دخولتسجيل الدخول

المجلس الثامن والأربعون - سورة الملك

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد في تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى. وما زال حديثنا قائماً، أو سنشرع دعونا نقول اليوم بإذن الله، في الجزء التاسع والعشرين، في تفسير سورة تبارك. وحقيقة أيها الكرام، مما ينبغي أن يُعرف أن أكثر ما يحجب الإنسان عن معاني القرآن هي الذنوب والمعاصي. إن أكثر ما يحجب الإنسان عن التأثر بمعاني القرآن والعيش معها والشعور بقيمتها، هي تراكم الذنوب والمعاصي في حياته. فإذا أذنبت ذنباً، فاعرف أن هذا الذنب من آثاره أن يُحجب عن فهم القرآن والحياة معه. إن بعض الناس يظن أن عقوبات الذنوب يجب أن تكون حسية؛ لا، أحياناً من أسوء عقوبات الذنوب -ولكن للأسف قل من ينتبه لذلك- أن تُحجب عن معاني القرآن.

لذلك سفيان بن عيينة لما قال: كنت أُوتيت فهماً في القرآن، فلما قَبِلتُ الصُّرَّة حُرِمته. يعني هو قَبِل صرة من أحد سلاطين زمانه، وهو سفيان بن عيينة العالم المحدث الكبير، كان الله أعطاه فهماً في القرآن. لاحظ طبعاً ملاحظة السلف لمشاكل الحياة الإيمانية عندهم، وهذا يعجبني في سفيان بن عيينة وحياة السلف عموماً، أنه يلاحظ الضعف الإيماني الذي يحدث معه. نحن ربما نُحرم من كثير من الطاعات؛ من قيام الليل، من الذكر، من المحافظة على سنة الفجر، من المحافظة على جلسة الشروق، من المحافظة على كثير من الأمور، نُحرم منها ولا نُكل ذلك إلى ذنوبنا، ولا نبدأ نفتش لماذا حرمني الله من هذه الطاعة مع أنني كنت مقيماً عليها؟ لماذا والله كنت أقرأ جزءاً يومياً في القرآن، لماذا حُرِمت منه؟

الآن كثير منا يحاول أن يلقي اللوم على تبعات الحياة وهموم الوقت، لكن الحقيقة ليس الأمر هكذا، إنما هي معاصينا التي بسببها يزاحم الله عز وجل الحياة علينا، ونفقد بركة الأوقات. فسفيان أصابه، لاحظ أنه كان أُوتي فهماً فحُجِب عنه بسبب ماذا؟ صرة من أموال السلاطين. يعني ربما أحدنا لا يحسبها ذنباً، وهو راها هي الذنب، فتش فتش فرآها هي الذنب. وهذا بالتالي يقودنا إلى الفكرة التي أتكلم عنها الآن، وهي أننا بسبب كثرة الذنوب والمعاصي التي نفعلها ليلاً ونهاراً، وإطلاق النظر وإطلاق الفكر فيما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، هذا يسبب لنا ضعفاً في البصيرَة وضعفاً في التأثر.

فآيات القرآن التي نقراها، ونجد السلف رضوان الله تعالى عليهم يتلذذون وهم يقبضونها ويتلونها آناء الليل والنهار، ربما أنت تقراها وتراها شيئاً واضحاً بينًا ولا تشعر بذلك التأثر الذي يشعر به الأئمة والعلماء. وهذا الذي تستغربه من نفسك؛ هذا العالم الذي هو أعمق مني علماً وفهماً ونظراً، لماذا يتاثر بهذه الآية لهذه الدرجة، وأنا طالب العلم المبتدئ الناشئ أراها آية واضحة مفهومة ولا تحدث في قلبي شيئاً؟ لأنك -وهذا هو جوابي- لم تفهمها بعد؛ أنت فهمت السطح لكنك لم تفهم اللب. السلف لما كانوا يتاثرون لأنهم يعرفون ما ابعاد النص ووراء النص كما يقولون؛ ماذا يريد الله سبحانه وتعالى أن يوصل لي من هذه الآيات؟

فأنت أو أنا لضعف بصائرنا وكثرة معاصينا نرى المعاني العامة، لكننا لا نفهم أبعادها وما الرسائل التي تحملها. هم كانوا يدركون ذلك لأن بصائرهم نقية ولأن نفوسهم سوية، فنفذت هذه البصائر إلى عمق الآيات، فشعروا معها بالإيمان والسكينة. أصبحت الآية عندما تاتي إلى قلب أحدهم تزيده إيماناً، أليس كذلك؟ لكننا لما نقراها نحن لا نشعر بالزيادة الإيمانية. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: 2]. إذاً، الأصل أن الآية إذا وردت على القلب أن تزيد إيمان القلب، هذا مصداق كلام ربنا سبحانه.

طيب، لماذا نحن ترد علينا آية تلو آية ولا تزيدنا إيماناً؟ إذاً في مشكلة هنا، في مشكلة يجب أن تفتش عنها في داخلك. والمشكله أنا أخبرتك بها يرحمك الله، هي مشكلة الذنوب والمعاصي. يعني قلب مهيا ونظيف ونقي إذا جاءته آيات القرآن لابد أن يزداد إيماناً، فاذا لم يزدد إيماناً عليه أن يفتش في معصيته، في غفلته، في سهوه عن الله سبحانه وتعالى، حتى يبدأ ينفض هذا الغبار عن القلب ليعود لهذا القلب إيمانه، ليتجدد فيه ارتباطه بالله سبحانه وتعالى. هذا التجديد هو الذي سيجعل للقرآن، أو يعيد القرآن إلى المنزلة التي ينبغي أن تكون أو أن يكون فيها في حياة الإنسان.

هذه قضية مهمة جداً إخواني الكرام؛ لأن كثير من الناس ربما يقول لك: يا شيخ، أنا أحضر مجالس التفسير وأسمع لي كذا وكذا، لكن حقيقة لا أشعر بالتغيير، لا أشعر أن القرآن يصلحني، لا أشعر بلذة تفسير القرآن، لا أتذذ، لا استمتع وأنا أقرأ القرآن، أحياناً ربما أقرأه لأنه خلص ورد يعني عندي شيء من الخير وأشعر أنني لازم أراجع القرآن، أو أنا طالب علم لا يصلح في حالي أن لا يكون له ورد، لكن حقيقة حقيقة أنا غير مستمتع، أنا غير متلذذ، أنا لا أشعر بقيمة هذا الشيء في حياتي. هي مشكلة الذنوب والمعاصي، ليس لها حل ابتداءً أو ليس لها دواء ابتداءً إلا هذا الداء.

نعم، قد يكون ضعف التدبر وقله التركيز في الآيات سبباً، لكنني أجعله سبباً ثانياً في هذه المشكله، لكن السبب الأول هناك ذنوب ومعاصي وأخطاء في حياتك، وكلنا ذاك الرجل، علينا أن نفتش عنها وننظر فيها ونسعى أن نبعدها. بعد ذلك ستجد لذة القرآن وأثر القرآن. لاحظ نفسك في اليوم الذي تكون فيه عباده مكثفه ولا يوجد فيه ذنوب ومعاصي كيف تشعر بإشراق النفس وتقبلها لحضور مجالس العلم، وذاك اليوم الذي ختمته بمعصية وبدأت بمعصية كيف عندما تاتي إلى مجلس العلم تكون مثقلاً مهموماً مغموماً ضيق الصدر حتى ربما تاتي رفعة عتب على النفس، فقط حتى لا يكون هناك تسلسل في التقصير. وهذا جيد، مرحله معين كلنا يحتاج ذلك، لكن هي فكره راقب نفسك، راقب الشعور الإيماني والسعادة لديك في اليوم الذي لا معصية فيه وفي اليوم الذي فيه معصية، ستجد اختلافاً هائلاً في طريقه تعاملك مع الإيمانيات.

كما قلنا سنشرع اليوم بإذن الله، معذرةً، سنشرع اليوم بإذن الله في تفسير سورة تبارك، وهي سورة عظيمة، وهي بداية الجزء التاسع والعشرين. هذا الجزء الذي هو كله مكي؛ الجزء التاسع والعشرون كله جزء مكي، أي سورة نزلت قبل الهجرة. إذاً المفروض في هذه السور أن تتحدث عن ماذا؟ عن بناء قواعد الإيمان، هذه طبيعة القرآن المكي. القرآن أو الآيات المكية تتكلم عن بناء قواعد الإيمان وتأسيس الرؤية العامة. لذلك في جزء تبارك لن تجد الكلام عن تفاصيل أحكام فقهية في الطلاق والنكاح أو البيوع أو الديون أو أحكام حتى الجهاد لا، ستجد أحكام أو مسائل تتكلم عن بناء الإيمان في النفس البشرية، هذا موضوع جزء تبارك وجزء عم.

شوف، جزء المجادله لاحظنا أن في تنوع، في صور كثيرة كانت ماذا؟ بل أغلب السور فعليا كانت مدنية؛ المجادله مدنية، الحشر مدنية، الممتحنة مدنية، الصف ماشي فيها آراء ولكن الأظهر أنها مدنية خاصة تتكلم عن الجهاد، وهذا موضوع نزل في المدينة. سورة الجمعة مدنية، سورة المنافقون؛ جزء المجادله كان يغلب عليه الخطاب المدني. لا، الآن ستجد أنك في لون آخر من الطرح القراني في جزء تبارك. ستجد القرآن هنا لا يتكلم عن المنافقين مثلاً، ستجد أن موضوع اليهود في العادة غير موجود، ستجد أننا نتكلم عن بناء العقائد الإيمانية في سورة تبارك، في سورة القلم، في سورة الحاقة، في سورة المعارج.

وستجد أن موضوع الدار الآخرة هو الموضوع أو السمَة البارزة في جزء تبارك؛ موضوع الدار الآخرة وتأسيس هذه العقيدة، وأن النظر إليها هو أهم نظر ينبغي أن لا يغفل عنه المسلم، التركيز عليه. فستجد مشاهد الجنة والنار والحساب وما يتعلق بها، ومشاهد الناس في ساحات الحساب وعرصات القيامة وكيف يتخلى المرء عن أبيه، وهذا يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19]. كل هذا ستقرا، فتجد كأن هذين الجزئين الأخيرين لبناء العقائد الإيمانية، لبناء العقائد الإيمانية من البداية.

وهذان الجزئان، وإن كان آخر ما في المصحف ترتيباً، لكنه من أوائل ما نزل على الصحابه بناءً. يعني هو صحيح آخر ما تجده في المصحف عندما تقرا، صحيح، لكنه من حيث الترتيب الزمني هو الذي نزل قبل سورة البقرة وآل عمران وغيره من السور، لأن هذا البناء والنبي صلى الله عليه وسلم في بداية البعثة ركز على بناء الإيمان في قلوب الصحابة، فكان جزء تبارك وجزء عم أكثر السور التي نزلت. بل حتى قيل أن سورة المدثر هي أول سورة نزلت، وقع خلاف وإن كان الصحيح أن سورة العلق، لكن سورة المدثر، سورة المزمل، كل هذه السور من أوائل أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم.

فإذاً عليك أن تتخيل هذا معي، أن هذه الاجزاء هي الاجزاء التي نزلت زمنياً قبل الاجزاء التي مرت معنا أو سبق لنا مدارسته. إذاً هذه التي ينبغي أن تقدم في التعلم، إذا كنت تعلم الناس القرآن أو تفهم الناس القرآن، فالأصل حقيقه أن يبدأ بتعلم الاجزاء الأخيرة؛ لأنه هي التي تؤسس. أرى ليس ليس من الصحيح أن تبدأ تفسر البقرة، لذلك أنا ما اخترت أن أفسر البقرة في تفسير النسفي، لأني أعلم أن سورة البقرة من حيث المواضيع والمعالجات هي معالجة متقدمة أصلاً، وإنما الأصل نبدأ بالمعالجات العقدية التي في العادة المفصل هو الذي يركز عليها؛ من الحجرات إلى الناس، ويركز على المعالجات الإيمانية والسلوكية.

فلذلك أيها الكرام، هذه تصور عام عن جزء تبارك. الآن، أي سورة من سور هذا الجزء العظيم سورة الملك، التي تسمى المنجية، وهي التي سَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قراءتها كل ليلة قبل النوم. من السور التي يسن قراءتها كل ليلة قبل أن تضع راسك لتنام، يسن قراءة سورة ماذا؟ الملك. وتسمى كما قلنا المنجية؛ لأنه ورد من الآثار أنها تنجي من عذاب القبر. المداومة على قراءتها كل ليلة قبل النوم ينجي من عذاب القبر، هذا بالتاكيد يدل على أن فيها مزية، أليس كذلك؟ يعني فيها معالجة معينه مهمة جداً أن تبقى مستحضرة في ذهن الإنسان، أن تبقى مستحضرة في ذهن الإنسان كل ليلة قبل أن ينام.

سورة الملك أيها الكرام تركز على هدف الوجود الكوني والنساني، باختصار سورة الملك تركز على هدف الوجود الكوني عموماً والنساني خصوصاً، وما مصائر الناس بعد ذلك، وما مصائر الناس بعد ذلك، وتؤكد مركزية الإله سبحانه وتعالى في هذا الكون. هذه الأطياف العامة التي تدندن حولها السورة؛ مركزية الإله والهدف من الوجود. وهاتان القضيتان هم أعظم قضايا الوجود الإنساني أو أهم ما ينبغي أن يشغل الإنسان في حياته، هو أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى أولاً وقبل كل شيء رباً وإلهاً معبوداً، ويعرف الغاية من وجودي أنا كإنسان في هذه الحياة.

فسورة الملك تذكرك بهذا في مطلعها: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 1-2]. في مطلع هذه السورة خلاصة هاتين الجزئيتين: مركزية الإله ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والملك والقدرة أعظم صفات الإله سبحانه وتعالى، وهدف الوجود الإنساني: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ -شوف، موت وحياة، قصة الكون، الهدف- ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. هاتان الآيتان تختصر آلاف النصوص والكتب التي أنت تقرأها من هذا في الوجود والغاية ومركزية الإله وعلاقة الإنسان وفلسفة، كل هذا اختصره الله سبحانه وتعالى لك في آيتين في مطلع هذه السورة المباركة.

فاذاً هذه السورة بدايتها مهمة جداً ومحورية، وهي تركز وجود الإله أنه هو الأساس، هو الخالق، هو المصدر، ومنه يبعث كل شكل من أشكال الموت وكل شكل من أشكال الحياة مصدره الله، الله هو الذي يحرك كل شيء. ما قال مثلاً هنا الذي خلق السماوات والأرض، ما قال الذي خلق، خلق الموت والحياة؛ كل حياة وكل حركة وكل نفس الله سبحانه وتعالى أوجده وكل ثناء. هذه القضية اللي احنا دائماً بنقول إنها معروفة لدينا، لكن الحقيقة لا نتمثل بها أنا واياكم: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.

فنرجع بنقول: الزواج ووظائف العمل والراتب وعلاقاتك الاجتماعية وكل هذا يجب أن يخدم هذا الأصل العام: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. لأننا في واقعنا لا نفعل ذلك؛ نعطي كثير من الأمور الدنيوية مساحة أكبر من المساحة التي يجب أن تكون. فانت تعطي الراتب والوظيفة والحياة الجامعية والشغل والزواج والشهوات والملذات أنت عم تعطيها الأساس، والعبودية التي ينبغي أن تكون هي الأساس أنت عم تعطيها فلتة الوقت. جزاك الله خيراً إذا حضرت درس علم، جزاك الله خيراً إذا قرأت وردك من القرآن وتَمُنُّ به على الله؛ يعني يا رب والله لحين عملت كذا. لا، أنت إذا أنت فاهم الموضوع بطريقه أنه منيح مني اللي بيطلع مني خمس صلوات، منيح مني إني هاي بصلي؛ لا، هو مش منيح منك، هو واجب عليك. أنت لا تمن على الله ولا على أحد في أهل الإسلام أنك على الاستقامة، بل هو هدف وجودك أصلاً أن تكون إنساناً مستقيماً، وخروجك عن الاستقامة هو خروجك عن مقصد الوجود الإنساني، هو خروجك عن مقصد الوجود.

الإنساني، لذلك سنجد في هذه السورة أن الله يهدد الذين خرجوا عن مقصد الوجود الإنساني بالعذاب السعير. لذلك الصفحة الأولى من سورة تبارك سنجد كلمات شديدة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 8-10]. فالذين خرجوا عن غاية الوجود وهدفه، الله سبحانه وتعالى أنذرهم إنذاراً شديداً في الصفحة الأولى من سورة تبارك، وبين كيف سيكون حالهم في نار جهنم عندما تخاطبهم الملائكة: أنه انتم ايش مشكلتكم، لماذا دخلتم النار، ألم يأتكم نذير، ما كان في انذار وصلكم القوارع والزواجر؟ قالوا بلى، لكننا ايش لم نتبع الأدلة السمعية والعقلية (لو كنا نسمع أو نعقل)، يعني لا احنا اتبعنا الآثار والكتاب والسنة نسمع، ولا احنا فكرنا بشكل صحيح في الحياة أو نعقل، وإنما اتبعنا ماذا: الهوى والشهوات والملذات. فأثرنا أن نعيش الحياة الدنيا كما نحن نريد، وليس كما يريد الذي خلق الموت والحياه. لما اختاروا أن يعيشوا الحياة الدنيا كما هم يريدون وليس كما أراد الذي خلق الموت والحياة، عندئذ كانت جهنم هي المصير الذي ينتظر.

فالقرآن يؤسس -لاحظوا كيف سورة تبارك تؤسس- تؤسس لفكرة عامة مهمة: أنه أنت أيها الإنسان لما تسير في هذا الكون، عليك أن تسير وفق الرؤية التي يريد الذي خلق الموت والحياة أن تسير عليها، وليس كما تريد أنت أن تعيشها. وهذا هو صلب العبودية، هذه قصة العبودية، أنا عندما أسير، أسير كما يريد الله لي أن أعيش كإنسان، وليس كما أنا أريد أن أعيش، والا كيف ستكون عبداً إذا كنت أنت تختار أن تعيش الحياة كما تريد؟ إذا أنت لست متحققاً بمقام العبودية، أنت ترى نفسك أنك أنت الملك، والله ايش يقول لك: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، هو الملك، شوف كيف السورة تعطيك ها المعاني باسلوبها اللطيف: الله هو الملك، وبالتالي وهو صاحب الملك، وبالتالي هو الذي يحدد كيف ستعيش الحياة، وليس أنت، وليس رغبتك كيف تكون الحياة؛ أنت تريد شهوات، تريد معاصي، تريد علاقات محرمة، تريد تريد تريد، هذا ليس اختيارك، أنت عبد للملك القدير، وهو خلقك: ﴿ليبلوكم أيُّكم أحسن عملاً﴾. ثم أخبرك في الصفحة الأولى مباشرة -يعني لم يؤخر الموضوع- في حال أنك لم تتبع مراده ماذا سيكون المصير، واتبع ذلك طبعا ببيان مظاهر قدرته وملكه، لأن كل السورة بعد ذلك: الرزق، أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض، كل هذا التهديد والوعيد كله ينبثق من صفة الملك القدير، لذلك كان لابد من بداية السورة باسم الملك وباسم القدير: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو علىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. هو إذا سيفعل ما يشاء في الدنيا وفي الآخرة، وهو الذي يقرر ما يشاء في الدنيا وفي الآخرة، وأنا وأنتم إنما نحن عبيد في صفحة هذا الكون، إنما نحن عبيد في صفحة هذا الوجود.

أن تؤسس قلبك على هذه العقide هذا أهم شيء، يعني من اقتنع بهذا الكلام والتزم به سعد، وكل الأحكام الأخرى التشريعية التفصيلية هي مبنيه على فهمك لمبدا العبودية: هناك إله خلق الكون وطلب مني كذا، وبالتالي كل ما سياتي في سور القرآن من الأوامر والنواهي هو أجزاء تفصيلية من النظرة الكلية العامة التي يجب أو الأصل أنها رسخت في نفسي أنني عبد لهذا الإله، وكل أوامري ونواهيه يجب أن ألتزمها قدر المستطاع، وكلما خرجت عن السكة علي أن أتوب سريعاً حتى لا أقع في العذاب الشديد. هذه إذاً قصة سورة الملك، وسنعيش إن شاء الله في أفيائها رويداً رويداً مع العلامة النسفي عليه رحمة الله، ونقف على المعاني الجزئية التي تضمنتها بأسلوب القرآن البديع. نسأل الله أن يفهمنا وأن يعلمنا وأن لا يحرمنا الفهم بذنوبنا ومعاصينا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين وللمسلمين، آمين. اعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو علىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وأقرأ الآية الثانية: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.

تمام، إذاً كما قلنا، هذا المطلع المهيب لسورة تبارك بدأ بتبارك، وتبارك معناها تعاظم، تبارك بمعنى تعاظم وجل شأنه. تبارك ما قال هنا، لم يختر لفظ الجلالة الله، ما قال تبارك الله -وإن كانت في سياقات أخرى وردت: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾- لكن هنا اختار اسمين أو صففتين من صفاته عليهما تقوم جسد السورة كما يقولون، جسد هذه السورة يقوم على هذين العنصرين، قال: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، وهذه صفة من صفات الله سبحانه وتعالى لأنه صاحب السيطرة والهيمنة على هذا الوجود بأكمله بأسره: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو علىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهو على كل شيء قدير. فنحن إذاً نتكلم عن ملك وعن قدرة، ومنها ينبثق كل شيء، وهذه من أعظم صفات الربوبية، فالملك والقدرة هذا يدخل تحت توحيد ماذا؟ الربوبية كما درسنا في علم العقائد، فهو سبحانه وتعالى يريد أن يخبرك أنه سبحانه المتفرد بالملك التام، ومتفرد بالقدرة التامة، وبناء على هذا الملك وعلى هذه القدرة انبثق هذا الوجود، ﴿الذي خلق الموت والحياة﴾، والموت موتان، هناك الموت وهو حالتنا قبل أن نبعث ونخرج إلى الحياة، وهناك الحياة الدنيا ثم موت آخر ثم بعد ذلك حياة أخرى، قال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾، فهناك موتان وهناك حياتان.

جيد، فلما نقول خلق الموت والحياة، الموت والحياة ليس فقط الحياة الدنيا بل الحياة تشمل الدنيا وتشمل ماذا؟ الأخرى. خلق الموت والحياة الدنيا وخلق الحياة الأخرى، فهناك موت لنا قبل أن نكون في أرحام أماتنا، وموت لنا بعد أن نبعث في الدنيا، وهناك حياتنا الدنيا وهناك حياتنا الأخرى، فالله هو خالق كل شيء سواء كان موتاً أو حياةً، فالله سبحانه هو الذي خلقه، لكن تبقى قضية أن الموت الذي قبل أن نكون في أرحام أمهاتنا هو حالة العدم، فهنا ممكن البعض يناقش: هل هذا شيء مخلوق؟ فهمتوا السؤال؟ (يعني الموت الذي يكون بعد حياة الدنيا نعم حدث، حدث فينا، لكن حالة العدم الذي هو عدم حصول الشيء، هل هذا شيء مخلوق؟). هنا الذي يظهر لي أنها تحتاج إلى موازنة، وإن كان بعض المفسرين قال: الموت هو قبل أن نخرج إلى الدنيا وبعد أن نموت منها، لكن قضية الموت الذي قبل أن نوجد في الدنيا هي حالة العدم، العدم المحض، فهذا هل يصح أن يقال إنه خلق بشكل من الأشكال؟ أظن هذا فيه نظر، لأن هي حالة عدم، ليست حالة وجود شيء ثم أفناه، الموت الذي هو أن تفني شيئاً هذا خلق، لكن الموت الذي هو ما نسميه العدم الأصلي، العدم الأصلي، فهل هذا هو شيء في خلق الخلق؟ ما هو إيجاد شيء أو الانتقال من شيء إلى شيء، فالعدم الأصلي هل يسمى خلقاً؟ هذا أظن فيه نظر، وإن كان البعض يعني جعل الموت هنا بالمعنى العام.

المهم، لكن عندي سؤال: هو لماذا قدم الموت على الحياة؟ ﴿الذي خلق الموت والحياة﴾، لماذا لم يقل الذي خلق الحياة والموت؟ شيخ، الترتيب ابتداء الموت، نعم إذا قلنا إن الموت الأولي داخل معنا فنقول: نعم، إن كنا عدم ثم وجدنا ثم يحدث عدم ثم نوجد فيمكن أن يقال هذا على هذا التفسير، أن الأصل الأصل هو العدم ثم بعد ذلك الوجود، صحيح، الأصل في الكون عموماً العدم ثم بعد ذلك الوجود، فذكر ما هو أسبق في الواقع، الأسبق هو العدم، قال خلق الموت، ثم ما ذكر الوجود باعتبار اللي هو الحياة باعتبار أنه يأتي بعد ذلك.

طيب، في فكرة أخرى: هذا مقام التحدث عن الآخرة. أحسنت، هذا ذكره البعض وهو أن المقام مقام تخويف وإنذار، كما سياتي معنا بعد قليل، فكان الكلام عن الموت بمفهوم الثاني، الموت الذي يكون بعد الحياة الدنيا هو الأهم، هو الأهم. وعاده في الأساليب العربية إنما يقدم ما هو أهم للمتكلم، مش قلنا المتكلم إنما يقدم في الكلام ما هو أهم بالنسبة له؟ فهنا لما كان الموت هو الذي يرعب الإنسان ويحسب له ألف حساب قدمه في الذكر ليكون مستحضراً لديك قبل ذكر الحياة، ذكر الحياة بيعطيك نوع من الاريحية، لكن ذكر الموت ابتداء يصنع نوع من الخوف، فقد خلق الموت، أول ما طرق أذنك كلمة ماذا خلق الموت، خلق الموت، فالأصل هذا ينشئ لك شيئاً من يعني الخوف والوجل، ثم قال: والحياة، فجاءت الحياة بعد ذلك تتميماً لكمال خلقه سبحانه وتعالى. تفضل، لأن الموت مدته أكثر أو أطول من الحياة، كيف يعني؟ يعني فترة الموت أكثر من فترة الحياة، يعني هذي القضية قضية فترات؟ أرى هذا يحتاج إلى نظر.

طيب، قال: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، نقرا، نقرا التفسير: وتسمى الواقية والمنجية. هو ذكر اسمين من أسماء هذه السورة أنها الواقية والمنجية، كأنها تقي من عذاب القبر، نعم، وجاء مرفوعاً: من قرأها في ليله فقد أكثر وأطيب، لكنه لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو موقوف كما قال لكم من حديث ابن مسعود. نعم، ﴿تبارك﴾: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين. خلينا نقول بمعنى عامة (يعني هو دائماً إخواننا الماتريدية شوية لازم كل شيء دخل في موضوع الأسماء والصفات)، لا، هو خلص تبارك وتعاطم في كل شيء، في أسمائه وصفاته، ومن ذلك أنه تعاظم أن يشبهه مخلوق، تعاظم أن تشبهه مخلوق وأن تكون صفاته كصفات المخلوقين. لكن لو خليناها تبارك وحدها هكذا تبقى جميلة وأيقاع النفس أعلى وأهج.

﴿الذي بيده الملك﴾: أي في تصرفه الملك. نعم، لما تقول الملك بيدي ما معنى هنا؟ أنه متصرف. طبعا سيقول لك البعض: طب هيك، مش هذا نوع من التأويل في صفات الله بيده الملك؟ نقول: احنا ما عندنا مشكلة في التأويل لما يكون النص هو الذي يدل عليه تماماً. هنا لما نقول بيده الملك، سياتيك شخص أشعري يا أبا محمد ايش يقول لك: انتم أولتموه، اليد الملك المراد ماذا؟ في يده التصرف. فنقول: إن أهل السنة والجماعة لا عندهم مشكلة في التأويل الذي هو المجاز على طريقة العرب إذا كانت القرينة من السياق داخلة، مش قرينة فلسفية أنت ناشئة من أنه لا لا تعتقد أن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يوصف بهذه هذه الصفات، لا، أنا القرينة التي دلتني أن المراد بيده الملك أنه يخبر أنه المتصرف هو السياق نفسه، أن هو لا يريد هنا في سياقه أن يخبرني أن الملك داخل في في اليد بمعنى الصفة من صفات الذات، وإنما يريد أن يخبرني أنه سبحانه المتصرف في هذا الكون بامره، فالسياق هو الذي دلني على هذا التأويل، السياق هو الذي دلني على هذا التأويل، وهذا لا مشكله فيه، وهذا لا مشكلة فيه، لذلك هو أول قال: ﴿الذي بيده الملك﴾ أي في تصرفه، إذن هو المتصرف. والعرب إذا أراد شخص أن يعبر عن نفسه أنه أنا المتصرف في أي شيء، ايش بقول لك: هي الشغلة في إيدي، صح؟ هي الشغلة في ماذا؟ في يدي (يعني أنا المتصرف فيها)، مش يعني أنه هي في يدي حقيقة، وإنما هذا نوع من أنواع التصرف اللغوي.

والاستيلاء على كل موجود، وهو مالك الملك يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، فهو سبحانه إذن صاحب الملك التام، وكل ملك غيره فهو ملك ناقص، كل ملوك الارض حتى أعتهم جبراً لا يسوى ملكه مع ملك الله شيء سبحانه وتعالى، ملك الملوك. ﴿وهو علىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: من المقدورات، أو من، وهو على كل شيء من المقدورات. ايش يعني المقدورات؟ لماذا ركز على هذه الفكرة؟ اه، مسألة ما شاء الله، لا، مش قضية المشيئة. إيوا إيوا، أحسنت، اللي هو أنت المقدورات يعني الممكن العقلي. هذه مسألة في العقيدة، ويركز عليها عموماً المتكلمون، ونحن أيضاً أهل السنة نوافق عليها: أن قدرة الله سبحانه وتعالى متعلقها الممكن العقلي، المقدورات يعني الممكنات العقلية، أما المستحيل العقلي هذا ليس متعلقاً للقدرة الإلهية، المستحيلات العقلية هذه لا نقول (لأن ذلك البعض ممكن يطرح لك شبهات: هل يمكن أن الله سبحانه وتعالى يضع مثلاً شيء كبير داخل شيء صغير؟ تمام؟ فانت بتقول له الآن الأشياء المستحيلات العقلية مثل اجتماع النقيضين، وأن يكون مثلاً البعض يقول هيك سؤال فلسفي: هل يمكن الله أن يخلق إلهاً آخر؟ هسه هذا بده يشبه عليك في العقيدة بدخلك في دوامة أسئلة زي هيك).

فماذا هو الجواب العام لكل هذه النقاط؟ هل الله قادر أن يخلق إلهاً آخر؟ هل الله سبحانه وتعالى قادر أن يجمع النقيضين؟ هل الله سبحانه وتعالى قادر أن يدخل نفسه داخل مخلوق من مخلوقاته؟ هكذا تطرح الشبهات، فماذا نقول؟ نفط- أحسنت، السؤال خطأ. ليه؟ ايش أصله؟ اللي هو ايش: أن هذه مستحيلات عقلية، والمستحيلات العقلية لا يجوز أن تقول هل الله قادر عليه أو لا، لأنها ليست محلاً للقدرة. المستحيل العقلي في النظر المنطقي هي أشياء عدمية، تمام، هو شيء عدمي، فلما تقول: هل الله قادر يجمع بين النقيضين؟ بقول لك: اجتماع النقيضين مستحيل عقلي، والمستحيل العقلي شيء عدمي، فالسؤال غلط من البداية. هيك الأصل العقل السليم بفكر، أنت لما تقول لي: هل تستطيع أن تجمع بين النقيضين؟ بقول لك: ما هو أصلاً اسمه بمعنى قيدين هذا عدم، فكأنك تقول: هل الله يقدر على العدم؟ ما فيش معنى لهذا السؤال. لما

يقول هذه الأسئلة، كأنه يقول: هل الله يقدر على العدم؟ شو معنى هل الله يقدر على العدم، على أشياء عدمية؟ الله سبحانه وتعالى قادر أن يفعل كل شيء سبحانه، لكن كما قال النسفي: كل شيء مقدور، يعني كل شيء ممكن عقلاً أن يوجد، الله قادر يفعله؛ كل شيء ممكن عقلاً أن يوجد فالله قادر أن يفعله. الله قادر يخلق بحر من زئبق، الله قادر يخلق بحر من أي شيء تتخيله، لكن المهم أن يكون ايش؟ شيء ممكن عقلاً. أما الأشياء الغير ممكنة عقلاً لما تجي تطرح شبهات فيها وتسال أسئلة مستحيلة، بقول لك السؤال غلط من مبدأه، ليه؟ لأنه لما نقول يعني البعض يقول لك طب هي وهو على كل شيء قدير، شو قال؟ كل على شيء، كل شيء. إذا المستحيلات العقلية داخلة؟ بقول له: لا، المراد بالشيء كل شيء مقدور، كما قال النسفي، يعني كل شيء يمكن أن يوجد عقلاً، فالله قادر على أن يوجده، فهمتم؟

أما المستحيلات العقلية، البعض يظن يعني هيك بيجي وسوسة شيطانية أن هذا يا أخي مش نقص في الله، لا أخي، أصلاً أنك مش فاهم شو الموضوع، هو المستحيلات العقلية ليست شيئاً حتى أصلاً تتعلق قدرة الإله بها. تعليق قدرة الإله بها هو عبث أصلاً وانتقاص لله، أنك تعبث بالقدرة تقول أنها قادرة على أشياء مستحيلة عقلاً، هذا عبث ولا معنى لهذا الكلام، لأن المستحيلات العقلية أمور عدمية لا وجود لها. فهل الله قادر يضع نفسه داخل مخلوق من مخلوقاته؟ وبقول له: هذا مستحيل، هذا مستحيل عقلاً، فغلط تقول هل الله قادر على كذا وكذا؟ هل الله قادر أن يجعل الكل داخل الجزء؟ مستحيل عقلاً أن يكون الكل داخل الجزء. هل الله قادر يجمع بين نقيضين؟ مستحيل عقلاً هذا، فلا يجوز أن يسأل بهذا السؤال في هذه المناطق.

طيب، لذلك قال: وهو على كل شيء من المقدورات، اكتب أي من الممكنات العقلية، نعم. أو من الأنعام والانتقام؟ لا، هذا يعني حجر واسعاً. قال: وهو على كل شيء من الأنعام والانتقام، بناء على أن السورة هيك موضوعها، تتكلم عن الانتقام من الكافرين أو الأنعام، لكن لا، خليه كل شيء ممكن عقلاً على عمومها، هذا هو الصواب. نعم، قدير قادر على الكمال، نعم، فهو على كل شيء قدير. وقدير أبلغ من قادر في اللغة العربية، قدير فيها صفة مشبهة وصيغة مبالغة، فهي أبلغ من ماذا؟ من قادر. والأعلى منها مقتدر، لذلك الله تكلم عن صفة القدرة في القرآن باسم المقتدر وباسم القدير واستعمل اسم القادر في آيات أيضاً أخرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ﴾ [يس: 81]. فالله سبحانه وتعالى استعمل اسم القادر والقدير والمقتدر، أعلاها المقتدر، لأنه كلما زاد المبنى كلما زاد المعنى، مش هيك بقول علماء اللغة؟ كلما زادت في الكلمه دل فيها على التأكيد والمبالغة أكثر، وقدير في المرتبة الثانية، وقادر أضعفها.

نعم، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، نعم. الذي، إما نقول الذي خبر المبتدأ محذوف، والتقدير: هو الذي خلق الموت والحياة، كأنها جملة جديدة استئنافية، أو أو بدل من الذي قبله، نعم، أو نقول الذي هذه الثانية هي بدل من الذي الأولى، تبارك الذي بيده الملك، فتأتي الذي خلق الموت والحياة بدل من تلك، فالذي الثانية بدل من الذي الأولى، وهذا محتمل، وهذا محتمل، نعم. والحياة أي ما يصح بوجوده الإحساس. هذا تفسير شو معنى الحياة، الحياة هي الروح يعني التي تبثه أو يبثها الله في الشيء فيصبح هذا الشيء يحس. الآن الميت لماذا لا يحس بشيء من الألم؟ في حياة، فلذلك الحياة هو ما يصح بوجوده الإحساس، يعني الشيء الذي إذا وجد يصبح هذا الشيء يحس بما حوله، وإذا فقد يفقد هذا الشيء ماذا؟ إحساسه. فالحيوان متى يكون عنده إحساس؟ إذا في حياة، وإذا ذهبت منه الحياة يفقد الإحساس، كذلك النبات وكذلك الإنسان. فتعريف للحياة هو شيء يقذفه الله في مخلوقه فيصح بوجوده الإحساس، يعني يصبح هذا الشيء قادر على أن يحس، فإذاً هو شيء يخلقه الله في مخلوق من المخلوقات به يصح إحساسه لما حوله، وإذا فقدت الحياة وحل مكانها الموت في هذا المخلوق فقد الإحساس بما حوله، نعم. والموت ضده، الموت ضد الحياة وهذا معروف، نعم.

ومعنى خلق الموت والحياة إيجاد ذلك المصحح وإعدامه. المصحح هو يعني تعريف للحياة، لأن قلنا الحياة هي مصحح الإحساس، الحياة هي مصحح الإحساس، شو يعني مصحح الإحساس؟ أي بوجودها يكون الإحساس وبفقدها يفقد الإحساس، أنت إذا أنت مت هل يبقى عندك إحساس بشيء حولك؟ لا، فهذا معنى أن الحياة هي المصحح، أي بها يكون الإحساس وفقدها فقده. فالله سبحانه وتعالى إذا خلق الموت وخلق الحياة، كما ذكرنا الله عز وجل هو الذي خلق وجود هذه الكائنات وهو الذي سيخلق فناءها. طب لماذا خلق الكون بهذه الصورة؟ هل هذا عبث؟ هل هذا فقط ليظهر مقدرته على الخلق؟ لا، في غاية من هذا الوجود أرادت سورة تبارك أن ترسخها فينا جميعاً، وهي ماذا؟ أقرأ.

والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون ليبلوكم، إذاً ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، هذه هي الخلاصة التي يجب أن تتذكرها يومياً، وهو أن كل سعي في هذا الكون يجب أن يحقق هذه الغاية الإلهية العظمى. الله يخبرك أخباراً واضحاً بيناً: أيها الإنسان خلقتك لأبلو، لأبلو في ماذا؟ أيكم أحسن عملاً، ويأتي معنى: ما معنى أيكم أحسن عملاً؟ أخلصه وأصوبه. وهذا معنى الحسن هنا وهذا تفسير الفضيل بن عياض وطائفة من السلف: أحسن عملاً أي أخلصه من الشرك وأصوبه اتباعاً للسنّة، لأن شرط قبول الأعمال عند الله ما هي؟ شرطان حتى يكون عملك حسن في المعيار الإلهي ما شرطه؟ أولاً: الإخلاص، أن يكون ما فيه شرك لأي مخلوق من المخلوقات خالصاً لله. ثانياً: أن يكون بدعة، اللي هو ما يسمى الاتباع، أن يكون على منهج الإسلام وعلى ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يجمعه حديثان: حديث «إنما الأعمال بالنيات» يدل على أهمية الإخلاص، وحديث «من عمل في من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» يدل على أهمية الاتباع. فهذا هو ضابط الحسن، أي ليبلو من الذي يستطيع أن يصل إلى درجة الحسن في العمل، ومعايير الحسن مش دائماً، أي شيء له معايير فنقول ما هي معايير الحسن عند الله؟ معياران: الإخلاص والمتابعة. إذا حققتهما أنت حققت العمل الحسن الذي طلبه.

طيب، ليبلوكم، يمتحنكم بامره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير، فالموت الذي يعم جميع الخلق، فالموت يعم الذكر والأنثى والصغير والكبير والأمير والأسير، فالكل سيموت في النهاية، نعم، والحياة التي لا تفي بعلي ولا طبيب، فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم، فيجازيكم على عملكم لا على علمكم بكم. نعم، يمتحنكم بأمره ونهيه فيما بين الموت الذي يعم الأمير والأسير، والحياة التي لا تفي بعلي ولا طبيب، يعني ايش لا تفي بعلي ولا طبيب؟ لا تبقي، يعني الحياة التي لا تأتي ولا تبقى، يعني هي لا يأتي بها إنسان ولا يذهبها إنسان، وإنما الذي يذهب بالحياة ويذهب بالحياة الله سبحانه وتعالى، نعم. فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم، قال: فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم، ايش يعني هذه العبارة؟ نعم، الله علم أعمال العباد في الغيب، أحسنتم، يعني هو هذه مسألة ذكرناها في باب القضاء والقدر. الله عز وجل لما يقول: أريد أن أرى أيكم أحسن عملاً، هل هو سبحانه وتعالى يقول ذلك وهو لا يعرف ماذا سنفعل؟ لا، هو يعلم قبل أن يخلقنا كيف ستكون أعمالنا بعد أن يخلقنا، صح؟ مش هذا هو العلم؟ ولا لو كان الله لا يعلم أعمالنا حتى تظهر إذا هو موصوف بالجهل بأعمالنا قبل أن نعملها، وهذا لا يليق بالإله سبحانه وتعالى.

طيب، إذاً لماذا يقول: ليبلوكم أيكم أحسن عملاً إذا كان هو يعرف ما هي أعمالنا؟ فهمتم السؤال؟ لماذا قال: أنا أريد اختبار مين اللي فيكم عمله حسن؟ فيأتي سائل ويقول هيك إنسان يفكر كثير شو بقول؟ طب لماذا يختبرنا أينا أحسن عملاً وهو يعلم مسبقاً طبيعة أعمالنا أنه هذا فلان سيفعل كذا وكذا وكذا وهذا سيفعل كذا وكذا؟ ما معنى إذاً أنه سيبلنا مع علمه السابق بأعمالنا؟ فهمتم السؤال؟ أنا قبل ما تروح على الإجابة أنا بدي إياك تفهم السؤال، فهنا أعطاك الإجابة النسفي بعبارة قال: المراد فيظهر منكم ما علم أنه يكون منكم. فالمراد بالبلاء هنا أنه يريد أن يظهر على جوارحنا، أو أن يظهر على جوارحنا ما علم أنه سيكون منا، هو علمه سابقاً، لكن هل سبحانه وتعالى يحاسبنا يوم القيامة بناءً على علمه السابق فينا؟ أو يحاسبنا بناءً على ما ظهر منا؟ هذا سؤال مهم في القضاء والقدر.

الله سبحانه ما بحاسبك يوم القيامة على القدر السابق: أني قدرت أنك تكون من أهل النار، خلص رح أحاسبك بناءً على ذلك. لا، هو يحاسب بناءً على ما ظهر منك. طبعا اللي ظهر منك هو يعرف سابقاً وقدره سابقاً، لكن أنت عندما تباشره وتعمله، أنت خلقت بطريقة لا تشعر بالقدر. أنت أيها الإنسان، ركز في هاي الفكرة، أنت خلقت بطريقة عجيبة من خلق الله أنك لا تشعر بقهر القدر في حياتك. فكل تخطيطاتك للزواج والدراسة الجامعية، وايش رح تعشى اليوم، وايش رح تاكل بكره، هل أحد فيكم يشعر بقهر القدر عليه وهو يختار هاي الاختيارات؟ لا، بتقعد على الطاولة، بتجيب ورقة وقلم، وبتصير تخطط: أنا بدي اعمل كذا، وبدي أدرس كذا، وبدي أتزوج فلانة، وبدي أزوج فلانة، وبدي آكل كذا. فانت بتعمل كل تصرفات حياتك بدون أن تشعر بقهر القدر، وهذا الذي سيحاسبك الله عليه، هاي التصرفات اللي بإرادتك الحرة.

لكن هل هذا يعني أنه لا يوجد قدر سابق؟ لا، في في قدر سابق، لكن ليس من شغلك أن تبحث فيه. الله يقول لك، كما قال على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له». أنت ليس مطلوب منك أن تفكر بالقدر، بل التفكير بالقدر سيجلب لك الوسوسة والشكوك، والقدر سر الله المغلق. سر الله المغلق، نحن نؤمن به لكننا لا نعبث ولا ندخل في التفكير فيه، خلاص هو أركان الإيمان سمعنا وأطعنا. ايش المطلوب مني أنا؟ مطلوب منك تشتغل: اعملوا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له. فلذلك قال النسفي: فيظهر منكم ما علم أنه سيكون. إذاً ليبلوكم أيكم أحسن عملاً من جهة القضاء والقدر، هو حقيقة أن يظهر على تصرفاتك ما علم الله أنه سيكون منك. إذا بدك تيجي تحسبها من باب قضاء وقدر، ايش معنى ليبلوكم أيكم أحسن عملاً؟ يظهر على تصرفاتك الخارجية ما علم مسبقاً أنه سيكون منك، هذا معنى العبارة.

لكن لعوام الناس لما تقول لهم هاي العبارة بتضل توسوس، هاي العبارة لعوام المسلمين ممكن توسوس شوي، يقول لك: يظهر ما علم أنه سيكون، إذاً خلص، إذا هو عارف ماذا سيكون إذا انتهى البلاء. لا، لا، أنت في بلاء واشتغل بناءً على إرادتك الحرة، لأنه البعض بيقول لك ما دام علم إذا ما ما عاد هناك قيمة للبلاء، كل شيء منتهي، مش شك بعض الناس بيجي بقول لك ما عاد هناك قيمة للبلاء لأن كل شيء ماذا؟ جفت الاقلام، رفعت الاقلام عفون وجفت الصحف. إذا ما الفائدة؟ لماذا تقول يبلوكم؟ لا، أنت كإنسان في الدنيا لا تشعر بقهر القدر، وبالتالي البلاء قائم علي وعليك. البلاء قائم علي وعليك، وكونه سبحانه مسبقاً في قضائه وقدره علم النتيجة النهائية، هذا علمه لأنه إله وليس شغلك، فأنت عبد، هذا علمه لأنه إله وليس شغلك، لأنك ماذا؟ عبد.

فأنت إذاً في دائرة ماذا؟ البلاء، وعليك أن تعمل وتتصرف وتعرف أن يوم القيامة لما يسالك الله وتقف بين يديه، لن يقول لك حاسبتك لأنني كتبت عليك أنك ستزني، أو حاسبتك لأنني كتبت عليك أنك ستنظر، سيقول لك: حاسبتك لأنك نظرت، ولأنك اخترت في هذه الساعة أن تدخل في علاقة محرمة، واخترت في تلك الساعة أن تفعل كذا، سيحاسبك على إرادتك الحرة. وتذكر دائماً حتى لا يلتبس عليك: إرادتك الحرة لا تشعر بقهر القدر هكذا خلق الإنسان أبداً، ولا تغالط نفسك، لا تغالط نفسك في هذا الموضوع، هكذا فطر الإنسان.

لانه بعض الناس غالط نفسه، لكن لو جاء شخص فسرق ماله وقال له يا أخي سرقت مالك بقدر الله، بتقبل منه هذا؟ قا: يا أخي الله يسهل عليك، أنا بدي كما قال، جاء رجل إلى عمر، أراد عمر أن يقطع يده، فقال: يا عمر إنما سرقت بقدر الله، فقال له عمر: وأنا أقطع يدك بقدر الله، يعني حل عني، لا تيجي تحتج لي بالقضاء والقدر، أنا بيهمّني إنه أنت اخترت هذا الأمر. هل أنت في لحظة اختيارك للسرقة كنت تعرف أن الله قدر عليك أن تسرق؟ هنا السؤال: لحظة اختيارك أن تسرق هل كنت عارف أن الله كتب عليك السرقة؟ لا، وأي واحد بقول لك نعمة يكذب، كل واحد فينا لما يفعل أي تصرف وينوي يفعله، هو لا يعرف ماذا موجود في الصندوق الإلهي، في صندوق القضاء والقدر، صح؟ فإذاً أنت اللي اخترت وأنت اللي مشيت. طب إذا يا شيخ هيك بضل الوسوسة؟ طيب إذا يا شيخ مش في قضاء وقدر؟ يا أخي هذا لأنه إله، برجع بقول لك لأنه إله لازم يكون بيعرف وإلا فيه نقص سيكون بشكل من الأشكال، فهذا يعني فقط تعليق على عبارة.

نسفي حتى لا تشكل لبسا الناس، أنه كيف يكون البلاء مع أنه رفعت الأقلام وجفت الصحف؟ فبهذا المنوال نفهم عقيدتنا. نعم، أيكم مبتدأ، أنه يكون منكم فيجاز، أنا رجعت، أيكم مبتدأ خبره أحسن عملاً، أي أخلصه وأصوبه. إذاً النسفي فسر أحسن عملاً، كما فسرناها؛ أخلصه وأصوبه. أخلصه أي ما كان خالصاً عن شائبة الشرك، وأصوبه ما كان على سنة النبي صلى الله عليه وسلم لا ابتداع فيه. فإن بعض الناس يخلص لكنه يبتدئ، تمام، يفعل أفعالاً بدعية ويخلص فيها لله، هذا غير مقبول. وبعض الناس بالعكس، يفعل أفعالاً على السنة لكنه يرائي بها، فهذا غير مقبول. لابد أن يجمع عملك بين الأمرين؛ أن يكون خالصاً لله، متبعا فيه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعم، والمراد أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، فما وراءه إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه. يقول لك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. ما خلاصة ذكر الموت والحياة بجانب البلاء؟ قال: إنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، فأنت حتى تعمل تحتاج لحياة، أليس كذلك؟ وسلط عليكم الموت بعد هذه الحياة؛ الموت ومعرفتك انك ستموت هو الذي يدعوك أن تختار احسن الأعمال، أليس كذلك؟ يعني ايش اللي بليك تغض بصرف عن الحرام؟ شو اللي بليك تحاول تكافح كثير من المعاصي؟ معرفتك أنه في موت وفي بعد الموت جزاء وحساب، هذا الذي يدفعك لذلك.

مش كان عمر يقول: ولولا يوم القيامة لكان شيء آخر؟ يعني يقول لك: أنا عمر وأنا عارف نفسي، ولولا خوفي من الله والدار الآخرة لكنت شيئاً آخر. وكلنا ذاك الرجل؛ لولا معرفتنا بالله والدار الآخرة فإن الإنسان يفسد ويعرف أنه سيذهب إلى ملذاته ومعاصيه. فلذلك قال: وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح؛ الموت يدعوك لأنك تعرف أن بعد الموت جزاء. طيب، قال: فما وراءه، أي فما وراء الموت إلا البعث والجزاء الذي لا بد منه.

ثم هنا وجهة نظر للنسفي؛ لماذا قدم ذكر الموت على الحياة؟ قال: وقدم الموت على الحياة؛ لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته، من نصب موته بين عينيه، من نصب موته، من نصب موته بين عينيه. يعني يقول لك: ما هي أكثر الأمور التي تدفعك إلى العمل العمل الصالح الحسن؟ أن تضع الموت نصب عينيك، أليس كذلك؟ من وضع الموت نصب عينيه وأكثر ذكرى هادم اللذات، فإن ذكرى الموت وذكرى هادم اللذات سينغص عليه الشهوات، وسيدفعه إلى تقوى الله سبحانه واختيار محاسن الأعمال. فيقول: إذا ذكر الموت ابتداءً؛ لأن الموت هو أكبر محفز على العمل، هو أكبر محفز على العمل رحمك الله، معرفتك أنك ستموت عما قريب في لحظة حددها الله لك.

نعم، فقدم؛ لأنه فيما يرجع إلى المسوق له الآية أهم، نعم. المسوق له هو تنبيهك على الدار الآخرة، فأيهما أهم في تذكيرك بالدار الآخرة؟ الموت ولا الحياة؟ الموت. لذلك قال: فقدم، أي قدم ذكر الموت؛ لأنه فيما يرجع إلى المسوق له، أي فيما يرجع إلى سياق الآيات، الموت أهم من الحياة؛ لأن الموت هو الذي يدعو الإنسان ويحفز الإنسان على اختيار محاسن الأعمال. نعم، فلما قدم الموت الذي هو أثر صفة القهر على الحياة التي هي أثر اللطف؛ قدم صفة القهر على صفة اللطف بقوله: وهو العزيز، أي الغالب الذي لا يعجزه عن أساء، عن إساء العمل، لا يعجزه من أساء العمل من أساء، نعم. والغفور، والغفور الستور الذي لا يياس منه أهل الإساءة والزلل. يعني هنا حاول النسفي يعمل ملاطفة في تنسيق الآية، فيقول لك: لما الله ابتدا بذكر الموت وقدمه على الحياة، ناسب ذلك أن تنتهي الآية بذكر العزيز قبل الغفور؛ لأن العزيز تدل على ماذا؟ قوة وغلبه وقهر، وهذا يناسب الموت. والغفور يدل على لطف ورحمة، وهذا يناسب ماذا؟ الحياة. هذه يعني تناسق يحاول النسفي أن يصنعه بين مطلع الآية وبين ختام الآية.

ولكن عموماً، العزيز خلينا نقول صفة فيها ترهيب، والغفور صفة فيها ترغيب. العزيز تصنع رهبة؛ أنه في عزيز يعني غالب لا يغلب، وهذا يجعلك تخاف وتنتبه. وفي غفور؛ بعطيك باب الأمل والتفاؤل والترغيب. فدائما خطاب القرآن يجمع بين العزيز الغفور، كأنه نوع من الطباق، مش هيك يقول في البلاغة في طباق، أن تذكر شيئين متقابلين؟ فالموت والحياة طباق، والعزيز والغرور طباق، كلاهما متقابلان. نعم، ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: 3]، مطابقة. بدأ الصورة بذكر مظهر من مظاهر قدرة الله وملك الله سبحانه وتعالى؛ لأنه أكبر ما يعزز العقيده في قلب الانسان، مشاهدته للمظاهر الكونيه، واقتناع قلبه صدقاً وحقاً أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. فاعطاك نماذج من نماذج بيده الملك وهو على كل شيء قدير، فبدا بذكر ماذا؟ خلق السبع سماوات فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: 3]، مطابقة بعضها فوق بعض.

نعم، ما معنى طباقاً؟ أي يطابق بعضها فوق بعض، كل منها مطابق تماماً، لا يوجد شيء خارج يعني في الحواشي والهوامش. نعم، من طابق النعل؛ إذا خصف طبقا على طبق. يعني النعل إذا تم قديما كانوا يرقعون لما يتلف النعل من اسفل، بجيبوا جلده أخرى فيضعونها ويكبسها، ثم إذا تلفت الجلد هذه ياتون بجلده اخرى ويضعونها ويرقعونها، ولكن كل جلده يجب أن تنطبق على الجلده السابقة تماماً، حتى يكون النعل صالحاً للمشي. فيقول هو إذاً: من طابق النعل إذا خصفه طبقا على طبق، طبقا على طبق؛ هذه كان العرب قديما كما قلت، اسفل النعل يذهب مع كثره الذهاب والعودة، فياتي بجلده جديدة ويرقع، لكن لابد تطابقها تماما، ما بينفع لا أطول منها ولا أقصر منها، فهذا معنى المطابقه. وهذا ممكن أنت تفعله في أي شيء في الحياة؛ أن تطابق شيء على شيء حتى تتاكد أنه ما في خروج عن في حواشيه وهوامشه. نعم.

وهذا وصف بالمصدر. اه، الآن إذا كلمة طباقاً هنا ما وجهها النحوي؟ قال: هذا نعت بالمصدر؛ لأنه الأصل في النعت أن يكون مشتقا، كما قال ابن مالك في الألفية: ونعت بمشتق كصعب وذرب، وشبهه كذا وذي والمنتسب. فالأصل في النعت أن يكون من المشتقات؛ اسم فاعل، اسم مفعول، صفة مشبهة، اسم منسوب بضبط. لكن طباقاً ما نوعها من المشتقات؟ مش مشتق، طباق المصدر. فالأصل أن لا يكون النعت بالمصدر إلا على وجه التأويل، فلذلك قال: وهذا وصف، يعني نعت بالمصدر. يعني ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، طباقاً نعت لايش؟ يلا يا مشاه، لكلمه سبعة، أكيد مش لكل السماوات؛ لأنها منصوبة، فطباقاً نعت لكلمة سبع سماوات، من حيث ماذا؟ في يعني هيئتها وشكلها وحجمها، نعم. أو على ذات طباق، أو على طوبق، نعم. قال: أو حل آخر، أن نقدر شيئا محذوفا في السياق، والتقدير أصل التقدير: الذي خلق سبع سماوات ذات طباق، ذات طباق أي صاحبة طباق، ثم حذف الذات ووضع المصدر محلها، يعني هذا تأويل لكن لا حاجة إليه كثيراً، خلاص نجعل طباق هي النعت مباشرة.

طيب، ثم قال: أو على، أو على طبقت، أو على طبقت. طباقاً هنا أتى بإعراب آخر للآية، وهي أن تكون طباقاً مفعول مطلق لفعل محذوف، تقديره ماذا؟ طوبق، مش نعت أصلاً. قال: يمكن أن نجعلها مفعول مطلق لفعل محذوف، الذي خلق سبع سماوات طوبق طبقة، هيك التقدير: الذي خلق سبع سماوات طوبق طباقاً، فتكون طباقاً مفعول مطلق لفعل محذوف لم يذكر في سياق، لكن نحن نقدره. ولكن يهمني في النهاية لكم أن تفهموا ما معنى طباقاً؟ أي أن السماوات السبع كل واحدة تطابق ما تحتها، فلا تزيد عنها ولا تخرج عن هوامشها.

نعم، وقيل: جمع الطبق كجمل وجمال. اه، هنا احتمال آخر، اه، أن هنا كلمة طباق ليست مصدر، قول آخر يرى أن الطباق هنا ليست مصدرا، بل هي ماذا؟ جمع تكسير، جمع تكسير لايش؟ لطبق. كما تقول: جمل جمال، فيجوز أن تقول طبق طبق، مش هذا جمع جمل؟ ما جمعها طبق طبق؟ كما تقول أطباق، ويمكن تقول ماذا؟ طباق، فطباق جمع طبق. كما ذكرنا في دورة الآجرومية، أنت كيف تعرف أنه هذا جمع التكسير للكلمة؟ بترجع للمعاون وتنظر ماذا قالت العرب في جمعها، فمما قالته العرب في جمع طبق قالت: أطباق، وقالت: طبق. فيصلح أن تكون جمعاً، وإذا كانت جمعاً صار يعني أسهل وأسهل أن يوصف بها.

نعم، والخطاب في ما ترى في خلق الرحمن للرسول أو لكل مخاطب؟ والاصل أنه لكل مخاطب، هذا أجمل. يعني الخطاب في قوله سبحانه وتعالى: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلَقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: 3]، فهذه الجملة تؤسس أن الإنسان إذا أراد أن يرسخ في قلبه وجود الإله سبحانه وتعالى، وأنه لابد إله واحد رب متصرف؛ أولاً أنظر إلى السماوات، أنظر إلى هذه السماوات التي تراها بعينيك وهي متطابقه، طبعا كونه طباقا أنت لا تعرف أنها متطابقه هو أخبرك بذلك؛ لأنه أنت كم ترى؟ كم سماء تشوف؟ سماء واحدة، فهو أعطاك معلومة أنت لا تراها بالعين، أن هذه السماوات السبع متطابقة. ثم أراد أن يزيدك يقينا بوجوده وأنه المتصرف، فطلب منك أن تنظر أيها الإنسان في هذه السماوات، قال: ﴿مَّا تَرَى﴾، فترى الخطاب لمن هنا؟ ليس للنبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل لكل انسان في هذا الوجود. فالقول الثاني أجمل: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، تمام. وهناك قراءة أخرى: من تفوت، قراءة حمزه وعلي، ومعنى البنائين واحد كالتعاون. قال: هذه قراءة أخرى.

طيب ما معنى التفاوت هنا؟ هذا الذي يهمنا، قال: أي من اختلاف واضطراب، جميل. إذاً: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلَقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾، أنت إذا نظرت إلى السماء وإلى جوانبها يميناً وشمالاً، لا ترى أنه في جزء من السماء بيختلف عن جزء آخر؛ جزء أحكمت صنعته وجزء آخر فيه خلل واضطراب. السماء سواء كنت في الأردن ولا كنت في أي عالم من عوالم الحياة الدنيا، السماء هي نفس السماء، ذهبت شرقا، شمالاً، جنوباً، نفس الشكل، نفس الهندسة، نفس البناء، لا يوجد منطقة أو شيء فيه شق ومنطقه تامة الخلقه. فيقول لك: هل ترى أو ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت؟ أنت لا تجد أي تفاوت في أي منطقة من مناطقها، مهما ذهبت وطوفت في البلدان. أليس هذا يدل على أن الخالق واحد والمدبر واحد؟ وإلا لو كان هناك إله يخلق السماء الذي في الأردن، وإله يخلق السماء التي في روسيا، وإله يخلق السماء التي في القارة الأمريكية، ستجد أنه كل خلق سيختلف عن الآخر، هذا خلقها بطريقة وهذا أحب يضيف شغلات. لكن أن تكون السماء في كل منطقة تكون فيها على الكرة الأرضية نفس السماء بنفس الشكل بنفس الهندسة لا تفاوت؛ هو يدل على أن الخالق واحد والمتصرف واحد سبحانه وتعالى.

نعم، وعن السدي، عن عيب. إذاً: التفاوت التفسير الأول الاختلاف والاضطراب. السدي ماذا قال؟ التفاوت العيب، أي لا تجد أي منطقة في السماء معيبة فيها خرق وفيها أشكال. نعم، وحقيقة التفاوت عدم التناسب، هذا أصل التفاوت، لما تقول هذان الشخصان متفاوتان، ايش يعني؟ مش ناسب بأي جانب من الجوانب النفسية أو الشكلية أو المهم في عدم تناسب بشكل من الاشكال، نعم. كان بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه. نعم.

وهذه الجمله صفة لطباقاً، نعم. وهذه الجملة: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * مَّا تَرَى فِي خَلَقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾، فيقول: وهذه الجملة جملة: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلَقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ صفة لايش؟ للكلمة التي سبقت معنا دراستها، كلمة طباقاً. يعني طباقاً الأصل يقول: ما ترى فيها من تفاوت، لكنه ما قال ما ترى فيها، قال: ما ترى في خلق الرحمن، وهذا ما يسمى في علم البلاغة الإظهار في موضع الإضمار. يعني الأصل يقول: ماذا؟ هيك الأصل في السياق اللغوية: الذي خلق سبع سماوات طباقاً لا ترى فيها تفاوت. طب لماذا لم يقل لا ترى فيها؟ لماذا لم يستعمل الأصل وهو ذكر الضمير؟ لا، قال: ما ترى في خلق الرحمن، وضع كلمة خلق الرحمن بدل الضمير، وضع جملة خلق الرحمن أو المضاف والمضاف إليه وضعها بدل ماذا؟ الضمير.

لماذا؟ هذا يكون تأكيد وتجميل لمعنى الآية، هل ترى في خلق الرحمن من تفاوت؟ كأنه هنا يلقنك علة، ايش يعني يلقنك العلة؟ يعني لماذا لا يوجد تفاوت؟ لأنه خلق الرحمن، لماذا لا يوجد تفاوت؟ لأنه خلق الرحمن. فهذا من الاساليب الجميله أن الله يلقنك العلة بدون ما ياتي باسلوب صريح: لا ترى فيها تفاوت لأنها خلق الرحمن، طولت الآية هيك. لكن لما يقول لك: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلَقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ ايش تعني هي؟ لا يوجد فيها تفاوت لأنها خلق الرحمن. كيف أقول لك: لا تجد عند العالم نقصا مثلا، لأنه مثلا عالم، بدون ما أقول لك لأنه عالم، أنت فهمت من ترتيب الفعل عليه، وقص على ذلك أفكار كثيره.

فمثلا: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6] لقنك الحجة كما يقول، لقنك العلة بدون ما يقول لك أنه هي العلة؛ ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ كرمه، هو هكذا الإنسان أنت ما الذي يجعل الإنسان يعصي الإنسان المسلم؟ شعور بأن الله كريم وغفور ورحيم هو الذي يدفعه إلى أن يعصيه الله سبحانه، فالقرآن أحيانا يلقنك العلة بطريقة خفية لطيفة. إذاً: ﴿مَّا تَرَى فِي خَلَقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾ لماذا؟ لأنه خلق الرحمن سبحانه وتعالى. نعم، وأصلها: ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع، اه، إذا أصلها ما ترى فيهن، أي في السماوات، أو فيها نقتا.

ورا قال فيهن باعتبار أنها مؤنثه، نعم. لا ترى فيهن، أي في السماوات، من تفاوت. لكنه وضع، أيوه، فوضع خلق الرحمن موضع الضمير تعظيما لخلقه وتنبيها على سبب سلامته. سلامته، هذا هو، قلنا: إذا هو قال وضع خلق الرحمن بدل الضمير لعلتين؛ التعظيم لموضوعها، لما تقول السماوات خلق الرحمن، هذا يعظم شأنها في قلبك أنها خلق الرحمن، هذا واحد. اثنين، وتنبيها على سبب سلامتهن من التفاوت اللي هو التعليل ب، يعني تعليلا لماذا لا يوجد تفاوت، لما قيل: لأنها خلق الرحمن، نعم، وهو، وهو أنه خلق الرحمن وأنه بكمال قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب.

طب لماذا اختار اسم الرحمن هنا؟ لماذا اختار هذا الاسم؟ ما قال: ما ترى في خلق القدير مثلا؟ مش هذا السياق سياق خلق، والخلق ما الذي يناسبه من الأسماء الحسنى؟ القدرة، اللي بدأ فيها: تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. لماذا هنا تجد اسم الرحمن هو الحاضر؟ فهمتم؟ يعني أحيانا بعض الأشياء، بدي العصف الذهني يكون متأنياً لأنك ستسوق في القرآن، آه تفضل. قال: الخلق فيه رحمة من وجهين؛ الوجه الأول أنه حجة أو بينة وبرهان على وجود الخالق، والوجه الجميل، حقيقة هذا الكلام جميل اللي بيتكلم فيه الأخ، يعني أنا ما خطر في ذهني فنستفيد منه، نعم. الوجه الثاني أنه لو كان فيها خلل لكان ضرر علينا، فإتقان الخلق بهذا الشكل، يعني إتقان الخلق فيه رحمة من جهة أنه يدلك على الخالق تمام.

وهم الكفار بعد قليل ماذا سيقولون؟ وقالوا: لو كنا نسمع أو نعقل، فهو أصلاً لماذا ذكر هذه الآيات هنا؟ يعني ما سياق ذكر السماوات السبع؟ مش قلنا لتكون دليلاً على الإاله؟ فكأنه يقول: خلق الرحمن رحمة منه وكرماً، هذه أدلة عليه، يعني صح فيها فوائد أخرى، السماء فيها النجوم وفيها السحب وتاتي بالأمطار، بس هذا سياق جيولوجي يعني خلينا نقول، أما في السياق التوحيدي بناء العقائد، السماء من أكبر الأدلة على ماذا؟ على وجود الله، هذا الخلق المتقن وهذه الصنعة هي من أكبر الأدلة. وإذن من رحمة الله أنه لم يتركنا هملاً، بل ارسل لنا أدلة تدل عليه، وهذه رحمة من رحماته.

فاذا هو من هنا كان في مناسبة لكلمه الرحمن أيضاً. إيش الفكرة الأخرى التي قلتها؟ أنه لو كان في تفاوت أو خلل في الخلق، كان راح يكون يعني شبهة. لو كان هناك تفاوت في الخلق، لألتَبَس عليك هل الخالق واحد أم أكثر من واحد؟ أنه قلنا تفاوت الخلق في السماوات سيعطيك مؤشر أنه في واحد خلق السماء اللي هنا، وفي واحد خلق السماء اللي في المشرق، وفي واحد خلق السماء اللي في المغرب. لكن لما خلقها بنمط واحد، أزال عنك كل شبهة وثبت في قلبك كل عقيدة أن هذا الخالق واحد، فكرة جميلة وأحييك عليها.

طيب في وجهة نظر أخرى أيضاً، أو كل شيء قدير، فمن القدرة هو سبحانه بدأ يدلل على خلق الموت والحياة وذكر مرة أخرى لن يكون له ذلك الأثر بالنسبة ل، أنت هنا لماذا ذكر القدير؟ أنا بدي الرحمة. لماذا اختار هذا الاسم دون غيره؟ نعم، سبحانه وتعالى دلل الموت والحياة، خلق سماتي الفطور، ماذا خلقنا ونحن حال الحياة، وناسب اسم الفطور الحياة في الأقوال حق. طيب ترضى له الحياة، يعني خلاصه كلامك الجمله الأخيرة، يعني خلق الرحمن أن تتعرض لهذا الرحمن.

طيب بس بدي اشي أقوى من هيك. آه، لعل شيخنا مسألة خلق الرحمن لما ذكر في بداية آية الذي خلق السبع سماوات، انطباق السماوات بطبيعتها لعظمها شيء مهيب حقيقة. فقد هذا يعني يجعل في في الذهن أن الله عز وجل خلقها لكي، ويكه سبحانه وتعالى لكي، يعني يشعر هذا شيء من الطغيان أو شيء من، شيء من السلطة أو الجبروت. فذكرها أن هذه مخلوقاته باسمه الرحيم أنه، أن أنها تدلل على رحمته لا على جبروته فقط سبحانه وتعالى.

يعني قصدك لأن خلق السماوات خلق مرعب وكبير، فحتى لا يظن الإنسان أن هذا الخلق يعني لا يوجد فيه رحمه، بل هو صحيح خلق ضخم وكبير، لكنه في نفس الوقت من إله رحيم. لا، وفي طيات السماء رحمات بإنزال المطر وبالسحب وبالنجوم، فلعل في داخلها شيئاً من الرحمن، فدل باسمه الرحمن على أنها، على أنها ستاتي بالرحمة، كأنك تقول أنا هنا، شوف احنا هنا كما أقول هذه معاني استئناس، بالتالي المساحة فيها واسعة شوي، فما عندي مشكلة أنه أنت تفكر بشيء تشعر أن الآية تخبرك به، ولهذا هو التدبر.

التدبر مش أني أقرأ الآية وأنا لا أعرف لماذا اختار هذا الاسم دون غيره، دائماً وأنت تمر في آيات القرآن لازم تعرف ليش هذا الاسم من أسماء الله الحسنى ربنا اختاره هنا دون غيره. أكيد اختيار هذا الاسم هنا يا أخ في ملحظ لازم يفهم، لأنه إذا أنت ما فهمت معناته أنت لسه ما تدبرت القرآن، كل اسم وضع في أي نص من القرآن، اختيار هذا الاسم من أسماء الله دون غيره لمناسبة هذا الاسم للسياق الذي ورد فيه، قد تفهم وقد لا تفهم، ولكن مئة بالمئة في فائدة.

فأنتم ذكرتم مجموعة من الأمور. أيوه تفضل. الرحمن عشانها أعم، الرحيم الرحمن ماشي، بس ليش الرحمة هنا أنا عموماً مش لماذا الرحمن دون رحيم، لماذا سياق الرحمة في سياق الخلق، وإن كان كما قلنا سياق الخلق عادة سياق قدرة، قادر على أن يخلق مثلهم مش هيك في سورة الاحقاف، فالخلق عادة يرتبط بالقدرة، فهنا ارتبط بالرحمة، فما ذكره الإخوة جيد وجميل حقيقة ويطفي شيء.

آه يا عمار؟ ممكن تودد شيخ، لو كان على كفر ويدل على الخالق من السماء فهو خطاب تودد صار الرحمة، أنه ماذا؟ أنه حتى لو كان على كفر، يستدل على الخالق نظره إلى الكون السماء، فهو صار خطاب تودد، رحمة، أن هو الرحمن نفسه. (يعني لسه ما ظهرت عندي كثير). آه، ممكن من رحمة الله خلق السماوات والأرض، هذا التناسب لكي لا تزود الآية الثانية ستبدل هي.

آه طب أم، يعني خلوني اقتصر على هذا المقدار، هي ستبدل، لكن ما ذكره الأخ كان في قمة الجودة، وما اضافه الأخ هنا أيضاً جيد، يعني أن نفهم أن قضية الرحمة هنا رحمة من حيث أنها دلالة على الله سبحانه، وهذا يدل أن الله عز وجل لم يتركنا مع أنفسنا بالبينة، وهذا بحد ذاته من اعظم رحمات الله. ولذلك سياتي الكفار، وهذا الذي يتناسب مع ما سياتي: ألم ياتكم نذير؟ وهذا الذي يتناسب أنه مش جاءتكم النذير، مش ضروري الرسول، جاءتهم رسول وغير الرسول، وهي تدل على الله وتخبرهم بالله، طب ليش ما تعرفتم؟ رأيتم سبع سماوات طباقا ما فيها تفاوت، ما الذي منعكم أن توحدوا هذا الرب الذي ثبت أنه رب في ربوبيته، فيستحق أن يكون متفردا في عبودية لماذا لم تحقق ذلك؟

فالله رحمكم عندما أقام لكم هذه الأدلة، لكنكم انتم لم ترحموا أنفسكم انتم، فالله لم يظلم ولكن أنفسهم كانوا يظلمون. نكمل حتى لا يذهب الوقت في هذه الجزئية: فرجع البصر رده إلى السماء حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينه ولا ت. فرجع البصر، فرجع البصر ما قال لك انظر، لا انظر وانظر وانظر وانظر، وكانه بدك تضل لك تنظر. إذا هو قال: الذي خلق سبع سماوات طباقاً، ما ترى في هذه السماوات من تفاوت، ارجع البصر أيها الإنسان، لأنه هسه السماوات كلنا يشاهدها المؤمن والكافر، فأصل البصر حاصل، لكن في هناك بصر آخر يريده الله.

لذلك يجب أن، كيف أقول لك؟ بالله ارجع ركز لي فيها مرة ثانيه، هسه أنت بتكون مريت على شغلة مرور الكرام ما ركزت فيها فلم تنبهك على إله. هسه الكفار اليوم ألا يشاهدون السماء كما نشاهدها؟ الكل يشاهد السماء، طيب شو المشكله؟ أن هناك من يشاهد السماء وينظر إليها نظرة اعتبار، هناك من يشاهدها ويفكر فيها كما تفكر وكالة ناسا وغيرها من وكالات الفضائية، أنه كيف نصل للمريخ وكيف نصل لكذا وكذا، وجبنا لكم صورة من كوكب. هناك من ينظر نظرة الإنسان المتغطرس الذي يدل أنه خلص من الأرض وفهمها ويريد أن يفهم الكون، وهناك من لا ينظر، وهناك من ينظر نظرة المعتبر الذي يريد أن يجعل هذه السماوات السبع باق دليل، ليس على أن الإنسان يستغني بل أن الإنسان مفتقر.

هذا الأصل أن نظرك في هذا الكون نظر افتقار وليس نظر استغناء، ليس نظر اكتشاف أنني أستطيع أن أفهم كل شيء، بل نظر علم أنه هناك عوالم أخرى أنا لم أصل إليها بعد، فكان الله يقول لك: فرجع البصر، لأنه يعلم أن الكل نظر سبحانه، يعلم أن الكل يرى، لكن ليس الكل ينظر بدقة، بدقة الفهم والاعتبار. فكأنه يقول لك: ارجع البصر مرة أخرى ودقق النظر، على ماذا ستدل لك السماء؟ ستدل على الإله الواحد الديان. إذا راجعت البصر ونظرت بدقة، ستفهم ماذا يريد الله سبحانه وتعالى من خلق هذه السماوات والأرض، وأنك أيها الإنسان إنما أنت جزء صغير جدا جدا في هذا الكون الفسيح، سبع سماوات طباقاً ما فيها من تفاوت، إيش أنت أيها الإنسان في هذا الخلق وفي هذا الكون الفسيح حتى تستغني عن الإله وتطغى وتجحد وتكفر العياذ بالله؟

نعم فرجع البصر كلمة جميلة إيمانياً وسلوكياً، أنه كأنه يقول: تامل مرة، وإياك أن تمر على هذه الآيات مرور الغافلين، انظر إليها نظر المعتبرين المتفكرين. نعم هل ترى من فطور، صدوع وشقوق، جمع فطر؟ هل ترى من فطور، ارجع البصر، هل ترى من فطور، هل ترى من أي شق أو صدع؟ ومنها اسم سورة فاطر، الحمد لله فاطر، الفاطر هو الذي يشق الشيء. قال ابن عباس: ما عرفت معنى هذه الكلمه حتى رأيت أعرابيين يتناقشان بينهما يقول أحدهما لصاحبه: هل فطرت البئر؟ يعني هل شققت؟ فعرفت أن معنى الفطر هو الشق.

وهذا يدل أن بعض الكلمات في القرآن قد تستعمل على لغة غير قريش، بعض الكلمات قد تستعمل على لغة قبائل أخرى، وابن عباس قرشي يقول: ما فهمته حتى سمعت أعرابياً يتحاور من الذي قال فطرها؟ قال: كأن الذي فطرها، أي من الذي شقها؟ فالفطر هو الشق. فالمعنى: هل ترى من فطور؟ هل ترى من أي شقوق في السماء، اللي هي العيوب، في آفات في منطقة معينة لا يوجد فيها ذلك؟ وهذا هو أصلاً تأكيد، يعني كان هل ترى من فطور؟ كأنه يقول: لن تجد ذلك، لأنه قال قبل قليل: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. وإذا السدي قال: التفاوت العيب. مش قال السدي في تفسيره إذا مشينا على تفسير السدي: ما ترى في خلق الرحمن من عيب، فتاتي هذا الاستفهام: هل ترى من فطور؟ كأنه يقول: هل ترى من عيوب؟ في تأكيد، استفهام تأكيد لما ورد سابقاً أنك لن تجد ذلك، لن تجد ذلك. وهذا يدل على وحدانية الخالق، يعني ما المراد النتيجة النهائية؟ الخالق واحد، إذا كان ما في فطور، ما في شقوق، ما في انكسارات، ما في تصدعات، إذاً الخالق واحد، لم يتفاوت خلقه، لا يوجد عيب في خلقه، وكل هذا من مظاهر وحدانية الربوبية.

طيب، ثم ارجع البصر كرتين، نعم كرر النظر مرتين، أي كرتين لإعادة البصر. كان الله، كما قلت لك، الإنسان، أخواني، أحدنا إذا رأى نفسه مسلماً موحداً يقلل للاسف اعتباره بالكون ونظره في مظاهر الحياة ودلالتها على الله، وهذا يسبب لك مع مرور الوقت ضعف إيماني. كلنا نحتاج أن ننظر إلى السماوات وإلى الأراضين وإلى خلق الله، يعني لا تقول: أنا خلص يا شيخ أسلمت، أنا معتقد بوجود الله، فأنا لست محتاجاً أن أقرر هذا الأصل في قلبي فقد حصل وانتهى.

ماذا أقول لك؟ أقول: هذا كلام خاطئ، كلنا يحتاج أن يقلب نظره في مخلوقات الله ليجدد ما بلي من إيمانه، فإن الإيمان كما قالوا يبلى كما يبلى الثوب. فكيف تجدد الإيمان في قلبك؟ النظر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، سماءً وأرضاً وجبالاً وبحاراً، وسماع المعلومات التي تتعلق بخلق الإنسان، وكل هذا يزيدك تعظيماً لله عز وجل، ويزداد ويتجدد في قلبك التوحيد له. نعم لذلك الله يامرنا مراراً وتكراراً: فارجع البصر.

ثم قال: ثم ألقى في الآية التي تليها، ارجع البصر كرتين. وكرتين هنا على الصحيح ليس المراد الرقم اثنين، يعني مش المراد ارجع البصر مرتين، بس كرتين هنا مثنى أريد به التكثير، هكذا يقول المفسرون، يعني ارجع البصر مرات ومرات ومرات. هذا نوع من التثنية ليس المراد منه التثنية، وإنما المراد منه التكثير والمواصلة التي لا تنتهي، كأنك مرة بعد مرة بعد مرة. هذا هو الصحيح في تفسير كرت، وإن كان النسفي سيذكر القول الأول أن مرتين بالتحديد مرتين، ثم سيذكر القول الثاني أنه ليس المراد بالتحديد مرتين وإنما المراد بالتثنية التكثير.

مع الكرة الأولى، إن قال في الآية السابقة: فارجع البصر، هي واحد، ثم قال هنا: ثم ارجع البصر كرتين، فهل الكرتين هذول واحدة منهم الواردة في الآية السابقة وهذه الثانية، ولا لا؟ اللي واردة في الآية السابقة هذه وحدة، وهذول إثنتين جداد فصار المجموع كم؟ ثلاثة. حرفية زائدة؟ أنا بقول في فهم النص، حرفية زائدة في فهم النص وإن قال بها بعض العلماء الأفاضل رضوان الله عليهم، أنا مع المعنى الثاني الذي سيذكره: وقيل أي لم يرد به الاقتصار على مرتين بل أراد به التكرير بكثرة. نعم، هذا هو الصواب الذي.

ميل إليه أنه أراد بمرتين أكثر مرتين. ومرتين ومرتين، وظلك أنظر، نعم أي كرر نظرك ودقق هل ترى خللاً أو عيباً؟ طيب وجواب الأمر ينقلب يرجع، آه إذا ارجع البصر كرتين، هذا أمر صح، ارجع هذا أمر هنا. الله أتى بجواب الأمر، ماذا قال؟ ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: 4] ماذا ستكون النتيجة؟ ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 4]. لماذا مجزومة؟ أليس في النحو لأنها جواب الأمر؟ فإذاً هنا بدك تركز أن هنا في أمر وفي جزاء له نتيجة يعني الجزاء، يعني النتيجة هنا ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ نتيجة ذلك ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 4]. ستجد نفسك ماذا؟ مذلولاً أنني إذا كنت أبحث عن عيب في خلق الله فلن أجد أي عيب في هذا الخلق، نعم ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرَ خَاسِئًا﴾ ذليلاً أو بعيداً مما تريد. إذا كنت تريد البحث عن عيوب، يعني هذا كلام لمن ينظر في الخلق الإلهي وهو يفتش عن عيوب، كل من نظر في خلق الله يفتش عن عيبه يعني للأسف تسمع بعض الناس حتى لا من من يحسب على الدعوة وليس هو منها في شيء يقول لك عن خلق العين أنه خلق، سمعت أحد يقول خلق غبي أو خلق أحمق.

طبعا هذا تكلم باسم الدين وشباب اتبعوه وكذا يريد أن يخبرك أو يؤيد نظرية داروين بشكل من الأشكال فيقول لك إنه خلق العين خلق تافه وليس بذاك الخلق العظيم وهو نتيجة طفرات ويبدا يتفلسف، هذا نتيجة الجهل. فمثل هؤلاء جميعاً، كل من يقلل من شأن أي مخلوق من مخلوقات الله، يا اخي ارجع البصر كرة وثلث ما ربنا بيقول لك لقصور عقلك ظننت أنها بسيطة، لكن لو تأملت تأمل المعتبرين ستجد أنك أنت القاصر في فهمها وفي فهم تشريحها وتركيبها. إذاً ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ أي ذليلاً بعيداً مطروداً إذا كنت تفتش عن عيب لن تحصل على أي عيب في خلق الله سبحانه وتعالى ذليلاً أو بعيداً مما تريد من التفتيش عن العيوب. وهو حال من البصر، أي إعرابه خاسئاً حال ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ حسير كليل، عيي، حسير كليل يعني تعب وارهق وهو يحاول أن يفتش عن عيب ولم يجد، فما معنى حسير؟ قال كليل أصيب بالاعياء لكثرة ما نظر، لكثرة ما نظر يفتش عن عيب يفتش عن عيب ولم يحصل ولم يظفر شيئاً من ذلك. فإذاً الله سبحانه وتعالى يتكلم وهو واثق من خلقه، أليس كذلك؟ سبحانه وتعالى يقول لك انظروا فتش، فلا يجيء رجل من من يحسب عن الآن الكفار دعك منهم يعني مش محسوبين معنا يعني، بس المشكله لما يخرج انسان يتكلم باسم الاسلام وهو يحاول أن يقلل من شأن أي خلق من خلق الله وينظر أو يظهر للناس أنه لا يحمل ذاك الابداع في الصنعة، نجيبه بما أجاب الله: ﴿ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: 4]. هذا هو جواب ربنا لكل من يفتش عن عيب في الصنعة الإلهية.

نعم، ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ القربى، ما زال الحديث عن السماوات، والسماوات هي نموذج لمخلوق عظيم من مخلوقات الله مما يدل على قهره وعظمته وملكه وتفرده. فكان في سورة تبارك اهتمام بالسماوات أولاً، ثم سيأتي الاهتمام بالأرض، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا﴾ [الملك: 15] سيأتي الاهتمام بالأرض بعد قليل، لكن الآن التركيز على السماوات خلقاً وأحكاماً وما ضمنت السماوات الآن من النجوم وهي جزء من الإبداع في الصنعة، هذه النجوم التي لا تتساقط على الأرض من الذي علقها بدون حبال؟ من الذي علقها بدون حبال فانت تراها غير متساقطه؟ قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ أي السماء الدنيا القريبة، يعني قال القربى يعني القريبة من الأرض؛ لأنه أقرب سماء إلينا هي السماء الدنيا. نعم، أي السماء الدنيا منكم، نعم فهي الدنيا باعتبارنا نحن البشر تماماً، أما الله عز وجل فهو فوق السماء السابعة جل شانه كيف شاء، أما هي دنيا باعتبارنا نحن البشر. ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ بكواكب مضيئة كإضاءة السرج، السرج السرج هذا للخير شيخ الله يرضى. طيب والمصابيح هي السرج يعني كأنها مصابيح، يعني المصابيح في عرفنا نحن هي هذه المصابيح، وعند الاقدمين كانت مصابيح يوضع فيها السراج وتشعل بالزيت، فسميت الكواكب والنجوم بأنها مصابيح تشبيهاً لها بالمصابيح التي يستعملها العرب اللي هي السرج التي تكون في بيوتهم، فكانها نوع استعارة، كأنها نوع استعارة، استعيرت كلمة المصابيح للكواكب والنجوم وإن كانت المصابيح في أصل كلام العرب السرج التي توضع داخل البيوت نعم، فسميت بها الكواكب، والناس يزينون مساجدهم ودورهم باثقاب المصابيح.

نعم، فقيل ولقد زينا سقف الدار التي هو يقول لك إن كلمة المصابيح هنا مناسبة لأن العرب أصلاً كانت تستعمل المصابيح للتزيين، فلما قال ولقد زينا، فمناسب ما يقترن بنجوم وكواكب المناسب أن يستعير للنجوم والكواكب مصطلح أو لفظة المصابيح؛ لأن العرب ماذا قال نسفي؟ كانوا يزينون مساجدهم ودورهم بهذه المصابيح، فكانت الاستعارة لطيفة هنا لأن استعارة التزيين أو استعارة المصابيح للتزيين أبهج من استعارة الكواكب والنجوم للتزيين، طبعا هذا كله بناءً على طريقة العرب في تخاطبها بناءً على طريقة العرب في تخاطبها. نعم فقيل ولقد زينا سقف الدار التي أُجت فيها دار هي الدنيا زينا سقف الدار، أي سقف الحياة الدنيا السماء، فيقول لك كأن الدنيا السماء الدنيا سقف، وأنتم في دار وهي هذه الحياة، فزينا سقف هذه الدار التي تعيشون فيها بهذه المصابيح وهي النجوم والكواكب، أي بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة؟ الآن من أين أخذ هذا المعنى؟ ها ركز شو قال؟ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح، أي بأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة، الآن كأنها تعظم هذه المصابيح، مصابيح ليست كمصابيح، مش قال لأي مصابيح لا توازيها مصابيحكم إضاءة؟ طيب هذا التعظيم من وين استنبطوا من الآية؟ هذا بدي إياكم تفهموه لما تقرا مثل هذه الكتب هؤلاء علماء لغة فيفهمون أنه في إشارة في الآية أن مصابيح السماء ليست كمصابيح الأرض، التنكير أحسنت ما قال بالمصابيح قال بمصابيح، التنكير من مقاصده عند العرب الدلالة على أن هذا شيء يخالف ما هو معهود ومتعارف عليه.

أعطيك مثال ممكن يقربه أكثر، لما قال في مطلع سورة البقره سبحانه وتعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: 7] ثم ايش قال؟ ﴿وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] لماذا قال غشاوة بصورة التنكير؟ هسه الغشاوة بمعناها اللغوي الأصلي مفهوم الغشاء والغطاء هذا العرب تفهمه، لكن لما أراد أن يخبر أن هذا الغطاء الذي على أعين الكفار غطاء لا يشبه أي غطاء معهود لديكم، أتى به على صورة التنكير كأنه يقول لهم هذا غطاء لا تعرفونه فلا يصلح أن أعرّفه لكم، غطاء من نوع غريب ليس محسوساً كسائر الأغطية، فكان من المناسب أن يبقى نكرة لأنه غريب. فبمجرد أن نكرة العرب ماذا تفهم؟ أنه هذا شيء غريب إحنا مش فاهمينه، لذلك لم يستعمل أل العهدية التي تدل على شيء معهود في أذهاننا، ممتاز. هنا نفس الشيء لما يقول: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ هنا لو قال بالمصابيح لذهب الذهن إلى المصابيح المعهودة التي تتعارفونها، لكن لما قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّاهَا بِمَصَابِيحَ﴾ نكرة كأنها مصابيح نوع جديد أنتم لا تعرفونه فلا يصلح تعريفه، لا يعني لن نستفيد من تعريفي ليه؟ لأني أنا أعرف شيئاً أنت يمكن أن تعرفه، لكن هنا لا يوجد عهد بيني وبينك في هذا النوع في طبيعة إضاءته خاصة العرب الذين ما كانوا يعرفون القرب من النجوم والكواكب وإنما يرون هكذا بعيدة، فهم لا يعرفون طاقتها في الإنارة. بجوز إحنا اليوم صار بعض العلوم الفلكية تقيس قوة إنارة الشمس ولا قوة هذه الأمور، وإن كنا نجهل كثيراً وكثيراً. فالعرب لما تنظر هي تنظر في مصابيح لكنها ليست كالمصابيح المعهودة لديكم، مصابيح لو اقتربتم منها لرايتم عجباً عجاباً في خلقها وحجمها وصورتها وهيئتها.

فإذاً التنكير هنا يدل على أنها نوع مختلف عن المصابيح المعهودة، ولذلك استنبطه النسفي فقال: مصابيح ليست كمصابيح من حيث قوتها وإضائتها، نعم وإن كنتم أنتم ترونها بعيدة جداً كنقاط لكن لو اقتربتم منها ستجدون شيئاً مهولاً. نعم المباني جمال السماء واضح وجلي والذي لا يرى فهو أ أعني الإضاءة أنها مضيئة وواضحة وجلية. من أين استنبط هذا؟ يعني ماذا تريد أن تستنبط قصدك من التنكير ولا من الجمع؟ لا، شبه لماذا شبه النجوم المصابيح أنها واضحة وجميلة، والذي لا يرى هذه الإضاءة فهو إذن أنها واضحة وجلية، والذي لا يرى هذه الإضاءة فهو، بس هو ما حدا منكر هالإضاءة، يعني أنت هل هم كفار قريش ينكرون وجود هذه الإنارة والإضاءة؟ هم يعني هم يقرون بوجودها جمالها دلالة جمالها، هم يعني برجع بقول إنهم لا ينكرون جمالها، وإنما هو تنبيه، هو شوف هو تنبيه أن الذي خلق هذه السماء بهذا الجمال، يعني قبل قليل كان يتكلم عن سلامتها من العيوب وعدم وجود التفاوت صح، خلينا نقول هي التخلية، الآن جاءت التحلية أنه فوق أنها سليمة من العيوب ولا يوجد فيها فيها أيضاً مزينات ومحسنات، فكانه قبل قليل أسس لعدم وجود العيوب، لكن أنت ممكن تخلق شيء ما فيه عيوب لكنه ما في لمسات زينه هكذا، لكن الآن لا أراد أن يقول السماء الدنيا أو السماوات ليست فقط مجرد سماوات سليمة من العيوب بل فيها من مظاهر الزينة والجمال ما يأسر أولي الألباب منها تزيينها بهذه المصابيح إذا أردنا أن نعمق المعنى أكثر وأكثر. طيب اقرأ: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: 5].

أيوه إذا هذه المصابيح لها إذا فائدة أخرى، هذا بدكم تنتبهوا يعني اللي هو الترغيب والترهيب، هو كما أنها زينه هذه النجوم وهذه الكواكب كما أنها زينة للسماء وجمال، لكن ممكن في لحظة معينة تصير جحيم وعذاب. صح جحيم وعذاب لمن؟ للشياطين. فلاحظوا طبعا هنا سياتي تخلص بسمى أنه سينتقل إلى موضوع جديد بأسهل بديع، كيف انتهى من ملف السماوات وجمالها لينتقل إلى عذاب الكفار في نار جهنم في الآية التي تليها، فحسن التخلص بديع أنه ختم ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ شو الآية اللي بعديها؟ ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 5] وراح لملف آخر وذهب إلى ملف آخر. حسن التخلص أنه انتقل من هذا الموضوع لهذا الموضوع بربطه بربطه أنه السماء فيها نجوم هذه النجوم والكواكب زينة لكنها من جهة أخرى يمكن تصبح جحيم، ثم انتقل إلى موضوع الجحيم والكفار في نار جهنم وخطاب الملائكة لهم، هذا إبداع في الانتقال اللغوي من فقرة إلى فقرة جديدة أو من موضوع إلى موضوع آخر. نعم أي لأعدائك الذين يخرجون من النور إلى جميل، فالشياطين هنا شياطين الانس والجن، لكن هو المشهور أنها الجن، لأن تعرفون أن الله يسلط على الشياطين الذين يصعدون إلى السماء يسترقون السمع من الملائكة شهب، وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً.

نعم قال قتادة: خلق الله خلق الله النجوم لثلاث لثلاث فوائد. لماذا خلق الله النجوم لثلاث فوائد؟ نعم زينة للسماء ورجوم رجوماً عليها الآية ورجو وجوماً للشياطين نصت عليها الآية، وعلامات يهتدى بها، هذه نصت عليها أي سورة؟ في سورة النحل: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] وسورة الأنعام أيضاً: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: 97] ففي سورة الأنعام والنحل ذكر فائدة للنجوم أخرى أنها للهداية، وفي في سورة تبارك ذكر فيها أتين أنها زينة وأنها رجوماً للشياطين. طيب، فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، هو يرد على مين يا شيخ؟ على المنجمين وجماعة الأبراج، قال: من تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له، بيصير يقول لك هذا النجم أنت أي نجم ولدت نجم كذا أنت إن شاء الله سعيد حياتك طيبة، هذا أبصر أشق برج الثور وهذا برج العنزه وهذا برج الكذا، بيقول لك قتادة ما في النجوم لها ثلاث فوائد.

هذا ما وصله علمنا على الأقل، وأما من تحاول أن يأخذ من النجوم أنها تؤثر في سعادة الإنسان وشقائه ويتطيرون المنجمون فهذا مما يعني تكلف ما لا علم له به بل هذا كفر هذا شكل من أشكال الكفر. نعم، والرجم جمع رجم نعم وهو مصدر سمي به ما يرجم به، فالرجوع لايش رجم فالرجل الأصل أنه مصدر حدث الرجم هو فعل تفعله اسمه الرجم، لكن الرجم هو في الأصل مصدر، لكنه كثيراً ما يطلق على الأداة التي يرجم بها أيضاً، فلذلك قال: الرجوم جمع رجم، والرجم مصدر مثل النوم مثل الأكل مثل الشرب، لكن كثيراً ما يسمى به الأداة التي يرجم بها. فأنا لو رميتك بهذا الرجم هو الفعل وهذا أيضاً يسمى رجماً الآلة التي يرجم بها يصح أن تسميها رجماً من باب إطلاق المصدر على اسم الآلة، من باب إطلاق المصدر على اسم الآلة وهذا باب من المجاز واسع. نعم، ومعنى كونها رجوماً للشياطين أن شفنا التركيز شوف النسفي جزاه الله خيراً ركز في هذا المعنى هو يريد أن يقول لك النجوم لما نقول أنها رجوم للشياطين هل المراد أن النجم هو الذي يتبع الشيطان؟ هل نقول النجوم هي رجوم للشياطين؟ مش هيك الآية بتقول لك، هل المراد أن النجم هو الذي يلحق الشيطان؟ هيك حتى العلوم الحديثة بتقول لك لو كان النجم بيتبع يلحق الشيطان كان الأرض تفتتت؛ لأنه كان سيسقط على الأرض النجوم، فالنسفي دقق فيها فقال: المراد أنه اقرا وكونها رجوماً للشياطين ومعنى كونها رجوماً للشياطين أن ينفصل عنها شهاب كقبس من نار، نعم إنه النجوم.

ينفصل عنها الشهب، والشهب هي التي تتبع الشياطين. فهذا تدقيق منه في بيان أنه مش نفس النجم، لكن لما كانت النجوم هي مصادر الشهب جعلت كأنها هي الرجوم، وإلا في الواقع فالذي يرجم الشياطين الشهب المنفصلة عن النجوم، نعم. فيقتل الجني أو يخبل، يخبل يعني يفسد عليه شأنه، نعم. لا أن الكواكب تزول عن أماكنها لأنها قارّة في الفلك على حالها، نعم. فالنجوم موجودة في السماء هي لا تسقط، وإنما الذي يسقط الشهب المتولدة عنها.

﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ [الملك: 5] للشياطين عذاب السعير في الآخرة بعد الإحراق بالشهب في الدنيا. فلهم عذاب في الدنيا وهو الشهب، ولهم عذاب في الآخرة وهو النار. ثم سيُنتقل إلى الإنسي وكيف عذابهم في النار، هذا حسن التخلص يسمى في علم البلاغة. قال: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُبَهۡمۡ﴾ [الملك: 6] ولكل من كفر بالله، وأعتدنا لهؤلاء الشياطين عذاب السعير. وأيضاً عذاب السعير مش للشياطين فقط وللذين كفروا، بل أيضاً ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الملك: 6]، شوف الانتقالية الجميلة، قال: وللذين كفروا بربهم أيضاً نفس هذا العذاب المتسع. والنار إنما سميت سعيراً لأنها يتم تسعيرها، وقودها الناس والحجارة. من الذي يسعر النار؟ الذي يهتم بإيقافها وابقائها مشتعلة. فمالك وخزنة النار يهتمون بتسعيرها، لذلك سميت عذاب سعير لأنها دائماً تسعر وتشعل فلا تخمد أبداً، نعم.

﴿وَلِكُلِّ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾ من الشياطين وغيرهم عذاب جهنم، شياطين وغيرهم عذاب جهنم، ليس الشياطين المرجومين مخصوصين بذلك. فليس الشياطين الجنيين هم من سيدخل عذاب جهنم بل حتى شياطين الإنس. قال: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الملك: 6]. وبئس المصير هذا دائماً ختام، بئس المرجع، بئست النهاية. المصير النهاية التي بئست النهاية أن تكون نهايتك أيها الإنسان أين؟ في حفرة نار جهنم والعياذ بالله، نعم.

الآن سيعطيك مشهد من مشاهد النار والحوار الذي سيدور فيها فقال: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾ [الملك: 7] طرحوا في جهنم كما يطرح الحطب في النار العظيمة. سمعوا لها لجهنم شهيقاً، صوتاً منكراً كصوت الحمير. شبه حسيسها المنكر الفضيع بالـ، نعم. وهي تفور، صوت جهنم عندما تفور كصوت الشهيق، صوت جهنم عندما تفور بما فيها من الوقود كصوت الشهيق، لها زفير وشهيق. وهي تفور، تغلي بغليان المرجل بما فيه، المرجل بما فيه المرجل هو الذي يطبخ فيه ويوضَع فيه الماء ليغلي، فجهنم تطبخ الكفار الذين وقعوا فيها والعصاة أيضاً الذين وقعوا فيها تطبخ طبخاً كما يطبخ الشيء في المرجل، والآن الشيء في المرجل مش بفور الماء، أنت بدك تخيل المشهد المرعب، جهنم بتفور بما فيها من العصاة والكفار تفور بهم كما يفور المرجل بالماء، ثم بيرجع بيهدا ثم بيرجع بفور ثم بيرجع بيهدا، أليس كذلك؟ هذا حال جهنم والعياذ بالله بالكفار، إذا الآية ترسم مشهداً مرعباً.

تكاد تَميَّز، أي تتميز يعني تتقطع وتتفرق من الغيظ على الكفار، فجعلت كالمغتاظ عليهم، استعارة لشدة غليانها بهم. تمام، قال تكاد تَميَّز أي تتقطع، هي صفة أخرى كـ يعني الآن قال أعطاك صفة أنها ماذا؟ شهيق، لها شهيق وهو صوت حسيسها، وهي أيضاً تفور تغلي بمن فيها من الكفار والعصاة والعياذ بالله. الصفة الثالثة قال: أنها كأنها من غيظها وحقها على الكفار يقطع بعضها بعضاً. هنا النسفي جعل هذا الغيظ مجازي، قال هو استعارة لأيش؟ لغليانها بهم، لكن الحقيقة أنا لا أؤمن بهذا، أنا أرى أنها استعارة، لأنه هذا ياتي إلى فلسفة: هل النار والجنة فيها أحاسيس ومشاعر؟ الذي يظهر أنه لا مانع أن يكون هذا شيء حقيقي وأن الله يجعل في النار أحاسيس ومشاعر، مش النار هي التي تقول لربنا قط قط حتى يضع الجبار فيها قدمه؟ فهذا على طريقة يعني من يرى أن هذه الجمادات إذا وصفت بوصف من أوصاف الأحياء لابد أن يكون على سبيل الاستعارة، تمام؟ مثل جداراً يريد أن ينقض، هل الجدار له إرادة؟ مع أنه نعم هذه المخلوقات الجماد لا مانع أن يكون فيها أحاسيس يخلقها الله سبحانه وتعالى وليس ضرورة أن ندركها نحن كبشر. فلست معه في قضية أنه أن الغيظ في نار جهنم هو استعارة لشدة ماذا غليانها، لا هو غيض حقيقي، أن النار تغضب لربها، وأن النار تغضب لربها وللكفار الذين سقطوا فيها. فمن غيظها لله سبحانه وتعالى كأنها تتقطع غيظاً على هؤلاء، وهذا يجعل المشهد أكثر فزعاً، إنه النار لها أحاسيس وأن هي مغتاظة من هؤلاء الكفار، هي تريد أن تنتقم منهم، يعني مش فقط مالك خازن النار هو اللي بده ينتقم من الكفار أو الله عز وجل هو الذي يريد أن ينتقم، حتى النار، النار نفسها هي بأحاسيس تريد أن تنتقم منهم، هذا أبهج من أنك تجعلها جامدة لا شعور لها تجاه هؤلاء الكفار الذين سقطوا فيها، نعم.

﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك: 8] جماعة من الكفار، سألهم خزنتها مالك وأعوانه من الزبانية. خزنتها هم خزنة جهنم مالك وخازن النار ومن معه من الملائكة. كم هم ملائكة النار؟ عليها تسعة، نعم. توبيخاً لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 8]. نذير هنا يمكن نعمل على المعنى المصدري، أي الإنذار، ألم تأتكم إنذارات تلكم على الله سبحانه وتعالى سواء من الأدلة العقلية أو الفطرية أو الرسال. قلنا في العقائد الأدلة ثلاث: دليل الفطرة ودليل العقل ودليل الرسل. ألم ياتكم هذه الرسائل الثلاث؟ يعني ايش اللي أوصلك لنار جهنم؟ هذا السؤال، يعني الأصل كإنسان عاقل بتفكر بطريقة منتجة أنك ما توصل لنار جهنم، الأصل كإنسان عاقل ربنا أعطاك عقل وأقام لك الأدلة أنك ما توصل هون. فالملائكة يسألونهم هذا السؤال؛ لأن الله أقام الحجة على البشر جميعاً.

اعتراف منهم بفضل الله، اعتراف منهم بعدل الله وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم، يعني الشبهات التي على عقولهم. لن يدخل الإنسان، لن يدخل النار إلا إنسان استحق النار. الله عز وجل لا يعذب إنساناً لم يستحق النار أو لم تقم عليه الحجة الرسالية، كما مر معنا، لن يدخل النار إلا إنسان قامت عليه الحجج وزالت عنه العلل. ايش يعني المراد بالعلل؟ الشبهات فهم الدين. وزالت العلل أو كان بإمكانه على الأقل يفهم وهو أعرض. ما هو في شخصين: في شخص عنده علل وهو ما بده يبحث عن علاجها، هذا رح يدخل النار، تمام؟ لأنه أنت أيضاً ما تقول يا رب ما زاحت العلل عني، لا، هو أنت كان بإمكانك تزيحها لكن أنت برضه اللي ايش اللي أصرّيت أن (يعني في واحد ما عنده علل وأصر على الكفر، وفي واحد عنده علل ولم يهتم بإزاحتها، كلاهما سيدخل النار، لأنه إذا عندك شبهات بدك تبحث عن جوابها). أما أن تقول خلص عنده شبهات وأنا بدي مش مهتم بهذا الملف، لا، بدك تهتم؛ لأنه أنت هدف وجودك في الحياة هو هذا الملف، هدف وجودك في الحياة هو ملف التوحيد مش ملف الوظيفية والشغل والرأس مالية والحياة اللي بدك تعيشها، نعم.

فإذا الله أزاح عنهم العلل، يعني الشبهات ببعثه الرسل وإنذارهم، ما وقعوا فيه فماذا كانت نتيجتنا؟ قالوا: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك: 9]. باختصار فكيف قابلنا هذه الحجة الرسالية؟ فكذبناه. صاروا الآن: أحن مشكلتنا كذبنا الحجة الرسالية لأهوائي، فكذبنا وايش كمان؟ ﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: 9]. يعني حتى صرنا نخادع أنفسنا، مش فقط كذبنا، صرنا نخادع أنفسنا أنه لا لا ما فيش أي ما ما نزل الله من شيء، ما يعني ما في وعيد وما في وعد، ما في جنة ما في نار، أنتم يا أيها الرسل تخترعون قضية الدار الآخرة والحساب. فأنكروا هذه الأمور، وأن الله لا يصنع وعداً ولا وعيداً ولا جنة ولا ناراً، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9]. إذاً وقلنا، أي جاءنا نذير وجاءت الرسل فكذبنا، وقلنا للرسل ما نزل الله من شيء. ايش قالوا عن القرآن؟ سحر أو من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، الله لم ينزل قرآناً، مش هيك كان جواب كفار قريش؟ وقالوا له ما في جنة وما، إذاً هم هذا تكذيبهم (يعني كأنه وقلنا ما نزل الله من شيء هذا تفسير لكذبنا، هي صح معطوف عليها لكنها تفسيرية، يعني كذبنا كيف كذبنا؟ أنه قلنا ما نزل الله من شيء، فهي وإن كانت معطوف على كذبنا لكننا نسميه عطف تفسيري، تفسير ما طبيعة هذا التكذيب أننا قلنا ما نزل الله من شيء). فلم نقول إن الله أنزل جبريل أصلاً، ولم نقل إن الله أنزل القرآن، ولم نقل إن الله أنزل الوعد، نفينا كل هذه الأمور وكذبنا، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9].

الآن: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9] يعني مختم مجلس إن شاء الله بالتعليق على هذا، من الذي قالها؟ ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9]. آه، في خلاف بين المفسرين هي الجملة الأخيرة: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: 9] من الذي قالها؟ هل هذه تتمة لكلام الكفار ولا الرسل هم الذين قالوا للكفار، ولا خزنة جهنم هم الذين قالوا للكفار؟ في ثلاثة احتمالات ممن صدرت العبارة الأخيرة: الاحتمال الأول: الذين قالوا إن أنتم إلا في ضلال كبير، الكفار قالوها لرسلهم، وهذا الاحتمال الظاهر من السياق. الاحتمال الثاني: الذين قالوا إن أنتم إلا في ضلال كبير، الرسل في الدنيا قالوا لأقوامهم المكذبين أنتم في ضلال كبير. الاحتمال الثالث: أنه خزنة جهنم يوم القيامة سيقولون للكفار إن أنتم إلا في ضلال كبير، وهذا يعني قد يكون الأبعد من حيث الاحتمال؛ لأن سياق الآية يدل أن هذا من تتمة كلام الكفار لأقوامهم (فلذلك قال الآن النسفي: قال الكفار للمنذر، أي للرسل، ما أنتم إلا في خطأ عظيم، يعني الله ما نزل من شيء وأنتم فاهمين الموضوع غلط، هيك قالوا لرسلهم: إن أنتم إلا في خطأ عظيم).

فالنسفي الذي هو قالوا بلى قد جاءنا نذير أي إنذارات، فالنذير بمعنى الإنذار، قال: ثم وصف به منذر لغلو في الإنذار، كأنهم ليسوا إلا إنذاراً. شو معنى هذا الكلام الآن؟ قال الكفار للمنذر: ما أنتم إلا في خطأ عظيم. فالنذر السابقة هاي خلينا نرجع هنا قالوا بلى قد جاءنا نذير، النسفي بقول نذير بمعنى ايش؟ إنذار، بالمعنى المصدري، نذير مش معناها الرسول، النذير هنا بمعنى الإنذار: بلى قد جاءنا إنذار فكان كذبنا هذا الإنذار وقلنا ما نزل الله من شيء، أن أنتم، فانتم الآن من وين جاءت هي خطاب الرسل؟ آه ايش يقول؟ أسامة شدة استراق صار كأنار نفس أحسنت. الرسل ها شوف هذا الجمال في البلاغة: الرسل لاستغراق في الإنذار ولتتابعه وإكثار منه كان الرسل هم نفسهم صاروا إنذاراً، كأنه بقولك اصبحوا هم المصدر، ليسوا فقط هم الفاعلين للمصدر، لا، هم نفسهم المصدر. فإذا قالوا بلى قد جاءنا إنذار فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء، أن أنتم أيها الإنذار؟ طب كيف الرسل إنذار؟ الرسل منذرون لكنه جعلهم إنذاراً كأنهم هم المصدر لمبالغتهم المراد لاستمرارهم دوماً في عملية الإنذار فكانهم اصبحوا هم ذات الإنذار وهذا من المبالغة.

إذا قال الكفار للمنذر: ما أنتم إلا في خطأ، فهنا أنتم إذاً هم خاطبوا أحداً، أين هذا الأحد المخاطب؟ هل سبق ذكره في السياق؟ قال لك نعم سبق ذكره في السياق في كلمة ايش؟ نذير. بس هنا برجع بقولك طب النذير بمعنى الإنذار بقولك الرسل هم نفسهم إنذار، هو شوية يعني أنا حسيته أعطى معنى بلاغي، لكن قد أنت تخالف وتقول لا ما فيش داعي هاي النظرة اللي رحت فيها هكذا يعني أبعدت النجعة، لا، هو المراد بالنذير النذير الرسل، ممكن يقول شخص ما في داعي أن النذير بمعنى الإنذار، لا، خلص فسر النذير على أنه الرسل وأنهم خاطبوهم فقالوا أن أنتم إلا في ضلال كبير. فالنسفي لجأ لطريقة، وأنا بقول لك أنت لست ملزماً بطريقته في فهم الآية، بل لو قلنا النذير بمعنى النذير وهم الرسل بدون أن نقول النذير بمعنى الإنذار على ظاهرها أيضاً يصلح والله تعالى أعلم.

المهم إذاً الاحتمال الأول أن الكفار قالوا للرسل ما أنتم إلا في خطأ عظيم. قال وجاز هذا الاحتمال الثاني، وجاز أن يكون هذا كلام خزنه جهنم للكفار على إرادة ماذا القول، أنه في كلمة قول مقدرة في السياق محذوفة أي فقالت الخزنة للكفار إن أنتم إلا في ضلال كبير، طب ايش المراد بالضلال وهم الآن خلص صاروا في قاع جهنم؟ قال فمرادهم بالضلال هنا يعني أن خزنة جهنم قالوا للكفار إن أنتم إلا في هلاك أو خسارة، فالضلال بمعنى الهلاك والخسارة. أو سمي النار ضلالاً باعتبار أن الضلال أفضى بهم إلى النار، فأنت كنت في الدنيا في ضلال ونتيجته النار فسمي النار ضلالاً باعتبار أنها نتيجة الضلال، كما أنك تسمي معاقبة السيئة سيئة مع أنها هي مجرد عقاب على السيئة وجزاء سيئة سيئة مثلها. لماذا الثانية سميت سيئة؟ لأنها مشاكلة، كما يقول، أو ثمره العقوبة. فقال كما سمي جزاء السيئة سيئة: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، ﴿وَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194]. طب أنا كيف سميتها فاعتدوا عليه أنا عم أدافع عن نفسي؟ هذا كله من باب ماذا؟ تسمية الثمرة بتس باعتبار منشئها: أنا لماذا اعتديت عليك؟ لأنك اعتدّيت عليّ، فتسمية مدافعي عن نفسي اعتداءً باعتبارها ثمرة الاعتداء، يعني نتيجة عن اعتديت اعتدّيت. وهكذا، وهذا يسمى المشاكلة في علم البيان. أخيراً الاحتمال الثالث أو يكون قوله إن...

أنتم إلا في ضلال كبير من كلام الرسل. الرسل أو كلام الرسل لهم، يعني الرسل هم قالوا للكفار في الدنيا أنتم في ضلال كبير. لكن الكفار حقوه للخزنة، أنه يا خزنة جهنم ترى رسلنا في الدنيا قالوا لنا أن أنتم إلا في ضلال كبير، أي قالوا لنا هذه المقولة، لكننا للاسف لم نقبل منهم، يعني الرسل والله قالوا لنا أنتم في ضلال ونحن ما قبلنا كلام الرسل.

إذا هناك ثلاث احتمالات، ولكن النتيجة النهائية والمحصلة النهائية أن الكفار كانوا في ابتعاد في النجعة، خرجوا عن قانون الكون، عن قانون الحياة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون. لذلك الندم سيكون شديداً، وسنستمر في دراسة تبعات هذا الندم في الدرس القادم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.