بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمد سبحانه حمداً ذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أععيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في تعليقي على هذا السفر المبارك على تفسير العلامة النسفي لكلام ربنا سبحانه وتعالى، وما زال الحديث قائماً في بداية الجزء التاسع والعشرين في تفسير سورة تبارك هذه السورة العظيمة التي تؤسس للإنسان في هذه الحياة الدنيا التصور الشامل الكامل الذي ينبغي أن يفهمه لطبيعة الوجود، وأن المركزية فيه هي مركزية الإله.
وأن الحياة الدنيا إنما وجدت فيها أيها الإنسان حتى تبلى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: 2]، حتى يبلغك الله هل تستطيع أن تأتي بالعمل الحسن؟ وقلنا ما هو العمل الحسن؟ العمل الحسن أصوبه وأخلصه. أخلصه أي تستطيع أن تتجرد عن الشرك، وأصوبه أي تستطيع أن تتجرد عن الابتداع، تمام؟ فهل تستطيع أن تغالب هواك فتجعل أعمالك خالصة لله سبحانه وتعالى متبعاً فيها نهج النبي صلى الله عليه وسلم أم لا طاقة لك على ذلك؟ طبعاً كل إنسان يطيق ذلك لكن هناك من يغلبه هواه، إذاً ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.
ثم بين الله سبحانه وتعالى شيئاً مما يدل على أنه الرب المستحق للألوهية: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]، فمن كان بيده الملك ومن كان بيده القدرة وكان كاملاً فيهما هو الذي يستحق أن يكون إلهاً، ثم ذكر شيئاً من مظاهر هذا الملك وهذه القدرة فأخبر عن السماء وما وضع فيها: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: 5].
وأخبر أن الإنسان لو نظر ثم نظر وأعاد نظره في السماء بحثاً عن شيء من الخلل أو الانكسار أو التشقق أو التفاوت في خلق هذه السماوات السبع فإنه لن يجد أي شيء، وسيعود إليه البصر خاسئاً وهو حسير، لأنه يشعر أنه حاول أن يفتش عن عيب وعن خلل في منظومة عظيمة هذه السماوات السبع، ويتوقع أنه سيجد فيها خللاً هذا الإنسان الكافر المعاند، فإذا به يعود حسيراً إلى نفسه لأنه لا يجد إلا الكمال إلا التمام إلا الجمال. ثم بعد ذلك تخلصت الآية كما قلنا بتخلص جميل لما قال عن النجوم وجعلناها رجوماً للشياطين مباشر ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 5].
وأعتدنا لهم أي لهذه الشياطين، ولمن يسير على درب الشياطين من الإنس، ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك: 6]، ثم بدأ يفظع ويروع ليعلمك طبيعة جهنم: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهُمْ أَمْ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 7-8]، ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [الملك: 9].
كذبنا الرسل وقلنا لهم أنتم لستم بصادقين، الله لم ينزل شيئاً لم ينزل قرآناً ولا وحياً ولا شيء أنتم تدعون أيها الأنبياء، ما نزل الله ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9]، وقلنا هذه ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾، اختلف المفسرون من الذي قالها على ثلاثة أقوال، فقيل الذي قالها من الكفار قالوا لأنبيائهم، القول الثاني أن الذي قالها الرسل قالوها لأنبيائهم، عفواً الرسل قالوها للكفار والملائكة حكت ذلك على لسان الرسل، القول الثالث أن الذي قالها لهم الملائكة مباشرة، قالوا للكفار وهم في جهنم ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.
وإذا كانت الملائكة هي التي قالت ذلك للكفار وهم في قعر جهنم فسيكون المراد بالضلال هنا ماذا؟ الهلاك، إن أنتم إلا في ضلال يعني أنتم أيها الكفار الآن في هلاك، في هلاك يؤسف عليه، يؤسف عليه الإنسان الذي كان بإمكانه أن يطيع الله عز وجل ويعيش موحداً لكنه غلب هواه، وأراد أن يعيش الحياة بشرك وأن يعبد هواه بدل أن يعبد مولاه، فانتهت به إلى هذه النهاية المؤسفة، إلى هذه الحفرة التي تستعر نارها، فلذلك نبدأ مجلس اليوم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]، شوف الألم والتحسر، تشعر الجملة فيها تحسر وألم كبير وهم الآن يعذبون في نار جهنم تشوي وجوههم وجلودهم وجباههم وهم في هذا الألم الشديد.
ألم آخر، ألم الحسرة يعني أنت في ألم البدن وهناك ألم أفظع أيضاً وشديد وهو التحسر، جاءتني الحجة الرسالية وجاءني الأنبياء وجاءتني الرسائل الإلهية، ليه؟ لماذا أخطأت هذا الخطأ الكارثي ولم أستعمل الأدلة السمعية ولم أستعمل الأدلة العقلية؟ ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ يعني لو كنا نتبع الأدلة السمعية وهي الوحي الإلهي ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾، لو كنا نوظف الأدلة العقلية بشكل جيد، فكلاهما سيوصلاننا إلى أن الله هو المعبود الحق، يعني العقل قال العلماء ولو لم يأت الوحي، العقل يوصلك إلى التوحيد إذا تجرد عن المؤثرات المفسدة وفكر، فكر الإنسان بموضوعية في هذا الكون والآيات والمشاهد والتناسق العجيب، العقل سيصل بموضوعية إلى ماذا؟ إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، فالأمر لو لم يأت وحي العقل يدلك على الله، فما بالك أنه الله سبحانه وتعالى منحك أدلة سمعية بعد الأدلة العقلية لتهتدي بها، لكن إذاً الكافر في الحقيقة يستحق نار جهنم.
الكافر ولو كان إنسانياً في هذه الحياة الدنيا، لو كان كافر يحسن للفقراء أو يقف مع قضايا المسلمين أو كذا، لا تغرني بالقضايا الإنسانية فأنا لا أغتر بها، هذا الكافر أكبر جريمة فعلها مهما كان إنسانياً أن الله منحه عقلاً ليستدل به على توحيده، ومنحه وحياً ليستدل به على توحيده، لكنه كان أصم أعمى لا يريد أن ينقاد إلى أدلة الوحي ولا يريد أن ينقاد إلى أدلة العقل، فإذاً يستحق أن يعذب في نار جهنم مهما كانت سلوكياته وأخلاقه جيدة في الحياة الدنيا فقد عطل أعظم أمرين أنزلهم الله سبحانه وتعالى أو وضعهم عند الإنسان، عطل العقل وعطل الوحي، إذاً ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ نتبع الوحي ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ نتبع الأدلة العقلية لما وصلنا إلى هذه الحالة، لما وصلنا إلى هذه الحفرة المؤلمة، اقرأ.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين، آمين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.
وقالوا لو كنا نسمع، الإنذار سماع طالب الحق، لو كنا نسمع الإنذار، الإنذار الذي أتى به الوحي، لو كنا نسمع الإنذار سماعاً يتبعه استجابة، لأنهم أكيد سمعوا وإلا كيف الله عذبهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]، فالكفار هم لم يسمعوا الحق أصلاً، شوف هذه بلاغة القرآن، لو سألتك سؤال الكفار هل هم سمعوا الحق؟ سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويسمعون الدعاء في كل زمان، طب كيف يقولون وقالوا لو كنا نسمع؟ طب ما أنتم كنتم تسمعوا، طب كيف وقالوا لو كنا نسمع؟ إذاً ما المراد بالتمني هنا؟ هم قالوا لو كنا نسمع، طب ألم تكونوا تسمعون؟ ما المراد بالسمع هنا؟ المراد بالسمع هنا ليس مجرد دخول الصوت إلى الأذن لا لا، المراد شيء أبعد، المراد ماذا بالسمع؟ الاستجابة.
لو كنا نسمع أي نسمع سماعاً معتبراً كما قال النسفي أو تستطيع أن تفسر سمع الله لمن حمده، الشيخ بيقول بعد أن تقف من الركوع، ما معنى سمع الله لمن حمده؟ استجاب، ليس بمعنى سمع أنه ما يسمع الصوت لأن الله يسمع أصوات كل شيء، يسمع أصوات يسمع صوت المؤمن ويسمع صوت الكافر، فلما أنت تقول في الصلاة سمع الله لمن حمده ما معناها؟ يعني استجاب الله لمن حمده، فكثيراً إذاً ما يطلق السمع ويراد به ماذا؟ الاستجابة، ارفع يدك، جيد، فإذاً هم لما قالوا لو كنا نسمع إذاً هم لا يريدون مجرد وصول الصوت لأنه وصلهم وكانوا يسمعون، لكنهم يتمنون السماع المثمر، السماع الذي تترتب عليه ماذا؟ فائدة.
وكأن، شوف البلاغة هنا، وكأن الذي يسمع لكن سمعه لا يثمر ها، وكأن الذي يسمع ولكن سمعه لا يثمر كأنه لا فائدة من سمعه، فهمتم؟ هم نفوا السمع عن أنفسهم في الدنيا، فالبلاغة العربية ماذا تقول هنا؟ الذي يسمع ولا يستفيد من سماعه، هذا وجود السمع وعدمه زي بعضه، ما فيش فايدة منك، فإذًا هم ما قالوا يا ليتنا نستجيب، لو كنا نستجيب، لا، قالوا يا ليتنا كنا نسمع، فهذا على طريقة القرآن في التعبير البلاغي الجميل، وهو الذي يقول أن الذي عنده آلة البصر ولا يعتبر بها هو أعمى، حتى لو عندك بصر، والذي عنده سمع ولا ينتفع به هو لا يسمع، حتى لو كان الصوت وصل، أنت لا تسمع، فالسمع والبصر إنما أنزل أساساً ليوظف بالاهتداء إلى الله، فإذا لم تهتدي بهذه الآلات إلى الله، أنت في المفهوم الشرعي لا تسمع ولا تبصر، وإن كنت في المفهوم الدنيوي تعتبر يعني تسمع وتبصر، هذه هي بلاغة النص في طريقة حبكه لهذا الموضوع، نعم.
أو نعقل، أي نعقل وعقل متأمل، نفس الشيء، أو نعقل، طب الكفار ما عندهمش عقول؟ كآلة عندهم عقول، ولا كيف؟ المجنون لا يخاطب، يعني لو كنا نعقل، طب وأنتوا كنتوش تعقلوا؟ يعني كنتوا مجانين؟ لا، لم يكونوا مجانين، والمجنون لا يكلف، أهو كان عندهم العقل كآلة، لكنه لم يوظف، فنفس الفكرة، لما لم يوظف العقل، فكأنه لم يكن لهم عقل مع أنه هو كآلة موجود، فهذه فكرة جميلة أنها توطن في ذهن الإنسان أن القرآن له طريقة معينة في طرح هذا الموضوع، القرآن يقول من أعطيته آلات ليستدل بها علي، ولم يستدل بها، فهو كعادميها، فهو كمن ليس عنده الآلة، هكذا يخبرنا الله عن طبيعة العقل والسمع والبصر وكل حواس الإنسان، وإن كانت أنت تأكل وتشرب وتلهو بها، لكنها ليست منتجة، فوجودها كعدمها، جيد.
﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، في جملة أهل النار، وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل، وأنهما حجتان ملزمتان، صحيح، وهذا يدل أن التكليف تكليف الناس في الحياة الدنيا إنما يقوم على توظيف العقل وتوظيف الوحي، هكذا يقوم سوق التكليف إلى الله سبحانه وتعالى، نعم، فاعترفوا بذنبهم، فسحقاً لأصحاب السعير، نعم، فقولهم لو كنا نسمع أو نعقل هو اعتراف، قولهم لو كنا نسمع ونعقل وإيش؟ اعتراف، خلص اعترفوا، اعترفوا أنهم هم الذين لم يوظفوا عقولهم، وهم الذين أعرضوا عن الوحي، وإلا فالله عز وجل منحهم الوسع، أقام عليهم الحجة، وجاءتهم الرسل، لكن هم الذين لم يوظفوا الآلات بالشكل الصحيح، لم يوظفوا آلة السمع، ولم يوظفوا آلة العقل، فاعترفوا بذنبهم، اعترفوا بتقصيرهم، وأن الخلل منهم، وأن الله قد أعذرهم ومنحهم الفرص، فسحقاً لأصحاب السعير، بعداً لهم، سحقاً، دعاء عليهم، بعداً لهم، هم يستحقون هذا، أن أعطيك عقل وسمع حتى تقضيها في هذه الدنيا في الشهوات والملذات، وتقضي حياتك مشركاً محارباً لله ورسوله، أنت تستحق هذا العذاب الأليم، وتستحق هذا البعد وهذا الطرد، نعم.
فاعترفوا بذنبهم، بكفرهم في تكذيبهم الرسل، فسحقاً لأصحاب السعير، وبضم الحاء يزيد وعلي، يز- يعني سحقاً، الآن هي الحاء هنا إيش؟ ساكنة، ساكنة، لكن على قراءة أخرى سحقاً، نعم، فبعداً لهم عن رحمة الله وكرامته، هذا معنى السحق، إيش يعني؟ البعد، دعاء عليهم بالبعد، أنكم تستحقون البعد عن مقام الله وعن جنات وعن كل شيء فيه خير، نعم.
اعترفوا أو جحدوا فإن ذلك لا ينفعهم، وانتصابه على أنه مصدر وقع موقع الدعاء، نعم، الآن إيه سحقاً ما إعرابها؟ مفعول مطلق لفعل محذوف، مفعول مطلق لفعل محذوف، تمام؟ هو قام مقامه، والمراد به ماذا؟ الدعاء، تمام؟ إيه لذلك قال وانتصابه على أنه مصدر، يعني مفعول مطلق، لكن الفعل الذي بني عليه محذوف، وقع موقع الدعاء، المراد بهذا التركيب سحقاً، بعداً لفلان، لماذا تستعمل العرب هذه التراكيب؟ في سياق الدعاء على الشخص بالبعد والطرد والإبعاد، طبعاً قوله إيه قبل قليل اعترفوا أو جحدوا فإن ذلك لا ينفعهم، ما- ماذا يقصد النسفي بهذه العبارة؟
الآن هو قال وبضم الحاء يزيد عليه، ثم قال فبعداً لهم عن رحمة الله وكرامته، ثم أتى بعبارة، إيش قال؟ اعترفوا أو جحدوا فإن ذلك لا ينفعهم، الشيخ قال إيش يعني اعترفوا أو جحدوا؟ أه أسامة، أه، أه، يعني هم لما قالوا وندموا في نار جهنم، لما قالوا وندموا في نار جهنم لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير، هل هذا الندم هل هذا الاعتراف الآن سينفع؟ ستقول لهم الملائكة أه خلص، ما دامكم اعترفتوا، خلص طلعوهم من النار، لا، ما- لن يحدث هذا، اعترفت أو لم تعترف، اعترفت بعد فوات الأوان، اعترفت في دار ليست دار عمل، وإنما دار حساب وجزاء، فنعم.
فاعترفوا بذنبهم، الله يقول أنهم اعترفوا، لكنه إيش قال؟ فسحقاً، من أين أخذ النسفي فكرة أنهم اعترفوا أو لم يعترفوا، النتيجة واحدة؟ من كلمة سحقاً، لما قال فاعترفوا بذنبهم فسحقاً، مش قال فاعترفوا بذنبهم فأخرجناهم، أه، إيش قال كنتيجة؟ اعترفوا بذنبهم فسحقاً، يعني اعترفت ولا ما اعترفت، هذا فقط أقوله حتى يعرف الناس في الدنيا أنكم يوم القيامة ستندمون، وستقرون أنكم المقصرون، لكن إياكم أن تظنوا أن هذا الاعتراف سينفعكم ولو شعرة، وسيخفف عنكم من العذاب ولو دقيقة، لن ينفع شيئاً، فسحقاً لأصحاب السعير، والعياذ بالله، نعم.
الآن بعد أن انتهى من التهديد والوعيد لهذه الطائفة، سيتكلم كالعادة القرآن يأتي يتكلم عن أهل الإيمان وعن أهل الكفر والطغيان، فلما فرغ من أهل الكفر والطغيان محذراً من مسالكهم، الذين لم يفهموا الدنيا، الذين لم يعيشوا الدنيا على منهج:
لنبلوكم أيكم أحسن عملًا. الذين عاشوا الدنيا للشهوة للملذة للهوى للكفر للإعراض عن الله للغفلة، هذه كانت النتيجة الله يعطيك إياها قبل أن تراها يوم القيامة. هكذا ستكون النتيجة فاعترفوا بذنبهم. الآن سيخبرك لا، الذين صبروا على الآلام وصبروا على صعوبة الحياة وعلى شدة التكليف مع أنهم لم يروا ربهم ولم يروا الجنة، هؤلاء ماذا سيكون لهم؟ قال اقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: 12].
نعم، أبرز صفة من صفات أهل الإيمان وأهم صفة وأبرز وهي صفة محورية؛ الإيمان بالغيب. لذلك الله في مطلع سورة البقرة بدأ بها: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 1-3]. أهم صفة في المؤمن هي قدرته على أن يؤمن بوجود الله وهو لم يره، وإنما رأى آثاره، ويؤمن بوجود الدار الآخرة والجنة والنار وهو لم يرهما، وإنما يرى أو سمع عنها وأخبر عنها كون تفاصيل دار الآخرة سمعية، ويؤمن بالقضاء والقدر وهو إنما يشاهد آثاره. أبرز صفة أيها الكرام في أهل الإيمان التي تدل على رسوخهم في هذا المقام أنه يؤمن بالغيب.
له قدرة أن يتعبد الإله الذي لم يره. له قدرة أن يبقى مستمرًا على طاعة هذا الإله والخوف منه والخشية من مقامه وهو لم يره. له قدرة على أنه إذا سمع الجنة اشتاق لها وهو لم يراها، وأنه إذا سمع النار كرهها وهو لم يراها. هذا لا يفعله إلا مؤمن. قدرتك أن تترك شهوتك وقد وصلت إلى اليد وما بينك وبينها إلا ذراع أو شبر، لأنك تذكرت أن هناك إله، نعم أنا لا أراه لكنني أشعر به في كل نفس من أنفاسي وفي كل لحظة من لحظاتي. قدرتك أنك تترك الحرام لشعورك أن هناك إله وأنت لا تراه، هذه عظيمة عند الله سبحانه وتعالى ولا ينساها الله عز وجل لعبده.
لذلك قال: إن الذين يخشون ربهم بالغيب. شوف، يخشون ربهم بالغيب؛ جاءت المعصية وسهلت وزينت، ثم تركها لماذا؟ خشية من الرب الذي هو في علم الغيب. أنت لا تراه وإنما كما قلنا تشاهد آثاره وأفعاله في هذا الكون. قدرتك على هذه نعم، هذه عظيمة عند الله، والله عز وجل لن ينساها لك يوم القيامة. إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم أولًا المغفرة، أنه كما قلنا لا يوجد إنسان يستحق الجنة بعمله، كلنا في تقصير، لا يوجد، كلنا في تقصير. حتى النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته». فلذلك دائمًا تجد الخطاب القرآني يركز على قضية ماذا؟ قضية أن الذي يفعل هذه الأعمال أول شيء ايش؟ نغفر له.
حتى لا يقع في ذهن الإنسان ولو للحظة واحدة أنه يدلي على الله ويمن على الله بأعماله. مثلًا الله عز وجل في سياق الجهاد ماذا قال؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَارُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: 10-11]. الآن لما ذكر الجهاد وبذل الأنفس والأرواح أنت ايش تتوقع الجزاء؟ يدخلكم الجنة؟ لا، لا، قبل يدخلكم الجنة في شيء؛ أنت لو فعلت كل ما فعلت ولو بذلت المهج والأرواح ودخلت في هذه التجارة تجارة الجهاد، النتيجة الأولى التي تحتاجها ماذا؟ ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: 12]. وهذا يجعل الإنسان يعرف أنه مهما كنت جيدا مهما كنت حسنا مهما كنت متقنا مهما كنت بعيدا عن المعاصي تماما أنت فيك تقصير تشعر به أو لا تشعر به، فيك تقصير؛ تقصير في صلاتك تقصير في خشوعك تقصير في القيام بحق الله في كل ساعة من الساعات.
فكل ساعة من الساعات الله له فيها حق، أنت مقصر بشكل من الأشكال. لذلك الخطاب القرآني يركز على هذه الفكرة، وهو أنه عندما يمدح أهل الإيمان ويمدح تصرفا معينا أو يحث عليه ويذكر ثمرة هذا التصرف، ايش تكون الثمرة الأولى؟ لا تكون عادة الجنة، وإنما الثمرة الأولى تكون ايش؟ المغفرة. حتى لا تدلي بعملك على الله ولا تظن أنك أنا والله أستحق الجنة، يا أخي أنا دائمًا أقوم الليل وأنا دائمًا غاض بصري عن الحرام وأنا وأنا، هاي وأنا دعك منها. فالله يقول لك مهما مهما فعلت، يا أخي إذا كان سوق الجهاد وبذل المهج والأرواح وفي الأخير ايش قال؟ يغفر لكم، فماذا تظن نفسك وأنت لا جاهدت ولا قاتلت ولا ضربت فشق كما يقولون؟ فبالتالي ينتبه الإنسان ولا يحسب في نفسه خيرا. نعم الإنسان لا ييأس من نفسه، لكن أقصد لا تغتر بطاعتك أو أنك طالب علم أو أنك داعية أو شيخ أو حتى تعلم الناس، لا تغتر؛ فكلنا فينا نقص وعندنا معاصي وعندنا ذنوب وعندنا أخطاء، لكننا نعيش بستر الله سبحانه وتعالى.
إذاً إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم أولًا المغفرة، بناء على المغفرة سيحصل بعد ذلك ايش؟ وأجر كبير، فالأجر الكبير هو ثمرة المغفرة. فأنت لن تدخل الجنة حتى يرحمك الله ويغفر لك، فإذا رحمك وغفر لك أدخلك بعد ذلك الجنة اللي هي الأجر الكبير. نعم. إن الذين يخشون ربهم بالغيب قبل معاينة العذاب، طبعا الغيب هو يعني كأن النسفي حصر الموضوع الغيب أي غابوا عن النار ولم يروها، لكن الحقيقة الغيب هنا كل شيء في العقيدة نحن لا نرى، ليس فقط أننا لم نشاهد نار جهنم بل يخشون ربهم بالغيب، لم يروا ذات الله نحن لم نرها إنما رأينا آثارها، الجنة لم نرها النار لم نرها، فكل شيء من العقيدة لم نره ولا نشاهده في الدنيا هو يعتبر لنا من قبيل الغيب. نعم. لهم مغفرة للذنوب وأجر كبير أي الجنة.
نعم، ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: 13]. هنا تلاحظ أن الحديث عن أهل الإيمان جاء حديثا مختزلا، بخلاف الحوار الذي دار عن الكفار وأنه ماذا سيعمل بهم في نار جهنم وما شابه ذلك. هنا السياق في سورة تبارك غلب سياق الإنذار، تمام، في سورة تبارك غلب سياق الترهيب والتخويف والوعيد لمن سيخرج عن هدف الحياة وقانونها. وأما ذكر المؤمنين فيأتي تبعا من باب البيان أنه ستكون لك طائفة تسير على قانون الحياة الذي أراده الله وتنجح، لكن ليس هذا سياق سورة تبارك؛ في سور أخرى نعم استفاض القرآن في بيان ثواب المؤمنين وما أعد الله لهم في الجنة، لكن هنا في سورة تبارك يغلب على الصورة سياق الإنذار. لذلك سيأتي معنا: ﴿أَأَمِنتُم مَّن في السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: 16]، ستجد أن الصورة تركز على هذا الموضوع حتى تنبه الإنسان ألا يخرج عن السكة وألا تخرج عن الخطة التي رسمت عليها هذه الحياة.
نعم، ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: 13]، ظاهره الأمر بأحد الأمرين، ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 13-14]. انتقلت سورة تبارك لتركز أيضا على مركزية جديدة من مركزيات الحياة وهي أن هذا الإله الذي خلقك ليبلوكم أيكم أحسن عملا، عليك أن تدرك أن التعامل معه يجب أن يكون على وضوح، ويجب أن يكون كما نسميه على المكشوف، لأنه لا يوجد شيء لا يعلمه. تمام، يعني أنت لن تستطيع أن تخادع الإله، تستطيع تخادع نفسك تخادع الناس، تخبئ أشياء وتضمرها لا يطلع عليها الناس، لكن مع الإله دعك من هذا. لما يقول لك ليبلوكم أيكم أحسن عملا ظاهرا وباطنا، إذاً ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ * إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، يعني سواء تكلمت بصوت خفي سواء تكلمت بصوت مرتفع فالله سبحانه وتعالى مطلع على تفاصيل حياتك وكيف تخوض هذه الحياة، سواء كنت في خلواتك ولا يطلع عليك إلا الله أو في جلواتك، سواء تكلمت وبحت بما في داخلك أو أبقيت الشيء مضمرا فيك، كل تفاصيل الحياة الله يطلع عليه.
وهذه قاعدة مهمة من قواعد بناء الإيمان، وهذه التي جعلت الصحابة في أكمل مقامات الصدق وصفاء القلب، أن الصحابة لما تربوا على هذه الآية عرفوا أنه لا داعي أن أخبيء شيئا لا يرضيه الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعلم السر وأخفى ويعلم ما في ذات الصدور، يعني يعلم ما في باطنها، يعلم ما في داخلنا، فلا داعي أن أخادع نفسي في تعاملي مع الإله. هذه قاعدة مهمة جدا، ربما أنت تشعر أنها معروفة لديك لكنك ما زلت تخادع نفسك فيها مع أنها معروفة لديك، تمام، تظن أنني والله لم أقل ولم أبوح بالتالي الأمور ماشية طيبة؛ لا، الله عز وجل يعلم طريقتك في التفكير، يعرف خاطرك، يعرف عندما وقفت موقف معين ماذا قصدت به، عندما مثلا تكلمت مع هذه الفتاة ماذا قصدت، يعني قد لا تبوح لكن هناك كثير من الأمور تغلي في الصدور كغلي المراجل، والله سبحانه وتعالى مطلع على أدق التفاصيل.
شعورك وإيمانك أن الله مطلع على أدق التفاصيل في حياتي، وبالتالي يجب أن أحافظ على المصداقية والوضوح في التعامل مع الإله، هذه نقطة مركزية في بناء النفس السوية. قبل أن تعرف أحكام الشريعة وتفاصيلها من الحلال والحرام والأحكام التكليفية، عليك أن تؤسس نفسك على هذه العقيدة، يجب أن أكون صادقا مع الله، يجب أن أكون صادقا مع الله لأنه لا مجال للإخفاء بشكل أصلا من الأشكال، وهو سبحانه أيضا يستحق مني كامل الصدق في التعامل معه ظاهرا وباطنا. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [الملك: 13]، ظاهره الأمر بأحد الأمرين الإسرار والإجهار، ومعناه ليستوي عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما. نعم، يعني هل أسروا من حيث اللغة العربية فعل ايش يا مشايخ؟ أمر، صح؟ أسروا قولكم، طيب أو اجهروا به، كذلك فعل أمر، فهل الآية تريد الأمر فعلا؟ هل الله يقول هذه الآية تدل على وجوب الإسرار؟ لأن القاعدة عند الأصوليين تقول الأمر إذا تجرد عن القرائن يدل على وجوب. لا أخي الله يرضى عنك، هذا الأمر زي أقيموا الصلاة آتوا الزكاة، بقولك هذا أمر وجوب، لكن هنا الأمر خرج عن مراده الأصلي، صح، الأمر مراده الأصلي الطلب، لكن هنا الأمر ليس المراد به الطلب، وإنما المراد به كما قال التسوية بين صورَتَين؛ بين صورة الإسرار وبين صورة الجهر، كقوله تعالى مثلا في سورة الطور كما مر معنا: ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: 16]. مش هيك ربنا بيقول للكفار في النار؟ اصبروا أو لا تصبروا، هذا الله يريد منهم الصبر؟ اصبروا فعل أمر يفيد الوجوب؟ لا، المراد هنا يعني صبرت أو لا صبرت النتيجة واحدة؛ أنك ستبقى في عذاب مستمر.
هنا نفس الفكرة هذا معنى التسوية، أسروا قولكم كأنه يعني هناك في سورة الطور اصبروا أو لا تصبروا، هنا كيف ممكن أن نقول؟ أسروا أو لا تسروا، هي نفس الفكرة؛ أسررتم أو لم تسروا النتيجة واحدة، ما هي؟ الله مطلع على ما فيكم، هذا المراد. فلذلك قال النسفي الظاهر الأمر بأحد الأمرين وهو الإسرار أو الجهر، لكن الحقيقة ليس الأمر، وإنما معناه الحقيقي ليستوي عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما، أي كونوا واثقين أن إسراركم يعلم الله به، وأن إجهاركم يعلم الله به، فليستوي عندكم الحالين. نعم البشر هم الذين لا يعرفون، يعرفونك إذا جهرت ولا يعرفونك إذا كتمت وأسررت، لكن الله يستوي عنده هذه الحالة وهذه، هذا من مظاهر ومن فروع تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
هذا من تفرعاتها، فهو قادر على أن يعرف ما في باطنه. الآن ستجدون أن الصورة تركز كثيرا على مظاهر تتفرع كلها من تبارك الذي بيده الملك، فذكر السماء والنجوم وما فيها وكمال الخلق وعدم التفاوت هذا كله من فروع تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، هذه الآية ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ هذا أيضا من فروع تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. طيب، روي أن مشركي مكة كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل بما قالوا فيه ونالوا منه، فقالوا فيما بينهم أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد، فنزلت؛ فكان هؤلاء كفار قريش كانوا يقولون لبعضهم اخفضوا أصواتكم وأنتم تسبون محمد صلى الله عليه وسلم حتى لا يسمعكم إله محمد، حمقى يظنون أن الإله لا يعرف إلا الصوت المرتفع. نعم.
ثم نزلت، ثم علله بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. إذاً فإنه عليم بذات الصدور تسمى في العربية جملة تعليلية، يعني لماذا يستوي الإسرار والجهر؟ لأنه عليم بذات الصدور، فبالتالي أسررت أو لم تسر النتيجة واحدة، فهي تسمى جملة تعليلية، كأنها عللت لماذا يستوي الإسرار والجهر. أكمل، أي بضمائرهم قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلم به؟ يقول إنه عليم بذات الصدور يعني عليم بضمائرهم قبل أن تترجم الألسنة وقبل أن تتكلم الألسنة بما في الضمائر، فكيف إذا تكلموا؟ فهذا من باب أولى وأحرى. نعم، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. نعم، ألا يعلم من خلق؟ يعني الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقك وخلق تفاصيلك وخلق عقلك ودماغك وكل شيء في حياتك، هل يعقل أن يخفى عليه شيء؟ ألا يعلم من خلق؟ من إذاً يمكن أن تفسر بعدة تفسيرات، يمكن تقول من خلق أن من تعود على الله سبحانه وتعالى، يعني ألا يعلم الذي خلق طبيعة خلقه؟ ويمكن أن تقول يعلم فيها فاعل مستتر ومن المفعول به، ألا يعلم الله من خلقهم؟ ألا يعلم من خلق؟
الآن ركز في هذه شوي حتى تفهم. من اسم موصول، صح؟ اسم موصول. يمكن تفسر بتفسيرين؛ يمكن أن تقول هذا اسم الموصول يعود على الله. ألا يعلم من خلق؟ يعني ألا يعلم الخالق؟ ويكون هناك شيء محذوف تقديره ألا يعلم من خلق خلقه؟ فيكون المفعول به محذوفًا والتقدير ألا يعلم من خلق خلقه وتفاصيلهم. هذا ممكن.
الحالة الأخرى لا، نقول الفاعل هو المحذوف مستتر يعود على الله عز وجل: ألا يعلم هو من خلق؟ ألا يعلم هو؛ أي الله، من خلق؛ أي من خلقهم؟ فتكون من هنا تعود على البشر. فإذًا من إما أن تعود على الله فتكون فاعلًا، أو تعود على البشر فتكون إيش؟ مفعول به. جيد، أكمل.
ألا يعلم من خلق؟ من في موضع رفع بأنه فاعل يعلم. آه، إذًا النسفي ماذا اختار؟ أي قول اختار منهما؟ على الله. اختار أن تكون من تعود على الله، وبالتالي هي الفاعل. ألا يعلم من خلق؛ الذي خلقهم، فيكون المفعول به محذوفًا. آه، ركز: ألا يعلم من خلق مخلوقاته؟ بدك تقدر مفعولًا به محذوفًا حتى تفهم، لكن طب لماذا حذفه؟ ليعم. المفعول به إذا حذف يدل على العموم؛ يعني ألا يعلم من خلق كل شيء خلقه؟ فهذه من صياغ البلاغة عند العرب أنهم إذا أرادوا أن يعمموا حذفوا، مثلًا الله عز وجل: أضحك وأبكى. حذف المفعول به، أليس كذلك؟ من مقاصد حذف المفعول به ماذا؟ أنه أضحك كل شيء وأبكى كل شيء يريده أن يبكيه، فلا يوجد شيء أحتاج أن أذكره وأنص عليه لأنه هو يستطيع يفعل. أعطى ومنع؛ أعطى كل شيء يريده أن يعطيه، ومنع كل شيء يريده أن يمنعه. فكثيرًا ما يحذف المفعول به ويقصد بحذفه ماذا؟ العموم. طبعًا ولحذفه مقاصد أخرى يعني تدرس عندنا في البلاغة.
جيد، وهو اللطيف الخبير. أنكر ألا يحيط علمًا بالمضمر والمسر والمجهر. نعم، أنكر بهذه الآية ألا يحيط علمًا بالمضمر والمسر. نعم، والمجهر. من خلقها، من خلقها. يعني أنكر؛ يعني الآية ألا يعلم من خلق؟ تشعر أن هذه الجملة جملة فيها إنكار؛ يعني الذي خلق معقول لا يعرف مخلوقاته وماذا في ضمائرها وكيف تفكر وإراداتها وخطراتها؟ هي آية أيضًا فيها نوع من الإنكار على من يظن أن علم الله مقصور على الواضح البين وأن الخفي المستتر لا يعلمه. ألا يعلم من خلق طبيعة هذه المخلوقات ظاهرها وباطنها؟ فهذا كما قال فيه إنكار ألا يحيط علمه سبحانه بالمضمر والمسر والمجهر مع اختلافها. من خلق؟ فمن ألا يحيط علمًا بالمضمر والمسر والمجهر؟ من خلقها؟ فمن هو فاعل يحيط؟ ألا يحيط من خلق هذه الأشياء علمًا بما في الضمائر والمسترات والمجهرات.
طيب، وصفته؛ وصفته أنه اللطيف، أي العالم بدقائق الأشياء. اللطيف من هذا من أسماء الله سبحانه وتعالى، واللطيف فيها معنى الإحسان وفيها معنى العلم بالدقائق. العلم بماذا؟ بالدقائق، فاللطيف قالوا يدل على علمه سبحانه وتعالى بدقائق الأمور وخفاياها، لأن اللطف هو نوع من الخفاء، اللطف أصلًا هو نوع من الخفاء، فلما تقول من أسماء الله اللطيف من دلالات هذا ماذا؟ أي أنه يعلم دقائق الأشياء وخفاياها. فاستخدام كلمة اسم الله اللطيف هنا مناسب؛ لأنه هنا يقول ماذا قال سبحانه وتعالى؟ وأسروا قولكم أو أجهروا به. إذًا ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف؛ يعني وهو الذي يعلم الدقائق والخفايا والخبايا. والخبير تكمل اللطيف، لأن الخبير الذي أيضًا عنده دراية بتفاصيل تفاصيل الأمور. أنت كيف تقول فلان خبير في هذا الشيء؟ إيش يعني خبير؟ خبير أكثر من أنه دارس، صحيح؟ يعني ممكن واحد يدرس طب وفي واحد خبير في الطب، ممكن واحد دارس هندسة وواحد خبير، إيش الفرق بين الدارس والخبير؟ الخبير اللي عنده ماذا؟ فهم وإحاطة تامة بهذا الشيء. أما الدارس هو عنده ثقافة عنه أو معرفة جملية لكن تخفى عنه بعض النقاط. فالخبير هو الذي يمتلك الدراية التامة بمخلوقاته.
فال إذًا اللطيف يعرف الدقائق، والخبير الذي له دراية تامة بمخلوقاته. وهذا كله تأكيد على فكرة تعامل مع الله بوضوح، ودعك من أي عملية التوائية، فهو لطيف وهو خبير. هذه مظاهر أو تجليات اسم الله اللطيف والخبير على الإنسان. نعم لها تجليات عديدة، لكن في سياق سورة تبارك تجلياتها في ماذا؟ في أن يعامل الإنسان ربه بالصدق وأن يكون واضحًا وألا يحاول أن يدلس أو يخادع نفسه، فإن كثيرًا منا حتى من أهل التدين يمكن أن يخادع نفسه في كثير من الأشياء التي يعلم أنها حرام، لكن يحاول أن يذهب بها ذات اليمين وذات الشمال لعلها تصبح مشروعة، وإن كان هو في داخله غير مقتنع. لا لا، خليك واضح في تصرفاتك. نعم.
وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلًا على خلق أفعال العباد. وقال أبو بكر بن الأصم الآن هذه بدها شخص منكم ألمعي، يفهم لنا. عاشق علي. آه. قال، مش مش ألمعي.
طيب. يقول لك وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلًا على خلق أفعال العباد. هون استطرد شوي النسفي، يريد أن يرد على المعتزلة. نحن والأشاعرة نتفق أن من الذي يخلق أفعال العباد؟ الله. والذي يخالف هذه المسألة المعتزلة، يقولون أن العبد يخلق فعله بنفسه. أكلك وشربك ونومك وصلاتك وأكلك وذا. المعتزلة تقول أنت تخلقها بنفسك، فلذلك المعتزلة أثبتوا كما قال شيخ الإسلام ملايين الخالقين في هذا الكون ولم يوحدوا الله في الخلق، لأنه إذا كل واحد فينا يخلق أفعاله كلنا نخلق، يعني ليس الله فقط الذي يخلق، كلنا نخلق. لكن هذا والكلام والعياذ بالله كلام في غاية الضلال والبعد.
جيد، فيقول لك هذه الآية فيها رد على المعتزلة. وهذه الآية فعلًا استدل بها شيخ الإسلام وغيره من أهل السنة، حتى الأشاعرة استدلوا بهذه الآية على أن الله هو الذي يخلق أفعال العباد. ما موطن الشاهد فيها؟ آه. يا عادل. هذه الآية تابعة للسابقة التي تذكر القول. جيد، قولكم فذلك قول من خلق. أسروا قولكم أو أجهروا. طيب. ألا يعلم؟ من خلق، يعني يشير إلى القول. أحسنت.
إذا قدرنا المفعول به ألا يعلم من خلق؟ المراد خلق القول. إذا كان هذا هو تقدير المفعول به فيكون واضحًا أن الكلام أن الله هو الذي خلق أقوالنا. ها؟ وأسروا قولكم أو أجهروا به. إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق؟ يعني الذي خلق القول ألا يعلم ما طبيعته وما الذي تكلم به الإنسان؟ إذا قدرنا المفعول به للفعل خلق أنه القول فسيكون التقدير مرة أخرى وأسروا قولكم أو أجهروا به. الآن إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق القول؟ يعني الذي خلق القول ألا يعلم ما هو؟ مستحيل. أنت خلقت شيئًا، صنعت شيئًا، ألا تعرفه؟ مش يعني هذا ليس وضعًا سويًا. فالله سبحانه وتعالى خلق القول، معقول لا يعرف ما تفاصيله؟ لا يمكن. فإذًا من هنا استشهد بهذه الآية علماء أهل السنة والأشاعرة على ماذا؟ أن الله هو الذي يخلق أفعال العباد، لأن الأقوال هي من جملة أفعال العباد. القول قولك وحركة لسانك هي من جملة أفعالك، فإذا كان الله قال أنه خلقت قولك، إذًا الأصل أنه هو الذي يخلق أفعالنا بكافة أشكالها. فهمنا وجه الشاهد؟ طيب.
وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب من مفعول والفاعل مضمر وهو الله. هذا هو القول الثاني اللي ذكرناه قبل قليل، أنه إذا القول الأول أنه من تجعل فاعل. يمكن أن نقول من هنا مفعول به، أليس كذلك؟ ويكون الـ يعلم هو من خلق. ألا يعلم هو من خلق؟ نعم، وهو الله تعالى. فاحتال بهذا لنفي خلق الأفعال. آه طبعًا هو إيش بيقول لك؟ بيقول لك هذا القول الثاني أن تجعل من هي المفعول به. هذا القول الثاني وظفه المعتزلة ليخرجوا من الإلزام. القول الثالث في تفسير الآية وظفه المعتزلة حتى يخرجوا من الإلزام الذي ألزمهم به أهل السنة. كيف؟ آه يا محمد.
طيب فإيش يصبح معنى الآية؟ ألا يعلم الله؟ لا، هو الضمير المستتر يعود على الله. ألا يعلم الله من خلق؟ ومن تكون للعاقل. مش أقول لك اسم موصول للعاقل؟ فلا يمكن أن يكون مراد بمن الأقوال، لأن الأقوال هذا شيء معنوي. من في لغة العرب إنما تقال لإيه؟ لمن يعقل. والمراد إذًا قولًا واحدًا إذا قلنا من هي المفعول به سيكون المراد العقلاء البشر، فسيصبح المراد ألا يعلم الله البشر. فيقول المعتزلة هيك معنى الآية. الآية لا تقول ألا يعلم من خلق الأقوال؟ لا. الآية تقول ألا يعلم الله البشر الذين خلقهم. فالآية تتكلم عن خلق الله للبشر ولا تتكلم عن خلق الله للأقوال. فهمتم؟ المعتزلة تقول الآية تتكلم عن خلق الله للبشر ولا تتكلم عن خلق الله للأقوال. برأيكم هل القول الثاني هو خطأ؟ يعني هل لأن المعتزلة وظفوه هو يعني غير محتمل من الآية؟
حقيقة لا، هو صح. يعني كأن النسفي ذكره على أنه قول وظفه المعتزلة. يعني كأنك تشعر أنني لا يجب أن أقتنع بهذا القول. حقيقة الآية محتملة، لذلك أقول هذه الآية يمكن أن يستدل بها على أن الله يخلق أفعال العباد، لكنها ليست نصًا. لكنها ليست إيش؟ نصًا. إيش يعني نصًا؟ ليست حاسمة. لماذا؟ لأن الآية محتملة في الفهم بغض النظر إيش وجهة نظر المعتزلة الآن. هي الآية قبل النظر في أي مسلك عقدي؛ أنتم لما سمعتم ألا يعلم من خلق ألا يوجد أكثر من احتمال في الفهم؟ ما دام يوجد أكثر من احتمال، إذًا أنا لا أستطيع أن أخطئ المعتزلة في فهمهم للآية، وإن كانوا يريدون الوصول بها إلى باطل هذا شأنهم. أنا عندي 100 دليل و1000 دليل على أن الله يخلق أفعال العباد، يعني هذه الآية لو كان لها فهم آخر لن تشكل علي. ليست كل مسألة خلق أفعال العباد قائمة على هذه الآية، تمام؟
فتفسير المعتزلة لهذه الآية هو ليس تفسيرًا خاصًا بالمعتزلة أصلًا، بل ذكره بعض السلف عمومًا يعني. ليس تفسيرًا خاصًا بهم حتى ينبذ هذا التفسير، لا هو تفسير منطقي واللغة العربية تحتمله. هذا اللي بيهمني، أن اللغة العربية تحتمله في هذا السياق، فلا يجوز إذًا أن يهجر هذا القول أو عفوًا أن يبدع من يقول بهذا القول ويقال أنت تقول بقول المعتزلة. لا، يعني الله يرضى عنك، اللغة تحتمله، أنت يمكن تستدل على خلق أفعال العباد بأدلة أخرى متكاثرة، لأن ليس شرطًا أن تكون هذه الآية هي المفصلية في هذا الموضوع. نعم.
هو الذي أكمل التفسير. اقرأ لا. اقرأ، أنت قرأت خلصت التفسير؟ خلصنا. اقرأ الآية التي تليها. خلصت؟ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]. لما ذكر في الصفحة الأولى السماء وخلقها وما وكيف ذللها لعباده بالنجوم التي جعلها زينة ويهتدى بها. القرآن دائمًا يذكر المتقابلات في سياق واحد، كما يذكر أهل النار يذكر أهل الجنة، وكما يذكر السماء يذكر الأرض. القرآن يحاول ذكر المتقابلات كثيرًا حتى يبقى الإنسان ضمن هذه المقارنات.
فإذًا في الصفحة الأولى تكلمنا عن السماء واستفضنا فيها، الآن سنتكلم عن ماذا؟ عن الأرض، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: 15]. ما معنى ذلولًا؟ مذللة بمعنى إيش أنت ذلولًا؟ مذللة، فسرت الماء بالماء. يعني إيش؟ مسهلة، منقادة.
الان أريدك أن تعرف قضية؛ كلمة ذلول في الأصل هي وصف للدابة وليست وصفًا للأرض. تمام؟ الله عز وجل ماذا قال عن بقرة بني إسرائيل؟ قال لا ذلول. أليس كذلك؟ تثير الأرض ولا تسقي الحرث. فالذلول هو في الأصل في اللغة العربية وصف لإيه؟ للدواب. ولما نقول دابة مذللة أي سهلة الانقياد، تمشي معك بأريحية، ما عندها يعني مروضة وجاهزة كما يقولون.
فإذا قلنا أن الأرض مذللة نقول استعرنا الذلول من وصف الدابة إلى وصف الأرض بها. فكأن الأرض أصبحت إيش؟ كالدابة تنساق للبشر، يسهل عليهم أن يتعاملوا معها ويستخرجوا ما فيها من الخيرات بالزرع والحرث واستخراج المعادن والنفط والغاز الطبيعي وما شابه ذلك. فالأرض بين أيديكم أيها البشر مذللة منقادة؛ يعني إذا حفرت الأرض الأرض ما بتقولكش لا ما بديش تحفرني، ما بترفسك، لا تعاملك بقسوة. الأرض بتقولك هيني مكشوفة، تريد تستخرج ذهب؟ استخرج. وإذا يا شيخنا نستخرج ذهب نستخرج، بدك بتيجي الحكومة تاخذه منك. طيب. بدك تستخرج أي شيء من عوامل الأرض؟ نفط، غاز، أي شيء. تستطيع أن تستخرجه وأن تنتفع به. إذا أردت أن تحرثها لتزرع فيها تستطيع، أردت أن تبني فيها بيتًا تبني مصنعًا، الأرض سهلة والتعامل معها سلس.
وهذه من نعمة الله سبحانه وتعالى التي قد تغيب عنا، لأننا نتعامل مع الأرض بشكل مستمر ترى ذلك. تغيب عنا كثير من النعم؛ تخيلوا أن الأرض كانت صعبة ولا يمكن التعامل معها إلا بصعوبة وعسر، كيف ستكون الحياة؟ ستكون الحياة متعبة ومعقدة في تفاصيلها. من أعظم نعم الله عز وجل علينا كما خلق السماء بما فيها من المصابيح خلق الأرض بما فيها من التذلل وسهولة التعامل، فأي مشروع، أي إنسان يبني، أي إنسان يزرع، أي إنسان يستطيع أن يتعامل معها ويتصرف فيها. إذًا هو الذي جعل لكم الأرض ذلولًا سهلة مذللة، لا تمنع حتى المشي عليها. يعني أنت تستطيع تمشي على الأرض بكامل السهولة خصوصًا مع تطور التعبيد وما شابه ذلك.
قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: 15]. المناكب هي الجوانب؛ يعني امشوا في زواياها ومناطقها المختلفة. طيب، ثم قال. طبعًا هو لماذا يقول فامشوا في مناكبها؟ المراد يعني اطلبوا الرزق وابتغوا من فضل الله. يعني ما دمت ذللت لكم الأرض وجعلتها مهيأة، إذًا أنتم خلقتم لتعمروها.
هذا مهم جدًا. ومن المفاهيم الكلية التي تزرعها سورة تبارك: نحن لم نوجد لننام ولا لنكسل ولا لنكون في صوامع ولا رهبانية ابتدعوها. الدين دين عمل، دين تقديم، دين بذل، دين حضارة، دين أمة بلغت إلى إسبانيا وإلى مختلف بقاع العالم. فامشوا في مناكبها أي اعمروا هذه الأرض، وابنوا فيها الحضارة المسلمة التي أراد الله سبحانه وتعالى استخلفكم فيها. الله عز وجل استخلفنا على هذه الأرض المذللة. لماذا استخلفنا؟ لنعمرها وفق منهج الله سبحانه. إذًا فامشوا في مناكبها كأنه يقول اعمروها، ابنوا فيها، اسعوا. هذا ما أريده منكم.
أنا لا أريد أمة كسلى، لا أريد أناسًا كسالى، لا أريد أناسًا ينامون ولا يشتغلون ولا يعمرون ولا يبنون. المطلوب منا أن ننتج وأن نكون أمة عاملة وأن نكون على كامل الكمال في كافة الأمور الشرعية والاقتصادية والاجتماعية وأنظمة الحكم. الأصل هكذا تكون الأمة المسلمة. هذا معنى فامشوا في مناكبها. ليس فقط هو طلب رزق، لا، لازم نكبر المعنى أكثر وأكثر، وإنما هي عمارة لهذه الأرض وتمكين لأهل الإسلام وفق منهج الله سبحانه وتعالى. لذلك هو قال: فامشوا في مناكبها استدلالًا واسترزاقًا. إيش يعني كلام النسفي هنا؟ امشوا في جوانبها استدلالًا واسترزاقًا. إيش يعني؟
استدلالًا على الخالق، لما تنظر في الجبال والأثر، البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير، فلما تنظر في الجبال والبحار فاستدل بها على الخالق سبحانه. وأيضًا امشوا بها استرزاقًا وامشوا بها بناءً ونظرًا وهكذا. نعم. هو الله الذي جعل لكم الأرض ذلولًا لينة سهلة مذللة لا تمنع المشي فيها. لاحظ هو، هو لا غيره. كلمة هو لماذا بدئ بها؟ لأنها هي من مظاهر تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. نفس مشهد آخر من مشاهد الملك والقدرة، هو الذي، من غير رب العالمين فعل هذا؟ هو الذي يعني من غير رب العالمين فعل هذا؟ الله هو الذي جعلها مذللة منقادة لكم. نعم.
فامشوا في مناكبها جوانبها استدلالًا واسترزاقًا أو جبالها أو طرقها، اختلفوا في معنى المناكب فمنهم من قال الجوانب، ومنهم من قال الجبال، ومنهم من قال الطرق. تمام، هذا خلاف في معنى كلمة مناكب، تمام؟ والمنكب في العادة هو الشيء المرتفع من الإنسان، لذلك أنت ماذا عندك؟ منكبان هنا وهنا، لذلك يعني تفسيرها بالجبال أيضًا تفسير محتمل. نعم. وكلوا من رزقه أي من رزق الله فيها. وإليه النشور أي وإليه النشور. الجميل، وكلوا من رزقه وإليه النشور.
كيف الانتقال من الدنيا إلى الآخرة بمقطع صغير؟ وكلوا من رزقه وإليه النشور. كأنك تشعر أن هناك مدة معينة لك أيها الإنسان، ستعيش فيها على هذه الأرض وستأخذ الرزق الذي كتب لك ثم ستنتهي وستنتقل إلى الدار الآخرة. فلا تظن يعني كأنه اسمحوا لي ما يسميه نوع استدراك، يعني صحيح أنا قلت لك الأرض ذلول فامشوا في مناكبها لكن بدك تنتبه، هي فترة قصيرة ستعيش عليها. يعني أنا لما ذللتها لم أذللتها لتكون محط الرحال، وإنما ذللتها لتستغل في فترة معينة، وأنت تعمرها وتأكل وتعيش وتبني أسرتك وحياتك لكنها فترة محدودة، ولكن في النهاية وإليه النشور، ستنتهي وستأتي المرحلة الأخرى والحياة الأخرى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، تبدأ رحلة جديدة رحلة الدار الآخرة.
فكأن الله يخبرنا أن هذا التذليل وإن كان تذليلًا لتعمروها لكن ليس لتعمروها لتسكنوا فيها، وإنما تعمروها لتقيموا منهج الله، ثم بعد ذلك السكنى ليس في هذه الدنيا. كلوا من رزقه، كلوا ما كتب لكم لكن إليه النشور، ستبعثون إلى دار أخرى. إن بعض الناس لما يسمع هذا الكلام يعمر الأرض كأنه يعيش بها، يعني أو يعني كأنه سيخلد فيها، لا لا، أنت اعمر وهذا منهج الله لكنك تعمرها لمنهج الله لأنك مستخلف بإرادة الله. هو الذي قال فامشوا في مناكبها ولكنني أوطن نفسي وقلبي على أن هناك نهاية في هذه الدنيا وسينقلب الحال إلى دار أخرى. هذا معنى جميل في تصوير المشهد حتى يبقى الإنسان متصور أن الدنيا رحلة وليست دار قرار. وإليه النشور أي وإليه نشوركم فهو سائلكم عن شكر ما أنعم به عليكم.
طبعًا هو شوف النسفي يعني يذكر بعض الإيماءات والإشارات، لكنني أحاول أن آتي بما هو أعمق حقيقة في دلالة الآيات حتى لا نبقى مع المعاني التي في العادة المفسرون يذهبون إليها. المفسرون الأقدمون يحبون المعاني الظاهرة يكتبوها في تفاسيرهم، ويتركون التدبر للقارئ، هكذا طريقة عادة المفسرين. المفسر القديم ماذا يعمل؟ هو عادة يذكر المعاني البارزة، وقليل منهم من اهتم بذكر اللطائف، يعني كما يفعل ابن القيم أو الرازي أو بعضهم ممن يهتم بذكر اللطائف قليل. العادة بقولك أنا أذكر، لماذا لا يهتمون بذكر اللطائف؟ بقولك هذا التدبر هي حالة وجدانية إنسانية، أنت القارئ تتدبر بعد أن تفهم المعنى الأصلي للآية، ليس وظيفتي أن أعطيك هذا.
لكن حقيقة اليوم الناس يحتاجون إلى التدبر، يعني يحتاجون إلى ما هو أعلى من مجرد التفسير والشرح الأساسي، لأن الأقدمون لأنهم كانوا أهل تدبر مستمر يعرفون آليات التدبر وعمق النصوص. المعاصرون لضعف العربية وضعف معايشة القرآن، هناك فجوة ومساحة كبيرة، فإذا بقيت تفسر القرآن فقط فك ألفاظ لن ينجع في قلوب كثير من العامة، لابد تعمق المعنى أكثر وأكثر لتفتح لهم مجالات التدبر والفهم للنص القرآني. نعم.
﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: 16]. أكمل. ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَستَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17]. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: 18]. هنا السورة عادت مرة أخرى إلى أسلوب التخويف، لكن التخويف في الصفحة الأولى كان يتكلم عن حال الكفار أين؟ في الدار الآخرة وهم في السعير، لكن هنا التخويف يتكلم عن عذاب الدنيا. يعني الكفار ليس عذابهم فقط في الآخرة بل أيضًا هناك عذاب في الدنيا. أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير، ولقد كذب الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود فكيف كان نكير.
ما هو الأمن الذي يستنكره الله عز وجل؟ ما هو الأمن؟ أأمنتم من في السماء؟ دائمًا يقول إنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. طب إذًا في هناك شيء، لأن بعض الناس يقولك طب أليس الإنسان المؤمن والمطمئن في أمن بإيمانه؟ طب هل المطلوب مني أن أكون في أمن ولا في حالة عدم أمن؟ هذا الإيمان يورثني أمنًا. ما هو الأمن الذي لا يريد الله أن يكون؟ وما هو الأمن الذي يريد الله أن يكون؟ فهمتم السؤال؟ أعيده.
هناك أمن لا يريد الله أن يكون، وهناك أمن يريد الله عز وجل أن يكون. هنا الله عز وجل يعلمنا الأمن الذي لا يجوز أن يكون في حياة المسلم. ما هو؟ أيوة يا أسامة. الأمن من مكر الله. أيضًا، أيوة، جيدًا، وكلامكم كله صحيح. ها يا أسامة. والغفلة عن الدار الآخرة، أليس كذلك؟ تفضل. الأمن بالتوحيد والإقبال على الله، جيد. والذي لا يريده واستنكره في هذه الآية، نعم. أحسنت، يعني أنتم تحومون، كلامكم صحيح في الجملة. أيوة. أحسنت، الأمن الذي لا يصاحبه خوف، أيضًا، أيوة. الأمن الذي فيه إذًا الغفلة والاتكاء على المعاصي والطغيان. تفضل. أعمال، تواكل قصدك؟ نعم. ماشي، جيد، يعني إذًا المعاني كلها صحيحة ويأخذ بعضها بحجز بعض كما يقولون.
إذًا الأمن الذي ينكره الله على المؤمن ولا ينبغي أن يكون: الأمن الذي يكون مصحوبًا بالغفلة وعدم الاتعاظ والإسراف على النفس بالذنوب والمعاصي. هذا هو الأمن الذي ينكره الله. يقول أأمنتم من في السماء؟ تأمن أن يخسف الله بك الأرض؟ تأمن؟ الآن الموحد لله سبحانه الذي يتعبد ويكون دائمًا مراقبًا لله خائفًا منه وجلًا، والخوف من الله يبعثك أن تحب الله وتذهب إليه، كما قلنا في درس الداء والدواء: خوف لا يجعلك تهرب منه بل يجعلك تهرب إليه. الخوف من الله يجعلك تهرب إليه، اللهم إني أعوذ بك منك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
فحالة الأمن الخاطئة هي الأمن، كما قال الإخوة: الشعور بالثقة، الشعور بالأمن بعدم الحاجة إلى التوبة والاستغفار، الشعور بسلامة الدنيا وأن الأمور طيبة وأنك إنسان كأن الجنة كتبت لك كما قال أحد الإخوة. هذه الحالة لا يريد الله عز وجل أن يكون عليها المسلم. المسلم يطمئن بالله وبذكره والأنس به، ويخاف معاصيه، ويكون دائمًا على وجل، أما إذا عاش في هذه الحياة الدنيا آمنًا واثقًا بأعماله مستكبرًا بها مدليًا بها على الله سبحانه وتعالى، وقادته هذا رويدًا رويدًا إلى الغفلة والبعد عما ينبغي أن يكون، فهذا لا يريده الله ولا يحبه، وهذا ما يوصل للكفر والعياذ بالله.
فهنا يقول سبحانه أأمنتم من في السماء، وهذه الآية من أقوى أدلة أهل السنة والجماعة على أن الله سبحانه وتعالى على سبع سماوات. طيب، هذه الآية أهل البدع يستشكلونها، يقولون الله عز وجل إيش يقول؟ أأمنتم من في السماء؟ في، مش في تفيد الظرف؟ إذًا الله داخل السماء، والسماء هذا المخلوق يحتوي على الله، هيك فاهم الآية؟ أوعك تفهم الآية هيك، الآية لم يفهمها أحد بهذه الطريقة، لا أهل السنة ولا أهل البدع أنا بريحك، إلا الضايع هذا من أهل التصوف، لكن لا يوجد إنسان معتبر في العلم يفهم الآية أن الله داخل السماء السماء المخلوقة.
طب كيف نقول إذًا هذه الآية تدل على العلو؟ قال العلماء: في هنا بمعنى على، حرف الجر في بمعنى إيش؟ على، فيكون المعنى أأمنتم من على السماء، أي من على، يعني من هو فوقها وعلا عليها. هذه الطريقة الأولى في التفسير، وتكون إذا قلنا أأمنتم من على السماء يكون المراد بالسماء ماذا؟ السماء المخلوقة. طيب، أحيانًا في اللغة العربية تطلق كلمة السماء ولا يراد بها السماء المخلوقة، وإنما يراد بها جهة العلو، أي شيء عالي يسمى ماذا؟ سماء. فإذا قلنا أن السماء هنا ليس المراد بها السماء المخلوقة، وإنما المراد بها العلو فيكون في على معناه الظرفية، بمعنى في تبقى على معناها ويكون تقدير الآية آمنتم من في العلو.
فأنت بين خيرتين في تفسير الآية، إما تقول آمنتم من على السماء وتقصد بالسماء السماء المبنية وهي مخلوقة، أو تقول أن السماء هنا بمعنى العلو وليس بمعنى السماء المبنية فيكون التقدير آمنتم من في العلو، وهذا كله يؤدي إلى النتيجة النهائية أن الله ذاته علت فوق سبع سماوات وليس كما يقول أهل البدع. طيب، فإذا استدل علينا أهل البدع بقوله تعالى: ألم يقل الله عز وجل في سورة الزخرف ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84] نقول ما معنى هذه الآية؟ أعمار، أحسنت، إلهنا بمعناها المعروف اللغة إلى معنى مألوه، معبود، فيكون المعنى: وهو الذي يعبده أهل السماء ويعبده أهل الأرض، وليس المراد وهو الذي في السماء إله يعني هو الله موجود في السماء وموجود في الأرض، ليس هذا معنى الآية الله يكرمك.
وهو الذي في السماء إله، إله بمعنى معبود يعني وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود يعني يعبده أهل السماء ويعبده أهل الأرض، فلا تشغبوا على القرآن بجهلكم، لا تشغبوا على القرآن بجهلكم بمعاني اللغة. إذًا أأمنتم من في السماء من أقوى الآيات الدالة على علو الله سبحانه وتعالى. اقرأ: آمنتم من في السماء أي من ملكوته في السماء، لأنها شوف، إن النسفي لأنه ما تريدي يسير على طريقة الماتريدية والأشاعرة، هؤلاء ينكرون أن الله فوق سبع سماوات على طريقة أهل البدع، غفر الله للنسفي ولعلمائنا المسلمين، فاحتاج أن يؤول، احتاج أن يتلاعب شوي بالنص.
فإيش قال: آمنتم من في السماء ليس المراد أنه هو في العلو، لا، آمنتم من ملكوته في السماء. طب هاي ملكوته منين جبتها؟ هذا من أين أتيت به؟ هو ماذا سيقول لك؟ أنا أهم شيء عندي أنني لا أقول أن الله على السماء السابعة هذا أهم شيء عندي الآن، شو ما أحط في الآية تقديرات بزبط، أو هذا ليست طريقة إنسان يبحث عن مراد الله وإنما طريقة إنسان وجد النص أشكل على فكره فتلاعب به من أجل أن يخرج من الورطة، فقط أنه أنت شاعر أن النص ورطة على طريقتك في التفكير، فكيف خرجت من هذه الورطة؟ قال بحط لي كلمة بالنص وخلصت، ما هو يا ما أكثر الكلمات اللي أنتم أولتوها، بحط لي هاي الكلمة في النص وبزبط.
لا، وهذا التأويل ليس على مزاجك ولا على مزاج الفلاسفة، هذا التأويل يجب أن يكون نص يدل عليه، ما دام القرآن قال آمنتم من في السماء الأصل الآية تبقى على حقيقتها، ما دامت حقيقتها محتملة ولا يوجد قرينة واضحة تصرفها، فإذا قال عندي قرينة، ما هي قرينته التي تصرف الآية عن ظاهرها؟ قرينة الأشاعرة والماتريدية أن الله لا يجوز أن يوصف أنه في جهة، هيك هذه قرينتهم، دائما ايش يقولون؟ والقرينة أن الآية يجب أن تؤول أن الله لا يجوز أن يوصف بأنه في جهة ويستخدمون عبارة الجهة والحيز وما شابه ذلك، وكل هذه قرائن فلسفية وليست قرائن عربية.
والله سبحانه وتعالى ما نقول أنه في جهة العلو حاشاه أن نقول أنه في داخل مخلوق أو أن هذا المخلوق حواه، نقول أنه فوق السماء نقطة وسطر جديد، ولا نقول أن هناك مخلوق قد حوى الله وأحاط به، وجهة العلو هذه ليست شيئًا مخلوقًا، الجهات في علم المنطق.
والفلسفة هي عبارة عن أمور عدمية تسمى النسب الإضافية. هذه مجرد نسبة، لما أقول علو، هذا ليس شيئاً مخلوقاً، العلو نسبة؛ فوق، تحت، يمين، شمال، هاي تسمى نسب إضافية ليست أشياء مخلوقة، وإنما تدليل على منطقة أو جهة وليست تدليلاً على شيء مخلوق، حتى تلزمنا أنك إذا قلت إن الله فوق السماء أن هناك شيئاً حواه أو ما شابه ذلك من كلام أهل البدع، أكمل. لأنها مسكن ملائكته.
فقول النسفي: ﴿أَأَمِنتُم مَّن في السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16] من ملكوته، نضع فوقها خطأ، وهذا بسبب عقيدة الرجل. نعم، لأنها مسكن ملائكته؛ يعني أنت، أنا خليت السماء مسكن الملائكة، ما هو كلنا عارفين السماء مسكن الملائكة، تمام، لكن المراد أن الله عز وجل أخبر عن نفسه: ﴿أَأَمِنتُم مَّن في السَّمَاءِ﴾. شوف، أنت أصلاً لما رجعت الموضوع إلى أنها مسكن الملائكة وكذا، ذهبت فخامة الآية! فخامة الآية أن الله يتوعد، الله بذاته يتوعد الكفرة، فأنت عندما ترجع الموضوع أنه: آمنتم من في السماء من ملكوته وملائكته في السماء يخسف بكم الأرض، يعني المعنى مش قوي أصلا. يعني الآن ما مش راح أناقشك من ناحية فكرك الأشعري الماتريدي، بدي أناقشك على النتيجة النهائية للآية، شو النتيجة النهائية للآية؟
آمنتم من ملكوته وملائكته في السماء أن يخسف بكم الأرض؟ بالله عليك أيهما أعظم: أن تقول آمنتم الله الذي فوق سبع سماوات أن يخسف بكم، ولا آمنتم الله الذي ملائكته في السماء يخسف بكم؟ يعني تشعر أن المعنى الثاني أذهب بهجة الآية وقوتها. نعم، ومنها تنزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه، فكأنه قال آمنتم خالق السماء وملكه، خالق السماء وملكه، لكن هذا كله، يعني كل هذا التفسير أضع عليه خطأ، هو ناتج عن اعتقاد الرجل أن الله لا يكون فوق سبع سماوات جل في علاه. نعم. ولأنهم كانوا يعتقدون النسبة وأنه في السماء وأن الرحمة والعذاب ينزلان من من...
لا، لا تخافش، هو كفار قريش أظنهم كانوا في هذا أسلم عقيدة من كثير من المبتدعة اليوم. يقول لك: ولأنهم الأشياء، لا، كفار قريش كانوا يعتقدون أن الله في السماء، طب عقيدتهم صحيحة يعني؟ يعني تفكرش، هو يذم كفار قريش لأنه قال: ولأنهم كانوا يعتقدون النسبة، هذه مشكلة، لذلك خاطبهم الله بناء على ما يعتقدونه، لكن كفار قريش كانوا مجسمة كمان ومشبهة وقصتهم قصة. لا، هم كفار قريش كانوا يعرفون أن الله فوق السماوات، ويعني وهذا من بقايا دين إبراهيم التي كانوا يعرفونها، فكانت عقيدتهم في هذا الموضوع أزكى من عقيدة كثير من مبتدعة هذه الأمة.
فقول النسفي: ولأنهم كانوا يعتقدون النسبة، يعني يعتقدون أن الله في السماء كما يفسر أهل السنة والجماعة أن الله في السماء بمعنى على السماء أو في العلو، فهو لا مشكلة في اعتقادهم يا نسفي، لا مشكلة. نعم. نعم اقرأ، أين عندكم هذا؟ في الحاشية: يعتقدون النسبة مكتوب. يعني اختلفت الطرق لكن كله بنفس المعنى، المآل واحد، يعني كفار قريش كانوا يعتقدون أن الله في جهة العلو، وهذا لأنهم مشبهة مثل أهل الحديث الحشوية. طيب، فقال: فقيل: وأن الرحمة والعذاب ينزلان من... فقيل لهم على حسب اعتقادهم، بس هم كانوا مشبهة كفار قريش. طيب، فقيل لهم على حسب اعتقادهم: آمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان؟
إيش يعني هذه عقيدة الماتريدية؟ أن الله عز وجل متعال عن المكان، أي لا يجوز وصفه أنه في مكان. هو لا يصرح بعقيدته أنه لا يجوز أن تفسر الآية على ظاهرها، إذا تفسرها على ظاهرك كأنك وضعت الله في مكان مخلوق، لكن كل هذا الكلام للأسف يسير على طريقة الماتريدية والأشعرية ولا يوافق طريقة أهل السنة والجماعة. نعم. ﴿أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: 16]. يعني الله الذي فوق سبع سماوات يخسف بكم الأرض التي أنتم عليها، وكأن هذا، كأن ذكر السماوات قبل قليل وأنها رحمة وما فيها من النجوم، وأن ذكر الأرض وأنها مذللة لا يمنع أن تنقلب السماء والأرض عذاباً على الكافرين في لحظة ما، صح؟
يعني في الصفحة الأولى كنا نتكلم عن السماء أنها زينة وكذا، والأرض قبل قليل إيش قلنا؟ مذللة، فامشوا في مناكبها، لكن هذا الوضع الطبيعي، لكن الله يقول: إذا أردت أن أقلب السماء جحيماً والأرض جحيماً على الكفار، ترى بقلبها! شوف الوعي، يعني هذا سياق الآيات وانسجامها أنه كان يتكلم عن فوائد السماوات والأرض وجمالها، ثم أخبر أن هذه السماوات والأرض في لحظة ما تنقلب جحيماً، فأخبر هنا عن الأرض ابتداءً، الذي فوق سبع سماوات قادر أن يجعل الأرض التي كانت قبل قليل مذللة منقادة، قادر أن يجعلها ماذا؟ تنخسف بكم وتسقط بكم.
شوف الرعب! قبل قليل كانت منقادة مذللة، الآن أصبحت عذاباً، من الذي يملك ذلك؟ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]. نعم. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: 16] تضطرب وتتحرك. نعم. أم آمنتم... كلمة تمور معناها تضطرب وتتحرك. المور ما هو أيها الشباب؟ الاضطراب والتحرك على غير اتزان، فهذا يسمى مورانا. إذاً قبل قليل كانت مذللة، الآن أصبحت ماذا؟ تمور. شوف مقابلة تمور بذلول قبل قليل: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: 15]. إذاً هي تحت السيطرة، الآن ماذا أصبحت؟ تمور، خرجت عن السيطرة.
اختيار الألفاظ عالي جداً في سورة تبارك وفي كل آيات القرآن، يعطيك الصورة ومقابلها وكيف يمكن أن تنقلب الأمور، لأن في النهاية كل شيء بـ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]. نعم. ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن في السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: 17]. حجارة. ﴿أَن يُرْسِلَ﴾ بدل من من؟ بدل اشتمال. نعم. الحاصب ما هي أيها الكرام؟ الحجارة. ﴿وَأَن يُرْسِلَ﴾ بدل من إيش؟ من من؟ أأمنتم من في السماء؟ التقدير: أأمنتم أن يرسل عليكم حاصباً. كأن أن يرسل بمعنى الإرسال، أأمنتم من في السماء إرسال حاصب؟
فالإرسال اللي هو المصدر المؤول هو بدل من إيش؟ من من؟ التي في بداية الآية: أأمنتم إرسال الحاصب؟ كأنه قال هكذا: أأمنتم إرسال الحاصب؟ لأن البدل هو بدل من المبدل منه، فأنت ضعه مكان المبدل منه، هو جعل المبدل منه ماذا؟ من؟ التي في أول الآية، فقال: أم أمنتم من في السماء إرسال الحاصب عليكم؟ فإرسال بتزبطش تكون هكذا وحدها، لازم يكون لها مكان، فتجعلونها بدلاً من الاسم الموصول، يعني أم أمنتم إرسال حاصب عليكم من السماء. طيب.
لكنه ذكر من في البداية ليؤكد أنه هو الفاعل، أأمنتم من في السماء مرة أخرى؟ الذي فوق سبع سماوات قادر أيضاً على إرسال حجارة تعذبكم. جيد. وكذا أن يخسف. نعم. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17]. يعني نفس الشيء في الآية السابقة: أأمنتم من في السماء أن يخسف، أن يخسف بدل من من؟ التي في أول الآية، إذا قال: وكذا أن يخسف، المصدر المؤول، إحنا أخذنا في الآجرومية: أن مع الفعل المضارع إيش بينتج؟ مصدر مؤول. مش إحنا قلنا مصدر مؤول له إعراب؟ ما إعرابه هنا؟ بدل. جيد.
أي ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17]. أي إذا رأيتم الخسف أو إذا رأيتم الحاصب ستعرفون كيف نذير. وهذه اللهجة إيش؟ وعيد وتهديد، راح تعرف إيش أسوي فيك. مش بقولك كذا إيش يعني راح تعرف؟ أنا عم بهددك، فستعرفون كيف نذير، راح تعرف كيف، يعني في إله في السماء بيعذبك، تمام؟ حتى تعرف من هو الإله بس، هذا الإله الذي تكفر به وتشرك به سيعرفك من هو، وسيعرفك كيف نذيره أو إنذاره وعذابه. نعم.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: 18]. واتعظوا يا كفار قريش، واتعظوا أيها الكفار اليوم، واتعظوا أيها اليهود ويا أمم الكفر عبر التاريخ، اتعظوا بقوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود، اتعظوا كيف كان نكيري؟ أي كيف كان إنكاري عليهم؟ كان إنكاري عليهم شديداً وكان عذاباً أليماً مرعباً ذكره الله في آيات كثيرة. نعم. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من قبل قومك، نعم، اللي هم كفار قريش، نعم. ﴿فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الملك: 18] أي إنكاري عليهم إذ أهلكتهم، فكان إنكار الله عليهم أن أبادهم إبادة. نعم.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ۚ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: 19]. مرة أخرى من مظاهر تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الطيور التي في السماء. تأمل في هذه الطيور، تأملنا في السماوات نفسها، تأملنا في الأرض، تأملنا سر قولكم أو اجهروا به. الآن يخبرك الله عن مشهد من مشاهد تبارك الذي بيده الملك؛ الطيور التي تبسط أجنحتها وتقبضها ولا تسقط. من الذي يفعل ذلك؟ من الذي يجعل هذه الأجنحة وهذه القدرات الجسدية تستطيع أن تحلق إلى آلاف أو عشرات أو مئات الكيلومترات خلينا نقول وتمشي إلى مسافات شاسعة؟ من الذي يمنعها أن تسقط؟
يعني أنت لو وضعت جناحين لا تستطيع أن تطير، لكن هذه المخلوقات من الذي خلقها على هذه الهيئة ومنح أجنحتها القدرة على الطيران والتحليق؟ الله جل في علاه، الرحمن. لاحظ كلمة الرحمن هنا توظيفها مرة أخرى. نعم، ثم نبه على قدرته على الخسف وإرسال الحاصب، بل هو تنبيه على قدرته عموماً التي بدأ بها السورة، وليس فقط على هذين الجزأين، نعم، بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ﴾ [الملك: 19]. جمع طائر. فوقهم في الهواء. ﴿صَافَّاتٍ﴾ [الملك: 19] باسطات أجنحتهن. معنى صافات: بسط الأجنحة، نعم، في الجو عند طيرانهن. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: 19] ويضمنهن إذا ضربن بها جنوبهن. نعم، اللي هي تعرفوا طريقة خفقان الطير هكذا يعني، نعم.
ويقبض معطوف على اسم الفاعل حملاً على المعنى. نعم، يجوز أن يعطف الفعل على اسم الفاعل، أنه يقبض معطوفة على صافات، صافات اسم فاعل اسم، ويقبض فعل مضارع. هل يجوز عطف الفعل على الاسم المشتق؟ نعم، أي يصففن ويقبضن، أو صافات كلاهما بمعنى الفعل حقيقة، صافات أي يصففن ويقبضن، أو كليهما تستطيع أن تعوله بمعنى اسم الفاعل، صافات وقابضات، كل هذا يجوز، لكن الفعل يعطف على اسم مشتق ولا يعطف على اسم جامد، لا يجوز أن تقول مثلاً تعطف: جاء أسد ويأكل، وتقولي يأكل معطوفة على أسد، بتزبطش. الفعل إذا عطف على اسم لابد يكون الاسم ماذا؟ من الأسماء المشتقة؛ اسم فاعل، اسم مفعول، صفة مشبهة، وهكذا. نعم.
واختيار هذا التركيب باعتبار أن أصل الطيران هو صف الأجنحة، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والهواء للطائر كالماء للسابح، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطاريء على البسط للاستظهار. نعم، للاستظهار به على التحرك، فجيء بما هو طاريء. الاستظهار به يعني للتقوي به على التحرك، يعني كأنه يقول: الحالة الأصلية للطيور ما هي؟ بسط الأجنحة، والقبض حالة تتقوى بها على الطيران، وليست الحالة الأصلية لها القبض، نعم. فجيء بما هو طاريء بلفظ الفعل، فجيء بما هو طاريء اللي هو القبض بلفظ الفعل: يقبض. نعم. على معنى أنهن صافات ويكون منهن...
شوف، اسم الفاعل اسم والاسم يدل على الثبات والدوام، والفعل المضارع يدل على ماذا؟ تجدد ثم انقطاع وتجدد ثم انقطاع، فيقولك: الحالة الأصلية هي ماذا؟ بسط الأجنحة، فلذلك عبر عنها باسم الفاعل: صافات. وحالة القبض حالة تنقطع وتتجدد، تنقطع وتتجدد، فاستعمل الفعل المضارع الذي يدل على ماذا؟ على التجدد ثم الانقطاع، على التجدد ثم الانقطاع. وهذا نظر دقيق، يعني لو سألك: لماذا قال صافات ويقبض؟ لماذا لم يجعلهم فعلين: يصففن ويقبض؟ أو لماذا لم يجعلهم كلاهما اسمين: صافات قابضات؟ هنا يعلل لك، هذه نظرة جميلة منه.
لماذا خالف الله في الأسلوب؟ فصافات عبر باسم الفاعل، ويقبض عبر بالفعل. لماذا اختلف الأسلوب؟ فماذا قال؟ قال: لأن الأصل في الحمام والطيور أنه صاف، فهذه حالة دائمة، والاسم يدل على الديمومة. وأما القبض فهي حالة طارئة تحدث ثم تنقطع، تحدث ثم تنقطع، فلذلك أتى بصيغة الفعل الذي يدل على الحدوث ثم الانقطاع، وهو الفعل المضارع. نعم. ويكون منهن القبض تارة بعد تارة، يعني كما قلت يحدث وينقطع، يحدث وينقطع، نعم، كما يكون من السابح، نعم، فالسابح الأصل أنه يبسط يديه في السباحة، وحركة اليد هي حركة طارئة يتقوى بها على الاندفاع، أليس كذلك؟ طيب.
ما يمسكهن عن الوقوع عند القبض والبسط إلا الرحمن بقدرته. طيب، لماذا ذكر الرحمن هنا مرة أخرى؟ لما في الآيات في الصفحة الماضية لما تكلم عن خلق السماوات إيش قال؟ ﴿مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: 3]. طيب، هنا مرة أخرى تكلم عن مظهر من مظاهر تبارك الذي بيده الملك وإيش قال؟ اختار اسم الرحمن، لماذا؟ نفس الفكرة التي ذكرناها المرة الماضية أو ذكرها الأخ، وهي فكرة ماذا؟ أن يستدل بهذه الـ أن من رحمة الله أنه خلق هذه المخلوقات نستدل بها عليه.
يعني الذي خلق هذه الأمور بهذه الطريقة هو رحمن، ليه؟ لأنه خلقها بهذه الطريقة رحمة بنا. كيف رحمة بنا؟ لنستدل بها عليه سبحانه وتعالى. فمن رحمة الله أنه ضمن السماوات والأرض والمخلوقات كثيراً من الآيات التي يستدل بها العبد على ربه سبحانه، هذه من رحمة الله أنك جعلك ترى هذه الطيور، لأنك ستستدل بهذه الطيور وبهذا المسك وعدم السقوط على الله سبحانه، أليس رحمة أن الله ضمن في كل شيء آية تدل عليه؟ هذه رحمة، فاختيار اسم الرحمن مقصود هنا. نعم. وإلا فالثقيل يتسفل طبعاً ولا يعلو، نعم، يعني الأصل أن الأشياء الثقيلة تنزل ولا تعلو. طيب، النسر والصقر كيف يعلو مع أنه ثقيل؟ في قوة عظمى الله عز وجل أودعها فيه، ولا يستطيع أي بشر أن يودعها بهذه الطريقة. وإلا الأصل في الأشياء الثقيلة على قاعدة نيوتن، صح، إيش تقول نيوتن؟ أنه الأشياء الثقيلة لابد أن تسقط باتجاه الأرض، حركتها مستمرة باتجاه الجاذبية، لماذا الطير لا يسقط؟
من الذي يمسكه؟ الله جل في علاه. وكذا لو أمسك حفظه وتدبيره عن العالم لتهافتت الأفلاك. وكذلك إذا أمسك الله حفظه وتدبيره عن كل العالم لسقطت السماء، لسقطت الأجرام، لسقط وهكذا. وما يمسكهن مستأنف وإن جعل حالا، استئنافية جديدة، ما يمسكهن إلا الرحمن جملة استئنافية جديدة. وإن جعل حالا من الضمير في يقبض يجوز. ويجوز جعلها جملة حالية وصاحب الحال الضمير المستتر في يقبضن، أي صافات ويقبضن حالة كونهن ما يمسكهن إلا الرحمن، ها، ويقبضن حالة كونهن لا يمسكن إلا الرحمن، لكن حقيقة الأول أقوى، أن تكون جملة استئنافية هذا أقوى وأجمل في السياق. إنه بكل شيء بصير، يعلم كيف يخلق وكيف يدبر العجائب.
هو بصير سبحانه وتعالى، فالبصر هنا ليس مجرد البصر بمعنى النظر، البصر أيضا هنا يحتمل ماذا؟ البصيرة، يعني يعرف كيف يخلق ويعرف كيف يتعامل مع كل شيء سبحانه وتعالى وكيف يتلقى كل شيء وكيف يأمر وكيف يدبر سبحانه.
أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور. بدأ الآن يخاطب كفار قريش مخاطبة واضحة. بعد كل هذه الآيات وبعد بيان هدف الحياة وغايتها وبيان مخلوقات الله وبيان التهديد بالعذاب الدنيوي والأخروي، تعالوا يا كفار قريش نتفاهم. من هذا الذي هو جند لكم؟ ينصركم من دون الرحمن. هل لكم فعلا جنود؟ الله الذي خلق السماوات وذللها وخلق الأرض وذللها، وأمنتم من في السماء يخسف بكم الأرض، والذي مسك الطيور وجعلها يعني الذي يفعل كل هذه الأشياء وأنتم وأصنامكم لا يفعلون شيئا، أخبروني من هذا الذي تعتصمون به وتحتمون به ليدافع عنكم أمام جبروتي وقدرتي؟ أأمنتم؟ وعفوا.
أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن، أي يمنعكم ويحميكم مقابل الإله، من أخبروني؟ من هذا؟ ما هذه الثقة التي أعطيتموها؟ هل هذه الأصنام التي تعبدونها؟ هذه الأحجار؟ هذه الكواكب؟ أعطوني ما هو، اذكروا لي شيئا منه. أمن مبتدأ. خبره هذا. ويبدل من هذا. الذي هو جند لكم، ومحل ينصركم من دون الرحمن رفع نعت لجند محمول على اللفظ، والمعنى من المشار إليه بالنصر غير الله تعالى.
إذا ينصركم من دون الرحمن هذا نعت وصفة للجند، يعني من هو جند صفته أنه ينصركم من دون الرحمن، من هذا الجندي الذي هذا صفته؟ أنه ينصركم من دون الرحمن وتستطيعون الاعتماد عليه والاتكال عليه، أخبروني، الله هو الذي يتكل عليه. هو الذي يعتمد عليه، الذي يفعل كل هذه الأمور في السماوات والأرض والطيور هو الذي ينبغي الاتكال والاعتماد عليه وأنتم تتكلون على غيره، خطأ كامل في البوصلة وانحراف في الوجهة. إن الكافرون أي ما هم إلا في غرور.
طيب إن الكافرون إلا في غرور، يعني أنتم تخدعون أنفسكم، الغرور هو الخداع. يعني أنتم تضحكون على أنفسكم بالعبارة الواضحة، أنتم تضحكون على أنفسكم وتخادعونها عندما تتركون الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير وتعتمدون على من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا.
أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور. أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه. أمن. يشار إليه ويقال، أمن يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم. أمن هذا يعني أشيروا لي، أمن هذا؟ أمن هذا اسم إشارة أليس كذلك؟ نقول أمن هذا، يعني أشيروا لي، من هذا الذي أيضا يرزقكم إن أمسك. سبحانه وتعالى رزقه، هو في بداية الصفحة ايش قال؟ فكلوا من رزقه. طيب إذا حرمتكم الرزق في أحد يستطيع يعطيكم الرزق؟ كأنه هذه ترجع إلى بداية الصفحة لما قال فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، هنا يقول لهم من الذي يستطيع أن يرزقكم إن منعت رزقي عنكم؟ أنتم في كل لقمة وفي كل نفس وفي كل خطوة تفتقرون إلى الله وهذا دائما ما يركز عليه القرآن في الإنسان الافتقرار. وهذا أصله الإنسان وأصله معناه كما قال شيخ الإسلام، أصل الإنسان هو ماذا؟ ليس الوجوب ولا الإمكان كما يقول الأشاعرة والمعتزلة، أصله في أن العلة الأصلية فيه هي الافتقار وليس أنه ممكن.
وليس أنه ممكن أو حادث، لا، العلة الأصلية فيه أنه فقير بالذات وهذه ذكرناها في العقيدة أيضا. يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم إن أمسك الله رزقه. وهذا على التقدير. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان. لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب. أنهم يحفظون. قاعدة اعتقادهم أنهم يعني أن كفار قريش يحفظون من خلال الأصنام من النوائب والمصائب، نعم فهمت، جيد. ويرزقون ببركة آلهتهم.
فكأنهم الجند الناصر والرازق. فلما لم يتعدوا أضرب عنهم فقال بل لجوا. بل أداة إضراب. بل أداة إضراب، لكن قبل أن ندخل في بل ما الفرق بين القول الأول والثاني؟ قال أمن يشار إليه ويقال هذا الذي يرزقكم أو الكلام أمن هذا، ايش قال الثاني؟ المعنى الثاني. ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع الأوثان، ما الفرق بين الأول والثاني أيوه؟ في البداية القول الأول أنه يتكلم عن الله. القول الثاني عن الأوثان. إن أمسك الله رزقه.
لا لكن الآية هي الفكرة أمن يشار إليه ليس لا، أه يعني على العموم القول الأول على العموم، هل هناك أحد يشار إليه ويقال أنه يرزقكم من دون الرحمن بغض النظر من هو؟ أصنام ولا أشجار ولا أحجار، والقول الثاني أه كأنه سؤال عن الأصنام، هل هذه الأصنام ترزقكم من دون الله؟ فإذا على القول الأول اسم الإشارة على كل تقدير يعني أي واحد أو أي شيء يستطيع أن يرزقكم خبرونا. القول الثاني الكلام يكون الإشارة إلى الأصنام بالتحديد، يعني هل هذه الأصنام ترزقكم من دون الله إن أمسك الله رزقه؟ فالأول القول الأول أعم والثاني أخص باختصار.
فلما لم يتعدوا أضرب عنهم فقال بل لجوا. إضراب أداته بل، أضرب عنهم كأنه ترك الالتفاتة إليهم. وأصبح الآن قبل شوي كان الكلام خطابي أليس كذلك؟ فأصبح الكلام بالغيبة. كان خطاب أصبح الآن ايش؟ غيبة، بل لجوا، دعوكم منهم، بل لجوا في عتو ونفور. في عتو استكبارا عن الحق. لجوا يعني تمادوا. كأنه دخل في لجة البحر، أي تعمقوا وتمتدوا في عتوهم. استكبارا عن الحق. ونفور. وشراد عنه لثقله عليهم فلم يتبعوه.
فلم يتبعوه، فلما جاء يوم القيامة ايش قالوا؟ قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير، فهم في الدنيا عتوهم ونفورهم أبطل دلالة العقل والسمع لديهم أو لم يوظفوا دلالة العقل والسمع، الاستكبار هو الذي يمنع كثيرا من الناس عن الانقياد للحق فتكون عاقبتهم نار جهنم، ونفور وشروده وإعراضه أيضا من أسباب عدم اتعاظه وانتفاعه بالحق فيكون مصيره نار جهنم.
أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم. هذا المثل من أجمل الأمثلة التي ضربها القرآن للفرق بين المؤمن الذي يسير في هذه الحياة الدنيا وهو يعقل أهمية الوجود وفكرة الوجود وطبيعة الحياة ويسير إلى الله بوضوح، والكافر الذي يمشي ويخبط خبط العشواء وهو في عمه كما قال سبحانه، المسلم الذي يعرف معاني القرآن يمشي ماذا؟ واضح الطريق، قال سبحانه أفمن يمشي مكبا على وجهه، هذا حال الكافر. أهدى أمن يمشي سويا مستوي. على صراط مستقيم، فهم دينه، عرف مغزى وجوده، فالتزم، إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، من الصائب فيهم؟ من الذي على هداية؟ من الذي شرح الله صدره للإيمان؟ هل هذا المكب على وجهه الذي يمشي كأنه يخبط خبط العشواء ولا يرى أمامه؟ تخيل إنسان مكب على وجهه، بالله عليك كيف يكون سيره؟ يذهب يمينا وشمالا ولا يمشي على صراط مستقيم، أما الذي يرفع رأسه هكذا منتصب القامة يرى أمامه يكون سيره على ماذا؟ على اهتداء أليس كذلك؟ فرق بين من يمشي هكذا وبين من يمشي هكذا. في هذه الحياة، هذا مثل المؤمن والكافر، المؤمن عرف الغاية فسار إليها، والكافر يتبع شهواته، فهو كالمكب على وجهه. تأخذه دابته يمينا تارة وشمالا أخرى مع أهوائه وشهواته.
ثم ضرب مثلا للكافرين والمؤمنين فقال أفمن يمشي مكبا على وجهه. أي ساقطا على وجهه يعثر كل ساعة ويتعثر في مسيره لأنه هو ليس منتصب القامة لا يرى أمامه يعثر كل ساعة ويمشي معتسفا مُعتسفاً أي لا يدري أين يذهب مُعتسفاً هو الذي لا يعرف أين يذهب وخبر من أهدى. إذاً من يمشي أهدى أهدى خبر لمن التي في أول الآية من يمشي مكباً على وجهه أهدى ولا طبعاً هي جملة إستفهامية إستنكارية بالتأكيد ليس هو أهدى أرشد فأكب مطاوع كبه يقال كببته فأكب مطاوع كبه أمن يمشي سوياً مستوياً منتصباً سالماً من العثور والخرور على صراط مستقيم مستوياً منتصباً منتصب القامة على صراط مستقيم على طريق مستو.
إذاً هو جمع بين أمرين المؤمن أنه ماذا أنه يمشي منتصب القامة وعلى طريق ماذا واضح وهو طريق الدين والإسلام فجمع بين الخصلتين أنه هو منتصب والطريق واضح فالسعادة في النهاية أنه ممكن الواحد يكون منتصب بس ما شاف طريق برضه مش واضح برضه ما لم ينتج، لا أنت منتصب القامة والصراط مستقيم فالنهاية بإذن الله سعيدة وستصل إلى المقصود الصراط المستقيم وطريق واضح وواسع يسع كل أهل الإيمان ويوصلهم إلى الله سبحانه وتعالى بأمان.
وخبر من محذوف لدلالة أهدى عليه وعن الكلبي عني بالمكب وأما إذاً الجملة الأولى فيها مبتدأ وخبر الجملة الثانية وهي أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم الخبر فيها محذوف التقدير أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم أهدى حذف أهدى من الجملة الثانية لوجودها في الجملة الأولى. وعن الكلبي عني بالمكب أبو جهل وبالسوي النبي صلى الله عليه وسلم وحقيقة هذا تفسير من نوع وإلا كل مؤمن فهو سوي وكل كافر فهو مكب الأمر لا يتعلق بأبي جهل فقط.
قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون. ذكر الله عز وجل البشرية جمعاء والكفار خصوصاً أن الله أنشأكم وأخرجكم من الأرض ومنحكم أدوات التفكير لأنه دائماً يركز على هذه الثلاثة منحكم الأفئدة اللي هي العقول الموجودة في القلوب ومنحكم السمع والأبصار هذه لتهتدوا بها على الله ففوظفتموها في غير مراد الله سبحانه وتعالى فكان مصداق قوله قليلاً ما تشكرون منحتكم هذه الأدوات لتقودكم إلى الله فاستعملتموها في أهوائكم وصد عن دين الله وهذا ليس شكراً على النعم الذي يشكر الله على نعمه هو الذي يستعمل الأدوات فيما خلقها الله سبحانه وتعالى من أجلها.
قل هو الذي أنشأكم خلقكم ابتداءً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة خصها لأنها آلات العلم والله منحنا كل شيء لماذا ذكر هذه الثلاثة لأنها أدوات المعرفة فالسمع والأبصار هما المدخلان كما قال ابن الجوزي مدخلان إلى العقل والقوة المفكرة. قليلاً ما تشكرون هذه النعم لأنكم تشركون بالله ولا تخلصون له العبادة فمن شكر الله على هذه الأدوات أن تستعملها فيما خلقت له والمعنى تشكرون شكراً قليلاً وما زائدة وقيل القلة عبارة عن العدم البعض قال أن الكفار لا يشكرون بوجه من الوجوه فلماذا قال قليلاً ما تشكرون لكن يمكن نقول أن الخطاب أعم من الكفار وخطاب للبشرية جمعاء باعتبار أن أهل الإيمان فيهم أقل في العادة من أهل الكفر فيكون المراد بالقليل أهل الإيمان الذين يدخلون في الإسلام أو الكفار الذين يسلمون بعد ذلك هؤلاء هم القلة أما الكافر ما دام أشرك بالله فهو لم يشكر انتهى.
قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون. ذرأكم قال خلقكم وهي تحتمل أيضاً معنى نشركم الانتشار يعني الخلق مع الانتشار والبث ذرأكم في الأرض یعنی بثكم ونشركم وخلقكم فهو ليس فقط الخلق خلق مع انتشار وبث وتوزيع هكذا تشعر بمعنى الكلمة.
قل هو الذي ذرأكم خلقكم في الأرض وإليه تحشرون. قريبة من كلوا من رزقه وإليه النشور اللي هي الرحلة القصيرة يعني بقولك في النهاية إيش هي الحياة ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون هذه قصة الحياة قصة الحياة في آية واحدة ذرأكم في الأرض وإليه ماذا تحشرون يعني أنت بثثت في الأرض ستعيش فترة ثم ستنتقل إلى الله سبحانه وتعالى التركيز دائماً أن الدنيا ليست دار قرار وإنما دار سفر.
ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. الآن سيعالج الله عز وجل مع كفار قريش هذه المسألة مع كفار عموماً ويقولون متى هذا الوعد سواء الانتصار عليهم في الدنيا أو متى موعد يوم القيامة متى هذا الوعد. ويقولون أي الكافرون للمؤمنين استهزاءً العذاب الدنيوي الذي توعدهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون أي الكافرون للمؤمنين استهزاءً متى هذا الوعد الذي تعدوننا به يعني العذاب سواء العذاب في الدنيا أو في الآخرة خلينا نقولها على عمومها إن كنتم صادقين في كونه فأعلمونا يعني في وجوده فأعلمونا زمانه متى سيأتي يوم القيامة أو متى سيحل بنا عذاب الله استهزاء وتهكم.
قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين. الجواب هذا ليس عندنا نحن نتوقف هنا أنذرناكم حذرناكم وأما علم هذه المواعيد فهو عند الله وفي علم الله سبحانه وإنما وظيفتنا البلاغ أن نوصل الرسائل الإلهية وأما متى يأتيكم العذاب يمكن أن ندركه نحن يمكن أن تدركه الأجيال اللاحقة.
والله أعلم ليس من شأننا أن نستعجل عذاب الله، فالله أعلم متى يأتي عذابه وأين يحل هذا العذاب. وإنما النبي صلى الله عليه وسلم يقول على لسانه -وهي على لسان كل داعية إلى يوم القيامة-: نحن نذير، نحن منذرون ومبشرون، وليس من شأننا أن نستجلب العذاب للناس.
نعم، قل إنما العلم -أي علم وقت العذاب- عند الله، وإنما أنا نذير مخوف مبين، أبين لكم الشرائع. إذاً نذير مبين، وظيفة الداعية إلى يوم القيامة أنه نذير مبين؛ نذير ينذر الناس ويخوفهم، ومبين يعلمهم أمور دينهم، هذه وظيفة الداعية في هذه الحياة.
فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون.
نعم لما تفاجأوا بالعذاب أصبح أمامهم، هم كانوا قبل قليل ماذا؟ يستهزئون به. فلما رأوه زلفة؛ أي لما رأوا العذاب قريباً منهم يريد أن يبتلعهم ويأخذهم، سواء عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، اللي هي لحظة الدهشة برؤية العذاب. الله ينقلك إليها، ينقلك إلى لحظة دهشتهم لما رأوا العذاب في الدنيا أو في الآخرة وصدموا، إيه هذا العذاب كنا نستهزئ به، سترونه سترونه، لا تستعجلوا.
نعم فلما رأوه زلفة؛ يعني قريباً اقترب منهم وأصبح بين أعينهم أو ينظرون إليه. نعم فلما رأوه -أي الوعد يعني العذاب الموعود- زلفة قريباً منهم وانتصابها على الحال. سيئت وجوه الذين كفروا؛ أي ساءت رؤية الوعد وجوههم، طبعاً تغيرت وجوههم اصفرت واسودت وتغير كل شيء، لأنهم عرفوا أنهم خدعوا أنفسهم وكانوا يستعجلون ويستهزئون بشيء ظهرت له حقيقة وواقع.
بأن علت الكآبة والمساءة وغشيتها القترة والسواد، وقيل هذا الذي... القائلون الزبانية، الزبانية يعني إذا قلنا أنه عذاب النار فسيكون الزبانية الذين ذكروا في الصفحة الأولى، سيقولون لهم هذا الذي كنتم به تدعون، أو الله هو الذي يقول لهم ذلك.
نعم هذا الذي كنتم تدعون؛ إيش يعني تدعون؟ أنكم لا تبعثون، تدعون أن كلام محمد صلى الله عليه وسلم كذب، تدعون أن كل هذه الترهات، ها أنتم ترونها أمامكم. نعم كنتم به تدعون تفتعلون من الدعاء؛ أي تسألون تعجيله، يعني تدعون على وزن تفتعلون من الدعاء أصلها مأخوذة من ماذا؟ من الدعاء جيد، أي تسألون تعجيله، هذا معنى تدعون.
ما معنى ادعى؟ أي سأل تعجيله، تفضل يلا يلا بس حتى نخلص المقطع إن شاء الله.
نعم وتقولون ائتنا بما تعدنا، أو هو من الدعوة أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون. إذاً تدعون هناك احتمالان لها، الاحتمال الأول أنها مأخوذة من الدعاء أي تدعون أي تسألون تعجيله وتقولون ائتنا بما تعدنا، أو تكون تدعون مأخوذة من إيش؟ من الدعوة أي كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون. إذاً هو إما من الدعوة أي تدعي أنت أنك لن تبعث، أو من الدعاء يعني بمعنى الطلب، تطلب قروب الشيء أو حصوله.
نعم وقرأ يعقوب تدعون نعم يعني يعقوب قرأها: وقيل هذا الذي كنتم به تدعون، وليست تدعون على قراءة المشروعة.
نعم قل أكمل أكمل، هو بقي ثلاث آيات: قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم.
باختصار في مسيرة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يمكن يموت الداعية، يمكن يقتل، يمكن يستشهد، يقتل هو وكل من معه، ولن يضعفهم أنهم قتلوا، ولا يؤذيهم أنهم قتلوا في سبيل الله. قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا؛ يعني في مسيرة الدعوة إلى الله يمكن ننتصر ويمكن أن نستشهد فيقتل أو يغلب، لكن نحن سنذهب إلى الله على وضوح وعلى بينة. بس أنتم المشكلة فيكم، من سيجيركم من عذاب أليم؟ نحن إذا ذهبنا إلى الله فالجنة تنتظرنا وإذا انتصرنا في الدنيا فنحن على خير، لكن المشكلة أنتم إذا متم من سيحميكم من عذاب جهنم؟
هذه آية محورية في الصراع بين الحق والباطل: إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا كله خير، إن متنا فنحن إلى خير انتقلنا إلى الله، وإذا بقينا فنحن في طاعة الله ونجاهد في سبيل الله، فنحن لسنا قلقين من مصيرنا، أنتم من يجب عليه أن يقلق من مصيره.
نعم قل أرأيتم إن أهلكني الله أي أماتني كقوله: إن امرؤ هلك، ومن معي من الأصحاب أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجير ينجي الكافرين من عذاب أليم مؤلم.
نعم كان كفار مكة يدعون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بالهلاك، فأمر بأن يقول لهم نحن مؤمنون متربصون لإحدى الحسنيين؛ إما النصر وإما الشهادة، نعم إما أن نهلك كما تتمنون -إما أن نهلك هلك يهلك أن نهلك كما تتمنون- فنننقلب إلى الجنة، أو نرحم بالنصرة عليكم كما نرجو.
نعم فأنتم ما تصنعون؟ من يجيركم وأنتم كافرون؟ لا يخشى من هذا الطريق، من طريق الصدق إلى الله، لأنه في كلا الحسنيين على خير. الكافر هو الذي يخاف ويفزع، وأنتم تلاحظون دائماً في الصراعات المؤمن يقاتل بشجاعة وبسالة إلى آخر لحظة لا يخشى من شيء، وأما الكافر فيبول على نفسه، أظنكم ترون اليهود كيف يبولون على أنفسهم اليوم في المعارك، لأنه وترجون من الله ما لا يرجون، يترجون من الله ما لا يرجون، إي والله.
نعم من يجيركم وأنتم كافرون من عذاب النار؟ لا بد لكم منه.
نعم قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا، يعني هذه الخلاصة الخلاصة في قصة سورة تبارك، قل هو الرحمن قل لهم في النهاية هو الرحمن، إحنا آمنا به واعتقدناه رباً وإلهاً وعليه توكلنا، أنتم ما دمتم اخترتم الطريق الخاطئ ستدفعون الثمن. هذه هي خلاصة حياة المؤمن، هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا، هذه قصة الإنسان مؤمن بالله متوكل على الله في كل خطوة من خطوات مسيره في هذه الحياة حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى.
شوف الثقة، شوف الطمأنينة، هذا هو الأمان المطلوب، مش قلنا قبل شوي في أمان مطلوب؟ هذا هو الأمان؛ الأمان أنك تقول بكل ثقة: قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا، فأنا مطمئن بربي آمن به، وأما أنت الذي في قلقك وفي خوفك وفي رعبك وفي اضطرابك أنه لا يوجد شيء تتكل عليه ولا تلتجئ إليه.
نعم فستعلمون إذا نزل بكم العذاب وبالياء: فسيعدلون من هو في ضلال مبين. ستكتشفون يوم القيامة مين اللي كان ماشي صحيح، ومن الذي كان يضحك على نفسه.
نعم قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً، شوف قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً انتهت السورة بما ابتدأت به السورة، ابتدأت: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، وختمت بدلالة من دلالات هذا الملك وهذه القدرة: وأرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين؟
شوف حتى هو في أكثر من موطن في السورة: ألم تروا ألم تروا، ويتكلم عن الطير، انظروا واعتبروا تذكروا أن الله سبحانه هو الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً، لماذا ذكر الماء بالتحديد؟ الماء عصب الحياة أيها الإخوة، الماء عصب الحياة كل شيء الله قادر أن يذهبه، لكنه ذكر الماء لأنه لا تقوم الحياة إلا به، تخيلوا أن الله أذهب الماء الذي تشربونه، من سيعطيكم نقطة الماء، نقطة الحياة؟ حتى نقطة الحياة ستحرمونها، فعلى الإنسان ما دمت تعلم أن نقطة الحياة من الله، إذاً عليك أن تعلم أن نهاية الحياة يجب تكون إلى الله سبحانه وتعالى.
نعم قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً غائراً ذاهب في الأرض، يعني نزل في الأرض وغار وما عاد يستطيع أحد أن يصل إليه. نعم لا تناله الدلاء، يعني لا تستطيع أن تأتي بدلو تخرج من باطن الأرض وهو وصف بالمصدر، نعم غوراً وصف لماء، وهو ما قال ماؤكم غائراً الأصل أن يقول أرأيتم إن أصبح ماؤكم غائراً حتى يكون النعت مشتقاً، لكن قال ماؤكم غوراً فجعل النعت مصدراً، وهذا على خلاف الأصل، لكنه يجوز في العربية وتؤول غوراً بمعنى غائر.
نعم كعدل بمعنى عادل، كما تقول عدل ومعناها تقول رجل عدل وتقصد أنه عادل.
نعم فمن يأتيكم بماء معين؟ الماء المعين هو الماء الذي يرى بالعين، الماء المعين ما معنى معين؟ يعني يرى بالعين ظاهر على الأرض، هو قال أرأيتم إن أصبح ماؤكم تحت الأرض لا تصل إليه الدلاء، من يأتيكم بماء يرى بالعين وتستطيعون الوصول إليه والشرب منه؟ الله جل في علاه جار يصل إليه من أراده.
وتليت عند ملحد فقال: يأتي بالمعول والمعين فذهب ماء عينيه في تلك الليلة؛ يعني يتلاعب بالنص، يقول ملحد سمع هذه الآية فقال: من يأتيكم بماء معين؟ قال: أنا آتي بمعول ومعين وأستخرج الماء من الأرض، يعني يستهزئ بالآية، يعني إذا أصبح ماؤكم غوراً قال ما في مشكلة أنا آتي برجل بمعول يعني مجرفة وشخص يعينني وأنا أستخرج الماء. قال: فذهب ماء عينيه يعني ذهب بصره في تلك الليلة وعمي، وهذه قصة يعني ليست هي موطن الشاهد، يعني لا تهمنا هنا في هذا السياق، لكن الفكرة إذا ختم الله عز وجل بإخبار عصب الحياة إذا حرمتموه لا تستطيعون الوصول إليه فحرياً بكم أيها البشرية أن تخضعوا لهذا الإله الذي يعطيك.
إذاً قوت القلوب وحياة القلوب وهي وهو الالتزام والإسلام والإقبال على هذا الدين والتمسك بمنهج الله سبحانه وتعالى. هذه سورة تبارك حقيقة سورة جميلة وفيها الكثير من المعاني العظيمة وتؤسس لأفكار في حياة المؤمن، لذلك طلب من الإنسان أن يقرأها في كل ليلة قبل أن ينام حتى تبقى هذه الأفكار ظاهرة: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وأن ينفعنا وأن يرزقنا الهداية والبصيرة والاستقامة حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يلا بسم الله.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل