بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا من العاملين بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا من أهل القرآن المحتفين به المهتمين بمعانيه تدبرا وفهما وعملا وسعيا إلى تحقيقها في هذا العالم، وأن يجعلنا من أهل القرآن ومن جنده إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اليوم أيها الكرام موعدنا مع سورتين بإذن الله: سورة التكوير وسورة الانفطار. وهاتان السورتان من السور المركزية في جزء عم وفي القرآن عموما التي تتكلم أو محورها عن أن يدرك الانسان أن كل مشهد الحياة الدنيا، كل مشهد الحياة الدنيا وأن كل سعيه في الحياة الدنيا سينتهي في لحظة: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ﴾، ولحظة: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾. سورة التكوير الكلمه الجوهرية: علمت نفس ما أحضرت، وسورة الانفطار الكلمة الجوهرية: علمت نفس ما قدمت وأخرت.
كل هذه الحياة التي أنت تعيشها عبد الله بكل ما فيها من الآمال والطموحات والأحلام والأفكار والزواج والكسب والشهادات والجامعات والمجالس الخاصة والمجالس العامة وحركة الحياة والعلاقات الاجتماعية، وكل هذه الحياة بكل ما حصل فيها من لحظات ستختصر في ذاك المشهد، في مشهد علمت نفس ما أحضرت، فأنت كل سعيك في الدنيا ستأتي مرة واحدة تجره وتحضره بين ييدي سبحانه وتعالى ليعرض وليعلم طبيعه هذا السعي: ماذا فيه من الخير؟ ماذا فيه من الشر؟ ليكون الحساب بناء على لحظات الدنيا.
هذه الفكرة مهم جدا كل مسلم يربي نفسه عليها قبل أن يدخل في تفاصيل الأحكام الشرعية، ولذلك هذه السور هي التي تربى عليها الصحابة الكرام والجيل الأول في فترة مكة المكرمة قبل أن تنزل الأحكام التفصيلية التي تتكلم عن تحريم الخمر ووجوب الحجاب وتفاصيل الزكاة والصيام وتفاصيل القتال والجهاد وتفاصيل الربا والمعاملات.
قبل أن تأتي كل منظومة الأحكام الفقهية، كان لابد من تأصيل المسلم على قاعدة كلية، وهي قاعدة علمت نفس ما أحضرت، تذكر الوقوف بين يدي الله، ولذلك سور جزء عم هي تمثل أيها الكرام هذه التربية العقدية الإيمانية الصحيحة التي ينبغي أن يتأسس عليها المسلم ونؤسس أنفسنا ومجتمعاتنا عليها قبل أن تفكر في تفاصيل الأحكام وتطبيقاتها.
المقصود أننا أحيانا نطالب الناس بالالتزام بالاحكام الشرعية وتطبيقها في حياتهم وتنزيلها على واقعهم، لكننا ننسى أو أن هذه النفوس التي أنت تطالبها بالأحكام الشرعية وبتطبيقها وبتمسك بها وترك الذنوب والمعاصي هي لم تترَبَ على هذه القواعد الأساسية الأولى؛ قاعدة: ﴿فَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: 40]، قاعدة الدار الآخرة، قاعدة علمت نفس ما أحضرت.
النبي عليه الصلاة والسلام ركز على تعميق هذه المعاني في قلوب الصحابة حتى إذا جاءت منظومة الأحكام بعد ذلك، هي أاتت على قاعدة صلبة، قاعدة قوية هي في أي حكم شرعي يأمرها الله سبحانه وتعالى ورسوله هي مستعدة مباشرة للتنفيذ، هي مستعدة مباشرة للالتزام والطاعة والاتباع التام، ليه؟ لأن هناك قاعدة مسبقة هي تدرك ما معنى الدار الآخرة وتدرك ما معنى علمت نفس ما أحضرت.
هذه فكرة مهمة جدا، يعني أحيانا لما يخطر في ذهني قضية الصحابة الكرام الذين كانوا في الجاهلية جلهم جلهم كان مدمنا على الخمر، جلهم في أيام الجاهلية كانوا مدمنين على الخمر إدمان ما يسمى له بالإدمان، ما الذي غيره الاسلام في نفوس الصحابة حتى لما جاءت اللحظة التي يقول الله عز وجل فيها: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90]؟ ألقوا كل ما بين أيديهم من الخمور في شوارع المدينة وسكك المدينة وانتهى الحال والإدمان ولم يعرف بعد ذلك من الصحابة من شرب الخمر إلا فلتات، واحد اثنين ثلاث فلتات انسانية، لكن كجيل كامل انتهى من هذه الآفة، مع أنهم كانوا مدمنين عليها لسنوات.
أعتقد أن هناك تربية إيمانية صلبة تجعل الإيمان قادرا حتى على أن يكسر الإدمانات الصعبة التي تعود الإنسان عليها في حياته والعادات السيئة التي نشأ عليها، يعني عنده قاعدة إيمانية صلبة وتجهيز إيماني قوي بحيث إذا جاء الشرع يحرم عليه شيئا أو يطالبه بإنهاء شيء هو قادر أن ينهي هذا الشيء تماما من حياته ولو كان مدمنا عليه لسنوات، وأن ينهيه مرة واحدة، مرة واحدة ينهيه.
نعم القرآن جاء بالتدريج في قضية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: 43] عالجهم رويدا رويدا، لكن في النهاية العلاج التام وخلع الإدمان من حياتهم جاء بكلمة فاجتنبوه، وبالتالي خلاص قرروا أن ينهوا الخمر تماما من حياتهم. هذه اللحظة، لحظة فاجتنبوه هي مبنية على سنوات مضت في مكة كانوا يتعلمون القرآن المكي، يعني أنت لا تظن أن هي لحظة مفاجئة فاجتنبوه ألقوا الخمر لا لا هو ليس هكذا.
هذا خطا في التصور التربوي والإصلاحي ينبغي عليك أن تعرف أنها جاءت بعد سلسلة طويلة من الاستعدادات الإيمانية والنفسية كان القرآن يجهزها في نفوسهم في مكة المكرمة. كان يتكلم معهم عن الدار الآخرة، كان يتكلم معهم عن قيمة الإنسان، عن هدف الوجود، عن طبيعة الحياة ومختصر ومختزل في مشاهد الحساب بين يدي الله، فلما كثف القرآن المكي هذه المعاني وعالجتها سور جزء عم معالجة مستفيضة؛ مرة من هنا، مرة من هنا، مرة من هنا، مرة من هنا، أصبحت القلوب في أعلى درجات الإيمان أو في حالة إيمانية عالية بحيث أنها قادرة أن تتخطى أي معصية في حياتها وأي شيء يطالبهم الإسلام أن ينتهوا عنه.
لذلك أنت لما تنظر في مجتمعك المعاصر عندما نأمر الناس بالمعروف ونهاهم عن المنكر، بل حتى في نفسك أنت، أنت أيها المسلم العاصي المذنب عندما ترى أنك مليء بالكثير من العادات السيئة والذنوب، وتحاول أن تتخلص منها وتحاول أن تخلص عائلتك وأسرتك منها وتحاول أن تخلص الناس، تجد أن في هناك مشكلة كبيرة نعاني منها نحن الذين ولدنا على الإسلام مش كنا مشركين وأسلمنا، لا، الأصل أننا ولدنا على الإسلام، تجد أن عندك ضعف في معالجة ملف المعاصي والذنوب وأخطاء الحياة، بينما الصحابة الذين كانوا مشركين ويعبدون الأصنام ويمارسون كل المصائب لما أسلموا غيروا كل هذا الملف وأصبحوا عظماء التاريخ، أصبحوا عظماء التاريخ.
إذا هي المشكلة ليس أنه أنا أسلمت مبكرا أو أسلمت متأخرا أو ولدت مسلما أو كنت في الجاهلية ثم أسلمت، هي الفكرة كيف تربيت على الإسلام صحيح؟ يعني إذا كان الصحابة كانوا مشركين ثم أسلموا عندهم من القوة الإيمانية أضعاف أضعاف ما عندي وما عندك، ونحن الذين ولدنا على الإسلام وفتحنا أعيننا على آباء وأمهات يقولون لا إله إلا الله، إذا هل المشكلة أنه أنا لي تاريخ في المعاصي ثم تبت بالتالي رح أكون أضعف من اللي كان طوال عمره على على الطاعة؟ لا مش بهذا التصور، لأنه الصحابة كان لهم تاريخ ليس فقط في معاصي هينة، في أجيال كبيرة ثم صنع الاسلام منهم قادة عظاما، هذا يدل على أنه الأهم في حياة الإنسان كيف يربي قلبه، ما هي المعاني التي ينبغي أن يمررها على قلبه بشكل دوري حتى يبقى هذا القلب يقظا منتبها مستعدا، فإذا جاء حكم شرعي يطالبه أن يفعل أو ينتهي هو قادر أن ينسجم مع هذا الحكم دون الشعور بالتحدي الكبير والهائل والسقوط المتكرر.
لا ويوم يفعل ويوم يسقط، يوم يفعل ويوم يسقط، يعني أحيانا لما ترى إنسانا مدمنا على النظر للحرام أو مدمن على تعاطي معصية معينة، طب ألا تقول ألا يوجد عنده من الإيمان ما يجعله ينتهي من هذه المعصية؟ بعض الناس مدمن على الدخان والأرجيلة كنموذج، لما تبدأ تتكلم معه عن تركه و و و: والله يا شيخ ادعي لنا ربنا بالهدايه يهدينا، مش هذا هو دائما كلامهم؟ هو أنت ايش اللي مانعك تفعل زي ما فعل الصحابة لما ألقوا الخمر وانتهوا منها؟ أنه ما فيش أصلا قاعدة صلبة، ما في قاعدة إيمانية صلبة في القلب يبني عليها ترك المحرمات من المشروبات المعاصرة أو ما هذه الأشياء، فهو أنت تتكلم عن شخص ضعيف الإرادة، إرادة الخير ضعيفة حتى لو كان هو يحب الخير في الجمله، هو فعلا قد يكون صادق يريد ينهي هالمعصية بس كلما بدا ينهار كلما بدا يوم يومين بنهار، ليه؟ لأنه لا يمتلك الإرادة، تربية الإرادة هذا الذي رباه القرآن، الإرادة على الخير هذا مفهوم الإرادة أنه إذا طلبت الخير أجد عندي إرادة قوية صلبة أستطيع أن أواجه لحظات الصعوبة التي تدعوني إلى مقاربة المعصية مرة أخرى.
أكثرنا ينهار أمام إرادته حتى في الطاعة، بتجي تقوم الليل صحيح يوم يومين تنهار ترجع بتفكر بالملف مرة أخرى، يوم يومين ترجع تنهار، طبعا نحن متفاوتون أكيد في قوة الإرادات، في إنسان ممكن شهر شهرين وبنهار، في إنسان أسبوع وبنهار، في إنسان يوم، تمام؟ نحن نختلف في قوة الإرادة، في ناس ربنا يبارك لهم، لا ما شاء الله هو ماشي على قاعدة: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]، يعني مستمر وماضي في أي عادة جميلة في الحياة أن يبقى مستمرا على المواظبة عليها.
الذي فعله القرآن في قلوب الصحابة أنه قوَّى الإرادة، فأصبح أحدهم إذا أراد شيئا من أبواب الخير عنده عزيمة على مقاومة الشيطان، الآن الشيطان سيبقى يوسوس لهم كما يوسوس لنا، لكن ايش الفرق بينك وبين الجيل الأول في الجملة طبعا؟ الفرق أنه إذا جاءته الوساوس والخطرات هو عنده إرادة قوية إيمانية ليحطمها ولا يسمح لوساوس الشيطان ولقطات الشيطان أن تعكر إيمانه، تعكير إيمانات لمعاص وسقطات وانحرافات هائلة في حياته. أما نحن لا، عندنا مساحة كبيرة للشيطان مع ضعف الإرادات، فإذا جاءت الخواطر والإرادات الرديئة أنت لا تملك قدرة على مدافعته فتسقط أو تنهار، سواء كانت إرادات الشيطان في فعل معاص أو ترك طاعات، ممكن حتى ترك طاعة.
لذلك كثير من الشباب -حتى طلاب العلم أو من يزعم أنه طالب علم حتى أكون دقيق- اللي يبدأ في دورة علمية يوم، يومين، أسبوعين، يغيب، وين إرادتك؟ الإرادة وين؟ لما والله لما تقرا في قصص الأولين في طلب العلم يا اخي تجد شيئا عجبا، يا اخي بلف العالم الإسلامي كله على رجليه، بقية المخرج جاء من الأندلس على قدميه باتجاه تونس، جزائر، مغرب، مصر، إلى بغداد على رجليه يقابل أحمد بن حنبل وياتي وقال: طاف من الأندلس إلى بغداد مرتين في حياته. طب هذه الإرادة الحديدية، احنا معنا مواصلات والأمور طيبة وفي شاي وقهوة والأمور جيدة وتطالب أجي اليوم ولا ما أجي، بلش في الهمة أول أسبوع بعدين بفطر عن طلب العلم، في مشكلة عندنا في الإرادة، إرادة الخير عندنا ضعيفة، سهل أنها تنكسر، طرية، لكن عند الصحابة، عند الأئمة الكبار، عند السلف، عند العلماء، عند القادة، لا، كانت الإرادة فيها قوة وصلابة مش سهل تنكسر على أمام أي عائق من عوائق الحياة وأمام أي عثرة من عثرات الحياة، بتلاقيه يترك حلمه وهدفه وغايته التي من أجلها ابتدأ يرميها وراءه ويعود عاميا.
تقوية الإرادات مهمة أيها الشباب، والقران -خاصة القرآن المكي- من أعظم ما يفعل في الإنسان أنه يقوي الإرادات، يقوي الإرادات، كيف؟ لما يعطيك بعد قصر الحياة الدنيا وهول الدار الآخرة بعد أن الحياة شيء مختصر صغير جدا ستاتي لتقدمه بين يدي الله، فتبقى كلما جلست فارغا بطالا أو كلما جاءك الشيطان لترك عمل خير أو لفعل معصية، تبقى تتذكر: علمت نفس ما أحضرت.
هذه بحد ذاتها لما تبقى تتذكرها بتقول: أنا ايش ساحضر بين يدي الله يوم القيامة؟ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ﴾ أنا يوم القيامة ماذا ساحضر بين يدي الله؟ ما هو الوقت يمضي صح، شئت وأبيت، الوقت يمضي والحياه عم تمشي علي وعليك وعلى جميع الناس، هل أنت تجد شيئا جيدا ستحضره بين يدي الله يوم القيامة؟ كل واحد فينا اكيد الان شريط حياته يمر في ذهنه: ماذا ساحضر؟ علمت نفس ما أحضرت، ماذا ستكون لي أنا فلان سين وصاد وعين؟ وماذا سيكون هذا الملف وماذا يوجد في داخله؟
هذا معنى ما كان يقرأ سريعا عند الصحابة وايه ومشى الحال، لا، كانت فكرة عميقة جدا في حياتهم، كانت فكرة عميقة جدا في حياتهم تجعل كلما فكر في الفتور، وكلما دعاه الشيطان إلى ترك قيام الليل أو ترك القرآن أو ترك الذكر أو ترك الإصلاح، أو دعاه الشيطان إلى فعل المعاصي أو النظر للحرام تبقى يعني تعرف شغلة كل ما تيجي تفكر بالخطا بيطلع لك هيك شيء كان ما تبقى تخرج. كلما حاول أن يضعف: علمت نفس ما أحضرت، فهذا البعد العميق يجعلهم دائما يدركون النقص ويثبتون الإرادات، كيف انسان إرادته تتخلخل بحاول يثبت: ثبت يا رب، ولانه هو مدرك عمق القادم وهول القادم، مدرك ما معنى يوم القيامة ليس إيمانا عاما، إيمانا عميقا متجذرا.
فسورة التكوير وسورة الانفطار هي قلبت كيانهم وقلبت حياتهم لأنهم عاشوها، عاشوها حياة وليس فقط حفظ في مراكز وتفسير عام ومش الحال لا، هم يدركون ما قيمه هذه الآيات وما هي الأشياء التي تتحدث عنها، ماذا تطلب مني هذه الآيات الآن لما أقرا: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 1-4]، الآيات تتكلم عن أهوال عظمى قادمة وعن انقلاب ليس في بلد معين، انقلاب في نظام الكون، انقلاب هائل في.
نظام الكون في النجوم وفي الكواكب، هذه الأشياء التي أنت تراها ثابتة ولا يخطر في ذهنك في يوم من الأيام أن الشمس توقع عليك. صح يعني في واحد فينا يخطر بباله أنه الشمس توقع أو نجوم تتساقط، ويصير يمسك فيها، نجوم مطر أشياء؟ هذا ما يأتي في ذهنك. تأتي سورة الانفطار والتكوين لتخبرك أن الذي سيحصل هو انقلاب هائل في نظام الكون، وستجد أمور عجب عجاب تحصل. هذا الانقلاب الهائل يعني أن هناك انقلابا في طبيعة الدار، من دنيا من حياة إلى حياة، ومن طبيعة إلى طبيعة، فعليك أن تكون مستعدا أيها الإنسان لهذا الانقلاب الهائل.
إذا الشمس كورت، انقلاب هائل، صحيح. طيب، ماذا سيؤثر هذا في على حياتي أنا؟ أنت أنت كأنسان مسلم لما تقرأ: «إذا الشمس كورت» ماذا تعني لك؟ بس إنا في كتب التفسير نجي نقرا يعني سيكون يوم القيامة فيه أهوال شديدة، ونسأل الله السلامة والعافية، جزاك الله خيرا. جميل، بس كذا هذا هو التعبد بها؟ أم هذا يعني ما دام أن هناك انقلابا هائلا في حالة الكون، فهذا يعني أنني يجب أن أكون مستعدا لهذا الانقلاب الهائل الذي يعني السعادة الأبدية أو الفناء أو الهلاك الأبدي؟ مش القضية قضية أنه فقط يوم قيامة وفيه مشاهد عظيمة والله يصبرنا عليها ونقطة وسطر جديد. لا، هذا يعني أنني أنا علي أن أعد نفسي لهذا الموضوع العظيم ولهذا الملف الكبير إعدادا عظيمًا، وأعرف أن الدنيا بكل ما فيها من العقبات لا تستحق أن أوقف أصلًا، بدو أنني شغال شغال شغال شغال للحظة الأخيرة، ما في إنه أنا مليت من قيام الليل، أو مليت من حضور مجالس العلم، أو مليت من الذكر، ما فيش ملل؛ لأنه القضية صعبة، القادم مهول.
إدراك الصحابة لهذه الحقائق كان يجعلهم دائما في سعي دؤوب لصلاح النفس ومتابعتها، والتقدم دائما في علاقتهم مع الله، وأن الإنسان ما عنده وقت عفوا لمشكلة شخصية أو نزوات حياتية عابرة. يعني لا أقول إنهم أصبحوا جيلا بدون معاصي، يمكن هذا، لكن تبقى المعصية ما هي خطرات الطريق، فلته صغيرة ويرجع، أما حالات الادمان والاستمرار والغفلة التي نحن نعاني منها الكبيرة والهائلة، هذا يدل على أن هناك مشكلة في التربية الإيمانية، وفي إدراكنا لمعاني القرآن، وفي علاقتنا مع القرآن، وفي المساحة التي نعطيها للقران حتى يؤثر في صياغة كياننا وإيماننا. دعونا نعيش أيها الكرام مع معاني سورة التكوين والانفطار اليوم، ونحاول أن نستشعر كم العظمة والهول الذي ينتظر الإنسان، مما يستدعي منه أن ينتبه لهذا التغيير الذي يجب أن يكون حاضرا في نفسه استعدادا لتلك الساعات.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا.
وذات يوم أتى جبريل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَاحُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: 1-14].
سبحان الله، هذا المقطع مهيب حقيقة. فإيقاع الصوت وإيقاع النفس الداخلي يعني انظر الآيات وهي تقع على قلبك واحدا بعد أخرى في انقلابات هذه الحياة. إذا الشمس كورت، لاحظوا "إذا" وهي تتكرر في كل مقطع، وكيف ينبغي أن تؤثر في قلبك، وكل "إذا" أصعب من التي قبلها: إذا الشمس كورت، إذا النجوم انكدرت، إذا الجبال سيرت، إذا العشار عطلت، إذا الوحوش حشرت، إذا البحار سجرت. الآية تطلب منك أن تقف مع كل مشهد.
كل هذه الحركات العظمى هي من أجل شيء واحد يكون جواب الشرط في الآية رقم 13 أو 14: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾. يعني هذه الانقلابات الهائلة تعني أنه سينقلب حياة الإنسان وساعة الصفر، ليععرف ماذا قدمت في حياتك وفي هذا التاريخ الدنيوي الذي عشته. فإذن هذه الآيات أو وقع هذه الآيات على قلب المؤمن حقيقة وقع كبير جدا، وكل "إذا" قصة تحتها من المشاهد المهولة والمذهلة التي نرتقب.
نبدا الآن في تفسيرها. قال رحمه الله: إذا الشمس كورت، ذهب ضوءها. من كورت العمامة إذا لففت. نعم، تقول: كورت العمامة إذا كان عندك عمامة كورتها، ما معنى كورتها؟ أي لففت، فاصبحت كالكرة تماما. فيقول: إذا الشمس كورت، المراد قال: أي يلف ضوءها لفا فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق. كان الشمس يتم ضبضبة نورها الذي في الآفاق، ثم بعد ذلك يذهب. فسمى إزالة نورها والبدء بتحديده أكثر وأكثر، ثم بعد ذلك إطفاءه تماما، بماذا؟ كأنه تكوير. قال: إذا الشمس كورت أي ذهب ضوءها، لماذا عبر عن ذهاب الضوء بأنه تكوير؟ فهمتم الآن سنفسر لماذا عبر عن ذهاب ضوئها بأنه تكوير، قال: ماخوذ من كورت العمامة إذا لففت، فالشمس قال: يلف ضوءها لفا تماما، فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق. طيب قال، قال: وارتفاع الشمس بالفاعل رافعها فعل مضمر يفسره كورت، لأن إذا يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط. يعني الشمس، إذا الشمس كورت، كورت ما إعرابها؟ قال: بالفاعل، لكن هنا الأصل أنها نائب فاعل؛ لأنه كورت مش مبني، كتبت الشمس، ما إعراب الشمس؟ نائب فاعل. فقصد بالفاعل، حتى الكلام أدق شوي، بنائب الفاعل. فيقول: الشمس نائب فاعل لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعدها، هذا صورة من صور الاشتغال، يعني تذكر ذلك في كتب النحو، لكن ليس من شاني الآن أن أرحه.
فيقول: إذا دائما بعدها جملة فعل، لا يصلح أن يأتي بعد إذا الشرطية جملة اسمية، فإذا كانت جملة فعلية بعد إذا، لو قلنا: الشمس مبتدا، أصبح بعد إذا جملة اسمية، فلا تصلح. فكيف سنجعل بعد إذا جملة فعلية؟ نقول: الشمس نائب فاعل لفعل محذوف قبلها يفسره الفعل المذكور بعدها، فيكون التقدير: إذا كورت الشمس كورت، فكورت المذكورة هي تفسير لكورة المحذوف. هذا من ناحية الإعراب، واما من ناحية المعنى فعرفنا.
هذا أول مشهد مهيب، وهو مشهد ذهاب ضوء الشمس، ذهاب ضوء الشمس هذه الشمس التي عشت معها طوال حياتك، وهي تشرق في النهار وتغرب في الليل وتضيء الأرض، وها هي موجودة هنا حولنا، في يوم من الأيام سيذهب كل ضوئها ويتم لفه معلنا أنها تذهب إلى دار أخرى جديدة. نعم، قال: واذا النجوم انكدرت، تساقطت. كدرت بمعنى تساقطت. تخيل أن هذه النجوم التي تراها في السماء، وصفها امرؤ القيس كأنها مربوطة بأم راسكتان إلى صم جندل، أنها كأنها لا تتحرك، هذه النجوم التي تراها نقاط، يوم من الأيام ستتساقط تصبح تراها كالكراميل تتساقط حجارة كبيرة جدا جدا ضخم.
نعم قال: واذا الجبال سيرت عن وجه الأرض وأبعدت، أو سيرت في الجو تسيير السحاب عموما، أن الجبال تتحرك من مكانها. هذه الجبال المهولة المذهلة رأيتها بدات تتحرك من أماكنها. نعم قال: واذا العشار جمع عشراء، وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة. تمام، الآن الناقة تحمل 12 شهرا، يقول مدة حملها 12 شهرا، فإذا وصل حملها إلى عشرة أشهر تسمى عشراء، الناقة إذا وصلت في حملها لعشرة أشهر تسمى ماذا؟ عشراء. وتجمع على عشار، العشراء تجمع على عشار، وهذه لما تصل في حملها لعشرة أشهر تحتاج لعناية، ويكون الراعي محتفيا بها.
قال: عطلت، يعني أهملت. عطلها أهلها، يعني أخلو، ما عادوا ينشغلون بها لأن كل إنسان مشتغل بنفسه، وكانوا يحبسون إذا بلغت هذه الحال لعزتها عندهم. يعني هذه الجمله "إذا العشار عطلت" العربي يفهمها أكثر مني ومنك، هو يدرك ما معنى وإذا العشار عطلت؛ لأنه يقول وكانوا أي كانت العرب تحبس العشار إذا بلغت هذه الحال، يعني إذا وصلت في حملها لعشرة أشهر لماذا؟ لعزتها عندهم، هي عزيزة هذه، بقول لك بكره رح تجيب لي جمل جديد حق كمان 3000-4000 دينار، بالنسبة له مكسب كبير العربي أن ينتبه للعشار ما بقي لها شيء. فتخيل أن هذه العشار التي كان من شانهم الاحتفاء بها تعطل ويتركها صاحبها بعد أن كانت عزيزة عليه. طب نعم قال: وإذا الوحوش حشرت، جمعت من كل ناحية، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. نعم، حتى الذباب للقصاص، حتى يحشر كل شيء حتى الذباب.
تمام، إذا قلنا: حتى عاطفة، يحشر كل شيء حتى الذباب يحشره الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، حتى يقتص للناقة التي ليس لها قرون من الناقة التي لها قرون، قالت نطحته في الدنيا، حتى تاخذ قصاصها يوم القيامة. فكل شيء يحشر، حتى الوحوش، حتى الدواب، حتى الحشرات، لاحظ حتى الذباب، الكل يحشر؛ لأنه سيقام محكمة العدل الإلهي ليقتص من كل ظالم لمظلوم. نعم قال: فإذا قضي بينها ردت ترابا، فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم، كالطاووس ونحوه. يعني هل الحيوانات ستدخل الجنة مع أهل الجنة؟ هو يقول إن الحيوانات بعد أن تحشر ويقتص منها كلها تفنى، ولا يدخل منها إلى الجنة إلا ما كان فيه سرور لبني آدم، الحيوانات المحبوبة، كالطيور والطاووس والأشياء الجميلة، واما الذبان والهسهسنا لكن هذا ربما يحتاج إلى دليل أقوى.
نعم، قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما، حشرها موتها. يقال: إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم وحشرته السنة، في هذا معنى آخر، وقد يكون هو الأنسب للسياق أن المراد: وإذا الوحوش حشرت على التفسير الأول حشرت في ساحة القيامة، لكن على التفسير الثاني وهذا الأنسب أن المراد بالحشر هنا يعني الموت والهلاك. وهذا أنسب لسياق السورة، أننا نتكلم عن ما قبل يوم القيامة. الآن: إذا الشمس كورت، إذا النجوم انكدرت، إذا الجبال سيرت، إذا العشار عطلت، إذا الوحوش حشرت، يعني هلكت. أما أن يجعلها ليوم القيامة هو محتمل، لكن ليس هو السياق، لسه سنقول: وإذا البحار سجرت، لسه لم ينتهي الحديث عن النفخة الأولى وما يكون فيها من ارهاصات.
طب قال: وإذا البحار سجرت، سجرت مكي وبصري، من سجر التنور إذا ملاه بالحطب. نعم، العرب تقول: سجر التنور، التنور هو المكان الذي يطبخ فيه الخبز، أكيد ذهبتم إلى مخابز ورايتم هكذا مثل خاصة مخابز التي تعمل التميس أو شيء السعودي هذا، تمام تجدون تنور معين ويوضع فيه الخبز هكذا في الداخل ثم يخرج، فهنا يقول: سجر التنور إذا ملئ بالحطب. نعم، قال: أي ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا. فمعنى: إذا البحار سجرت، يقول كأنها ملئت حطبا وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا، يعني البحار المتعددة، كان في مشكلة في الصوت، البحار المتعددة تتحول إلى بحر واحد، المحيط الهادي والأطلسي والهندي وكلها تصبح محيطا واحدا.
وقيل سجرت، أي ملئت مرارا لتعذيب أهل النار، وأنا ذكره كثير من أهل العلم أن النار تاتي من تحت البحار، وأن تحت البحار نارا، ورد هذا في عدة أحاديث وإن كان فيها ضعف لكن بعض أهل العلم يحسنها. البحار التي هي ماء، تخيل أن البحار المائية تصبح نيران حارقة! البحار المائية الماء يطفئ النار صحيح، هذا الماء الذي يطفئ النار في يوم من الأيام سيصبح هو النار، وهذا عند يوم القيامة.
نعم، قال: وإذا النفوس زوجت، قرنت كل نفس بشكلها الصالح مع الصالح في الجنة والطالح مع الطالح في النار، فالتزويج هنا ما هو؟ أن تقرن، أن يقرن بعضها ببعض، المزاوجة هنا بمعنى الاقتران. قال: وإذا النفوس زوجت، يعني قرنت، فالصالحون يقترنون بالصالحين، والسيئون يقرنون بالسيئين، فمجرمو هذه الأمة مع المجرمين السابقين يكونون مع بعضهم البعض، وصالح هذه الأمة باذن الله مع الصالحين الأولين يزوجون، يعني يقرن بينهم. نعم، قال: أو قرنت بالارواح، أو قرنت الأرواح بالاجساد. هذا تفسير آخر قدمه.
وإذا النفوس زوجت، يعني قرنت أرواحها بأجسادها، وإن كان هذا ليس ظاهرا حقيقة من العبارة. نعم، أو بكتبها وأعمالها، أو نفوس المؤمنين بالحور العين. أو تفسير ثالث: وإذا النفوس زوجت، يعني قرنت بأعمالها، كل نفس قرنت بسجل أعمالها حتى تلتقي بالله سبحانه. نعم، قال: أو نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين. أو هنا نوع آخر أن يكون المراد بالزواج أن يزوج المؤمن من الحور العين، وتقترن نفوس الكافرين بالشياطين والعياذ بالله.
وإذا الموءودة سئلت، المدفونة حية، وكانت العرب تئد البنات خشية الإملاق وخوف الاسترقاق. طبعا هذا بعض العرب حتى يكون الكلام دقيقا، هذا ليس شائعا عند كل العرب، أن بعض العرب كان يفعل هذا وهو واد البنات. نعم، قال: سئلت سؤال تلطف لتقول: بلا ذنب قتلت، أو لتدل على قاتلها، أو هو توبيخ لقاتلها بصرف الخطاب عنه كهتلناس الآية قال: وإذا الموءودة الفتاة الصغيرة التي دفنت حية، سئلت سؤال تلطف لتقول: لماذا قتلت؟ فأجابت: بلا ذنب قتلت. لماذا قتلك أهلك ماذا تجيب؟ بلا ذنب قتلت. أو سئلت من قاتلك؟ في عدة احتمالات للسؤال، أو سئلت من قاتلك لتليدل على قاتلها تقول: فلان قتلني أبي أو عمي. تمام؟ أو هو توبيخ لقاتلها بصرف الخطاب عنه، ايش يعني هذا الكلام؟ ايش يعني هو توبيخ لقاتل بصرف الخطاب عنه؟ يلا، من يشغل دماغه هنا معنا تفضل.
أحسنت، يعني كأن الأصل أنت عادة تسأل القاتل، فصرف بدل ما يسأل القاتل صرف.
إعراض الله عن سؤال القاتل وسؤال المقتول هو نوع من التوبيخ للقاتل أنه أعرض عنه، ومثل على هذه الفكرة بقوله تعالى لعيسى ابن مريم عليه السلام: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ لم يسأل الله الجاني الحقيقي وهم النصارى الذين عبدوه، وإنما سأل عيسى ابن مريم البريء: أأنت قلت للناس؟ فلماذا لم يسأل الله النصارى هل انتم عبدتم عيسى، الذين جنوا؟ قالوا: هذا نوع توبيخ وازدراء لهم، أنه لم يسأل الجاني وإنما سأل المجني عليه نوع إهمال للجاني تماماً وتوبيخ له أنه لم يوجه الخطاب إليه، لم يقل لقاتل الموؤودة لماذا قتلت الفتاة؟ لا، كأنه أعرض عنه إهمالاً له، وسأل الفتاة المسكينة نفسها المجني عليها لماذا قتلت، فيقول: هو توبيخ لقاتل بصرف الخطاب عنه وسؤال الفتاة البريئة نفسها لماذا قتلت مع أن الأصل أنك تسأل من؟ الجاني ليش فعلت كذا؟ صحيح أنت بتروح تسال الجاني لماذا قتلت حتى يحاول أن يدافع عن نفسه إن كان عنده جواب، لكن لم يسأل الجاني إهمالاً له وتوبيخاً، كما في قوله: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ بأي ذنب قتلت تماماً، قال: بأي ذنب قتلت وبتهديد، وبتهديد قد تكون مراد قتلت.
نعم، قال: وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يكون بلا ذنب، يعني هل هو دليل قوي على أن أطفال المشركين لا يعذبون؟ ومن أين الدليل هذا أخذه؟ يقول: الآية فيها دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون يوم القيامة، ما وجه دلالة الآية على هذه الفكرة؟ كيف استدل النسفي بها؟ تفضل.
طيب، يعني ماشي ماشي بس يعني محتاجة نظر أكثر التفكير. طيب، طيب كيف دليل الآية أنه أطفال المشركين لا يدخلون النار؟ طيب ماشي ممكن أنا أخاطب واحد تلطيفي بعدين أعذبه، يعني ممكن أنا مشكلتي معه جزئية معينة أنه أنت مظلوم، يعني حتى في ناس مشركين ماتوا مظلومين من بعض الناس، يعني المشركون ألا يحصل بينهم تظالم؟ ممكن مشرك ظلم مشرك آخر يقتص منه يوم القيامة، لكن هل هذا يعني أن المشرك المظلوم لن يعذب على كفره؟ سيعذب على كفره من بعد آخر، تفضل.
ممكن هذا لطيف، أحسنت يعني بأي ذنب قتلت؟ يعني أنت غلطي في الحياة وهذا المراد ليس، يعني عفواً الله عز وجل لا ينتظر جواباً فهو سبحانه عالم كل شيء، فكان المراد بأي ذنب قتلت هي لم تخطئ أي خطأ، فقد يستدل بعموم هذا أنها لم تخطئ أي خطأ، أنه هي ليست مشركة أصلاً، وإن كان يعني ليس دليلاً بكامل الوضوح أصلاً، لكن هو كأنه يقول بأي ذنب قتلت، كأن الله ينكر أن هذه ما لها أي ذنب، ها ما لها أي ذنب، ومن هذه الذنوب اللي ما لها أي ذنب الشرك، أليس الشرك ذنباً؟ فكانه لما قال بأي ذنب قتلت أنه ما لها أي علاقة، هي ليست مسؤولة عن شيء، فلماذا تقتل؟ فإذا كانت بريئة تماماً في محكمة العدل الإلهي بريئة وليست مسؤولة عن شيء، لماذا قتلت؟ فهل أيضاً سيحاسبها الله على شيء هي ليس لها علاقة به؟ وهو أنها من والدين مشركين، فهم يعني كأن الله يقول: هذه بريئة بأي ذنب قتلت شو سوت حتى تقتل؟ فإذا كان الله، فإذا كان الله يستنكر قتلها في الدنيا، يستنكر قتلها في الدنيا مع أنها بريئة، مش هذا هو السياق؟ فإذاً كيف يعذبها الله يوم القيامة وهي طفلة أيضاً بريئة لم تفعل الشرك ولم تمارسه وماتت وعمرها سنة أو سنتين؟ هذا الكلام جيد، يعني عموماً جيد، عموماً جيد، يعني إذا كان الله لا يرضى بالظلم لهذه النسمات البريئة تماماً ويقول بأي ذنب يقتلها أبوها مع أنها لم ترتكب أي قبيح في الدنيا، لا هي زنت ولا هي عملت جريمة ولا شيء، بنت عمرها شهرين ثلاثة، فهل يناسب هذا أن يعذبها الله يوم القيامة فقط لأنه أبوها مشرك؟
فهمتم؟ إذاً هذا لا يناسب، إذاً أطفال المشركين الذين ماتوا عمرهم شهرين وثلاثة وأربعة وسنة وسنتين وثلاثة، الأصل أنهم لا يدخلون النار، وأما كيف يعاملهم الله هل يدخلون الجنة مباشرة أو يعاملون معاملة أهل الفترة يكون لهم، يعني يبلغون ويكون لهم حساب خاص بهم أو يجعلون خدماً لأهل الجنة؟ تفاصيل كثيرة، لكن أن نقول أن الله يعذب أطفال المشركين فقط لأنه أبوه مشرك وهو مات وعمره شهرين ثلاثة، هذا بعيد حقيقة عن جادة أهل العلم، وإن كان قال البعض لكن يعني كلام النسفي أتفق معه عموماً أن هذا بعيد جداً جداً هذا القول ولا يتناسب أصلاً مع العدل الإلهي هنا في أن تقول بأي ذنب قتلت، فهو يرفض محاسبتها في الدنيا، ثم هو سبحانه يحاسبها في الآخرة مع أنه لم يصدر منها فعل، مع أنه لم يصدر منها فعل، فهذا ينتبه له تماماً. قد يؤيد هذا الفهم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة فابواه يهودانه أو ينصرانه»، فالاصل أن المولود يكون على فطرة الإسلام، والأدلة كثيرة يعني أحسنت يعني والأدلة كثيرة على أن أطفال المشركين الذين ماتوا ولم يصدر منهم ذنب أن عدل الله سبحانه وتعالى يقتضي أن لا يعذب في نار جهنم، أما كيف سيتعامل الله معه هذا أمر آخر، لكن أن يعذب في دار جهنم هذا شاذ ولا ينبغي أن يعمل بهذا القول والله أعلم.
نعم قال رحمه الله: وإذا الصحف نشرت، أن التعذيب لا يكون بلا ذنب، نعم جيد، قال: وإذا الصحف نشرت فتحت بتخفيف مدني وشامي وعاصم وسهل ويعقوب، والمراد صحف صحف الأعمال، وهناك قراءتان وإذا الصحف نشرت وهناك قراءة وإذا الصحف نشرت دائماً هذا التجديد يدل على المبالغة.
نعم قال المراد بها ماذا؟ نشرت يعني فتحت قال تطوى صحيفة الإنسان عند موته ثم تنشر إذا حسب، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم، نعم يجوز أن يكون مراد نشرت بمعنى وزعت مش فتحت لا يكن بمعنى نشرت ماذا وزعت على أصحابها كل إنسان أعطي صحيفته، طيب قال وإذا السماء كشطت، قال الزجاج قلعت كما يقلع السقف قلعت، تخيل هذا السقف أنت تروح تقلعه تجيب صنايعي يقلع لك إياه من مشاهد المهيبة ليوم القيامة أن السماء تقلع يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، فالسماء التي تراها أنت أمامك الآن تقلع وتزال ويؤتى بسماء أخرى ليوم القيامة، نعم قال وإذا الجحيم سعرت، أوقت إيقاداً شديداً بالتشديد شامي ومدني وعاصم غير حماد ويحيى للمبالغة، نعم أي سعرت وسعر سعرت للمبالغة، نعم، نعم قال وإذا الجنة أزلفت، أي أدنيت من المتقين كقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [ق: 31] فهذه اثنتا عشرة خصلة، ولاحظ لطف العبارة تماماً، إذا الجحيم سعرت، لكن الجنة أزلفت، هو نوع من التقريب والتلطف في التعامل مع أصحابها، طيب قال: فهذه اثنتا عشرة خصلة، ست منها في الدنيا والباقية في الآخرة، والباقية في الآخرة ولا أقف مطلقاً، اللي في الدنيا ما هي؟ إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت، وإذا الجبال سيرت، وإذا العشار عطلت، وإذا الوحوش حشرت، وإذا البحار سجرت، السته وين في الدنيا؟ يعني في النفخة الأولى، في النفخة الأولى التي ينتهي فيها مشهد الدنيا، ثم قال: وإذا النفوس زوجت، وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت، وإذا الصحف نشرت، وإذا السماء كشطت، وإذا الجحيم سعرت، وإذا الجنة أزلفت، هذه في الآخرة.
فيقول لك الآية أول ستة في الدنيا والباقي في الآخرة، طيب جواب الشرط نعم، لذلك قال ولا أقف مطلقاً من أول السورة إلى ما أحضرت، يعني الأصل الأصل أن الإنسان يقراها قراءة مستمرة، وإذا أراد أن يقف على رؤوس الآية يجوز لا إشكال في ذلك، لكن هي كإرتباط كوحدة موضوعية كلها شرط ولم يأت الجواب بعد، فجواب الشرط عنده يكتمل السياق، إيش جواب الشرط؟ علمت نفس ما أحضرت، هذا هو جواب الثلاث عشرة آية السابقة، جواب شرطها هذا هو نعم.
قال علمت نفس، أي كل نفس، ولضرورة يعني هل هو فقط ضرورة انقطاع النفس أم الوقف أصلاً على رؤوس الآي حسن؟ لأن بعض علماء التجويد يقول: هو أصلاً الوقف على رؤوس الآية حسن ما دام الله جعلها راس آية، إذا الوقوف عليها مقبول، أما النسفي يقول لضرورة انقطاع النفس، احنا بقول: إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت، لأنه صعب تجيب الثلاث عشرة آية بنفس واحد، ما شاء الله هذا يحتاج إلى شخص قوي في هذه الامور، المهم، لكن هو يعني الأمر العام الذي يريد إيصاله أنه علمت نفس ما أحضرت، عندها يكتمل المشهد لأنه هي جواب الشرط، قال: ما أحضرت من خير وشر، فلا أقسم لا زائدة بالخنس بالراجع.
انتهى المقطع الأول وختامه هكذا، علمت نفس ما أحضرت، يعني لما تحصل كل هذه الأمور المذهلة في ختام الدنيا، ثم تعقبها تلك الأمور المذهلة في بداية الآخرة، عندئذ بيعرف كل واحد شو باقي يعمل في الدنيا، كل واحد عارف إيش كان يسوي في هذه الحياة، علمت نفس ما أحضرت، هل أنت كنت من أهل الفجر؟ كنت من أهل الصلاح؟ كنت من أهل الخير؟ كنت تجاهد نفسك على ترك الذنوب والمعاصي؟ كنت تتقي الله يومياً؟ أأنت من أهل الذنوب والخلوات السيئة والفجور وتظهر ما لا تبطن وما شابه ذلك؟ كل إنسان عارف من الملف الذي قدمه في هذه الحياة الدنيا، فنسأل الله حسن الختام.
طيب، الآن سناتي إلى المشهد الآخر من السورة، المشهد الآخر هو كلام عن الوحي برسوله البشري ورسوله الملكي، تثبيتاً في قلوب الصحابة وفي قلوب الأمة والإنسانية جمعاء أن هذا الوحي الذي بين أيديكم إياكم أن تستروا في مصداقيته، فمن وكل به من رسل السماء قوي، ومن وكل به من رسل الأرض قوي، قال: اقرأ الآيات كاملة، وقال الله: ﴿فَلَا أُسْقِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 15-29].
قال: فلا أقسم لا زائدة، فلا أقسم هذه لا زائدة للتاكيد، وهذا أسلوب من أساليب العرب، ليس المراد فلا أقسم أنه ما بدي أقسم، لا المراد أقسم، طب لماذا ذكر لا؟ هذا أسلوب من أساليب العرب أنه إذا أراد أن يؤكد القسم ياتي قبله بقبله لا، لا تفيد النفي وإنما تفيد التأكيد بالعكس تفيد تأكيد القسم، فكانه قال: أقسم بالخنس.
نعم قال: بالخنس بالروابع بين ترى النجم في آخر البرج إذ كر راجعاً إلى أوله، الآن الخنس والكنس حقيقة من المعاني التي كثر يعني اختلاف المفسرين في ضبطها، لأنها تتعلق بحركات كونية هم لم يكونوا على دراية بها عامة، وإنما هم يعرفون أن معنى الخنس من الخنس وهو الاختفاء، والكنس الغزال التي تذهب إلى كناس وتغيب في جحرها أو مكانها بعيدة عن المشاهد، فهُم يعرفون في زمن السلف معنى الخنس أيضاً في سورة الناس: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4] والـخناس الذي يختفي ويأتي ويختفي ويأتي، وكذلك الكنس، هم في ذهن العربي هذه الكلمه تدل على ذلك الغزال الذي له بيت في شجرة أو في جشعة شجرة يكنس فيه عند نزول المطر وما شابه ذلك، الآن هم يدركون أن الآيات تتكلم عن سياق لحركات فلكية، فكيف سيسقطون الخناس والكنس أو الخنس والكنس على الحركات الفلكية؟ وقع خلاف كبير، لأنه تصور العالم الفلكي في زمنهم كان على حسب ماذا طاقتهم وما آتاهم الله عز وجل من معرفة عامة، فنحن نعرف في الجملة أن الكلام هنا عن حركات للنجوم والكواكب تظهر وتختفي وتنتقل، هي المنظومة الشمسية بما فيها من الكواكب والنجوم، أما ما المراد بطبيعة الحركة بالتحديد تبقى المسألة فيها مساحة للاجتهاد، فهو قال لك: الخنس هي الرواجع التي تذهب ثم تظهر تذهب ثم، فبينما ترى النجم في منزله من منازله إذا هو في منزل آخر في منزل آخر حتى يعود إلى أول منزل له هو. ما تفكير النسفي أو ما تصور النسفي لهذه الحركة؟ هل هو كتصور العلم الحديث؟ أظن الأمور تختلف قليلاً في هذه المساحة.
قال: الجواري السيارة الكنس الغيب من كنس الوحش إذا دخل كناسه، الوحش اللي هو الحيوانات التي تكون في الغابات، كيف تكنس؟ أي تدخل في كهفها أو البيت الذي كانت تصنعه في الأشجار، نعم، فالناس إذا دخل كناس، إيش هو الكناسة؟ بيته، بيته الذي يكون في جج شجرة أو في كهف أو ما شابه ذلك، طيب قيل هي الدار الخمس، الآن قيل ما هي الخنس الجواري الكنس؟ هذه الخنس الجواري الكنس ما هي؟ قيل هي الدراريع، يعني الكواكب الخمسة التي كان علماؤنا يعرفونها قديماً مع أن اليوم صارت أكثر من خمسة، بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشتري قديماً هذا ذهنهم في الكواكب، اليوم عندك بلوتو والقصص هذه والجماعة الطيبين، فعندك كواكب أكثر من تصوراتهم، نعم قال: تجري مع الشمس والقمر حتى ترجع ترجع حتى تختفي تحت ضوء الشمس، فنووس رجوعها إذا هو جعل الخنوس هو هكذا فجعل الخنوس ما هو؟ الرجوع، والكنوز هو ايش؟ الاختفاء، وقال إذاً الخنس هي التي ترجع، والكنس التي تختفي، هكذا قال فيقول هي.
تجري مع الشمس وترجع حتى تختفي تحت ضوء الشمس كأنها تتراجع، كذلك هذه الكواكب تتحرك ثم تبدأ تتراجع في دورانها الفلكي حتى تختفي في ضوء الشمس. هي لما تكون أمام الشمس كأنك أنت تراها، مش هيك بصور لكم حركة المدارات الفلكية لما تبدأ ترجع وتأتي وراء الشمس يختفي ضوءها. لكن أعود فأقول مثل هذه الأمور تحتاج إلى فهم أكثر وأكثر كيف تسقط على علم الفلك، وقيل هي جميع الكواكب.
والليل إذا عسعس أقبل بظلامه أو أدبر فهو من الأضداد. كلمة عسعس كلمة من الأضداد، ما معنى الأضداد؟ إذا قيل هذه كلمة من الأضداد، ما معنى أن الكلمة هذه من الأضداد؟ نعم لها معنيان متضادان سبحان الله. هذه من سعة اللغة العربية، بعض الكلمات استعملت باستعمال متضادين. فكلمة عسعس تستعمل في اللغة العربية بمعنى أقبل وهي نفسها تستعمل في اللغة العربية بمعنى أدبر، فالكلمة لها معنيان متضادان. يعني شوف كلمة العين تاتي بمعنى العين الجارحة وتاتي بمعنى الجاسوس، وتاتي بعين الماء. لكن هل هذه المعاني متضادة؟ لا، ما فيش بينها تضاد.
لكن أقبل وأدبر، هل بينهما تضاد؟ نعم، لأنه أقبل عكس أدبر. فإن تجد كلمة تدل على معنيين متضادين هذا من عجائب اللغة. فكلمة عسعس تاتي بمعنى أقبل وتاتي بمعنى أدبر، والآية محتملة، فلذلك قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17] يعني أقبل بظلامه، ويجوز أن يكون المراد أدبر بظلامه وإن كان الثاني بالنسبة لي أظهر؛ لأنه سيتبعها بـ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: 18]. فالأنس أن نقول والليل إذا عسعس يعني إذا أدبر؛ لأنه الآن سيتكلم عن الوحي وعن مصداقيته، والوحي إيذان بانتهاء ظلام الجهل والظلمات وإيذان بإشراق شمس الخير والصلاح على هذه البشرية.
فالأنس والله أعلم أن نقول والليل إذا عسعس إذا أدبر، والصبح إذا تنفس إذا جاء. فهو وإن كان بالليل والصباح الحسي لكن له بعد ليل والصباح المعنوي الروحاني. قال والصبح إذا تنفس امتد ضوءه. شوف العبارة: والصبح إذا تنفس، جعل خروج الصبح كأنه إنسان هكذا يتروح ويتنفس وتخرج بعد أن كان مكبوت عليه تماماً استراح. فالتعبير جداً جميل، وحتى بتشعر وأنت بتقرأ الآية عندك يتنفس، نفس صوت الآية يشعرك بما فيها من الأريحية.
قال: ولما كان إقبال الصبح يلازمه الروح والنسيم جعل ذلك نفساً له مجازاً. يقول النسفي: لما كان إقبال الصبح ساعات الصبح الأولى ايش بيكون معها؟ كان نسيم الصبح وبراد الصبح وهواء الصبح النقي، يقول: لما كان إقبال الصبح يلازمه الروح والنسيم وقطرات الندى، قال: جعل ذلك كأنه ماذا نفساً، جعل ذلك كأنه نفساً. يعني كأن الصبح أقبل بما فيه من الندى والنسيم والروح الذي هو فيه.
قال: وجواب القسم أنه لقرآن كريم. إذاً الله عز وجل أقسم بالكواكب الخنس الجواري الكنس، يعني أقسم بالكواكب الرواجع السيارات المختفية، وأقسم بالليل إذا أدبر ظلامه، وأقسم بالصبح إذا أدبر أوله، على ماذا أقسم؟ قال: أقسم أن القرآن لقول رسول كريم.
من المراد بالرسول هنا؟ ابتدأ بالرسول الملائكي جبريل. وهنا تاتِي القاعدة التي ذكرتها لكم سابقاً في إرواء وفي غيره: قاعدة لابد من رد المتشابه إلى المحكم في القرآن. هذه الآية بعض أهل البدع يقف عندها ليؤكد عقيدته، بيقول لك إن القرآن ليس كلام الله، يقول القرآن هذا كلام جبريل وجبريل هو الذي أعطاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجبريل هو الذي أعطاه للنبي صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل وضع القرآن هكذا يقولون، وضع القرآن في اللوح المحفوظ، خلقه في اللوح المحفوظ ثم جاء جبريل قراه من اللوح المحفوظ ثم تلاه على النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستدل بماذا بهذه الآية؟ ربنا إيش بيقول عن القرآن أنه لقول رسول كريم، ما قال إنه لقول الله، شو قال عن القرآن؟ أنه لقول رسول كريم، هي قول جبريل مش كلام الله، كيف تقول إنه كلام الله بصوت وحرف؟ هذه مشكلة الذي يقف مع المتشابهات ويترك المحكمات. طبعا لما نقول أنها متشابهات هي مش معناه أن هي مش مفهومة، هي بالنسبة لمن يجمع كل القرآن مع بعض البعض مفهوم أن المراد هنا أنه قول جبريل، بس جبريل من أين سمعه؟ من الله، لأنه عندنا آيات كثيرة تدل على أن القرآن هو كلام الله. زي إيش آية تدل على أن القرآن كلام الله؟ أحسنت: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]. إذاً القرآن ابتداء هو كلام الله.
فلما تأتي هذه الآية وتقول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلِ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: 19] أنت تفهم مباشرة أنه ليس المراد أن جبريل هو أول من تكلم بالقرآن، لكن المراد أن جبريل قال هذا القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام سمع القرآن من قول من؟ من قول جبريل، وجبريل سمع القرآن من قول من؟ من قول الله.
فالوقوف مع المتشابهات هذا منهج أهل البدع اللي بخليه يحاول يجد أي آية تمشي مع فكرة بدعية هو يريد أن يصل إليها. لكن من يريد أن يصل للحق بعيداً عن الأهواء يقرأ القرآن كاملاً، القرآن إذا قرأته كامل وضممت آياتك تظهر الحقيقة أمامك بدون أي إشكالية. إذاً المراد بأن القرآن قول جبريل أن جبريل قاله للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس أن جبريل هو أول من تكلم به، فأول من تكلم بالقران هو الله سبحانه وتعالى.
فالله عز وجل وصف جبريل هنا بأنه ماذا كريم. والكريم هنا مش المراد الكريم المالي، لا، فلان كريم العرب، قيل فلان كريم النفس دلالة أنه صاحب زهد وصاحب شهامة وصاحب مروءة وصاحب أخلاقيات عالية، هذا معنى الكرم في هذا المقام العالي.
قال: ذي قوة قدرة على ما يكلف، لا يعجزه عنه ولا يضعف. إذاً أولاً وصف الله جبريل بأنه كريم، ذي قوة، أن جبريل قوي، وجبريل هو ذو ستمائة جناح، وجبريل بطرف جناحه أهلك قوم لوط، فإت تتكلم عن جبريل تتكلم عن سيد الملائكة ذي قوة.
ثم قال: ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: 20] أي عند ذي العرش أي عند الله، ذي العرش والله، أي عند صاحب العرش وهو ربك، مكين أي له تمكن ومكانة عظيمة ليست موجودة لغيره من الملائكه، فهو عند ذي العرش مكين. ولاحظ ما قال مكين عند ذي العرش، لا، أول شيء قدم قال: عند ذي العرش مكين، ليش قال عند ذي العرش؟ لأنه مش المهم بس أنه متمكن، هو متمكن عند مين؟ فهمت الأهم، أنه متمكن عند من؟ عند الله، فلذلك قدم الله ثم بعد ذلك قال مكين.
يقول لك عند ذي العرش مكين، كيف أقول لك فلان عند الملك مكانته عالية؟ هسه لو قلت لك فلان مكانته عالية، حلو، بس يعني مش فخامة كتير، لكن لو فلان عند الملك مكانته عالية، أنت لما سمعت أول شيء عند الملك اه عرفت أنه بدك تحكي عن شيء عظيم، فما بالك لما أتكلم عن ملك الملوك سبحانه وتعالى عند ذي العرش مكين. فالأجر من أنه مكين أن تمكنه عند الله وليس عند غير الله.
قال: ولما كانت حال المكانة على حسب حال المكين قال عند ذي العرش مكين. ايش يعني؟ ما معنى هذه العبارة؟ ولما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن قال عند ذي العرش مكين. ايش بحكي يا مالك؟ يعني هي قاعدة عامة في الحياة، لما أقول فلان متمكن، هي مش العبرة عند مجرد وجود التمكن، العبرة عند من هو متمكن. صح؟ لما أقول لك فلان مكين عند الفقراء، شو هالتمكين هذا؟ يعني شو عبرة هذا التمكن إذا كان متمكن عند الفقراء هذا مسكين؟ فلان متمكن عند رئيس الشركة، فلان متمكن عند وزير الوزراء، فلان متمكن عند الملك، أونو تمكن أعلى؟ اللي عند الشركة ولا الوزير ولا الملك؟ أكيد اللي عند الملك.
فإذاً لاحظ أنه مش التميز في كلمة مكين، لأنه كلمة مكين تختلف حسب تمكنك، في واحد متمكن بس في جامعتي، في واحد متمكن في صفه بس أكثر من هيك بضيع. فالفكرة ليس فقط أنك مكين، العبرة من الذي مكنك، هذا الأهم. فيقول: ولما كانت حالة المكانة على حسب حال الممكن المكانة ترتفع قيمتها على حسب حال الممكن، فاذا كان الممكن هو الله هو اللي مكنك أكيد هاي المكانة هي أعلى المكانات.
قال: ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 21] أي في السماوات يطيعه من فيها، أو عند ذي العرش أي عند الله يطيعه ملائكته المقربون. أو مطاع ثم هناك أي عند ذي العرش، ممكن تكون ثَمَّ اللي هي الإشارة، أما هناك إشارة للسماء أو إشارة إلى عند ذي العرش، يعني أما مطاع في السماء أو مطاع هناك أي عند ذي العرش، وكونه مطاع عند ذي العرش يستلزم ضمناً أن الملائكة تطيعه.
قال: يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، أمين على الوحي. طيب إذاً كل هذا مدح لجبريل وإعلاء لمكانته، خاصة أن اليهود كانوا يهاجمون جبريل عليه السلام ويتهمونه أنه خان الامانة لما نزل على رسول عربي وليس على رسول بني إسرائيل، فأراد الله أن يبين من هو جبريل سيد الملائكة، فمدحه الله عز وجل بهذا الثناء العطر الجميل.
قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: 22] يعني محمد صلي الله عليه وسلم. الآن بعد أن انتهى من مدح جبريل انتقل إلى الرسول البشري، فقال: وأما صاحبكم البشري الرسول البشري صلى الله عليه وسلم فاعلموا أيضاً أنه هو علي القدر عند ربه فما هو بمجنون. قال: وما صاحبكم أي محمد صلى الله عليه وسلم بمجنون كما تزعم الكفرة، وهو عطف على جواب القسم.
ولقد رآه، رأى محمد جبريل عليه السلام على صورته بالافق المبين بمطلع الشمس. عرفتم ان النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن انقطع عنه جبريل فترة انقطاع الوحي حزن النبي عليه الصلاة والسلام حزناً شديداً، وفي يوم من الأيآم وهو نازل من حراء إذا بجبريل يناديه في السماء: يا محمد صلى الله عليه وسلم، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل بصورته الحقيقية وقد سد الأفق بأجنحته، سد ما بين المشرق والمغرب. هذه المرة الأولى التي رآه بصورته الحقيقية، ورآه أيضاً في السماوات العلى عند سدرة المنتهى، رآه أيضاً على صورته الحقيقية. فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى جبريل على صورته الحقيقية مرتين.
هذا يدل على أن جبريل ليس من السهل أن تراه على صورته الحقيقية، يعني إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام كانت مشاهدته لجبريل شيء ضخم وحدث هائل، حتى إن الله سجل هذا القرآن تسجيل هذا الحدث: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: 23]. يعني تقول لي: طيب شو فائدة هاي المعلومة؟ يعني ايش فائدة ولقد رآه بالافق المبين؟ الله عز وجل إخواني كل كلمة لها دلالتها في النص، ما بيصير تفكر هي بس مجرد معلومة ومشى حالها، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل، طيب ماذا نستفيد من هذا؟
أكيد الله عز وجل لما أعطاني هاي المعلومة هو يريد أن يخبرني أن هناك حدث هائل، أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل هذا حدث هائل، مش أي واحد بشوف جبريل ومش أي واحد بيتحمل يشوف جبريل. فأنت تتكلم عن مخلوق عظيم جداً جداً جداً، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم الذي علاقته بجبريل علاقة حميمة إذا صحت التسمية دائماً يتدارس معه القرآن ولا يستطيع أن يرى بصورته الطبيعية إلا مرتين ثبتنا قلبه حتى يستطيع يرى من هو جبريل، فما بالك أنا وأنت اللي ما لنا علاقة هذه العلاقة الحميمة والقوية وينزل عليك جبريل؟
فأنت تتكلم عن مخلوق عظيم جداً، الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك ولقد رآه، يعني استطاع محمد صلى الله عليه وسلم أن يرى جبريل. إذاً هي شيء عظيم أنك ترى جبريل، مش شيء مذهل، فبالتالي لما تسمع أن هذا المخلوق العظيم هو اللي نزل بالقرآن اللي نحن الآن عم نفسره وعم نحاول نتدبر، هذا بعطيك أجواء إيمانية عالية أن هذا مخلوق مذهل مذهل عظيم، سد ما بين الأفق بأجنحته، وما كان من السهولة بمكان أن يراه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته الحقيقية. فكان في العادة يأتي على صورة بشر، جبريل كان في العادة يأتي على صورة بشر حتى يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات، أو على صلصلة الجرس كما جاء في بعض، ما كان سهل أن يرى.
فأنت تتكلم عن قرآن عظيم مهيب، هذا المخلوق العظيم المهيب هو الذي تكلم به ونقله إلى الأرض وإلى البشر، بالتالي بدك تكون منتبه أن القرآن عظيم، عظيم بالمتكلم به أولاً، ثم عظيم بمن كلمه ثانياً، ثم عظيم بمن الذي أنزله.
عظمه على عظمه على عظمه تجعل الإنسان لازم يحتفي بالقرآن، ولازم يهتم بالقرآن، وأنه كما قال عثمان: لو صفت قلوبنا لما شبعنا من كلام ربنا. هي مشكلة عدم الاهتمام بالقرآن أو عدم أنه نحن ما بندبر صح، نحن معتبرين القرآن مجرد كتاب بركة مش كتاب هداية ونور وإهداء وفتح آفاق للمعرفة، وهداية الإنسان، وفتح علاقة بينه وبين ربه. بحاول أن نحيي معاني القرآن، بنحاول لسه، لكن عليك أن تكثر قرع الباب لعله يفتح لك باب من أبواب تذوق القرآن حقيقة؛ لأنك إذا تذوقته عرفت أن كل ما سوى القرآن على الهامش، وأن كل كلام لا يدندن حول معاني القرآن من كلام العلماء وأهل العلم، وإنما هو على الهامش من التنظير العام.
قال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: 24]، ببخ، من الضن وهو البخل؛ أي لا يبخل بالوحي كما يبخل الكهان رغبة في الحلوان، بل يعلمه كما علم ولا يكتم شيئاً مما علم. جميل، قال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ يعني ببخ، هنا نتكلم عن وصف النبي عليه الصلاة والسلام. ما معنى أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بخيلا بالوحي؟ أي لا يبخل على أي إنسان أراد أن يتعلم القرآن أن يعلمه إياه، بخلاف حال الكهان؛ الكهان في جزيرة العرب كان العرب إذا أرادت أن تأخذ من كاهن معلومة بده يدفع رشوة، أو بده يدفع مال، أو بده يدفع حلوان: بدك تعطيني مشان أعطيك. أما القرآن لا، النبي عليه الصلاة والسلام أي شخص جاء يتعلم القرآن ويبحث عن معانيه يعطيه، فهو ليس بخيلا في منح الوقت والجهد والعطاء لكل من يريد أن يتعلم القرآن.
وهذا يدل على أن هذه الصفة ينبغي أن تكون في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وفي ورثته؛ أنك عليك أن لما تبذل للقرآن وتعلم القرآن ويأتي شخص يطلب منك، إذا كل ما استطعت أن تعلم فعلم، ولا تكن بخيلا؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الصفة كأنها صفة ذم، فلذلك نفاها عن النبي صلى الله عليه وسلم. ذاك الشخص البخيل بوقته على العلم، فإذا عنده علم بالقران أو علم ينفع به الناس لا يبذله لهم، ربنا عز وجل يقول: محمد صلى الله عليه وسلم ليس بخيلا بعلمه، بل يبذله للناس. إذاً هي صفة ذم، وحري بطالب العلم أن يسير على خطى نبيه صلى الله عليه وسلم، فكل ما عندك مساحة لتعليم الناس الخير إياك أن تكون ظنيناً بما عندك من العلم.
قال: بظنين مكي وأبو عمر وعلي، أي بمتهم. هناك قراءة أخرى للآية: قراءة بالظاء وليس بالضاد، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنينٍ﴾ [التكوير: 24]. وهنا على قراءة الظاء، الظنين هو المتهم. الظنين من هو المتهم؟ يعني اللي عليه علامات استفهام، هل أدى الأمانة كما هي ولا لا؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم هو ليس بمتهم على تبليغه الغيب، لم يخن الأمانة ولم يقصر صلى الله عليه وسلم ولم يبدل، فهو الصادق الأمين الذي تعرفونه في أرجاء مكة.
قال: أي بمتهم فينقض شيئاً مما أوحي إليه أو يزيد فيه، من الظنة وهي التهمة. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ [التكوير: 25] طريد، وهو كقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء: 210]. نعم هم كفar قريش من للاسف من أقوالهم الفاسدة كانوا يقولون إذا نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: أتاه شيطانه. بالله، لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ عليهم القرآن كانوا ماذا يقولون؟ أتاه شيطانه. فالله سبحانه وتعالى أراد أن ينفي هذه التهمة، محمد صلى الله عليه وسلم هو الأمين الذي تعرفونه، هو الصادق الأمين، وعندما يخبر هو ليس متهما ولا كاذبا ولا مفتريا، وليس ما يتكلم به من قول الشياطين التي تزعمون أنها تتنزل عليه، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ [التكوير: 25] حاشا أن يكون هذا الكتاب العظيم بقول شيطان رجيم.
ثم بدأ يختم السورة، قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26]؟ وين رايح بحالك؟ كأنك بعد أن أعطيك درس في القيم والمعاني والتخويف وبقول لك: وين رايح؟ هو ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ليس سؤالا، وإنما يريد أن يحثهم على الهداية وينكر عليهم الضياع اللي هم فيه. قال: وين رايح بحالك؟ أين تبعد عن القرآن؟ هذا القرآن الذي نزل به ذاك الملك العظيم، له هذا الرسول العظيم، أين تذهب بعيدا عنه وتضيع نفسك عن معانيه؟ شوف وين جمالية ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. بدك شي بعد القرآن؟ وين رايح لقراءة كتب الفلسفة وقراءة الروايات والكلام الفارغ والسوشيال ميديا والفيسبوك؟ وين رايح؟ ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أين تذهب عن القرآن وعن مجالسة القرآن وعن مدارسة القرآن وعن الاحتفاء بالقران؟
الله ينكر على كل من يذهب بعيدا بعيدا عن كتاب ربه. طبعا يذهب بعيدا ليعتاض عن هذا الكلام العظيم بكلام البشر، بكلام الفلاسفة، بكلام المثقفين، بكلام الجرائد، بكلام الإعلام، بمضيئة الأوقات في المجالس الفارغة. أين تذهب؟ كأنك لما تذهب بعيدا عن القرآن أنت عم بتضيع نفسك، وبتضيع حياتك، وتذهب إلى مكان المجهول الذي لا يعرف وين ذاهب، يعني كالمجهول أنت عم تذهب.
نعم، قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ استدلال لهم كما يقال، كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً أو ذهاباً في بنيات الطريق. أين تذهب؟ كما يقال لتارك الجادة، يعني إنسان ترك الطريق الواضح ودخل في الصحراء اعتسافاً. ما معنى اعتسافاً؟ هائماً لا يعرف أين يذهب، ماشياً على حيرة، كما يقولون في العامية على السبحاني، ما هو يعرف أين يذهب. أمامك طريق وجادة مسلوك بتوصلك، تتركها وتذهب إلى صحار وفيافي وقفار تمشي اعتسافاً لا تعرف تذهب بها وين راح توصلك، ممكن تلقيك في حفلة، ممكن توديك لوحوش، هل الإنسان العاقل يترك الطريق الواضح الجلي ويأتي إلى أماكن لا يعرف أين يسلكها ولا يعرف أين توصله؟ هذا نقص في العقل البشري.
نعم، قال: مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل. وقال الزجاج: معناه فأي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي بينت لكم وهي طريق القرآن؟ كما قلنا إنه كان السياق كلام عن القرآن. وقال الجنيد: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ عنا، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 27-28]. ما القرآن إلا عظة للخلق. هذا كلام الجنيد هو كلام يعني تصوف، يعني رقائق صوفية جميلة، يعني بس وذكرها من باب إتمام الكلام مش أنه تفسير جديد؛ الجنيد كان يقول رحمه الله عليه: وين تذهب عنا، أين تذهب عن رب العالمين وكل شي عنده؟ وين رايح بعيد عني وكل شي عندي؟
﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ﴾ بدل من العالمين، أي يستقيم. نعم، إذاً ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ هذا القرآن ما هدفه؟ أن يكون تذكرة، أن يذكر الإنسان بغاية الوجود، بأهداف الحياة، بمقاصد الحياة، بنهايتها، ما الذي ينتظرك؟ هو يذكر، ذكر. لماذا يسمى القرآن ذكراً؟ لأنه يذكرك بالأسئلة الفطرية التي كل انسان فينا أكيد يسألها حول: لماذا أنا موجود؟ وما غاية وجودي؟ وما المطلوب مني؟ وإلى أين ستنتهي الدنيا وماذا يوجد بعدها؟ هذا هو الذي يذكرك: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾.
﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ هي بدل من العالمين، كأنك تقول من هم العالمون أو العالمون للعالمين أقصد لمن شاء منكم أن يستقيم؟ لماذا أتى بهذا الخاص بعد العام؟ فكأن هو بدل بس هو تشعر أنه في نوع تخصيص بعد تعميم. وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ ثم أتى بالبدل فقال: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾. لماذا اول شيء قال للعالمين بعدين رجع خصص شوي فقال لمن شاء منكم أن يستقيم؟ كيف أنا بقول لك: أكلت الرغيف ثلثه؟ فأنا أول شي شو قلت لك؟ أكلت الرغيف، بس بعدين خصصت، وهذا بدل اسمه بدل بعض من كل، أكلت الرغيف ثلثه. هو أول شي قال رحمة لأن هو إلا ذكر للعالمين بعدين رجع ضيق الدائرة، ايش قال؟ لمن شاء منكم أن يستقيم. فلماذا ضيق الدائرة بعد أن كانت واسعة، أو لماذا ضُيِّقت بعد أن كانت واسعة أو خصصت بعد التعميم؟ تفضل.
أحسنت، يعني هي واضحة، أن هو صح هو ذكر للعالمين بس فعليا من الذي سيستفيد من هذا الذكر؟ من يبحث عن الحق، أما المشغول بحياته وشهواته وملذاته والذي هو غير مكترث بالبحث عن الهداية لن يستفيد من هذا الذكر، أليس كذلك؟ فهو حقيقة القرآن يصلح أن يكون تذكرة للعالمين لأي إنسان، لكن في الواقع التذكرة إنما تحصل لمن شاء منكم أن يستقيم، لمن عنده قرار البحث عن الهداية، لمن عنده قرار البحث عن الاستقامة تمام.
هذا إذا اردت أن تقول أنه بدل كل من كل، ما هو أنت إذا قلت أن المراد بالعالمين هم المستقيمين صار بدل كل من كل؛ لأنه العالمون هم المستقيمون ولمن شاء منكم أن يستقيم هو صار نفس النسبة، لكن إذا قلت العالمين أوسع: أكلت الرغيف ثلثه بدل بعض من كل. أنت إذا اردت أن تجعله بهذا المعنى الذي تفضلت به كأنك قلت هي نفسها العالمين عام أريد به الخصوص صحيح، تريد أن تجعلها عام أريد به الخصوص المراد بالعالمين المستقيمين بالتحديد فأصبح لمن شاء منكم أن يستقيم هو بدل كل من كل وهذا ممكن بس احتاج أن أوقف عليه. طيب، يعني أن الذين شاءوا الاستقامة الدخول في الاسلام هم المنتفعون بالذكر حقا، فكانه لم يوعظ به غيرهم، ها كأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كان الوعظ ابتداء للجميع. هو الوعظ ابتداء للجميع، بس لما كان المستفيد هي الفئة الأقل، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، كان فائدة الوعظ حقيقة إنما خرجت في هذه الفئة المؤمنة التي بحثت عن الاستقامة وشاءت يعني ارادتها.
بس في سؤال: هل لما أقول لمن شاء منكم أن يستقيم، هل أنت تمتلك مشيئة حرة لا يدري بها الله سبحانه وتعالى وليست منطلقة من قدر الله السابق؟ أرادت الآية أن تعالج هذا الموضوع حتى لا يأتيك شبهة: أنت صح بدك تشاء الاستقامة بس بدك تعرف حتى هذه المشيئة للاستقامة هي مربوطة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، لذلك قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. حتى يبقى الإنسان مشاهدا للمشهد، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة التي فارقنا فيها الجبرية والقدرية، أننا نثبت أن للإنسان إرادة حرة، لكنها لا تخرج في النظر البعيد عن مشيئة الله وإرادة الله العامة، فنجمع بينهما.
لأن هناك من نفى مشيئة الله، قال: لا ربنا ما له مشيئة بأفعالي، أنا صاحب المشيئة، ربنا بس بحاسبني، وهؤلاء هم القدرية المعتزلة. عكس خالفهم الجبرية من الجهمية، وتطورت الأشعرية حصنت شوي بس هي تعتبر منهم، الذين إلغوا قالوا لا، قالوا عكس كلام المعتزلة تماما، قالوا المشيئة هي فقط لله، والإنسان لا يمتلك أي مشيئة ولا أي إرادة، وهذا برضه مشكلة، فكأنك أصبحت مجبراً على أفعالك، فكيف يحاسبني الله على شيء أنا مجبر عليه؟
فجاء أهل السنة بالمنتصف، قالوا: لا، الله عز وجل يقول: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ إذاً أنا لي مشيئة، ﴿لِمَن شَاءَ﴾ إذاً أنا لي مشيئة، لكن هذه المشيئة في علم الله السابق هي داخلة ومربوطه بالعلم السابق والمشيئة السابقة، ولكن أنت ما لك علاقة بالمشيئة السابقة لأنها هي عبارة عن صندوق مغلق، عبارة عن صندوق مغلق أنت لا تعرف ما فيه، أنت اعمل على مشيئتك هذا اللي لك إياه في الدنيا اعمل بناء على مشيئتك، وليس لك أن تحتج كما احتج المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148] لا ما بيطلع لك تحتج بالمشيئة الإلهية، ما تقولش يا رب أنت ما شئت أني أسلم مش أنا، لا، أنت بتعرف أني أنا شئت ولا ما شئت يوم القيامة لما تقف بين يديه رح يقول لك أنت بتعرف أني أنا شئت ولا ما شئت؟ ما بتعرف.
القرار لحظة اتخاذ المعصية أنت اتخذته وحدك، أنت ما بتعرف شو في القدر، صحيح أنت اتخذت القرار وحدك لا تقول لي والله رحت فتحت القدر عرفت أني راح اعمل معصية مشان هيك رحت عملت معصية، أنت بتضحك على حالك تمام، أنت عملتها في لحظة قرار شخصي الآن. لأن الإله إله ولا بد أن يكون له علم ومشيئة كاملة، أكيد هو يعلم كيف ستفكر وما الذي ستتخذه من قرار ويأذن بهذا قدراً وكوناً، أنت كإنسان عبد مخلوق أنت لا تعرف ما في العلم السابق وما في المشيئة السابقة، أنت ما بتعرف، فلحظة اتخاذ قرار الشرك أو المعصية أنت اتخذت بكامل قدراتك العقلية.
وكما أن لو شخص سرق مش رح يستطيع يحتج بالقدر، وأنت ما رح تقبل منه: لا يا اخي تعال، تمام سرقت سرقت، أو شخص إذاك أو اعتدى على عرضك مش رح تقول له: خلص ما هي مشيئة الله السابق، راح يقول لك: نصيبك، لا تقول له: تعال أنا بدي أتفاهم معك، يعني عرفت قال: لا يوجد انسان أصلاً يطرد مع هذا، فكذلك نفس الشيء ذنوبك ومعاصيك هي باختيارك ومشيئتك، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان دائما يعلم الصحابة: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، يعني لا تيجي تقول لي تحتج بالقدر، نحن نؤمن بالقدر لكن لا نحتج به. ايش لا نحتج به؟ لا نعلق أفعالنا الخاطئة على القدر، فأنا أؤمن أن القدر موجود، لكنه مؤمن برضه أن لي إرادة حرة ولي قرار، وربنا معطيني هذه المساحة وهو لن يحاسبني على علمه.
السابق، ربنا ما راح يحاسبك على علمه هو، سيحاسبك على الشيء اللي أنت اتخذته؛ لأنك لحظة اتخاذك أنت ما كنت تعرف ما في القدر، فسيحاسبك بناء على ما اتخذته وأنت لا تعرف ما كان مخبأً عنك فيه، فاحمل نتيجة قرارك.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يفقهنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. كنت حابب ناخذ سورة الانفطار، بس واضح الوقت ما اسعفني، إن شاء الله الدرس القادم إن كان في العمر بقية، وصلى الله على سيدنا محمد.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل