذه السورة.
طيب، قال: وقدم ما خلق الإنسان من أجله عليه، ثم ذكر ما تميز به من س. وقدم، لذلك قال: ويحيط، إذا واخر إذا نعيد العبارة كاملة: واخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره أي عن ذكر القرآن، ثم اتبعه إياه ليعلم الإنسان أنه إنما خلقه للدين وخلقه ليحيط علماً بوحيه وكتبه. يعني الله خلقك لتتعلم القرآن، الله خلقك لتتعلم القرآن. طب هل حققت هذه الغاية أيها الإنسان؟ ما أكثر الناس الذين لم يفتحوا القرآن ولم يتعلموا القرآن ولا يقرؤونه إلا على وجه التبرك؟ أنت خلقت لتفهم القرآن، فاياك أن تحرم نفسك من غاية خلق. هذا معنى جميل وعظيم حقيقه، إذا إذا خلقه ليحيط علماً بوحيه وكتبه، لذلك هنا ختم كأنه أعاد الفكر باختصار، إذا قدم ما خلق الإنسان من أجله عليه، يعني قدم ذكر ما خلق الإنسان من أجله على ذكر الإنسان، هذه هي خلاصة السطر السابق. أعادها وهي خلاصة في الحقيقة: وقدم ما خلق الإنسان من أجله وهو القرآن، قدمه عليه إيش يعني عليه؟ يعني على ذكر الإنسان، وهي خلاصة كما قلنا الفكرة السابقة.
طيب قال: ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان وهو المنطق فصيح. وهي الآية الثالثة، قال: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 4]. ما تعريف البيان؟ هو عرفه النسفي هنا، البيان هو المنطق يعني النطق الفصيح المعرب عما في الضمير. ما الذي يميز الإنسان عن الحيوانات؟ العقل والبيان، هذا هو أساس ما يميز الإنسان عن سائر البهائم والحيوانات المخلوقة على هذه الأرض. ما يميزك أنك عندك عقلاً وعندك بياناً، ما هو البيان؟ هو هذا اللسان الذي تعبر به عما في الضمير.
وهذه نعمه عظيمة جداً، وكأنه ذكر البيان هنا ليخبرك أن أعظم يعني نعمة البيان، لماذا منحك الله إياها؟ لأن أعظم ما تشغل به هذه النعمه ما هو؟ أن تقرأ بها القرآن وتتعلم بها القرآن. يعني كأنه هو سبحانه الآن في سياق الامتنان أليس كذلك؟ هو يمتن علينا فيقول لك: أنا علمتك البيان، مش مشان يصير هذا البيان سبب في الغيبة والنميمة، لتستعمل هذا البيان في الكلام المحرم والدخول والخوض في أمور تعرض بك عن ذكر الله سبحانه، أنا علمتك البيان من أجل الأمر الأول حتى تتعلم به القرآن. شوف هذا تناسق معرفي واضح في الآية، إذا: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 1-2] لمن علمه؟ للإنسان الذي سيذكر في الآية الثالثة: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: 3]. طب كيف سيتعلم الإنسان القرآن؟ من خلال البيان. فهنا ذكر لما ذكر خلق الإنسان كأنه ذكر من المخاطب بالقرآن، لما قال علمه البيان أعطاك الوسيلة التي ستتعلم بها القرآن، فاخْبَر عن الغاية وهي القرآن، أخبر من هو المخاطب وهو الإنسان، ثم أخبر عن الوسيلة وهي ماذا؟ البيان. فهذا من التراتيب العجيبة والاختصار والايجاز الفخم في كلام ربنا سبحانه وتعالى.
طيب، قال: وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. والرحمن مبتدا وهذا شرع في الإعراب الآن، لو أعراب الآيات، الرحمن ما إعرابها؟ مبتدا، وكل مبتدا في العربي يحتاج إلى ماذا؟ خبر. أين الخبر؟ قال: هناك ثلاثة جمل أو أربعة جمل ذكرت على سبيل التعداد، قال: ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 1-2] هذه الجملة الأولى الخبرية، يعني الرحمن أخبرك عنه أنه علم القرآن، ثم أعطاك خبر ثان: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ﴾ [الرحمن: 3]، ثم أعطاه خبر ثالث قال: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 4]، ثم سيذكر الخبر الرابع والخامس قال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 5-6]. الآن الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان يحتاجان إلى تأويل معين سياتي معنا حتى يصلحان للخبر، لكن دعونا الآن في الآيات الثلاثة الأول. الرحمن الخبر الأول عنه أنه خلق علم القرآن، الخبر الثاني خلق الإنسان، الخبر الثالث علمه البيان.
الآن دعونا ننظر ماذا سيقول النسفي: لماذا هنا جاء الأمر بدون عطف؟ في العادة إذا كان الخبر جمل متعاطفة يأتي حرف عطف، الأصل خلينا نقول أن يقال: الرحمن علم القرآن وخلق الإنسان وعلمه البيان، ما دام هذه كلها اخبار وجمل متعاطفة وهي متناسبه ومتقاربة، الأصل أن تعطف على بعضها بحرف العطف الواو. هنا سيبحث النسفي: لماذا تركت الآية العطف؟ لماذا تركت الآية العطف؟ لانه هنا معنى جميل علينا أن ننتبه له.
اقرأ قال: والرحمن مبتدا، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة وأخلاقها من العاطفي أخبار مترادفة أي متتابعة. الرحمن الخبر الأول كما قلنا علم القرآن، الثاني خلق الإنسان، الخبر الثالث علمه البيان. طيب اقرأ قال: واخلائها من العاطف لم واخلائها من العاطف أي لماذا لم يوجد حرف عطف بين هذه الجمل؟ لماذا لم تعطف هذه الجمل على بعضها؟ شوف العلة الجميله نعم.
قال: واخلاقها من العاطف لمدي اها على نمط التعديد، لأن الله أراد أن يعدد هذه النعم تعداد، ودائماً في سياق التعداد يحذف حرف العطف. في سياق التعداد قالوا: يحذف حرف العطف، لماذا؟ أكمل قال: كما تقول زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟ أيوه، هو يريد أن يقول: إن هذه الأمور الثلاثة الله سبحانه وتعالى ذكرها على سياق التعداد بهذه الطريقة لأن فيها نوع من التبكيت والاعتراض على طريقة استقبال كفار قريش والمشركين عموماً لهذه النعم. هذه بالتحديد الآن الأمور النفسية وال في السماوات والأرض هذه كفار قريش لم يكونوا معترضين عليه، لكن كفار قريش أين كان اعتراضهم؟ على القرآن بالتحديد.
أنا لما أقول لك: أنظروا هذا المثال الذي ذكره النسفي، شوفوا التعداد لما يخلو من حرف العطف كيف يكون فيه نوع من القوة والزجر والقرع. لما أقول لك: زيد أغناك بعد فقرك، أعطاك بعد حرمانك، قواك بعد ضعفك، بدون ما أذكر حرف عطف، هذا الإيقاع يشعرك بشيء من ماذا؟ يعني من التبكيت لك، يعني لماذا تنكر إحسانه؟ لماذا أنت معرض عنه؟
فالعرب هكذا اسلوبها، إذا أرادت أن تبكت انساناً وتعترض عليه لأنه لا يؤدي حق هذه النعم، تذكر هذه النعم بدون حرف عطف لأن هذا فيه زيادة تبكيت له. قال: لو أضافها بحرف العطف لأشعر كأنها نعمة واحدة. لو قال: الرحمن علم القرآن وخلق الإنسان وعلمه البيان، يعني هكذا تزول بهجة التبكيت والتخويف والتقريع خلينا نقول لهؤلاء المعاندين. لكن لما يحذف حرف العطف كأنك ستقف مع كل جملة وقفة مستقلة. الرحمن شو عمل لك؟ علم القرآن، انزل القرآن وعلمه، وخ بدون واو خلق الإنسان، علمه البيان. فهذا بدون حرف العطف فيه نوع من التبكيت، فيه نوع من الاعتراض عليهم، لما تتعاملون مع الرحمن أيها الكفرة بهذه الطريقة. لو ذكر حرف العطف قالوا: لزالت هذه العلة ولزالت هذه الفائدة فائدة التبكيت، ولكان فقط مجرد سرد للنعم كما سياتي في الآيات التي تليها، لأنه قال: الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها في الجمل الأخرى سنجد أن حرف العطف حاضر صح ولا لا؟ كلها حرف العطف فيها.
حاضر. ليش هالثلاثة بالتحديد حرف العطف ما كان حاضر؟ فهمتم؟ هنا قال: ﴿عَلَمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 2-4]. ما جاب حرف عطف، ثم في الآيات التي تليها: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 5-7] إلى آخره، سنجد أنه أعاد حرف العطف.
لو كان مراده فقط سرد النعم، لو كان فقط هذا المراد، لأتَى بحرف العطف. لكن في الآيات الثلاث الأُول، هو ليس مراده فقط سرد النعم؛ أراد أن يبكت ويعترض على هؤلاء؛ لأنهم أعرضوا عن القرآن الذي خلق الانسان من أجله، والذي علمك البيان من أجل أن تصل إليه، أنتم أعرضتم يا كفار قريش عن ماذا؟ عن القرآن! فإذا أردت أن تبكت، الأجمل والأقوى في العربية أن تلغي حرف العطف.
وذكر لك مثالاً يؤكد هذه الفكرة، كما تقول: قال زيد: أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة. قال: تخيل لو أنك أضفت حرف العطف هنا، لو كانت الجملة: زيد أغناك بعد فقر، وأعزك بعد ذل، وكثرك بعد قلة، لكان فقط مجرد سياق سردي. لكن لما أعطاك كل جملة وحدها ووقفت عندها ولم يربطها بالجملة السابقة، كأنك تقف عند كل جملة وقفة مستقلة وتنظر في نفسك: آه، طيب، إذا كان زيد أعطاني بعد فقر، وأعزني بعد ذل، وكثرني بعد قله، فعل بك ما لم يفعل بغيرك، فلماذا أنكر أحسانه؟ لماذا لم أوفه حق نعمه؟ فالسياق يكون أقوى بحذف حرف العطف هنا. هذه من الأمور الجميلة التي تفهم من خلال هذا باب كامل في علم البلاغة ندرسه، اسمه باب الفصل والوصل.
تعاطف الجمل يدعى الوصل، وتركه الفصل، باب اسمه الفصل والوصل: لماذا بعض الجمل في القرآن تعطف، ولماذا بعض الجمل في القرآن لا تعطف، يفصل بينها بدون عاطف؟ هذا من أدق وأعظم أبواب علم البلاغة؛ لماذا جمل تعطف ولماذا جمل لا تعطف؟ فهم هذا هو، كما ذكر الفارسي، من أدق وأفخم عناوين البلاغة التي ينبغي على طالب التفسير أن يفهمها.
طيب، اقرأ: قال: الشمس والقمر بحسبان، بحساب معلوم. نعم، قال: بحساب معلوم وتقدير سوي يجريان. حسبان هذا مصدر ومعناه الحساب. الشمس والقمر بحسبان، حسبان ما نوعه؟ هذا مصدر، زي غفران تمام. والمراد بالحسبان الحساب، يعني هو حسبان وحساب مصدران للفعل حسب، تمام. فقال: إذاً الشمس والقمر بحسبان أي بحساب معلوم، أي يجريان في هذا الفلك وفي هذا الكون بحساب معلوم، كما قال وتقدير.
أكمل: قال بحساب معلوم وتقدير سوي، يجريان في بروجهما ومنازلهما، وفي ذلك منافع للناس، منها علم السنين والحساب، والنجم النبات الذي.
الله هنا بدأ يخبرنا بعد أن انتهى من ذكر النعم الدينية أنه علم القرآن وأنه خلق الإنسان وعلمه البيان من أجل أن يتعلم القرآن، انتقل الآن إلى ذكر النعم الدنيوية في الآفاق، فذكر أول شيء قضية الشمس والقمر وأنهما يجريان بحساب معلوم في أنظمة معلومة يدرسها الفلكيون وما شابه ذلك. وجريان الشمس والقمر له فوائد، منها أن يعلم الإنسان مرور السنوات، وأن يعلم الإنسان تقلب الليل والنهار، إلى غير ذلك من فوائد نستفيدها من حركة الأجرام السماوية.
ثم قال: قال والنجم النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقر.
آه، هنا نركز في كلمة النجم؛ لأن أكثر من يقرأ السورة يفكر أن النجم المراد بها ماذا؟ النجوم التي في السماء. هذا قول، لكنه ليس قول الجمهور. تفسير الناجم أنها النجوم التي في السماء، هذا قول ذكر في السورة، لكنها ليس قول الجمهور، الجمهور على أن النجم هنا المراد به النباتات الأرضية؛ النباتات الأرضية التي ليس لها سيقان وجذوع تسمى عند العرب ماذا؟ نجما؛ البقوليات، البطيخ، كل هذه النباتات التي ليست لها جذوع أشجار تسمى نجما. وتفسير النجم بهذا أدق؛ لأنه هو المتصل بالنجم والشجر؛ فلما ذكر الشجر ذكر معه النجم لتناسب بينهما؛ فالشجر هي النباتات التي لها سيقان، زي التفاح والمشمش والنخيل وكل ما له ساق يسمى شجرة، وكل نبات على الأرض يزحف فيسمى ماذا؟ نجما. فلما ذكر امور السماوات العلى والأمور الفلكية الشمس والقمر، من المناسبات الجميلة أن انتقل إلى الأمور الأرضية فذكر النجم والشجر، هذه تقابلات جميلة سنلاحظ في السورة.
اقرأ، قال: والشجر الذي له ساق، وقيل النجم نجوم السماء. فهو أعطاك معنى للنجم، قيل النجم هو نجوم السماء، لكن المعنى الأول هو الذي عليه الجمهور؛ أن النجم هو النبات الذي يكون على الأرض لا ساق له، وهذا هو الأنسب.
نعم، قال: يسجدان ينقاد لله تعالى فيما خلق له تشبيها بالساجدين المكلفين في انقياده.
آه، إذا هنا التعبير بالسجود ليس على سبيل الحقيقة، يقول النسفي: وإنما المراد بالسجود هنا كناية عن ماذا؟ عن الانقياد لامر الله سبحانه وتعالى. حقيقة، هل هناك مانع من أن يكون لهما سجود حقيقي لا نعرف كيفيته؟ هل هناك مانع أن يكون للنجم والشجر سجود حقيقي لا نعرف كيفيته؟ لا مانع، لكن هنا النسفي لم يختر هذه الطريقة وإنما ذهب إلى تأويل السجود بمعنى الانقياد فقال: السجود هنا ليس المراد به السجود الحقيقي، ما المراد به؟ الانقياد؛ يعني كأن الآية تقول: النجم والشجر ينقاد لله، فشبه انقيادهما بأنه ماذا؟ سجود، عبر عن هذا الانقياد بأن السجود. لكن نقول: لا مانع من أن السجود أيضاً هنا يكون حقيقياً، لكنه سجود يليق بهذه المخلوقات، كما أنه سبحانه وتعالى أخبرنا أن هذه المخلوقات تسبح لكن لا نفقه تسبيحها، لا مانع من أن تكون تسجد ونحن لا نفقه سجودها، لا مانع من ذلك، وإن كان المعنى الذي ذكره النسفي أيضاً ليس خاطئاً، وإنما هو معنى صحيح، وكانه يعني والذي يعني خلينا نقول يقوي كلام النسفي من جهة أخرى أنه لما ذكر انقياد الشمس والقمر في الآية السابقة: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5] أي يجريان بحساب معلوم وينقاد لامر الإله، كان من الجميل أن يخبر عن انقياد أيضاً الكائنات الأرضية لله سبحانه وتعالى فأخبر أن النجم والشجر أيضاً ينقاد لله، فلما ذكر انقياد المخلوقات السماوية اتبعه بذكر انقياد المخلوقات الأرضية، وكل هذه المخلوقات السماوية والارضية خلقت من أجلك أيها الإنسان فاشكر نعمه الله عليك.
نعم، قال: يسجدان ينقضان لله تعالى فيما خلق له تشبيها بالسرد من المكلفين في انقياده. واتصلت هاتان الجملتان بالرحمن بالوصل المعنوي؛ لما علم أن الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له.
طيب، قف هنا الآن: ماذا يعني بهذا الكلام النسفي؟ نحن قلنا: الرحمن هذا مبتدا، صح؟ ثم ذكر بعده مجموعة أخبار عنه: علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان. الآن الجملة الخبرية، يعني إذا كان الخبر جملة، هذه فائدة في النحو: إذا كان الخبر خبر المبتدا إذا كان جملة يحتاج إلى ضمير يربطه بالمبتدا؛ يعني ما بيصير أحكي محمد زيد قائم، ببطش، محمد أكل زيد تفاح، ما ببطش، هاي الجملة الخبر الفعلية تكون خبر عن المبتدا لعدم وجود ضمير يربط هذه الجمله بالمبتدا، هذه من القواعد الأساسية حتى في علم النحو، الأصل من درس الآجرومية يعرفها أنه إذا كان الخبر جملة لازم وجود ضمير أو ما يقوم مقامه يربط هذا الخبر بماذا أو هذه الجملة بماذا بالمبتدا.
فهنا مثلاً: الرحمن علم القرآن، علم القرآن فيها ضمير يربطه بالمبتدا؟ نعم، الضمير المستتر هو: الرحمن علم هو القرآن. خلق الإنسان، هل فيها ضمير يربطه بالمبتدا؟ نعم، الضمير المستتر: خلق هو الإنسان. الجملة الثالثة: علمه البيان، فيها ضمير يربطه بالمبتدا؟ نعم، لا، علم الله، علم هو الإنسان البيان.
أي الشمس والقمر، شوف بس هنا سبحان الله خطرت بالي فائدة: لماذا لما قال: علم القرآن حذف المفعول به الأول، لكن لما قال: علمه البيان ذكر المفعول به الأول؟ شوف، لما احنا قلنا علم القرآن مش حذفنا المفعول به الأول؟ هذه، أنا رجعت شوي لوراء بس هكذا يعني انتبهت لها سريعاً، لما قال علم القرآن حذف المفعول به الأول، ما قال علم الإنسان القرآن، مش قلنا علم القرآن مباشرة؟ لما جاء للبيان لا، ذكر المفعول به، قال: علمه البيان، فالضمير هو هذا مفعول به أول، والبيان مفعول به ثاني.
لماذا هنا صرح بمفعول، بينما في علم القرآن صرح بمفعول به واحد؟ آه؛ لأنه علمه البيان هنا في سياق امتنان على الإنسان، فكان يريد أن يظهر: علمتك أيها الإنسان البيان، لما كان في سياق ذكر امتنانه على الإنسان بالتحديد، نعم هنا ذكر المفعولين، لكن في الآية السابقة علم القرآن ليس في سياق الإنسان، لا، هو في سياق تشريف القرآن وتعظيمه، فأغفره إظهاراً وتركيزاً على النعمة عليك أيها الإنسان، هذه امور ينبغي أن تلاحظها وأنت تتدبر كتاب الله سبحانه وتعالى. هنا قال: علم القرآن، هنا قال: علمه البيان، ليش هنا ذكر الضمير، هناك ما ذكر الضمير؟ هذا كله مقصود بالتأكيد.
طيب، أكمل، قال: لا، ليس أكمل، أنا نسيت الفكره.
فالمهم، احنا وصلنا عند علمه البيان، قلنا هناك رابط، صح؟ إذاً جملة علم القرآن في رابط بالمبتدا، خلق الإنسان في رابط بالمبتدا، علمه البيان في رابط بالمبتدا. طيب، الشمس والقمر بحسبان، هسا هاي جملة الشمس والقمر بحسبان جملة، وهي أيضاً الخبر الرابع عن المبتدا، لكن هل فيها ضمير يعود على الرحمن؟ فهمتم السؤال الآن؟ علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان كلها فيها ضمير مستتر يعود على الرحمن. طيب، الشمس والقمر بحسبان، هل هذه الجملة فيها ضمير يعود على الرحمن حتى تكون خبراً؟ فهمتم السؤال؟ راح تقول لي: فشش، الشمس والقمر بحسبان، والله يا شيخ ما أنا شايف فيها لا ضمير لا ظاهر ولا مستتر، إذاً بناءً على هذا الأصل لا تصلح أن تكون خبراً عن المبتدا. قال: لا، هنا في ضمير مقدر.
يقول النسفي: التقدير: الشمس والقمر بحسبانه، في ضمير هو مش ظاهر، لكن أنت بدك تقدره لأنك فاهمه من السياق؛ لأن التقدير: تجري الشمس والقمر بحسبانه، أو الشمس والقمر يجريان بحسبان، هذا هو التقدير. الشمس مبتدا، القمر معطوف عليها، بحسبان، شو يعني أنت تقول الشمس والقمر بحسبان؟ حقيقة لو بدي أفكك لك الآية، تقدير الآية هكذا: الشمس والقمر يجريان بحسبانه، الباء بحسبان الجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره يجريان، ممتاز، فتقدير الآية: الشمس والقمر يجريان بحسبانه، ففي ضمير، في ضمير بس مش ظاهر، فمن خلال السياق، لذلك الآن سأعيد قراءة كلام النسفي.
كذلك الجملة التي تليها ايش قال؟ والنجم والشجر يسجدان له، يسجدان له، بدك تقدر له بعد كلمة يسجدان حتى تصلح هذه الأمور تبقى خبراً عن الرحمن لازم في ضمير، لكن أحياناً بيكون الضمير واضح أنت فاهمه مباشرة، وأحياناً بدك تفهمه وتقدره من خلال السياق، لذلك هنا نعيد قراءة كلام النسفي. قال: واتصلت هاتان الجملتان، اللي هي الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان، قال: واتصلت هاتان الجملتان بالرحمن، اللي هو المبتدا، بالوصل المعنوي؛ ليش سماه وصل معنوي؟ لأنه فعلياً فيش ضمير، في ضمير شايفينه؟ لا، لكنه ضمير مقدر ذهنياً فقط، لذلك سماه وصلاً معنوياً وليس وصلاً حقيقياً. فهنا أنت تحتاج أن تقدر الضمير تقديراً من خلال السياق.
ما هو الوصل المعنوي؟ قال: لما علم أن الحسبان الذي هو سير الشمس والقمر عليه من هو مصدر هذا الحسبان؟ الله، فحسب حسبانه، والسجود لمن؟ له لا لغيره، فبالتالي أصبح تقدير الآية، يقول النسفي، كأنه قيل: كان تقدير الآية هكذا: الشمس والقمر بحسبانه - في ضمير أنت تقدره ذهنياً وإن لم يظهر في الإعراب - والنجم والشجر يسجدان له، فهذان الضميران مقدران، فهما اللذان يربطان هاتان الجملتان أو يربطان هاتين الجملتين بماذا؟ بالمبتدا الذي هو الرحمن.
نعم، قال: ولم يذكر العاطفة في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؛ لان الأول ركز الآن، هو كأنه طرح سؤال وأنا طرحته قبل قليل: لماذا في الآيات الثلاث الأُول حذف حرف العطف: علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، ثم في الآيات الأخرى عاد حرف العطف: الشمس والقمر بحسبان، ثم بدأ يذكر: والنجم والشجر يسجدان، والسماء؟ لماذا هناك لم يذكر حروف العطف وهنا ذكرها؟ فهذه من النكت البلاغية الآن سيذكر وجه ذلك.
نعم، قال: ولم يذكر العاطفة في الجمل الأول ثم جيء به بعد؛ لأن الأول وردت على سبيل التعديد تبكيت لمن انكر، ركز فيها؛ لأن هنا بدك تضع خط وتركز، شوف إخواني، النسفي هذا ليس تفسيراً جملاً، هذا متن، لذلك أنا أختاره، يعني بدك تمشي كلمة كلمة وتفهم كل كلمة ايش مرادها، هذا ما بينفع النسفي تقراه قراءة سردية، ربما السعدي يمشي الحال، لا، النسفي هذا يعتبر كتاب متني، فانت تحتاج أن تقف مع كل عبارة مع النسفي وتفهم مقاصدها ودلالاتها البلاغية حتى تعيش مع أجواء النص.
فقال: لأن الأول، يعني الجمل، لأن الأول عفواً، لأن الأول، أي الجمل الثلاث الأُول، قال: وردت على سبيل التعديد تبكيت لمن أنكر، تبكيت، يعني زجراً، ما معنى التبكيت؟ هو الزجر والقرع: لماذا كذبتم بالقران مع أنني خلقتكم من أجله وأعطيت البيان من أجله؟ فلما يكون التعداد على وجه التبكيت والتقريع العرب تحذف حرف العطف، هكذا العرف في أساليبها. نعم، قال: تبكي، وردت على سبيل التعديد تبكيت لمن أنكر، إي كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس ديدها عليه، في المثال المذكور، في المثال المذكور اللي ذكره قبل شوي، إذا شخص له عليك أيادي كثيرة، شو يعني له عليه أيادي كثيرة؟ يعني له معروف كبير علي وأنت لا تؤدي حق هذا المعروف، كيف العرب تبكت بالمثال اللي ذكره قبل شوي: زيد أغناك بعد.
فقر نصرك بعد قهر كثرك بعد قلة؛ لماذا لا ترد إليه إحسانه؟ فإذا أردت أن تبكت إنساناً تقرعه لأنك أنعمت عليه نعماً وهو قابل هذه النعم بالجحود، فإنك تستعمل ذكر الجمل بدون حرف العطف، فهذا كان مقصد الثلاث الأُول.
قال: ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت، بعد أن انتهى من التبكيت في الجمل الثلاثة، أعاد الأمر إلى وضعه الطبيعي؛ الوضع الطبيعي أن الجمل الخبرية يكون بينها حرف عطف. قال: لذلك ثم رد الكلام إلى منهاجه، أي إلى الأصل وهو الإتيان بحرف عطف. قال: ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالتعاطف، العاطفة (الطف) اللي هو حرف العطف.
قال: وبيان التناسب أن الشمس والقمر سماويين، والنجم والشجر أرضيان. دائماً الجمل كما قلنا إذا بينها تناسب الأصل أن تأتي بحرف عطف، لا يجوز ترك حرف العطف إلا إذا كنت في سياق التعداد للتبكيت، وأما إذا بينها تناسب الأصل لا يجوز حذف حرف العطف.
فالان ما وجه التناسب؟ الآن أراد أن يقول لك: أين وجه التناسب بين الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان حتى أتى بالعاطفة بينهما؟ قال: وجه التناسب أن الشمس والقمر مخلوقات سماوية، والنجم والشجر مخلوقات أرضية، فهناك تناسب في التقابل. وكلا المخلوقات السماوية والأرضية الكل منقاد لحكم الله سبحانه وتعالى.
فقال: وبيان التناسب أن الشمس والقمر سماويين، والنجم والشجر أرضيين، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأن السماء والأرض التناسب هنا هو التقابل. باختصار: وجه التناسب بين هاتين الآيتين هذا؛ لأنه التناسب أحياناً له صور عديدة، منها التقابل أن تذكر شيئاً ثم تذكر ما يقابله، هذا تناسب يقتضي العطف.
قال: وأن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وهذا دائماً في القرآن الكريم (خلق السماوات والأرض)، فدائماً هناك تناسب بين السماوات والأرض، وهذا التناسب هو سببه التقابل بين هذين المخلوقين العظيمين.
قال: وأن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر، إذاً فهناك مناسبة هي التقابل. التقابل؛ إذاً أول وجه للمناسبة هو التقابل في الخلق، أن السماء في الأعلى والارض في الأسفل، الوجه الثاني للمناسبة أن كُليهما كما قلنا منقاد لأمر الله، فلما ذكر الانقياد من الجميع فهذا وجه مناسبة أخرى بين الشمس والقمر من جهة، والنجم والشجر من جهة.
قال: والسماء رفعها خلقها مرفوعة مسموة، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومصدر قضاياته، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه. ووضع الميزان هنا هو حسي، ورفع معنوي. لما قال والسماء؛ الآن خلص الآن كلها ستصبح بحرف العطف؛ لأن كلها من جنس المخلوقات السماوية أو الأرضية، فالآن كله سيعطف على بعضه البعض، فلما قال الشمس والقمر بحسبان، ثم قال والنجم والشجر يسجدان، ثم الآن ماذا قال؟ والسماء رفعها؛ الرفع هنا رفع حسي ورفع معنوي. الرفع الحسي أنه أنت ترى السماء فوقك مرفوعة، هذا رفع ايش حسي. الرفع المعنوي للسماء ما هو؟ هو الذي ركز عليه النسفي، أنه رفعها لما جعلها مسكناً لملائكته ومسكناً لأنبيائه، الذين راهم النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج، ومسكناً لأحكامه، والقرآن أين نزل ابتداءً إلى بيت العزة في السماء الدنيا؟ فالسماء أيضاً لها رفعة معنوية؛ لأنها يسكنها خِيرة خلق الله.
قال العلماء: رفعة حسية ورفعة معنوية، فالسماء أشرف من الأرض، هكذا قالوا. والنسفي ركز على الرفعة المعنوية، لذلك ماذا قال؟ أعد القراءة، قال: خلقها مرفوعة مسموكة، حيث جعلها منشأ أحكامه، ايش يعني حيث جعلها منشأ أحكامه؟ انه الأحكام لما كانت تتنزل عن النبي صلى الله عليه وسلم من أين كانت تتنزل؟ من السماء، فمن هناك الأحكام نشأت، وهذا يدل على شرف السماء ورفعتها الرفعة المعنوية أيضاً، ومصدر قضاياته، كل القضاء والقدر الذي يحل بالإنسان من أين يهبط؟ من السماء، فهو مصدر كل الأقضية عليك أيها الإنسان.
قال: ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، فبالتالي هذا يدل على أن السماء رفعتها ليست فقط رفعة حسية بل حتى رفعة معنوية، إذاً فالسماء رفعها تحملها على الرفعة الحسية والمعنوية.
قال: ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه. ووضع الميزان، أي كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرأسطون ومكيال ومقياس.
جيد، الآن بعد أن ذكر رفع السماء ذكر وضع الميزان في الأرض؛ ما المراد بالميزان هنا؟ وقضية الميزان واضح أنها قضية مهمة في سورة الرحمن؛ لأننا سنجد أن الله ذكر الميزان بلفظه الصريح في أربع آيات متتاليات، مع أنه كان بامكانه أن يذكر الميزان في الآية الأولى باسمه الصريح، ثم يعبر عنه بعد ذلك بماذا؟ بالضمير. صح؟ أنت تقول: جاء محمد قام، ثم قام محمد، ثم نام محمد، ولا بتقول خلص أول مرة باسمه الظاهر ثم بتستعمل الضمير؟ تقول: جاء محمد فقعد فشرب فنام. صح مش بتحكي جاء محمد فقعد محمد فنام محمد؟ العرب لا تعدل عن الضمير إلى الظهور إلا إذا كان هناك نكته عظيمة أرادها المتكلم في كلامه.
سنلاحظ هنا أن كلمة الميزان ذكرت في أربع آيات متتاليات باسمه الصريح، إذاً في نكته 100%؛ لأنه كان بامكانه أن يقول -نقرا الآيات سريعا-: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9]. خلص الضمير (فيه) يعود على ماذا؟ على الميزان. وأقيموا بالقسط ولا تخسروا، وستكون أنت تعرف ضمناً أن الضمائر هنا تعود على أقرب مذكور وهو ماذا؟ الميزان.
لماذا ذكر الميزان اربع مرات باسمه الصريح؟ لما قال: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7]، ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: 8]، ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 9]. رب كلمة ميزان ثلاثة، هذيك الرابعة (الوزن)، خلينا نحكي عن الميزان؛ الميزان ثلاث مرات. لماذا ذكر الميزان ثلاث مرات مع أنه كان بامكانه أن يستعمل الضمير؟ هذا يلفت النظر.
ما معنى الميزان هنا في هذا السياق؟ ما معنى الميزان؟ بسم الله، لا لسه ما حكيت بسم الله. مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس وفقه ابن جرير الطبري إمام المفسرين، قال: الميزان هنا هو كناية عن العدل، فلما قال: ووضع الميزان أي وضع العدل. ما معنى وضع العدل؟ أي أمر الناس وأهل الأرض أن يسيروا في امورهم في امور معايشهم وأقوالهم وأفعالهم بماذا؟ بالعدل، وبالعدل قامت السماوات والأرض، فهذا رفع لشأن هذه القيمة في حياة الناس. متى غاب العدل عن الأفراد أو عن الجماعات ساد الظلم، وإذا ساد الظلم كما قال ابن خلدون فهذا مؤذن بخراب ماذا؟ العمران والمجتمعات والحياة.
والعدل هنا بدك تفهمه بمفهومه العام الشامل؛ أنت عليك أن تعدل في أقوالك، تعدل في أفعالك، تعدل في تقييمك للناس، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8]. أي شيء يحتاج للعدل، لا تحصر العدل فقط -يعني كما قد يفهم بعض الناس- فقط العدل في البيع والشراء؛ لا، العدل مفهوم شامل عليك أنت أن تطبيقه في حياتك، وعلى المجتمعات والدول أن تطبقه في حياتها. العدل مامور به الحاكم والمحكوم، الرعايا والزعماء، ما في انسان لا يخاطب بخطاب العدل. بدك تعدل مع نفسك وتنصف، تعدل مع زوجتك، تعدل مع أولادك، تعدل مع زملائك، تعدل مع إخوانك، تعدل مع أعدائك، تعدل مع الجماعات والطوائف في حكمك عليها، وألا يجعلك عدم رغبتك في جماعة أو نظرتك القاصرة دونها أن تحيف عليها وتحملها ما لا تحتمل. فالعدل هذه منقبة عظيمة، لذلك ذكر ثلاث مرات باسمه الصريح، يعني لو سئلت لماذا ذكر العدل ثلاث مرات صراحة؟ لأنها منقبة وقيمة عليا الله سبحانه أراد أن يضعها في الأرض، إذاً قال: ووضع الميزان أي وضع العدل.
من لا يعدل هذا ظالم، كنت مسلماً ولا كافراً، بل وكما ورد في بعض كلام الاقدمين: أنه قد تنصر الدولة الكافرة لعدلها، وتهزم الدولة المسلمة لظلمها! قد يسلط الله على دولة الإسلام الظالمة دولة الكفر العادلة، وهذا ذكره بعض أهل العلم وأظن ابن تيمية ذكره في بعض سياقاته، فينبغي أن العدل عليه قامت السماوات والأرض كما جاء في الآثار، والله سبحانه لما يذكر الميزان ويؤكد قيمته بعبارات متقاربة -يعني حتى أنت الآن إذا نظرت في العبارات بالله اقرا الآيات سريعا كما قال: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7] ايوه، قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9].
لو نظرت نظرة سريعة لما قال: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 8-9]، ألا تشعر أن هذه المقاطع الثلاث متقاربة متلازمة في دلالتها؟ (لا تطغوا)، (أقيموا الوزن)، (لا تخسروا). طب ما هي متلازمه؟ إذا كنت لن أطغى، إنه الآن الطغيان في الميزان في الجهة المقابلة سيكون ايش؟ في خسران، لأنك إذا أنت تطغى في الميزان لجهة التلازم أن يكون في نقصان لجهة أخرى، وأما إذا لم تطغ لم تزد؛ لأن الطغيان هو الزيادة، والخسران هو النقصان، إذا أنت لم تطغ ولم تخسر إذاً أنت ستكون ماذا؟ أَقمت الوزن.
فالجمل الثلاث ترى هي متقاربة ومتلازمة من حيث دلالتها؛ لأنه لما يقول لك لا تطغى، إذاً فعليا لو سكت عن الخسران سيكون مفهوماً؛ لأنه الطغيان في جهة معينة الزيادة في جهة معينة سيكون نقصاناً في جهة أخرى ولا بد. فإذاً هذه الجمل الثلاث متقاربة متلازمة، لكن لماذا صرح بها مع أن القرآن في العادة تلازماً يكلها إلى عقل الإنسان المتدبر، لكن هنا صرح بهذه الجمل المتلازمة، وصرح فيها بلفظ الميزان مع أنه كان بامكانه أن يستعمل الضمير؟ لأنها منقبة عظيمة وقاعدة عليا عليها قامت السماوات والأرض. أنا بحاول أركز هي الفكرة حتى تفهم، القرآن لا ياتي بهذه الإطناب ولا بالضمير مكان بالظاهر مكان الضمير إلا عندما يكون لك شيء مهم جداً جداً الله سبحانه وتعالى بده يلفت انتباهك له، وكما قلت: لا تظن أن العدل هذا فقط خاص بالزعماء والحكام والدول، بل حتى أنت في حياتك.
بل والله إنني عشت مع كثير من المشايخ وممن ينسب إلى العلم أنهم يفقدون الميزان! يفقدون الميزان؛ ما عنده ميزان، مستعجل في الهجوم على الطوائف والجماعات والتبديع والتفسيق، مستعجل بده يرمي الكلام، ما عندك ميزان حتى في حكمه على الأفراد والأشخاص والناس من حوله ما عنده ميزان. فامتلاك الميزان هذا شيء تحتاجه يا طالب العلم، فانتبه له حتى تعرف تقييم الكلام الذي يخرج. مش بقول لك اوزن كلامك؟ اه، بدك ميزان في الكلام الذي يصدر منك خاصة عندما تتصدر، تعرف ماذا تتكلم، وأين تتكلم، وعمن تتكلم، وكيف تضع كل جماعة وكل طائفة وكل شخص في المكان الصحيح.
ولماذا يعني رحمه الله عليه ابن تيمية ما الذي يعجبك في شخصيته؟ إنه ما كان مستهترا مستعجلاً في إسقاط الآخرين؛ إذا مدح مدح، وإذا ذم ذم بالقدر المناسب. لذلك عندما تجد يذكر مثلاً من سبقه من العلماء يذكر: وقد أحسن ابن حزم في هنا وهنا وأصاب، لكنه قصر في أبواب الأسماء والصفات. تجد يذكر ما عنده من الخير وما عنده من الخطأ. حتى عندما يتكلم عن مخالفيه من الأشاعرة من الماتريدية يقول: والله قصدوا التنزيه لكنهم لم يوفقوا له. شوف العبارة فيها عدل يا اخي؟ قال: قصدوا التنزيه لكن لم يوفقوا له. شوف العبارة إنه ما اساء الظن بهم أنهم لا، هم ارادوا إفساد الدين والملة، كما يفعل بعض من لا يوجد عنده ميزان في الحكم وتقييم نوايا الناس وأفكارهم ومعتقداتهم خاصة عندما تتكلم في البيئات العلمية وما يمكن يحدث فيها.
فالميزان أحبابي أمر عظيم على المسلم أن يهتم أن يقيمه في نفسه قبل ما يطالب به الحكام والزعماء، لأن قد تكون أنت تطالب بشيء أنت تفقده في حياتك! قد تطالب بشيء أنت تفقده في حياتك، فانتبه لهذه القيمة العليا التي تركز عليها الآية هنا.
هذا هو التفسير الأول إذاً للميزان، قالوا: كناية عن ماذا؟ عن العدل. المعنى الثاني هو الذي اختاره النسفي، قال: لا، قال لك الميزان هو الآلة التي توزن بها الأشياء. وأنا حقيقة أميل للمعنى الأول لأني أجدُه أعم، المعنى الثاني قد نقول إنه ليس خارجاً عن المعنى الأول، فالمعنى الثاني للميزان لأن المراد الميزان الآلة التي توزن بها الأشياء. لذلك انظروا ماذا قال، اقرأ تفسير الميزان عنده مرة أخرى؟ قال: أي كل ما توزن به الأشياء. ايش قال؟ قال الميزان هو ايش كل ما توزن به الأشياء؟ فسر الميزان بالآلة اللي في ذهنك اللي بتكون عند الخباز، واللي بتكون عند تبعون الذهب، واللي بتكون عند؛ لأن هي الآلة المتبادرة إلى الذهن عند سماع كلمة الميزان، فهذا تفسير آخر، هذا تفسير آخر للميزان.
لذلك هو ذكر أنواع الموازين، قال ايش؟ قال: من ميزان وقرأسطون ومكيال. القرأسطون هذا ميزان دقيق جداً توزن به العقاقير، قالوا هذه كلمة فارسية، قال البعض: القرأسطون هو نوع من أنواع الموازين وهو دقيق حساس توزن به -زي تبع الذهب- حساس لقياس الغرامات الخفيفه من العقاقير.
قال وكذلك المكيال؛ المكيال نوع آخر من أنواع الموازين توزن به الأشياء الكبيرة مثلاً، كذلك مثلاً من الموازين القبان اللي وين بيستعملوه؟ تبعون الغنم والبقر وحتى الشواحن! يعني الآن القبان لوزن الأشياء الكبيرة يقولون، والقرأسطون لوزن الأشياء الصغيرة. أنت بتجيب خروف وتحطه على قرأسطون؟ لإن هذه لوزن الأشياء الخفيفة؛ العقاقير، الذهب، الفضة، لكن الخرفان البقر لما توزن عند اللحامين توضع داخل ما يسمى بالقبان. ذكر أنواع الموازين؛ لأنه يعني كأنه رجح أن المراد بالميزان هنا الآلة، لكن ابن جرير الطبري رجح أن المراد بالميزان هنا ماذا؟ كناية عن العدل، والعدل يكنى عنه بماذا.
بالميزان، نعم. قال: أي خلقه موضوعا على الأرض، حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل في أخذهم وعطائهم. يعني يقول النسفي: إن الله خلق الميزان كآلة ووضعها في الأرض، وعلم الإنسان كيف يصنعه؛ لأنها تتعلق به أحكام كثيرة للبشر في البيع والشراء. تحتاج لميزان، لما بدك تعطي، تهب، كل شيء يحتاج إلى ميزان تزن فيه. لذلك قال: خلقه موضوعا على الأرض. أي علم الإنسان، مراد علم الإنسان كيفية صنعه، حيث علق به أحكام عباده من التسوية؛ التسوية يعني في البيع والشراء لازم دائما توزن وتحط الأشياء هذه. بالله بدي 5 كيلو بندورة، بدي 10 كيلو مقابل 5 دنانير، كيف سنعرف؟ لابد من إيش؟ ميزان. قال: والتعديل في أخذهم وعطائهم.
طيب. قال: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾، لا، لا تطغوا، أو هي أن المفسرة. واقيم... قال: إذا ركز ما فيش سرعة. قال: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾. لماذا وضع الميزان؟ قال: التقدير: ألا تطغوا في الميزان. قال: وضع الميزان لألا. فكان هناك لام جر محذوفه، هو ذكر النسفي في الاحتمال الأول، قال: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي لكي شف هاد اللام اللي ذكرها قبل أحطه تحت خط؛ لأنه هي تفسير منه قال: لألا. اللام الأولى محذوفة، هي الآية هكذا: وضع الميزان ألا، في لام جر محذوفة قبل التقدير: ووضع الميزان، ما الهدف؟ لألا، أي لكي لا تطغوا. هذا هو التفسير الأول، أن هناك لام جر أفادت التعليل محذوفة في السياق، التقدير: ووضع الميزان لألا، أي حتى لا يحدث هناك أي طغيان في الميزان.
طيب التفسير الثاني. قال: لا، إنه هذه لا تحتاج إلى لام جر محذوفة، وانه إن هنا إن التي في ألا هي ألا عبارة عن إيش؟ أن زائد لا الناهية، أن زائد لا الناهية أدغمت. فالتفسير الثاني أن لا، أن هنا تسمى أن المفسرة، طبعا أن المفسرة شرطها في العربية أن يكون قبلها جملة فيها معنى القول دون حروفه، هكذا يقولون تمام. يعني ك كف مثلا في سورة القصص: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: 7] الآن أن أَرْضِعِيهِ هذه جملة تفسيرية للإيحاء، يعني وْأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى شو أوحينا لها؟ أن أرضعيه، فجملة أن أرضعيه جملة إيش؟ تفسيرية فسرت لطبيعة الإيحاء ممتاز.
أه هنا البعض قال نفس الشيء. قال: ووضع الميزان فكانه كان كلمة وضع فيها معنى القول، بس البعض قال لك لا، في فيها معنى القول، بعيدة يعني. أوحينا، الإيحاء فيه معنى القول صح، لكن وضع فش فيها معنى القول، فبالتالي البعض لا قال: خلونا على المعنى الأول أنه هناك لام جر محذوفة لألا. البعض شوية بعد قال: لا لا لا وضع فيها معنى القول، يعني كأنه قال: وضع الميزان وأخبرنا لماذا وضع الميزان لألا تطغوا. وين كان في شوية يعني تكلف خلينا نقول في هذا الفهم. المهم فاما أن نقول أن هناك لام جر محذوفة والتقدير لألا تطغوا، واما أن نقول أن مفسرة، يعني فسرت لماذا وضع الميزان، ليش وضع الميزان؟ كانه هناك تفسير ألا تطغوا في الميزان، حتى لا تطغوا فيه. فكانه قال: وضعت الميزان في الأرض حتى لا تطغوا في الميزان.
بس حقيقة لو اردنا أن نقول أن الميزان أنا بدي امشي مع النسفي في طريقة تفسيره، لو قلنا الميزان هو الآلة، مش هيك النسفي بقول؟ مش العدل، الميزان عند النسفي ما هو؟ الآلة. خلونا نشوف كيف سياق الآية راح يصبح: وضع الله الآلة، ووضع الميزان وضع الله الآلة لماذا وضعها؟ لأن تطغوا في ماذا؟ في الميزان. هنا الميزان الثاني مش رح تكون بنفس معنى الميزان الأولى، ما زبط. يعني وضع الله الآلة حتى لا تطغى في الآلة، تطغى في الوزن، مش ضابط. فهنا ستكون الميزان الثانية معناها الوزن، أي وضعت الآلة حتى لا تطغوا في الوزن، وعبر عن الوزن بالميزان، هيك بصير. هذا الكلام ماشي على تفسير ابن جرير الطبري أن الميزان ابتداء معناه العدل، ماذا سيكون تقدير الآية؟ وضع الله العدل لألا تطغوا في الميزان، أي لألا تتجاوز العدل إلى غيره، فيبقى الميزان بمعنى العدل في كل سياقاته. ممتاز فهذا اختيار آخر، فاما أن تختار تفسير ابن جرير أن الميزان هو العدل، واما أن تختار تفسير النسفي ومن وافقه أن الميزان هو الآلة، بس سعيتها بدك تصير كلمة الميزان تشوف في كل مكان وردت فيه ما المراد بها.
طيب قال: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾، الطغيان ما هو؟ التجاوز والزيادة، فعبر أولا طلب أول شيء منا ربنا إيش؟ طلب أنك لا تتجاوز، لا تزيد العيار، لا تزد في العيار. أكمل. قال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْن بالقسط﴾، وقوموا وزنكم بالعدل، ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ولا تنقصوه. كما قلنا هذه الجمل الثلاث هي متلازمة؛ لأنه قال لك: لا تزيد المعيار، إذن المطلوب أن لا أطغى، أن لا أتجوز الحد، إذن عدم تجاوزي للحد هو معناه إقامة بالشكل الصحيح. فجمله الثانية هي تفسير للجمله الأولى، يعني لما قال: وأقيموا الوزن بالقسط، إذن إقامة الوزن بالقسط هو تفسير لأن لا تطغى، ولما أقول لك: لا تطغى، إذن المطلوب مني أني إيش؟ أمشي مستقيم، فهذه الثاني هي تفسير للأولى وملازمة لها.
لذلك قال: وأقيموا الوزن بالقسط، ثم قال الثالثة: ولا تخسروا ولا تخسروا، فهو منعنا من الزيادة ومنعنا من النقصان، وفي الحقيقة هما متلازمان، لأنه كما قلت: لا أي زيادة في جهة هي نقصان في الجهة الأخرى. وذكر المطلوب في المنتصف، المطلوب هو العدل اللي هو الإقامة، الإقامة هو إقامة الشيء على وجه الصواب، فلذلك قال: لا تطغى، وأقيموا الوزن، ولا تخسروا، هي ثلاثة متلازمة مع بعضها البعض، نعم. قال: أمر بالتسويه ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزياده، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان. خلص النسفي اختصر لك هذه الآيات الثلاثة، هذا السطر اختصر النسفي الآيات الثلاث في هذا السطر. قال: أمر بالتسويه اللي هي أقيم الوزن، ونهى عن الطغيان الذي هو زيادة، ونهى عن الخسران الذي هو تطفيف، فهي آيات ثلاثة متلازمة. نعم. قال: وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصيه به وتقوية.
فائدة جميله هي هي اللي احنا ركزنا، لماذا كرر لفظ الميزان مع أنه كان بامكانه أن يعبر عنه بالضمير؟ قال: تشديدا للتوصيه به لأهميته، وتقوية للامر باستعماله والحث عليه. جميل. نعم. قال: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ خفضها، مدحوة على الماء. الآن هذه لما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ قابل بماذا؟ بالارض. قال: والارض وضعها، شوف السماء رفعها والارض وضعها، في تقابل وتناسب. نفس الشيء الشمس والقمر والنجم والشجر يذكر المخلوقات السماوية ثم ينتقل للمخلوقات الأرضية، ثم يذكر السماء ثم يذكر الأرض، هذا كله تناسب اسمه تناسب تقابل، يذكر الأشياء المتقابلة وهذا يستحق العطف بينها.
نعم. قال: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا﴾ خفضها، مدحوة على الماء للانام للخلق. وهو قال في سورة النازعات: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30]. دحو الأرض هو إعدادها لتصبح صالحة للسكنى، وإخراج ما فيها من النباتات والأشجار، ووضع الجبال فالدو الأرض ما هو؟ هو إصلاحها لأن تسكن عليها هذه البشرية. وقيل إنها دحيت على ماء، قيل إن اليابسة اللي هي الكرة الأرضية دحيت على الماء، والله أعلم بصحة ذلك. نعم. قال: للانام للخلق، وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة فالأنام إذا قال: والارض وضعها لمن وضعها؟ للانام. ما معنى الأنام هنا؟
المعنى الأول الذي ذكره النسفي قال: الأنام كل دابة على وجه الأرض من إنسان، من جن، من حيوان، كله داخل تحت كلمة الأنام. هذا التفسير الأول، حمل كلمة الأنام على جميع الخلق الذين قدر الله سبحانه وتعالى لهم أن يسكنوا عليها. التفسير الثاني للأنام، تفسير الحسن البصري. قال: قال وعن الحسن رحمه الله: الانس والجن فهي كالمها. له التفسير الثاني أن الأنام لا لا تشمل الحيوان، وإنما المراد بها هنا الجن والإنس فقط دون سائر الحيوانات، بناء على أن سائر الحيوانات وإن كانوا خلقوا في الأرض لكنهم تبع للجن والإنس وليس وجودهم مقصدا أوليا. نعم. قال: فهي كالمجد لهم يتصرفون فوقها.
نعم. ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ [الرحمن: 11] هي أوعية للثمر. قال: أولا قال فيها فاكهة، بدأ بذكر الفاكهة؛ لأن الفاكهة فيها يعني المنة فيها كبيرة، لأن الفاكهة متى يستعملها الإنسان للتلذذ؟ يعني ليست قوتا، الفواكه أنت متى تشتريها مع غليان الأسعار ما حداش بيشتريها، تمام. يعني الفاكهة إنما الإنسان يشتريها للتلذذ وللتفكه، أولا لكمال المنة فيها، لكمال المنة فيها، فذكر ما وضعه للتلذذ، ثم ذكر بعد ذلك ما وضعه للقوت والتلذذ، وهي ماذا؟ شجر النخل. شجر النخل؛ لأن التمر عند العرب كان مش فقط فاكهة، بجوز احنا اليوم نستعمل التمر فقط في مواسم، لكن عند العرب التمر كان بالنسبة لهم قوت أساسي، وبيت ليس فيه تمر شو جاء في الحديث؟ جياع أهله. فالتمر كان ليس مجرد فاكهة، كان قوتا أساسيا، فلذلك أفرده بالذكر فقال: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾.
ما معنى الأكمام؟ الأكمام قالوا هي الطلع الذي يكون كما للثمره التي ستخرج بعد ذلك. فالنخل ذات الأكمام التفسير الأول لكمام أنها أوعية الثمر والمراد بأوعية الثمر نفسه الطلع الذي وعاء لثمرة التمر التي ستخرج بعد ذلك. طيب قال: هي أوعية الثمر، الواحد كَم بكسر الكاف، ويجوز ضمها الأكمام. ما مفردها؟ شوف هي فائدة لغوية، الأكمام في النباتات مفردها كِم، والأكمام في الثياب مفردها كُم، إيش بنسمي هذا احنا؟ أه بتحكيش كَم بتقول كِم. فالأكمام يقولون في الثياب مفردها كُم بضم الكاف، والأكمام في النباتات مفردها كِم بكسر الكاف، لكن قالوا حتى في النباتات هناك لغة أخرى يجوز أن تقول كَم، أما في الثياب فهي لغة واحدة كُم لا غير. فهمنا؟ طيب.
قال: أو كل ما يكم أن يغطى من ليفه وسعف وكفرة يغط. قال: أن يغطى من ليفه وسعف وكفرة الراه. الآن إذا القول الأول، شوف والنخل ذات الأكمام البعض قال الأكمام هنا هي فقط المراد الأكمام التي تخرج منها الثمار، البعض لا فسر الأكمام بما هو أعم، فقال الأكمام تشمل كل ما يكـ كل ما هو مغطى في النخل ويمكن الاستفاده منه سواء الثمر أو الليف، الليف هي الخيوط التي تجدونها إذا رايتم شجر النخل في خيوط، هذه الخيوط التي تنزل من أوراق الشجر أو ما شابه ذلك، كانت العرب تاخذها وتستعملها وتصنع منها أحيانا للفرس أو الخيل أو ما شابه ذلك. وقال والسعف، السعف هي أوراق النخل، والكفرة فالبعض قال والنخل ذات الأكمام لماذا؟ ماذا استعمل ذات الأكمام؟ ليشمل كل ما يمكن الاستفاد به من النخل ويكون مغطى عليه غطاء، سواء الثمار، سواء ليف، سواء السعف، سواء الكفرة، فيكون هذا إظهار للنعمة أكثر وأكثر في شجر النخيل؛ لأن شجر النخيل عند العرب هي أهم شجرة، شجرة النخيل عند العرب هي أهم شجرة، وكانوا يستعملونها استعمالات عديدة، فالفائض من نخل لم تكن مقتصرة فقط على ثمرة، بل ليفه وسعف، كل شيء. حتى البناء المسجد النبوي ما بنى كان سقفه من سعف النخيل. فذكر النخيل بكل ما يستفاد منه، وإن كان التمر هو أساس الاستفادة منه بالتأكيد. نعم. قال: وكله منتفع به، كما ينتفع بالمكون من ثمره وجماره.
نعم. قال: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ هو ورق الزرع أو التبن ط. نعم، الآن بعد أن ذكر الفاكهة ثم ذكر النخل، انتقل إلى الحب. الحب، شوف النخل هو تلذذ وقوت، الفاكهة تلذذ فقط، الحب قوت فقط، هكذا قالوا. ففي هذه الآية جمع الله بين ما هو تلذذ فقط، بينما يجمع بين التلذذ والقوت، وهذه سيذكرها أظن النسفي، وبينما هو قوت فقط. فالحب مثل الشعير والقمح والحمص والفول، هذه مش أشياء تتلذذ بها، مش شي تلذذي، وإنما هي ماذا؟ أقوات، يعني هذا غذاء رسمي للإنسان، فلذلك هنا ذكره فقال: والحب. نعم. قال: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ هو ورق الزرع أو التبن. قال: والحب أول شيء وصف الله به الحب، قال: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ فوصف ورقه. العصف اختلف فيه، هل العصف هو الورق سواء كان رطبا أو يابسا، أم العصف هو الورق فقط إذا كان يابسا؟ فهنا ذكر معنيين، النسفي ذكر المعنى الأول أن العصف هو كل غطاء على الحب، سواء كان هذا الغطاء الذي على الحبوب رطبا أو يابسا. المعنى الثاني قال: إيش؟ أو هو التبن، التبن هو الورق اليابس فقط وهذا يكون ما الذي يستعمله البهائم؟ لأنه العصف كانوا يطعم إذا كان هو التبن، التبن لمن يطعم؟ مش للإنسان، التبن يطعم للمواشي. فذكر هنا إذن اختلاف في تفسير العصف، البعض قال العصف هو كل ما تغطى به الحبوب سواء كان رطبا أو يابسا، البعض قال لا، العصف لا يطلق إلا على الغطاء اليابس الذي أصبح تبنا يستعمل للبهائم فقط.
طيب. قال: ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ الرزق وهو اللب. شوف الريحان في القرآن هو الرزق، والبعض يطلقه على النبتة صاحبة الرائحة الطيبة، لكن المشهور ليس ما تعرفونه، أن الريحان المراد به الرزق في القرآن، وهنا في الآية لما وصف الحب قال: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ سنلاحظ أنه في خلاف بين المفسرين في تفسير الريحان بناء على ما إعراب الريحان. الآن إذا قلنا: الحب ذو العصف والريحان، إذا قلنا الريحان معطوف على ذو العصف، سيكون التقدير: الحب أول شيء أخبر عنه أنه ذو عصف، أي له يعني له أوراق أو قشر سواء كان يابس ولا طري، ثم أخبر عن الحب أن فيه ماذا؟ فيه رزقا، وسمى هذا الرزق ماذا؟ ريحان. هذا الرزق ما هو؟ هو نفس حبة القمح، نفس حبة الشعير، لذلك قال: هو اللب الرزق، وهو ماذا.
اللب لأنه أنت داخل السنبلة، السنبلة شو هي؟ هي حبوب وعليها قشورها، صح؟ القشور هي العصف، واللب هو ماذا؟ هو الرزق الذي أنت تقاته، وهو ماذا يسمى أيضاً بالريحان. فوصف الحبة بوصفين؛ أنه ذو عصف، على العصف خلينا نقول طعام البهائم، وذو ريحان لأنه طعام الآدمي، لأنه الآدمي هو الذي يستفيد من ماذا؟ من هذه اللبة. طيب فلذلك قال الريحان الرزق وهو اللب. ما المراد باللب؟ نفس الحبة التي أنت تستخلصها من السنبلة وتطحنها، بتعمل منها خبز، بتعمل منها سويق، بتعمل منها معكرونة، بتعمل منها اللي بدك إياه.
طيب قال أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه، والجامع بين التلذذ والتغذي وهو ثمر النخل، وما يتغذى به وهو الحب. هذه جملة جملية، يعني هذه كقاعدة عامة ذكرتها لكم قبل قليل. النسفي أراد أن يبين لماذا ذكر الفاكهة ثم ذكر النخيل ثم ذكر الحب؟ أراد أولاً أن يظهر ما فيه عظيم المنة، وهي الفاكهة التي خلقها للتلذذ، ثم ذكر ما يجمع بين التلذذ والقوت وهو النخيل، ثم ذكر ما هو خاص بالقوت وليس على سبيل التلذذ وهو الحب؛ كالشعير والقمح والفول والحمص والباقلاء وما شابه ذلك.
وأخبر أن هذا الحب منه ما يستفيد منه البهائم إذا قلنا أن العصف هو التبن، ويستفيد منه الإنسان بماذا؟ باللب الذي يستخرجه منه ويوظفه في الاستعمالات المتعددة. نعم. قال: والريحان بالجر، حمزة وعلي. طيب، حمزة تعرفوا حمزة الزيات وعلي كيف قرأوا الآية هكذا؟ قراءتهم: ﴿وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانِ﴾ [الرحمن: 12] فبتكون الريحان عطف على ماذا؟ ليس على ذو، عطف على العصف نفسه، وهنا تكون الريحان أيضاً مرتبطة بالحب، وصف آخر لماذا؟ للحب، ويكون متقارب مع المعنى الذي ذكرناه أيضاً.
نعم قال أي والحب ذو العصف الذي هو علف الأعام، والريحان الذي هو مطعم الأنام. نعم، سواء على قراءتنا ﴿وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانِ﴾ أو على قراءة هؤلاء إذا قلنا أن الريحان مرتبطة بالعصف فكلاهما وصف لايش؟ للحب، يعني سواء قرأتها والحب ذو العصف والريحان هي قراءتنا صح، أو والحب ذو العصف والريحان. هنا على قراءة الرفع الريحان معطوف على ذو، وعلى قراءة الجر الريحان معطوف على العصف، وعلى كذا قراءتين الريحان هنا وصف لللب الذي يستخرج من ماذا؟ من الحبوب.
لكن هناك على قراءة الرفع اللي هي الريحان، هناك توجيه آخر أن يقال أن الريحان مش معطوف على ذو، وإنما معطوف على الحب نفسه، فيكون التقدير: والحب ذو العصف خلصنا، والريحان، فيكون الريحان عطف على الحب، فيكون الله امتن علينا بالفاكهة، وامتن علينا بالنخل، وامتن علينا بالحب ذو العصف، وامتن علينا بالريحان. بس هنا سيكون الريحان إيش معنا؟ النبات ذو الرائحة الطيبة، فكانه آخر شيء، آخر شيء بعد أن ذكر النبات الذي يؤكل ويستفاد منه من فاكهة ونخل وحب، ذكر النبات الذي في العادة لا يؤكل وإنما يشم، وهذا أيضاً من المنة. فيكون ذكر لجميع أنواع النبات. شوف كيف إعراب القرآن يوسع المدارك، صح؟ وبيعطيك للآية الواحدة ثلاث أربع تفسيرات.
إعراب القرآن ريحان ريحاني طب هاي أعطف على إيش؟ كله يوسع المدارك، وكل مرة بيعطيك معنى مختلف. لذلك من لا يتقن العربية لا يمكن أن يفهم القرآن، ودراستك للعربية هذا ليس تفضل منك، مش والله كورس يلا عندي وقت بدرس العربية. بدك تدرس العربية جبراً حتى تفهم كلام الله. قال: ﴿عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ﴾ [الرحمن: 4] ربنا بقول لك: أنا علمتك البيان مشان تفهم القرآن، ونحن للاسف أصبحنا كالأعلاج لا نعرف البيان، فبالتالي أصبح القرآن بالنسبة لنا مستغلقاً، فيجب أن تتعلم البيان العربي حتى تفهم البيان القراني، وإلا ستبقى علاقتك بالقران علاقة ضعيفة، وفهمك للقران فهم سطحي، ليس فهماً مثل هذا الفهم العميق الذي يطرحه علماء التفسير.
نعم قال: والرفع على وذو الريحان، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل معناه وفيها الريحان الذي يشم. على هذا المعنى وفيها الريحان الذي يشم، تكون الريحان معطوف على الحب، هذا الذي ذكرته لكم قبل قليل. نعم قال: والحب ذا العصف ريحانه شامي. أي وخلق الحب، هذه قراءة أخير قراءة أخير ذكرها النسفي هناك أهل الشام. قراء الشام قرأوها بالنصب في كليهما: والحبة ذو العصف والريحانه.
والذين قرأوها بالنصب هنا قدروا فعلاً خاصاً بهذه الآية، قالوا: والحبة والريحانه مفعول به لفعل محذوف تقديره أخص الحبة والريحان. لماذا يعني نصب؟ شوف لما تاتي أشياء مرفوعة، ثم ياتي فجأة شيء منصوب في النص، اعرف أن هذا الشيء المنصوب على خلاف الرفع يكون للاختصاص. مثل إيش؟ في سوره النساء: ﴿لَّٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [النساء: 162] كلها مرفوعة إلا المقيمين، لماذا جاءت هذه وحيدة منصوبة؟ قالوا هذا للاختصاص: وأخص المقيمين، لأن هذا شيء مميز.
فهنا على قراءة الشاميين والحب ذو العصف والريحانه تكون الحبة منصوبة بفعل محذوف تقديره أخص الحبة. طيب لماذا خصه بالذكر؟ لأن فيه قوتاً، فهو عصب الحياة. نعم قال: وأخص الحب وال وأخص شوف هذا يكون التقدير على قراءة الشاميين طبعا نعم وليست قراءتنا نحن.
قال: ﴿فَبِأَيِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] أي النعم مما عدد من أول السورة، جمع آلاء، والآلاء ربكما تكذبان. الخطاب للثقلين، بدلالة الأنام عليهما، أي النعم مما عدد من أول السورة. آلاء جمع ماذا؟ آلاء، آلاء يعني هو يريد أن يخبرك أنه فباي آلاء الآلاء جمع صح، ما مفردها؟ ذكر هذا وهذا، يجوز أن تكون من ألا، ويجوز أن تكون من ماذا إلى، هذه مفردها ومعنى الآلاء ماذا؟ النعم.
وهنا جاء في بعض الآثار أنه يسن للمؤمن إذا قرأ سواء في الصلاة وخارج الصلاة فباي آلاء ربكما تكذبان ماذا يقول؟ لا نكذب بشيء من آلاء ربنا. لأن ربنا عز وجل يعني كأن هذا ليس استفهام حقيقي، هل ربنا يستفهم استفهاماً حقيقياً فباي الآء ها جملة استفهامية؟ فباي آلاء ربكما تكذبان. وكأن ربنا ينكر علينا عدم الشكر على النعم، فنحن مطالبون أن نجيب: يا رب لا نجحد شيئاً من نعمك. لذلك كلما قرأت في الصلاة أو في خارج الصلاة فباي آلاء ربكما تكذبان ماذا ترد كما جاء في بعض الآثار؟ لا نكذب بشيء من آلاء ربنا.
يعني كأنك تنصاع لأوامر الله سبحانه وتعالى وتنقاد، وتخبر ربك أني يا رب حاشاك أن أكذب بشيء من هذه النعم؛ من نعمة علم القرآن إلى هذه النعمة التي ذكرتها والحب العصف الريحان، كل هذا من عطائك الجزيل الذي يجب أن أقابله بالشكر والاعتراف والعبودية وعدم التقصير. وهذه فعلاً نعم عظيمة، لاحظوا يعني أننا لو عددنا النعم التي ذكرت فقط في هذا المقطع؛ تعليم القرآن، والخلق أنه خلقنا وأمدنا بكامل صورنا، ثم البيان، ثم نعم خلق الشمس والقمر وما فيها من الفوائد لنا، ثم الشجر والنجم وما فيه من الغذاء والقوت، ثم السماء، ثم إنزال العدل، ثم وضع الأرض ودحي الأرض، ثم ما وضع لنا في الأرض من تلذذ ومن قوت ومن كل هذه نعم علينا أن نقابلها بماذا؟ بالشكر، ونقابلها بالاعتراف.
وأعظم الشكر هو أن تمارس العبودية التي خلقك من أجلها وألا تغفل عما خلقت من أجله أيها الإنسان. نعم قال: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَالٍ كَٱلۡفَخَّارِ﴾ [الرحمن: 14] الآن الآيات نعم اقرأه، قال تعالى: خلق الإنسان من صلصال كالفخار، نعم. وخلق الجان من مارج من نار.
طيب الآن فباي آلاء ربكما تكذبان الخطاب لاثنين صح؟ فباي آلاء ربكما تكذبان الخطاب لمن هنا؟ للجن والانس. لذلك هنا ذكر في هذا المقطع الجديد قال: بين للإنس ما هو أصل خلقه، وبين للجن ما هو أصل خلقه. لماذا؟ حتى يقول لهم يعني على ماذا تستكبرون؟ فأنت أيها الإنسان إنما أنت ماذا صلصال كالفخار، وسنأتي ما معنى الصلصال. وأنت أيها الجني عبارة عن ماذا؟ مارج من نار، لست شيئاً عظيماً حتى تعرض عن هذا الإاله وتخرج عن طوعه وتستكين ياع له، فذكرها ذكر أصل خلق الإنسان وأصل خلق الجن هو تذكير لهذين الصنفين بأصولهما، وأنكماش لا يستوجب لكما هذا التكبر وهذا التباهي وهذا الإعراض عن الله سبحانه وتعالى.
هذا ما ذكر لسبب ورود ذكر أصل خلق الجن وأصل خلق الانس في هذا السياق، تذكير بالأصل حتى لا يتجاوز الإنسان ولا يتجاوز الجني قدره، ويظن أنه وصل لشيء عظيم يمكنه أن يخرج عن العبودية ويستغني عن هذا الإاله ولا يفتقر إليه في شؤونه كلها.
نعم قال: خلق الإنسان من صلصال، طين يابس له صلصلة. بدأ بخلق الإنسان فقال: خلق الإنسان من ماذا؟ من صلصال. ما هو الصلصال الآن؟ الصلصال هو الفخار الذي إذا طرقته أخرج صوت ماذا صلصلة. بتعرف الفخارة المي الفخارات لما تطق عليها بيطلع صوت، هذا الصوت يسمى صلصلة. فهو يخبر أن الإنسان خلق من طين يابس لو طرقته، هذا بدأ طبعا هذا بدأ خلق الإنسان اللي هو آدم، أما نحن فأصبح الإنسان يتكاثر من خلال المعاشرة الزوجية تعرفون بالمني.
لكن أصل خلق الإنسان من طين يابس لو طرقته لاخرج صوت صلصله. قال: كالفخار، كما أن الفخار يخرج صوت صلصلة، لذلك قال كالفخار. لكن شو الفرق بين الصلصة بين الإنسان وبين الفخار؟ أن الفخار هو طين طبخ على النار فأصبح فخاراً، وأما الإنسان اللي هو آدم لما خلق هو صح خلق من طين يابس لكنه لم يطبخ على النار، فالنار لم تدخل عنصرا في خلق الإنسان بخلاف الفخار. الفخار يقول انظر ماذا قال إيش قال النسفي في تفسير الفخار؟ قال: كالفخار أي الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف اه فالفخار هو لا طين مطبوخ بالنار.
طب ما وجه تشبيه الإنسان الذي خلق من طين يابس لم يطبخ على النار بالفخار اللي هو طين يابس طبخ على النار؟ وجه الشبه في ماذا؟ في صوت الصلصله فقط، أنه الفخار لو طقيت عليها بتطلع صوت صلصلة، وآدم لما كان في مرحلة الطين اليابس لو دقيت عليه كان سمع صوت ايش؟ صلصلة. وهذه قبل أن ينفخ فيه الروح.
قال: ولا اختلاف في هذا وفي قوله من حما مسنون، وقوله من طين لازب، وقوله من تراب لاتفاق معنى، لأنه يفيد أنه خلقه من تراب جعله طينا ثم ثم حما مسنونا ثم صلصالا. جميل. الآن يريد يقول النسفي: إياك أن تظن أن هناك تعارض بين آيات القرآن، لأن القرآن في السور المختلفة كلما ذكر خلق الإنسان خلقه وصفه بطريقة مختلفة.
في سورة ربنا قال عن الإنسان أنه خلقه من طين لازب في سورة الصافات. طيب في سورة آل عمران لما ذكر الله خلق الإنسان قال خلقه من إيش؟ من تراب. في سورة الحجر لما ذكر الله خلق الإنسان قال خلقته من ماذا؟ من حما مسنون. وهون في سورة الرحمن لما ذكر خلق الإنسان قال خلقه من إيش؟ من صلصال.
فمن لا يعني يهتم بتفسير القرآن ولا يعرف، يظن أن هذا تناقض، أنه مرة بتقول لي خلقته من طين، مرة بتقول لي خلقته من حما، مرة بتقول لي خلقته، فبقول لك النسفي: لا يوجد تعارض بين هذه الآيات. طب ما وجه الجمع؟ أن في كل سورة ذكر مرحلة من مراحل خلق آدم، هذا وجه الجمع باختصار. في كل سورة اقتصر على ذكر مرحلة من مراحل خلق آدم.
ففي البدايه جمع تراباً، فلذلك قال في سورة آل عمران تراب. هذا التراب جعله الله بعد ذلك طيناً لازباً ها المرحلة الثانية، والطين اللازب هو الطين الذي يعلق في اليد دلالة على أنه طين رخو. فإذا هو تراب، هذا التراب أصبح طيناً لازباً أي طيناً يعلق باليد. بعد أن أصبح طيناً لازماً أصبح حماً مسنوناً، والحما هو الطين الذي يميل إلى لون السواد، والمسنون هو الذي تغيرت رائحته فأصبح فيها شيء من الرائحة النتن هكذا يقولون.
فهكذا كانت المراحل، ثم أصبح في الأخير ماذا صلصالا، هذا الطين الذي أصبح اسوداً وله رائحة جمده وأصبح إذا طرقت عليه يخرج صوتاً كالصلصال. فإذا هو تراب ثم تحول إلى طين لازب، ثم تحول إلى هذا الطين اللازب أصبح أسود اللون له رائحة، ثم بعد ذلك أصبح مع اليبس، لأنه قال الصلصال الطين اليابس، بعد أن يبس أصبح يخرج صوتاً كصوت الصلصلة وأصبح يشبه الفخار. فهكذا تجمع بين هذه الآيات التي في كل موطن ذكرت مرحلة من مراحل التخلق لادم عليه السلام، وهذا في إظهار لضعف الإنسان.
أنت شو أصلك أيها الإنسان في النهاية؟ أصلك طين، ثم بعد ذلك يعاشر الرجل امرأته من مني يمنى، فعلى ماذا؟ فباي آلاء ربكما تكذب؟ ليش هكذا تنفخ نفسك وتعيش الحياة معترضاً على ربك قوانين الوضعية وتخالف أحكامه الشرعية؟ لماذا تعاند وتحارب؟ لماذا تعبد الأصنام؟ لماذا تترك الإسلام؟ لماذا كل هذه الأمور في حياتك، وأنما أنت في أصلك طين يابس يخرج صلصلة يعني هذه كل قصتك في الحياة هكذا ابتدأت ثم أصبحت نطفة من مني يمنى.
نعم قال: وخلق الجان أبا الجن. قال الجان قال هو أبو الجن، الجان شو الفرق بين الجان والجن؟ الجن هم الأفراد والجان هو رئيسهم الأكبر إبليس أبو الجن. قال أبو الجن، نعم قال: قيل هو إبليس. ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: 15] هو اللهب الصافي الذي لا دخان فيه، هذا تفسير كلمة مارج. المارج هو اللهب لهب النار الصافي الذي لا دخان فيه، هذا هو القول الأول.
القول الثاني: لا، أنه مش لهب صافي، بل هو لهب مختلط بسواد النار، وهذا رجحه الراغب الأصفهاني. فاختلف إذا في تفسير المارج، هل المارج هو اللهب الصافي أو المارج هو اللهب الذي خلط بسواد النار؟
قولان لأهل العلم، نعم. قال: وقيل: المختلط بسواد النار، من مرج الشيء إذا اضطرب واختلط. والذي جعل الراغب الأصفهاني يرجح المعنى الثاني: أن المارج ليس هو اللهب الصافي، لأنه مرجه في اللغة -هذه مرت معنا في أي سورة؟ في أمر مريج، لا، في سورة ق: المريج هو ايش؟ قلنا المخت. شوف، دائما تذكرك للمعاني القديمة بساعدك. هذه مرت معنا في سورة ق قبل ثلاثة أشهر، أن المريج هو المختلط، ممتاز.
وهنا نفس الشيء، مارج من تصرفات، مرج، مارج، مريج، فهي تدل على الاختلاط. هذا الذي جعل الراغب الأصفهاني يقول لك: لا، لا يمكن أن يكون لهب صافي، لأنه مادة مرجة تدل على الاختلاط، فبالتالي لابد أن يكون هذا اللهب مختلط بشيء من السواد أو بشيء من النار. وهذه من طرق الترجيح بين المعاني اللغوية عند العلماء المدققين.
نعم، قال: من نار، هو بيان لمارج، يعني هذا المارج، هذا اللهب، بيان أنه من نار، ليس من مادة أخرى أو من نحاس، أو من، إنما هو مارج، أي لهيب، سواء كان مختلط ولا غير مختلط، هذا المارج هو مادة ناريه في اصلها. نعم، قال: كأنه قيل من صاف من نار، أو مختلط من نار، من صاف بناء على أنه لهب صافي، مختلط بناء على التفسير الثاني أنه لهب مختلط بالسواد.
نعم، قال: أو أراد من نار مخصوصة كقوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾. هذا التفسير الآخر. إذا المعنى الأول لما قال مارج من نار، البعض قال: من نار هذا فقط للبيان، أنه مارج، بيانه من أين أتى هذا المارج، فقط بيان أن هذا المارج مأخوذ من النار، عموم النار. القول الثاني لا، لما أن من نار هو تخصيص، والمراد نار معينة، نار معينة خلقها الله ليخلق منها الجن، فهذا تفسير آخر، لماذا ذكر من نار هنا؟
إذا التفسير الأول أنه ذكر من نار فقط لبيان طبيعة هذا المارج، التفسير الثاني أنه ذكر من نار لبيان أنه خلق من نار معينة وليس من أي نار تأتي على أذهانكم، وهذا محتمل أيضا. نعم، قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. نعم، فهي أعادت مرة أخرى، لماذا تكذب بنعم الله عليكم؟ لا نكذب يا رب شيئاً من نعمك، فأنت أيها الإنسان صلصال كالفخار، وأنت أيها الجن والدك أبليس خلق من ماذا؟ من مجرد لهب من نار، فلماذا، كما قلنا، هذا الاعتراض، فذكر خلق الإنسان وخلق الجن لبيان الأصل وليعرف كل جنس من هذه الأجناس أنه ليس بالشيء الكبير.
نعم، قال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربيه. أيضاً هذه من المواقع التي وقع فيها خلاف بين المفسرين في بعض آيات القرآن. الله عز وجل يقول: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ في آيات أخرى، ربنا يقول زي هنا: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ في آيات أخرى يقول: ﴿رَبُّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ مرة أفرد، مرة ثنى، مرة جمع. فما وجه الجمع بين هذه الآيات الثلاث يا رعاكم الله؟
هذا بعض تناقض بقول لكم أنتم يا قرآن، بيجيكم واحد ملحد يناقشك، طبعا هو الملحد في العادة في عنده بضاعة، في عنده سالفة، بس هو خلص بشوف أي شغلة فيها اختلاف بظن أنه ها في تعارض في القرآن، فكيف تجيب عن هذا؟ أنه ربنا قال رب المشرق، مرة أخرى قال رب المشرقين، في آية ثانية قال رب مشارق، مرة أفرد، مرة ثنى، مرة جمع. آه يا ؟
لو، إلا يعني، هسا خلينا، رب المشرق لما قال المشرق، ايش أراد بها؟ كان شرق الشمس بشكل عام، بشكل عام أن الشمس تشرق من جهة الشرق فاراد الجهة على وجه العموم، ممتاز. طيب في هنا لما قال رب المشرقين ماذا أراد بالتثنية؟ في الصيف والشتاء، ممتاز، مشرق الصيف ومشرق الشتاء، أحسنت. لما قال رب المشارق ايش أراد بالجمع؟
لأن مطلعها مختلف الشمس. بس هذا يصلح كلامك على المشارق على الجمع. الجمع كان شيء ثابت، اللي هو فكرة الآن فصول الأرض أن الشمس في المطالع مع الصيف والشتاء المطالع تتغير، يعني بين قوسين تتغير. نعم، هو شوف أنت قاربت وحمت، لكن هم يقولون: لما أفرد أراد الجهة عموماً، أن الشمس في العم، في الجملة، تطلع من جهة الشرق وتغيب في الجملة من جهة الغرب، ولم يدخل في معلومات أدق تفصيلا.
لما قال مشرقين قيل: في فصل الصيف في الجمله هناك مشرق، وفي فصل الشتاء الشمس يكون لها مشرق آخر، لذلك حتى يقولون اقتراب الشمس من الأرض صيفاً وشتاءً يختلف، أليس كذلك؟ فيقولون في الصيف هناك مشرق وفي الشتاء هناك مشرق آخر في الجملة. ثم لما أراد أن يعمق أكثر وأكثر ويوصل لك معلومة دقيقة قال: رب المشارق، أنه حتى في الصيف صحيح هناك مشرق، لكن زي ما قال أخونا، من بلد إلى آخر يختلف، وحتى قيل: أيام الصيف يختلف كل يوم بدرجة خفيفة، وفي أيام الشتاء أيضا يختلف اختلاف دقيق كل يوم عن الذي يليه.
فإذا لما أفرد أراد الجهة عموماً، لما ثنى أراد أن هناك مشرق في الصيف وهناك مشرق في الشتاء، ولما دقق أكثر وأكثر وكانه قرب الكاميرا لك أكثر وأكثر في العمق بين لك أنه حتى في أيام الصيف كل يوم الشمس تشرق من مشرق قال، يعني الفلكي مختلف بدرجة بسيطة عن مشرقها في اليوم السابق. فكان المشرق أول شي الكاميرا بعيدة، مشرقين قرب الكاميرا، مشارق دخل الكاميرا في العمق، وهذا من جمال التعبير القراني.
أيوه، أويس شيخ، يعني في مثلا هي رب المشرق، لا إله إلا الله، اتخذ، الكلام صح خطأ، لكن ملاحظة أنه الله سبحانه وتعالى كان يتكلم عنه وحدة وهو رب المشرق، الآية ها، رب المشرقين، رب المغربين، الإنس، يعني قصدك من باب التناسب أن ليش هنا في سورة الرحمن اختار ذكر التثنية؟ لأن الكلام هو مخاطبة للجن والإنس فكان من المناسبة التشاكل أن يذكر المثنى مع المثنى كحاحية لفظية؟
جيد، الملاحظة برضه اللي هي الآية كانت: ﴿رَبُّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾. ممكن يعني قصده أن القرآن راعى في كل موطن ما يشاكله، لما كان يتكلم مع الجن والإنس جاب المثنى، جميلة هذه مناسبات بس لفظية يعني، تناسبات لفظية لماذا في كل مكان ليش هون اختار الإفراد؟ ليش هناك اختار المثنى؟ ليش هناك اختار الجمع؟ لكن أنا بدك تفهم أصل الفكرة، ما معنى المشرق والمشرقين والمشارق؟ وضحت مشايخنا؟ تمام.
طيب، فهنا قال النسفي: أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربيه، بناء كما قلنا أن هناك مشرق في الصيف للشمس ومشرق في الشتاء يختلف بين الفصول. نعم، قال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ أي أرسل البحر الملح. كلمة مرج هي مرت معنا مرة أخرى، مرج، مارج، مريج. المرج هو ماذا؟ هو اضطراب واختلاط. طيب، قال: أي أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقين، لا فصل بين المائين في مرى العين.
جميل، فلما نقول مرج البحرين، ما المراد بالبحرين هنا؟ قال: البحر العذب والبحر المالح. هو في بحار عذبة على الأرض؟ نعم، يعني الأنهار. والبعض يقول، الحقيقة بشوف أحياناً على هذه الجغرافيا القنوات أنه لا، يقول لك لا: في بعض البحار يكون قسم من عذب وقسم منها مالح، ورايت بعض الصور، ولا أعلم دقتها فلكياً، أنه فعلياً في مرى العين، كما قال النسفي، مرى العين، البحران يعني يمرج في بعضهما مختلطان، لكن في الأبحاث الدقيقة يكون هناك حاجز برزخ، كما جاء في الآية: ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يدخل الماء العذب على الماء المالح ولا الماء المالح على الماء العذب، من الذي فعل ذلك؟ الله.
فلذلك لما قال مرج البحرين، خلط البحرين، هذا المرج في الظاهر، آه، لأنه أنت قلت المرج هو الاختلاط، طب هل هما مختلطان؟ لا، ما هو قال: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾. كيف مرج البحرين؟ بعدين بيقول لك في النهاية: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾. مش مرج قلتم تدل على الاختلاط، وبينهما برزخ يدل على الحز والفصل، فكيف مرج البحرين ثم قال بينهما برزخ؟
فنقول: مرج البحرين في مرى العين، يعني من يراهم في الظاهر يرى كأنهما مرج بعضهما في الآخر، ما تلاحظ أنت وجود حاجز، لكن في الواقع والحقيقة العلمية هناك برزخ لا يبغي أحدهما على الآخر، وهذا كلام جيد. نعم، يا إخوان، والله أنا ما شفتش فصل مبارك، يعني هو أنا لا أعرف هذا الكلام يعني حقيقة حتى أتاكد منه، لكن ما أعرفه أن الإنسان إذا نظر إلى البحار يصعب عليه أن يميز أنه هل فعلا دخل الماء العذب على الماء الماء؟ هما مفصولان تماما.
هذا أظنه شيء صعب حتى أنت تتخيله، أنه كيف ماء في ماء ومش داخلين ببعض، يعني كيف ماء في ماء ملتقيان في نفس البقعة ولا يتداخلان ببعضهما البعض أدنى تداخل، هو شيء غريب ويدل على خالق عظيم سبحانه وتعالى.
نعم، قال: أي أرسل البحر الملح والبحر العذب متجاورين متلاقين، فصل بين المائين في مرى العين، بينهما برزخ، حاجز من قدرة الله تعالى، لا يبغيان، لا يتجاوزان حديهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالمز. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ مدني وبصري، نعم. نحن قراءتنا ﴿يَخْرُجُ﴾، وعلى قراءة المدنيين والبصريين ﴿يَخْرُجُ﴾، هذه قراءات. نعم، قال: ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ بلا همز أبو بكر ويزيد، أبو بكر يعني شعبة ويزيد قرأها اللولو بدون الهمز، لكن نحن نقراها اللؤلؤ بالهمز. نعم، قال: وهو كبار الدر والمرجان صغاره. نعم، ما الفرق بين اللؤلؤ والمرجان؟ قيل: اللؤلؤ هو حبات الدر الكبيرة والمرجان هي حبات الدر الصغيرة، هكذا قيل في تفسيرها.
نعم، قال: وإنما قال منهما، وهما يخرجان من الملح، لأنهما لما التقيا، كان اعتراض، هذا الاعتراض منشأه على إيش؟ تحتاج إلى إثبات علمي أصل. هم يقولون يعني هكذا في كتب التفسير: أن اللؤلؤ والمرجان هذه لا تخرج من المالحة ولا تخرج من المياه العذبة، فكيف يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان مع أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من المياه المالحة؟
طبعا هذا يعني مبني على ثبوت الفكرة العلمية أصلاً، أنه هل فعلا اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من المياه المالحة؟ أنا ما عندي إثبات علمي في هاي القضية، لكن وجدت الآلوسي في روح المعاني ينقل عن بعض المتأخرين أنه يقول: ومن قال إن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج من العذب كأنه اعتراض على أصل الموضوع، أنه ما أنتم هل عندكم إثبات علمي أن اللؤلؤ والمرجان فقط يخرجان من المياه المالحة؟ فالبعض اعترض على أصل هذا الاعتراض أنه مبني على شيء يحتاج إلى إثبات علمي مسبقاً، أنه هل اللؤلؤ والمرجان فعلاً لا يخرج إلا من المالح؟
بالتالي أحتاج أن أجيب لماذا قال يخرج منهما، أم هما لا؟ ممكن يقول والله بالعكس، القرآن يقول يخرج منهما، إذا لا مانع أن يكون الكلام على حقيقته، وأن بعض اللؤلؤ والمرجان يوجد في المياه العذبة. طبعا، هذه قضية أتركها لأهل الاختصاص باستخراج اللؤلؤ والمرجان فليس لي خبرة باستخراجها.
آه تفضل شيخنا. ليش حكمنا عن البحرين أنه كل واحد عذب وواحد مالح؟ يعني ممكن يكون واحد مالح وواحد أقل ملوحة. بس لأنه هذا يعود إلى الآية الأخرى، قال: ﴿مِنْهُمَا﴾، فالكلام مرتبط بالكلام السابق: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾، ثم الضمير يعود إليه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾. إذا الماء العذب المالح ليس من المناسب أن يكون يخرج منهما، تثنية، والمراد المالح والأقل ملوحة. يعني هذا قطعت السياق أنت. فهمت؟ نعم، أكمل.
الآن سنمشي على ما قيل: أن بدنا نفرض أن هذه قاعدة علمية صحيحة، فرضا أن المرجان واللؤلؤ لا يستخرج إلا من المياه المالحة، فعلى هذا لماذا قال منهما ولم يقل منه؟ لماذا ثنى؟ فشيخ النسفي قال: قال لأنهما لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما، كما يقال، كما يقال: يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه.
هذا الوجه الأول، قال: لما كان الظاهر مختلطين ببعضهما في مرى العين، جاز أن يقال تجوزاً وتسامحاً منهما، لأنهما في الظاهر شيء واحد، وإن كان في الواقع هناك حاجز. كما أنك، هو قاسها على قضية لغوية أخرى: كما أنك تقول: أخرجت من البحر اللؤلؤ والمرجان، وإن كنت أنت لم تخرجه من كل البحر، وإنما أخرجته من بعضه، فكما أنك تقول أخرجت من البحر وأنت أخرجت من بعضه، كذلك لك أن تقول أخرجت منهما وأنت أخرجت أحدهما.
قاس هذه على هذه. طيب، وإن كان يعني أظن يحتاج إلى تأمل حتى هذا القياس. طيب، قال: وتقول خرجت من البلد، وإنما خرجت من محله، من محلة. آه، لكن هذا قياس مش صحيح، لما تقول خرجت من البلد وأنت خرجت من محلة، من محاله، في النهاية هذه المحلة هي جوا البلد، فأنا لما أقول خرجت من البلد هذا حقيقة، وإن كنت خرجت، يعني هل كلمة خرجت من البلد تقتضي أني خرجت من كل أنحاء البلد؟ لا، هو أكيد أنا خرجت من قرية، من قرى البلد.
يعني مثلاً لما أقول خرجت من الأردن، هل هذا معناه أنني، انت أصلاً يتصور أنني خرجت من كل الأردن، العقبة والزرقاء؟ لا، هو معروف أنه مثلاً خرجت من الأردن، أي من المحافظة عمان وطلعت بالطائرة وطلعت برا الأردن، فهذا لا أظنه يصلح القياس عليه هنا في قضية يخرج منهما اللؤلؤ، لأنه هنا في بحر لا يتداخل في بحر آخر، بخلاف المحلة. المحلة هي جوا البلد، فلما تقول خرجت من البلد هذا لا يتنافى مع قولك خرجت من محلة من البلد، أما لما تقول يخرج منهما وهما بينهما حاجز، لا، في نوع من التنافي، فالقياس والله أعلم يحتاج إلى نظر.
طيب قال: وقيل لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب. كان هنا ألغى القاعدة السابقة.
قال وقيل لا، إن اللؤلؤ والمرجان لماذا قال الله يخرج منهما، لأنهما فعلياً يخرجان من منطقة التقاء الماء الملح والماء العذب؟ وهذا قول ثالث، يعني وكأن هذه القضية قضية علمية، وعلماؤنا الأقدمون ما كان عندهم دراية بحرية جيدة بها. يعني لاحظ أنه هو بيقول لك في بعض أهل العلم في البحار يقولون اللؤلؤ والمرجان يخرجان ويستخرجان من منطقة التقاء الماء العذب والمالح، وهذه ما شاء الله دقة علمية كبيرة، ما أعرف كيف وصلوا إليها في زمانهم يعني من منطقة الالتقاء بالضبط.
يعني لو قلت يخرج منهما، أي من كليهما لسه أشوه، أما تقول من منطقة الالتقاء وأنت طبعا أبحاثك العلمية أو دراساتك ما مقدار دقتها؟ يعني أظن هذا الكلام كله يحتاج إلى إثباتات أكثر علمية. تمام، بس هو لما قال والماء العذب ما البحر؟ العذب ممكن نقول إنه منطقة التقاء النهر بالبحر، ممكن تمام، بس هو يعني في ماء مالح، لا هو طبيعته مالح، انسى قضية وجود أصل الملحي لكن لا يستشعر بطعمه، المراد الماء المالح لا، الماء الذي ذقته تذق فيه طعم الملوحة، والماء العذب هو الماء الذي إذا ذقته تستسيغه.
أليس في سورة فاطر ماذا قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: 12]؟ الآن السائغ شرابه هل هذا يمنع وجود أملاح معدنية بنسب؟ أنا لا أظن أنه يمنع وجود أملاح معدنية، لكنها لا تؤثر في الطعم، خلينا نقول ونفس الشيء ما تقول عن الماء الذي نشربه، فقضية كلمة ماء عذب هل يستلزم وجود أي كمية ملح فيه؟ أقول لا، لأن العذوبة معناها الاستساغة.
السفن جمع جارية، قال الزجاج: الوقف عليها بالياء والاختيار وصلها، وإن وقف عليها واقف بغير ياء فهذا جائز على بعد. نعم، الأصل الجواري، ما دامتا موجودتين في البداية فالمشهور عند العرب أنهم يقفون بالياء، الجواري. تمام، ويجوز الوقوف بحذف الياء، لكن على بعد كما قال الزجاج، يعني على ضعف، وإذا وردت في القرآن فالاصل القرآن ما في ضعف لغة موجودة، لكن الأفصح عند العرب والأشهر أن ما دخل عليه أل التعريف مما هو منقوص، إذا دخلت أل التعريف يوقف بالياء، الجواري.
نعم، قال: وإن وقف عليها واقف بغير ياء فهذا جائز على بعد، ولكن يروم الكسر في الراء ليدل على حذف الياء. يعني هذا اختيار الزجاج، الزجاج في اختياره يقول: إذا وقفت بحذف الياء الجوار، يقول: عليك أن تروم. ما هو الروم في التجويد؟ الحرف الاتيان بثلثي الحركة، قال تنبيهاً، يعني إذا أردت أن تقف على الجوار كما هو مرسوم في القرآن تقول وله الجواري، يعني بتجيب ثلثين الكسرة ليش؟ تقف بالروم يقول الزجاج حتى تنبئ القارئ أن هناك ياء محذوفة.
فلذلك قال: وإن وقف عليها واقف بغير ياء، وهذا هو ظاهر الرسم أنه يوقف عليها بغير الياء فذا جائز على بعد، على بعد يعني ليس هو الأفصح والمشهور عند العرب، ولكن يروم الكسر في الراء، يعني إذا وقفت بحذف الياء عليك أن تروم الكسرة، يعني تاتي بثلث عند الوقف، لماذا؟ قال ليدل على الياء المحذوفة، ليدل على الياء المحذوفة وهذا يعني نوقش فيه الزجاج رحمه الله عليه.
نعم، قال: المنشات المرفوعات الأشرعة، نعم. إذا وصف الله السفن في البحر بأنها منشات، ما معنى منشات؟ أي مرفوعات الأشرعة، لأن قديماً بتعرفوا كانت السفن ما في عندها، يعني لا تعتمد لا على طاقة نارية ولا بخارية ولا محركات، وإنما تعتمد على ماذا؟ نصب الأشرعة والرياح التي تحركها ولذلك قال المرفوعات الأشرعة، نعم، أي مرفوعات الأشرعة. وهناك قراءة منشات، هذا اسم مفعول صحيح، هناك قراءة على أنها اسم فاعل منشئات، على قراءة منشئات في كسر الشين اسم فاعل، وقراءة حمزة الزيات ويحيى يكون وصف الجواري بأنها منشئات قال بأنها هي الرافعة.
قال: الرافعات الأشرعة وإن كان يعني هي لا ترفع بنفسها ولا بد من وجود انسان يرفع، لكن هذا يكون على سبيل التجوز. نعم، قال المنشئات بكسر الشين حمزة وعلي الرافعات الأشرعة حمزة، حمزة ويحيى حمزة ويحيى الرافعات الأشرعة أو إذا قلنا منشات وهي قراءتنا مرفوعات، لأنه منشا اسم مفعول فالذي يناسبه مرفوع، إذا قلنا منشئات اسم فاعل فالبيناسبه رافعات اسم فاعل، فهذا لهذا وهذا لهذا.
نعم، قال أو التي تنشئ الأمواج بجريها، هذا معنى آخر، يعني على قراءة حمزة المنشئات ممكن نقول لا مش المراد أنهم منشئات الأشرعة وهذا يعني جيد، التفسير الثاني أن يقال منشئات أي منشئات الأمواج في البحر بسبب سيرهن وهذا قد يكون أقرب للذهن.
نعم، قال: في البحر كالأعلام جمع علم، وهو الجبل الطويل، هذا معنى العلم كالأعلام أي كالجبال الطويلة، أنت السفينة إذا رأيتها في البحر من بعيد كأنها كالجبل، ولاحظوا هنا تناسب الآيات، بعد أن ذكر الله السماء والأرض وما يتعلق بها من الشمس والقمر والنجم والشجر والمشارق، انتقل إلى ذكر البحر، ذكر الأرض ثم ذكر البحر، فذكر في البحر أول قضية قضية الماء العذب والماء المالح، ثم ذكر قضية إخراج اللؤلؤ والمرجان، وهذا كله من الأمور النفيسة، ثم ذكر قضية وضع السفن في البحر، وهذا من تقسيمات القرآن أنه كل شيء يعني مرتب منسق، مش بدخل الأرض في البحر، النعم هي النعم هي، لا، كل شيء ذكره على حدة، ذكر النعم السماوية والنعم الأرضية ثم النعم البحرية، كلها مذكورة في أقسام مستقلة.
نعم، قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13]. كل من عليها فان، كل من عليها على الأرض، شوف هذا الختام الجميل هنا في هذا السياق بعد أن ذكر كل هذه المخلوقات الأرضية والسماوية والبحرية، ماذا ستكون نهاية كل هذا الفناء؟ شوف هذا ختام، كأنه الآن، لأنه هنا الآن لاحظوا الصورة ستنتقل بعد هذا المقطع، سننتقل إلى الدار الآخرة، فكأن أنه في تسلسل بالنعم الدينية ثم النعم الدنيوية، ذكر لك السماوات وما فيها والأرض وما فيها والبحار وما فيها، لكن كل هذه النعم الدنيوية ما مصيرها؟ الفناء.
كل من عليها فان، فلا تتعلق كثيرا بهذه النعم وإنما تعلق بخالق النعم وتعبد خالق كل هذه النعم، كل من عليها فان، والذي سيبقى هو الواحد الخالق، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. وهنا ستقفل السورة مشهد النعم الدنيوية وتنتقل إلى ذكر النعم ومشهد الآخرة عموماً، مشهد خروج الجن والإنس ومشهد خلق النار ومشهد الجنة وما فيها من مراتب، فالصورة منسقة مرتبة في تعدادها ومسيرها، أقرأ نختم هنا بهذه الآيات.
نعم، قال: كل من عليها على الأرض فان ويبقى وجه ربك ذاته، ذو الجلال هنا فسر الوجه بالذات، طبعا شوف لو راحت على طريقة أهل السنة والجماعه لا إشكال عندي في أن نقول أطلق الوجه وأراد ذاته، لكن عليك أن تثبت أن الله متصف بالوجه، وجه يليق بجلاله وعظمته لا ندخل في كيفيته، الوجه معلوم كما قال مالك والكيف مجهول، طبعا هو قال الاستواء معلوم، لكن أقصد على طريقته تمام، فنحن نثبت صفة الوجه لله وهنا الوجه إطلاقه وإرادة الذات لا مشكلة معنا فيه بشرط أن تكون تثبت أصل الصفة، لكن مشكلة النسفي وغيرهم من الماتريدية والاشاعرة أنهم لا، يعني هم يريدون أن يقولوا الوجه مراد به الذات ويلغون اتصاف الله بأن له وجهاً، فهون بالنسبة لهم مهم جداً أن يقول الوجه والذات لأنهم لا يثبتون صفة الوجه لله.
فهنا ننتبه لأن كثير من كتب التفسير أصحابها يعني أشاعرة أو ماتريدية، فلما يأتوا لهذا الموطن لا يقصدون أن ينفوا صفة الوجه، ويقولون الوجه بمعنى المواجهة أو الجهة أو يعني يأتوا بمعاني كثيرة، وأهم شيء أنك لا تثبت وجهاً لله سبحانه وتعالى عندهم، وهذا لا يسير على طريقة أهل السنة، لا، الله متصف بوجه ذو جلال وإكرام ولا مانع بعد ذلك أن نقول إنه أطلق ويبقى الوجه وأراد بقاء الذات، فهذا معنى صحيح في الجملة ما عندنا مشكلة فيه.
نعم، قال ذو الجلال، ذو العظمة السلطان، وهو صفة الوجه، والإكرام بالتجاوز والإحسان، نعم، وهذه الصفة من عظيم صفات الله وفي الحديث: «الظوا بيا ذا الجلال والإكرام». يعني هذا هذان الوصفان من اعظم صفات الله سبحانه، ذو الجلال والإكرام من أعظم صفات الله بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الظوا بيا ذا الجلال والإكرام» قالها في الحج، أن أكثروا من وصف الله بهذين الوصفين فإن الله يحبهما.
نعم، قال وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر برجل وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال: قد استجيب لك. وهذا دلالة على أن الدعاء بهذين الوصفين من مواطن الإجابة أو من أسباب استجابة الدعاء.
نعم، قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] والنعمة في الفناء باعتبار أن المؤمنين به يصلون إلى النعيم السرمدي. شوف هذا السؤال طرحه، شوف هذا الختام الجميل، الآن لما ربنا قال كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام، فكان هنا يقول ما مناسبة أن تأتي فباي آلاء ربكما تكذبان هنا الآن؟ فباي آلاء قل ما معنى الآلاء؟ النعم. طب ما هي وجه النعمة في أن كل شيء يفنى ويبقى وجه الله حتى ياتي بعد ذلك باي آلاء ربكما تكذبان؟ يعني لما ذكر الشمس والقمر أي والله نعم، فمناسب أن نقول فباي آلاء ربكما تكذبان.
هنا في هذا الموطن ما وجه النعمة لما يقول ربنا كل من عليها فان، وين وجه النعمة حتى يقول بعد ذلك فباي آلاء ربكما تكذبان؟ فهمتم السؤال؟ تفضل. نعمة، آه، ما أثر هذه النعمة عليك؟ هذا السؤال، لما تقول نعمة أن الله هو الكامل وكله ناقص، نعم، تمام، أنا أعبد، يعني شخص أعبد الكمال، أعبد الكمال، أعبد الذات الكاملة. معنى لطيف جميل، نقول إنه قبل الفناء يوجد الخلق والإحياء، طيب، ألا ربنا الخلق والإحياء ثم يأتي من بعد.
لا، بس هنا هو هنا النعمة في الفناء نفسها، قال كل من عليها فان فباي آلاء، يبقى وجه ربك، فهنا الفناء هو نعمة هنا، لذلك جعله من النعم وقال فباي آلاء ربكما، لماذا جعل الفناء وخلاص من الدنيا نعمة؟ فهمتم لماذا جعل الخلاص من الدنيا نعمة في هذا السياق؟
أحسنت، هذا هو الذي ذكره النسفي، أن ما بعده أجمل وما بعده أعظم، ولما كان الجمال وهو اتصالك أيها الإنسان بخالقك ورؤيتك لوجهه لا يمكن أن يوصل إليه إلا بعد الفناء، أصبح الفناء نعمة طلب منك الشكر عليها، شوف هذا الجمال كيف أن الاسلام يعطي للموت جمالية أن الموت هو سلمك وهو طريقك للاتصال الأعلى بخالقك الذي وجدك وأعطاك، فلذلك قال والنعمة في الفناء، شوف شو كلام النسفي والنعمة في الفناء حتى طالبك بشكر هذه النعمة باعتبار أن المؤمنين به أي بواسطة الفناء يصلون إلى كمال النعيم، سواء النعيم في الدار الآخرة بالجنة لأنها دار كاملة مقارنة بدار الدنيا، والنعيم بالاتصال بالخالق سبحانه وتعالى، إن اتصال الإنسان المؤمن به في جنات النعيم أكمل من اتصاله به في الحياة الدنيا.
قال يحيى بن معاذ وهو أحد أئمة السلوك: حبد الموت، فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب. هكذا كانت نظرتهم للموت، أنه ليست هي النهاية، بل هي بداية رحلة الجمال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيينا على دينه وأن يجمعنا به في جنات النعيم وأن نكون ممن يزوره وينظر إلى وجهه الشريف، أنه ولي ذلك والقادر عليه، ولا أطيل عليكم أكثر من ذلك، في المشهد القادم نبدا بمشهد تقرير بعض مفاهيم العقائد ثم الكلام عن نعيم في ذكر الجنة والنعيم في ذكر النار أيضاً وما في هذه السورة من أوجه النعم العظيمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل