بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله معشر طلبة العلم في مجلس جديد من التعليق على كتاب العلامة النسفي رحمه الله تعالى عليه في تفسيره لكلام ربنا سبحانه وتعالى. والحمد لله الذي دفعنا إلى هذا المجلس وصرف همتنا إلى حضوره، فكل مجلس علم هي نعمة تتجدد وكل حضور هو توفيق جديد يستحق منك عبد الله وأمة الله أن تشكر الله سبحانه وتعالى على أن يمد، على أنه ما زال يمدك بهذه الهمة، همة حضور مجالس العلم. فإن هذه المجالس ليست مجالس تحصل فيها المعلومات، وإنما مجالس يطلب فيها الثبات على دين الله سبحانه وتعالى، خصوصاً في هذا الزمان في زمان الفتن، الزمان الذي قل فيه الانشغال بالعلم.
تأتي مثل هذه المدارس لتثبتك على دين الله سبحانه وتعالى؛ إذا ضعفت في معصية، إذا ضعفت في ذنب، إذا شعرت أن إيمانك أصبح هشاً، تأتي هنا لتغذي هذا الإيمان، لتغذي يقينك وعلاقتك بالله سبحانه وتعالى مرة أخرى. لو لم يكن في حضور مجلس العلم فائدة من معلومات إلا أنك تحضر فتزداد إيماناً، لكان ذلك حرياً أن تقاتل في حضورها، فكيف وانت تزداد إيماناً وتزداد علماً وتزداد نظراً في كلام الله سبحانه وتعالى؟
فاحمد الله عز وجل واشكره وحاذر أن تنقطع، حاصر دوماً الانقطاع. فإن آفة طلبة العلم في هذا الزمان الانقطاع، وعدم الصبر، وعدم الاستمرارية، وعدم الحرص على إكمال هذا المشوار. دائماً تعامل مع العلم كما قلنا على أنه سبب في ثباتك، على أنه سبب في البقاء في واحة الإيمان، سبب في أن تزداد قرباً من الله سبحانه وتعالى، وستكون حريصاً عليه. أما إذا تعاملت معه على أنه مجرد ملتقى للمعلومات، فهذا يمكن أن تحصله من أي مكان آخر، أما الثبات فلا تحصله إلا بحضور مدارس العلم المباشرة بين يدي الأساتذة.
ومجالس التفسير بالتخصيص لها ميزة في تلقيها من أفواه المشايخ، فإن الإنسان لربما يفتح أي كتاب تفسير وينظر في المعاني قد يحصل، لكن سبحان الله بركة التفسير في حضور مجلسه، بركة التفسير في السماع من أفواه أهل العلم، النظر في طريقة التحرير وطريقة النظر وطريقة الجمع بين الآيات. هنا ينمو عقلك وينمو إيمانك ويزداد ارتباطك بكتاب ربك سبحانه وتعالى، فالحمد لله أولاً وآخراً ظاهراً وباطناً.
في المجلس السابق أحبابي الكرام بدانا التعليق على سورة الرحمن، وقلنا سورة الرحمن هي سورة ماذا؟ سورة النعم أحسنت، هي سورة النعم. لذلك أكثر آية تكررت فيها، ما هي؟ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13]. واحد وثلاثون مرة تكررت هذه الآية، لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يستثير قضية النعم في حياتك لتكون سبباً في تحقيق العبودية، لأن الإنسان كلما تعرف نعم الله سبحانه وتعالى عليه ظاهرة وباطنة باصنافها المختلفة؛ النعم الدينية، النعم الدنيوية، النعم السماوية، النعم الأرضية، النعم البحرية، النعم الدنيوية، النعم الأخروية، كلما ازداد تحقيقه لعبودية الله سبحانه وتعالى وإقباله على هذا المقام أكثر وأكثر.
لذلك القرآن الكريم تنوع في دعوته إلى مقام العبودية؛ سورة الرحمن تدعو إلى مقام العبودية من بوابة النعم، تدعو إلى تحقيقك أيها الانسان لعبوديتك لله سبحانه وتعالى من جانب تذكيرك بنعم الله سبحانه وتعالى عليك. فلذلك السورة بدات بـ ﴿الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]. بدات بذكر أعظم النعم التي أنعم الله عز وجل بها علينا، وهي نعمة هذا الكتاب العظيم القرآن الذي أنزله إلينا لنتعلم منه سبل الهدايه وطرق الوصول إليه سبحانه وتعالى.
ثم بعد ذلك عدد النعم كما قلنا الأرضية والسماوية والبحرية، واليوم باذن الله بعد أن أنهى كل النعم الدنيوية بقوله ماذا؟ كل النعم الدنيوية هل هي باقية أو زائلة؟ زائلة. لذلك ماذا ختم المقطع الأول بعد أن ذكر كل النعم التي أغدقها عليك في الدنيا؟ قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26]. يعني هذه النعم مهما بلغت في عظمتها وشأنها لكنها إلى فناء، ﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]. وإنما النعم التي يصبو إليها الإنسان ويهتم بها هي النعم الأخروية، لأن طبيعتها تقوم على الديمومة وعدم الانقطاع.
فلذلك اليوم بإذن الله سنبدأ بالمشهد الثاني من مشهد سورة الرحمن، مشهد أولاً فيه تقرير لبعض معاني العبودية لله، ثم ننتقل إلى موضوع الدار الآخرة والجنة والنار باعتبار أن هذا من أعظم النعيم الذي على الإنسان أن يفكر فيه ويلتفت إليه، ويكون رحلة حياته من أجل الوصول إليه. نسأل الله سبحانه وتعالى الهداية والتوفيق والسداد.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم لشيخنا وللحاضرين. قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِيسَمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّه الثَّقَلَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 29-36].
هذا هو المقطع الذي سنبدأ ندندن حوله في مجلس اليوم، وبدايته: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن: 29]. ماذا قال النسفي رحمه الله عليه؟ قال: وقف عليها نافع، نافع المدني أحد القراء السبع المعروفين، قال: وقف عليها ولم يوصلها بما بعدها. يعني لم يقرا: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، لا، وقف عند ماذا؟ ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
انتهت الجملة وانتهى معها معنى عظيم من معاني العبودية لله سبحانه وتعالى، وهو معنى الافتقار، وهو أن كل من في السماوات والأرض يسأل الله. كل من في السماوات والأرض مفتقر لمن؟ لله. فهذا معنى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. هذا الإاله العظيم إليه ترفع الحوائج، حوائج أهل السماء وحوائج أهل الأرض، لأن الذي يسأل الله ليس فقط أهل الأرض بل حتى أهل السماوات العلى، الملائكة تسأل من وتطلب حوائجها من من أيضاً؟ من الله سبحانه وتعالى.
فهذا المقطع، وقوف نافع هنا وقوف جميل جداً، لأنه يعطي معنى عظيماً من معاني العبودية، أن من في السماوات والأرض إنما يسأل الله سبحانه وتعالى حاجته. فكل من في السماوات والأرض مفتقر إلى الله ولا يمكنه أن يستغني عن الله طرفة عين، كما جاء في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا ابن آدم، كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا ابن آدم، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهديكم».
إذن، كل من في السماوات والأرض هو مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا ما ركزت عليه هذه الآية في مطلعها: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وهذا فيه إشارة إلى افتقار المخلوقات وغنى الخالق. إشارة إلى افتقار المخلوقات وغنى الخالق، وإذا كان الله هو الذي يسأل وهو الذي يقصد في الحوائج، إذاً هو الذي ينبغي أن يعبد وأن تصرف القلوب إليه.
نعم، قال الإام النسفي رحمه الله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقف عليها نافع، نافع المدني أحد القراء، وهناك من لم يقف على هذا الوقف، وهؤلاء القراء وصلوا هذه الجملة بالجملة التي تليها: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. أما نافع المدني فاختار الوقف هنا وكان النسفي أعجبه هذا الوقف لذلك قدمه في الذكر.
نعم، قال: كل من أهل السماوات والأرض مفتقرون إليه، فيسأله أهل السماوات ما يتعلق بدينهم وأهل الأرض ما يتعلق بدينهم ودنياهم. يعني هنا النسفي يفترض أن أهل السماء يسالون الله أمر ماذا؟ دينهم، باعتبار أن الرزق لهم مكفول منتهى منه، وأما أهل الأرض فيسألون الله أمر دينهم ودنياهم. لكن عموماً أنا أرى ما في داعي لهذا التفصيل، كل من في السماوات ومن في الأرض يسأل الله حاجته بغض النظر عن حوائج أهل السماء واختلافها عن حوائج أهل الأرض، كل من في السماوات والأرض يقصد الله في طلب حاجته، فهو إذن إله عظيم مقصود، لذلك من سور القرآن سورة الإاخلاص التي يقول فيها الله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2]. ما معنى الصمد؟ المقصود في الحوائج، هذا معنى الصمد. فبالتالي حاجتك أيها الإنسان إنما تطلبها ممن يتوجه إليه أهل السماوات وأهل الأرض.
قال: وينصب «كل يوم» ظرفاً لما دل عليه ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، أي كل وقت وحين يحدث أموراً ويجددها. و«كل يوم» هذا ظرف والذي نصبه ما هو العامل الذي نصبه؟ قال: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
الآن انتقل إلى الجملة الثانية، الآن الجملة الأولى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ انتهينا منها. ثم قال: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. ما معنى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾؟ يقول النسفي رحمه الله تعالى عليه: أي كل وقت وحين يحدث أموراً ويجدد أحوالاً. ففي كل لحظة وفي كل حين يرزق هذا، ويبتلي هذا، ويفك هذا من مرض، ويبتلي هذا بمرض، ويرفع عن هذا بأساء، وتحل بهذا بأساء، وهكذا.
في كل وقت وحين تتجدد أمور العالم العلوي والسفلي وتحدث لله أقضية وأمور. نعم، هو قدرها سابقاً في الأزل لكن حدوثها يكون بمرور الأيام والسنوات والشهور. لذلك قال: كل وقت وحين، هذا تفسير اليوم، فسر اليوم بالوقت والحين، كل وقت وحين يحدث أموراً. فهمتم الآن؟ أمامنا يحدث أموراً؛ يبتلي هذا، وينعم على هذا، وينصر هذا، ويقهر.. هكذا وهكذا هي الحياة تسير بنا جميعاً، تسعدك يوماً وتبكيك أياماً، تسرك في أيام وتستدعي عليك في أيام، وكل هذا بتقدير من؟ بتقدير الله، أو بتدبير الله سبحانه وتعالى الذي يسأله من في السماوات والأرض.
نعم، قال: كما روي أنه صلى الله عليه وسلم تلاها فقيل له: وما ذلك الشأن؟ فقال: «من شانه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين». نعم، والشؤون كثيرة وليس فقط محصوراً في هذا، الشؤون كثيرة كل يوم وفي شأن في كل عبد من عبيده وفي كل خلق من مخلوقاته.
نعم، قال عن ابن عيينة: الدهر عند الله يومان، أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا فشانه فيه الأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والاعطاء والمنع. والآخر يوم القيامة فشانه فيه الجزاء والحساب. هان تفسير آخر للآية، هذا تفسير آخر للآية باعتبار أن كلام ابن عيينة لما قال كل يوم، هو قالوا الحياة يومان؛ يوم هو الدنيا ويوم هو الآخرة. التفسير الثاني لهذه الآية: كل يوم أن المراد باليوم ليس كل وقت وحين، لا، إن المراد أن الدنيا يوم في حساب الله والآخرة يوم آخر.
لذلك قال ابن عيينة: الدهر عند الله يومان، الدنيا يوم والآخرة يوم، وكل يوم هو في شان، فشانه في يوم الدنيا ماذا يفعل؟ قال: يامر وينهى. وشانه في اليوم الآخر وهو الدار الآخرة أنه ماذا يفعل؟ يجازي ويحاسب. هذا تفسير آخر، وإن كان التفسير الأول ما عليه جمهور السلف أن المراد لا، ليس أن الدنيا والآخرة هذا يوم وهذا يوم، ففي يوم الدنيا يامر وينهى ويبتلي وفي يوم الآخرة يحاسب، وإن كان المعنى صحيحاً بالجملة، لكن المراد أنه في كل وقت وفي كل حين له شأن مع عبيده، هذا المعنى أعم وأشمل عليه الجمهور في التفسير.
نعم، قال: وقيل نزلت في اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شأناً. وسأل بعض الملوك وزيره عن الآية فاستمهله إلى الغد، وذهب كئيباً يفكر فيها، فقال غلام له أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله يسهل لك على يديه. فأخبره فقال: أنا أفك الملك؟ فأعلمه، فقال: أيها الملك، شان الله أنه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويشفي سقيماً ويسقي مسليماً، ويبتلي معافى ويعافي مبتلى، ويعز ذليلاً ويذل عزيراً، ويفقر غنياً ويغني فقيراً. فقال الأمير: أحسنت.
وهذا الكلام وما نفس مضمون الكلام السابق، هذا نفسه مضمون الكلام السابق: أن الله في كل يوم وفي كل حين له شأن، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، يشفي سقيماً يسقيمه، وهكذا. فما ذكره هذا العبد للملك هو مضمون التفسير الأول الذي قررناه للآية: أن الله في كل وقت وفي كل حين يقضي قضاءً، ولا يوجد عنده أيام عطلة كما زعم اليهود عليهم من الله ما يستحقون. ما في يوم عطلة يوم السبت ما فيش فيه قضاء، لا، هذا بالنسبة للمخلوقين، أما الإاله فلا يخضع لقانون الزمان الذي نخضع له نحن سبحانه وتعالى.
طيب، ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا من مشاهد ربوبية الله، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أيضاً من مشاهد ربوبية الله، لأن المقطع الأول يتكلم عن الافتقار لخالق السماوات والأرض، والمقطع الثاني يتكلم عن القضاء والقدر، يتكلم عن القضاء والقدر وهذه كلها من معاني الربوبية.
ثم قال: وامر الوزير ان يخلع عليه ثياب الوزارة. فقال: يا مولاي هذا من شان الله. يعني تكملة قصة العبد مع الوزير والملك. الملك طلب من الوزير أن يفسر له هذه الآية فما عرف، فعبد الوزير طلع بيعرف، فالملك أراد أن يتحف هذا العبد أن يعطيه منصب الوزارة، فالعبد قال له: هذا ليس من شأن الملك، هذا من شأن الله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
نعم، قال: وقيل سوق المقادير إلى المواقيت، سوق، وقيل كل يوم وفي شأن أي أنه يسوق المقادير إلى مواقيتها المحددة لها.
وهذا لا يتنافى مع المعاني السابقة، فتدور على هذه المعاني. نعم، قال: وقيل إن عبد الله بن طاهر دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت علي ثلاث آئمة التفسير، قال له: أشكلت علي ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي؛ قوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة، وقوله: كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، هذه نزلت في من أو قيلت في سياق قابيل وهابيل لما قتل قابيل أو أحدهما أخاه، الله عز وجل ماذا قال؟ ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾، إذاً ألم يتب؟ المشهور أن قابيل الذي قتل باختصار لم يتب.
هنا استشكل المالك كيف أنه لم يتب الله عز وجل، قال: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾، أليس الندم توبة فكيف تقولون إنه لم يتب؟ الآن سيفسرها، قال: وقوله: ﴿كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29] وقد صح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقولها ما هو الاشكال؟ هذا هو الاشكال يعني، ما هو الاشكال الذي طرح لعبد الله بن طاهر في هذه الآية؟ في أحد فيكم فهم الاشكال؟ هو يقول: هذه الآية أشكلت عليه: ﴿كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، في المقابل نحن نعرف أن المقادير قد فرغ منها، فكيف ﴿كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ مع أن المقادير قد فرغ منها وجف القلم بما هو كائن؟ فهمتم أين اعترضت عليه الآية؟ طيب أكمل، خلينا نكمل الاشكال الثالث، قال: وقوله: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] فما بال الأضعاف؟ فقال الحسين الآية الثالثة التي أشكلت عليه: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، قال: فما بال إيش عن الأضعاف؟ أي مضاعفة الثواب الأعمال، هو يقول: الله عز وجل يقول: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، يعني أنت ما بتاخد عند رب العالمين إلا اللي سعيته، في المقابل في آثار كثيرة تدل على أن الله يضاعف، فكيف تكون هناك مضاعفة مع أنه يقول في هذه الآية: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾؟ أليست المضاعفة تتعارض مع هذه الآية؟
فالان بماذا سيجيب الحسين بن الفضل عن هذه الآيات الثلاث؟ كيف أجاب الحسين بن الفضل عبد الله بن طاهر عن هذه الإشكالات الثلاث؟ فقال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة. هذا بالنسبة للآية الأولى، أن الحسين بن الفضل قال له: الندم يجوز أن لا يكون توبة في حالة آدم وأبنائه، وإنما جعل الله الندم توبة لنا فقط، نحن أمة الإسلام يعني، وإن كان هذه الإجابة لا أعتبرها إجابة قوية حقيقة.
قال: وقيل إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله، ربما هذا يكون أقرب منطقية، لم يندم على القتل، وإنما ندم على عدم حفره لأخيه المقتول وحمله على ظهره، أنه حمله بدلا من أن يدفنه، لذلك بعث الله الغراب يبحث في الأرض، ربما هذه الإجابة أفضل، أن نقول إن قابيل لم يندم ندم توبة، وإنما ندم على حمله لأخيه بدلا من دفنه، وهذا موضوع آخر، فهو لم يندم على القتل حتى يغفره الله له، هذه إجابة أفضل من الإجابة الأولى.
طيب الثاني، قال: وكذا قيل: ﴿لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ مخصوص بقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام، ولكن هذا ليس بصحيح يعني، وإنما أن المراد أن الله سبحانه وتعالى يضاعف لمن يشاء، والمضاعفة تختلف عن موضوع ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، يعني لا يوجد دليل واضح على أنه ﴿لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ مخصوص بقوم إبراهيم وموسى، ما هو الدليل على هذا التخصيص؟ هذا فيه محل نظر في الإجابة.
نعم، قال: وأما قوله: ﴿كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. فقال: إنها إجابة جيده ومختصرة، ﴿كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قال: فانها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. شوف الجواب الهيكل الرشيق، قال: هي شؤون يبديها لا شؤون يبتديها. شو يعني هذا الكلام؟ يعني هي أقدار سابقة لكن حان الآن وقت إظهارها، وليست أقدار مستحدثة، حتى يقال: والله جف القلم بما هو كائن، فكيف يقول ربنا: ﴿كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾؟ فهذه ﴿كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي كل يوم يبدي قدراً قد قدره سابقاً، وليس يبتدي قدراً جديداً لم يقدره في السابق، لذلك قال: فانها شؤون يبديها أي يظهرها في مواقيت، هذه العبارة السابقة: سوق المقادير إلى المواقيت، شؤون يبديها أي يظهرها في وقتها، وليس شؤوناً يبتدي تقديرها من الآن. نعم، كل شيء قد قدر انتهى في الأزل، لكن كل قدر لابد وأن يساق إلى وقته تماماً.
نعم، احنا بنتكلم عن الأقدار الآن حتى بشكل عام، الكل متفق أهل السنة والأساعرة على أن هناك قدر سابق، الكل متفق على أن هناك قدر سابق، وإنما يسوق الله الأقدار إلى مواقيتها، وإنما يسوق الله الأقدار إلى مواقيتها، وإنما خلافنا معهم في قضية افعال العباد وهذه مسألة أخرى، أما من حيث أصل باب القدر فلا خلاف بيننا وبينهم في هذه القضية.
نعم، قال: فقام عبد الله وقبل رأسه وسوغ خراجه، أن أعطى راتب زيادة، خلينا نقول أعطاه خراجاً زائداً. نعم، قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، سنفرغ لكم مستعار من قول الرجل لمن يتهدده: وسأفرغ لك، يريد: ستجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه. الآية التي تريها: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ [الرحمن: 31]، هذه لغة التهديد واضح ولا لا؟ بقول لك: راح أتفضلك، صبر أيوب علي شوي، نفس الشيء، ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ أي سنتفرغ لعذابكم وعقابكم، وهذا يكون متى؟ في الدار الآخرة، فهذه جملة تهديدية وعيدية من الله سبحانه وتعالى لمن عصى وخرج عن أمره.
قال: والمراد توفر على النكاية فيه والانتظام منه، ويجوز أن يراد ستنتهي الدنيا وتبلغ الأقبال، ما معنى التوفر هنا؟ يعني التوفر أي الإقبال على النكاية فيه والانتظام منه، أي ساجمع أمري عليك لكن انتظر قليلاً، ساجمع أمري عليك وأنشغل بعذابك لكن ليس الآن، وإنما في الدار الآخرة.
قال: ويجوز أن يراد ستنتهي الدنيا وتبلغ آخرها، وتنتهي عند ذلك شؤون الخلق التي أرادها بقوله: ﴿كُلُّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فلا يبقى إلا شان واحد وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغاً لهم على طريق المثل. على طريق المثل يعني كأنه مثل نعم سيفرغ حمزة وعلي، أي الله تعالى أيها سيفرع بالياء وليس بالنون، نحن قراءتنا بالنون سنفرغ، حمزة وعلي قرآها بالياء أي سيفرغ الله لكم.
نعم، قال: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ الانس والجن، سمي بذلك لأنهما ثقل الأرض، فباي هذا سمي الجن، قالوا: لأنهما ثقل الأرض بالذنوب والمعاصي، وقيل ثقل الأرض بالذنوب والمعاصي، وقيل بوجودهم بمجرد وجودهم جعلوا الأرض ثقيلة.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ يا معشر الجن والانس، هو كالترجمة لقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، فالترجمة أي كالشرح، كالشرح لقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ لأنه قال في الآية السابقة: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ ثم قال في الآية اللاحقة: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الرحمن: 33] كأنه تفسير ما هم الثقال، يا معشر الجن والانس، فهذا ترجمة وتفصيل لما أجمل في الثقال.
نعم، قال: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا﴾، أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والارض هربا من قضاء فاخرجوا، وهذا أيضا لغة الوعيد هنا ستعمل، هنا في لغة وعيد في هذا المقطع من الآيات، من عند سنفرغ لكم إلى قوله: يا معشر ان استطعتم أن تنفذوا، يعني إن استطعتم الهروب من عذابي ومن قضائي الشديد الذي سيحلكم، دعونا نرى قدرتكم، هل ستستطيعون الهروب من جوانب السماوات والارض؟ طبعا لن يستطيعوا ذلك، وانما كما قلنا السياق سياق بلغه التهديد والوعيد لمن عصى وتجبر. الله يريد أنه قاهر عليه، ان قدرتم اقرا العبارة مرة اخرى، قال: أي ان قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والارض هربا من قضاء فاخرجوا، فاخرجوا دعونا نرى هل ستستطيعون الهروب من قضاء الذي سينزله بكم وعذاب الذي ساحله عليكم.
ثم قال: قال ثم قال: ﴿لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33] لا تقدرون على النفوذ إلا بسلطان بقوة وقهر وغلبة، وهذا ليس عندكم، يعني لا تنفذون إلا بسلطان وهذا السلطان ليس عندكم وليس من مقدراتكم أبدا.
نعم، قال: ﴿وَأَنَّىٰ لَكُمْ ذَلِكَ﴾، ومن أين لكم؟ وأن أي ومن أين لكم هذا السلطان الذي يغلب سلطان الله ويقهر؟ هل هناك سلطان يستطيع أن يغلب سلطان الله؟ حاشاه سبحانه وتعالى.
قال: وقيل دلهم على العجز عن قوتهم للحساب غدا بالعجز عن نفوذ الأقطار اليوم، وقد أعد العبارة قال: وقيل دلهم على العجز عن قوتهم للحساب غدا بالعجز عن نفوذ الأقطار اليوم، إذا هذا تفسير آخر أن المراد استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض أي اليوم في الدنيا لا تفعلون ذلك، فكيف بكم بالحساب يوم القيامة من باب أولى أنكم لن تستطيعوا الهروب من فقال: دلهم على العجز عن قوتهم للحساب غدا بالعجز عن نفوذ الأقطار اليوم، أي لما كنتم في الدنيا عاجزين عن أن تخرجوا منها، ففي الدار الآخرة أنتم أكثر عجزا عن الهروب من الحساب عادي، طريقة أخرى في تفسير الآية.
نعم، قال: وقيل يقال لهم هذا يوم القيامة حين تحدق بهم الملائكة، أين تحدق؟ أي تحيط بهم الملائكة، يقال لهم اهربوا من أقطار السماوات والأرض، انه هذا يقال لهم يوم القيامة، يعني في خلاف أنه هل هذا الخطاب ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هل هذا خطاب لهم في الدنيا أم في الآخرة؟
وبكسر الشين مكي وكلاب الراء مكة، اقرأها الشواذ بكسر الشين، والجمهور قراها شواذ بضم الشين. نعم، قال لهما وعلى القراءتين المعنى واحد، سواء شواذ أو شواذ، ما معنى الشواذ؟ قال: وكلاهما اللهب الخالص، اللهب الخالص هناك كلمة بالكسر. نعم، قال: فالرفع عطف على شواذ، ولا قراءتنا ونحاس تكون عطف على شواظ شواظ من نار ونحاس. نعم، قال: والجر على نار تكون العطف على ماذا؟ على نار شواظ مكون من النار ومن النحاس على قراءة الجر، شواظ من نار ونحاس فيكون على قراءة الجر الشواظ من النار والنحاس.
نعم، قال: والمعنى إذا خرجتم من قبوركم يرسل عليكم ما لهب خالص من نار ودخان لتسويقكم إلى المحشر. إذا هذا أحد أوجه في تفسير الآية: أنه يرسل عليكما، متى يكون هذا الإرسال؟ هل هو في الدنيا أم في الآخرة؟ هنا النسف اختار أن هذا الإرسال يكون متى في الدار الآخرة، لذلك قال: يرسل عليكم عندما تخرجون من قبوركم. البعض قال: لا، أن هذا الإرسال يكون في الدنيا في آخر الزمان في النار التي تخرج من اليمن وتحشر الناس إلى محشرهم في أرض الشام، فاذا هناك من الخلاف أيضا خلاف في تفسير هذه الآية: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: 35] هل هذا يكون بعد ما يبعثون من قبورهم أم هذا في الدنيا في آخر الزمان عندما تخرج نار من اليمن تحشر الناس إلى محشرهم؟ فهذا محتمل وهذا محتمل.
نعم، قال: ﴿فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ فلا تمنعان منهما، يستطيع أن ينصركم إذا جاء هذا الشواظ، لا يوجد شيء يستطيع أن ينصركم ولا أن يمنعكم ولا أن يحميكم منه. وهذا الذي قلنا ما معنى الشواظ؟ اللهب الخالص أنه بالأسئله حتى.
قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ān * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 37-44].
انتقلت الآية للكلام عن أحوال يوم القيامة والحديث عن أهل النار وما مصيرهم، ثم ستخدم سورة الرحمن ختاما طويلا بذكر حال أهل الجنة، سورة الرحمن التفصيل بحال أهل الجنة، وأما ذكر أهل النار فكان مقتضبا، قلنا لماذا؟ أن سورة الرحمن سورة النعم والنعيم يظهر أكثر في الجنة وفي النار، في الجنة فكانت التفصيل في أحوال أهل الجنة هو المناسب لسياق تعداد النعم، وإنما ذكر النار يكون نعمة من أي جهة؟ من حيث التخويف حتى تفر منها، ذكر النار نعمة من جهة أن الله ذكرها لك في الدنيا قبل أن تسقط فيها لتفر منها ولتاخذ أهبات الاستعداد.
طيب فهنا ستبدأ سورة الرحمن بذكر مشاهد الدار الآخرة، اقرا قال: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ انفَكَّ بعضها عن بعض لقيام الساعة، هذا معنى الانشقاق قال: انفك بعضها عن بعض، انفكاكه اجزاء السماء بعضها عن بعض، وهذا فيه صورة كاملة اسمها سورة الانشقاق.
نعم، قال: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ فصارت كلون الورد الأحمر، بمعنى صارت، كان هنا بمعنى صار، وهذا من معانيها في العربية، كان تاتي بمعنى الفعل الماضي الناقص كان في الزمن الماضي، وتاتي كان بمعنى ماذا؟ صغره. فهنا كان بأي معنى يا شيخ؟ بمعنى صارت، أي بعد الانشقاق يظهر لونها كالدهان، فصارت وردة، والوردة هنا تشبيه باللون، أي اللون الأحمر كلون الورد، هذا لون السماء في الدار الآخرة فصارت كلون الورد الأحمر.
نعم، قال: وقيل أصل لون السماء الحمرة، ولكن من بعدها هذا هو أصل لون السماء، هذا هو أصل لونها، فهي تعود الله أعلم إذا كان هذا هو فعلاً أصله لونها أم لا. نعم، قال: وقيل أصل اللون السماء الحمرة ولكن من بعدها ترى زرقاء، يعني وهذا الكلام يحتاج إلى نظر، والأول هو الأشهر أنها تصبح حمراء كالورد يوم القيامة.
نعم، قال: ﴿كَالدِّهَانِ﴾ الزيت، كما قال كالمهل، وهو دردي الزيت وهو تكون في اللون حمراء، وتكون دهنية كدردية الزيت أو كذهن الزيت، يعني كيف الشيء عندما يكون بريقه لا، هو ليس كالدهان أي.
كبريق الزيت عندما يلمع، فيوم القيامة تكون حمراء كالدخن، حمراء دهنية الملمس، خلينا نقول مثلها مثل الزيت الدهني. هذا هو وجه تشبيهها بالدهان، هذا وجه تشبيهها بالدهان؛ هو شبهها بالوردة من أي جهة؟ جهة اللون، وشبهها بالدهان من جهة ماذا؟ أنك تراها ملمسها كأنه دهني، دائماً أي شيء تضع عليه الزيت كيف يكون شكله السطح؟ هيك أملس ويعطي لمعة وما جاب ذلك، فهذا يكون شكل السماء في الدار الآخرة عند الانشقاق.
نعم، قال: وقيل الدهان الأديم الأحمر، الجلد، هذا معنى آخر، لكن المعنى الأول هو المشهور. إذا قيل الدهان هو الجلد الأحمر، لكن الأشهر هو الأول؛ الدهان أي كالدهني، كالمادة الدهنية الزيتية.
نعم، قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي فيوم تنشق السماء عند حصول هذا الانشقاق وظهور السماء وردة دهنية، ماذا سيحدث؟
نعم، قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39]، أي ولا جن. فوضع الجان -الذي هو أبو الجن- موضع الجن، كما يقال هاشم ويراد ولده، والتقدير: لا يسأل... لأنه الجان يعني قيل إن الجان ليس هو الجان، هو أبو الجن اللي هو شيطان نفسه ابليس، فقيل الجان هو أبو الجن. فكيف عبر عن الجن بأبي الجن؟ فهمتم السؤال؟ هو قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ﴾، الإنس هذا تعبير عن الجنس.
طيب، الجان من هو الجان؟ وهذا مر معنا المجلس السابق، الجان هو والد الجن، فهو أطلق الجان وأراد الجن أنفسهم. قال: كما انك تقول جاء هاشم وتريد بنيه وأفخاده، كما نقول: جاء قصي بن كلاب، والمراد ليس قصي نفسه، وإنما العرب تقول: جاء قصي، ومرادهم أبناؤه وأفخاده. فهنا كأنه على سبيل المجاز أطلق الجان وأريد ماذا؟ الجن أنفسهم. أطلق الجان وهو أبو الجن وأراد الجن أنفسهم. وقيل: إن الجان لا هو اسم آخر للجن وليس هو أبو الجن بالتحديد، وقيل: إن الجان هو اسم آخر للجن، وهذا يكون أسهل في الفهم وأبعد عن التكلف الذي أوتي به هنا.
طيب، قال: والتقدير لا يسأل إنس ولا جان عن ذنبه. والتوفيق بين هذه الآية وبين قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92]؟ اه هنا في تعارض، أن الله عز وجل أخبر عن يوم القيامة: فوربك لنسألنهم اجمعين، وهنا يقول: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، كيف لا يسأل عن ذنبه ثم في آيات أخرى: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]؟ يعني في آيات تدل على أن هناك سؤال في الدار الآخرة وحساب، وهنا كيف يقول: فيومئذ لا يسأل ظاهرها أنه لا يوجد سؤال؟
فقال، نعم قال: والتوفيق بين هذه الآية وبين قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ أن ذلك يوم طويل وفيه مواطن، فيوم القيامة يوم طويل إخواني وفيه مراحل؛ في المرحلة الأولى نعم لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، لكن في المراحل المتقدمة يبدأ السؤال، فهمتم؟ فكل وقت له حسابه الخاص وموقفه الخاص.
نعم قال: فيسألون في موطن ولا يسألون في آخر، هذا وفي يسألون في موطن ولا يسألون في آخر؛ يعني لحظة انشقاق السماء فكانت وردة كالدهان، في هذه اللحظة لا يسأل أحد، ما في سؤال، لكن بعد ذلك سيبدا السؤال والحساب في مشهد آخر وموقف آخر في عرصات الدار الآخرة، ولا تعارض في هذا.
نعم قال: وقال قتادة رحمه الله: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. قتادة يعني يجعلها بالعكس، أنهم سئلوا فتكلموا، ثم ختم على أفواههم فما عادوا يسألون، وأصبح الذي يتكلم جوارحهم عنهم. فقتادة قالهم: سئلوا ثم ثم اسكتوا فلا يسألون بعد ذلك. بغض النظر ما هو المتقدم وما هو المتاخر، المهم أن تفهم أن يوم القيامة مشاهد، وهناك مشهد فيه سؤال وهناك مشهد لا يوجد فيه سؤال. فهنا لما قال ربنا: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، هو تكلم عن تلك الحالة التي لا يكون فيها سؤال، وإنما يكون فيه انتظار رهيب لإتيان الرب سبحانه وتعالى، قد يكون هذا هو المشهد.
نعم قال: وقيل لا يسأل عن ذنبه ليعلم من جهته، ولكن يسأل للتوبيخ، هذا معنى آخر؛ قيل لا يسأل عن ذنبه سؤال استخبار، وإنما يسأل سؤال ماذا؟ توبيخ.
قال: وقيل لا يسأل عن ذنبه أي سؤال استخبار؛ يعني هل الكفار سيسالون يوم القيامة عما فعلوا في الدنيا ليخبروا به؟ لا، لأن الله كان شاهدا وحاضرا، وإنما سيسالون من باب ماذا؟ أن يوبخوا. فهذا معنى قوله إن النفي هنا: لا يسأل عن ذنبه، أي سؤال استفهام واستخبار، وإنما سيسالون سؤال ماذا؟ توبيخ وانتهاك، وهذا وجه آخر للتوفيق بين الآيات المتعارضة في الظاهر.
نعم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 40-41] بسواد وجوههم وزرقة عيونهم في يوم القيامة. كيف سنعرف المجرم من غير المجرم؟ كيف سنعرف أهل النار من أهل الجنة؟ قد يعرف المجرمون بسيماهم أي بعلاماتهم. ما معنى بسيماهم؟ أي بالعلامات التي تظهر عليه. ما هي العلامات التي ستظهر على المجرمين في الدار الآخرة؟ قال النسفي: بسواد وجوههم وزرقة عيونهم. زرق العيون! أحسنت: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: 102] ليست الأبدان وإنما العيون، وإنما زرق العيون، أما الوجوه فتكون سوداء والعياذ بالله.
قال: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: 41] أي يؤخذ تارة بالنواصي وتارة بالأقدام. فيؤخذ بالنواصي والأقدام هذا تنويع في حال الكفار، أن بعض الكفار سيؤخذون بنواصيهم -والناصية هي مقدمة الرأس- وبعضهم الملائكة بتشيلو من رجليه وبتزدو في نار جهنم، فهذا تنويع في فعل الملائكة بهم، نسأل الله العافية.
نعم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَٰذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ān﴾ [الرحمن: 42-44] الان ماء حار قد انتهى حره، أي يعاقب جهنم... لماذا استعمل اسم الإشارة «هذا» لطلاب البلاغة؟ «هذه جهنم» هنا هذه اسم إشارة للقريب صحيح، والمراد هنا القرب المعنوي. وهنا القرب المعنوي، هل أراد به تفخيم جهنم أم أراد به تحقيرها؟
طبعا أنت لا تستعجل، مثل هذا يحتاج إلى التأمل شيخ عمر: «هذه جهنم»، استعمل التقريب للتفخيم؛ يعني قيل إنه هنا استعمل اسم الإشارة «هذه جهنم» لتفخيم أمرها وتهويلها، ويمكن أن يقال إنه استعمل اسم الإشارة لتقريب وقوعها، أنه لم يبق إلا وقت قريب وستقع، فقد يكون اسم الإشارة إلى القريب فيه إشارة أيضا إلى غير التفخيم، لقرب الوقوع وسهولة الوقوع فيها للعصاة والمجرمين. قال: أن يعاقب عليهم بين التصفية بالنار وبين شرب الحميم.
فباي الاء ربكما... قال: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن. ما معنى يطوفون بينها وبين حميم آن؟ قال: الحميم الآن هو الماء الأيش؟ الحار الذي انتهى حره، لذلك سمي أو وصف أنه آن. ما معنى آن؟ ينتهي في الحرارة والغليان، لأن الحميم هو الماء الساخن، فما معنى وصف الحميم بأنه آن؟ أي أنه في بالغ الحرارة، في أعلى درجات الحرارة وانتائها، لذلك قال: هو ماء حار قد انتهى حره، قد انتهى حرها، اخذها من كلمة آن.
نعم قال: أي يعاقب عليهم بين التسلية بالنار وبين شرب الحميم، عليهم أن يتعاقبوا، العذاب يتعاقب عليهم، ساعة يكونون في النار وساعة يكونون في الماء الساخن، ثم ساعة في النار ثم في الماء الساخن، فيتعاقب عليهم العذاب ليكون أشد مرارة والعياذ بالله، فهذا معنى يتعاقب عليهم إيمان أو يعاقب عليهم يعاقب بمعنى يتعاقب هذا شوي وهذا شوي وهذا شوي وهذا شوي.
قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، والنعمة في هذا نجات النادي منه بفضله ورحمته، وما في الإنذار به من التنبيه. هنا سأل الناس النسفي السؤال المهم: ما وجه فباي آلاء ربكما تكذبان بعد ذكر النار؟ لماذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وهذا سياق النعم بعد ذكره لنار جهنم؟ ما وجه الارتباط؟
قال: والنعمة في هذا، أي في ذكر العذاب هنا، قال: نجاة الناجي منها بفضله ورحمته، أن من أعظم النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليك أيها الإنسان أن تنجو من هذه المصائب، وأن تنجو من حميم آن، أن تنجو من النار، وأن تنجو من يعرف المجرمون بسيماهم، فنجاتك من هذه المشاهد وعدم كونك من أصحابها هذا من أعظم النعم عليك، لذلك قال: والنعمة هنا نجاة الناجي منه، أي من هذا العذاب بفضله ورحمته، وأيضا وما في الإنذار به من التنبيه أنه التنبيه والتحذير المسبق، ونعمة من الله عليك أنه نبهك قبل أن تقع في المحظور، بيقول لك في جهنم تنتظر اسلك درب السلامة حتى لا تقع في هذه النار والعياذ بالله.
ثم الآن سينتقل إلى المشهد الذي يأخذ الصورة إلى نهايتها، وهو مشهد ذكر ما أعده الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في جنات النعيم بالتفصيل، وبالتفصيل الطويل. اقرأ، اقرأ المقطع:
قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46-62].
هنا الله سبحانه وتعالى ذكر أربع جنان: جنتان علويتان وجنتان سفليتان. ذكر أربع جنات؛ جنتان علويتان وجنتان سفليتان. والجنتان العلويتان أعلى في المواصفات من الجنتين السفليتان، كما سيظهر هذا في مواصفات كل جنة، وفي عندما نقارن بينهما سيظهر لك أن مواصفات ما ذكره الله في الجنتين الأولى أعلى من المواصفات التي ذكرها الله في الجنتين الأخريين، وكل له سكانه بحسب مراتبك في العمل.
نَبْدَأُ في الجمال اللي في الجنتين العلويتين، قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، موقفه الذي يقفه، يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة، فيترك المعاصي أو يؤدي الفرائض. يعني هي الآية على عمومها؛ الإنسان الذي يخشى الله سبحانه وتعالى ويخافه في الحياة الدنيا، الله سبحانه يعده بجنتين علويتين.
الذي يحقق مقام الخوف من الله كما ينبغي، الذي يكون في خلوة فتحدثه نفسه بمعصية، فالذي يحول بينه وبين المعصية أنه خاف الله فقط، ما في أحد يراقب من الناس، الجوال في يده، ما في شيء منعه من النظرة إلى الحرام إلا أنه خاف مقام ربه، وخاف مشهد الحساب بين يدي الله سبحانه وتعالى، وكانت المعصية قاب قوسين أو أدنى نهره فقط هذا الشيء، فهذا مشهد عظيم عند الله، لذلك الله ماذا ختم في ذكر الجنتين الأوليين؟ قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
ربنا ما بنسى لك اياها هاي اللحظة اللي أنت كنت بإمكانك تفعل المعصية والشيء الوحيد الذي نهرك عنها وخوفك من مقام الله، هذا شيء لا ينساه الله سبحانه وتعالى لعبده، لذلك أعطاه عليه جنتان من الطراز الرفيع في المواصفات من كامل -يعني ما في شيء تحلم به في تلك الجنتين إلا ستجده بكماله- جزاء لذاك الموقف، موقف الخشية من الله سبحانه وتعالى وإجلالا لقدره، وهذا من مقامات العبودية التي ينبغي على المؤمن أن يجاهد.
والله إن هذه اللحظة التي تترك فيها المعصية خوفا من الله ليعقبها من السرور في الدنيا الشيء الكثير، يعقبها من السرور ولذه الانتصار الشيء الكبير، وأظن كثيرا منكم جرب ذلك، جرب ما معنى أن ينتصر على نفسه، وما هو النعيم الذي يشعر به في الدنيا قبل الآخرة؟ ما هو النعيم الذي يشعر به في الدنيا قبل الآخرة؟ جرب هذا الموقف، وحدث نفسك بما أنعم الله عز وجل به عليك.
نعم قال: وقيل هو مقحم، كقوله: ونفيت عنه مقام الذنب، أي ونفيت عنه الذئب، يعني قيل إن كلمة المقام هنا مقحمة، ولكن هذا كلام يعني فيه نظر، هذا كلام فيه نظر، والصحيح وأنها ثابته في سياقها وليست مقحمة لمجرد التأكيد.
نعم قال: جنتان، جنتي الانس وجنتي الجن، لأن الخط الثقلين، وكانه قيل لكل خائفين منكما جنتان، جنة للخائف الإنسي وجنة للخائف الجني، فهذه التفاسير أن الله قال جنتان؛ واحدة للانس وواحدة للجن. والبعض قال: لا، هما جنتان في أعلى الجنة وليس المراد لأن هذا لقبيل وهذا لقبيل، هذا اختلاف بين أهل العلم في توجيه الجنتين.
قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن: 47-48] أغصانهما، هاتين الجنتين العلويتين أول صفة ذكرها فيهما أنهما ذواتا أفنان. ما معنى كلمة أفنان؟ المعنى الأول أنها أغصان، وتكون أفنان جمع فنن. وتكون أفنان جمع ماذا؟ فنن، لأن الغصن يسمى فنن، فننت تجمع على أفنان أي غصن وجمعها أغصان. طيب لماذا خص الله الأغصان دون غيرها في البداية؟ يقول النسفي، نعم قال: وخص الأفنان لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال ومنها ترتنى الثمار. نعم، أي كل خير مبداه من الأغصان، فالظلال من الأغصان لأنها يخرج عليها الورق، والثمار من أيضا تخرج من الأغصان لأن فيها يخرج البراعم وما شابه ذلك، فلأنها إذا الخير منها عميم خصها بالذكر، الأغصان منها تخرج الأوراق والظلال ومنها تنشأ الثمار، فهي أصل الخير في الشجرة.
نعم قال: أو ألوان جمع فن، وقيل إن أفنان هنا بمعنى ألوان، وهي بالتالي ستكون جمع فن وليس جمع فنن، ستكون جمعة فن، والفن يجمع على ماذا؟ على أفنان أيضا، فهذا معنى آخر؛ إذا ذوات أفنان، أما أنا أقول بمعنى ذواتها أغصان، أو ذوات ألوان، هذا معنى وهذا معنى.
المحتمل قال أي: لهما ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. قال: ومن كل أفنان لذاذة. والصبا لهوت به والعيش أخضر ناظر. فيكون إذاً على المعنى الثاني ذوات أفنان أي ذوات ألوان، أي تنوع في النعيم. هذا معنى ألوان، أي ألوان وأشكال من النعيم المتعدد. ومن قول الشاعر: ومن كل أفنان لذاذة، ومن كل ألوان وأنواع اللذاذة. وهذا محتمل أيضاً. قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ [الرحمن: 38-50] حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل. وعن الحسن: عيناه ماء. وعن الحسن رضي الله عنه: تجريان بالماء الزلالي. إحداهما التسليم والأخرى السلسبيل وعيون كثيرة، ومنها التسنيم والسلسبيل وغيرها من العيون التي ذكرها الله في كتابه. نعم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاکِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: 52] صنفان؛ صنف معروف وصنف غريب.
فباي آلاء ربكما تكذبان. متكئين: نصب على زوجان على اختيار النسفي. قال: من كل فاكهة زوجان، صنف معروف لديكم في الدنيا إذا نظرتم إليه عرفتموه، وصنف غريب أول مرة تشاهدونه شيء لم يشاهد، فلذلك قال زوجان بمعنى صنفان؛ صنف معروف وصنف غريب لم تشاهده في الدنيا مسبقاً نعم.
قال: فباي آلاء ربكما تكذبان. متكئين: نصب على المدح للخائفين أو حال منهم لأن من خاف في معنى الجمع. على فرش: جمع فراش. بطائنها: جمع بطانة. من استبرق: من ديباج ثخين وهو معرب. بطانة هذه الفرش، البطانة ما يكون في الداخل يعني حشوة هذه الفرش ستكون من استبرق، وهو الديباج الثخين يعني الحرير الثخين نعم.
قال: بطائنها جمع بطانة من استبرق ديباج ثخين وهو معرب حرير. وهو معرب أي أصل هذه الكلمة ليس عربي، هذه الكلمة وهي الاستبرق هذه كلمة فارسية عربت. قال: وقيل ظهائرها من سندس وقيل لا يعلمها إلا الله، يعني لماذا اقتصر الله على ذكر البطانة ولم يذكر الظهارة؟ قيل إن الظهارة من سندس فهو معروف من سياق آخر، وقيل أخفى ظهارة حتى يجعلها بابا من باب التشويق، أنه أخبر بالبطانة ولم يخبر بالظهارة نعم.
قال: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: 54] وثمرها قريب يناله القائم والقاعد. الجنة هي الثمار المجنيه، جنى الجنتين دان أي ثمار الجنتين دانية لمن يريد أن يقطفها ولمن يريد أن يتناولها، لا تحتاج مشقة ولا سلما ولا شيئا، هي التي تقترب منك وليس أنت الذي تقترب منها. فجنى الجنتين أي ثمار الجنتين دان، ما معنى دان؟ دانية منك. قال وثمرها قريب يناله القائم والقاعد والمتكئ، كل لم يستطع أن ينال هذه الثمار ويقطفها فهي ليست بعيدة عن متناول اليد نعم.
قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ﴾ [الرحمن: 55-56] في الجنتين لاجتماعها على أماكن وقصور ومجالس، أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى. قاصرات الطرف نساء. هنا قال ما قال هنا، ما قال فيهما، هنا إيش قال؟ فيهن صح، يعني في الآيات السابقة قال فيهما فيهما، هون قال إيش فيههن بصيغة الجمع. لماذا هنا؟ ماذا قال الناس؟ قال لأنه أراد الأماكن والقصور والمجالس وهذه جموع وليست واحدة أو اثنتين. قال لأنه أراد جميع الأماكن والقصور والمجالس، أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفراش والجنى، وبالتالي هنا يوجد معنى الجمعية لذلك أتى بصيغة الجمع في هذه الآية. قال فيههن أي في كل هذه الأماكن ستجد الحور العين، في كل هذه الأماكن في القصور وفي الفرش وفي أعلى السرور، كل ما ذكره ستجد قاصرات الطرف.
اقرأ قال قاصرات الطرف نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم. هذا معنى أنهن قاصرات الطرف، أن الحور العين لا تتشوف إلى غيرك، وإنما قصرت طرفها وشوقها وحبها عليك. ما هو قصر الطرف؟ الطرف هو العين صح، لكن قصر الطرف هو دليل على قصر ماذا؟ القلب، لأن ما قصرت طرفها إلا لما قصرت حبها وقلبها عليك. أترى هذا يزيد من العشق والشوق بينكما نعم.
قال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ [الرحمن: 56] بكسر الميم الدوري وعلي بضم الميم، والطمث الجماع بالتدمية، أن البعض قراها لم يطمثن والبعض ضم الميم. لمثلهن البعض تقراها بالكسر وبعضها بالضمه، ودي كلها اختلافات لغوية والمعنى واحد، وهو الطمث الطمث والجماع. لم يطمثهن أي لم يجامعهن قبلك لا إنس ولا جني، وهذا دلالة على أنهن أبكار، دلالة على أن الحور العين أبكار وأنت الذي تفتد بكرتها نعم.
قال: إنس قبلهم ولا جان. وهذا دليل على أن الجن يطمثون كما يطمس الإنس. من هذه فائدة استطرادية يعني أرadها النسفي، هي إخبار هل عالم الجن عندهم عشرة كما هو عند عالم الانس؟ يعني هذه فائدة على الهامش النسفي يفيدك إياها: هل عالم الجن عندهم زواج وعشرة وجماع كما هو في عالم الانس؟ قال: نعم، بدليل أن الله ماذا قال؟ لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، إذا الجن يطمث، إذا الجن يجامع، إذا في عالم الانس كما في عالم الانس هناك زواج وهناك جماع بدليل قوله تعالى لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان.
نعم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 57-58] كان نور العين في الجنة كلما افتض البكارة عادت بكرا، وهذا من كمال النعيم فيها أنها كلما افتضت تم افتضاض بكارتها في المرة الأخرى للمعاشرة تعود بكرا، لأن كمال الزواج إنما يكون للأفكار، فهذا من نعيم الجنة الذي لا ينفد نعم.
قال: كأنهن الياقوت صفاء والمرجان بياضاً. شبه الله الحور بماذا؟ بالياقوت والمرجان. ما وجه الشبه؟ قال هي تشبه الياقوت من حيث الصفاء؛ صفاء جلدها ولونها، والمرجان من حيث ماذا؟ حسن البياض. قال فهو أبيض من اللؤلؤ. فباي آلاء ربكما تكذبان. هل جزاء الإسان في العمل إلا الإحسان في الثواب؟ نعم. كما أحسنتم في العمل فخفتم مقام الله سبحانه وتعالى، أحسن الله إليكم بماذا؟ بالثواب، فأعطاكم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
هذا ما ودائما ذكر الجنة وما فيها من النعيم يخفف على الإنسان من مرارة الصبر أليس كذلك؟ يعني أنت تصبر تصبر يا شيخ ستنال بإذن الله، يعني هذا الصبر الذي تصبره على شهوات الحياة الدنيا أمام الفتن في الجامعات وفي بيئة العمل والاختلاط، خاص الصيف الآن على الأبواب فالفتن الآن تشرب باعناقها يمينا وشمالا وفوقا وتحت. الإنسان يقول لك الشيخ والله ما أنا عارف كيف أصبر يعني على كل ما ساشاهده فيما هو قادم، الفتن كبيرة والسوشيال ميديا وما فيها من الآفات هي فعلا فتن كقطع الليل المظلم، لكن من القرآن هو أعظم ما يصبرك، لأن القرآن يعدك القرآن من الله، والله يعد ومن أصدق من الله قيل الله عز وجل لا يعد وعدا فارغا، لا يعطيك مواصفات غير دقيقه، بل يعني يعطيك أعلى المواصفات وما خباه أكثر وأكثر.
فاصبر يا أخي ما في أمامك إلا الصبر، والصبر مر ولكن القرآن هو الذي يخفف عنا من وهج هذه الحياة ومن حرها، وإلا لا يوجد هناك علاج سحري، ولا تبقى تشكو عليك أن تكون رجلا وأن تتحمل هذه الحياة الدنيا، فالله إنما خلقك ليبتليك، ما خلقك حتى يعطيك وخلقك حتى تعيش حياة بعيدا أو أخبرك أنني خلقتك لابتليك، وبالتالي يجب أن تكون على قدر البلاء وتصبر وتتعلم أنك قادر أن تصبر، وإلا كان الله قد كلفك ما لا تستطيع ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. إذا أنت تستطيع لكنك ينبغي أن تكون رجلا على قدر حاجة أمتك تفضل.
وصل العبد مقام الإحسان. تحت المعنى العام دائر ما في مشكلة. قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 62] ومن دون دينك الجنتين الموعودتين للمقربين، اسم إشارة لاثنين ايوه ومن دون تين الجنتين الموعودتين للمقربين جنتان لمن دونهم لأصحاب اليمين. فهنا النسفي يقول لك الجنتان الأوليان للمقربين، والجنتان السفليتان لمن لأصحاب اليمين. وفيها المقربون وفي أصحاب اليمين وفي أصحاب الشمال. أصحاب اليمين والمقربون في الجنة لكنهم ليسوا في نفس المرتبة، فالمقربون أعلى منزلة عند الله من أصحاب اليمين. فمنازل أصحاب اليمين ما هي؟ اقرأ قال: جنتان لمن دونهم من أصحاب اليمين فباي آلاء ربكما تكذبان.
مدهامتان سوداوان من شدة الخضرة، هذا معنى مدهامتان أي هاتان الجنتان. أول صفة من صفاته مع أنهما مدهامة، ما معنى مدهامتان؟ أي اسودتا من شدة الخضرة، وليس المراد السواد السواد، لأن المراد إذا أنت رايت مناطق خضراء شديدة الخضرة، شدة الخضرة أحيانا توهمك أن الأمور تسير نحو السواد من شدة قدرتهما فلذلك سماهم الله مدهامتان أي سوداوان من شدة الخضراء في مرى العين تشعر كانها من شدة القدرة تميل إلى السواد، وليس المراد أنها طبعا سوداء، لأن السواد ليس لونا مرغوبا نعم. قال الخليل: الدهمة السواد. فباي آلاء ربكما تكذبان.
فيهما عينان نضاختان فوارتان بالماء لا تنقطعان. ما أبلغ؟ عينان نضاختان أم عينان تجريان اللي ذكرهم في الجنة الأولين؟ أنتم تقولون عينان تجريان أبلغ من عيناني نظارة في الجنتان العلويتان. قال فيهما عينان تجريان، فالجنتان السفليتان قال عينان نضاختان. لماذا نضاختان أقل؟ أنتم قلتم أقل، لماذا أقل؟ ما هو أنا ما لماذا؟ لماذا أن تكون العين نضاخة أقل من أن تكون العين جارية؟ فهمتم السؤال؟ لماذا عندما تكون العين نضاخة هذا أقل جمالا من أن تكون العين جارية؟ طيب ماشي تفضل يا شيخ.
زي المضخه تفور ايوه تفضل. لكن النظافة لا تدل على الجري في أنحاء الجنة هذا كلام جيد صحيح. هو مجرد وصفه أنها نظاخة لا يدل على أنها ثابتة، يعني أنت لا تأخذ شيء من شيء وقال إنها نظارة هل هي جاري ولا غير جاري موضوع آخر تمام. ايوه معنى الفوران، ها ممكن يعني هو الصوت الصوتي حاضر. يعني هو عموما كلامكم جيد يعني، لكن النظافة كما قال هنا وماذا قال في النظافة الفوارة؟ كيف؟ المضخة الإدارة واحدكم فتحها كيف يخرج؟ هي فقط تدل على وجود ماء في المصدر، لكن الجريان كما قال الإخوة مساحة أبلغ، يعني الجريان هي تجري في أفيان الجنة وفي قصورها وبين يعني أهلها، فالجري أبلغ من مجرد ماء ينضح في منطقة معينة. تقول ماء ينضح في منطقة معينة هذا لا يعطيك الانسياب الذي تدل عليه كلمة تجريان. تجريان يعطيك انسياب وماء ذاهب ويجري إلى مساحات واسعة، نضاختان يعطيك عين ماء تفور وهذا بالتأكيد سيكون أضعف وأثر من عين الماء الجارية التي وصفها في المقام الأول.
طيب أكمل قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] ألوان الفواكه ونخل ورمان. والرمان والتمر ليس من الفواكه عند أبي حنيفة رحمه الله للعطف، ولأن التمر فاكهة وطعام، ليس من ماذا؟ من الفواكه عند أبي حنيفة، لذلك عطف لأن العطف الأصل يدل على المغايرة ثقيل، يعني أن التمر والرمان ليس من الفواكه، بذلك عطفهما هنا.
قال: للعطف ولان التمر فاكهة وطعام والرمان فاكهة ودواء فلم يخلص للتفكه، وهذا سبب العطف. ولماذا خصهما بالذكر دون غيرهما؟ وقد يقال إنه من عطف الخاص على العام، وانهما يعني من أهم الفواكه، فلا معنى أن يكون للتفكر، لكن فعلا النخل ليس خاص أنه فاكهة، هو فاكهة وقوت عند العرب فلذلك دائما يخص بالذكر دون ما سوى، والرمان كذلك فاكهة ودواء. هذه فائدة جيده أن الإنسان، وهذا يعود حاجاتنا وكثير ناس يقول لك إذا أصابتك انفلونزا أو كذا أو شيء من هذه الأمراض التي تخفض المناعة، فالرمان وقشر الرمان مما يساعد جدا على العلاج، وفيه مواد في غذائية نافعة للإنسان المريض وهذا معروف عند الأطباء.
طيب قال وهما قال إنما عطفا على الفاكهة لفضلهما كأنهما جنسان آخران، لما لهما من المزية أو المزية. كما قلنا هو عطف خاص على العام وإنما خصهما بالذكر دون سائر الفواكه، لأن حجم الفوائد في النخل والرمان اعظم من غيرهما، وهذا يعينك على أيضا قضايا طبية معاصرة.
قال كقوله: وجبريل وميكال. لماذا قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] مع أنهما من الملائكة، لكن لماذا خصهما بعظم محلتهما؟ نعم طيب الله عز وجل بماذا وصف الجنان العلوية؟ قال فيها من كل فاكهة زوجان. وبماذا وصف الجنان السفلي؟ فيه فاكهة والاخرور ورمان. أيهما أبلغ في الوصف؟
من كل فاكهة زوجان أبلغ من فيهما فاكهة ونخل ورمان. ليه؟ هناك نص على العموم: من كل فاكهة زوجان زوج معروف وزوج أو صنف معروف وصنف غريب. هل هذا ذكره في الجنة السفلية؟ لا. الجنة السفلية قال فيها فاكهة ونخل ورمان، ما أعطاك أنه سيكون صنف غريب وصنف معروف، وهذا يدل على أن الجنة العلوية أعلى في مواصفاتها فواكهها من الجنة السفلية.
قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: 70] أي خيرات، فخففت وقرأت خيرات على الخيرات على الأصل. والمعنى فاضلات الأخلاق حسان الخلق. فباي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام. فورا هذا تفسير لخيرات الحسان من هم الخيرات الحسان؟ هم الحور المقصورات في الخيام، فأعطاك أولا عبارة مجملة ثم فصلها فقال فيهن خيرات حسان. حور مقصورات في الخيام.
بينما في الجنة العلوية ماذا قال؟ قاصرات الطرف. أيهما أعلى في المواصفات؟ أن تكون قاصرات الطرف كما وصف في الجنة العلوية أو تكون مجرد أنها مقصورة في الخيام؟ جميل أحسنت، هي بارادتها قصرت طرفها عليك فلم تحب سواك. لكن مقصورات في الخيام بتشعر أن الأمر ليس بإرادتها وهناك من قصرها ووضعها في الغياب. هي في كلي الحالتين لن ترى سواك، سواء في الجنة العلوية أو في الجنة السفلية. لكن أيهما أعلى في الوصف الإلهي؟ أن الله يصفها بأنها قصرت طرفها ولا يصفها بأنها مقصورة في الخيام.
تمام، أيهما أجمل أن أقول لك: هذه الفتاة قصرت طرفها عليك، فلا تنظر إلى من سواك؟ أو أقول لك: هذه الفتاة محبوسة في البيت، فلا ترى أحداً سواك؟ أيهما أجمل؟ أن تكون بإرادتها قصرت طرفها عليك، وليس أنها محبوسة في البيت فلا ترى سواك؛ لأنه في الحالة الثانية هناك شيء أجبرها، وهناك شيء يدبرها، أما في الحالة الأولى هي باختيارها تريدك ولا تريد سواك.
وهذا فعلاً أن الجنة العلوية أعلى من الجنة السفلية؛ في الجنة السفلية قال: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: 72]، قصرتهن الله في خيام اللؤلؤ -طبعاً الخيام مش خيام شعر، ولا خيام لؤلؤ مجوف كما ذكر المفسرون- فبالتالي الجنة العلوية أجمل من الجنة السفلية؛ لأن الفرق بين أن تكون هي قصرت طرفها وبين أن تكون هي مقصورة في الخيام فمنوعة أن تخرج منها. نعم، قال: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ أي مخدرات، أي مخبئات مقصورات، قال أي مخبئات مخدرات في داخل خيم اللؤلؤ المجوف.
نعم، قال: يقال امرأة قصيرة ومقصورة أي مخدرة، وقيل من الدر المجوف. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ﴾ [الرحمن: 73-74] قبل أصحاب الجنتين ودل عليهم ذكر الجنتين ﴿وَلَا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 74-75]. العلوية هذه الصفة مشتركة بين الجنة العلوية والسفلية، قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ﴾ [الرحمن: 75-76] نصب على الاختصاص، على رفرف هو كل ثوب عريض، وقيل الوسائد، أضرب وكل ثوب عريض، بينما في الجنة العلوية ماذا قال؟ متكئين على ماذا؟ فرش صح.
ببطائنها من استبرق، وهنا في الجنة السفلية قال: متكئين على بسط. وأيهما أبلغ؟ أن يكون الاتكاء على فرش ولا يكون على بسط؟ أكيد الفراش أنعم وأجمل وابهى وأفخم من مجرد البساط، وهذا من الفرق بين الجنتين. إذا قال رفرف نعم أقر مرة أخرى، قال على رفرف هو كل ثوب عريض، وقيل الوسائد، نعم أضرب عبقري ديباج أو طنافس حسان ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 76-77] خضر العبقرية. حقيقة عبقر هذه منطقة، العرب كانت تقول إن فيها الجن، تمام؟ منطقة في جزيرة العرب اسمها ماذا؟ عبقر، وإذا أرادت العرب أن تنسب شيئاً أنه نفيس عظيم يقول والله هذا كأنه من عبقر، كأنه جاء من عند الجن لنفاسته وجودته، فمن هنا وصفت هذه البسط بأنها عبقري على طريقة العرب، أن العرب تصف كل شيء جميل ملفت لا نظير له بأنه ماذا؟ عبقري، كأنه جاء من منطقة عبقر، وهي منطقة كانوا يقولون إن فيها الجن، فينسبون إليها كل شيء غريب لا نظير له، فمن هنا جاء وصف هذه البسط بأنها رفرف، أول صفة لها أنها خضر، الصفة الثانية أنها ماذا؟ عبقري، أي أنها أتت من منطقة عبقر في الملعبة، لكن هذه كناية على أنها غريبه ونفيسة ولا نظير لها.
نعم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 77-78]، وإنما تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الاوليين حتى قيل ومن دونهما؛ لأن مدهامتان دون ذوات أفنان. الآن هو سيقارب بين الجنتين السفليتين والجنتين العلويتين، فقال: الجنتان العلويتان والله وصفها بأنها ذواتا أفنان، أي لها ألوان وأشكال متعددة، أما الجنتان السفليتان فقال مدهامتان، ذكر لوناً واحداً وهو الخضرة التي تميل إلى السواد، أما الجنان العلوية فقال ايش أفنان؟ وقلنا من معاني أفنان أي ألوان وأشكال متنوعة. وأيهما أعلى؟ أن تكون الجنة ذوات ألوان ولا ذات لون واحد الخضرة التي تميل إلى السواد؟ أن تكون ذوات ألوان، هذه أول مقارنة.
ثانيا قال: ونضاختان دون تجريان كما مر معنا، دون الجري، الجري أبلغ في المساحة والمنظر والجمال من مجرد أنها نضاخة فوارة في مكانها. طيب قال: وفاكهة دون كل فاكهة، نعم إنه كل فاكهة فيها عموم أكثر وزوجها، نعم قال وكذلك صفة الحور والمتكأ، هذا على أن الجنان العلوية أعلى من الجنان السفلية، بلغنا الله منازل الصالحين. ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 78] ذي الجلال ذي العظمة. ذو الجلال شامية صفة للاسم، والأكرام لأوليائه بالانعام، في الجلال قراءة الجمهور، وذو الجلال قراءة الشاميين وهي صفة للاسم أي تباركَ اسمُ رَبِّكَ وصفه اسمه أنه ذو جلال يعني جعلها صفة الاسم وليس للذات تمام.
قال روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن فقال: «ما لي أراكم سكوتاً؟ الجن كانوا أحسن منكم رداً، ما أتيت على قول الله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد ولك الشكر». وهذا صححه الحاكم بموافقة الذهبي أن إذا قرأ سورة الرحمن عندما يقرا ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] ماذا ينبغي عليه أن يقول؟ كما قالت الجن: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد ولك الشكر. هذا مما يشرع قوله سواء كنت في الصلاة أو خارج الصلاة، كلما سمعت ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] تقول كما قالت الجن.
نعم قال: وكررت هذه الآية في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة، ذكر ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم، أن هنا ذكرت سبع مرات مع النار لأن أبواب النار كان باب صعبة يعني، لكن هذا ليس من أصيل العلم وإنما مما يستانس به مجرد استئناس أن يقول: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] ذكرت مع النار سبع مرات لأن أبواب النار سبعة.
طيب قال: وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما على عدد أبواب الجنة، وأما مع الجنة الأولى فذكرت ثمانية مرات، ومع الجنة الثانية ذكرت ثمانية مرات، بناء على أن يعني قالوا أبواب الجنة ثمانية، طبعا كما قلنا هذا يستانس به يعني وليست هي مقصودة لذاتها. نعم قال: وثمانية أخرى بعدها للجنتين اللتين دونهما، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها فتحت له أبواب الجنة وغلقت عنه أبواب جهنم. اللي يقصد آية في بداية السورة، الثمانية قال في البدايه ذكر ثمانية منها عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه، فمن آمن بهذه العجائب وصدق بها وأيقن بها فتح أبواب الجنة الثمانية، وهذا كما قلنا كله من ماذا من قبيل الاستحسان والاستوقاف.
طيب في سورة الواقعة، بسم الله قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُّبَثَّثًا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 1-14].
سورة الواقعة في مطلعها وحتى في ختامها أيضاً تركز على قضية الدار الآخرة والجنة والنار وأصناف الناس ومراتبهم، كما قلنا وهذا ضمن السور المكية، وهذا يؤكد على أن قضية اعظم قضية وأخطر قضية كما كررنا ذلك مراراً وتكراراً، أعظم قضية في حياة الإنسان قضية ما هو هدفك في الحياة وأين ستكون نهايتك في هذا الوجود، الوجود الدنيوي والوجود الأخروي. لأن الناس كما أخبرتنا سورة الواقعة عند الله ثلاثة أصناف لا رابعة لهم، وأنت ستكون واحدا من هذه الأصناف، أما المقربون وسماهم والسابقون السابقون، واما أصحاب اليمين، واما أصحاب الشمال.
وأنا واياك سنكون في صنف من هذه الأصناف، يعني في مجال تكون أنت في صنف رابع تكون على الهامش لا تدخل في هذه الحسبة؟ لن يكون ذلك، بالتالي دائما السور المكية تركز على هذه القضايا وتعيدها وبسياقات متعدده؛ لأنها أخطر قضية تتعلق بوجود الإنسان، أن تعرف أين ستكون ركابك وأين ستحط في أخراك، هل ستكون من الصنف الأول أم الصنف الثاني أم الصنف الثالث؟ فالله سبحانه وتعالى يكرر هذه المعاني وفي كل مرة بسياقات أخرى حتى تبقى أيها الإنسان مستيقظا، واستيقاظك إنما يتوقف على أنك تقرا القرآن يوميا.
والذي لا يقرأ القرآن لن يستفيد من هذا الذكر، صح ولا لا؟ لكن من الذي يستفيد؟ الذي يقرأ القرآن يومياً، فتبقى هذه المعاني تتجدد، تبقى هذه المعاني تكرر فتبقى حية، فبالتالي أنت من الصباح عندما تخرج إلى بيئة العمل أنت منتبه أن هناك مقربون وأصحاب يمين وأصحاب شمال وعملي في الحياة الدنيا هو الذي سيقرر من أي صنف ساكون وأين ساحط ركابي، في جنات النعيم أم في دركات الجحيم؟ فتكرار هذه المعاني إياك أن يصيبك بشيء من الملل، بعض الناس بقول لك: بعدين يا شيخ يعني احنا من سورة الحجرات لسورة ق لسورة الذاريات لسورة الطور النجم والمعاني تتكرر الجنة النار الحساب الدار الآخرة لماذا كل هذا التكرار؟ وليس تكراراً، وإنما هو تجديد للمعاني.
نعم هو من الناحية البلاغية قد يسمى تكراراً، لكنه ليس تكرار حشو، ليس تكراراً؛ لأن الله لا يجد مواضيع أخرى يتكلم فيها كما يتوهم الجهال، هو تكرار لأنها هي القضية الأخطر في حياتك، القضية الحاسمة التي تتعلق بنهاية الوجود الإنساني، فلابد أن يكرر الله عز وجل لك المعاني حتى تكرر انتباهك لها، والا كل المواضيع الأخرى هي مواضيع ثانوية في مقابله هذا الموضوع الأساس، أي موضوع آخر في الدنيا أو في الآخرة هو موضوع ثانوي مقابل موضوع نهايتك ومصيرك أيها الإنسان، فلابد دائما الإنسان يتعظ بهذا المقام وينتبه له ويفكر: لماذا الله يذكرني بالدار الآخرة ويذكرني بأصناف الناس ومراتبهم وأحوالهم؟ حتى أعرف أين سأضع الأقدام في هذه الحياة الدنيا، وأعرف أين تتجه خطاي لكيلا أفقد البوصلة، لكيلا أتيه في غياهب الجب في شهوات الحياة الدنيا وملذاتها وهواها؛ فإن الحياة سراقة أحبابي.
الحياة تسرق الإنسان، وأظنكم تعرفون ما أقول جيدا، ما معنى أن الحياة تسرقك بإشغالها وشهواتها وملذاتها وهمومها وأفراحها وأطراحها؟ الحياة تنسي، والإنسان إنما سمي إنساناً قيل لأنه كثير النسيان، ينسى الغاية التي خلق من أجلها: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: 115] إذا كان آدم أو البشر نسي، فمن أنا وانت في النسيان؟ يحتاج في المقابل إلى تذكير مستمر، فتاتي هذه الصور تذكرك بهذه الحقائق حتى لا تغفل عنها، وكل مرة بمشهد وبأسلوب لطيف آخر يعطيك المشهد بصورته الأخرى.
انظروا إلى سورة الواقعة قال: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: 1] قامت القيامة، من أسماء الدار الآخرة أسماء الدار الآخرة الواقعه، وإنما سميت واقعه لأنها واقعة لا محالة لا يمكن أن يتغير موعدها أو أن تتخلف عني أو عنك، نعم قال وقيل وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكانه قيل إذا وقعت التي لا بد من وقوعها، أن هذا معنى إذا وقعت الواقعة، إذا وقعت الدار التي لا بد من وقوعها وجاء موعدها وحانت ساعتها.
نعم قال ووقوع الامر نزوله، يقال وقع ما كنت أتوقعه، أي نزل ما كنت أترقب نزوله، وانتصاب إذا بإضمار اذكر، يعني التقدير: اذكر إذا وقعت الواقعة، إذا ظرف والظرف يحتاج إلى عامل، فأين العامل هنا؟ فعل اذكر المقدر في السياق، اذكر أيها الإنسان وتذكر إذا وقعت الواقعة كيف سيكون حالك. نعم قال: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] كاذبة أي لا تكون حين تقع نفس تكذب على الله وتكذب في تكذيب الغيب، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، إذا وقعت هل سيبقى تكذيب؟ كل شيء وقع الآن لا مجال للتكذيب إذا وقعت، لذلك قال: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] أي إذا وقعت هذه الواقعة لن تجد حينئذ مكذباً؛ لأنه كانوا يكذبون بوقوعها والآن أصبحت مشاهدة أمامهم، نعم قال وأكثر النفوس اليوم كاذب مكذبات واللام مثلها في قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24].
قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 3] أي هي خافضة رافعة، ترفع أقواما وتضع آخرين يوم القيامة، سيرفع أقوام كنا نعدهم ليس شيئاً في الحياة الدنيا ونزدريهم، وفي المقابل سيخفض أقوام كانوا يظنون أنهم أصحاب أبهاء ومدارس ومقامات ومعالي وسيادة وفضيلة، كلها ستزول هذه الألقاب وتخفض هذه الوجوه والأسماء. نعم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: 4] حركت تحريكاً شديداً حتى يتهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء، وهو بدل من إذا وقعت، ويجوز أن ينتصب بخافضة رافعة، أي تخفض وترفع وقت رج الأرض.
وبست الجبال، قال: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: 5] وفتت حتى تعود كالسويق، السويق التمر هذه يعني الحساء، مثل الحساء العرب تسمي الحساء الذي يصنع من التمر أو من الشعير أو كذب تسميه ماذا؟ سويقاً، الجبال تصبح كأنها شوربة يعني كأنها صحن هكذا بين يديك. نعم قال افتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها، كقوله وسيرت الجبال. قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُّبَثَّثًا﴾ [الواقعة: 6] فتت، وقيل بست بمعنى سيقت من بس الغنم أو من بس الغنمه إذا ساقها، والجبال هي ستفتت وتساق، كلا المعنيين محتمل أنه ما دل عليهما آيات أخرى.
نعم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً﴾ [الواقعة: 6] غبار منبث متفرق، وهذا أنسب أن تكون البث ما هو؟ إذا قلنا فكانت هباء كانت هنا بمعنى ايش صارت، فكانت بمعنى ايش هنا صارت، فصارت هباء، هذا يناسب أن يكون البس بمعنى ايش؟ التفتيت، وليس معنى السوق، وبالتالي دائما آيات القرآن بعضها مع بعض يساعدك على كشف المعنى الأولى والارجح في السياق.
تصبح غباراً متفرقاً، تعرفون الهباء الذي يخرج من الغبار؟ يعني عندما تضرب أرضاً تخرج هكذا الهباء، هذا التي تراه مع أشعة الشمس، وهذا هو الاباء، ما هو الهباء هذا الذي يخرج من أرض عندما تضربها أو من وسادة عندما تضربها ويظهر لك مع أشعة الشمس؟ هكذا تصبح الجبال مثل هذا الهباء هذا الذي اسمه هباء، نعم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ [الواقعة: 7] أصنافاً، سينقسم الناس في الدار الآخرة إلى ثلاثة أصناف لا رابع لها. نعم قال يقال للأصناف التي بعضها من بعض أو يذكر بعضها مع بعض أزواج، الأصناف التي تذكر مع بعضها البعض.
في سياق تسمى أزواجاً عند العرب. نعم، قال: ﴿ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: 7-10]، ثم فسر الأزواج فقال: فأصحاب الميمنة مبتدأ وهم الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم. ما أصحاب الميمنة مبتدأ وخبر، وهما خبر المبتدأ الأول، وهو تعجيب من حالهم في السعادة وتعظيم الميمنة. هذه جملة استفهامية (ما أصحاب...)، لكن ليس المراد منها الاستفهام وإنما المراد منها التعجب؛ يعني ما أدراك ما سيكون حالهم عند الله في النعيم المقيم وفي الجنة وماذا أعد الله لهم؟ فهو ليس استفهاباً حقيقياً وإنما هو استفهام المراد منه تعجيبك من الحالة التي سيكونون عليها بما فيها من الجمال والبهاء.
قال: كأنه قال ما هم وأي شيء هم؟ وأصحاب المشأمة أي الذين يؤتون صحائفهم بشمائلهم، أو أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، من قولك فلان منا باليمين وفلان منا بالشمال، إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة. قال من قولك: فلان مني باليمين وفلان مني بالشمال إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة، وذلك لتيممهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل. العرب يتيمنون يعني يتبركون بجهة اليمين، والعرب تتشاءم بجهة الشمال، فهنا الميمنة والميسرة دلالة على طرائق العرب أن دائماً اليمين عند العرب هم أهل الخير بركة، الشمال عند العرب دائماً شؤم، فالقرآن استعمل على طرائقهم ومشى على أسلوبهم في التيمم باليمين والتشاؤم بالشمال. نعم، قال: وقيل يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين وبأهل النار ذات الشمال، لا، بل هو يمين حقيقي وشمال حقيقي وليس مجرد تيمم وتشاؤم، وإنما هو أن أهل الجنة يوم القيامة يذهب بهم إلى جهة اليمين وأهل النار يذهب بهم إلى جهة الشمال. وهو وكأنّه يناقش هل هنا الميمنة والميسرة ميمنة حقيقية وميسرة حقيقية أم هو من قبيل التشاؤم والتيمم؟ فهمتم؟ هل هو حقيقي أو مجازي؟
القول الأول أنها لا، أنه تيمن من باب اليمن والبركة وليس يميناً حقيقياً. القول الثاني: لا، أنه يمين حقيقي، وأن أهل الجنة يؤخذ بهم يوم القيامة ذات اليمين لذلك سموا بأصحاب اليمين، وأهل النار يذهب بهم إلى ذات الشمال فلذلك سموا بأصحاب الشمال. ولا مانع من كلا المعنيين، يعني قد يقول قائل: كلاهما مقصود، أن يكون من التفاؤل بأهل اليمين والتشاؤم بذات الشمال، وأن يكون أيضاً حقيقة سيؤخذ بهم ذات اليمين وذات الشمال. لا مانع من الجمع بين المعنيين والله أعلم.
قال: ﴿وَمَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [الواقعة: 9] أي أي شيء هم؟ وهو تعجيب من حالهم في الشقاء. قال والسابقون مبتدأ، السابقون خبره، تقديره: السابقون إلى الخيرات السابقون إلى الجنات. السابقون السابقون، المبتدأ والخبر نفس اللفظ، المبتدأ والخبر نفس اللفظ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: 10]. تقول أنت كيف يعني هكذا المبتدأ والخبر؟ الله يخبر عن السابقين بأنهم سابقون، طب ما هو المبتدأ هو نفس الخبر؟ لا، فالسابقون الأولى ليست بمعنى السابقون الثانية، فلذلك ماذا قال النسفي؟ قال: السابقون إلى الخيرات في الدنيا، السابقون إلى الجنة في الآخرة. هذا معنى الفرق بين المبتدأ والخبر، السابقون السابقون أي السابقون في الدنيا هم السابقون في الآخرة، السابقون في الصفوف الأولى في المساجد هم السابقون في جنات النعيم، السابقون في مجالس العلم هم السابقون إلى جنات النعيم، السابقون في أبواب الجهاد والدعوة والثبات على دين الله هم السابقون عند الله سبحانه وتعالى في الدخول والجزاء من جنس العمل وكما تدين تدان، السابقون في الدنيا السابقون في الآخرة. فلذلك أنت احرص على السبق وإلا تكون من المتخلفين، لذلك جاء في الحديث: «وما زال الرجل يتاخر عن الصف الأول حتى يؤخره الله في الجنة». هكذا أنت بتاخر عن المساجد تتاخر عن أبواب العلم تتاخر عن الخير راح يأخرك يوم القيامة حتى ولو أدخلك الجنة، فصاحب الهمة العالية دائماً يشمر ولا يتاخر في أي باب من أبواب الخير فتح له.
نعم قال: وقيل الثاني تأكيد للأول والخبر أولئك المقربون، والأول أوجوه، والأول أوجوه يعني هو أعطاك تفسيراً آخر للآية أنه السابقون مبتدأ، السابقون الثاني مجرد توكيد، والخبر أولئك المقربون، يعني السابقون السابقون توكيد الثانية والخبر ما هو؟ جملة أولئك المقربون، لكنه رجح التفسير الأول لا، قال لك والأول أوجوه أي أقوى وأفخم، أن تقول السابقون مبتدأ والسابقون الثانية خبر، ويكون المراد أن الذين سبقوا في الدنيا هم السابقون في الآخرة، وتكون فهمت هذا الفرق بين السابقون الأولى والثانية من خلال السياق. نعم قال: دقيقة دقيقة، لا ليس باعتبار الصفات باعتبار الأفراد، يعني كل سابق في الدنيا سيكون سابقاً في الآخرة، فهذا لعموم الأفراد وليس استغراق الصفات، لا، هو استغراق لكل أفراد سابق، كل من سبق في الدنيا سيسبق في الآخرة، كل فرد منهم تمام.
قال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: 12] أي هم في جنات النعيم. ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 13-14] أي هم ثلة، والثلة الأمة من الناس الكثيرة. والمعنى أن السابقين كثر من الأولين وهم الأمم من لدن آدم إلى نبينا محمد عليهم السلام. هذا بيان لعدد السابقين، الله عز وجل ذكر كم سيكون عدد السابقين وكم سيكون عدد أصحاب اليمين، فالسابقون هم كثر في الأمم السابقة. السابقون الذين سيصيرون إلى منزلة السابقين هم كثر في الأمم السابقة، هل تعرف لماذا أحبابي الكرام؟ لماذا السابقون في الأمم السابقة من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من السابقين في أمة محمد عليه الصلاة والسلام؟
طبعاً قضية طول الأعمار بالتالي حجم الأعمال الصالحة أكبر، طيب ممكن يكون هذا عامل؟ لا بالعكس، يعني كثرة الفتن... وأصبر معناتها أنا لازم أكون مقدم أكثر بالعكس. طيب هل هذا يعني لماذا هم مقربون؟ لماذا كما قال هنا النسفي السابقون من الأمم السابقة أكثر من هذه الأمة؟ تفضل. هي مش نسبة وتناسب بهذه الطريقة، المراد عدد الذين سيكونون في مرتبة السابقين. نعيد السؤال: عدد من سيكون في مرتبة السابقين من الأمم الماضية أكثر من عددهم من هذه الأمة الآن، بغض النظر النبي كان معه رجل رجلين ثلاث أربعة، لكن ليش عددهم منهم أكثر منا؟ أها، يعني طول الفترة أنا لا أظنه هو العنصر الحاسم هنا، لأنهم أمة محمد أخذ النبي سيدنا محمد... لسه ما أقنعني، يعني بدي أقول لك مجموعة عدد المسلمين في الأمم السابقة أكثر، طيب بالعكس. لماذا في الأمم السابقة المقربون أكثر من هذا حبايبي الكرام؟
النظر في كلام النبي صلى الله عليه وسلم شدة البلاء والعذاب الذي كانت تعرض له الأمم السابقة أشد من شدة العذاب والبلاء الذي تتعرض له هذه الأمة. وهذا واضح حتى عندما جاء خباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد كان من قبلكم يحفر له في الأرض فيوضع فيها، ويوضع المنشار على رأسه فيفرق ما بين رأسه إلى أخمص قدميه لا يصده ذلك عن دينه، ويممشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه. حجم الثبات الذي تعرض له أو حجم البلاء الذي تعرض له المؤمنون في الأمم السابقة والله أعلم كان أشد من البلاء الذي تعرض له... كثر طبعا من أمة الإسلام، قد يكون بعض أمة الإسلام من تعرض لبلاء لما تعرضت له الأمم، لكن في الجملة المجموع العام للبلاء للأمم السابقة كان أشد من البلاء الذي تعرض له الأمم أو المؤمنون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك كثر فيهم، وبالتالي شيء طبيعي يكون المقربون منهم أكثر من المقربين منه لأنه حجم البلاء كان شديد وحجم الرخص كان محدود، بخلاف أمة الإسلام فحجم البلاء أخف على ما نراه من البلاء. أنتم يا شيخ معنى رأينا بعض أمة الإسلام يحرق فينيما وغيرها من بلاد الإسلام، هناك من حرقوا هناك نعم، لكن كنسبة وتناسب في الأمم السابقة كان الأمر أشد، كنسبة وتناسب، لكن لا يعني كما قلت هذا أن بعض أفراد هذه الأمة لم يعذب كأعداء وهم السابقة من قبل، هذا واقع بالتاكيد، فهذا والله أعلم هو سبب هذا الفرق بين أمتنا وبين الأمم السابقة.
أقرأ قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: 14] وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، وقيل من الأولين من متقدمين هذه الأمة ومن الآخرين من متأخريها. وعن النبي قال: ثلة من الأولين ليس من الأمم السابقة أي من أولي أُمَّتي محمد صلى الله عليه وسلم، والآخرين هم آخر هذه الأمة في آخر الزمان، فالأولون والآخرون كلاهما من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن الكثرة ستكون في الأوائل لأن أوائل الأمة هذه الصحابة والتابع، واخرها سيكونونهم أراضين للناس في الجمله فقيل هذا معنى آخر. طيب قال: وعن النبي صلى الله عليه وسلم الثلتان جميعاً من أمته. قال: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: 15] جمع سرير ككثيب وكتب، موضونة مرمولة منسولة بالذهب مشبكة بالذر والياقوت.
نعم، الآن ذكر الله عز وجل نعيم المقربين، ذكر الله عز وجل نعيماً المقربين فقال: هؤلاء المقربون من نعيمهم أنهم على سرر موضونة. ما معنى سرر موضونة؟ قال أي منسوجة بالذهب، سرير منسوج من الذهب هذا معنى أنها موضونة، وهذه أفخم أنواع السرور. قال: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ [الواقعة: 15] حال من الضمير في على وهو العامل فيها أي استقروا عليها متكئين عليها ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة: 16] ينظر بعضهم في وجوه بعض ولا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، يعني السرر متقابلة كل واحد معطي وجهه للثاني وليس كل واحد معطي ظهره، كلهم يعطيه وجهه لزميله من المقربين.
نعم قال، طبعا دلالة حسن العشرة بينهم أنك لا تعطي ظهرك، لما تعطي ظهرك لشخص هذا دلالة النفور، لكن لما تعطيه وجهك وتقابله على دلالة الإخاء والصفاء والنقاء الذي يكون في القلوب، فلذلك وصفهم الله أنهم متقابلين نقول كناية عن تواد قلوبهم وتصافي أرواحهم، لذلك يقابل بعضهم بعضاً ولا يعطي بعضهم ظهراً لبعض. قال: وصفوا بححسن العشرة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة، من أين أخذ هذا في الآيات من كلمة متقابلين؟ شوف هذه كيف نوازنها ودلالاتها. نعم قال ومتقابلين حال أيضاً، قال المتكئين حال ومتقابلين حال.
نعم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مَّخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: 17] يخدمهم ولدان غلمان جمع وليد، خلقهم الله في الجنة لخدمة أهل الجنة، غلمان صغار مرد كما قالوا خلقهم الله في الجنة لخدمة أهل الجنة. بدك طعام، بدك شراب، بدك تشاب حالك سيدي بيجيك الطعام والشراب وأنت جالس. نعم قال: مقلدون مبقون أبداً على شكل البلدان لا يتحولون عنه، يبقون على أن هؤلاء الولدان سيبقون ولداناً على أشكالهم، مش أنه بيكبروا بدك تجيب تستخدم خادم آخر، لا لا، كله من نعيم الله سبحانه وتعالى الدائم الذي لا ينتهي.
نعم قال: وقيل مقرضون، والخلمة القرط، قيل مخلدون أي عليهم الأقراض وعليها الحلي، قيل هذا، لكن المشهور أنه مخلدون من الخلود وليس من الأ... نعم قال: قيل لهم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقب عليها، والمشهور الأول أن هؤلاء الولدان لبعض قال الولدان المخلدون الذين يخدمون أهل الجنة هم أطفال الدنيا الذين ماتوا وهم صغار، لكن الذي يظهر لي لا، أنهم ليسوا أطفال الدنيا وإنما هم خلق خلقهم الله في الجنة لخدمة أهل الجنة، هذا هو الذي يظهر. نعم قال: وفي الحديث أولاد كفار خدام أهل الجنة ضعيف، يعتمد عليه في تقرير هذه المسألة.
نعم قال: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ [الواقعة: 18] بأكواب جمع ركوب جمع كوب، لماذا سيطوفون؟ سيطوف هؤلاء الولدان المخلدون سيطوفون عليكم يا أهل الجنة بأكواب، والأكواب جمع كوب، والكوب هو الإناء الذي لا أذن له، هذا يسمى لأنه ليس له ماذا؟ أذن، الأذن التي يمسك منها. نعم قال: وهي آنية لا عروة لها ولا خرطوم، مثل هذا هذا يسمى كوب لأنه ليس لها خرطوم يصب منه ولا عروة ويد يمسك منها. نعم قال: وأباريق جمع إبريق وهو ما له خرطوم وعروة، وأما الأباريق التي تعرفونها لها خرطوم ولها عروة تمسك منها، هذا الفرق بين الاكواب والأباريق.
نعم قال: وكأس وقدح فيه شراب، وإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس عند العرب، والقدح إذا كان فيه شراب، هذا فارغ لا يسمى عندهم كأساً، فالكأس عند العرب هو الكوب إذا كان فيه ماذا؟ شراب من الخمر أو من غيره. نعم قال: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ [الواقعة: 18] من خمر تدري من العيون، هذا الكأس مليء بماذا؟ من معين، ما هو المعين؟ قال خمر تجري من عيون الجنة. نعم قال: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ [الواقعة: 19] أي بسببها، وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. نعم، أو لا يفرقون صداع ولا سكر بسببها، لأن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا. نعم قال: أو لا يفرقون عنها ولا ينزفون، ونزف الرجل ذهب عقله بالسكر، ولا ينزفون بكسر الزاي كوفي، أي لا شرابهم، يقال أنزف القوم إذا فني شرابهم، إذا لا ينزفون لا يسكرون. قال: نزف الرجل أي ذهب عقله بالسكر، وقيل لا ينزفون بفتح الياء وكسر الزاي وهذه قراءة الكوفيين، ومعنى لا ينزفون أي لا ينفذ شرابهم يعني لا يستنزف من لا ينزفون على هذه القراءة. ما معنى لا ينزفون؟ أي لا يستنزف شرابهم، لا ينتهي، وأما على قراءتنا لا ينزفوا بضم الياء فالمعنى لا يسكرون، شايف القراءة اختلافها أعطاك معاني مختلفة، وهذا من جمال القرآن.
نعم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة: 20] يأخذون خيره وأفضله. الخمر يعني لا تستهويني كثيراً، القرآن نزل ابتداء يخاطب كفار قريش، وكفار قريش كانت تستوي يوم الخمر، فالكلام عن الخمر مهم بالنسبة لهم، بالنسبة لأننا نشأنا مسلمين بحمد الله لا يستهويني كثيراً في الكلام عن الخمر، أنت بتحكي يعني أنا شو بدي أخبره أنا بدي أشياء ثانية، لكن بالنسبة لكفار قريش ومن تعود شربها لا، الكلام هذا يعنيهم بقوة وبكثافة. نعم قال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21] يتمنون. قال: ﴿وَحُورٌ﴾ [الواقعة: 22] جمع
حور عين، جمع عين أي وفيها حور عين أولهم حور عين، ويجوز أن يكون عطفاً على ولدان وحور يزيد وحمزة علي. الحوراء هي المرأة الحسناء، والعيناء هي المرأة جميلة العين واسعة العين، فلما قال حور قال جمعوا حوراء، الحوراء هي الفتاة الحسناء، والعين جمعوا عيناء، والعيناء هي الفتاة واسعة العين كعيون الظباء، وهذا من أجمل أوصاف المرأة الجميلة.
نعم قال بحور يزيد وحمضته علي عطفاً على جنات النعيم كأنه قالهم في جنات وفاكهة ولحم وحور كأموال اللؤلؤ في الصفاء والنقاء المكنون المصون. شبه الله بحور العين باللؤلؤ، في سورة الرحمن شبها بماذا؟ كأنهن الياقوت والمرجان، فالحور العين شبهها الله بالياقوت في ماذا؟ لا، وماذا قال النسب؟ ماذا قال النسب في صفائها؟ والمرجان بياضها وهنا بلؤلؤ في الصفاء والنقاء أيضاً، قال شبهها باللؤلؤ صفاء ونقاء المكنون المصون، اللؤلؤ الذي يكون في داخل درته.
طيب قال وقال الزجاج: كمثال الدر حين يخرج من صدفة لم يغيره الزمان واختلاف الأحوال، أحوال الاستعمال، الدر وباللؤلؤ المكنون اللي هو الدر، لأنها كأنها لؤلؤة مصانة مكنونة لا تتغير بالاستعمال ولا بالخروج ولا بالعودة. نعم قال جزاء بما كانوا يعملون، جزاء مفعول له أي يفعل بهم ذلك كل يفعل بهم ذلك كله بالجزاء أعمالهم، دخول الجنة سيكون جزاء للأعمال.
نعيد هذا السؤال هنا، قال جزاء بما كانوا يعملون، ظاهر هذه الآية أن كل هذا النعيم هو مقابل أعمالك، فهل نحن ندخل الجنة عوضاً ومقابل لأعمالنا ولا إيش؟ طب كيف سنوجه هذه الآية ربنا بيقول لك جزاء بما كانوا يعملون؟ أيوه أحسنت، أنه هنا لما يقول جزاء بما كانوا يعملون أي أنه عملك أنت ستجازى عليه الرحمة، والرحمة هي سبب دخول الجنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يدخل أحد منكم الجنة عمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته».
إذاً ما فائدة العمل إذا كنا في النهاية سندخل الجنة برحمة الله وليس بأعمالنا؟ إذاً ما فائدة العمل؟ أنه نفس الرحمة لا تنالها إلا في العمل، إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله، مش أي واحد بده يأخذ الرحمة، الرحمة لا تنالها إلا بالإيمان والهجرة والجهاد وطلب العلم والصلاة وكل ما تفعله في هذه الدنيا وتقدمه رخيصة لله إنما هو فقط لنيل الرحمة.
نعم من موجبات الرحمة والرحمة هي ثمن الجنة الحقيقي، الله عز وجل لن يدخلك الجنة إلا برحمته، لكنك أنت محتاج لأن تتعرض للرحمة، فالعمل كله لتتعرض للرحمة، قال أو مصدر أي يرجون جزاءها. قال لا يسمعون فيها في الجنات لغواً باطلاً ولا تأثيماً هذياناً إلا قيلاً سلاماً سلاماً إلا قولاً ذا سلامة، قيل القيل هو القول؛ لأنه قال مصدرها قال قولا وقال قيلاً، فالقيل هو مصدر ثاني للفعل قال قال يقول قولاً وقال يقول قيلاً، كلاهما وارد في العربية، يعني إلا قولاً سلاماً سلاماً أي في الجنة ما في كلام فاحش، ما في سب أعراض، ما في حدا يستغيب أحد، ولا أحد ينم على أحد، وهذا من نعيمها أن كل كلامها طيب والقول الذي فيها قول سالم من العيوب لذلك قال إلا قيلاً سلاماً سلاماً، إلا قولاً سلاماً تاماً آمناً لا إشكال فيه، لا غيبة، لا نميمة، لا أحد يدخل في عرضك، لا أحد يشتمك وهكذا.
قال والاستثناء منقطع وسلاماً بدل من قيل أو مفعول به لقيل، أي لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا سلاماً سلاماً، والمعنى أنهم يفشون السلام بينهم فيسلمون سلاماً بعد سلام، قيل هذا معنى آخر أن المراد إلا قيلاً سلاماً سلاماً أي أن أهل الجنة يفشون السلام بينهم حتى إنهم يسلمون على بعضهم البعض سلاماً بعد سلام، وإن كان المعنى الأول هو الأوضح والاشهر أنه ليس مختصراً بلفظ السلام، وإنما هو كل كلامهم سيكون سلاماً وأماناً لا يوجد فيه كما قلنا أي شيء يحزن الإنسان الذي أمامك أو يكسر خاطره أو ما شابه ذلك.
طيب نقف اليوم عند هذا المقدار، والمجلس القادم بإذن الله ندخل في ذكر أصحاب اليمين وما أعد الله لهم وأصحاب الشمال ونكمل السورة، والله تعالى أجل وأعلم، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل