بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على كلام ربنا سبحانه وتعالى، وأنعم به من كلام! وما زلنا نعيش في أفياء جزء عم، ووصلنا إلى سورة الانشقاق.
وسبحان الله، عندما يتأمل الإنسان في أسماء السور في جزء عم، يجد أن أسماء السور في جزء عم أسماء تتكلم عن أهوال تحدث في الدار الآخرة؛ مثل: التكوير، الانفطار، الانشقاق تمام. وجزء آخر منها يتكلم عن مظاهر الكون، وهذا تجدونه يكثر في القسم الأخير من جزء عم؛ أن يكون اسم السورة إما مظاهر كونية أو أوقات كونية، مثلاً نبدأ من سورة الفجر، بعد ذلك بعد البلد عندنا الشمس، تحتها الليل، بعد ذلك الضحى تمام، القدر، إيش أيضاً في اسماء سور؟ نعم، العصر، أحسنت العصر.
فهذه السور المكية بهذه الأسماء جاءت في فترة تأسيس الصحابة في مكة المكرمة على العقائد، وعندما تريد أن تؤسس الإنسان على العقائد، يجب أن يدرك هذا الإنسان أنه جزء من كون عظيم خاضع لله سبحانه وتعالى، وأن هذا الإنسان لا يمثل إلا حلقة صغيرة جداً من حلقات هذا الكون المذهل بما فيه من شمس وليل وضحى وعصر وفجر، وبما فيه مما سياتي في قادم الأيام عند إعلان قيام الدار الآخرة من انفطار وتكوين وانشقاق وبرود وما شابه ذلك، حتى الطارق، الطارق اسمه نجم من نجوم السماء وهو مظهر كوني.
فتجد أن أسماء السور المكية اختيرت بطريقة حقيقة تنبئ الإنسان عن المظاهر الكونية التي يشاهدها الآن، وتشير إليه لما سيحصل فيها بعد ذلك عند نهاية الزمان. يعني هذه الشمس في سورة والشمس وضحاها تأتي في سورة التكوير تسمع إذا سورة بدايه سورة التكوير ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِرْت﴾، كأنك أخذت الدرس الأول والشمس وضحاها في سورة الشمس تأتي لسورة التكوير، شايف هذه الشمس اللي تكلمنا عنها في سورة والشمس وضحاها ماذا سيحصل بها في نهاية الزمان؟ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِرْت﴾.
الطارق وهو اسم من اسماء النجوم تمام عظمه وجلاله تأتي إلى سورة التكوير يتكلم عنها الله عز وجل: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَت﴾، فكأن السور المكية التي تتنزل على الصحابة الكرام في فترة مكة تريد أن تجعل الإنسان يعلو عن مشاكله مع الآخرين. يعني الآن لما تريد أن تؤسس شخصاً عقدياً وإيمانياً، نحن عادة ما نبقى ضمن دائرة مشاكلنا الشخصية في الحياة، خلافات جماعاتية، خلافات حياتية، مشاكل مع ناس ظلمونا، معاصي مع آخرين، يبقى الإنسان في دائرة الأرض، كأن هذه السور تريد أن تربي الإنسان أنه اصعد شوي من دائرة الأرض، فكر بهذا الكون الفسيح وبما فيه من مظاهر الجلال والعظمة لله سبحانه وتعالى بشمسه وضحاه وعصره وفجره، وفكر أن هذا الكون في لحظة ما سيتساقط فيه كل شيء، سيمحى الليل وسيمحى النهار، وسياتي يوم تتساقط فيه الشمس والقمر والنجوم والكواكب.
هذا الشعور عندما يتربى عليه الإنسان، يدرك أن كل علاقة مع جنس البشر هي تمثل شيء صغير جداً جداً في نظام كون فسيح هائل، وبالتالي تعلقي وحياتي وانشغالي في هذه الدنيا يجب أن يكون بماذا؟ بإصلاح علاقتي مع هذا الإله العظيم سيد هذا الكون بكل ما فيه من العظمة والجلال، والذي لا يمثل الجنس البشري إلا جزء يسير يسير من حلقاته.
هذه التربية حقيقة تربية إيمانية مريحة للإنسان، مريحة أنك تجعلك تعرف حجم البشر الطبيعي، ما هو الحجم الطبيعي للبشر في الحياة؟ وكم يستحق البشر الفاجر والصالح، المؤمن والكافر، كم يستحقون مني من معالجة واهتمام مقارنة بالاهتمام الذي يجب أن أقدمه لسيد الأكوان سبحانه وتعالى وخالق السماوات والأرض؟ هذه تسمو بالانسان، هذا الجزء يسمو بالإنسان سمواً عالياً جداً؛ لأنه يجعل انتباهه يذهب إلى أمور أهم وأعظم وأعلى في وجودك أيها الإنسان من أن تبقى في مربع الحياة الدنيا الصغير والمشاكل العائلية الصغيرة والخلافات الدنيوية بينك وبين فلان ولا بينك وبين فلان، الأمر أهول من ذلك بكثير.
مثلاً سورة الانشقاق، شوفوا هذا الاسم الانشقاق هو يعطيك إشارة إلى أن هناك شيء سينشق، وبالتالي سميت السورة بسورة ماذا؟ الانشقاق، ومتى سيحصل هذا الانشقاق؟ فتطالعك السورة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت﴾، هذا حدث مذهل أن تنشق السماء اليس كذلك؟ يعني ليس شيئاً سهلاً أن يتصور الإنسان أن هذا الجرم وهذا الكون وهذا المركب الذي يراه يومياً لا ترى فيه من فطور ولا ترى فيه أي انشقاقات في يوم من الأيام سينفسخ.
كما أقول لك كثير من الأمور البسيطة تحدث في الحياة نحن نتعجب منها، فما بالك أن هذه السماء سياتي يوم من الأيام تنفسخ وتتشقق! فالله عز وجل إنما ذكر ذلك ليخبرك أن هناك شيء مهولاً سيحدث يا أيها الإنسان، فعليك أن تستعد له استعداداً يليق بحجم الحدث. مش دائماً أقول لك استعد استعداداً يليق بحجم الحدث؟ لما يكون عندك امتحان في امتحانات الجامعة، أنت تستعد بناءً على هل الامتحان كويز صغير ولا امتحان مصيري؟ فيكون استعدادك على حسب ماذا؟ أهمية الامتحان.
لذلك احنا في الثانوية العامة كيف بكون استعداد الإنسان؟ مش زي استعداده في العاشر والتاسع؛ لأنه بشير إنه ذاك حدث مصيري، بالتالي حجم الاستعداد للثانوية العامة بده يكون مصيري؛ لأنه رح يحدد نتيجة حياة. طيب هل أنت مستعد لهذا الحدث العظيم المهيب الذي سيحدث في الكون؟ هذا الحدث الذي ستنشق فيه السماء، هل أعددت العدة؟ ليش نحن في الحياة العامة نعد العدة للثانوية العامة وللتوجيهي وللقرارات مصيرية في الزواج، لكن هناك ما هو أعظم من هذه الدنيا الفانية الزائلة، وهو الحدث المهيب الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يعمق اهتمامنا به في جزء عم: استعدوا للقاء الله سبحانه وتعالى؛ فإن هذا هو أعظم حدث ومشهد.
ولذلك تجد السور كل مرة، كل سورة تحاول أن تعطيك نموذجاً من نماذج هذا الحدث الهائل: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِرْت * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَت * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَت * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَت﴾. نرجع إلى سورة الانفطار: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَت * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَت * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَت * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَت * عَلِمَت نَفْسٌ مَّا قَدَّمَت وَأَخَّرَت﴾. تأتي إلى سورة عم: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، وقص على ذلك باقي السور التي ستبقى تؤكد: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
لماذا هذا التكرار الدائم لهذه المعاني؟ لأن الحدث عظيم، أعظم مما نحن نتصور من العظمة، وبالتالي يجب أن يكون الاستعداد على قدر الحدث. ولذلك سورة الانشقاق ركزت على قضية الاستعداد أن يكون على قدر الحدث: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾.
يعني هي الرسالة للجنس البشري عموماً للمسلم والكافر: يا أيها الإنسان انك كادح، ولاحظ لفظ الكدح التي تدل على أن الحياة جبلت على ماذا؟ على كدر وكد، يعني أنت رح تتعب في الدنيا، رح تتعب كدحاً إلى أن يصل المطاف إلى الله سبحانه وتعالى، وعندئذ ستواجه طبيعة هذا الكدح إذا كان باتجاه الخير: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، واما إذا كان نتيجة هذا الكدح في المكان الخاطئ: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾.
شوفوا الكل يكدح، ما تفكر أنه بس المؤمن الذي سيكدح، لا والله، حتى الفاجر سيكدح؛ لأن الحياة الدنيا جبلت على كدر، حتى الكافر يبتلى بأمراض، مصائب حياتية، إشكالات، أموال، مثلك ومثلك، لكنك أنت تنعم بنعيم الإيمان، هذا الفرق بينك وبينه أنك تنعم بنعيم التدين، الارتباط بخالق الوجود، أنك تنتظر العوض وترجون من الله ما لا يرجون، هذا الفارق الهائل بيننا وبينهم.
دعونا نعيش في أجواء سورة الانشقاق، وهي سورة الآن ستبدا سور جزء عم تصبح يعني صغيرة الحجم، فيكون السير أسرع إن شاء الله، من سورة الانشقاق فما بعدها.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين ونج إخواننا المستضعفين، آمين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت * وَأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّت * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّت * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّت﴾.
تمام، هذه أول خمس آيات من سورة الانشقاق وهي بداية الحديث عن المشهد العظيم والمشهد المهيب الذي يترقبه الإنسان. فالله عز وجل يرسم لنا جزءاً من معالم مشهد الدار الآخرة في ضمن هذه الآية، أقرأ التفسير قال رحمه الله: إذا السماء انشقت تصدعت وتشقت. نعم.
وأذنت لربها سمعت وأطاعت واجابت لربها إلى الانشقاق ولم تمتنع. هذا معنى يجب أن يضبطه الإنسان في سورة الانشقاق.
وأذنت لربها وحقت الآن إذا السماء انشقت أظن واضح المعنى لا يحتاج تعريف، لكن قال: وأذنت لربها، ما معنى وأذنت لربها؟ أذن هنا بمعنى خضع ودان، بمعنى أنه أنا أعطيتك أوامر أنت سمعتها بأذنك وخضعت لها ودنت لها. فلذلك بماذا فسرها النسفي عليه رحمه الله؟ قال: وأذنت يعني سمعت -أنه في واحد بيسمع بس ما لا يمتثل- لا، هي سمعت وأطاعت وأجابت ربها عندما أمرها أن تنشق: سمعنا وأطعنا. السماء لما أمرها الله أن تنشق سمعت الأمر الإلهي ودانت وخضعت وأطاعت ولم تمتنع ولم تأب ولم تقل لا ما راح أنشق. إذا السماء انشقت واذنت لربها عندما أمرها بالانشقاق.
وحقت تمام، قال: وحقت، وحق لها أن تسمع وتطيع لامر الله. هذا معنى وحقت يعني وحق لها أن تسمع، كيف أقول لك فعلت كذا؟ تقول لي: آه والله فعلت، سمعت كلامك يا شيخ، تمام. فقل: وحق لك أن تسمع يعني ليش ما تسمع؟ تمام. وحق لفلان أن يسمع كلامه. هذا وأذنت لربها وحقت يعني وجدير بها أن تسمع يعني ليه ما تسمع وهو ربها وخالقها وواجدها وهو الذي يعدمها متى شاء؟
قال: إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى سبحانه.
وإذا الأرض مدت بسطت وسويت. هذا يسمى الطباق المقابلة، بعد تكلم عن السماء انتقل للأرض. وإذا الأرض مدت نعم قال مدت: بسطت وسويت باحتكاك جبالها وكل امت فيها.
وكل أمت فيها يعني الأمت هو كل شيء بارز، كل أمت فيها يعني وكل شيء بارز يوم القيامة. وهنا وإذا الأرض مدت هنا لا يتكلم عن حالنا في الدنيا، ما معنى وإذا الأرض مدت؟ هو لا يتكلم أنها سحلت للعيش عليها، هذا في صور أخرى، لا هنا المراد وإذا الأرض مدت يعني دك كل ما عليها من جبال وهضاب وكل شيء مرتفع حتى تصبح الأرض عبارة عن قطعة واحدة لا يوجد فيها لا شجر ولا جبل ولا هضاب ولا أي شيء مرتفع، قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً كما قال في سورة طه، قطعة واحدة ممدوده مستويه لا يوجد فيها أي معلم من المعالم، هذا معنى وإذا الأرض مدت.
قال: والقت ما فيها ورمت ما في جوفها من الكنوز والموتى. والقت ما فيها لما يامرها الله أن تلقي ما في جوفها من الكنوز والموتى وكل شيء يظهر على سطحها، قال والقى أي كل ما في جوفها من أموال وبشر إذا جاء يوم القيامة سيظهر على سطحها. نعم.
قال: وتخلت وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها. نعم ما معناه وتخلت؟ بعض الناس فكر وتخلت يعني يعني تركت من التخلي عن الشيء، لا وتخلت يعني ألقت ما في بطنها غاية الخلو، قال حتى لم يبق شيء في بطنها. وهذه الصيغة صيغة تخلى على وزن تفعل تدل على المبالغة: تخلت. لماذا اختار صيغة تخلى؟ لأنها على وزن تخلى تفعل تدل على ماذا؟ على المبالغة، كأنه لم تبق أي شيء في جوفها إلا أخرجت. قال: كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو.
نعم، ومنه قال أنت لما تذهب إلى الخلاء إيش تقول؟ فلان يتخلى، يتخلى يعني يبالغ في الذهاب إلى الخلاء يتخلى. قال يقال: تكرم الكريم إذا بلغ جهده في الكرم وتكلف فوق ما في طبعه، مثلاً تقول: تكرم الكريم، صيغة تفعل، ما معنى تكرم الكريم؟ أي بذل فوق طاقته حتى في الكرم والاعطاء، طيب. فهذا معنى تخلت الأرض، يعني بذلت أعلى أعلى درجات الطاقة في إخلاء ما في جوفها وفيما في داخلها، وبالتالي يعني لم يبقى أي شيء يمكن أن تكون والله ما استطاعت أن تقذف كل شيء سيخرج، فهذه المبالغة جميلة في إظهار مدى تخلي الأرض عن كل ما في باطنها، إظهار مدى تخلي الأرض عن كل شيء في باطنها.
تمام قال: وأذنت لربها في إلقاء ما في بطنها وتخليها وحقت وتخليها وحقت، وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع، كما أنه قال ذلك في السماء قال ذلك في الأرض، كما أن السماء أذنت لربها وحقت كذلك الأرض أذنت لربها عندما أمرها ربها أن تخرج ما في بطنها وأن تلقيه وأن تتخلى عن كل شيء في داخلها، أذنت لربها، أطاعت، خضعت، وحق لها أن تدين، ولماذا لا تدين فإنها مربوبة لهذا الإله العظيم.
قال: وحذف جواب إذا ليذهب المقدر كل مذهب. المقدر كل مذهب يعني ما هو جواب الشرط؟ لما أقول لك: إذا السماء انشقت، رح تقول لي: آه ايش رح يصير؟ لم يذكر جواب الشرط. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت * وَأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّت * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّت * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّت﴾. ها إذا تدل في هناك جواب شرط.
مثل إذا الشمس كورت، مثلاً في: إذا الشمس كورت، ماذا كان جواب الشرط؟ تذكروا: علمت نفس ما أحضرت. إذا السماء انفطرت، ايش كان جواب الشرط؟ علمت نفس ما قدمت وأخرت. طيب، هنا ما جواب الشرط: إذا السماء انشقت، لأنه بعدين بعد آية خمسة، انتقل السياق إلى جهة أخرى: يا أيها الإنسان إنك كادح صار خطابي، فجواب الشرط مش موجود، فقالوا: حُذِفَ فجواب الشرط ليه؟ حتى يحيط مساحة للمتدبر للقرآن أن يقدر ما يراه مناسباً للسياق، ويذهب ذهنه كل مذهب، إنه يعني كيف أقول لك: إذا جاء محمد وبتسكّت، شو أنت بتفهم؟ يعني الله يستر شو راح يصير؛ لأن الشيخ ما أعطاني الجواب. عندما أكون أنا في سياق تهديد وتخويف أقول لك: إذا اجا محمد. تقول لي: شو راح يصير؟ ايش أنا بقول لك؟ ما راح أقول لك الجواب، أنت تخيل بهذا النفس، فهمتم؟
فالله عز وجل يقول لك: إذا السماء انشقت. طيب، ايش راح يصير يا رب؟ ما راح أقول لك الجواب، أنت فكر. وهذا يعطي نوع من الغموض الجميل في المشهد، يعني الغموض المطلوب حتى أنت تبدأ تقدر إنه والله فعلاً الله يستر، ما دام الله عز وجل لم يعطني جواب الشرط، معناه هناك أمور مذهلة مرعبة قادمة، خليني أظلني أفكر الله أعلم ماذا سيحصل. فهذا معنى كلام النسفي: ليذهب المقدر كل مذهب، يعني يصير ذهنه يروح ويجي، يصبح ذهنه يذهب ويأتي: ماذا سيحصل عند إذٍ لم يخبرني ربي؟ إذاً هناك شيء مذهل سيحصل.
قال: أو اكتفاء بما علم في مثلها في سورتي التكوير والانفطار. هذا رأي آخر ذكره النسفي، أو أنه لم يذكر جواب الشرط اكتفاء بما تقدم في سورة الانفطار والتكوين، يعني كأن جواب الشرط مشابه لذاك: أنه علمت نفس ما قدمت وأخرت سيكون هذا هو جواب الشرط، لم أذكره اتكالا على ما ذكر سابقاً.
قال: أو جوابه ما دل عليه فملاقيه. أيضاً قال: أو جوابه يمكن أن يفهم من السياق، قال: حالة ثالثة أن نقول الجواب يمكن أن يفهم من السياق من قوله بعد ذلك: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه. هذا ممكن يعطيني إشارة إلى ما هو جواب الشرط المقدر. فيكون التقدير كما قال النسفي، أي ايش قال؟ قال: أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. فيكون التقدير: إذا السماء انشقت لاقى الإنسان نتيجة كدحه في هذه الحياة الدنيا. فإذاً هناك ثلاثة طرق في فهم جواب الشرط؛ الآن هو محذوف، لكن لماذا حُذِفَ؟ هل ليذهب الإنسان كل مذهب فيكون نوع من التهويل، أو اعتماداً على ما ذكر في سورة الانفطار والتكوير، أو لأنه مفهوم من السياق ضمناً: إذا السماء انشقت فستلقى نتيجة كدحك، ويكون السورة أشارت إلى هذا. كل هذا محتمل وجميل.
قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّكَ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: 6-15].
نلاحظ ظاهرة عامة في السور المكية أن الخطاب فيها للإنسان باعتباره إنساناً، تجد دائماً الكلام يوجه للإنسان مش للمؤمن أو للكافر، لا، الخطاب للإنسان؛ لذلك حتى مر معنا في خصائص السور المكية في إرواء أنه السور المكية عادة تفتح بماذا: بأيها الناس، والناس هو جمع إنسان تمام على شكل من الأشكال؛ لأن السور المكية هي خطاب للبشرية جمعاء لتأسيس التصورات عن الكون والعالم، هي تخاطب البشرية جمعاء. الآن: يا أيها الذين آمنوا بدنا نبدأ هنا نتكلم عن أحكام تفصيلية، الأمر بالجهاد، بالصلاة، لا، هنا نحن في السور المكية نبني العقائد، نبني التصورات، نبني فكرة الإنسان للوجود البشري والهدف والغاية والمصير، فلا بد أن يكون الخطاب ليس لفئه معينة، بل الخطاب للبشرية جمعاء، للإنسان باعتباره إنساناً: يا أيها الإنسان مؤمناً أو كافراً.
يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه. لاحظوا كلمة الكدح التي تبين طبيعة الإنسان، أن الإنسان سيتعب في الحياة الدنيا، وهذا ورد في سورة البلد: لقد خلقنا الإنسان، لاحظ الإنسان في كبت، الحياة تقوم على المجاهدة، على المكابدة، على التعب. الحياة ليست وردية، مين قال لك أن الحياة وردية؟ أبداً، الحياة البشرية تقوم على التعب؛ لأن الله سبحانه وتعالى أذن ألا تكون عودة الجنس البشري إلى جنات النعيم بعد أن خرجوا منها إلا على جسر من المتاعب، وإلا على جسر من المجاهدة، عليك أن تدفع ثمناً من المجاهدة والتعب والكدح إلى أن تصل إلى ربك، وهناك ستجد ضريبة هذا الكدح، إن خيراً فالنتيجة خير، وإن شراً فالنتيجة شر، فهذا شيء يجب على الإنسان أن يفهمه.
لأن بعض الناس هو ينظر للحياة الدنيا حياة حاله، ربما طبيعة حياتنا المعاصرة السوشيال ميديا وما أدخلته علينا جادت، كثير من الشباب هو فقط جالس يشاهد السوشيال ميديا وما عليه من مخرجات الحياة، أنه هي الحياة حلوة وهي في أكل ومطاعم ومشارب ونساء وشهوات وفي ينظر للحياة بصورة وردية، أنه الحياة هكذا. ثم لما يبدأ يواجه الواقع يجد صعوبات كثيرة، سواء في الأرزاق، سواء في مكافحة الشهوات، في أبواب كثيرة تجد أنك تصادم الواقع، وأنه في تعب. طيب يا شيخ أنا عم بتعب، ما هو الشيء الطبيعي أنك تتعب؟ يعني بعض الناس هو لما يتعب بصير يشعر بالضجيج أنه أنا ما بدي أتعب، لا هو بدك تتعب؛ لأن هذه الحياة تقوم على الكدح والتعب: لقد خلقنا الإنسان في كبد. لازم تتعب في الحياة، هذه سنة الحياة كذا.
فهذه الآيات هنا والسور تؤكد مفاهيم عامة الإنسان، أن الدنيا جبلت على الكدح، على في مشاق، في آلام، في مرارات، ثم ستصل إلى الله في النهاية، فدائماً خلي طموحك وأملك أن تصل إلى الله، فكر بالوصول، لا تفكر بالتعب اللي أنت فيه الآن. تخيل إنسان عنده جرة ذهب في الأرض وهو يعلم أنها موجودة، لكن حتى يصل إلى جرة الذهب سيحتاج إلى ماذا؟ أن يحفر ويكدح في الحفر شهرين ثلاث هو يحفر، هو عم بيتعب، هل هو شاعر بألم تعب الحفر؟ خليني أقول هو شاعر بالألم ماشي، هل الموضوع كثير مؤثر عليه وعامل له حالة نفسية واكتئاب نفسي، ولا هو عم بيتعب بيتألم بالحفر بس هو مسرور؟ هو مسرور ليه؟ لأنه عارف إنه في نتيجة راح أحصلها بعد ما أوصل إلى جرة الذهب، فهو عم بيتعب، عم بتألم، العرق عم بينزل، عم بيواجه عقبات أثناء الحفر في صخور كائمتعبة تحتاج إلى قوة بدنية هائلة في مواجهتها، إشكالات ظهرت له، أتعاب، لكنه في النهاية عم بتحمل كل هذه الأمور لمعرفته بالثمن الذي يريد الوصول إليه.
فأنت تتكلم هي كلها يا إخوان جرة ذهب، تمام، وهذا كله من أجل جرة من الدنيا، ماشي حلوة، لكن ليست شيء عظيم مقارنة بجنة عرضها السماوات والأرض. فإذا الإنسان فهم الغاية من وجوده وطبيعة السعي في الدنيا والشيء الذي يطلبه، هذه الأمور تعيد ترتيب أوراقك في الحياة: أنني أريد جنة، وإذا ما راح أروح على الجنة هو مش خيار الآخر أن أقعد برا الجنة، الخيار الآخر تكون في النار، ليس أنه في عدة خيارات، هم خيارين: يا جنة يا نار. فبالتالي ما دام الموضوع جنة وإذا لم أدخل هناك نار، إذاً الكدح يجب أن يكون في أعلى درجات التقبل، وفي أعلى درجات التعايش معه؛ لأنني أعلم النتيجة التي أريد الوصول إليها.
ولحظ التعبير القراني الجميل بالكدح، ما قال: يا أيها الإنسان أنك عامل إلى ربك، لا لا كادح. ولذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعليقاً على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: اصدق الاسماء حارث وهمام. لماذا أصدق الأسماء حارث وهمام؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أصدق الأسماء حارث وهمام». لأنها تمثل واقع الإنسان، فكل إنسان في الدنيا هو همام، يعني صاحب هم، كل يوم أنت عندك كثير من الهموم، ليس بمعنى الأحزان، الإرادات تريد أشياء كثيرة، الهم بمعنى الإرادة. وحارث مشان حارث بيسعى في الدنيا، بيحرث، كلنا بنحرث، لكن في واحد بيحرث لآخرته وفي واحد بيحرث لدنياه، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء حارث وهمام». لأن كل إنسان في الدنيا من صباحه إلى مسائه هو صاحب هم وإارادة، وصاحب حرث وسعي، هي هكذا الدنيا، لكن في واحد همه في الخير وفي واحد همه في الشر، وفي واحد حرثه في الخير وفي واحد حرثه للشر: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]. فكلمة كادح كلمة معبرة جميلة في السياق لبيان طبيعة الإنسان في الدنيا.
اقرأ تفضل. رحمه الله: يا أيها الإنسان خطاب للجنس، إنك كادح إلى ربك، جاهد إلى ربك وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء، فملاقيه. جاهد إلى ربك، لأنه ما معنى إلى ربك؟ يعني إلى لقاء ربك، والمراد بلقاء الرب يعني الموت وما بعده من الأمور.
قال: فملاقيه، الضمير للكدح النفس في العمل والكد. طبعا هذا تعبير جميل فائق في الآية، أنه هو لما يقول كادح إلى ربك هو عم بيعطيك وين نقطة النهاية. كادح، طيب بسعى لوين؟ يعني ماشي عم بسعى، طيب في نقطة نهاية، نقطة النهاية يجب أن تكون الله، فقال: كادح. ماشي، ماشي، أنا مشيت من البيت إلى المدرسة، صح النهاية، نهاية الغاية، طيب كدحت كدحت لوين؟ سواء كنت مؤمن أو كافر، ما هي نهاية هذا السعي والحرث في الدنيا؟ انك ستصل إلى الله، شو ما كنت ستصل إلى الله، فلذلك قال: كادح إلى ربك. انتهاء الغاية، انتهاء كل حركاتك وسعيك أن تصل إلى ربك ليحاسبك بعد ذلك على ما فعلت.
قال: والمراد جزاء الكدح أن قال، طبعا الكدح وهو طبعا لا أنت اقرأ من عند فملاقيه. قال: فملاقيه الضمير للكدح، فملاقيه، قال: الضمير الكدح، ايش يعني؟ قال: يا أيها الإنسان انك كادح، رح تشتغل وتتعب حتى تصل إلى ربك كادح، كدحاً، كدحاً هذا مفعول مطلق تأكيدي، قال فملاقيه. شايفين هي الهاء اللي في الأخير فملاقيه، ملاقي من؟
الآن طبعا في خلاف في تفسيرها، لكن هنا النسفي قال: فملاقيه الضمير يعود على الكدح، يعني فملاقي الكدح. بعض المفسرين قال: فملاقيه، الضمير يعود على الرب، يعني فملاقي الرب. لكن النسفي لم يختر هذا الكلام، قال: انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه هذا الكدح، إذاً فملاقيه الضمير يعود على الكدح.
قال: وهو جهد النفس في العمل والكدح فيها حتى يؤثر فيها. الآن هذا تفسير الكدح باعتباره كدحاً، ما معنى الكدح في اللغة اخوتي؟ هو أن تجهد النفس في العمل وأن تكد فيه حتى يظهر أثر هذا عليها. كيف تجد إنسان من الصبح للمساء عم بيحفر حفرة عميقة، تجد التعب والغبرة طالعة عليه وكذا؟ هذا معنى حتى يظهر أثر العمل عليه. المهم ما معنى انك ستلاقي الكدح؟ يعني ستستلاقي جزاء الكدح، هذا معنى ملاقاتك للكدح، انك ستلاقي عند الله ماذا؟ نتيجة الكدح، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
قال: وقيل لقاء الكدح، لقاء كتاب فيه ذلك، يدل عليه فيه ذلك الكدح. وقيل: انك ستلاقي كدحك، أي ستلاقي الكتاب الذي فيه كدحك. وحقيقة هذا يؤول إلى الأول، لأنه هو الكتاب ماذا فيه؟ أعمالك الصالحة وأعمالك الطالحة، فهو يعود: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، يعني لا أرى أن المعنى متباين.
قال: يدل عليه قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ أي كتاب عمله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ سهلاً هيناً، وهو أن يجاز على الحسنات ويتجاوز عن السيئات. نعم وفي الحديث: فالإنسان إذا تطايرت الصحف ووقع كتابك في يمينك، ثم تاخذك الملائكة لتقابل الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾. وهو ما يسمى في العقائد ماذا؟ الحساب اليسير. ماذا نسميه؟ العرض على الله. الحساب اليسير هذا يكون للمؤمن، وهو مجرد عرض على الله تظهر أعمالك الحسنة في يعني يثني عليك ربك فيها، وتظهر أعمالك السيئة فيقول الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك في الآخرة، يعني ما يناقشك، ما بيقول لك ليش سويت كذا وليش سويت كذا، أنت رح تقراها وتشوفها ورا تكون مستحي منها، لكن الله ماذا يقول لك؟ سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك. خلاص، تاخذك الملائكة معلنة لنجاحك، فهذا الذي يسمى حساباً يسيراً، ما راح تجد التعب الكبير الذي يجده الكافر والمنافق والعياذ بالله.
نعم، قال وفي الحديث: من يحاسب يعذب. نعم، من يحاسب حساباً ليس يسيراً سيعذب؛ لأنه إذا الله عز وجل لم يحاسبك حساباً يسيراً، بل ناقشك، طبعا هو لفظ الحديث ليس بهذه، إنما لفظ الحديث: «من نوقش الحساب عذب». لفظ حديث هنا النسفي اختصره واللي هو لفظه: «من نوقش الحساب عذب». ايش يعني من نوقش الحساب عذب؟ إذا أنت بتقرا صحيفة أعمالك أمام رب العالمين، والله عز وجل بدا يناقشك في كل تفصيلة ويؤنبك عليها، لا، معناه في عذاب. خلص، النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن من سيوقف على زلاته ليناقش سيعذب. الآن إذا كان مؤمن ممكن يعذب فترة في نار جهنم ويخرج منها؛ طبعا لأن الموحدين لا.
يلبثون لا يخلدون في النار، لكن في عذاب. فأسأل الله العافية، وأن يكون حالي وحالك ممن هم حساب يسير، يعني تضبط الأوراق وربنا يستر علينا وعليكم، نعم.
قال: فقيل أين؟ قال: فقيل فأين قوله فسوف يحاسب حساباً يسيراً؟ فقيل إن عائشة قالت تمام، يعني واضح أن النسفي ليس عميقاً في الحديث النبوي، يعني الأصل أتى بالحديث برأسه، لكن عموماً غفر الله لنا ولكم.
قال: ذلكم العرض، من نوقش في الحساب عذب، وينقلب إلى أهله؛ من نوقش الحساب عذب، نعم. قال: وينقلب إلى أهله إلى عشرته وإن كانوا مؤمنين، أو إلى فريق المؤمنين، أو إلى أهله في الجنة من الحور العين مسروراً، فريقاً مسروراً، يعني بعد ما يخرج من الآن تعرفون جاء في الأحاديث الصحيحة أنه ما من عبد إلا وسيحدثه الله عز وجل يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان، سواء مؤمناً أو كافراً، وسيتم محاسبته على الدنيا.
بعد ما تخرج من هذه المقابلة خلينا نقول والعرض، ستعود، خلاص الملائكة ترجعك، لما يتم إرجاعك إذا الله عز وجل قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أسترها عليك اليوم، رح ترجع مسرور لأهل الإيمان أو لعشيرتك إن كانوا مؤمنين، تقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19-20]، خلاص عرف أن نتيجته ناجح، فهذا معنى وينقلب إلى أهله.
بيرجع على عشيرة من أهل الإيمان، أو لطائفة أهل الإيمان، فرح مسرور أن الله تجاوز عني، نعم. قال: وأما من أوتي كتابه وراء ظهره قيل تغل يمينُه في عنقه وتجعل شماله وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، نعم.
والآن هذا الذي يؤتى كتابه وراء ظهره، اختلف العلماء؛ هل هناك من يأخذ كتابه بشماله من الامام وهناك من يؤتى كتابه بشماله وراء ظهره، هل هما نوعان؟ لأنه في آيات قالت إنه هناك من يؤتى كتابه بشماله بدون ما تقول من وراء ظهره، والانشقاق تقول: لا، هناك من سؤتي كتابه من وراء ظهره. فاختلف أهل العلم في ذلك؛ فبعضهم قال: الذي يؤتى بشماله أهل الكبائر، والذي يؤتى من وراء ظهره بشماله من وراء ظهره الكفار.
وبعضهم قال: لا، بعضهم قال: لا، هو صنف واحد يؤتى بشماله من وراء ظهره وهؤلاء كفار، وأما أهل الكبائر وإن كانوا يؤتون كتابهم بايمانهم لكن يمكن أن يناقشوا ويحاسبوا، ولكن الحقيقة القضية يعني هي مجال الاجتهاد والنظر؛ هل هما صنفان، هناك صنف ياخذ بشماله وهناك صنف ياخذ من وراء ظهره؟ حقيقة الموضوع محتمل والله أعلم، نعم.
قال: فسوف يدعو ثبوراً، يقول يا ثبوراه، والثبور الهلاك. خلاص، مادام الكتاب وقع في يدك الشمال وراء ظهرك أنت عارف أن في مصيبة بتستناك، أي مصيبة بتستناك؟ فسوف يدعو ثبوراً، يعني يدعو على نفسه بالثبور، كما كان العرب قديماً يقولون: واثبوراه، يعني واهلكه، هلكت، نعم.
قال: ويصلى سعيراً. أي ويدخل جهنم، انه كان في الدنيا في أهله مسروراً بالكفر يضحك ممن آمن بالبعث، قيل كان لنفسه متابعاً وفي مراتع هواه راتعاً. جميلة هذه العبارة أنه كان في أهله يعني في الدنيا حضرته كان عايش حياة من الشهوات والملذات والعلاقات، وعايش حياة من الكفر والفجور، كل ما يريد هكذا عاش في الدنيا مستهزئاً بأهل الإيمان، مستهزئاً بقضايا الإيمان، لم يعطها اهتماماً، كما قال هنا: كان لنفسه متابعاً، كان ماشي مع نفسه، وفي مراتع الهوى راتعاً، يعني جالس في أراضي الهوى، كناية عن أنه لم يعبد مولاه وإنما عبد هواه. فهذا الذي كان في الدنيا عابثاً مستهتراً بقضايا الإيمان، هذا سيلقى الحساب الشديد والعذاب الشديد يوم العرض الأكبر.
أنه ظن أن لن يحور؛ كان في الدنيا يعتقد أنه ما في يوم قيامة، لا رجوع إلى الله عز وجل، إنه ظن أنه لن يحور، وأن المشهد سينتهي هكذا؛ بناكل بنشرب شهوات لذات وبنموت وانتهى المشهد، ولكن الأمر ليس كما تصور، نعم.
قال: أنه ظن أن لن يحور، لن يرجع إلى ربه تكذيباً بالبعث. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما عرفت تفسيرها حتى سمعت أعرابية تقول لبنتها: حوري، أي ارجعي. يعني إن صح هذا أن ابن عباس يقول: ما فهمت ما معنى الحور إلا لما سمعت أعرابية تقول لابنتها: حوري، يعني ايش ارجعي؟ فعرفت أن الحور في اللغة العربية ما هو؟ الرجوع.
ولذلك من الأدعية: اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور، صحيح ما معنى أعوذ بك من الحور بعد الكور؟ يعني بعد الإقدام، أعوذ بك يا رب من الانتكاسة، لأن الحور بمعنى ماذا؟ الرجوع. أعوذ بك يا رب بعد أن أقبلت على طريق الهداية والخير والرشاد، أعوذ بك أن أتراجع وأعود أدراجي إلى طريق الانتكاسة والضلال والبعد، نعم.
قال: يا شيخ سؤال. تففضل. قرات في بعض المراجع أن أصل معنى الحور هو فك العمامة. هو بناءً على أنه هنا في هذا السياق الحور بعد الكور؛ الكور ما هو؟ الكور في اللغة العربية إن كان الإنسان إذا وضع عمامة يلفها هكذا كوراً بعد كور، فالحور هو أن تعود تفك هذه اللفات اللي وضعتها للعمامة. لكن أصل الحور هو أي رجوع يسمى حوراً، لكن إذا قيل الحور بعد الكور، آه، معناها هنا فك ماذا؟ لفات العمامة. فالكور هو أن تلف العمامة هكذا، ثم الحور ترجع تفكها كما يفعلون، ففي ذاك السياق لا، لكن أصل الحور هو الرجوع، سواء في العمامة أو في أي مكان، نعم.
قال: بلى. إيجاب لما بعد النفي في ﴿لَن يَحُورَ﴾، أي بلى لن يحورن. بلى يعني هو أنه ظن أن لن يحور، فالله يجيبه: بلى، سترجع، ستعود إلى الله، ها أنت الآن تقف بين يدي مولاك، نعم. إن ربه كان به وبأعماله بصيراً لا يخفى عليه، فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها، أحسنت، نعم.
قال الله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ * فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: 16-25].
قال: فلا أقسم بالشفق؛ فأقسم بالبياض بعد الحمرة، والليل وما وسق. أو الحمرة نفسها، عندنا في الكتاب ما عندك أول حمرة؟ لا. أول حمرة، الآن تعرفوا الشفق؛ الشفق الأحمر ما هو؟ الشفق الأحمر الذي يكون عنده ماذا؟ وقت صلاة المغرب. ممتاز، مش الآن، هس كمان شوي بتصير عندنا ماذا؟ فيكون في حمرة في الأجواء التي عندها تغيب الشمس ويظهر الشفق، وإذا غاب الشفق الأحمر خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء.
الله عز وجل هنا أقسم بماذا؟ بهذا الشفق، وهذا أقسام بمشهد ومظهر من مظاهر الكون يحدثها الله سبحانه وتعالى، وكل جزء عموماً الأقسامات فيها بمظاهر الكون، كما قلنا في بداية الدرس واضحة جداً متجلية، أن الله يقسم لك بكل مشاهد الكون التفصيلية لتبقى منتبهاً مترقباً أن هذا الكون يسير بأمر إله.
فلا، طبعا فلا هذه ليست للنفي، وإنما للتاكيد بالعكس، يعني هي تفيد تأكيد القسم، لا زائدة تأكيد القسم، كأنه قال: أقسم بالشفق وذكر لا زيادة تأكيد، نعم.
قال: والليل وما وسق؛ جمع وضم والمراد. ثم أقسم بالليل وما وسق، يعني وما جمع في داخله. طبعا هنا يعني يفسرون ما وسق يعني ما جمع في داخله من الظلمة والنجم، أو وما جمع في داخله من الأعمال الصالحة والعمال الطالحة؛ لأنه في ناس بالليل في محراب التهجد في قراءة القرآن، وفي ناس بالليل في المقاهي وفي السهرات وفي كذا. وأنا مع عموم الآية؛ لأن ربنا قال: وما وسق، يعني وكل ما جمعه من خير أو شر. والليل وما وسق يعني وكل ما جمعه هذا الليل من خير أو شر في داخله، نعم.
قال: والقمر إذا اتسق؛ اجتمع وتم بدراً افتعل. إذا اتسق يعني إذا اكتمل وأصبح بدراً كاملاً، والقمر أقسم بالقمر في حالة البدرية، نعم.
قال: لتركبن أيها الانسان على إرادة الجنس، طبقاً عن طبق، حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول، والطبق ما طابق غيره، يقال هذا طبق هذا، هذا طبق لذاك، لذا.
نعم، هنا هذا جواب القسم؛ أقسم الله سبحانه، أقسم بالشفق، وأقسم بالليل وما جمع، وأقسم بالقمر إذا أصبح بدراً: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ أيها الإنسان، حالاً بعد حال وموطناً بعد موطن.
الآن، هل هنا الكلام عن الدار الآخرة وما فيها من الأهوال؟ يخلص الإنسان من الحشر يأتي على العرض على الله، يخرج من العرض على الله يأتي الميزان، يخلص من الميزان يأتي الصراط، هل الكلام عن أهوال في الدار الآخرة تخرج من هول إلى هول ومن مشهد إلى مشهد؟ أو عن أهوال الدنيا، وأن الإنسان في الحياة الدنيا بطبيعته يخرج من حال فيدخل في حال آخر، ويخرج من بلاء فإذا به في بلاء آخر؟ حقيقة كلاهما محتمل وكلاهما صحيح.
لتركبن طبقاً عن طبق يعني لو حملناها على الحياة الدنيا، الحياة الدنيا قائمة على ماذا؟ على شدة بعد شدة وكمد بعد كمد. ولتركبن طبقاً عن طبق هي هيك الحياة، بعض الناس يظن أنه مثلاً كان في الثانوية العامة: أنا بس أخلص الثانوية العامة خلص بستريح. بيجي على الجامعة بلاقي الدراسة وكذا: أنا بس أخلص الجامعة بإذن الله الأمور رح تصير إيه؟ فجاه ولا هو داخل في بيئة العمل حتى يلاقي عمله تستقر.
بعدين طيب، إذا جمع مال وصار ثري بيدخل في حالة أخرى من المحافظة على المال وخسارات وطلع ونزل. طيب أنا بس يا شيخ، أنا عندي ملف الشهوات، طيب أنا، أنا بس أتزوج بإذن الله، خلص أنا عندي شوية معاصي وذنوب بس أتزوج بإذن الله، أنا متاكد رح استريح وتبدأ الحياة الجميلة، بلش يتزوج، إيه طلع فيلم الزواج فيلم جديد، وأنه في أولاد. طيب أنا بس أولاد، أو بس يكبر الأولاد رح تضلك هيك ترى، رح تضلك طبق عن طبق؛ صغير يكبر، تبدأ مشقات الحياة، البحث عن العمل، عمل، طيب زواج، طيب هذا الزواج فكر أنت خلص قمة السعادة الأبدية، تجد أنه فيلم ثاني بمشاكل وخلافات، أو حتى تعب الزواج بحد ذاته ومسؤولياته وإنفاق على البيت وأسرة.
طيب صار عندي أولاد، طيب كبروا، صار عندهم أمراض، ولد، مستشفى، دراسة. فالحياة هكذا، لتركبن في الحياة الدنيا طبقاً عن طبق، ولذلك دائماً لا تظن أن هناك راحة في الدنيا، كما سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عليه: متى الراحة يا امام؟ قال: عند أول قدم تضعها في الجنة. يعني انسى شيء اسمه راحة في الدنيا، يأس، قطع له كل الحبل من البداية، يعني في راحة بعد سنتين بعد ثلاث بعد الزواج؟ ما قال له أحمد في راحة، قال له: بدك الراحة؟ حتى ما أطولها، أول قدم تضعها في الجنة هناك الراحة، أما الدنيا فهي طبق عن طبق وحال بعد حال.
وكل حال، وطبعاً هنا الطبق ذكر لها معنيين؛ المعنى الأول أن تكون حال مشابهة لما بعدها مطابقة لها في الشده والهول، فقال: حالاً بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها. ليش سميت طبق؟ أنت الآن الغطا، الغطا الذي يوضع فوق الطنجرة يسمونه طبق، لأنه ماذا؟ طابق هذه الطنجرة التي بين يديك وجاء مطاباقاً لها. فقالوا: هذا أحد المعاني لكلمه الطبق، أن يكون الغطاء يسمى طبقاً إذا كان مطابقاً لما تحته من القدر، فيقول طبقاً عن طبق يعني حالاً بعد حال وكمداً بعد كمد، كل حال مشابه لسابعه، يعني بخف شوي، بعلى شوي، لكن هي هكذا الدنيا، لا يوجد راحة فيها، كل حال مطابقة لأختها في الشدة والهول.
فالطبق إذاً على التفسير الأول هو ما طابق غيره، ما طابق غيره، لكننا هنا نتكلم عن الشدة والهول، أكمل.
قال: ومنه قيل للغطاء الطبق، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة. من قول: ويجوز أن يكون طبق هنا ليس اسم، ليس ما طابق غيره، لا، يكون كلمة طبق جمع طبق، جمع طبقة، فكلمة طبقة تجمع على ايش؟ طبق، كما أن كلمة تمرة تجمع على تمر، تمام، كما أنك تمرة بالتاء تجمعها على ايش؟ تمر. كذلك ممكن نقول طبقة تجمع على طبق بس تحذف التاء، وهذا يسمى اسم الجنس الجمعي.
طيب، وهنا بالتالي ماذا سيكون معنى الطبق إذا كان الطبق جمعاً لطبقة؟ تكون بمعنى المرتبة، فيكون معنى قوله طبقاً عن طبق يعني مراتب عن مراتب. فإذا على المعنى الأول لتركبن طبقاً عن طبق يعني لتركبن حالاً مطابقاً لما قبله عن طبق، فكلام عن أحوال. لتركبن حالاً مطابقاً لما قبله، إذا قلنا طبق هي جمع طبق، فسيكون المعنى لتركبن طبقات بعد طبقات، حولها لطبقات، لتركبن طبقات بعد طبقات فيكون المراد مراتب بعد مراتب.
وكلاهما يحوم حول نفس المعنى، ويمكن أن يكون المراد كما قلنا طبقاً عن طبق أي في عرصات القيامة، أنك لا تخرج من مشهد من مشاهد القيامة إلا تقع في مشهد أصعب منه، وهذا أيضاً صادق على الدار الآخرة، طيب.
قال: أي تركبن أحوالاً بعد أحوال، هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، أرفع أي أصعب، نعم. قال: وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها.
إذا نلاحظ أن النسفي حمل الآية على ماذا؟ على يوم القيامة، لكن بعض المفسرين يحمل الآية أيضاً على الدنيا. النسفي قال طبقاً عن طبق يعني أهوال بعد أهوال يقصد في الدار الآخرة بدءاً من الموت إلى ما فيه إلى ما بعده إلى البعث، والبعض كما قلت يقول بل هي.
تشمل أيضاً حال الإنسان في الدنيا.
قال: ومحل عن طبق نصب على أنه صفة لطبقا؛ أي طبقا مجاوزا لطبق، أو حال من الضمير في لتركبن؛ أي لتركبن طبقا مجاوزين لطبق. يعني عن طبق، أما أنها في موطن الصفة: لتركبن طبقا صفته مجاوزا لطبق، أو أنها في موطن الحال؛ يعني تركبن طبقا حاله كونكم مجاوزين لطبق آخر، وكلاهما مقبول.
قال: وقال مكحول: في كل عشرين عاما تحدثون أمراً لم تكونوا عليه.
إذاً لاحظ مكحول، أي حمل الآية على ماذا؟ على أمر الدنيا.
قال: وقال مكحول: في كل عشرين عاما تحدثون أمرا لم تكونوا عليه؛ يعني أن الناس، يعني مكحول يرى أن هذه الآية لتركبن طبقا عن طبق أن هذه الأمة ما من زمان إلا والذي بعده شر منه، فيقول: هذا معنى لتركبن طبقا عن طبق، ستحدثون في أمر دينكم في كل عشرين عام شيئا لم يكن موجودا سابقا، دلالة أن هذه الأمة كلما جاء عام فالذي بعده يكون شر منه، ولا يعني هذا عدم وجود الخيرية في بعض المناطق، لكن هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يأتي آخر الزمان فتقوم الساعة على شرار الخلق ويمحى أهل الإيمان.
قال: وبفتح الباء مكي وعلي وحمزة، والخطاب له عليه السلام؛ أي طبقا من طباق السماء بعد طبق.
نعم، وبفتح الباء هناك من قرأها: لا تركبنه. احنا قرأ قراءة الجمهور ما هي؟ لتركبن، فالخطاب لنا. لكن هناك قراءة أخرى فيها لتركبن، وعلى هذه القراءة قالوا الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن الكلام أنك ستركب طبقا بعد طبق؛ أي في المعراج أنك تتجاوز مرتبة من مراتب السماء إلى مرتبة أخرى، لكن الحقيقة حتى هذا لا يلزم، وقد يكون لتركبن وإن كان بالإفراد لكنه خطاب للإنسان، لأن هي السورة خطاب للإنسان؛ يعني لتركبن يا أيها الإنسان طبقا بعد طبق، واستبعد جدا جدا في السياق أن يكون المراد الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراء والمعراج، لأن المكان ليس مكان الحديث عن الإسراء والمعراج، لأن السورة ليس هذا موضوعها حتى يحمل الكلام على هذا المعنى، والله أعلم.
قال: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: 20].
فما لهم لا يؤمنون؟ هذا استفهام استنكاري، يستنكر الله على الكفر عموما لما: فما لهم لا يؤمنون؟ ما الذي يمنعك من الإيمان وأنت تعرف أنك مقبل على أهوال عظيمة شديدة، وأنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه؟ لماذا لا تؤمن يا أيها الإنسان وتخضع؟
وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21]؛ لا يخضعون.
لا يخضعون، وهذا يدل إخواني على أن القرآن الأصل أن يسبب للإنسان حالة من الخضوع، أن الله عز وجل يستنكر لماذا لا يؤمنون ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] يعني لا يخضعون. إذا الأثر الذي ينبغي أن يتركه القرآن في حياة الإنسان ما هو؟ أثر الخضوع.
نعم، نحن لأننا لا نتدبر ولا نتفهم كثيرا معاني كلام ربنا لأسف أننا نقرا القرآن على غفلة فلا يسبب لنا القرآن حالة الخضوع والشعور بالإخبات لله رب العالمين، لكن الشعور الطبيعي الذي يجب أن يرثه القرآن للإنسان إذا تلي بحق هو شعور الخضوع لله سبحانه وتعالى، كما خضعت السماوات والأرض في بداية السورة وأذنت لربها، فأنت يجب أن تأذن وأن تخضع وأن تدين لربك.
قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: 22] والقرآن والله أعلم.
بل، هذا بيسموه إضراب انتقالي، يعني المشكلة، يعني كأن الله يقول بل، يعني أنا أعرف المشكلة، المشكلة عند هؤلاء أنهم يكذبون بالبعث ويكذبون بالقرآن، فبالتالي لا يعطون للقرآن مساحة حتى يؤثر في قلوبهم وعقولهم. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: 22] حال التكذيب مستمر، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: 23] يوعُونَ يعني ما يجمعون في صدورهم وما يضمرونه على الإسلام والمسلمين.
قال: والله أعلم بما يوعون، بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر وتكذيب النبي عليه الصلاة والسلام.
أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب.
قال: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: 24] أخبرهم خبرا يظهر أثره على بشرتهم.
فبشرهم، كلمة البشارة مأخوذة من ماذا؟ من البشرة اللي هي الجلد تمام.
فبشرهم بعذاب، قيل البشارة لماذا سميت بشارة؟ لأن أثرها يظهر على جلد الإنسان، اختلفوا: هل أصل البشارة في الخير وتستعمل في الشر مجازا؟ أم البشارة قد تكون في الخير وقد تكون في الشر؟ البشارة التي في الخير، خلونا نأتي على ما هو المشهور: البشارة في الخير، لماذا سميت بشارة؟ لأنها تؤثر على البشرة. كيف تؤثر على البشرة يا مشايخ؟
أحسنت، الفرح. إذا أنا لما أعطيك خبر جميل ايش يصبح؟ أنت تبتسم، أرى هذا على بشرتك، فالبشارة سميت بشارة لأن أثرها يظهر على البشرة من ابتسام الإنسان. والبعض قال: وكذلك الخبر السيء يظهر أثره على البشرة، الواحد عبس، بشرته سكرت يعني وظهر عليه تغير الحال. فلأن هذه الأخبار المفرحة أو المحزنة يظهر أثرها على البشرة على الجلد سميت بشارة، تمام. فالمهم فقال: فبشرهم؛ يعني أخبرهم خبرا يظهر أثره على بشرتهم، لأنه هذا هو أصلا دلالة كلمة بشر: أعطه شيئا يظهر على بشرته.
قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الانشقاق: 25] استثناء منقطع.
فهنا إلا بمعنى لكن، الله يقول: الذين كفروا يعني يعيشون على منهج التكذيب بالبعث والتكذيب بالقران، فالقرآن لا يؤثر في قلوبهم ونفوسهم، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين عاشوا مع القرآن وأعطوا القرآن الخضوع في قلوبهم فخضعوا له، هؤلاء خلاصة الآية: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: 25] يعني اجر غير منقطع وغير منقوص.
هكذا انتهت سورة الانشقاق، ننتقل الآن إلى سورة البروج.
سورة البروج حقيقة سورة عظيمة عظيمة في الفكرة التي تريد أن ترسخها لأهل الإيمان وللعصابة المؤمنة في كل زمن وحين، هذه الفكرة التي ترسخها سورة البروج هي أرادت أن تقول للعصابة المؤمنة في كل زمن وحين عن طبيعة الصراع الذي سيشهدونه وطريقة المواجهة الصعبة والعسرة مع أهل الباطل ومع أهل الكفر، وهو أن طريق الإيمان، أنت بتتخيل الصحابة الكرام الفترة المكية عم يتعرضوا لاشد أنواع التعذيب والتهجير والقتل أحيانا فكانوا محتاجين لسورة البروج، أن سورة البروج هو قصة قديمة حصلت لطائفة من أهل الإيمان وقع فيها ما وقع من الشدائد والأهوال، حيث حفر أخدود كبير في الأرض لطائفة مؤمنة وتم إلقاء المؤمنين في هذه الحفرة بعد أن أضرمت نارا وماتوا جميعا فداء للثبات على دين الله سبحانه وتعالى.
هنا الله سبحانه وتعالى خلد هذا المشهد، مشهد التضحية من أجل دين الله، مشهد التضحية بكل شيء من أجل دين الله. طبعا ربما القصة الطويلة المشهورة التي تققال هنا تعرفونها قصة الغلام، يعرفون قصة الغلام الذي لما كان هناك ملك في مدينة من المدن وقيل إنها كانت جهة اليمن هكذا يذكر أكثر المؤرخين، كان هناك ملك وكان عنده ساحر، وهذا الساحر يفعل ما يريده الملك، كبر هذا الساحر وقال للملك: أريد شابا فطنا ذكيا لقنا أعلمه هذه الصنعه قبل أن أموت حتى يتلقف هذه الصنعة مني ويخدمك. فالمملك بحث عن شاب من شبان القرية فوجد شابا في ريعان شبابه ذكيا فهما، فطلب منه أن يأتي ويتعلم من الساحر. هذا الشاب فعلا هو كان شابا فهما فطنا، كان في طريقه كل يوم يذهب إلى الساحر ليتعلم منه، كان يرى راهبا في صومعة أو في كهف كما قال بعضهم، الله أعلم بكثرة التفاصيل، كان يرى أن هناك راهبا في طريق ذهابه إلى الملك يتعبد في صومعته، فدخل عليه الشاب، هذا عنده فضول أن يرى ماذا يفعل هذا الراهب، فدخل على هذا الراهب وسأله عن حاله: وأنت ايش تفعل هنا؟ وما دينك وما عقيدتك؟ فالراهب كان على دين الصحيح، كان على عقيدة التوحيد الصحيحة، فعلم الراهب الصبي أو الشاب هذا الدين وما فيه من التوحيد، فقال الغلام لهذا الراهب: والله إن دينك لخير من دين الساحر، إنه الدين الذي أنت تدعوني إليه والله خير من هذا الدرس اللي بروح بتعلمه عند هذا الساحر.
فأصبح هذا الشاب كلما ذهب باتجاه معلمه الساحر في الطريق يميل على الراهب يتعلم منه، فالساحر لاحظ مع الوقت أن هذا الشاب يتاخر في الحضور إلى الدرس، يتاخر في الحضور، فسأله: يعني أنت لماذا تتاخر؟ فالشاب بدأ يتحجج يعني بعض الأمور ما بده يحكي من أوراقه ولا سيما سيحدث مشكلة، فأخبره أنه أمي أحيانا تؤخرني في بعض قضايا المنزل وما شابة ذلك فأتأخر. إلى أن جاء يوم، كان ذاهب هذا الشاب في طريقه إلى الساحر فكانت هناك دابة عظيمة قد أغلقت طريق الناس، فأخذ الشاب حجرا وقال: اليوم أعلم أيهما على الصواب؟ هل أمر الراهب خير من أمر الساحر؟ أم أمر الساحر خير من أمر الراهب؟ يعني الشاب هو صحيح عم يتلقى معلومات من الراهب لكن خلينا نقول ما زال يبحث عن طمأنينة القلب، يريد أن يتاكد أيهما على الصواب هل الساحر أم الراهب؟ فأخذ حجرا بيده أو شيئا وجده على الأرض والقاه على الدابة وقال: اللهم إن كان أمر الراهب خيرا من أمر الساحر فاقتلها أو فابعدها عن طريق الناس، فرمى هذا الشيء الصغير، ففعلا هذه الدابة ذهبت عن طريق الناس، فتيقن الشاب بعد أن حصلت هذه الكرامة أمامه أن أمر الراهب عند الله خير من أمر الساحر.
فأصبح من هذه اللحظة بدأ يدعو لعقيدة الراهب، الراهب كان طبعا قايل له معلومة قال له يا غلام: الراهب لما شاف هذا الغلام بدأ يعتقد عقيدته وبدأ يدعو لها وشاف أن هذا شاب فهمان له مستقبل دعوي قال له: أيها الغلام إنك ستبتلى، فإذا ابتليت فلا تدل علي، ايش أنك ستبتلى؟ يعني هذا الشيء أنت الآن بدأت تدعو الناس، وبالتالي شيء طبيعي أن أمرك سيصل إلى ملك البلاد، وبالتالي سيتم استدعاؤك، ستتعرض للتعذيب، سيحصل ما يحصل، فرجاء رجاء لا تدل علي، لأنك إذا دليت علي رح ياخذوني معك. قال: إنك ستبتلى.
شوف الراهب الذي يعرف طريق الدعوات، أن أصحاب الدعوات متى أعلنوا بدعوتهم ورفضهم للباطل فستبدأ المواجهة، هي هكذا الدنيا، فالراهب من البداية قال له: قال له إنك ستبتلى؛ يعني أنت قررت أن تدعو إلى عقيدتي في ابتلاء في مواجهة في مصادمة مع الباطل مع هذا الملك مع دهاقنته، فرجاء لا تدل علي. قال الغلام: ابتداء ماشي، هو هذا شيء جيد، قال: ما راح أدل عليك.
بدأ هذا الغلام يدعو الناس إلى دين الراهب والى التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى ونبذ السحر وما هم عليه من الكفر، الله أعلم ايش كانت تفاصيل كفرهم، لكنه دعا الناس إلى ترك الكفر الذي هم عليه، فوصلت هذه القصة أو فكرة أن هناك غلام يدعو الناس إلى التوحيد والى ماذا؟ إلى أرجاء القصر، وبدأت تتسرب المعلومات رويدا رويدا أن في شاب عم يمارس هذا الموضوع.
طبعا أنا أتجاوز أحداث كثيرة في القصة حتى أعطيكم الخلاصة، هذا الشاب مما أعطاه الله إياه أنه كان يأتي إلى بعض العميان وإلى بعض المبتلين بمرض فيقرا عليهم من المعاني التي أخذها من الراهب ويتلو عليهم مما ورد في كتاب الراهب فيشفون بإذن الله، ربنا عز وجل أعطاه أيضا ما بدانسميها كرامه، خلينا نسميها أنه كان في القرية هناك أناس عميان أناس عندهم عاهات فكان الله عز وجل يعطي هذه القدرة، كان يقرأ عليهم ويدعوهم إلى التوحيد، ومن يوحد الله ويعبده يشفى من مرضه من برصه من عمى.
في هناك رجل كان من حاشية الملك من جلساء الملك كان مبتلى بماذا؟ بالعمى، فوصلت إليه الأنباء أن هذا الغلام الذي يذهب إلى الساحر لسه الغلام بروح لسه على الساحر وبيجي يعني بس وأضمر في قلبه الكفر بما يقول الساحر، وصل إلى جليس الملك الذي كان أعمى أن الغلام قادر على أن يشفي من العمى، فاستدعاه فقال له: يا غلام سمعت أنك تستطيع أنك تشفي الناس من عماهم وأنا عندي كذا أريدك. قال له: أنا لا أشفيني وإنما الشافي هو الله. لاحظ بدأ يستعمل هذا لتوحيد لله عز وجل، قال: الشافي هو الله، لكن إذا أنت قررت تدخل في ديننا وفي توحيد الله عز وجل فأدعو الله أن يشفيك فيشفيك.
فهذا الجليس نعم قرر أن يؤمن بالله سبحانه وتعالى وأن يوحده، والغلام دعا الله عز وجل له فشفاه الله فعاد بصيرا. هو طبعا الغلطة هون صارت أنا أعرفها بس من ناحية تكتيكية، الأصل هذا الرجل جليس الملك ما دام الله عز وجل جعلك أوكع ترجع تجلس بين يدي الملك ليه؟ لأنه الملك شو أول سؤال رح يسالك إياه؟ كيف رجع بصرك؟ يعني بدك تكون عفوا عندك احتياطات أمنية عالية. الأصل مسكت حالك وطلعت، لكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا، نحن بس بنحكي عن نواحي الأمنية مشان تعرفوا البعد الأمني، لكن فعليا خلاص ما دام قدر الله واقع ذهب. كل شيء هذا الجليس عاد فجلس بين يدي الملك، فالسؤال الطبيعي حصل: كيف رجع لك بصرك يعني من أين رجع البصر؟ الوضع الطبيعي أنك أعمى، فالرجل ابتداء كتم.
فالملك شعر أن في هناك شيء في الموضوع، عرفت، فأخذ فقال له الرجل بعد ذلك بعد ما أخذه الملك واشد عليه وضغط عليه: قال أنا آمنت بدين صحيح وبدا يخبر عن هذا الدين. قال له: أيه هذا اللي احنا كان ناقصنا، تمام. قال له: من أين أتيت بهذا الدين التوحيد والدعاء لله عز من أين أتيت به؟ طبعا أيضا بدأ هو ايش؟ قال: ما بدي أعترف.
فالملك أخذه وبدأ يعذبه؛ حتى ماذا؟ اعترف. حتى اعترف أن الذي أخبره بهذا الدين وعلمه إياه الشاب.
طبعاً بعد ذلك أتى، قيل في بعض الروايات، أن الملك أتى بالمنشار فشقه نصفين؛ شق جليسه نصفين. طبعاً هو طلب منه أن يكفر، قال: لا أبدل ديني بعد أن رد الله إلي بصري، لا أبدل ديني، فوضع المنشار فشقه نصفين.
تخيلوا، شوف الإيمان كيف يصنع في النفوس! بس هذا المشهد؛ أن هذا الرجل كان قبل قليل بده بس إنه يرجع له بصره، بعد أن ذاق حلاوة الإيمان، ما كان عنده مشكلة أنه إيش؟ أن يستشهد في سبيل الله! مع أنه يعني حاله إكراه خلينا نقول، ومع ذلك بقي مصراً على دينه، وخسر كل حياته الدنيوية، لكنه اكتسب مقابلها الحياة الأخروية عند الله سبحانه وتعالى.
المهم استشهد هذا الرجل جليس الملك. لكن الآن المشكلة صارت عند من؟ الآن عند الغلام. استدعى الملك الغلام، قال له: إيش هذا الدين الذي تدعو إليه؟ الغلام جريء، واضح؟ قال له: نعم، أنا أدعو إلى دين التوحيد، عبادة الله وحده لا شريك له.
فعرف الملك، طبعا الملك فاهم، قال: هذا الكلام من وين أخذته؟ يعني كل يوم أنت تجي عند الساحر، الساحر مئة بالمئة لا يقول هذا، من وين أخذت الكلام؟ هنا بدأت المشكلة.
الغلام أول شيء تمنع أنه هو تذكر أن الراهب شو قال له: انك ستبتلى، فإذا ابتليت فلا تدل علي. فالغلام تمنى، لكن في النهاية كل إنسان له طاقة معينة في الاستحمال للعذاب. عذبه الملك عذاباً شديداً شديداً حتى اعترف على الراهب.
فأخذ الراهب. خلص، أحياناً سبحان الله أنت قد تاخذ كل احتياطاتك الأمنية وكل معلومات تكون منتبه، ويا فلان دير بالك وكذا، لكن إذا جاء القدر انتهى؛ فأنت لو أخذت بالأسباب ما أخذت، في النهاية في لحظة قدرية خلاص قد تكون فوق الحسابات البشرية، يريد الله أن يكرم بها عبداً له بجنته.
فأخذ هذا الرجل الراهب واستدعاه الملك، فعرف كل موضوعه، فمباشرة قتله، فتم قتل الراهب.
الآن أما الغلام فالملك حاول أن يتفنن في قتله، فكان كل مرة يبعثه مع جماعة من جنوده؛ أخذه أول مرة قال لجنوده: خذوه على شاهق جبل فالقوه ثم عودوا. فأخذوه على شاهق جبل ليلقوه، فالغلام دعا ربه سبحانه وتعالى أن يكفيه شرهم، فهم الذين وقعوا من شاهق الجبل، وهو عاد إلى الملك يمشي!
فالملك استغرب، يعني وين الجماعة؟ قالوا: وقعوا من الجبل وأنا رجعت. طيب، قال لهم: طيب أحملوه في بحر، في سفينة في بحر، والقوه في البحر. فخرج الشاب مع هذه المجموعة العسكرية يريدون أن يلقوه في عرض البحر، فدعى الله سبحانه وتعالى أن يكفيه شرهم، وفعلا هذا الذي حصل؛ انقلب القارب بهؤلاء المجرمين، وهو استطاع أن يعود بالقارب إلى الشاطئ، وعاد إلى الملك يمشي.
فالملك شعر بالربكة الآن، أنه في مشكلة، كل ما أبعث معه جماعة هم يموتون وهو يعود ماشياً! فالغلام، حتى ما يطولها على الملك، قال له: أنت بدك تقتلني؟ قال له: إيه نعم، أريد قتلك يعني. قال له: أنا سأعيك كيف تقتلني؛ تجمع الناس في صعيد واحد، تجمع الناس في مكان واسع، كل القرية.
شوف الآن التضحية! تضحية من أجل ترسيخ العقائد الإيمانية. قال: تجمع الناس في صعيد واحد، ثم تأخذ سهماً من كنانتك، ثم تشده، وتقول: بسم الله رب الغلام. تدعو بماذا؟ بربي، مش بربك! تقول: بسم الله رب الغلام. قال: عندئذ ستقتلني.
الملك طبعا هو أغشي على بصيرته، لو كان ذكياً فطناً الملك ربما لم يمارس هذه الممارسة، لأنه إذا فعلاً اصطاد الغلام بهذه الطريقة، انتشرت دعوة الغلام؛ لأنه سيثبت أنه هو على الحق وأن الملك على الباطل. لكن الملك -لأن الله عز وجل أراد شيئاً وخيراً لهؤلاء البشر- الملك فعلاً فقط كان همه أن يخلص من الغلام، أن يقتله لينتهي من شره، وهكذا يستتب له الحكم فيما كان يعتقد.
فجمع الناس في صعيد واحد، ثم ربط الغلام على شجرة، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم رمى باسم رب الغلام، قال: بسم الله رب الغلام. والناس كلهم سامعون أنه حل أنه أقسم بمن، أو دعا بمن؟ برب الغلام الذي يؤمن.
طبعاً أهل البلدة هم عاجزون من رب الغلام، لأن الغلام أصلاً اشتهرت قصته وكان يمارس الدعوة في أرجاء القرية، فهم يعرفون أن دين الغلام يختلف عن دين الملك. فلما قال: بسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه فاستشهد هذا الشاب الغلام.
فهنا الملك ظن أنه إيش؟ اصطرحنا. فاذا به يتفاجأ أن كل القرية تعلن إيماناً برب الغلام! أنه أنت ما قدرت تقتله بكل الوسائل، ولم تستطع أن تقتله إلا لما نفذت ما هو طلبه منك؛ إذاً هو على الحق، وربه وتوحيده هو الصواب، فآمنت كل القرية برب الغلام.
فهنا الملك طبعا فقد سيطرته على نفسه وجن جنونه، أن ما كان يخشاه حصل وزياده. فأمر بشق ماذا؟ أخاديد في الأرض وملأها نيراناً، وأمر أن يلقى كل المؤمنين في ماذا؟ في هذه النار.
وجاء في بعض الآثار أن هناك امرأة كان معها صبي في المهد، صبي ما زال رضيعاً، فتلكأت أن تلقي نفسها في النار مع رضيعها، يعني أمه، طفل، موت، مو موت، يعني نار، المشهد مخيف، فكأنها تلكأت وحدثت نفسها بالتراجع عن الدين، فانطق الله صبيها -وهذا ممن تكلم في المهد، قالوا: أربعة تكلموا في المهد ومنهم هذا- قال له: اثبتي يا أماه فإنك على الحق! خلص، عرفت أن هذا رسالة من الله عز وجل، فرمت نفسها مع صبيها في النار فاحترقت.
انتهى مشهد الدنيا، لكن المشهد عند الله سبحانه وتعالى ستفتح هذه الملفات مرة أخرى. هذه القصة بحد ذاتها هي فكرة ترمز إلى موضوع مهم في حياة أي مسلم ومسلمة في السير إلى الله عز وجل؛ أن هذا الدين قائم على ما قاله الراهب للغلام: انك ستبتلى.
ما في شيء اسمه يعني حالة من التدين والالتزام العام ودون وجود مواجهه؛ لأن بعض الناس هو يبحث عن الدين الناعم، بتعرفوا شو الدين الناعم؟ يعني الدين بلا مواجهة، أنه يعني كلنا خير وبركة، وأنه الحياة نبقى فيها مسلمين ويهود ونصارى والحياة جميلة، ويعني لازم يكون في خصومات ومعارك؟ هذا في الأحلام إن شاء الله بتجده، لكن في دنيا الناس، فيما أراد الله أن يكون، ليس موجوداً.
قضى الله سبحانه وتعالى أمراً سيقع إلى يوم القيامة، وهو بقاء الصراع بين الحق والباطل، والمواجهة بين أهل الإيمان وأهل الكفر. ونحن أيضاً مأمورون بالمواجهة، نحن لسنا فقط مطلوب منا أن ننتظر أن يهاجمونا لندافع، لا، نحن مطلوب منا أن نتقدم ونواجه، ومطلوب منا: ﴿وَقَاتِلوهُم حتَّى لا تَكونَ فِتنةٌ وَيَكونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾. مطلوب منا أن نخضع هذه الأرض كلها لشريعة الله سبحانه وتعالى، وهذا بالتالي سيقتضي أن هناك صراع وهناك مواجهة.
والعدو يعرف ذلك جيدا، لذلك العدو إلى يومنا هذا لا يفتر ليلاً ونهاباً في وضع المكائد والمصايد والشبهات والشهوات وإفراز كل ما أنتجته الصهيونية والماسونية العالمية في مواجهة أهل الحق وفي إخراجهم من دينهم بكل الطرق والوسائل. إذا ما نفع معنا بالهذا بتيجي الأسلحة بتخصف في غزة وبتخصف في سوريا وبتخصف في السودان، يعني رح نواجهكم، سنواجهكم.
بالتالي بدك تكون أنت فاهم طبيعة الصراع، وسورة البروج هي تؤكد على هذا الصراع؛ هذا الصراع الذي هو سنة من سنن الوجود الإنساني الذي أراد الله عز وجل به أن يفهم الإنسان أنك ستبتلى. وبالتالي، طيب أين سأنتظر الثمن؟ الثمن ليس ضرورة أن تجده في الدنيا؛ ثمن صبري، الضريبه التي دفعتها، متى سألاقي نيجتها؟ ممكن مش في الدنيا، ممكن كل منطقة معينة كلها تباد كما حصل مع أصحاب الأخدود، منطقة معينة قد تباد عن بكرة أبيها، لكن الثواب عند الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبيرُ﴾ [البروج: 10-11].
هذا ما نتعلمه من سورة البروج؛ أن ثمن صبرك وجهادك ورباطك ومدافعتك ليس شرطاً أن ترى ثماره في الدنيا، بل قد ترى ثماره في الآخرة. وأن من سنن الله سبحانه وتعالى أحياناً -حتى تكون أنت مطمئناً لقضاء الله ولا تعترض على الله- هل يمكن لمنطقة من مناطق المسلمين أن تباد عن بكرة أبيها وينتهي المشهد في الدنيا للحظة، لسنوات؟ ممكن، اختارهم الله للجنة، اختارهم الله للشهادة. حتى لا تعترض على الله وتقول: ليه يا رب؟ لا، هم انتصروا؛ انتصروا في ماذا؟ في الثبات على المبدأ.
أعظم انتصار للمؤمن ليس الانتصار الحسي، هذه قضية البلدان وأنه أنا ملكت مساحة وأنت ما ملكت، هي دنيا أحبونها، ربنا سماها، لكن الانتصار الحقيقي هو انتصار العقائد وانتصار الفكرة، وأن تبقى ثابت على لا إله إلا الله لآخر نفس، ولو قتلت ولو قتل معشرك؛ هذا هو الانتصار الحقيقي الذي نفهمه من سورة البروج.
نعم، كما قلت لك، قد تباد منطقه كاملة ولا يبقى لها ذكر في الخارطة. طب هل الله مش موجود؟ يعني هل الله عز وجل لم يشاهد هم يبادون؟ كان حاضراً سبحانه، حاشاه، لكن هو سبحانه له حكم؛ يصطفي من يشاء، يختار من يشاء، يدخر النصر لأجيال لاحقة، هو فعال لما يريد. وهذا ما ورد في سورة البروج: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16]. أنت ما بتحكم رب العالمين متى ينزل النصر على بقعة أو على فئة أو طائفة، أنت عليك أن تبذل لهذا الدين وأن تضحي لهذا الدين وأن تنتظر الثواب على تضحيتك وثباتك وصبرك عند الله سبحانه وتعالى.
قضية انتصرنا، الجيل هذا، الجيل الثاني، الثالث اللاحق، هو فعال لما يريد، ولست أنا من سيحدد ساعة النصر وساعة التمكين؛ لأنه هي الدنيا هكذا، هي الدنيا صراع بين أهل الحق وأهل الباطل، ومقاتلة، ويتخذ منكم شهداء، ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 141].
وبعد هذا المشهد الهائل تبقى هذه الدنيا تسير، لذلك حتى في لحظات انتصار الأمة ملكنا الأندلس بعدين سقطنا، يعني هي هكذا، ملكنا مناطق كثيرة ثم ذهب ثم عدنا ثم نعود؛ لأن الله سبحانه وتعالى أراد هذه الدنيا أن تكون على صعود وهبوط، صعود وهبوط، ليكون هناك مقاصد جلية تظهر في الحياة الإنسانية، البلاء والجهاد والثبات وإلى آخره.
فلا تظن أننا إذا وصلنا لمرحلة الانتصار خلص رح نستريح، الحمد لله خلصنا من اليهود وحررنا، لا رح نبلش ببعضنا، يعني عادي يعني ما تنكروها يعني، كثير عادي جداً.
فبالتالي لا تجعل أقصى طموحك في الدنيا انتصار البقاع؛ لأنه للاسف من يجعل هدف انتصار البقاع تذهب أثناء هذا كثير من عقائد الإيمان تذوق وتذهب وتصبح الوطنية هي المطلوبة، ونجمع الناس على الحق والباطل، وتصبح كثير من الأفكار الجاهلية تعيش، ليه؟ لأنه أنا ما جعلت هدفي أن تنتصر الفكرة وينتصر المبدأ وتنتصر العقيدة، لا، أصبح هدفي أن تنتصر بقعة وأن تنتصر جغرافيا، وليس هذا هو المقصود الإالهي. أولاً هذا يحصل تبعاً، لكن ليس من أجل ذلك تتفسخ العقائد والأديان وتتغير الانتماءات والولاءات وتذوب معاني الحب في الله والبغض في الله من أجل بقاع، بل يبقى التوحيد والحب في الله والبغض في الله والبوصلة والمفاهيم العقدية هي الواضحة هي الراسخة.
ثم بعد ذلك قد تموت أنت على هذا الطريق، قد لا ترى شيئاً، قد تفنى الجماعة المسلمة، ممكن، ممكن ومتصور، وهذا ما ترسخه سورة البروج إخواني؛ هي تؤسس لفكرة تقبل الفناء للجماعة المسلمة وتقبل البلاء وأنك تحصل الثواب عند الله سبحانه وتعالى.
طبعاً هذا كله لا يعني عدم الأخذ بالسياسة الشرعية والقواعد المرعية، وعدم النظر في عواقب الأمور، وعدم الاستعجال في اتخاذ الخطوات، فانه ليس المطلوب من الإنسان -لأن هذا الخطاب ممكن نشأ، خلص يا شيخ مادام المطلوب الجنة ندب حالنا في هال-البحر لا. يعني أظن أنك لازم تشاهد المشهدين؛ أنه أيضاً مطلوب منك أن تتأنى وأن تتروى وأن تأخذ الاحتياطات على قدر المستطاع.
يعني الراهب، الراهب هل قال للغلام: اسمع إذا شفت الملك قول له والله في راهب بيستناك؟ لا. الراهب شو قال له؟ قال له: أنت ما تحكي عني، بس لما انمسك صبر. فالراهب بذل الأسباب والاحتياطات، لكن في النهاية كتبت له الشهادة، بس هو ما الراهب، الراهب لم يكن يكون مندفعاً، فهمتم معي الفكرة؟ الراهب ما كان مندفع أنه أنا بدي أورجي الملك لأنه عارف حاله واحد، وأنه الملك إذا مسكه رح يصفي، فما في داعي للاندفاع. لكن لما انمسك وانحط في الظرف صبر، فهمتم؟
فالإنسان يأخذ بالأسباب ولا بد منها، ولا يجوز أن يرمي الإنسان نفسه في المهالك. لكن بعد ما تأخذ بالأسباب وتحط وترسم منهج السياسة الشرعية لما تكون عند فقهاءنا وعلمائنا، بعد ذلك بدك تعرف أنه بعد كل هذه الأسباب ممكن يا شيخ ابتلى ولا يحدث نصر دنيوي؟ أي نعم، بعد كل أخذك بالأسباب ممكن يكون هناك بلاء لأهل الإيمان وقتل، ممكن، لأن الله عز وجل قال لك: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا استَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] لكن بعد ذلك ممكن أنصركم في لحظة معينة نصر دنيوي، ممكن أتخذ من هذه الطائفة كلهم شهداء إلى الله عز وجل ويكون النصر لجيل لاحق.
فالمطلوب من في مشاعر المؤمن هو شعور أنه جندي لخدمة الإسلام، الجندية؛ يعني أنا عبد لهذا الإله أنفذ ما استطيع ضمن طاقاتي اللي ربنا منحني إياها، بعد ذلك ماذا سيحصل في الدنيا، متى يجي النصر، ما يجي النصر؟ هذا مهم حتى لا أبقى متشككاً متذمراً من ربي أنه بعض الناس.
يبدأ شوي وشوي هيك يتشكك أنه: يا أخي ليش فش نصر؟ ليش فش كذا؟ طب ليش تأخر؟ طب هي الجماعة ضحوا، طب هي كذا. لا، شيء طبيعي، هو هكذا الدين، وهكذا التضحية في سبيل الله سبحانه وتعالى. اقرأ الآيات شيخ.
نعم، بداية. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 1-9].
طيب، اقرأ التفسير سريعا. قال رحمه الله: والسماء ذات البروج هي البروج الاثنا عشر وقيل النجوم أو عظام الكواكب، واليوم الموعود يوم القيامة.
الآن البروج في خلاف يعني بين المفسرين الأقدمين، قيل هي منازل للنجوم ومنازل يعني أو علامات معينة في السماء يعرفونها، الله أعلم، لكن هي بالتأكيد منازل معينة في السماء، هل هي منازل القمر؟ منازل النجوم؟ الله أعلم بها.
قال: وشاهد ومشهود أي وشاهد اليوم الموعود. يعني شوف سميه اليوم الموعود، كأن كلمة الموعود يعني الذي سنتعد فيه جميعا، لن يغيب عنه أحد، تواعدنا على اللقاء فيه، وهو يوم القيامة يوم ينتظر الجميع. نعم.
قال: وشاهد ومشهود أي وشاهد في ذلك اليوم وشهود فيه، والمراد بالشاهد من يشهد فيه من الخلايق كلهم، وبالمشهود فيه ما في ذلك اليوم من عجائبه. فقير الشاهد يعني هنا يعني طبعا هناك تفاسير كثيرة وردت عن السلف في تفسير شاهد ومشهود، يعني فقط أنه هي العبارة عامة وتحتمل عدة احتمالات، يعني شاهد ومشهود عليه، تمام. فيقول المراد بالشاهد هو كل من سيشاهد أهوال يوم القيامة، والمشهود هي تلك الأهوال.
فهمت ما معنى خلاصه كلامه؟ الشاهد هم كل الخلايق لأنها هي شاهدة على ما في ذلك اليوم، والمشهود ما هو؟ ما في ذلك اليوم من الأهوال العظيمة: إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت، وهكذا. فالشيخ شاهد هم الخلايق والمشهود ما في ذلك اليوم من العجائب، تمام.
قال: وطريق تنكيرهما، أما في قوله علمت نفس ما أحضرت كأنه قيل ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود، نعم. إذا لماذا نكر؟ قال: وطريقة تنكيرهما، ماذا يقصد؟ يعني لماذا لم يقل الشاهد والمشهود؟ لماذا قال وشاهد نكرة ومشهود نكرة؟ قال: أما للتكثير. أما للتكثير، يعني شاهد التنكير أحيانا يدل على الكثرة، يعني ما أكثرهم من شهود ومشهود، يعني وما أكثرها من مشاهد ستشهد يومئذ يوم القيامة عندما ترى المجرمين والطغاة والظالمين والفاسدين، كلهم ماذا سيحصل بهم وكيف يجرون؟ ما أكثر المشاهد يومئذ المرعبة، تمام. فإذا فائدة التنكير ما هو؟ التكثير للشاهد والمشهود عليه، تمام.
قال: واما للابهام في الوصف، كأنه قيل وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما. والقول الثاني أن الفائدة من التنكير هو ماذا؟ الابهام، أراد أن يبهم في الوصف فكأنه قيل وشاهد ومشهود لا يمكن أن تعرف وصفهما دلالة على عظمتهما، كيف و﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: 78] دلالة على أنه شيء مذهل لا يمكن أن يحدده الوصف، فكان قوله وشاهد ومشهود كأنه شاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما، أي لا يمكن أن يحيط بهما الوصف، لكن هذا يصح إذا قلنا إن الشاهد هو ليس الخلايق الطبيعيين، لأنه إذا قلنا الخلايق الطبيعيين فكيف لا يكتنه وصفهما؟ لأنه معروف وصفهما، إلا أن يراد لا يكتن وصفهما من حيث الكثرة، فنعود إلى المعنى الأول، وهو معنى أن التنكير للتكثير، تمام. فقضية الابهام في الوصف لأن الشاهد لا يمكن وصفه، ممكن هنا إذا كان المراد الله، أي نعم، فهنا لا يمكن وصفه، والمشهود عليه هو ما في ذاك اليوم من العظائم والاهوال، فهذه أيضا لا يمكن وصفها، فيكون الكلام يعني بهذا المعنى جيد، اصبح هناك دلالة مفهومة لقضية الابهام.
لذلك قال النسفي بعد ذلك: وقد كثرت أقاويل المفسرين فيهما، فيها كلام كثير، فقيل الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة. قيل الشاهد عيسى عليه السلام والمشهود أمته لقوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: 117]. وقيل الشاهد هو الحجر الأسود والمشهود عليه هو الحجيج أو أيام أو الأيام والليالي وبنو آدم للحديث: ما من يوم إلا وينادي: أنا يوم جديد، وعلى ما يفعل في شهيد، فالأيام والليالي هي الشاهد وبنو آدم هم المشهود عليهم. وقيل الشاهد هم الحفظة الذين كانوا يكتبون عليك والمشهود عليه هو الإنسان الذي كتب. وقيل الشاهد هو الله والمشهود عليه هو الخلق لقوله تعالى: ﴿وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 79]. وقيل الأنبياء جميعا مع محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود عليهم أممهم.
حقيقة، مع كل هذا، إذا ما دام الأمر في احتمالات كثيرة، إذا خلوها على هكذا، خلوها على كل احتمالاتها، كل من سيكون شاهدا ومشهودا، يعني كل ما ذكر نحن بنقول هو نوع من أنواع شاهد ومشهود، ولا داعي لأن أحصر الشاهد والمشهود في صورة واحدة من الصور، كل ما يصلح أن يكون شاهدا الله وملائكته والأنبياء والليالي والايام والقرآن، كل ما يصلح أن يكون شاهدا داخل في الآية، وكل ما يصلح أن يكون مشهودا عليه يوم القيامة هو داخل في الآية، بل بالعكس جمالية الآية في ايش؟ في إبهامها، جماليتها في ايش؟ كل شاهد ومشهود، كل شيء، كل ما يخطر في ذهنك سيكون يوم القيامة.
طب أقسم الله بالسماء وأقسم باليوم الآخر وأقسم بكل شاهد ومشهود عليه في اليوم الآخر، على ماذا أقسم؟ أقسم أنه لعن أصحاب الأخدود، قتل بمعنى ماذا؟ لعن. أقسم على لعنة المجرمين والظالمين، أقسم بهذه الأمور على لعنة المجرمين والظالمين الذين يسومون المؤمنين سوء العذاب، وماذا تريد أكبر عقوبة من هذه؟ ايش تريد أكبر عقوبة أن الله بنفسه وذاته المقدسة يلعن المجرمين والظالمين الذين يعذبون أهل الإيمان؟ لو أن كل مجرم وظالم يقرأ القرآن ويسمع هذه اللعنة، الأصل يعني أن ترتجف أعضاؤه خوفا من الله سبحانه وتعالى، الله يلعنك بهذا القسم المهيب لعن أصحاب الأخدود، وما أكثرهم أصحاب الأخدود اليوم. نعم.
قال: قتل أصحاب الأخدود أي لعن، كأنه قيل أقسم بهذه الأشياء أنهم أقسم بهذه الأشياء أنهم لملعونون، أنهم ملعون يعني كفار قريش، كما لعن الأخدود. وحقيقة الموضوع ليس كفار قريش فقط، يعني صحيح هو الكلام كان أول ما نزل لكفار قريش تنبيها لهم أن ربنا لعن أصحاب الأخدود وأنتم مثلهم عم تعملوا أخاديد للموحدين في مكة، لعمار بن ياسر ووالديه وبلال، لكن هي عامة لكل من يعيش في كل زمان ومكان. طيب.
قال: وهو خد الأخدود جمع خد، الشق الشق العظيم الذي يكون في الأرض. طبعا هنا ذكر قصة الغلام التي قصصتها لكم قبل قليل فلا داعي لأن نقراها مرة أخرى لطولها.
قال: النار قال: النار بدل اشتمال من الأخدود، نعم، لأن الأخدود فيه نار فقال: النار هذا بدل من الأخدود لأنه كان جزء منه، نعم. قال: ذات الوقود اعتقد أن ذكر بدل بعض من كل أفضل من ذكرها بدل اشتمال لأنها جزء محسوس وليس جزء معنوي، فقال هو الناري يعني جعلها جزء معنوي إجتمالي الذي يظهر لأن بدل بعض من كل أفضل، المهم. طب النار ذات الوقود وصف لها بأنها عظيمة متوقدة لهبها عال.
قال: إذ قال: إذ ظرف لقتل، أي لعن حين حين أحرقوا بالنار حادقين حولها هم عليها. إذا قال لعن أصحاب الأخدود، متى استحقوا اللعنة؟ وقتها، إذ بمعنى وقت، لعن أصحاب الأخدود، استحقوا اللعنة وقت هم قعود على النار يؤججونها ويضرمونها ويقتلونها، هناك استحقوا كامل اللعنة وجعل اللعنة في ذلك المشهد لأنه أكبر مشهد إجرامي، يعني مشهد الفجر المجرمون وقد اضرموا أخدودا وهم قاعدون يلقون الناس في هذا الأخدود، أكبر مشهد إجرامي ودموي هو هذا، بالتالي كانت كامل اللعنة في هذا المشهد. نعم.
قال: هم عليها الكفار على ما يدنو منها من حافات الأخدود قعود جلوس على الكراسي، وهم أي الكفار على ما يفعلون بالمؤمنين من على الكراسي أو غيرها، يعني مش ضروري على الكراسي يعني. طيب وهم أي الكفار على ما يفعلون بالمؤمنين من الإحراق والآلام شهود، شايفين بعض يشهد بعضهم لبعض عند نعم الملك. قال يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر وفوض إليه من التعذيب.
ولاحظ هنا اللعنة إذا على من؟ على الملك وعلى أعوانه، ما حدا يقول أنا ما لي دخل، أنا والله عبد مامور، لا سيدي، أنت داخل معه، ليه؟ لاحظ يشهد بعضهم لبعض عند الملك، يعني كانوا يذهبون إلى ملك القرية ماذا يقولون؟ نحن سيدنا عملنا اللي طلبته منا، أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به، كنا عملنا اللي طلبته منا، اه هل اللعنة فقط على الملك ولا برضه على أعوانه؟ كله داخل، أنت في النهاية المطلوب منك أنك ما تفعل لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. طيب.
قال: وفيه حث للمؤمنين على الصبر وتحمل أذى أهل مكة في كل زمان ومكان وليس فقط مكة. نعم.
قال: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا وما عابوا منهم وما انك ما هو العيب؟ هذا اسلوب طبعا اسلوب بلاغي، ايش العيب الوحيد اللي وجدوه فيهم حتى يفعلوا فيهم هي الجريمه؟ ما عابوا عليهم إلا عيبا واحدا، هذا اسلوب بلاغي لما يكون الانسان ف في اي عيب بقول لك يا اخي انت مش ماخذ علي عيب الا اني موحد. طيب هو التوحيد عيب؟ طيب لماذا تم استثناؤه؟ اه هذا يسمى اسلوب بلاغي لتأكيد المدح، يسمى تأكيدا للمدح بما يشبه الذم عند البلاغيين، هذا يسمى أن تؤكد المدح بما يشبه الذم تقو كما يعني ذكرى المتنبي لما قال: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب.
هذا اسلوب جميل في تاكيد المدح مع انه انا متوقع انك رح تذكر ذم، لانه قال وما نقموا منهم يعني ما عابوا على هؤلاء الا شيئا واحدا، هسه لما تقول الا شيئا واحدا انت شو تتوقع انه اه في عيب واحد طلع منهم الا شيء واحد انهم كانوا موحدين هو هذا عيب؟ لا، ما داموا لم تنقموا الا شيئا واحدا ثم نظرنا في هذا الشيء الواحد فاكتشفنا انه ليس عيبا بل هو قمة المدح، اذا فعليا ما في اي خطا ما فيش اي عيب وهذا معنى قول المتنبي: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب.
كان يمدح قوم مع ملك، فكان يقول هذول القوم ما فيهم اي عيب الا أن سيوفهم فيها يعني اعوجاج لكثره قتالهم وجهادهم. طب هذا عيب؟ لا، عكس هذا مدح أن سيوفهم فيها فلول بسبب قرع الكتائب والجهاد، فهذا يدل كأنه لا عيب فيهم، فهذا ما يسمى في البلاغة أن تؤكد المدح باسلوب يشبه الذم، فيقول الله هؤلاء المجرمون لماذا قتلوا الموحدين؟ ما نقموا منهم يعني ما عابوا عليهم الا شيء واحد، ما هو؟ الا ان يؤمنوا بالله الا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والارض والله على كل شيء شهيد.
وهل هذا شيء يعاب على الإنسان؟ هل هذا شيء يستحق إحراق هؤلاء الرجال والنساء والاطفال؟ اقرأ.
قال: وقوله: وما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون أن غضبوا، فقريء نقموا بالكسر، نقموا بالكسر والفصيح هو الفتح. بالله العزيز الحميد ذكر الاوصاف التي يستحق بها أن يستحق بها أن يؤمن به وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه (يعني يجوز أن تقول نقموا ونقموا ولكن الأفصح هو نقموا).
بالله العزيز الحميد ذكر الاوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به وهو أنه عزيز، والعزيز هو الغالب، والحميد الذي فيه كل الخصال والامور التي تستحق أن تحمد، فهذه لا تكون لا تجتمع الا في الله سبحانه وتعالى، الذي له ملك السماوات والارض، فكل من فيها يحق عليه عبادته والخشوع له، تقريرا يعني انتم غضبتم من هؤلاء لأنهم خضعوا لمالك السماوات والارض؟ من خضع لمالك السماوات والارض يعذب من خضع لمالك السماوات والارض؟ طب ماذا تتوقعون أن يفعل بكم مالك السماوات والارض لما عذبتم من خضعوا له؟ وهذه كلها فيها لهجة تهديد أيضا.
طيب، والله على كل شيء شهيد، هذه نختم بها اليوم. والله على كل شيء شهيد كم تعطي من معاني الطمأنينة في قلب الإنسان؟ يعني الله يقول في لحظة التعذيب: أنا ما كنت غائبا، هذه معاني سورة البروج، أنا كنت حاضرا وهم يعذبون، ما كنت منشغلا بطائفة أخرى أدبر شؤونهم، كنت شاهدا على المؤمنين وهم يعذبون في سبيلي تمام. والله على كل شيء شهيد، كنت شاهدا وما غبت.
طيب لماذا حصل هذا يا رب؟ هي ضريبة الصراع وهي سنة الله وحكمته ليتخذ منكم شهداء نعم، وليمحص الله الذين آمنوا وليميز الخبيث من الطيب، ولأمور كثيرة نحن لا نعرفها أيضا كشف لنا أمور وخبا عنا أمور، لكن إياك أن تشك في لحظة أنه لم يكن شاهدا على لحظة التعذيب. ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 22].
نكمل إن شاء الله في الدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل