دخولتسجيل الدخول

المجلس السابع والستون - سورة عبس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على تفسير العلامة النسفي رحمه الله تعالى عليه، ونسأله سبحانه وتعالى أن ينجي المستضعفين من عباده في مشارق الأرض وفي مغاربها، وأن يجعل لهم من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً. ونسأله سبحانه وتعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجمع كلمتنا على توحيده وعلى مرضاته، وعلى الرباط في سبيله ومناظرة أعداء الأمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ما زلنا مستمرين في تفسير جزء عم، ووصل بنا الحديث إلى سورة عبس. سورة عبس حقيقة من السور العظيمة في أفكارها، وإن كانت صفحة واحدة، لكنها حقيقة تؤصل لمجموعة من المفاهيم الكبرى في التصور الإسلامي. سورة عبس أظن أن المقطع الأول معلوم، لماذا نزل؟ في معاتبة النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه في موقف صدر منه تجاه ابن أم مكتوم رضي الله تعالى عنه.

ابن أم مكتوم أحد الصحابة الكرام، كان ضريراً فقيراً، وعادة أمثال هذه الطبقات قد لا يُعبأ بها في المجتمعات، أو قد ينظر إليهم على أنهم ليسوا هم أصحاب السطوة أو من يظن أن يكون لهم مركزية في بناء الدعوة وحمل لواء الدولة المسلمه أو النظام الإسلامي. فالنبي صلى الله عليه وسلم أيها الكرام في يوم من الأيام كان جالساً مع صناديد قريش، كان جالساً مع عتاولة قريش، مع أصحاب الغنى والقدرات والرؤوس الكبار، وكان يدعوهم إلى الإسلام.

فجاءه هذا الصحابي الخفيف اللطيف سيدنا عبد الله بن أم مكتوم، وكان ضريراً، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن شيء من أمر دينه، ويريد أن يتزكى وأن يسمع منه وأن يعظه النبي عليه الصلاة والسلام. فنظراً لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان منشغلاً بمخاطبة عتاولة قريش وزعاماتهم، كأنه عليه الصلاة والسلام انقبض صدره لما رأى عبد الله بن أم مكتوم قادماً الآن للسؤال، لأنه كان يرى باجتهاده أن المصلحة تقتضي أن يركز الآن على دعوة هؤلاء الكبار، لأنه باسلامهم سيكون ظهور وعز للإسلام والمسلمين.

أما أنت يا عبد الله بن أم مكتوم، فإننا يمكن أن نتفاهم معك في وقت آخر، وأن نرشدك ونعلمك في وقت آخر، لكن دعني الآن اقتنص هذه الفرصة، فها هم عتاولة قريش أمامي يسمعونني وأحاورهم وأجادلهم لعلهم يسلمون. فالنبي عليه الصلاة والسلام صدر منه هذا الموقف، فانزل الله سبحانه وتعالى هذه السورة لعاتبه على هذا الموقف وعلى هذا الشعور، وإن كان صلى الله عليه وسلم مجتهداً فيما اتجه إليه مولاً فيه أنه يريد عزة الإسلام والمسلمين من خلال إسلام هؤلاء الكبار.

وهو عليه الصلاة والسلام حاشاه أن يكون مزرياً لابن أم مكتوم، حاشاه صلى الله عليه وسلم، كيف وأخلاقه الرفيعة تشهد أنه على خلق عظيم؟ لكن هو تقدير مصلحة الموقف، أليس كذلك؟ الاشكال وقع في ماذا؟ في تقدير المصلحة في هذا الموقف. فعاتبه الله عز وجل هذه المعاتبه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1-2]، وما يدريك لعله يتزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى فانت له تصدى، وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فانت عنه تلهى، كلا.

كلا، يعني لا أقبل هذا، الله عز وجل يقول: كلا، لا أقبل هذا التعامل. هذا المقطع وهذا المشهد يدل على فكرتين عظيمتين في التصور الإسلامي. الفكرة الأولى وهي قيمة الأشخاص عند الله سبحانه وتعالى وفي التصور الإسلامي تختلف عن التقييمات البشرية لها. الإسلام أتى لجهل جهلاء، ولعرب عرباء، ولناس كانوا يرون التفضيل باعتبار الجاه، باعتبار الزعامه، باعتبار المال، فجاء الإسلام ليعيد ترتيب الأفكار من جديد، وليبين أن ذاك الإنسان الأشعث الأغبر الضرير الكليل، ذاك الإنسان بحبه لله وتوحيده لله أعظم وزناً عند الله سبحانه وتعالى من كل العتاولة ومن كل القيادات ومن كل الزعامات.

فقيمة المرء عند الله سبحانه وتعالى بتقواه بخشيته بتمسكه بدين الله عز وجل. هذه ثورة في باب القيم والأفكار والمعتقدات والتصورات بالنسبة لتلك الجاهلية التي ما كانت تعرف الإنسان إلا بقدرته على القتال وقدرته على المال وززعاماته وحسبه ونسبه. جاء القرآن ليبين من جديد الموازين الصحيحة وليضع مفاهيم جديدة للصحابه الكرام: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. هذا مفهوم مهم.

وفي ضمن ذلك، الله سبحانه وتعالى قادر على أن ينصر الدين حتى بالضعفاء. الله سبحانه وتعالى قادر على نصره دينه حتى بالضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم. نعم، لا مانع أن الإنسان كشعور داخلي يحب أن يسلم الكبار الاقوياء كحمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، لكن إياك في لحظة ما أن تظن أن الله سبحانه وتعالى لا يقدر على أن ينصر هذا الدين إلا بالكبار، لا، هو قادر على أن ينصر الدين حتى بأمثال بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وابن أم مكتوم.

قادر أن ينصر الدين حتى بهؤلاء الذين منهم الضرير ومنهم الأعرج ومنهم الأسود، الله عز وجل قادر على أن ينصر دينه. فإياكم أن تاخذوا من الأسباب ما لا يؤمر أن يؤخذ به، نعم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، ابذلوا الأشياء المطلوبة أن تبذلها، لكن إياكم أن تظنوا في لحظة ما أن انتصار هذا الدين مختزل في إسلام العتاولة، أسلموا أو لم يسلموا هذا لصالحهم وليس لأن الدين يحتاجهم.

هذا أيضاً مفهوم عظيم جداً حتى يبقى الإنسان سوياً نفسياً في هذه المعاني، أن الإنسان وإن كان يحب أن يسلم الكبار وأصحاب الوجوه والجاه والزعامات، لكنني لا تتزعزع ثقتي بأن الله عز وجل قادر على أن ينصر دينه حتى بالمستضعفين، بل القرآن يعلمنا على مدار تاريخ النبوات من الذي كان يسلم عادة مع الأنبياء؟ المستضعفون.

ولذلك هرقل زعيم الروم لما استدعى أبا سفيان بن حرب وساله عن تفاصيل النبي عليه الصلاة والسلام، كان من الاسئله التي سالها هرقل زعيم الروم لأبي سفيان، قال له: من الذي يسلم معه؟ المستضعفون أم الزعامات والكبار؟ قال: بل المستضعفون. فرق ملك الروم لأنه يعرف الكتب السابقه، قال: وهكذا الأنبياء عادة الذين يؤمنون بهم هم المستضعفون. والله ينصر دينه حتى بالمستضعفين.

المستضعفون الذين يبذلون جهدهم طاقتهم الإمكانيات المتاحه لديهم يحاولون، الله سبحانه وتعالى يأخذ بأيديهم ويجعلهم يتربعون فوق عرش الكافرين المستكبرين. من الذي كان يتخيل أن عبد الله بن مسعود الذي كان يرعى الغنم وكانت قدماه هزيلتين ضعيفتين، في يوم من الأيام سيتربع فوق أبي جهل ليقطع رأسه؟ من الذي كان يتخيل أن بلال الحبشي الضعيف المستضعف الذي كان يلقى على بطحاء قريش وتوضع الصخرة على بطنه ويقول: أحد أحد، في يوم من الأيام سيحتز رأس أمية بن خلف أحد صناديد الكفار؟

من الذي كان يتخيل أن معاذ ومعوذ شابان صغيران عمر الـ 16 والـ 17 كانت نهاية أبي جهل على أيديهما؟ الصغار والمستضعفون أذلوا الكبار وداسوا على رؤوسهم، ليعلمنا الله سبحانه وتعالى هذه الفكرة أن هذا الدين لا ينصر بالزعامات والقيادات والجاهات، وإنما ينصر بماذا؟ بالرجال المخلصين الصادقين الذين يحملون هم الدين في قلوبهم ويخشون الله حق الخشية، سواء كان من أصحاب الحسب أو لم يكن له حسب، سواء كان من أصحاب الجثث الكبيرة أو من أصحاب الأجسام الضئيلة، فالله قادر على أن ينصر دينه.

هذه الفكرة الأولى ستاخذني إلى فكرة ثانية وأعتقد أنها مهمة جداً جداً في سورة عبس، وهي أن هذا الموقف من الذي اجتهد فيه؟ النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الذي عوتب فيه؟ أفضل البشر صلى الله عليه وسلم، عوتب على ماذا؟ على اجتهاده العقلي الذي سلكه في أنه نحى ابن أم مكتوم محاولة منه لدعوة زعامات قريش. هذا يدل على ماذا أيها الكرام؟ أن الإنسان مهما بلغ في نضجه العقلي فهو مفتقر إلى الشريعة والوحي الإلهي.

هذا مفهوم عظيم جداً في سورة عبس، أن الإنسان مهما بلغ في الكمالات العقلية فهو مفتقر إلى التوجيهات الإلهية، وأن العقل الإنساني مهما كان ذكياً فطناً هو عاجز على أن يدرك وجوه المصالح في شتى الأمور. هل هناك عقل بشري أنضج من عقل النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل هناك إنسان بشري أوعى عقلا وذهناً وانتقاداً من الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام؟ ومع ذلك في هذا الموقف جاءه العتاب.

ومع ذلك في هذا الموقف جاءه العتاب ليدلل هذا دلالة واضحة أن الإنسان مهما بلغ في الذكاء والعقل، فالعقل لا يستطيع أن يدرك جميع أشكال المصالح، وانه مفتقر أن يبقى تحت دائرة الوحي. هذا أظن مفهوم عظيم جداً، تفهم ماذا أقول؟ النبي عليه الصلاة والسلام اجتهد بعقله اجتهاداً بشرياً أن ينصب على زعامات كفار قريش، فعاتبه الله ليبين أن الصواب في خلاف اجتهاده.

إذاً إذا كان أنضج الناس عقولاً وهو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يعاتب في هذا القرار وكان مفتقراً للوحي الإلهي ليبين له الصواب، فما بالك نحن الضعفاء؟ ما بالك يأتي إنسان يستدرك على القرآن والسنة بعقله؟ ويستدرك على الوحي الإلهي بعقله؟ ويظن أنه قادر أن يأتي بفلسفات وأفكار أعلى من أفكار الكتاب والسنة؟ أو يزعم على الأقل أن العقائد والشرائع والفقه تدرك بالعقول وأن العقول البشرية تستقل بإدراك ذلك؟ حاشاه.

هذا الكتاب العظيم عاتب نبيه صلى الله عاتب الله فيه نبيه صلى الله عليه وسلم ليخبر أن عقولكم مهما بلغت في الكمالات تفتقر إلى توجيه الله، وأن الوحي الإلهي هو الذي يحدد دائرة المصالح ودائرة المفاسد، وليس من شأن العقل إلا أن يكون تابعاً للوحي. ولذلك من المقولات التي أقولها للطلبة: العقل يسمى عقلاً ما دام تابعاً للوحي، فإذا عارض الوحي سماه القرآن هوى.

العقل يسمى عقلاً ما دام تابعاً للوحي، فإذا جاء العقل ليخالف الوحي ما عاد يسمى عقلاً في القرآن، أصبح يسمى ماذا؟ هوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: 43]. الهوى هنا ترى هو العقل، لكن الله سبحانه وتعالى يبين لنا هذه القاعدة في القرآن. واستقراء هذه القاعدة -لم أجد من نص عليها بهذه الطريقه، لكنني أجدها في قراءتي لكتاب الله- أن القرآن يسمي العقل عقلاً ما دام متبعاً الوحي راضياً بحكمه منقاداً له.

فإذا خرج العقل عن سلم الوحي وعارضه ما عاد اسمه عقلاً، أصبح اسمه ماذا؟ هوى. لماذا أيها الكرام؟ لأن العقل لماذا سمي عقلاً؟ من العقال. العقل سمي عقلاً من ماذا؟ من العقال. والعقال ما هو؟ هو الذي تربط به الخيل وتربط به الجمال وتربط به الدواب حتى لا تفلت. فالعقل سمي عقلاً لأنه يلجمك عن القرارات الخاطئة، وأكبر قرار خاطئ هو أن تعارض الوحي.

فإذا عارضت الوحي ما عاد يستحق أن يسمى عقلاً، ما عندك عقل إذا عارضت الوحي، ما عاد يستحق هذه التسمية، ما عاد يستحق أن يسمى عقلاً، أصبح يستحق التسمية الثانية وهي ماذا؟ الهوى، وهو الميل مع الشهوات والملذات. فهذا انتبهوا له، فاذاً سورة عبس تؤكد لكم هذا المنظور الجميل، وهو أن الإنسان وإن كان أنضج الناس عقلاً وأكثرهم فهماً فهو في النهاية قد يخطئ، وبالتالي كلنا يحتاج يفتقر إلى الوحي.

فإذا كان الذي عوتب هو النبي صلى الله عليه وسلم بعظمته وجلاله وكمالاته، فما بالكم نحن الضعفاء؟ قل نحن قليل العقول ضعفاء البصائر، قليل من لا يوحى إلينا من السماء ولا يأتيك جبريل ولا ميكائيل. ماذا تتوقع في قصورك العقلي واجتهادك إذا لم يكن قلبك منوراً بالكتاب والسنة؟ هذا يؤصل لعقيدة المسلم أن المسلم متبع لا مبتدع، ودائماً يشهد على عقله بالقراءة بالتقاسم مقارنته بالوحي الإلهي العظيم الذي فيه الكمالات التي هي خارجة عن قدرة البشر على إدراك كمالاتها، والعقل دائماً مفتقر إليها.

هذان المفهومان حقيقة جليان جداً جداً في عبس وتولى: قضية تقييم الإسلام للأشخاص باعتبار معادنهم بالإيمان والتقوى وليس بالزعامه والحسب والنسب. ثانياً: قضية أن الإنسان مهما بلغ في كماله العقلي ما زال مفتقراً إلى الوحي، وهذا شاهد بين.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولساكع. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ * كَلَّا﴾ [عبس: 1-11].

وقف هنا، يعني حتى تعطي مؤشر: كلا، لا أقبل ذلك، هذه المعادله غير مقبولة عند الله ثم أنها تذكره. نعم، كلا فانت عنه تلهى، كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمه مرفوعه مطهره بايدي سفره كرام برره. هذا هو المقطع الأول من هذه السورة، وحقيقة يعني السورة جميلة جداً في إيقاعها في كلماتها في أفكارها في الكلمات التي وردت فيها.

حتى تسمية السورة: عبس، كأنها تبقى تذكر النبي عليه الصلاة والسلام طوال حياته بماذا؟ بالعتاب ليكون تذكرة لنا. وإلا هو صلى الله عليه وسلم غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، هو تذكير لنا بهذه القيمه: احذر أن تزدري إنساناً أو أن تشاغل عنه ظناً أن هذا الدين إنما ينصر بالزعامات والأحساب والانساب. كلا، عند الله سبحانه وتعالى إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم. لا تقلق، لا تخشى على هذا الدين، هذا الدين هناك رب تولاه، هناك رب يحميه ويحفظه ويرعاه ويسخر له الرجال، وليس شرطاً أن يكون.

الرجال الذين يسخرون لنصرة الدين زعامات وصحاب جاهات، بل عبد الله بن مسعود وسلمان وبلال وغيره، هؤلاء وابن أم مكتوم هؤلاء من حملوا هذا الدين ورفعوا هذا اللواء. فلا يشترط إذن أن يكون الإنسان زعامة أو قيادة حتى ينصر هذا الدين. نعم، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». نحن لا ننكر أن الناس متفاوتة في عقولها وفي قدرتها على القيادة والزعامة وما شابه ذلك، لكن لا نجعل هذا الأمر يؤثر على موقفنا وتعاملنا مع المستضعفين من المؤمنين. هذا أهم شيء، ألا تجعل حبك لقدوم الزعامات والإحساس يؤثر على طبيعة تصرفك ونظرك لباقي المؤمنين، فالكل سواسية والكل له حق الانتفاع والتعلم والاستفادة، كان حسيباً أو وضيعاً، كان زعيماً أو صغيراً، الكل له هذا الحق. وفي النهاية الذي ينفع، من أخذ الدين وتلقاه وقبله، ينفع نفسه، وأما من أعرض عنه فلا يظن أنه يضر الله شيئاً، هو مسكين، هو يضر نفسه ويهلكها، وإلا فالدين منتصر منتصر، ويسخر الله سبحانه وتعالى له من ينصره.

قال سبحانه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1-2]. هذا الكلام عمن؟ عن النبي عليه الصلاة والسلام، الله عز وجل يعاتبه يقول: عبس. والعبوس أن يقطب الإنسان وجهه هكذا لما يكون متضايقاً من شيء، هذا هو العبوس، لذلك قال: عبس، بمعنى كلح، وهذا معنى أن يقطب وجهه عندما يكون متضايقاً من يعني من تصرف معين أو شيء ظهر أمامه. عبس؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم ليس فقط عبس، عبس وتولى، عبست وأعرض عن هذا الأعمى. أن جاءه الأعمى؛ أي لأن جاءك شخص أعمى رأيت أنه ليس صاحب حسب ولا نسب، فقدّرت أن المصلحة أن تنشغل بدعوة الزعامات عن دعوته وإصلاح قلبه. لاحظوا العتاب الشديد: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1-2]؛ أي لأن جاءه رجل أعمى رآه ليس حسيباً فانشغل بدعوة الزعامات عنه. نعم، قال: أن جاءه، ومحله نصب لأنه مفعول له والعامل فيه هو من حيث المعنى مفعول لأجله مفعول له، يعني لماذا عبس وتولى؟ لماذا؟ لمجيء الأعمى فهو مفعول لأجله من حيث المعنى، لكن هو من حيث الإعراب، لا، هناك حرف جر محذوف، اللام، والمصدر مجرور بحرف الجر؛ عبس وتولى لأن جاءه الأعمى. فهو من حيث المعنى مفعول لأجله، لكنه من حيث الإعراب هناك حرف جر محذوف مرتبط بأن المصدرية؛ أي عبس وتولى لمجيء الأعمى.

طيب، قال: والعامل فيه عبس أو تولى على اختلاف المذهبين، نعم، اللي سموها على اختلاف المذهبين هذا يسمى باب التنازع؛ أن عاملان اقتضيا فيس من عمل قبله فللواحد منهما العمل والثاني أولى عند أهل البصرة واختار عكساً غيرهم، ذا أسرع، كما قال ابن مالك في الألفية في باب التنازع: إذا كان هناك عاملان يطلبان معمولاً واحداً، فأيهما يعمل؟ الأول أو الثاني؟ أهل البصرة يعملون الثاني، فيقولون تولى هي التي تعمل في المفعول لأجله، والكوفيون يعملون الأول، فيقولون عبس هو الذي يعمل، وهذه مسألة نحوية. لذلك هو قال: والعامل فيه إما عبس أو تولى على اختلاف المذهبين، يقصد أي مذهبين؟ على اختلاف البصريين والكوفيين.

نعم، قال الأعمى: عبد الله بن أم مكتوم، وأم مكتوم أم أبيه، وأبوه شريح بن مالك. إذاً، عبد الله بن أم مكتوم، إذا هنا وفي نسبته الشهيرة ينسب إلى أمه، سيدنا عبد الله بن أم مكتوم، إذا هو ينسب إلى أمه ولا إلى أبيه، وعم ينسب إلى أمه؟ فلذلك قال: وأم مكتوم هي أمه، أو قالها حتى هنا أم أبيه؟ هنا يقول هو: البعض يقول إنها أمه والبعض يقول هي جدته أم أبيه، البعض يقول إن أم مكتوم هي ليست أمه، لا، لا، هي ماذا؟ جدته من جهة أبيه، لذلك قال: أم أبيه. طيب، ما اسم أبيه؟ قال: وأما اسم أبيه فهو شريح بن مالك، فهو إذاً عبد الله بن شريح بن مالك، هذا اسمه الحقيقي.

طيب، قال: أتى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يدعو أشراف قريش إلى الإسلام فقال: يا رسول الله، علمني مما علمك الله. وكرر ذلك وهو لا يعلم تشغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وبس، إذا جاء يلح، طبعاً عبد الله بن أم مكتوم كان أعمى وهو غير مشاهد ما الذي يحصل أمامه، فجاء يلح على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه، أن يرشده، والنبي صلى الله عليه وسلم كان منشغلاً بتوجيه زعامات قريش، فانزعج النبي صلى الله عليه وسلم عبس واعرض عنه: يعني مش الآن يا عبد الله، ألا تراني منشغلاً بهؤلاء الزعامات؟

طيب، قال: فنزلت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمه بعدها ويقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. كان عليه الصلاة والسلام بعدها كلما لقيه يقول: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي. تمام، يعني النبي عليه الصلاة والسلام اخذ هذا الدرس كثيراً في حياته، ولذلك قال: واستخلفه على المدينة مرتين، كان إذا خرج إلى الغزوات كثيراً ما يضع عبد الله بن أم مكتوم زعيماً على المدينة، نائب عن القائد العام للدولة، يضع عبد الله بن أم مكتوم نائباً ليرسخ في ذهن الصحابه هذا الدرس: لا تستقل بأي عنصر في النظام الإسلامي، حتى بالأعمى وبالأعشى وبالأسود، لا تستقل أي أحد في الدولة المسلمه، كل إنسان قادر أن يسد ثغراً، كل إنسان قادر أن ينجز شيئاً، فلا تنشغل عنه بغيره وتستهن بقدراته وامكانياته لأنه صاحب إعاقة أو ما شابه ذلك.

نعم، قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: 3]، وأي شيء يجعلك دارياً بحال هذا الأعمى؟ لعله يتزكى؛ لعل الأعمى يتطهر بما يسمع منك من دنس الجهل، وأصله يتزكى، فأُدغمت التاء في الذال في الزاي، وهذا هو المطلوب من استماع وعظ، المطلوب من سماع الدرس العلمي أو الوعظ ما هو؟ هو حصول صلاح القلب، وليس المطلوب من حضور المجالس والدروس أن يبقى الإنسان فقط يحفظ المتون والمصنفات وقلبه غافل لاهٍ منشغل بالدنيا منكب على الشهوات متعلقاً بها، فهنا القرآن ينبهنا إلى أنه ما المطلوب من حضور الدرس؟ حتى دروس النبي عليه الصلاة والسلام، ماذا كان المطلوب من حضورها؟ حصول صلاح القلب والارتقاء الإيماني، وليس فقط أنني أحضر الدرس لأقول أنني حضرت درساً. لاحظ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: 3]؛ لعل تزكية النفس وصلاح القلب يحصل له، فينتفع أكثر من انتفاع هؤلاء الصناديد الذين لا خير فيهم.

نعم، قال: وأصله يتزكى، فأُدغمت التاء في الزاي، وكذا ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ﴾ [عبس: 4] يتعظ، وكذا أو يتذكر؛ يعني أصلها أو يتذكر، نفس الشيء، فأدغمت بعد القلب وأصبحت ذلان، أصبحت يتذكر، أصلها يتذكر، يتفعل على وزن يتفعل، لكن هنا في قواعد علم الصرف تقلب التاء ذالاً وتدغم الذال في الذال. نعم، قال: ﴿فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: 4]، نصبه عاصم غير الأعشى جواباً للعل. نعم، في قراءة عاصم في وهي قراءتنا نحن ماذا نقول؟ فتنفعه، لماذا نصب هذا الفعل المضارع فتنفعه؟ نصب لأنه جواب لعله، وجاء مرتبطاً بالفاء، الفعل المضارع إذا كان مرتبطاً بالفاء وسبق بأمر أو نهي أو استفهام أو رجاء أو تمن أو زي ما اخذناه في الآجرومية، فانه ينصب بإن مضمرة وجوباً لأنه واقع في جواب الطلب، والطلب هنا هو لعل التي تفيد الرجاء، قال: لعله يتزكى أو يتذكر فتنفعه، لعله يتزكى أو يتذكر فتنفعه. فتنفعه إذاً على قراءة عاصم منصوب فعل مضارع منصوب بإن مضمرة لأنه واقع في جواب الرجاء، والرجاء شكل من أشكال الطلب.

كمل قال: وغيره رفعه عطفاً على يتذكر، وأما القراءات الأخرى سبحان الله هذه عند عاصم تمام، وأما في القراءات الأخرى فكلها على ماذا؟ على الرفع، فتنفعه بضم العين، ومن قرا هكذا فهذا عطفها عطفاً فقط على يتذكر؛ يعني أو يتذكر فتنفعه، فلم يجعل فتنفعه جواباً للعله، جعل تنفعه فقط حدث يحصل بعد التذكر وليس جواباً للعله، أما نحن وهذا أصلاً يؤثر في تصورك للمعنى؛ يعني لعله يزكى فينتفع على قراءة عاصم الانتفاع هو ماذا؟ هو جواب للعل، لعله يزكى فينتفع، وأما على قراءة الجمهور لا، هو فقط عطف على التذكر، يعني لعله يتزكى أو يتذكر فينتفع بالذكرى بس، ما جعلوها جواباً للعله.

قال: ﴿الذِّكْرَى﴾ [عبس: 4] ذكراك؛ أي موعظتك، أي أنك لا تدري ما هو مرتقب فتنفعه، الذكرى هنا الكاف محذوفه، كاف الضمير محذوفة، أصل التقدير: وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه ذكراك، فتنفعه ذكراك. طبعاً هنا البعض يقول إن أل التعريف هي عوض عن الضمير المحذوف هكذا، البعض يقول، والبعض يقول: لا، أل التعريف لا تكون عوضاً عن الضمير، بل الضمير مقدر في السياق.

المهم، الله سبحانه وتعالى ينبه على أن الأصل في حضور الوعظ حصول التزكية أو التذكر، تذكر الإنسان بالمهمات التي يجب أن ينشغل بالحياة، تذكر الإنسان بغاية وجوده ومصيره، وهذا التذكر ينتفع به ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: 4] فتصلح حياته ويقويم مسيره إلى ربه سبحانه وتعالى. فالمطلوب إذاً من الدرس والوعظ حصول التزكية والتذكر، حصول التزكية والتذكر. نعم، قال: أي أنك لا تدري ما هو مترقب منه من تزك أو تذكر، ولو دريت لما فرط ذلك منك، نعم، قال: لما فرط ذلك منك؛ يعني لما ظهر ذلك منك ووا العبوس والتولي، لو كنت تعلم ماذا يمكن، لاحظ: لا تستقل موعظة تعطيها حتى لابسط شخص، لأنه أبسط شخص ممكن تعطيه موعظة هاي الموعظة تصلح حياته 360 درجة تختلف أموره، لا تستقل بكلمه خير تبذلها، لا تستصعب، لا تنشغل عنها، لا تتكاسل أو تستصعب وتقول خلص بعدين بنصح، بعدين بوجه، أنا الآن منشغل، إذا كان عندك فسحة قدم اعطي، لأن الله عز وجل هنا يعلم نبيه صلى الله عليه وسلم، كل إنسان له الحق أن يصلح نفسه، وأنت كداعية إلى الله أنت مسؤول عن اصلاح جميع البشر؛ الفقير والضعيف والغني والقوي، وليس الغني والقوي بأحقية وتيسير أمور حياته من الفقير والضعيف.

لاحظ هذه موعظة للدعاة، له أحياناً الدعاة ويمكن كثير منا أصلاً يصاب بهذه الحالة أنه يحب دائماً أن يكون حول الأغنياء الأثرياء، فإذا راى الداعي إلى الله حوله الفقراء ورأى المستضعفين ورأى المساكين ممكن يصاب بحال من الإحباط، يقول لك: وبعدين يعني نحن بنظل قاعدين مع الشباب اللي مش معاهم قرشين؟ تمام، بخلاف لما يكون هناك أغنياء تجده: آه والله حط لي إياه على الكرسي هذا الشيخ، وهذا قرب لنا إياه هون، وهذا.. لا، لا، عليك أن تفهم أن المطلوب منك أن توصل الرسالة الإلهية، كان فقيراً أو كبيراً، ضعيفاً أو صغيراً، الكل له الأحقية في أن يحصل النصيحة، في أن يحصل التوجيه. وهذا الإنسان الذي أنت تستضعفه أو لا ترى فيه شيئاً، في يوم من الأيام قد يغير التاريخ، هذا الإنسان الذي أنت الآن لا تراه شيئاً كبيراً، لا تدري لعله في يوم من الأيام هو الذي يغير التاريخ.

وأعود فأقول: تذكر عبد الله بن مسعود الذي في يوم من الأيام جثى فوق رقبة أبي جهل، أكان يتوقع أن عبد الله بن مسعود راعي الغنم في مكة الذي ما كان أحد أنظر إليه، يوم من الأيام يجثو على ظهر عبد أبي جهل ويحز رقبته؟ ما حد كان يتوقع! وما حدا كان يتوقع أن بلال الحبشي هو الذي سيقطع رقبة أمية بن خلف! وما حدا كان يتوقع أن معاذ ومعوذ هو الذي سيقتل أبا جهل! وما أحد يتوقع أن موسى الذي تربى في بيت فرعون وعلى مرأى منه هو الذي سيكون هلاك فرعون على يديه! الله عز وجل يعلمنا أن القدر يأتي بالعجائب، أن القدر يأتي بالعجائب، فنحن نتبع مراد الله، وأما أن تظن أنه بذكائك ستاتي بالأقدار الجميلة، لا، القدر منوط بإرادة الله سبحانه وتعالى، فاتبع ما يريد الله منك تسعد.

نعم، قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبس: 5] أي من كان غنياً بالمال فانت له تصدى، تتعرض بالإقبال عليه حرصاً على إيمان. أما من استغنى، وهنا ربما لا اتفق كثيراً مع تحديد الغنى بالمال، لا، أما من استغنى؛ أي أما من شعر بالاستغناء عن النصيحة، أما من شعر أنه غني عن التوجيه، أنه أعلى من أن يوجه وأن يعيد النظر في خطواته وحياته، ليس شرطاً أن يكون الغنى بالمال، قد يكون الغنى بايش أيضاً؟ قد يكون شاعر بالغنى بالفكر والعقل، أنه من أنا حتى أنت توجهني؟ أنا دارس دكتور فيزياء، أنا.. أنا أشتغل في محطة فضائية، أنا أشتغل في علوم فيزيائية، أنا اخترعت أشياء كبيرة، فالاستغناء قد يكون الاستغناء بالمعرفة أو الحسب أو النسب، فتقييمه بالمال أنا أظنه ضيق واسع.

أما من شعر بالاستغناء عن التوجيه، إما لماله، وإما لحسابه، وإما لدراسته والمنصب الذي يشتغله، بغض النظر ماذا كان سبب استغنائه، فانت نعم قال: ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: 6] تتعرض بالإقبال عليه حرصاً على إيمانه، فانت تتصدى له؛ يعني تحاول أن تتعب نفسك في اصلاحه وتقويمه على حساب دعوة ذاك الأعمى المسكين. نعم، تصدى بإدغام التاء في الصاد حجازي وما عليك فصلها تتصدى.

نعم، قال: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: 7] وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام، ماذا يضرك لو لم يسلم؟ إسلامه ينفع به نفسه، لا تظن أن إسلامك سيزيد الله شيئاً، وأن الله مفتقر لإسلام أحد عتاولة الأرض حاشاه سبحانه، فيقول: وما عليك ألا يزكى، هو حاب يتزكى بينتفع نفسه، مش حاب يتزكى هو ضر نفسه، واما هذا الدين منتصر جبراً عنهم وظماً، جبراً عنهم.

نعم، قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: 8] يسرع في طلب الخير، شوف كلمة يسعى، دائماً قلت لكم كلمة السعي في القرآن كلمة عجيبة يركز عليها، سواء السعي باتجاه الخير أو السعي باتجاه الشر ركز على كلمة.

يسعى في القرآن وسياقاته المختلفة، قال: ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: 8]، نفس الشيء، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [القصص: 20]، السعي في الخير، السعي في البحث عن صلاح القلب وتزكيته والارتقاء به. وهذا يدل على أن عبد الله بن أم مكتوم تعب؛ سعى من أجل الحصول على المعرفة، سعى من أجل طلب العلم، ما انتظر النبي عليه الصلاة والسلام يدق بيته، لا، هو الذي سعى، مع أنه عنده مشكلة في البصر، سعى وتعب وحاول أن يصل إلى المعرفة، فحق أن يبذل له هذا الخير الذي جاء ساعياً في طلبه.

نعم، قال: ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: 9]، السعي أبلغ من المشي، المشي يكون بتؤدة، لكن السعي يكون في إيش؟ في إسراع. لذلك قال: يسرع، شو قال النسفي؟ يسرع في طلب الخير، ما قالوا وأما من جاءك يمشي، قالوا أما من جاءك، فهذا يدل على حرص اهتمام، لأن الذي يسعى إلى الشيء ليس كالذي يمشي إليه، الذي يسعى إلى الشيء ليس كالذي يمشي إليه، كلمة السعي تعطي إشارة الاحتفاء والاهتمام والحرص بخلاف المشي ما فيها إشارة الاحتفاء والاهتمام والحرص، لذلك اختيار القرآن الكريم معناه عظيم.

نعم، قال: ﴿وَهُوَ يَخْشَى﴾ [عبس: 9]، أو الكفار أو الكبوة، كعادة العميان، أو الكبوة اللي هو إيش؟ السقوط على الأرض. شوف هذا المعنى، لو كان هذا المعنى الثالث جميل، قال: وأما من جاءك يسعى يلهث، وهو يخشى أن يسقط في أثناء سيره لأنه ضرير لا يبصر، يعني الذي جاءك يسعى رغم الإعاقة، رغم العثرات، رغم خشيته من السقوط لأنه لا يبصر، بعد كل هذا الجهد والتعب أعرضت عنه وتوليت عنه وعبست في وجهه ورفضت أن تنصحه لانشغالك بعظماء قريش، هذا عند الله لا يكون، هذا عند الله لا يكون، جميل هذا التفسير.

وهو يخشى؛ أي يخشى السقوط والتعثر، كأنه يرسم لك مشهد عبد الله بن أم مكتوم وهو ضرير يتلمس الطريق، بتعرفوا الإنسان لما يكون أعمى ويحاول يذهب إلى المسجد كيف يكون؟ يتلمس الطريق ويحاول أن يأتي يعني إلى مكان آمن، وممكن يسقط ويتعثر، وهو يخشى التعثر ثم ينهض ثم يعود، هذا مقدر عند الله أعلى من كل هؤلاء العتاولة حرصاً على هذا الدين.

نعم، قال: ﴿فَأَنتَ عَنْهُ تَلهَّى﴾ [عبس: 10]، تتشاغل، وأصله تتلهى، وهذا الاختيار العجيب لهذه المفردة، فأنت عنه تلحى، طب هو النبي عليه الصلاة والسلام كان في لهو؟ ما هو كان يدعو صناديد كفار قريش، لكن هنا لأن المقام مقام معاتبة جعل دعوته لكفار قريش لصناديد قريش في مقابل انشغاله عن ذاك الأعمى جعلها ماذا؟ أنت تتلهى عنه، يعني جعلها نوع من التلهي، ما قال فانت عنه تتشاغل، لا، سماها إيش؟ تلهى، اختيار عجيب لهذه المفردة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم هل كان متشاغلاً بشيء ثانوي؟ كان في صلب عمله، وهي الدعوة إلى الله، لكنه لم يقدر ذاك الموقف كما أراد الله أن يكون، فالله عاتبه عتاباً شديداً، وسمى انشغاله بدعوة الصناديد تلهياً عما يجب أن يكون من دعوة هذا الرجل الأعمى، فهذا سبحان الله اختيار عجيب لكلمه التلهي هنا، ليستمر مقام المعاتبة، وليعرف إذا عاتب الله نبيه في ذلك، ونبيه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأنا وانت أحق أن نعاتب عندما يكون منظورنا للناس مادياً مالياً فقط، وننسى المفهوم القيمي والديني والأخلاقي.

نعم، قال: وروي أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط ولا تصدى لغني، وروي أن الفقراء في مجلس الشورى كانوا أمراء، كلا، إن الفقراء في مجلس إيش؟ هذا شو مجلس الشوري؟ وأنا مكتوم عندنا، لا، أنا مكتوم عندي المجلس الثوري، في حدا عن الثوري في نسختي؟ هذا الظاهر أن كاتب النسخة كان متأثراً شوي بشيء.

طيب، في مجلس الشورى كانوا أمراء، يعني لما كان يعقد أي مجلس استشاري يستشير فيه النبي صلى الله عليه وسلم، كان يضع الفقراء في هذه المجالس الاستشارية، الفقراء في مجالس الشورى النبوية كانوا بمنزلة الأمراء، وهذا أخذ منه صلى الله عليه وسلم بهذا الدرس.

نعم، قال: ﴿كَلَّا﴾ [عبس: 11]، كلا، شوف أنت دائماً لما تقف هون، كلا؛ أي الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا أقبل ذلك، لا أقبل هذه المعاملة مرة أخرى. كلا؛ أي لا أقبل صدور هذه المعاملة مرة أخرى يا محمد صلى الله عليه وسلم، فعليك لو جاءك أعمى أو جاءك أعرج أو جاءك أي إنسان له الأحقية في أن يحصل التزكية والنفع مثل مثل أي رجل من الصناديد يجلس معهم ويستفيد.

ولذلك كفار قريش مش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إننا نريد مجلس يكون للزعامات بعيد عن تضعيفين الذين معك يا محمد صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل ماذا قال؟ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، وقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52]. أحذر يا محمد صلى الله عليه وسلم أن تطرد الفقراء من مجلسك بناء على طلب صناديد قريش، صناديد قريش كانوا يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: احنا بدنا مجلس خاص لأصحاب الزعامة، بدنا مجلس خاص لأصحاب الثروات، ساعتها بنقبل أنه نجلس ونسمع منك، أما يكون المجلس جالس فيه بلال بن رباح وعبد الله بن مسعود وهؤلاء ما بنقبل. فالله عز وجل من البداية قال لهم: لا، شوف كيف الإسلام يعطيك المفاهيم، مش لأنه أنا حريص أنه يسلم أبو جهل أو حريص يسلم أمية بن خلف بكسر خاطر بلال بن رباح وعبد الله بن مسعود، لا، لا، لن يكون هذا، ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً، مش هيك أيضاً في قصه نوح عليه السلام؟

لذلك قال سبحانه: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52]، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا؟ صار كفار قريش الزعامات يستهزئون: معقول بلال بن رباح هو اللي انكتبت له الهداية؟ معقول صهيب الرومي؟ معقول هؤلاء ونحن الأذكياء العقلاء الزعامات لم تكتب لنا؟ اللي هي حالة ازدراء العامة من أصحاب العلم والثقافة في المجتمع للمستضعفين الفقراء، الإسلام صنع ثورة في الأفكار والققيم.

آه نعم، معقول أن بلال بن رباح الحبشي الأسود أفهم منك يا أمية بن خلف وأبي جهل؟ نعم معقول هذا، ومعقول أن الله يرفع ويصبح قائد من قادات الدنيا على حسابك يا صاحب البشرة البيضاء، يا صاحب الثروة والمال، يا من تظن نفسك شيئاً كبيراً، المقاييس عند الله تختلف تماماً عن المقاييس البشرية. فالاسلام إذاً يبين هذه الفكرة: نحن لا نظلم، نحن لا نظلم الفقراء والضعفاء استرضاء للأغنياء والزعامات، الكل له الحق في أن يحصل فرصة التعلم، فرصة الاستفادة، فرصة الصلاح، والغني إذا باللغة العامية ما عجبه يجلس مع الفقير هو اللي يدبر حاله، مش احنا المسؤولين أن نلبي رغباته، لأن هذا الذي يريد أن يسلم بهذه النفسية غير السوية، بنفسية أنا بسلم بس أنا من طبقة برجوازية يعني بدك تعطوني معاملة خاصة درجة رجال الأعمال الفي آي بي، ما فيش عنا في الإسلام درجة رجال الأعمال الفي آي بي، في الإسلام مثلك مثل غيرك، مثلك مثل غيرك.

لذلك بتعرفوا قصة جبلة بن الأيهم، أحد الزعامات العرب الذي أسلم، ولما أسلم في زمن عمر بن الخطاب أو قبله يعني ناسي بعض التفاصيل في القصة، فجاء ليعمل العمرة وهو أحد زعامات العرب، فطاف بالبيت، فأعرابي داس على ثوبه بالغلط، فلطمه جبلة بن الأيهم كفاً، فالأعرابي يعرف أن عمر بن الخطاب موجود خليفة يعني لا يظلم عنده أحد، فذهب إلى عمر وقال له إن جبلة بن الأيهم لطمني. عمر استدعى جبلة بن الأيهم فقال له: يعني لماذا لطمت هذا الأعرابي؟ قال: داس على إزاري. قال: طيب لو داس على إزارك يعني بالخطا داس على إزارك، هل هذا حل أن تطلمه؟ قصاص. فجبلة بن الأيهم قال: إيش القصاص؟ أنا أحد زعامات العرب، بدك رجل أعرابي يقتص مني؟ قال: لا. قال عمر: القصاص، ما في غير القصاص. قالوا فهرب جبلة بن الأيهم وارتد والتحق بالكفار.

لاحظ، لأنه هو إذا هو من البداية نفسية غير سوية أنتم ملاحظين؟ ارتد لما راى أنه سيساوى برجل ضعيف، فالإسلام بغنى عن إسلام هؤلاء النفوس المريضة، تريد تسلم الإسلام أجعلك سواسية مع الفقراء والمستضعفين، ما عندنا شخص أعلى نفسياً ودرجته أعلى لأنه ثري أو لأنه ابن فلان أو لأنه صاحب زعامة، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] بهذه المفاهيم فقط. وبالتالي عظمه الإسلام أنه لا يستجلب النفوس غير السوية، بدك تسلم تسلم على معايير الإسلام وليس على معاييرك أنت وهواك أنت ورغباتك أنت، حابب تسلم حياك الله، مش حابب تسلم دبر نفسك، فالإسلام غني عنك والله ناصر دينه بالمستضعفين.

جميل، قال: ﴿كَلَّا﴾ [عبس: 11] ردع، أي لا تعد إلى مثله، إنها، كلا قال ردع، كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تعد إلى مثل هذا التصرف يا محمد صلى الله عليه وسلم. طب قال: إنها أن السورة أو الآيات تذكره، نعم كلا ثم قال إنها تذكره؛ يعني هذه نصيحة لك، هذه نصيحة لك ومن بعدك، فكل ما وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم نحن حريصون، بل نحن التقصير فينا أكثر، هذا النبي الاعظم عليه الصلاة والسلام، فنحن حريصون أن نستفيد ونتعلم من هذه التوجيهات وهذه التعليمات الإلهية.

﴿إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: 11] استفيدوا من هذا الدرس، نعم قال: موعظة يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها، ﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 12] فمن شاء أن يذكره أو ذكر أو ذكر، الضمير لأن التذكرة في معنى الذكر والوعظ. نعم، يعني فمن شاء الله أن يذكره، قال: فمن شاء ذكره، إيش يعني؟ إيش يعني فمن شاء الله أن يذكره؟ ثم قال أو ذكر الضمير، والاصل أن تقول فمن شاء ذكرها؛ لأن هو قدم يعني وجهتين نظر في تفسير الآية.

صحيح ما معنى فمن شاء الله أن يذكره؟ أها، إيوه من باب إيش؟ يعني هنا في معنى إيماني جميل على التفسير الأول: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ تمام، قال: ﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 12] يعني فمن إذا شاء الله أن يذكر عبداً ويرفع اسمه ذكره، فمن شاء الله هنا الضمير يعود على الله على التفسير الأول أنه قال فمن شاء الله، يعني من أراد الله له رفعة أو اختياراً أو أراد به خيراً فكل شيء بمشيئته، فمن شاء الله ذكره ونفعه ورفع به وأشاد به.

أما على المعنى الثاني فيقول: فمن شاء ذكرها، هنا المشيئة لا للإنسان، يعني ربنا بقول هذه تذكرة، فاللي حاب فيكم من شاء منكم ذكرها واستفاد منها، إذاً فمن شاء من فاعل المشيئة ذكر تفسيرين، التفسير الأول فمن شاء الله ذكره، إذا شاء الله أن يذكر عبداً ذكره واحتفى به وذكره في الملأ الأعلى وكتب له القبول في الأرض وأعلى شأنه، هذه كلها معاني ذكر الله لعبده، من ذكرني في نفسي ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من الملأ الذي ذكرني فيه، فهذا معنى جميل إذا كان المراد به فمن شاء الله ذكره.

ولكن المعنى الثاني قد يكون هو ضمن السياق أوضح، ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 11-12]، والأصل فمن شاء هو ذكرها لهذه التذكرة، طيب لماذا لم يقل فمن شاء ذكرها؟ مش هيك الأصل أن التذكرة مؤنث ولا مذكر؟ مؤنث، فكان الأصل يقول كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكرها، فيقول ذكر أو ذكر الضمير، فقال فمن شاء ذكره. قال: لأن التذكرة هي صح مؤنث، لكنها في معنى الذكر في معنى الوعظ، والوعظ مذكر، فأعاد الضمير على التذكرة وإن كانت مؤنثة، أعاد الضمير عليها ضمير مذكر بناءً على أن معناها معنى الوعظ وهو مذكر.

قال: والمعنى فمن شاء الذكر ألهمه الله تعالى إياه، يعني من اتجه إلى الخير، من شاء أن يتذكر وأن يتزكى ألهمه الله ووفقه لسبل الخير.

إذاً كلا ثم تقول إنها تذكرة، هذه القصة هذا الموقف في عبرة وتذكرة، لازم كل إنسان يستفيد منه، يستفيد قيمة كما قلنا، يستفيد شغلتين مهمتين: كيف يقيم الإسلام الناس؟ ثانياً: يستفيد شغلة ثانية شو هي حكينا؟ أن العقل البشري مهما بلغ في النضوج هو قاصر على أن يدرك المصالح كاملة وأنه مفتقر للوحي، هذول فكرتين أوك تنساهم تماماً.

الآن فمن شاء ذكره، اللي فمن يشاء أن يذكر هذه التذكرة ويستفيد منها ألهمه الله الخير ويسر له واستفاد وانتفع، والذي سيبقى معرِضاً عن هذه التذكرة ويقرأ القرآن بدون تدبر نعم لن يستفيد منها ولن يوظفها في حياته، إذاً القرآن يجب أن تستفيد منه وأن توظف هذه المواقف في حياتك حتى في المفاهيم والقيم التي تنشئها لنفسك في الحياة.

قال: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ [عبس: 13] صفة للتذكرة، أي أنها مثبته في صحف منتسخة في اللوح، أو خبر مبتدا محذوف أي هي في، أي هي في صحف، نعم. أي هذه التذكرة لكرامتها عند الله نسخت في اللوح المحفوظ، موجودة في صحف في اللوح المحفوظ، أو في صحف في أيدي الملائكة، ممكن يكون أنه قال: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: 13-15]، يعني هذه التذكرة هذه الآيات موجودة في صحف الملائكة التي أخذتها من اللوح المحفوظ.

هو يريد سبحانه وتعالى أن يعطيك الاحتفاء، أنه سبحانه وتعالى مهتم بهذه الأفكار أن تصل إليكم، فلما أنا أجي أقول لك والله هذه نصيحة مهمة جداً ولشد حرصي عليها أنا واضعها في مكان مميز، أنا محتفظ فيها في مكان مميز، دائماً الأشياء المميزة.

فكان الآيات تقول لك هذه النصيحة مميزة، وفكرة عظيمة، ومن احتفاء الله بها أنه جعلها في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة. لما تعرف أن هذه الأفكار وهي القيم الله محتفي بها، قال: مكرمة عند الله، مرفوعة في السماء أو مرفوعة القدر والمنزلة. يعني الرفع قد تكون رفعة في المكان، وقد تكون رفعة في القدر، وكلاهما يمكن أن يكون صحيحاً، يعني كلا المعنيين صحيح. قال: مطهرة عن مس غير الملائكة أو عما ليس من كلام الله تعالى، يعني مطهرة إما التطهير الحقيقي أنها لا تمسها إلا الملائكة هذه الصحف التي في الأعلى لا تمسها إلا الملائكة، أو مطهرة أن يخلط بها كلام بشر؛ لأن كلام الله ليس مخلوطاً بكلام البشر، فهو تطهير معنوي. نعم، قال: بأيدي سفرة، كتبة، جمع سافر أي الملائكة ينسخون الكتب من اللوح، فالسفرة هم الكتبة يعني جمع سافر كاتب، يريد أن يقول تمام، سفرة كتب جمع سافر بمعنى كاتب، فالملائكة.

نعم، قال: كرام على الله أو عن المعاصي، بررة أتقياء جمع بار، وهذا كله لاحظ كل هذا السياق هو سياق احتفاء واهتمام. يعني أنت تقول ما مغزى هذه الإضافة هنا؟ يعني ما سياقها؟ لماذا الله عز وجل يخبرني عن هذه الأفكار؟ أن كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكر في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة. هو لماذا يخبرني بذلك؟ حتى أنت تهتم بها وتحتفي بها وتتمسك بها، إذا هي عند الله بأيدي سفرة، إذا لازم تكون عندك في قلبك ووجدانك وتعض عليها وتتمسك بها؛ لأنها عظيمة عند الله، وكل ما هو عظيم عند الله يجب أن يكون عظيماً في قلبك وفي حياتك.

نعم، قال الله: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]. الآن بدأ المحور الثاني في سورة عبس، وهو كأنه التفات إلى هؤلاء الصناديد المستغنين اللي قال: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ [عبس: 5-6]. الآن كأن السورة تلتفت إليه: تعال نتفاهم معك بعد أن عاتب الله نبيه في عبد الله بن أم مكتوم، أراد أن يتوجه بالحديث إلى هؤلاء الطبقة البرجوازية في مكة، وكل طبقة برجوازية في كل زمان ومكان: تعالوا نتفاهم معكم، ما سبب هذا العناد؟ ما سبب هذا الاستكبار؟ ما سبب عدم قبول الانصياع للوحي؟ هو شعوركم بالاستغناء العلمي والمعرفي والمالي والحسب. ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17] قتل بمعنى لعن، هذا دعاء، هذا دعاء: لعن الانسان يا أخي، ما أكفره! ما أكثر جحودك! ما أكثر جحودك وإعراضك وانشغالك عن الله الذي هو مصدر النعم عليك من أولها إلى آخرها! فهذا دعاء على الإنسان، لكن الإنسان الذي بنوعه كفور جحود معرض عن ربه.

نعم، قال الله: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيٍّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ * كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 17-23]. تمام، هذا المقطع الثاني وهو تذكير لذلك الإنسان الذي يشعر بالاستغناء، وهذه ظاهرة متكررة في القرآن، أنه كلما خاطب الله الجنس البشري الذي يشعر بالاستغناء والعتو عن العبودية لله والإنقياد لشرعه، يذكر دائماً بأصل خلقتهم المهينة. ألم في سورة المرسلات: ﴿أَلَم نَخْلُقكُم مِّن مَّاءِ مَّهِينٍ﴾ [المرسلات: 20] وهنا في مشهد آخر: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيٍّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: 17-18] يعني أنت من إيش مخلوق؟ على إيش شايف حالك؟ يعني باللغة العامية على إيش شايف حالك؟ من أي شيء خلقه؟ طبعا هذا ليس استفهاما حقيقيا، هذا استفهام يريد منه سبحانه وتعالى أن يبين لك أنك مخلوق حقير، يعني خلقت من مادة حق، ليس المراد أنك حقير ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]، لكن المراد أن أصل المادة التي خلقت منها مادة مهينة، كما قال في سورة المرسلات: مني، أنت نقطة مني، على ماذا ترى نفسك؟

يعني بالعلم والمعرفة ولا المال والجاه والسلطان ولا أنت ابن العشيرة الفلانية؟ كله كلام فارغ في المعايير الإلهية، أنتم بشر في دنيا وملف سينتهي قريب، وتنتقل إلى الدار الآخرة لا حسب ولا نسب ولا دنيا ولا سينفعك عند الله، وإنما ينفعك إيمانك، انقيادك لشرع الله، تقواك، حبك للدين بذلك، هذا الذي ينفعك، أما لو أتيت أفتش عن أصل خلقتك ماء مهين، ليس شيئاً يستحق، يعني أنت ما خلقت من الذهب ولا من اليورانيوم ولا من الألماس، مش أنت هالمعدن العالي، تقول والله أنا من ذهب، لذلك ابليس لما اعترض على آدم شو قال؟ ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] يعني حتى إبليس شاف حاله، يا رب خلقته من طين يعني مش مش من شيء كبير، أنا مخلق من نار. فأراد الله يعلم إبليس الموضوع مش أصل الخلقه، الموضوع انصياع لله، أما أنت خلقت من ذهب ولا هذا خلق من نار ولا هذا خلق من طين، قيمتك عند الله ليست من المادة التي خلقت منها، قيمتك عند الله بقدر اتباعك له بس.

نعم، قال: قتل الإنسان، لعن الكافر، أو هو أمية أو عتبة هو أحياناً يعني بقيد بعض أسماء الكفار، لكن هي على عمومها حقيقة. نعم، قال: ما أكثره، استفهام. إذاً، قتل بمعنى لعن، هذا دعاء، قتل الإنسان يعني لعن الإنسان، دعاء عليه باللعنة، بس على أي إنسان؟ طبعا الإنسان الذي يكفر ويجحد وليس الإنسان الذي يؤمن ويصدق. نعم، قال: استفهام توبيخي، استفهام توبيخي. نعم، قال: أي شيء حمله على الكفر أو تعجب أي ما أشد ما أشد كفره. إذاً، قتل الإنسان، أو هي جملة قتل الإنسان هذه جملة، ما أكثره الآن ما أكثره بإمكانك تفهمها أن استفهام توبيخي وبإمكانك تفهمها أنها أسلوب تعجبي، بتضبط هيك بتضبط كاستفهام توبيخي، ما أكفر يعني يا رجال ما أكثر ما تعترض على ربك؟ ما أكثر ما تجحد الحقائق؟ ما أكثر ما تعاند أن الله هو المنعم المتفضل، وتعود إلى نفسك فتراها شيئاً كبيراً، فهذا استفهام توبيخي أو تعجب: ما أكفره يعني عجباً لهذا الانسان ما أكثر ما يكفر! فهذا يصلح وهذا يصلح. تمام، قال: ﴿مِن أَيٍّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: 18] من أي من أي حقير خلقه؟ وهو استفهام ومعناه التقرير. طبعا كلمة حقير مكررة مرتين خطأ أظن، من أي حقير خلقه يعني من أي شيء حقير خلقت؟ تذكر تذكر أنت نطفة من مني يمنى. نعم، قال: ثم بين ذلك شي وهو هذا استفهام قال تقريري، دائماً احنا في علم البلاغة ركزوا علماء البلاغة على موضوع الاستفهام أن الاستفهام له مقاصد كثيرة في لسان العرب، الطالب الذي يعرف علم البلاغة يدرس دائماً مقاصد الاستفهام خاصة في القرآن؛ لأنه دائماً استفهامات القرآن أكيد الله لا يستفهم استفهاماً حقيقياً؛ أنه عالم الغيب سبحانه، وإنما استفهامات القرآن كلها يا استفهام توبيخي، يا استفهام استنكاري، يا استفهام تقريري، يا استفهام استبعادي، ليست استفهامات حقيقية ينتظر جواباً من بشر.

نعم، قال: ثم بين ذلك الشيء فقال: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 19] ثم أعطاك الإجابة؛ لأنه هو عارف سبحانه: من أي شيء خلقه؟ أولاً استفهام تقريري بدها ايش؟ يعني استفهام تقريري ما معنى الاستفهام التقريري؟ يعني هو بدك أنت تتذكر من أي شيء خلقك، يلا احكي احكي من ايش؟ من نطفة، أنت هون تقرر: لست شيئاً، ثم هو يجيب: إذا أنت ما بدك تجيب أنا بجاوبك، من نطفة يعني من مني، ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: 19] على هذه الصورة وعلى هذه الآية التي هو عليها الآن، أنت كنت مني ثم أصبحت هذه الصورة المقدرة. نعم، قال: فقدره على ما يشاء من خلقه، طول متر وسبع وستين، عرضه كذا، له عينين، أعرج مش أعرج، سوي، كل واحد على حسب ما كتب الله له من الصورة والهيئة والشكل. نعم، قال: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: 20] نصب السبيل بإضمار يسر؛ أي ثم سهل له سبيل الخروج من بطن أمه، أو بين له سبيل الخير والشر.

طبعا نصب السبيل بإضمار يسر لأنه هنا في باب الاشتغال هذا من أبواب أيضاً علم النحو. المهم ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: 20] يعني بين له طريق الخير وطريق الشر، وهذا كما مر معنا في سورة الإنسان ايش قال سبحانه: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3] بينت له طريق الخير وطريق الشر، وبعدين منهم الشاكر ومنهم الكفور. وفي سورة البلد: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10] يعني بينا له مسلك الخير ليتبعه ومسلك الشر ليجتنبه. فالله يقول: ثم السبيل أي سبيل الخير وضحه لك وسبيل الشر وضحه لك، وقد يكون المراد بالسبيل هنا سبيل الخير وحده، أن الله وضح لك السبيل الخير ويسره لك لتسلكه، فلماذا تعرض عنه إلى سبيل الشر؟ يمكن أن يكون هذا هو المراد. لذلك قال: ثم سهل له سبيل الخروج من بطن أمه، أو سهل له ممكن أقول لك سبيل الخير أن جعل الإسلام يسيراً سهلاً يمكنك أن تتعبد، ما في أحكام ثقيلة، ما ظل إلا بس أن حضرتك تتمسك بهذا الدين، ما في صعوبات، ما في معجزات، ما في شيء خارق، أمرك سهل تستطيع أن تتعبد الله عز وجل بكل سهولة، لكن أثبت.

طيب قال: أو أمره أو بين له سبيل الخير والشر. طيب ثم قال: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] نعم، ثم بعد أن تنقضي حياتك ماذا سيكون الموت؟ قال: ثم أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، فأصبحت مقبوراً تحت الثرى. نعم، قال: ثم أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ جعله ذا قبر يوارى فيه لا كالبهائم. نعم وهذا سياق امتداح أو عفواً سياق ذكر النعم ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] هو الآن يذكر الإنسان بنعم، أول شيء ذكروا أنه عبارة كان أصل خلقي من شيء حقير كان نطفة، طب مين اللي قدرك على هذه الصورة اللي أنت فيها الآن؟ الله صح؟ ثم السبيل يسره، مين اللي يسر لك السبيل وذلل لك الحياة وبين لك الخير وأرسل الرسل و و... الله هذه نعم، قال: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: 21] وحتى وأنت ميت الله يكرمك وعلم البشر كيف يقبرون موتاهم ولا يكونون هكذا أشلاء فوق التراب تنهش السباع، نعمة أنك تقبر وتجد قبراً يضمك، مين اللي علمنا أن نقبر الموتى؟ الله، بتعرفوا قصة ابني آدم: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31]. لذلك هنا هو كل سياق ذكر نعم، نعمة الإخراج والتقدير، نعمة الهداية، ثم نعمة القبر الذي الذي يضمك تحت الثرى بدلا من أن تكون كالبهائم. اليوم إذا أنت تمشي في الشوارع مش بتشوف كلب دعسته سيارة كالجيفه بتلاقيه وخلص يز على الطرقات ترى هر دوس ديست كالجيفه ترمى، لا الإنسان علم التغسيل والتكفين والصلاة عليه والدفن، من الذي علم ذلك؟ الله، أخي ربنا مكرمك، أنت كنت عبارة عن نطفة من مني يمنى كنت لا شيء، الله قدرك ويسر السبيل وقدرك أيضاً لما تدفن، بعد كل هذا تعامل الله عز وجل بهذا الكفران فعلاً قتل الإنسان ما أكفره؛ لأن هو يقول: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17] للنعم، شوف هذه النعم العظيمة.

نعم، قال: قبر الميت دفنه، وأقبره أمر بأن يقبره ومكنه منه، ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 22] أحياه بعد موته. طيب قال: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ﴾ [عبس: 22] أي لما ياتي مشيغة الله سينشر وسيعرض من القبر إلى يوم الحساب، ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 22] لما تاتي وقت المشيغة الإلهية سيبعث مرة أخرى هذا الإنسان للحساب.

نعم، ﴿كَلَّا﴾ [عبس: 23] ردع للإنسان عن الكفر. كلا هذه أيضاً مرة أخرى، لاحظ كلا الأولى كانت باتجاه النبي عليه الصلاة والسلام، كلا هنا باتجاه الإنسان الكفر. كلا، يعني كلا لن أقبل هذا الكفران منك يا أيها الإنسان بعد كل هذا العطاء، بعد كل هذه النعم، بعد كل هذا تاتي تكفر بالإله سبحانه وتعالى وتعرض عنه، كلا لن أقبل هذا وسيكون الحساب عسير على الذي فعلته. نعم، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23] لما يفعل هذا الكافر ما أمره الله به من الإيمان، لم يفعل هذا الكافر عندي ت جعل لم بمعنى لم تشكيل عندي لا لا لا لم. ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23] يعني كلا لم يفعل هذا الكافر ما أمره الله به، لكن لما يعني هذا فقط نقاش بحثي لما كأدات جزم تدل على ماذا؟ أب عبد الرحمن، نفي وقت التكلم لكن تشير إلى ماذا؟ إلى اقتراب حصول الشيء. هنا أنا ألاحظ أن النسفي اقتصر على أنه جعل لما بمعنى لم، يعني كان كلا لم يقضي هذا الكافر ما أمره الله به من التوحيد والطاعة، لكن حقيقة يمكن أن تعطى الآية معنى آخر، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23] إذا حملنا الأمر هنا على الأمر القدري الكوني هو حمل الأمر على الأمر الشرعي، كلمة الأمر في القرآن أحياناً تاتي بمعنى الأمر الشرعي، وتاتي أحياناً بمعنى الأمر الكوني، تمام؟ اللي هو القضاء والقدر، فلو حملنا الآية على الأمر القدري الكوني ماذا يمكن يصبح معناها؟ ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23] هو جعل الذي يقضي الضمير يعود على الكاف، يعني كلا لم يقضي الكافر الأمر الشرعي الذي أمره الله به، يعني لم يفعل أوامر الله هذا معنى.

لكن هل يمكن أن تفسر الآية على معنى وقد أجده أقرب لكلمه لما؟ لأنه لما هي لا تتل فقط على النفي، تدل على نفي شيء لكن اقتراب حصوله، أقول لك: لما أراك، ايش يعني؟ يعني أنا ما شفتكش بس اقتربت رؤيتك، لما ياتي تأويله، شو يعني؟ ما أجاش بس اقترب حصوله، طيب هنا بدي أفسر الآية بطريقة تتناسب مع معنى لما، يعني لم يقضي الكافر ما أمره، طيب يعني هل معنى أن الكافر لم يقضي ما أمره الله به شرعاً ولكنه اقترب أن يفعل؟ مش ظاهرة، فما معنى لو حملنا؟

الأمر على الأمر القدري، ماذا يمكن أقول؟ ممكن يكون شيخنا أن الله لم يأمر بعد الملك بأن يأخذ أرواح الكفار، أرواح الإنسان؟

أحسنت، يعني أنت تتجه لما أذهب إليه عموماً، اللي هو إيه؟ أحسنت، هذا مع أنا أراه أجمل هنا، لما يقضي ما أمره، يعني لسه ربنا لم يقضي كل الأشياء التي تنتظرون تهديد، يعني لم يقضها، لكن استنوا اقترب وقت حصولها.

فهمتم؟ كلا لما، أي لم يقض الله ما أمر من العذاب بكم في الدنيا وفي الآخرة، ولكن هو لم يقضه بعد، لكن انتظروا فقد اقترب حصوله، وهذا أراه أقرب لمعنى «لما» في اللغة؛ لأن «لما» تدل على نفي الشيء في الماضي، لكنها تؤذن باقتراب حصوله، هيك معنى «لما»، وهذا ذكره ابن هشام وغيره من علماء اللغة، فلا بد يكون المعنى يسير بهذا الاتجاه: لما يقضي ما أمره، يعني لسه ربنا ما خلص من كل الأمور معكم، ما خلص، بس ما هو إيش تدل هي؟ أنه شوي شوي جايكم جايكم المصائب ما دمتم مستمرين على هذه المنهجية من كفران والاستغناء، فهذا المعنى أجده أعلى من المعنى الذي ذكره العلامة النسفي عليه رحمة الله.

طيب، الآن لما عدد النعم عليهم في أجسادهم، انتقل ليعد نعم أخرى كانت تقتضي عدم الكفران، وتقتضي الخضوع لله، وهي نعمة الطعام والشراب، أعظم نعمة! لو أنت بدون طعام وشراب أنت بتعيش؟ طب من الذي سخر لك الطعام والشراب؟ الله سبحانه وتعالى، ها لحاله فقط لو تاملت بها لكانت تستحق منك أن تديم خضوعك لهذا الإله العظيم.

فذكرهم بدور الغذاء في الحياة فقال: ولما عدد النعم في نفسه من ابتداء حدوثه إلى انتهائه، أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه، فقال: فيما يحتاج إليه يعني من طعام وشراب، نعم، ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24]، الذي يأكله ويحيا به ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: 25-26].

فلينظر الإنسان إلى طعامه، أي نظرة اعتبار، انظر إلى هذا الطعام، فكر في يوم هذا الدجاج اللي بتأكله، ولا هذا الرز الذي عندك، ولا هذا الفواكه التي بين يديك، انظر إليها نظرة معتبر، كيف أصبحت سهلة التناول طيبة المذاق؟ مين اللي سخرها؟ هل أنت كنت مشرف على الدجاج حتى وصل إليك؟ هل أنت مشرف على البرتقال لما طلعت بذرة وصارت شجرة ووصلت؟ كنت مشرف على خلقتها ولا أنت فقط اتيت بها من الدكان وأكلتها؟ يا اخي انظر إليها نظرة اعتبار، نعم.

قال: «أن» بالفتح كوفي على أنه بدل اشتمال من الطعام، وبالكسر على الاستئناف غيرهم، إذن: فلينظر الإنسان إلى طعامه، عند الكوفيين جعلوها بدل، فيكون التقدير: فلينظر الإنسان إلى طعامه، فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا؛ لأنه دائماً البدل يحل محل المبدل منه، فأنت تحذف الكلمة وهي مبدل منها، وهي كلمة «طعامه»، وتضع التي بعدها، فيكون التقدير: فلينظر الإنسان إلى طعامه، أنا صببنا الماء، إذا قلنا أن «صببنا الماء» هي بدل من كلمة «طعامه»، احذف كلمة «طعامه» وحط «أنا صببنا الماء» مكانها، يصبح التقدير: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا، هيك يصبح التقدير إذا قلنا بإعراب البدلية.

إذن: صببنا الماء صبا يعني المطر من السحاب، إذا بدأ الله عز وجل معك برأس الهرم: أول شيء انظر المطر نزل من السماء، فأصاب هذه البذور التي تكون تحت الأرض، ثم قال: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: 26]، هي البذرة عم تشق طريقها حتى تخرج لك شجرة، نعم.

قال: ﴿فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: 27-28]، كالبَرّ والشعير وغيرهما مما يتغذى به، وعنباً ثمرة الكرم، أي الكرم اللي هو العنب، إحنا بنسميه العنب، إحنا أوضح من الكرم، طيب، وقضباً، رطباً، سمي بمصدر، قَضَبَه أي قطعه، القضْب هو كل طعام رطب، القضب هو إيه؟ كل طعام رطب أنت تأكله بكل سهولة وتجده بكل سهولة لما فيه من الماء.

فالقضب فيه ماء، البندورة فيها ماء، كل طعام رطب فيه ماء بتأكله بكل سهولة، لا تشعر باليبس وأن أسنانك تنخلع وأنت تحاول تأكلها؛ لأن فيها من الماء ما يجعلها سهلة التناول، إذن قال: هو كل طعام رطب، نعم.

﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: 29-30]، حدائق، بساتين غلبا، غلاظ الأشجار، وحدائق غلبا أي حدائق كثيفه ملتفه أشجار، بساتين حدائق، نعم، جمع غلباء.

﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31]، وفاكهة لكم وأباً، مرعى لدوابكم، الأب هو العشب الذي ترعى منه الدواب، الأب ما هو العشب، الحشيش الذي ترعى به وتأكل منه الدواب، نعم، فالله سبحانه لم يتكفل فقط بطعامنا، بل تكفل بطعامنا وطعام دوابنا، مش بس طعامك، طعامك وطعام دوابك بعد ذلك، بالله العظيم نعم.

﴿مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 32]، متاعاً مصدر، أي منفعة لكم ولأنعامكم، مصدر، والأصل أن يكون مفعول لأجله، يعني إذا قيل مصدر مفعول مطلق، كأنه جعله مفعول مطلق معنوي، لكن أنا يظهر لي أنه أقرب أن يكون مفعول لأجله، يعني لماذا فعل ذلك؟ متاعاً لكم ولأنعامكم، نعم.

فإذا جاءت الصاخه، صيحه، خلص، بعد أن ذكر هذه النعم التي كانت تستحق الشكران بدل الكفران، انتقل بهم إلى مشهد الآخرة ليريهم المشهد الآخر كيف سيكون بعد كل هذه النعم، بعد كل هذا العطاء الذي كان المفترض أن يقابل بالإيمان والتوحيد والاقبال على الله والتمسك بشرعه، إذا بقيتم مصرين على الكفران هي الدنيا وراح تنتهي، عشان هيك سماها متاع، الكل في النهاية حتى هذا الطعام والشراب هو دنيا وسينتهي، ثم بعد ذلك تاتي الحقيقه الكبرى والعظمى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَةُ﴾ [عبس: 33].

نعم، قال: صيحه القيامة؛ لأنها تصخ الآذان، أي تصممها، نعم، لماذا سميت من أسماء يوم القيامة الصاخة؟ لأنها تصم الآذان، كأنها تصيبها بالطرش والصمم بشدة صرختها، نعم.

قال: وجوابه محذوف لظهوره، يوم يفر إيش يعني وجوابه محذوف؟ إذا جاءت الصاخة، الآن هذه جملة الشرط، وين جواب الشرط؟ إذا جاء محمد... بصير واحد يسكت؟ إذا جاء محمد، رح تقول الجمله مش مكتمله، صح؟ إذا جاء محمد، أه شو راح يصير؟ والله إذا جاء محمد ساكرمه، فلما قال ربنا سبحانه: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَةُ﴾، يوم يفر المرء من أخيه، الآن ما في جواب شرط مذكور هون، أنت بدك تفهمه لحالك، هي طريقة العرب في الحذف.

فاذا جاءت الصاخة، حذف جواب الشرط ليجعلك تتخيل كل الاحتمالات المرعبة، لماذا حذف جواب الشرط؟ ليجعلك تتخيل كل الاحتمالات المرعبة، يعني فاذا جاءت الصاخة، لك أن تتخيل ما سيحدث، ما بدي أذكر لك تفصيل معين، ما بدي أقول: إذا جاءت الصاخة سأعذب كذا، لا، ما بدي أقول: إذا جاءت الصاخة سأتي جهنم، لا، لا، بدي أخليك في حالة من الإبهام حتى يذهب ذهنك في كل مذهب، وتبدأ تفكر بمصائب كثيرة يمكن أن تك... في ذلك اليوم.

فما أجمل حذف جواب الشرط حتى يجعل الإنسان الكافر يعيش كابوس ماذا سيحصل إذا جاءت الصاخة؟ رح تعرف، بدي أخفيك التفاصيل، فاذا جاءت الصاخة سيكون هناك أشياء كثيرة مرعبة، عليك أن تحاول تفكر فيها، فلم يذكرها، وترك المجال لذهنك حتى يتخيلها، لذلك قال: وجوابه، أي جواب الشرط، محذوف، ثم قال إيش؟ لظهوره، يعني أنت ظاهر الجواب، الجواب فكر ما سيحصل، أنت خلص من خلال السياق عارف أن جواب الشرط يتجه بك نحو الآخرة.

قال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34-36]، لتبعات بينه وبينهم، أو لاشتغاله بنفسه.

الآن هو يقول: لماذا يوم القيامة يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه؟ إما لأنه في حقوق هم بدهم إياه منه، هو كان عاق بوالديه، بالتالي هو بفر من أبوه حتى لا يطالب بتبعات العقوق، وأخوه شقيقه كان بده منه مال، ممكن يكون أخوه المسلم برضه عموماً يعني، مش ضروري أخوه النسب فقط، أخوه عموماً كان يريد منه مال وهو ما رد له إياه، فكل واحد عم يفر من الناس اللي هو عارف أنهم بدهم حقوق منه، يفر خشية أن يطالبوه بالحقوق بالتبعات، هذا معنى قوله: لتبعات بينه وبينهم، يعني في حقوق هو يعلم أن أبوه وأمه رح يطالبوه فيها، وأخوانه رح يطالبوه فيها، فهو عم بيهرب حتى ما يواجههم؛ لأنه عرف أن يوم الحساب حق.

أو الاعتماد الآخر، وهو الأكثر بفكر فيه، ما هو؟ أنه يفر المرء من أخيه وأمه لانشغاله بنفسه، أنه مش فاضي حد لحد، يعني أنا ما أنا فاضي أفكر حتى بابي وامي وأخواني وزوجتي وأولادي، كل واحد ياتيه يوم القيامة فرداً، كما جاء في سورة مريم.

نعم، قال: وبنيه، بدأ بالاخ ثم بالابوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحب والبنين لأنهما أحب. جميل، يعني يقول: لماذا بدأ بالأخ ثم الأبوين ثم انتقل للزوجة والأبناء؟ قال: بدأ بالأخ والأبوين لأنهما قال إيش؟ أقرب منه من جهة القرابة، ثم انتقل للصاحب الزوجه والابناء لأنهما أكثر حبا، يعني باختصار: بدأ بالقرابة ثم انتقل للمحبه، وإن كانت هي شوي أمور نسبية نوعاً ما، يعني ممكن واحد بحب أبوه وأمه أكثر من زوجته، ممكن واحد بحب أولاده أكثر من... يعني تعرف الناس كل واحد شو عنده.

طيب، قيل: أول من يفر من أخيه هابيل، هابيل لأنه قتل أخاه قابيل، ومن أبويه إبراهيم، أول من يفر من أبويه إبراهيم، يعني لما أبوه كان على الكفر يقصد، ومن صاحبته نوح ولوط؛ لأنه نوح ولوط كانت زوجتاه أو كانت زوجتاهما على الكفر، ومن ابنه نوح، أول من يفر... طبعا هذا كلام هيك وعظي يعني، ما هو تفسير علمي هذا، هذا كلام هيك إشاري استرسال، لكن ليس تفسير علمي، يعني هو ما عنده دليل النسفي على هذا الكلام يعني.

في الحديث النبوي: «لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه» يكفيه في الاهتمام به ويشغله، وهو هذا الختام: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مَّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 37]، هذا يرجح المعنى الثاني، أن هروب الإنسان من أمه وأبيه ليس للتبعات، وإنما للانشغال بالنفس؛ لأن عنده ما يشغله في ذلك اليوم، لكل امرئ منهم يومئذ شان يغنيه، يعني مكفيه اللي فيه مكفيه، فما حدا يقرب مني، نعم.

قال: وجوه... لذلك لما يأتي الناس يطلبون الشفاعة من الأنبياء، آدم يقول: نفسي نفسي، نوح يقول: نفسي نفسي، إبراهيم عليه السلام يقول: نفسي نفسي، موسى... كل الأنبياء يقولون: نفسي نفسي، لكل امرئ منهم... إلا النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه فيقول: أنا لها، أنا لها، فيبدا يشفع للخلق.

نعم، قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38]، مضيئة من قيام الليل أو من آثار الوضوء، نعم، مسفرة يعني مضيئة مشرقة يوم القيامة، مبسوطة؛ لأنه أنتج في الدنيا وعمل صح، فهو مطمئن للنتائج نوعاً ما، صحيح هو مرعوب من تفاصيل يوم القيامة، لكن هو إيه؟ وجهه مضيء، يعلم أنه عاش موحداً، وأن هذا الشيء الذي يراه هو كان مؤمناً به في الدنيا ما كان جاحداً به.

نعم، قال: ﴿ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: 39]، أي أصحاب هذه الوجوه وهم المؤمنون، ضاحكون مسرورون، نعم.

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: 40-41]، غبار، ترهقها، قترة، يعلو الغبرة سواد، ترهقها يعني تعلوها، ما معنى ترهقها؟ يعني تعلوها وتغشاها قترة، القترة هي الغبار، وهذه الوجوه الطرف الآخر، واما الذي عاش في الدنيا كافراً لنعم الله، جاحداً، مستغنياً بماله أو علمه أو حسبه عن ربه فيما يزعم، فهذا ستجد وجهه، قال: وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة.

تمام، قال: يعلو الغبرة سواد كالدخان، عفى القترة، قال: أنا ماذا قلت؟ القترة؟ لا، الغبرة هي الغبار، وتغشاه قترة، قال: سواد كالدخان، السواد الذي يكون كالدخان، ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة مع السواد في الوجه، فالقترة هي السواد الذي يكون في وجوههم، يعني تعلو وجوههم قترة، يعني سواد وظلمه، كأنما أغشيت وجوههم، كما قال في سورة يونس: ﴿قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: 27]، يعني وجوه الكافرين المسودة كأنها قطعة ليل أسود فحم، والعياذ بالله، وهذه نتيجة ما قدموا في الدنيا.

أولئك، قال: أولئك اهل هذه الحالة هم الكفره في حقوق الله، الفجره في حقوق العباد، أو لما جمعوا الفجور إلى الكفر، جمع إلى سواد وجوههم الغبرة، نعم، يعني هو لماذا جعل وجوههم غبرة زائد قترة؟ لأنهم جمعوا بين الكفر والفجور، وليس متعلق الفجور فقط حقوق العباد، لا، الفجور أيضاً قد يكون في حق الله سبحانه وتعالى، فالكلام على عمومه أفضل.

أولئك هم الكفرة الذين جحدوا نعم الله، الكفر هو الجحود والستر، فهم كفروا لأنهم ستروا وجحدوا النعم، وفجروا لأنهم فجروا في أعمالهم واتبعوا شهواتهم، فهذا أفضل أن يبقى بغض النظر كان الفجور بينك وبين الله، وكان الفجور بينك وبين الناس، هذه جلسة طيبة مع سورة عبس.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدنا تدبراً وفهماً وتبصرةً، وأن يزيدنا اعتباراً واتعاظاً بما فيها من المعاني العظيمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.