دخولتسجيل الدخول

المجلس69 - سورة الإنفطار+سورة المطففين الآية (1_9 )

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين.

اللهم نج المستضعفين من عبادك في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ومن كل بلاء عافية. اللهم انصر المرابطين والمجاهدين في بيت المقدس وفي أكناف بيت المقدس على اليهود الغاصبين وعلى من والاهم ومن دار في حلفهم، إنك أنت نعم المولى ونعم النصير.

حياكم الله في مجلس جديد من مجالس التفسير، وما زلنا نعيش في أفيَاء هذا التفسير المبارك في تفسير العلامة النسفي عليه رحمة الله كلام ربنا عز وجل، وانتهينا إلى سورة الانفطار. سورة الانفطار أيها الكرام من السور المكية وهي تابعه لسورة التكوير، وتشهد الوحدة الموضوعية حتى في صياغة الآيات. دعونا نقول تمام سورة التكوير ابتدات ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 1-2]، وكان جواب الشرط: علمت نفس ما أحضرت. سورة الانفطار ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: 1-2]، وكان جواب الشرط: علمت نفس ما قدمت وأخرت.

حقيقة لما ننظر في هذه السور، السور المكية التي تتكلم عن الدار الآخرة أيها الكرام، تجد أن القرآن دائما يحاول أن يذكرك أن هذه الدنيا إنما هي حلم قصير، وأن هناك أحداث مهولة هي بانتظارك. في المقابل هناك جهود مضنية للشيطان ليحاول أن يشعرك أن هذا الحلم هو الحقيقة. هناك معركة بين القرآن والشيطان. القرآن ماذا يحاول أن يفعل في حياة المؤمن عندما يتلوه؟ يحاول أن يعرفه بحقيقة الدنيا وأنها حلم قصير وينتهي، وأن الأحداث الحقيقية المهولة هي في انتظارك، فاستعد لها يا أيها الإنسان.

الشيطان لا، الشيطان يحاول يعمل على الملف المعاكس، هو يحاول أن يشعرك أن الدنيا هي الحقيقة، وأن عليك أن تبقى متذكرا لهموم الحياة ومشاجلها وأشكالاتها. فتبقى كلما قرأت سورة الانفطار أو التكوير أو ما شابه ذلك، تبقى تقراها ولا تشعر بذلك الأثر العميق الذي ينبغي أن تتركه هذه السورة في وجدانك، والانطباع الإيماني الذي ينبغي أن يغير حياتك ونظرتك للامور.

كان الشيطان يحاول أن يبقيك في عالم المحسوس، في عالم التفكير بالوظيفة والعائلة والمشاغل والمصاعب والإشكالات. والقرآن يحاول أن يرتقي بفهمك وتصورك ليزهدك في هذا العالم المحسوس لئلا تتعلق به، وأن هناك العالم الحقيقي الذي هو موطنك الأصلي يا أيها الإنسان. يعني يجب أن نتذكر دوما أن هذا الإنسان إنما كان موطنه الأصلي في الجنة، وإنما نزلنا إلى الدنيا بالخطيئة التي حصلت، أليس كذلك؟

وعندما نزلنا إلى الدنيا شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الدار تقوم على مفهوم الكبد، تقوم على مفهوم المجاهدة والمشاق، وهناك الإشكالات والبلاءات والمصائب. وكأنك لن تعود إلى تلك الدار التي خرجت منها إلا بعد رحلة طويلة مليئة بالكبد والمشاق والمصاعب التي ينبغي أن تثبت النجاح في تجاوزها، حتى تستطيع أو تستحق على الأقل أن تعود إلى موطنك الأصلي. هذا حقيقة من المفاهيم العظيمة التي ينبغي أن نوطن أنفسنا عليها.

ما الذي يفعله الشيطان بنا حتى يحرمنا من الانتفاع بالقران؟ ما الذي يفعله الشيطان بنا حتى يمنعنا من الشعور بلذة سورة الانفطار والتكوير والحديث عن الدار الآخرة؟ سورة الانفطار لما تسمع: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فَجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَت نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: 1-5] هذا القرآن يحاول أن يقول لك لابد أن تخاف، لكن ما هو الشيء الذي ينبغي أن تخافه؟ الدار الآخرة. ياتي الشيطان يعمل على نفس المنطقة، على منطقة الخوف، لكن الشيطان يريدك أن تخاف من ماذا؟ من الدنيا، من الرزق، من الأعداء، من أهوالها، من مشاغلها.

فأنت إذا قرأت سورة الانفطار التي تركز على مشاعر الخوف من الدار الآخرة واستعداد الإنسان لها، ستجد أن الشيطان وأنت تحاول أن تستثير قلبك ليخاف من الدار الآخرة -إذا السماء انفطرت، إذا الكواكب انتثرت، إذا البحار فجرت، إذا القبور بعثرت، هذه المشاهد المهيبة العظيمة- تجد الشيطان يلعب على نفس الوتر كما يقولون وتر المشاعر. فيقول لك وأنت عم تسمع الدرس أو أنت عم تقرا القران وعم تقرا سورة الانفطار، بحاول دائما يذكرك بمخاوف الدنيا: إيه بكره ايش عندك امتحان؟ إي رزق الأولاد ايش صار فيه؟ يا أخي الأعداء رح يهجموا ولا ما رح يهجموا؟ يا أخي شو الوضع كذا؟ طب يعني الأمور الاقتصادية؟ طب أنا رح أقدر أتزوج ولا لا؟

فتجد أنه ماذا؟ أن أنت عم تقرا سورة الانفطار اللي هي المطلوب منها أن إيش تعمل؟ تنقلك إلى الخوف من الدار الآخرة، أنه أنا إذا السماء انفطرت أخي هذا الخوف الحقيقي علمت نفس ما قدمت، هناك يجب أن أخاف. الدنيا في النهاية هي الحلم، أني مش مشكلة يعني صارت مصيبة خسرنا مال يا شيخ مش مشكلة خسرنا دنيا يعني زوجات أشياء يعني لا تضخم الأمور بطريقة تتعبك، لأن الشيء الحقيقي الذي ينبغي أن أخافه القرآن هو عم يعطيك عنه، هذا الذي ينبغي أن تخاف منه.

فبرجع بقول معركة الشيطان مع القرآن أن الشيطان يحاول أن يثبط تأثير القرآن في قلب المؤمن، يحاول إيش يعمل الشيطان؟ يثبط مفعول القرآن حتى تصبح قراءة القرآن هي قراءة بركة، قراءة إيش بركة؟ أنا نتبرك نقرا هذه الآيات، لكن هل الآيات تفعل مفعولها الذي يجب أن يحقق؟ هل تحدث التغيير الذي يجب أن يكون في القلوب؟ فعلينا أن نفهم آلية الشيطان في التعامل معنا لما نقرا القرآن. هو يحاول دوما أن ينظر. الشيطان يعرف ويخاف من القرآن، لذلك جاء في بعض الأحاديث أنه لما نزلت سورة الفاتحة كان للشيطان رنة، الشيطان انصدم؛ لأن هو يعرف أن القرآن هو قادر أن يصنع السوية الإنسانية، ويوجه الإنسان نحو الاهتمامات الصحيحة والمخاوف الصحيحة والمشاعر الصحيحة. تمام، يعيد ترتيب بيتك الداخلي أولوياتك في الحياة، هذا اعظم ما يخاف منه الشيطان.

يدرك أن القرآن قادر بل هو الأقدر، بل لا يوجد كتاب على وجه الأرض قادر أن يرتب أولوياتك وبيتك الداخلي ومشاعرك وأحاسيسك إلا القرآن. كل كلامك أبو عاض وأساتذة ومشايخ، وكل كلام هو يحوم حول القرآن، لكن القرآن هو القادر على أن يفعل المشاعر الصحيحة والمخاوف الصحيحة ويضع الأمور في أنصبتها. فدائما تجد الشيطان على نفس المشاعر التي يريد القرآن أن تنشغل، هو يحاول أن يصدك عنها، ولذلك تجد أن كثيرا منا أولا لا يتأثر بالقرآن، وإذا قرأ القرآن يقطع ورده اليومي، وإذا قرأ ورده اليومي للأسف نقرا ليس بالقراءة التي ينبغي أن تكون، وأثناء القراءة يكون الإنسان منشغل تمام الانشغال بقضايا الحياة الدنيا.

بالتالي الشيطان حصل بغيته أنه حرمك من كل المشاعر التي ينبغي أن تكون حاصله أثناء تلاوة القرآن حرمك منها، وما عنده مشكله كبيرة انك تقرا القرآن قراءة بركة، تمام ما عنده مشكلة؛ لأنه يعرف أن هذه القراءة العامة السريعة التي لا تورث مشاعر وأحاسيس والتخوفات الحقيقية التي ينبغي أن تكون هي قراءة غير منتجة، قد يثاب عليها صاحبها، لكن ليست هي القراءة المحركة حقيقة. طبعا هو إذا ظفر منك انك ما تقرا أصلا، بالنسبة لإبليس احسن واحسن، لكن أنا اقصد قد يقبل من الإنسان المسلم الملتزم، قد يقبل من المسلم الملتزم الذي يعرف إبليس أنه الآن أنا ما رح اقول له روح اذني، ما رح اقول له روح اعصي، لكن أنا الخايف منه أن القرآن يغير حياته، أن القرآن يجعله مستقيما. فيقبل منك سقف أنه مش مشكلة اقرا بس لا تفكر. وإذا مباشرة وهذا تلاحظه في نفسك إذا بدات تحاول أن تتدبر تهجم عليك كل الدنيا، كل التخوفات الدنيوية والأحاسيس الدنيوية تهجم عليك.

أصلًا الشيطان من أين دخل على أبينا آدم؟ من باب الحرص، ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ [طه: 120]. هو الشيطان أصل فكرته مع سيدنا آدم اللعب بالمشاعر بالأحاسيس، تمام هو ضرب على وتر الأحاسيس، والإنسان يحب دائما الخلد، الإنسان عنده مشاعر حب التملك، يخشى الفناء، يخشى أشياء كثيرة. فالشيطان استطاع أن يسحب رجل أو ويوقع سيدنا آدم -إذا صح تعبير- يوقعه في الخطيئة من باب المشاعر أنه خلاه يفكر بالخلد. حرص الإنسان، الإنسان حريص، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: 19-21] وأحضرت الأنفس الشح. الشح الحرص، فالإنسان حريص على أشياء كثيرة في الحياة، فالشيطان يشتغل على هذا الملف: ما دمت حريص، فلا يجعل حرصك على الدار الآخرة، يجعل حرصك على دنياك وعلى مكتسباتها لك. سبحان الله.

فتاتي سورة الانفطار، تاتي سورة التكوير، لما قرأها الجيل الأول من الصحابه هم يعرفون أن هذه السور هي هناك مشاعر معينة قرآنية أو يريد القرآن أن يزرعها في داخلي وأنا اقرا سورة الانفطار. ما هي المشاعر؟ مشاعر الخوف والقلق من ذاك اليوم المهيب، أنه هذاك الشيء هو الذي يستحق أن تخاف منه. الدنيا حلم، الدنيا قصيرة، أنا بتكلم لك عن سماء ستنفق، أحداث يعني عليك أن تخرج من عالم المحسوسات الذي أنت تعيشه، النمطية العامة في حياتك: سوق وتجارة وزواج وأبناء وكذا، بمكانها يأخذك نقلة هائلة إلى أحداث كونية عظيمة عليك أن تأخذ منها حذرك.

فما أنت تراه في عالم المحسوس هو شيء يسير ونزر حقير وتافه من الحقائق العظمى التي هي في قادم الأيام قادمة. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: 1-2] أنت تتكلم عن تغيرات مش في إقليم معين، لا تتكلم عن تغيرات مالية أو تتكلم عن تغيرات في نظام الكون كله سيختلف وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وملف آخر سيفتتح، يفتح لكل هذا العالم إلى عالم جديد حقيقة. هذا العالم الجديد الذي أنت ترتقب هو الذي يستحق أن تتعب من أجله وتعطيه مشاعرك وأحاسيسك.

الذي يحصل معنا حتى كحالة كمتدينين أو ما نسمي كملتزمين، وإذا الأصل أن كل مسلم موحد، لكن ما يسمون كم أننا الدنيا تاخذنا بعيدا وننشغل بها ونتعمق بها، وهذا هو ما يريده الشيطان فعلا، أن يغير أحاسيسك ومشاعرك لتبقى بعيدا عن أجواء القرآن ومشاعره. يعني ارجو أن يكون هذا المفهوم حاضر في أذهانكم؛ لأنه هي الفكرة: قرات سورة الانفطار، فسااسالك: ماذا غيرت في حياتك سورة الانفطار؟ ما هي المشاعر التي ولدتها؟ ما هي الفائدة العملية التي ساخرج من سورة الانفطار بها أو من سورة التكوير بها؟ هذا هو البعد الذي نحتاج إليه.

طيب، نبدأ القراءة: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونج إخواننا المستضعفين.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فَجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَت نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: 1-5].

نعم، هذا هو المقطع الأول من سورة الانفطار، وكما قلنا هو مشابه للمقطع الذي اخذناه في سورة التكوير، وإن كان سورة التكوير كان إيقاع المقطع أطول، يعني كان جواب الشرط بعد ثلاثة عشر آية تقريبا، هنا لا جواب الشرط أقصر؛ لأن الدرس اخذ في التكوير، فالآن هو تتميم للدرس وإعادة زرع الموضوع والبناء عليه، زرع الموضوع والبناء عليه. فبدات بذكر الأحداث الكونية الهائله التي تستدعي من الإنسان القلق والخوف والترقب لقدومها: انفطار السماء، انتثار الكواكب، تفجر البحار، تبعثر القبور، معلنة وجود الدار الآخرة. هذه الدار التي هي اعظم حدث سيحصل لك ايها الإنسان هو أن تنتقل إلى تلك الدار بما فيها من المشاهد المهيبة والمخيفة.

اقرا التفسير قال رحمه الله: إذا السماء انفطرت، انشقت. الانفطار هو الانشقاق تمام. وكان ابن عباس يقول: ما عرفت معنى الانفطار حتى سمعت أعرابيا يتجادلان فيقول أحدهما عن البئر: أنا فطرتها. ففهمت ما معنى الانفطار، يعني الشق، أن تشق الشيء وأن تفتحه.

إذا السماء انفطرت، انشقاق السماء، هذه السماء التي تراها أنت منتظمة بأشكالها وهيئاتها ولم ترى فيها يوم من الأيام، تخيل انك تنظر إلى السماء ترى السماء مشقوقة، يعني أنت الآن تخيل انك تنظر إلى السماء فترى السماء مشقوقة هكذا ومفتوحة، رعب. أنت فقط ربما تسمع صوت صاروخ في السماء ترتعب، أنا اقول لك سماء السماء نفسها تتشقق وترى فيها فتحات حقيقة المشهد مهيب فقط لمن تدبره وأعطاه مساحة في دماغه.

قال: وإذا الكواكب انتثرت، تساقطت تلك الكواكب المشتري وزحل وطارد، وهذه الكواكب تتساقط بضخامتها وهي أجساد هائله. نعم، قال: وإذا البحار فجرت، فتح بعضها على بعض وصارت البحار بحرا واحدا. نعم، وهذا مر معنا في سورة التكوير أيضا كيف أن البحار تفجر تمام، وتزال الحواجز التي بينها. كانها إيش معنى فجرت؟ يعني تم إزالة الحواجز التي بينها فاجتمعت كلها في بحر واحد. نعم، قال: وإذا القبور بعثرت، بحثت وأخرج موتاها.

وجواب إذا: علمت نفس، أي كل نفس برة وفاجرة ما قدمت، ما عملت من طاعة، وأخرت وتركت فلم تعمل. تمام، وهذه هي وقت تسليم النتائج كما يقولون. هذه هي النتيجة التي أنت تسعى من أجلها في الحياة. الله عز وجل يعطيك يا ايها الإنسان يا ايها السائر في هذا العالم بما فيه من بلايا ومصائب، وبما فيه من شهوات وشبهات، يا ايها السائر في هذه الدنيا محط الرحلة عند الله سبحانه وتعالى: ﴿عَلِمَت نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: 5] أن تلقى ربك عز وجل فيحاسبك على كل صغيرة وكبيرة، وبالتالي سورة الانفطار هي تريد أن

تورث هذا الشعور، شعور أن تجهز أوراقك وملفاتك للعرض على ملك الملوك سبحانه وتعالى؛ لأن ذاك هو المهم. هذا يجعل، كما قلت، جميع مصائب الدنيا وبلاياها وأشكالاتها تهون على الإنسان، لأنه يعرف أنها هي الدنيا القصيرة والمهول هو القادم. المهول هو القادم، يعني مهما حصل من فقد في الدنيا، من ألام، من جراح -حتى الآن لم ينظر الإنسان في نكبات إخواننا في غزة والسودان وجميع المناطق بقدر ما في هذه الأمور من ألام تبكي الإنسان- بقدر ما يعلم أن الدنيا هي الدنيا الحقيرة بكل ما فيها.

نعم، تهدم العمارات فيقول الإنسان هو سنة الصراع بين الحق والباطل، لكن هي الدنيا بكل ما فيها، ويبقى الدين والعقيدة والدفاع عن حرمات المسلمين وأعراضهم تفدى بالأرواح والاشلاء والدماء، والبناء والحجر هي الدنيا كلها هكذا صراع وألام وكبد وأتعاب، ثم بعد ذلك تأتي الراحة في جنات النعيم لمن أحسن لمن قدم الملفات الصحيحة. فمثل هذه الأحداث التي تحصل في بلاد المسلمين، الأصل أن تجعلك تنظر مرة أخرى إلى ملفات الحياة: كيف يكون الإنسان آمناً وقد عاش، ثم بعد ذلك تهدم بيته ويفقد أبناءه؟ هي الحياة كما حصلت عليهم تحصل في أي مكان وفي أي مجتمع، وقدر الله النافذ وليس فقط مسلطاً على مكان معين، قابل للانتقال في أي لحظة لأي مكان حتى تعرف أن الدنيا لا تستحق هذا التعب.

تجد الإنسان أضنى حياته وشهره وسنته وهو يفكر بالدينار والجمع وبناء العمارات وكذا، في لحظة واحدة ينتهي كل شيء بعد سنوات من التعب، ربما يعني وجدت مقطعاً لأحدهم يقول: هذه عمارة بنيتها بعد أربعين سنة من جمع الدينار والدرهم، تعب! وشوف كيف يتحطم الإنسان لما يراها من هؤلاء الصهاينة الملاعين حطمت بصاروخ واحد! يقول: أربعين سنة أنا أجمع من أجل بنائها له ولاولاده. رجل مسن يعني سبحان الذي ما عنده قرآن يتعب حقيقةً، ما عنده قرآن وفهم لطبيعة الحياة وأن هذه سنة الله عز وجل فيصبر ويحتسب عند الله، يتعب ولا يستطيع أن يستحمل حجم المصائب المهولة التي تحدث في دنيا الناس.

لكن ما الذي يجعلك تستحمل المصائب؟ مصائب الفقد ومصائب الدماء ومصائب الهدم وخسران المال وأشياء كثيرة، ما الذي يجعلك تستحملها؟ القرآن؛ لأن القرآن يسوق قلبك بطريقة يجعلك تتحمل هذه المصاعب، لكن إنسان بدون قرآن سريع الانهيار. إنسان بدون قرآن سريع الانهيار، لذلك لماذا تغلب الأمراض النفسية والاضطرابات والاكتئاب على الذين في الغرب وحتى عند المسلمين الذين هم بعيدون عن أجواء الالتزام؛ لأن القرآن مش حاضر في حياته، الحياة متعبه الدنيا متعبه بأفكارها وأشكالاتها، وبالتالي لا يستطيع القلب أن يستحملها بدون وجود مصدر إلهي يعطيه حقيقة الدنيا ويخفف عنه من آلامها وجراحاتها ويختصر له الحياة بكلمة: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ﴾ [التكوير: 14].

أي الحياة: اشتغل لهذا، كله يهون عليك مصاعب الحياة الدنيا ويجعلك تتعلق بالأهم وتنشغل به. علمت نفس ما قدمت وأخرت، ما معنى قدمت؟ قال: ما عملت من طاعة. وأخرت؟ قال: ما تركت فلم تعمل، كأنها سوفت، سوفت حتى فاتتها الطاعة، تركت فلم تعمل، ايش يعني؟ بتعرف الإنسان منها يريد أن يعمل كثير من الطاعات، لكن يقول: غداً أعمل، غداً أقوم الليل، غداً أفعل كذا من الطاعات، فيبقى يسوف ويؤخر ثم يموت ولم يعمل. فالله عز وجل يقول: علمت نفس ما قدمت؛ يعني ما عملت من طاعة، وما أخرت ما تركته فلم تعمل به، كأنها سوفت للمستقبل ففاجأتها الموت قبل أن تقوم بها.

هناك تفسير آخر ذكره ابن عباس لهذه الآية، قال: علمت نفس ما قدمت؛ يعني ما فعلت هي في حياتها. وما أخرت؛ يعني البصمات التي تركتها بعد وفاتها. وهذا تفسير جميل، ما قدمته ما أنت عملته في حياتك، وما أخرت بماذا اقتدى الناس بك من بعدك، وهذا شيء ويمكن أن نستدل عليه بآية أخرى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]. من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

فقضية أخرت، قضية أخرت يعني يقول ابن عباس: أي ما عم- ما استنه الناس بك، أنت قد تكون إنسان متدين في الحياة ربيت أبناءً، ربيت مجتمعاً، ربيت شباباً صالحين، كل الأعمال التي سيفعلونها هي مما أخر لك، أنت تلقى تموت ولكن تبقى هذه الأعمال مسجلة لك ضمن ملف ما أخرت. وقد تكون أنت إنسان سيء نشرت فكراً سيئاً، بدع، ضلالات، أفكار هدامة، شهوات، ويبقى الناس يشاهدونها بعد وفاتك أو يتعبدون بها، فتبقى ضمن ملفك يوم القيامة. فهذا تفسير آخر لقضية ما قدمت؛ أي ما عملته هي في حياتها، وما أخرت الآثار التي بقيت بعد وفاتها من آثار سيئة أو آثار جميلة.

نعم، قال رحمه الله: أو ما قدمت من الصدقات وما أخرت من الميراث. لكن هذا التفسير أراه بعيداً حقيقةً أن يعلق الأمر ما أخرت بالميراث، يعني أراه بعيداً.

نعم، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8].

كلا، خلينا نوقف هنا. هنا بعد ذلك، بعد هذا المقطع الأول من سورة الانفطار، توجهت الآية لمخاطبة الإنسان. نعم، وإن كان الخطاب للإنسان المعرض عن الله ابتداءً، لكن دعونا نقول إنه خطاب للإنسان باعتباره إنساناً: يا أيها الإنسان، عليك أن تذكر انك بشر مخلوق لله سبحانه وتعالى. يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟ ما الذي جراك على الله؟ ما الذي غرك، يعني ما الذي جراك على الله سبحانه وتعالى حتى تكون في هذا التغافل التام عن أحكامه وعن مقاصد وجودك في هذه الحياة الدنيا؟

ما الذي جراك لتعصي، لتقع في الشهوات، لتقع في الشبهات، لتقع في البدع، لتعرض، لتكون غافلاً؟ إيش اللي جراك؟ من أين اخذت هذه الجرأة مع أنك إنسان ضعيف مخلوق لغاية، ومع أنك إنسان ستحاسب في يوم ما؟ بناءً على ماذا أنت تمتلك هذه الجرأة؟ ألا تعلم أن يوم هناك يوم تعلم فيه النفس ما قدمت وما أخرت؟ فالله عز وجل يخاطب الإنسان: ما غرك؟ تمام، أي شيء يقولون الناس؟ في أي شيء خدعك حتى ضيعت ما وجب عليك مع كرم ربك عليك، حيث أنعم عليك سبحانه وتعالى بالنعم الظاهرة والباطنة، حيث أنعم عليك بالخلق والتسوية لهذا الجسد والتعديل له؟

الله عز وجل طبعا يعرف الجواب، وليس هذا استفهاماً ينتظر منه جواباً سبحانه وتعالى، لكنه يريد أن يلفت الإنسان، يلفت انتباه الإنسان ليسال هو نفسه: لماذا أنا غافل عن الله عز وجل؟ ولماذا لا أعيش الإسلام وأعيش قضية الإسلام؟ لماذا أعيش للشهوات والأهواء؟ لماذا دائماً أنا غارق في أوحال الذنوب والمعاصي؟ لماذا أنا متقاعس عن الصلاة والخيرات؟ ما غرك بربك الكريم؟ إيش الشيء اللي خلاك تتجاوزه وتتجرأ عليه؟ شاف الغر- الاغترار. الاغترار تجاوز جرأة، عدم السير وفق مراد الله سبحانه وتعالى مع أنك تعرف أنه كريم، أكرمك بكل شيء ظاهراً وباطناً.

وثم شرح أشكال الكرم بما يتناسب مع سورة الانفطار: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: 7]. هو لاحظ هذا الترتيب التصاعدي: الخلق وهو الإيجاد تمام؛ أوجدك. وسواك؛ يعني لم يوجد أيضاً بشكل مبعثر، بل سواك، سوى خلقتك على أحسن ما يكون تمام. ثم قال: فعدلك؛ جعلك معتدلاً متناسباً في جسدك وحياتك وروحك ظاهرك وباطنك، فأعطاك الخلق والتسوية والاعتِدال التام. فالله عز وجل يذكر الإنسان بأعظم النعم؛ هذه أعظم النعم: نعمة الإيجاد ونعمة الجسد المتسا- نعمة تسوية الجسد ونعمة الاعتدال تمام.

فأنت لست مسؤولاً عن إدارة أي ملف من ملفات جسدك، لا ملف القلب ولا ملف الأمعاء ولا ملف الكبد ولا ملف الدماء؛ كل شيء الله سبحانه وتعالى عدله بما يتناسب مع رحلة الحياة، ثم بعد ذلك قابلت كل هذه النعم بالكفران والعياذ بالله.

نعم، قال رحمه الله: وعنه عليه الصلاة والسلام حين تلاها: غره جهله. نعم يعني كان يعني إن صح الأثر -طبعاً أظن هذا يحتاج إلى نظر- يعني كأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب: ما غرك بربك الكريم؟ اعترف: إيش اللي غرنا بربنا الكريم؟ شو رايك هنا في هذا الأثر؟ غره جهله؛ يعني جهله بعظمة الله. لو كان يعرف الله حق المعرفة لما تجرأ عليه، أليس كذلك؟

كل إنسان فينا بده يجاوب هذا السؤال: ما غرك بربك الكريم؟ لماذا أنت جريء على المعاصي مع أن الله عز وجل أغدق عليك النعم؟ من أين أخذت هذه الجرأة؟ كل واحد يستطيع أن يجيب نفسه. بعض الناس الأماني، أن الشيطان يقوله: لا رح تتوب، رح تتوب مش مشكلة وأن الله غفور رحيم. بعض الناس يقول لك: غرني حلمه. بدك تفهم، لا يغرك حلم الله لأن الله إنما يضع رحمته ومغفرته لمن يستحقها، مش كل الناس ستستحق هذه المغفرة والرحمة.

فبعض الناس يقول: غرني الجهل به سبحانه. بعض الناس يقول: غرني حلمه وعلي. بدك تنتبه: لماذا أنت جريء على الله؟ وإياك أن تعتذر، عليك أن تبحث عن حل المشكلة قبل أن يأخذك الله سبحانه وتعالى.

طيب قال: وعن عمر رضي الله عنه: غره حمقه. مثلاً هنا عمر جاء في الأثر أنه قال: غره حمقه، التحامق على نفسه ومحاولة غض الطرف عن شيء يعلم أنه قادم. أنت لما يكون شيء تعرف أنه قادم أنه مهول، ثم تتجرأ عليه هي حماقة.

نعم، وعن الحسن: غره غره شيطانه. وعن الفضيل: لو خطبت أقول: غرتني ستورك المرخاة. هو شعر أن الله يستره فبدأ ماذا؟ يتعمق أكثر وأكثر فيقول: لسه الناس مش عارفة شيء، هي الحمد لله مستوره. فيبقى يفعل المعاصي في الخلوات، يبقى يفعل المعاصي بعيداً عن أعين الناس، فياتيه احفظ هذه الآية شوف هي الآية ما أعظمها: كلما وقعت في معصية اقرأ هذه الآية: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6]. ليش بتشت- على معصيتي؟ اقرأ وقدم جواباً بينك وبين الله سبحانه وتعالى في الخلوات إذا سقط في معصية أو فاحشة أو نظر أو شيء محرم، تذكر: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8].

نعم، قال وعن يحيى بن معاذ: أقول: غرني برك بي سالفاً وفا- ماذا؟ يحيى بن معاذ أحد علماء السلوك يقول: غرني برك وتلطف بي سالفاً في القديم وإنفاق، يعني أنني رايت نعمك لا تنقطع عني قديماً وحديثاً، هذا جعلني أجرئ. هذا هو الإنسان المقصر مع الله سبحانه وتعالى.

نعم، قال: فسواك، فجعل ك مستوي الخلق سالم الأعضاء. فعدلك، فسيرك معتدلاً متناسب الخلق من غير تفاوت فيه، فلم يجعل إحدى اليدين أطول ولا إحدى العينين أوسع ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، أو جعل- أو جعلك معتدل الخلق تمشي، أو جعلك متدل الخلق تمشي قائماً لا كالبهائم، لا كالبهائم تمشي على أربعة أقدام.

نعم، وبتحف- وفي- يعني هي كما عندكم في الحاشية، هو أثبتها النسفي بالقراءة الأولى: عدلك. والكوفيون منهم عاصم يقرأها ماذا؟ عدلك وهي فيها قراءتان: عدلك وعدلك. نعم وهو بمعنى المشدد؛ أي عدل. وعدلك المخففة هي بمعنى المشددة عدل بنفس المعنى، وإن كانت المددة تدل على المبالغة في العادة.

نعم، أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت فكنت معتدل- عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت فكنت معتدل الخلقه متناسباً.

نعم، قال: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَبَكَ﴾ [الانفطار: 8]. ما: مزيد في التوكيد. ما في أي صورة ما شاء، هذه زائدة للتوكيد. فأصل الآية: في أي صورة شاء ركبك، هذه أصلها في أي صورة شاء ركبك، وإذا بدنا نعيد ترتيبها: ركبك في أي صورة شاء، تقدم الفعل الذي في آخر الآية إلى أولها فيصبح الترتيب ماذا؟ ركبك في أي صورة شاء. لكنه قدم في أي صورة شاء لأن هي الأهم هنا، قدم الأهم أنه يريد أن يخبرك بعموم إرادته: في أي صورة شاء ركبك، فليس المهم التركيب، المهم هنا المشيئة في أن يفعل بك ما شاء فلذلك قدم هذا على الفعل.

نعم، قال: أي ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر. وبالتالي هو كأنه يقول لك: يا أيها الإنسان، كنت قادراً على أن أعطيك غير هذه الصورة المعتدلة التي أنت عليها. ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَبَكَ﴾ [الانفطار: 8]، أعطاك هذه الصورة الحسنة، وكان قادراً عز وجل أن يعطيك صورة قبيحة، كان قادراً أن يجعلك على أخبث صورة وعلى أسوأ صورة، فهو في أي صورة شاء قادر على تركيبك، فاحمد الله أن اختار لك هذه الصورة الحسنة المتكاملة فلست تعاني من مشاكل في طول يد على يد ولا رجل على رجل، وعافاك مما ابتلى به كثيراً من الخلق. وعافاك في جسدك مما ابتلى به كثيراً من الخلق؛ فلا أنت أعمى ولا أنت أعرج ولا أنت أعوج ولا أنت أطول، ولا الحمد لله معتدل، ومشاكل صحية قد تكون فيك محدودة جداً مقابل مشاكل كثيرة ابتلي بها بعض الناس: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَبَكَ﴾ [الانفطار: 8].

يعني تذكرها، تذكر أنه كان قادراً على أن يعطيك صورة غير هذه الصورة الحسنة التي أنت عليها، لكنه أعطاك جسداً معتدلاً يستحق الحمد والشكر والإنابة والعبودية وعدم الاغترار بحلمه وستره.

نعم، قال: ولم تعطف هذه الجمله كما عطف ما قبلها لأنها بيان لعدلك. الجار يتعلق بركبك على معنى وضع في بعض الصور وسكنك فيه، أو بمحذوف أي ركبك حاصلاً في بعض الصور.

طيب خلينا أولاً نقول: ما معنى قوله: ولم تعطف هذه الجمله كما عطف ما قبلها؟ لأنها جملة بيانية. الآن لاحظوا في الآية السابقة: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: 7].

صحيح، حرف الفاء يفيد ماذا؟ العطف. طب لماذا لم يقل بعد فعدلك، ففي أي صورة ما شاء ركبك؟ لماذا في هذه ترك العطف؟ صح: خلقك فسواك فعدلك، ليش لم يقل فركب؟ في أي صورة لماذا ترك العطف؟ الجمله الرابعة هنا ماذا قال النسفي؟ أن هذه الجملة: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَبَكَ﴾ هي ليست شيئاً جديداً حتى يعطف، وإنما هي تفسير وبيان للجملة السابقة فعدلك. كأنه قال: عدلك، فانت بتقول: كيف عدلن؟ قال: ركبك في أي صورة شاء. فالاعتدال كأنه يقول، كان بإمكانه أن يعطيك أي صورة شاء غير هذه الصورة، فكانه شرح لمعنى الاعتدال أنه أعطاك الصورة الحسنة مع إمكان أن يعطيك أي صورة أخرى كان يقدرها سبحانه وتعالى. فلأن جملة تفسيرية بيانية في علم البلاغة، جملة التفسيرية لجملة سابقة لا تعطف عليها، بل تأتي بدون عطف، كأنها نوع من التفسير فقط.

طيب، والجار يتعلق بركبك، يقصد بالجار في أي حرف الجر في، الذي في مطلع الآية في أي هو متعلق بالفعل ركبك، يعني ركبك في أي صورة على معنى وضعك في بعض الصور ومكنك فيها ركبك، هو هكذا يفسر التركيب، يعني وضعك في بعض الصور ومكنك فيها. يقول: أو بمحذوف، أي ركبك حاصلا في بعض الصور ممكن. يعني يقول النسفي، في أي صورة يمكن أن نجعل حرف الجر في متعلق بـ اسم فاعل محذوف تقديره حاصل ركبك حاصلا في بعض الصور. لكن ما في داعي لهذا ما دام هناك متعلق مذكور يمكن أن يعلق به فهو الأفضل، ركبك في أي صورة شاء.

طيب قال: كلا ردع عن الغفلة عن الله تعالى. فهكذا تقف كلا وتقف هنا وقوفاً جيداً، لأنها كأنها ردع، أنه لما قال: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، ما الذي جراك على الله ما أنه فعل بك كذا وكذا؟ كلا، يعني لا ينبغي أن يكون هكذا، لا ينبغي أن تغتر بستر الله عليك، لا ينبغي أن تغتر بحلم الله عليك، بل ينبغي أن توقظ قلبك وأن تكون منتبها لحركات وسكناتك. ثم قال: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِدِّينِ﴾. نعم، قال بل تكذبون بالدين أصلاً وهو الجزاء، أي أي دين الإسلام، فلا تصدقون ثواباً ولا عقاباً. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾. كان هذا نوع من الجواب عن السؤال: كلا بل تكذبون بالدين، الدين هو الجزاء هنا تمام، الدين ما هو الجزاء؟ ويجوز أن يفسر أيضاً بالإسلام، لكن لأنه الكلام عن الدار الآخرة فالأفضل أن تفسر بالدين، مالك يوم الدين، نقرا في الفاتحة شو يعني مالك يوم الدين؟ الدين أصله هو ماذا؟ الجزاء. فيقول: كلا بل تكذبون بالدين. أنتم مشكلتكم التي تجعلكم تشترون على المعاصي ما هي؟ التكذيب بالجزاء، أنه أنت مش حاسب حساب يوم القيامة، لذلك عم تشتر على ربك الكريم. كأنه أعطاك الجواب صحيح.

طبعا لما تقول: لا يا شيخ، أنا مؤمن بالدار الآخرة، أنا مسلم. أه كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه، إنه إنه إسقاط مشكلة، الذي يقرأ القرآن يظن أن هذه الآيات تسقط فقط على الكافرين، فلما يقول أه كلا بل تكذبون بالدين، هذه الآية بتخاطب الكفار، أنا مش داخل فيها. لا لا، يقول شيخ الإسلام: هذه الآيات عليك أن تسقطها على نفسك، لأنه قد يكون عندك شعبة من شعب التكذيب بالدين. هل أنت مؤمن باليوم الآخر؟ أنا فاهم أنت مسلم، لكن ما هي الشعبة التي يمكن أن تكون حاضرة لديك؟ أه يا شيخ أسامة، كيف يمكن أن يكون مسلماً ولكن يمكن يكون عنده شعبة من شعب التكذيب بالجزاء؟

ايوه، ضعف الاستحضار، أحسنت. إنه ملف الدار الآخرة هسه أنت مؤمن به جملة تمام، لو قلت لك تؤمن به؟ أه والله أكيد في يوم آخر، أعمالك وحركاتك وسكناتك تنبئ أنه أنت مش لا أنت مش شايفه في حياتك، أنت مامن به إيمان تجريدي، لكن إيمان واقعي عملي مش حاضر، ولو كان حاضراً لم تكن هكذا هي حالتك. فضعف استحضار للدار الآخرة، وعدم اهتمامك أصلاً بقراءة الآيات التي تتكلم عن، وعدم حضورك للدروس ومجالس الإحياء العلمي التي تهدف إلى تفعيل هذا الموضوع، هو نوع من أنواع شعبة من شعب التكذيب، وإن لم تكن مكفرة طبعا، لكنه شكل من أشكال النفاق العمل، ما يسمى شكل من أشكال النفاق العملي، وهو عدم الاهتمام بملف الآخرة. وهذا الذي هو يغرك بربك الكريم، يعني ما الذي غرك بربك الكريم؟ عدم تفعيل قضية الدار الآخرة في حياته، هذا الذي غرني بربي الكريم. وإلا لو كان الإنسان يرى الدار الآخرة نصب عينيه ويتذكر: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، صعب يعصي، صح ولا لا؟ لكن في نوع من التغافل والاعراض وتناسي هذا الموضوع.

هنا تأتي فائدة الورد القراني اليومي، لماذا دائماً علماؤنا مشايخنا بيقولوا: لازم ورد قراني يومي للإنسان المسلم؟ لأن الورد القراني اليومي هو بظله مذكرك بحقيقة الدين، بحقيقة الجزاء، بحقيقة الحساب، أنه في آخرة انتبه يا إنسان أحذر. شوف لما أنت تصحى الصباح وتقرأ ورد بكلم لك عن الدار الآخرة، بعدين تطلع على شغلك، إيه الاصل أنك تول شغلك عم تغض بصرك محاسب حالك بتحاول تعرف كلماتك. ثم اليوم الثاني تأتي للصباح وجبة جديدة: يا أيها الإنسان يوم القيامة تذكر، فتجد أن الورد اليومي في القرآن ضروري ضروري حتى تبقى الدار الآخرة فعالة في حياتي. وإلا إنسان جالس شهر ما بقرا القرآن، شيء طبيعي تزداد مفعول المعاصي والذنوب والخطايا في حياته، لأنه ما في شيء عم بذكره بالدار الآخرة. والآن سورة الانفطار هي تركز على هذه الفكرة: ما الذي يغر الإنسان بربه فيجعله يشتر على الذنوب والمعاصي؟ نسيانه للدار الآخرة إما كلياً أو جزئياً، أما نسيان كلي وهو هذا حال الكفار، أو نسيان جزئي وهذا حال المسلم المقصر في التذكر للدار الآخرة. فسه الانفطار هي تضع يدها على الجرح كما يقولون، أنا معاصي وذنوبي لضعف تفعيل الدار الآخرة في حياتي، هذاك سي.

طيب قال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ أعمالكم وأقوال من الملائكة كراماً كاتبي. يعني أنكم الآن الله عز يذكرنا أيضاً من باب التخويف ومن باب التنبيه أنه يا إنسان ترى هناك في حياتك الدنيا من يسجل أعمالك، فانتبه. حتى كيف تقول للطلاب في المحاضرة، أنت تخرج منها وتقول لهم: ترى في عريف سري هنا! صح مش كان هكذا واحنا صغار؟ ترى في عريف سري في الصف! هو ليش يقول لك في عريف سري في الصف الاستاذ؟ حتى تكون حاسب حسابك ما تعملش أي حاجة خاطئة. طبعا سبحانه وتعالى مش محتاج لا عريف سري ولا شيء، هو ملك الملوك المطلع على كل شي، لكن هو يخوفك لعلك تنتبه ترى يا إنسان في هناك عن اليمين وعن الشمال قعيد، هناك ملائكة مكلفة بتسجيل أعمالك انتبه.

طيب، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ هؤلاء عند الله كاتبين يعلمون ما تفعلون، هذا يسجل الحسنات وذاك يسجل السيئات. طيب قال: كراماً كاتبي، يعني أنكم تكذبون بالجزاء والكاتب يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها. كراماً يعلمون ما تفعلون، لا يخفى عليهم شيء من أعمالكم وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم، قال وفي تعظيم الكتبة لما الله عز وجل قال عن الملائكة التي تكتب أعمالاً أنهم كرام، لماذا الله عز وجل يمدحهم ويثني عليهم؟ يقول النسفي: وفي تعظيم الملائكة التي تكتب بالثناء عليهم هذا في الحقيقه تعظيم لامر الجزاء. تعظيم الملائكة التي تكتب هو في الحقيقه تعظيم لامر الجزاء يوم القيامة وأنه عنده سبحانه وتعالى هذا الموضوع من جلائل الأمور، لذلك وضع لها جلائل الملائكة. يعني هذا الملف، ملف الجزاء ملف عظيم عند الله ولذلك استعمل له الملائكة العظيمة فسماها كراماً، مش أي الملائكة، الكرام عند الله هي التي أعطيت هذه الوظيفة.

نعم قال: وفيه إنذار وتهويل للمجرمين ولطف للمتقين. وعن الفضيل أنه كان إذا ق وطف للمتقين أن أعمالك الحسنة ما راح تضيع. إنه واحد بيقول: كيف لطف بالمتقين؟ تلطف بهم أنه بعض الناس ممكن يفعل افعال حسنة الصغيرة فيقول: هي صغيرة! لا لا، لا في اشي صغيرة عند الله حتى العمل الحسن الصغير هذه الملائكة تكتبه، لا تخف لن يظلمك الله سبحانه وتعالى في الحسنات شيئاً. نعم قال: وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على الغافلين. نعم كان الفضيل بن عياض أحد أئمة السلوك إذا قرأ هذه الآية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، يقول: هذه الآيات من أشد الآيات على أهل الغفلة البعيدين عن الله سبحانه.

نعم قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾. نعم، هنا ختمت السورة ببيان المصير النهائي للإنسان، ونعود فنقول: القرآن يذكرك بالمشاهد المهيبة والامور العظيمة التي تستحق أن يعاش من أجلها. الإنسان يعيش من أجل الوصول إلى دار الأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾، للخروج من دار الأكدار ومن هذه الحياة للوصول إلى منازل الأبرار، هناك السعادة والنعيم المقيم. وفي المقابل: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ تخويف وتهويل أن يحذر الإنسان أن يسقط فيها، ويخبره أن هذه الدنيا لا لا تستحق منك هذا الاهتمام مقارنة بملف الدار الآخرة. ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾، وقلنا الدين هنا بمعنى الجزاء، يوم الدين يعني يوم الجزاء. ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾، ما معنى وما هم عنها بغائبين؟ يقول النسفي يعني لا يخرجون من النار، بمعنى لن يغيبوا عن النار بمعنى لا يخرجون منها، كيف أقول: فلان لن يغيب؟ الإنسان لما يكون داخل مكان وتقول ما رح يغيب عنه، لما يكون هو داخل المكان وتقول لن يغيب عنه بمعنى أنه لن يخرج منه.

هذه الآية لها عدة تفاسير طبعا حتى تكون على وضوح، لكن هنا النسفي اختار هذا التفسير، أن الخطاب لأهل النار وهم في النار لما يكونوا في النار تقول: وما هم عنها بغائبين، إيش يعني؟ يعني لن يخرجوا منها. لما أنت الآن لما تكون حاضر في الشيء وأقول لك أنت ما رح تغيب عنه، يعني أنت ما رح تخرج منه لأنه أنت جالس فيه الآن. فهم لما كانوا في النار قيل: وما هم عنها بغائبين، بمعنى أنكم لن تغيبوا عن هذه النار أي لن تخرجوا عنها. والبعض يقول: وما هم عنها بغائبين، يعني هذه تقال لهم قبل أن يدخلوها أنه لن يفوتكم هذا المشهد ستشاهدوه ستشاهدونه. نعم، شيخ ممكن يكون وما هم عنها بغائبين عن يوم القيامة؟ نعم، وهذا المقصد الكلام الثاني، يعني لن يغيبوا عن يوم القيامة ومشاهدي ومشاهدته النار.

نعم قال: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ يدخلونها يوم الجزاء. ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ أي لا يخرجون منها، كقول الله: وما هم بخارجين منها. ثم ع ثم ثم عظم شأن يوم القيامة فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. شوف هذا المقطع اللي هو اللي حكيت لكم عنه أن القرآن بقولك دائماً، القرآن المكي يركز: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾، ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾، ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ وهنا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. أنت له يا إنسان، أنت مش عارف ايش ماذا ينتظرك ومين بقولك هذا الكلام؟ مش شيخ واعظ عمول يهول الأمور، الله جل في علاه، الله بنفسه يقولك ترى أنت يا إنسان له مش عارف الموضوع لسه ماخذه بمزح، ماخذه أنه إن شاء الله بمشي الحال يا شيخ، يوم القيامة بفاهم تسلك هيك! الناس ماخذه الموضوع أنه يوم القيامة لوقت فرج، مش أقول لك بعض السفهاء: لوقت فرج! مسكين هذا الإنسان. الله عز وجل يهول لك ليوقظك، ترى أنت مش عارف ايش ينتظرك من مصائب، من مصاعب، من أهوال، من أمور عظام، من رؤية الحقائق كما هي. فتذكر يا أيها الإنسان، فهذا الاستفهام مهم وخطير في تحريك المشاعر. ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.

ثم ختم بالمفهوم العظيم وهي فكرة أن المحاسبة فردية، وأن كل إنسان مسؤول عن ملفه الشخصي، ما راح يشفع لك لا ملك ولا وزير ولا واسطة ولا والدك ولا والدتك، ولا لن ينفعك إلا عملك الصالح. قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾. أنت مسؤول عن أعمالك وعن ملفاتك. في الدنيا في واسطات بتمشي، إذا صار تقصير بن جبر، يوم القيامة كل واحد مسؤول عن عمله وحده. وبالتالي إذا كنت عارف أن المسؤولية فردية، لا تهلك مع الناس. اليوم لو رايت الناس على معصية ما تيجي تقول يا شيخ ما هو كل الناس بتدخن! مش هيك بقول؟ طيب يا شيخ ما هو كل الناس تعمل كذا! يا شيخ ما كل الناس تميل للحرام! ماشي، بس يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا﴾، الناس تريد تهلك نفسه، أنت لا تهلك مع الناس، لا تيجي تقول والله أنا مع الناس يعني ماشي معهم. لا، تمام مش نحن عندنا مثل ايش بيقول لك: حط راسك بين الروؤس وقول يا قطاع الرؤوس! لا، لا، اخي هذا من المفاهيم الجاهلية، لا تحط راسك بين الروؤس، لا، لأنه يوم القيامة رح تأتي راساً وحدك، فخليك في الحياة راساً وحدك، اثبت على دين الله ولو ضل الناس اثبت على.

الاستقامة ولو فتن الناس؛ لأن المسؤولية يوم القيامة فردية، يعني مش راح يحاسب على المجموع، إنه يلا على المجموع بحاسبك، لا، هذا في الدنيا بتحاسب على الرؤوس على المجموع، لكن يوم القيامة: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ [الانفطار: 19]. شوف الختام العظيم هذا، ختام فخم، بيقول لك: والأمر يومئذ لله. انتهت كل العلائق، وكل الوسائط، وكل العلاقات الاجتماعية، والنسبية، والوطنية، والفئوية، والحزبية، والجماعات، كل شيء سينتهي، والأمر يومئذ لله، العدل الذي سيعطي كل إنسان على ما فعل، نعم.

قال: يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً، أي لا تستطيع دفعاً عنها ولا تفعل لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة بالأذن. جميل هذا الكلام، فيقول لك الشخص: طب يا شيخ ما في الشفاعة يوم القيامة؟ ألا يوجد شفاعة؟ نعم، نحن ابتداء نقول كقاعدة عامة: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا﴾، فإذا كنت في ديوان الكفار راحت الشفاعة، تفكرش فيها، وإذا كنت في ديوان المؤمنين وحسبت مع أهل الإيمان، ساعتها هبَنبلش نفتح ملف الشفاعة لمن أذن له الرحمن ورضي له قولاً. بس ابتداءً لازم يفرز الناس إلى مؤمن وكافر، والكافر يدخل فيه المنافق، بيشيل الكفار المنافقين على جنب، هذول ما في لهم شفاعات، وشفاعة خاصة لأبي طالب هذه خاصة به أصلاً.

وما سوى ذلك بيجي أهل الإيمان، نجي نتفاهم معهم، فيشفع الله فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويشفع الملائكة والمقربون لمن يستحق الشفاعة، فهذا ملف ثاني خطوة رقم اثنين نحكيها، أما الخطوة رقم واحدة التي لا يملك نفس نفسه شيئاً هي خطة إيش؟ أو خطوة الفرز، حين يفرز الناس وأنت ما بتعرف، ممكن تفرز مع المنافقين وتكون مع الكفار، تحسس أقدامك؛ لأنه إذا تم تصفيتك مع الكفار وتم إدخالك مع المنافقين راحت، ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: 48]، نعم. قال: يومه، بالرفع مكي وبصري، أي هو يوم، أو بدل من يوم الدين، ومن نصب فبإدمار يذكر، أو بإضم يدانون؛ لأن الدين يدل عليه، والامر يومئذ لله، أي لا أمر إلا لله تعالى وحده القاضي، فهو القاضي فيه دون غيره، حتى الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله، ففعلاً الأمر يومئذ لله وحده، حتى الشفعاء، حتى النبي صلى الله عليه وسلم لما يريد أن يشفع يذهب فيسجد بين يدي الرب سبحانه وتعالى، ويفتح الله عليه من المحامد ما يفتح، إلى أن يرضى الله عز وجل أن يأذن له بالشفاعة، حتى سيد الخلق عليه الصلاة والسلام ملف الشفاعة سيكون يحتاج إلى تعب منه ليذهب ليسجد بين يدي الرب ويحمَد ومحامد لا نعرفها نحن اليوم، إلى أن يرضى الرب بقبول هذه الشفاعة، فبالتالي الملف خطير ومش بهذه السهولة التي تتصور.

طيب، ننتقل إلى السورة الثانية، إلى سورة المطففين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُم أو وَّزَنُوهُم يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّعْبُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 1-6]. تمام، بدي أوقف شوي عند سورة المطففين.

أيها الكرام، سورة مكية، هي بالتأكيد من السور المكية، ولما نتكلم عن تسميتها بالمطففين، والكلام عن التطفيف، ربما أذهاننا دائماً تذهب لوين في هذا البعد التجاري؟ صحيح، يعني هذا أكثر ما يمكن كثير من العامه يحمل عليه هذا التصور، أنه التطفيف بالميزان والمكاييل والغش فيها، وهذا بالتأكيد أحد المعاني المشمولة، لا شك في ذلك، لكن ليس هو المعنى الواسع للتطفيف؛ لأنه التطفيف هو جانب من جوانب عدم العدل، أليس كذلك؟ هو جانب من جوانب أنك مش عادل لما حسبت الحسبة بالميزان والكيل، والعدل ليس فقط في البيع والشراء، العدل في الأفكار والمناهج وتقييم الناس والتعامل مع الآخرين.

الواحد منا عنده مزدوجة في المعايير، في نفسه إذا الشغلة له والتقييم له يحب دائماً الناس تثني عليه، وما يحب أحد يستغيبه، وما يحب أحد يذكره بسوء أو بشر، لكن لما يتعامل مع الناس الآخرين يطفّف، يبخس الناس حقهم، فيهاجم ويسقط حرماتهم ويغتاب، ويدخل في المشايخ والعلماء والدعاة أو يدخل في المخالفين له، وهذا شكل من أشكال التطفيف. أحياناً حتى التطفيف في الأفكار، لما تكون بدك من ربنا سبحانه وتعالى شغلة، بتكون مريض وتكون مطر وتكون مبتلى: يا رب أعطيني، ولما يكون الله عز وجل يطالبك بالصلاة والزكاة والعطاء للأمة ما بتبذل، طيب أنت بدك تاخد ما بدك تعطي؟ بدك تاخد ما بدك تعطي؟ شوف التعبير الجميل: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، إذا الشغلة له يستوفي، بده ياخدها كاملة ما حدا ينقصني، واما إذا هو بده يعطي الناس، إذا هو بانه المطلوب البذل: ﴿وَإِذَا كَالُوهُم أَو وَّزَنُوهُم يُخْسِرُونَ﴾.

هذا مفهوم عظيم في الإسلام، التطفيف مش فقط في الخضار والتفاح والبرتقال، هذا شكل، بس هناك تطفيف حتى في الأفكار والموازين وتقييم المناهج والناس، إذا الشيء لك ومصلحتك تطلب أنه يؤخذ كامل، إذا الشيء أنت مطلوب تقيم آخرين فكرا وسلوكا وعملا وتجارة وأخلاقاً بتخس الناس حقوقها ليه؟ شوف هذه قاعدة عظيمة يؤصل الإسلام هنا في سورة المطففين وتذم المطففين بالمفهوم العام العريض: ويل للمطففين غير العادلين في تقييم الأفكار والمناهج والشخصيات والاموال وكل الأشياء التي يمكن أنه يحصل فيها ماذا؟ عدم العدل.

ثم ختمت السورة ببيان أن الله عادل ويحب من عباده العدل، بماذا ختمت السورة؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29]، ثم لما جاء موقف أهل الإيمان إيش ختم في الآية؟ ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: 34-36]. كأنه بيعلمك هيك العدل؛ لأنه لما كانوا الكفار في الدنيا كانوا يستهزئون بأهل الإيمان، فالمؤمنون في الآخرة سيستهزئون بمن؟ بالكفار، هيك العدل، هيك بتكون هيك بيكون في تطفيف، فكأن ما ختمت به السورة هو شكل من أشكال ماذا؟ عدم التطفيف، ما ختمت به السورة شكل من أشكال عدم التطفيف وإظهار العدل.

لأنه إذا أقول لك: ويل للمطففين، إذا المطلوب مني أن أكون غير مطفّف، أن أكون إيش؟ عادل، فالله سبحانه وتعالى أظهر أعظم مشهد من مشاهد العدل، أعظم مشهد في الكون أو ما سيحصل مشاهد العدل، عدل الله سبحانه وتعالى: أن الكافر اللي كان يستهزئ بالمؤمن في الدنيا، المؤمن راح يستهزئ به في الآخرة، لذلك: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 35]، المؤمنون في الآخرة على الأرائك ينظرون، قالوا: ينظرون لله عز وجل، هذا أحد التفاسير، والبعض قال: ينظرون للكفار وهم يعذبون؛ لأن هي ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾، لما كان يمر بهم أهل الصلاح والخير المجرمين شو كان يحكوا عن المشايخ وأهل الخير والصلاح؟ مساكين دراويش مغفلين رجعيين، كل الألفاظ اللي بتعرفوها، دعينا يوم القيامة نشوف المشهد مين بده يجي يوم العدل، فسيكون أهل الجنة على الأرائك ينظرون لهؤلاء الكفار الذين كانوا يستهزئون بأهل الخير والصلاح وهم يعذبون، ثم تختم الآية: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.

هيك العدل، إذاً لاحظ انسجام ختام السورة ببدايتها، فالله يتكلم عن العدل ويل للمطففين وأعطاك أعظم أشكال العدل هو العدل الإلهي الذي سيحصل يوم القيامة لما جزاء وفاقاً، كل واحد عمل شغله رح يصير في نفس الشيء، كما تدين تدان، كنت تستهزئ بالمؤمنين رح أورجيك، المؤمنين يكونوا في الجنة ويفرحوا وأنت في النار تعذب، ففي انسجام إذاً في بداية السورة وفي ختامها ما نسميه نحن الوحدة الموضوعية لهذه السورة، الله يأامر بالعدل في الميزان، في الأفكار، في التقييم، في النظر للأخرين، في محاسبة الناس، في التعامل معهم.

نظرتك للمخالفين لك، إنه بعض الناس زي ما حكينا إذا كان حدا بيتكلم عن جماعته: يا أخي وين الإنصاف؟ يا أخي انصفوا الشيخ مش لازم تتكلم بعدل، طيب ممتاز كلامك صح، معلش غبار، طيب أنت لما تتكلم عن مشايخ المخالفين لك بينزل في ساحته الشيء اللي بيعرف واللي ما بيعرف الإشاعة، مش الإشاعة بكتها في هالشيخ؟ طيب وين العدل؟ طيب أنت لما يكون شي لك بدك الناس تنصف جماعتك وبالعدل وكلامك صح، حقك أن تستوفي، بس الطرف الآخر مش لازم أيضاً ينصفوا؟ مش لما تقيم أفكار؟

لذلك سبحان الله شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية لما تنظر في كلامه وهو يقيم المخالفين له في الاعتقاد يعطي كل إنسان حقه، يقول: ابن حزم الظاهري أحسن في هذا وأخطأ في هذا، أبو حامد الغزالي أحسن في هذا وأخطأ في هذا، الأشاعرة أفضل من المعتزلة في كذا، يحاول أن يصنع ماذا؟ عدل في تقييم أفكار المخالفة له، حتى لفكر المخالف اللي ممكن يكون أصاب في جزئية وأخطأ في جزئية وأحسن في كذا وأصاب في كذا، فحتى أنت كطالب علم أو كإنسان تتصدر غداً للعامة لن تفلح ولن تفلح الأمة إلا بوجود هؤلاء المعتدلين الذين لا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى.

فهذا إخواني مفهوم عظيم تربى عليه الصحابة الكرام في الفترة المكية، العدل في التعامل مع الناس بالمفهوم الشامل للعدل، وليس فقط، لأنه أحياناً نحن ممكن نطبق العدل كملف، مين بتلاقي الشيخ مثلاً في الدينار والدرهم ورع، صح، الله، الشيخ ما شاء الله، بس في اللسان والله ما هو عدل، تمام يعني نحن المشايخ في الدينار والدرهم في ورع، بتلاقي والله خايف تحاسب يوم القيامة، بيقول لك: بدي آكل حرام، بس ما شاء الله على المخالفين له وين شيخ العدل؟ العدل بس في الدينار والدرهم لا، العدل في كل مكان، وقد يكون عفواً يعني خلافك في الدينار والدرهم قد يكون أخف ذنب عند الله من غيبتك ونميمتك للمخالف وإسقاط لهم بطريقة شرهة، ما تفكر أن أعظم تطفيف هو في المكيل، لا، أعظم تطفيف في الأفكار والقيم، هذا أعظم من التطفيف في المكيل، وإن كان التطفيف في المكيل طبعا غش وخداع ولا يجوز، بس أنا أريدك أن تاخذ بعد طويل في سورة المطففين حتى لا تحصر دماغك أول ما تقراها هي في البيع والشراء، هي مش موضوعي أنا هذا اللي بخاف منه، أننا أحياناً نقرأ سورة بتقول هي بتتكلم عن البيع والشراء، أنا شو دخلني في البيع والشراء يا شيخ؟ إذا السورة لا يعني لا تسقط علي هي للتجار، لا، هي لي ولك سيدي، هي لي ولك ولكل إنسان.

لأن أنا دائماً حتى أقول لك في العلاقة الزوجية، في علاقاتكم الزوجية الشخص قد يطالب زوجته بأشياء أنه أنا حقي كذا الشرعي وبدي أستوفيه، هيك حكى الشيخ اليوم في الدرس، ومن حقي كذا ومن حقي كذا ومن حقي كذا، ممتاز، حقك، طيب هي حقها؟ بتلاقيها ضاع حقها تماماً: لا، وأنت ما لك دخل، واحنا القوام للرجال، ماهو ماشي القوام مش معناها التسلط والتعذيب وانتهاك حرمة المرأة، لا، ما هو برضه في كما أنك تستوفي حقك منها، هي عليها أن تستوفي حقها منك، والنبي صلى الله عليه وسلم وضع الحقوق متبادلة، وكذلك المرأة ممكن هي تريد من الزوج أن يعطيها حقها وبتشد كذا وكذا، لكن لا تريد أن تعطي الزوج حقه، فهذه قاعدة عامة في الحقوق، هذه نسميها قاعدة عامة في الحقوق؛ لأن الدنيا تقوم على الحقوق المتبادلة، تمام، فلما تكون حق لك زي ما بيكون الحق عليك بدك تكون عادل هنا وتكون عادل هنا، فهذا تأسيس عظيم لهذه الفكرة.

ثم كما قلنا السورة تكلمت عن أشكال العدل وهو العدل الإلهي عندما يطبق يوم القيامة، وهذا من اعظم التطبيقات لإقامة العدل في سنة الله سبحانه وتعالى. اقرا: قال رحمه الله: ويل، مبتدأ خبره للمطففين، للذين يبخسون حقوق الناس في الكيل والوزن، ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾.

طبعا شوف إخوان من باب الفائده في التفسير هذه الكتب التي بين أيدينا تسمى كتب تفسير، هدفها شرح المعنى الأصلي للآية، بس هذه مش كتب تدبر؛ لأن في هناك مقامين في حياة طالب العلم في التعامل مع القرآن والمسلم عموماً: في مقام أنه يفهم المعنى الأساسي للآية، هذه الكتب زي تفسير النسفي وغيرها يعني بتخدم في فهم المعنى الأساسي، لما تجد النسفي يقول: الذين يبخسون حقوق الناس في الكيل والوزن هو بس أعطاك المعنى الأساسي، لكن المعنى اللي كنا نتكلم فيه الآن هو ما يسمى التدبر، اللي هو توسيع معنى الآية وفهم شموليتها، ولذلك علماء التفسير قل منهم قل منهم من يشتغل في التدبر؛ لأنهم يعتبرون التدبر مساحة شخصية، يعني هذا ذوقك أنت كيف ستتدبر الآية، أنا بعطيك المعنى الأساسي ثم أعيط ذهنك مساحة يحلق في تدبر الآية والنظر في إيمانيات وروحانياتها.

البعض عنده قدرة على التدبر وتستفيد منه، شيخ الإسلام ابن تيمية كثير ما يعطيك مساحات التدبر من خلال إسقاط الآيات اللي كانت تنزل في الكفار على مثلا المنافقين أو على الفرق المخالفة في زمنه، فيعلمك كيف تستثير القرآن، ما يسمى مفهوم استثارة القرآن، أن تعرف هذه الآية أنا كيف بدي أطبقها في واقع حياتي؟ أنا فاهم المعنى الأصلي لها، بس المعنى الأصلي بده يتفعل ويتوسع حتى يكون له تطبيقات شاملة على كل مناحي الحياة، هذا مفهوم استثارة القرآن، مفهوم مهم جداً وإلا تبقى فقط مع النص التفسير الأساسي حتى تشعر بقيمة القرآن في حياتك، نعم.

قال: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ أي إذا اخذوا بالكيل من الناس يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اتيال من الناس اتيال يضرهم ويتحامل فيه عليهم، أبدل على مكان من بالدلالة على ذلك؛ لأن إيش أصلها؟ الذين إذا اكتالوا هي أصلها في اللغة أن تقول: الذين.

إذا اكتالوا من الناس، أصل حرف الجر في هذا المكان هو أيش؟ من، هذا كان الأصل. طب لماذا بُدِل حرف الجر من بحرف الجر على؟ فهمت ماذا يقول النسفي؟ ماذا قال؟ قال أي إذا اخذوا بالكيل من الناس يأخذون حقوقهم وافية تامة، إذا هي الميزان له، إذا هو بده يشتري بضاعة، إذا هو بده يشتري بضاعة بيحكي للبياع: زن لي، صح؟ يأخذ حقه كاملًا.

طب قال: ولما كان اكتيال من الناس اكتيالًا يضرهم ويتحامل فيه عليهم، أبدل على مكان من للدلالة على ذلك؛ يعني لما كان المشتري هو يتخوف أن يضره البائع وأن يغشه البائع تمام، قال: اكتالوا على الناس. قال: ولما كان اكتيال من الناس اكتيالًا يضرهم ويتحامل فيه عليهم، أبدل على مكان من للدلالة على ذلك ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ تمام، لأنه هم يطلبون من الناس أن يعطوهم فهم يريدون أن يضروا، فكانه نوع من الغلبة والاستعلاء: ما بدي أنضر، بدي أنا استفيد، ما بدي تخدعني، فأبدلهم حرف الجر على يدل على الاستعلاء والقهر، علوت على الشيء، فلذلك قال: ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالًا يضرهم ويتحامل فيه عليهم، يعني أنت بتخاف من أيش؟ أنه يضرك هذاك ويتحامل عليك، فبتطول أنا خايف يعلو علي فانا بدي أعلو عليه، أنا خايف يغشني فانا بدي أحمي نفسي.

طب فابدلهم مكان من للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق على يستوفون ويكون على مش متعلقه بالفعل اقتاله. هس نحنا قلنا على متعلقه بكتال ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ وقلنا الأصل في تركيب اللغة العربية أن يقال: اكتال منه، وليس اكتال عليه، أنت لما تروح على البياع بتقول: اقتلت منه ولا اقتلت عليه؟ اقتلت منه، لكن القرآن قال: اقتلت علي، اكتالوا على الناس؛ لأنه هو يتوقع من البائع أنه بده يضحك عليه، وضحك البائع عليك وعلا عليك، فانت اللي بدك تغلب ما هي كلها غلبة فبتطول: لا، أنا ما بدي إياك تضرني، بدي أستوفي حقي كاملًا، فلذلك وضع على مكان من للدلالة على أنه يخشى من أن يعلى عليه فيحاول أن يدافع عن نفسه تجاه هذا العلو.

طب قال: ويجوز أن تكون على متعلقة بالفعل يستوفون ويكون التقدير: الذين إذا اكتالوا بتوقف يستوفون على الناس، فتكون على متقدمة على فعلها، ويكون التقدير: الذين إذا اكتالوا يستوفون على الناس، فإذاً على في احتمالين، يا متعلقة بالفعل اكتالوا ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، أو تكون على متعلقة بالفعل الذي جاء بعدها ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا يَسْتَوْفُونَ عَلَى النَّاسِ﴾، فهذا محتمل وهذا محتمل، لذلك قال: أو أن تكون على متعلقة يستوفون ويقدم المفعول على الفعل.

طب لماذا قدمت على هذا الوجه الثاني؟ لماذا قال: على الناس يستوفون؟ التقديم يدل، إذا قدم ما حقه التأخير فهذا يدل على الاختصاص والاهتمام، هكذا نقول ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾، فهو اهتمام واختصاص، يعني على الناس دون غيرهم قال لافاده الاختصاص أي يستوفون على الناس خاصة وإن كنت أرى أن الاختصاص هنا ليس شيئاً بارزاً، يعني هو هذا رأي النسفي يرى أنه في نوع من الاختصاص: يستوفون على الناس خاصة. لماذا؟ ماذا قال؟ يستوفون على الناس خاصة، يعني ما وجه الاختصاص وماذا يريد أن يقول لما يقول يستوفون على الناس خاصة؟ يعني يستوفون على الناس لا عليهم، فهمت علي؟ يعني عنده الاستيفاء خاص لما أكون هم بدهم يعملوا، لكن لما أنا يكون مطلوب مني ما بوفيه، فكانه يقول على الناس يستوفون ولكن على أنفسهم لا يستوفون، فهو يريد أن يخص هي الفكرة أنه أيش المشكلة؟

احنا مش المشكلة عندنا أنك تطلب حقك من الناس، هس هو وهذا كلام جيد، يعني إذا بدي أقول النسفي: كلام جيد، هل هناك مشكلة أنك تستوفي حقك من الناس؟ لا. طيب وين المشكلة؟ أنه يكون الهدف فقط أنك تستوفي حقك وما تعطيهم حقهم، فلذلك أتى بالاختصاص، يعني الحصر قال: على الناس يستوفون، كأنه يقول: على الناس يستوفون دون أنفسهم، فإذاً على الناس آه بياخذ حقه بس على نفسه ما ببذل، فهذا مكون مقصود الاختصاص والحصر حصر الاستيفاء أنه الأصل أنك تستوفي الحق اللي بدك إياه من الناس والحق اللي بدهم إياه الناس منك هذا الاستيفاء التام الشرعي، وأما الاستيفاء من الناس ولا تستوفي من نفسك فأنت ظالم، فلذلك قال: على الناس يستوفون، إذا قلنا على متعلقة بالفعل يستوفون قدم الجار والمجرور لافادة الحصر: على الناس يستوفون وأما على أنفسهم لا يستوفون.

طب قال: وقال الفراء: من وعلى يعتقبان في هذا الموضع، لأنه حق عليه، فإذا قال: اقتلت ع فإذا قال: اقتلت عليك فكانه قال أخذت ما عليك، وإذا قال: اقتلت منك فكانه قال استوفيت منك. الآن الفراء له رأي آخر، ما هو؟ أنه على هي ليست لم توضع مكان من، احنا قلنا ابتداءً النسفي ماذا قال؟ إنه الأصل أن تكون من هي التي في السياق: الذين اكتالوا من الناس، ووضع على مكانها تبديل لافاده الاستعلاء. الإمام الفراء وعلامة اللغوي يقول: لا، يقول العرب تقول اقتتلت عليك واقتلت منك، فهذا استعمال وهذا استعمال، وليس أنه على جاءت مكان من، يقول: لا، هي هناك استعمالان، يجوز أن أقول اقتلت عليك ويجوز أن أقول اقتلت منك، ولكن ما معنى هذا وما معنى هذا؟

قال قال الفراء: من وعلى يعتقبان أي يتبادلان في هذا الموطن، يجوز أن تقول اقتلت علي ويجوز أن تقول اقتلت منك، لأن قال: فاذا قال الشخص اقتلت عليك فكانه قال أخذت ما عليك، ما عليك أن تدفع إلي، يعني لما أقول اقتتلت عليك شو معناها؟ أخذت ما عليك، أنت قديش عليك تعطيني؟ مثلاً 50 دينار، 10 برتقالات، اللي بدك إياه، أخذت ما عليك فيكون مناسب أن تقول اقتتلت عليك بمعنى أخذت ما عليك أن تدفعه لي، ويجوز أن تقول اقتتلت منك، قال: وإذا قال اقتتلت منك فكانه قال استوفيت منك، تمام، فكانه قال استوفيت منك حقي، فهذا جائز وهذا جائز، يعني كل واحدة لها تخريج، سواء قلت اقتلت عليك أو اقتلت منك كله ببط، مش أنه الأصل من واجت على بس هيك مجازاً، لا، لا، هي يجوز أن تقول اقتتلت عليك واقتلت منك وكلاهما أسلوب عربي ويدل في النهاية على نفس النتيجة.

قال: والضمير المنصوب فيه اقرأ قال والضمير المنصوب فيه وإذا كالوهم أو وزنوهم راجع إلى الناس، أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل، وإنما وأوصل الفعل، وإنما قال وإذا كالوهم الضمير في كالوهم يعود على من؟ على الناس ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾. وأنا حقيقة تعجبني هي كالوهم كالوا الناس، لأنك أنت ممكن تكيل الناس ببضائع، صح؟ وممكن تكيل الناس تقيم الناس بأشخاص، بقول لك وزني فلان، ايش شايف ليّ والله زلمه منيح وكذا، فكلمة كالوهم كالوا الناس ممكن كيل في البضائع وممكن كيل لنفس الناس لأفكار وتقييمك لأشخاص وحياتهم وكيف تراهم، فقال كالوهم: إذا كالوا الناس أو وزنوا الناس فكراً أو تقييماً لأداء أو حتى في البيع والتجارة ماذا قال؟ يخسرون.

فما بمدح، دائماً يحب يستنقص، لا يحب أن يذكر الناس بالخير، يحب دائماً يضرب هنا يضرب هنا، خاصة في مقام الدعوات والمشاريع الدعوية والعلمية والفكرية تجد أن كثيراً من الناس هو منحرف حول نفسه وحول جماعته وطائفته، فإذا ذكر أمامه شيخ آخر يعني يخسر: يعني الشيخ منيح يعني الله يسامحه في عنده بعض الشغلات بس أنه منيح عموماً، جزاك الله خيراً وهي بعض الشغلات أنت ضربته فيها ما بدك تحكي أنه لا خلص، يعني في مش دائماً لازم تنتقص، لأنه هو لو حكيت عنك كذا أنت شو راح تحكي؟ يعني ما في هنا شخص كله عيوب يا أخي اثنِ وخلص، ما فيش داعي مادمنا كلنا على السنة أما أنت لما تحكي عنه لازم تضرب لك هيك نتيجتين هون وتجيب له هون شغلتين خاصة أنها مش بتكون شغلات مهمة أو حساسة، شغلة حساسة في العقيدة والله ينبه عليها أكيد، لكن شغلة والله اختلاف في مسألة اجتهادية في السياسة الشرعية أو قرارات معينة دعوية يا أخي ماشي مش الحال، كل الدين غيره برك إن شاء الله والدين يقوله قائم عليك أنت وحدك الحمد لله في هناك من يقدمه يبذل في دين الله في أماكن عديدة.

قال: وإذا كالوهم أو وزنوهم الضمير راجع إلى الناس، طبعا هو لأنه هو في ذهن النسفي أن الآية تتكلم عن الكيل في التجارة، قال كالوهم يعني كالوا لهم أصلها كالوا لهم حذفت لام الجر وألحق الضمير مباشرة بالفعل، ولا أصلها كالوا لهم وزنوا لهم، فيجوز أن يحذف حرف الجر ومباشرة الضمير يدخل على الفعل فأصبحت كالوهم أو وزنوهم.

طب قال: وإنما لم يقل أو اتزن كما قيل أو وزنوهم اكتفاء، ويحتمل أن المطففين كانوا لا ياخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالتكتير من الاستيفاء والسرقة لانهم يزعزعون ويحتالون في الملا، وإذا أعطوا وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين.

طب ويحتمل أن المطففين كانوا لا ياخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل تمام لتمكنهم بالاكتفاء والسرقة لانهم يزعزعون ويختالون في الملا، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين. ما معنى هذا الكلام؟ ماذا يريد أن يقول النسفي هنا؟ يعني هو يعلق الآن في الآية الأولى ماذا قال؟ ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ لكن في الآية التي تليها لم يقل: وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، لماذا لم يقل ها في الآية الأولى أصر على ماذا؟ على المكيال، صح؟ قال: الذين إذا اكتالوا، لم يقل: الذين إذا اكتالوا أو اتزن على الناس يستوفون، في الآية الأولى اقتصر على ماذا؟ على الكيل، في الآية الثانية ايش قال؟ ﴿وَإِذَا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ فيقول في الآية الأولى اقتصر على الكيل لما أنت كنت تاخذ ماذا حقك، وفي الآية الثانية لما كنت أنت بدك تعطي الحق ذكر كالوا ووزن، ذكر الكيل والميزان، فهمتم الآن؟

فماذا يقول؟ قال: وإذا كالوهم أو وزنوهم راجع إلى الناس أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل بالضمير، طيب وإنما لم يقل في الأولى في الآية الأولى أو اتزن كما قيل في الآية شو قال؟ الذين إذا اكتالوا، لم يقل أو اتزن اختصر فقط على اكتالوا في الآية الأولى، قال: وإنما لم يقل أو اتزن كما قيل في الآية الثانية أو وزنوهم، فالآن هذا والله لفته جميلة، لماذا ذكر الوزن في الآية الثالثة ولم يذكر في الآية الثانية؟ في الآية الثانية اختصر فقط على المكيال، يقول: اكتفاء. وهذا الاعتماد الأول، شو يعني اكتفاء؟ هس في اللغة العربية من أساليب اللغة أنني أذكر الشيء في أحد الموضعين فيكون هذا منبهاً على أنه مراد في الموضع الآخر وللم أذكر، تمام، أن تذكر الشيء في أحد الموضعين وتدرك أنه في الموضع الآخر، لكن خلاص تقول: ذكرت في موضع وينبه على أنه في الآخر، فهذا معنى اكتفاء: اكتفى بالذكر في أحد الموضعين تنبيهاً على الموضع الآخر، فكان التقدير: الذين إذا اكتالوا اتزنوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، لكن لم يقل في الآية الأولى أو اتزن اكتفاء أنه ذكر الوزن في الآية التي تليها، فخلاص أنت ذهنياً متصور أن الوزن أيضاً مقصود.

قال: ويحتمل أن المطففين كانوا لا ياخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل لتمكنهم بالتكتير من الاستيفاء والسرقة لأنهم يزعزعون ويحتالون في الملأ، أما إذا أعطوا أما إذا بدهم يعطوا الناس هم اللي بدهم يبيعوا خلاص الأشياء الكيل بالكيل والوزن بالوزن لا تحكي معي الكيل بكيل لك إياه بالكيل والوزن بالوزن، ليه؟ قال لتمكنهم من البخس في النوعين أنه الكال بتقدر تبخس فيه وهذا تاجر بده يكون يعني حربوق زي ما بقولوا بيعرف كيف يتعامل مع كل آلة إذا المطلوب.

منه يقدم للناس، بيعرف كيف ينقص من المكيال بذكاء، خاصة إذا كان المشتري غشيم. وفي الميزان بعرف كيف ممكن أيضاً يلعب في الموازين من تحت، ويعرف الميزان. فهؤلاء تجار، لذلك قال: هم متمكنون في المكيال، فبعرف كيف يزن المكيال، فلما هم بدهم يشتروا شيء لهم بشتروا بس بالمكيال، فلذلك قال: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: 2]، لأنهم ما كانوا يشترون لهم إلا بالمكيال. إذا بده ياخذ شي له دائماً بالمكيال، لأنه بيعرف كيف يحصل فيه زيادة، فاعم شغلته.

وإذا بده يعطي الناس لا بالمكيال، بالمكيال والميزان والميزان، لأنه هذا بيعرف كيف يبخص منه وهذا بيعرف كيف يبخص منه، فإذا أعطى الناس يعطيهم بالكيل أو بالوزن. فإذا اقتصر على الوزن في الثانية، لأنهم في حالة العطاء يكيلون ويزنون، وفي حالة الأخذ فقط يكيلون. طبعا هذا كله تحليل من النسفي، يعني بغض النظر مقدار دقة هذه المعلومة. طيب، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، يعني ينقصون. ثم قال: يقال خسر الميزان وأخسره.

ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون، يعني يوم القيامة؟ أدخل همزة الاستفهام على لا النافية توبيخاً. شوف: ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟ كل الناس اللي بتقيم الآخرين وتنتقص منهم، من أفكارهم، من جهودهم، من بيعهم، من شرائهم، من حقوقهم، حقوق الزوجة، أي حق أنت تبخس للناس بغض النظر مع طبيعة هذا الحق، تاتيك هذه الآية منبهة لك: ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟ الذين يتكلمون في أعراض الناس وفي الأفكار ولا يعدلون فيها، ألا يعتقدون أن هناك يوم سيحاسبون فيه أمام الله على كل قول صدر منهم، وعلى كل كلام ابتدر منهم على السوشيال ميديا، على الصحافة، على الإعلام، في مجالسهم الخاصة، في مجالسهم العامة، في موازينهم؟ ألا تعتقد أنك ستبعث وتلقى الله؟ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين؟ الإنسان لن يعدل في كلامه وتصرفاته إلا إذا استحضه هيبة يوم القيامة في حياته. ولذلك كلما ضعف تصورك للدار الآخرة، وكلما ضعف اعتقادك بها وضعف إيمانك بها، شيء طبيعي أن يخف ورعك وتخف تقواك، وتصبح تطلق ألسنتك في المخالفين لك جرحاً وتعديلاً وإسقاطاً وخفضاً ورفعاً. سهل، لأنه أنت مش حاسب حساب ليوم القيامة الذي تحاسب فيه على حصائد الألسنة.

نعم، قال: وليست هذه للتنبيه، وفيه إنكار وتجبيح عظيم من حالهم في الإجراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار ذلك. إذاً يقول: ألا يظن، هذه ليست آلة تنبيهية، لأنه أحيانا في آلة التي للتنبيه، فأقول مثلاً: ألا تزورني؟ تمام، يعني قد يكون المقصود من مها ماذا؟ مجرد التنبيه. ألا ليت الشباب يطود يوماً! تمام، لا، ألا تزورني ممكن تدخل ضمن هذه. خلينا نقول: ألا ليت الشباب يطود يوماً! تمام، هي اصلها ما ليت الشباب يطود يوماً، أضاف قبلها ألا ألا فقط للتنبيه، ألا ليت الشباب يطود يوماً، فههنا تكون ألا للتنبيه. لكن هنا ألا يظن، ألا تاتي، ألا تفعل، ألا تزورني، هنا نقول لا، هذه همزة الاستفهام دخلت على لا النافية توبيخاً، هي همزة استفهامية: ألا تعتقد كذا، ألا تفعل كذا؟ فهي همزة الاستفهام دخلت على لا النافية توبيخاً.

نعم، قال: ولو ظنوا أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن. وعن عبد الملك بن مروان أن أعرابياً قال له: لقد سمعت ما قال الله في المطففين! أراد بذلك أن المطفف قد وجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تاخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟ شوف هذا الأعرابي كيف وسع دلالة الآية، زي ما قلنا: أعرابي بيقول لعبد الملك بن مروان الخليفة الأموي يقول له: يا خليفة، إذا كان الله يقول ويل المطففين في مكيال وميزان، طيب أنت الخليفة، شوف قديش أخذت من أموال الناس ودماؤهم وأحوالهم حتى أقمست هذه الخلافة؟ شوف أسقط الآية ووسع دلالتها، وهذا ما يسمى إخواننا حتى في علم القياس الأصول: التنبيه بالادنى على الأعلى.

يعني حتى لو لم نقل إن المكيال والميزان هنا المراد التكيل بالأفكار والققيم، يمكن أن يؤخذ هذا من جانب آخر، نقول: إذا كان الله حذر من التطفيف في بيع الخيار والبندورة، فمن باب أولى النهي عن التطفيف في الأفكار والمشاهد العظمى. فإذاً تقييم الأفكار إما أن يكون داخلاً تحت عموم لفظ الآية، أو نقول: الآية وإن كانت تتكلم في المكيال بالأكل والشرب، لكن تنبه على أنه إذا كان حتى هذا الشيء الأدنى يحذر الله من التطفيف فيه، فما بالك بالتطفيف في حقوق الشعوب والأمم والمجتمعات والدين والأفكار والقيم؟ فيكون هناك طريقان في دلالة الآية على هذا المعنى، إما بعموم لفظها، أو بالتنبيه بالأدنى على الأعلى.

قال: يوم يقوم، قال: ونصب ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6] لأمره وجزائه. نعم، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرأ هذه السورة، فلما بلغ هنا بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعد يوم يقوم الناس لرب العالمين. التقدير: يوم يقوم الناس لأمره وجزائه، فجعل هناك مقدراً في السياق: يوم يقوم الناس لرب العالمين. وهم لماذا يقومون لرب العالمين؟ ليجاووا على أعمالهم. وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة، فلما بلغ هنا بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعدها، لأن الصحابة كانوا يستشعرون، زي ما قلنا في بداية الدرس، اليوم حجم الاستشعار والتخوف من قضية يوم القيامة، هذا مفعوله كان عالي جداً في قلوبهم، فأي كلام عن دار الآخرة يحرك المشاعر، لكن بالنسبة لنا لكثرة الغفلة التي في القلوب، ولأن الشيطان يعلمنا الحرص على الدنيا والتخوف عليها، أصبحت تقرا هذه الآيات ولا تقرا قلوبنا كما كانت تقرا قلوب الصحابة الكرام.

نعم، قال: كلا، ردع وتنبيه. أي ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفله عن البعث والحساب. كلا، يعني هذا لا يصلح أن تطففوا في المكاييل وتتغاضى على أنه مما يجب أن يتاب عنه وأن يندم عليه. ثم أتبعهم وعيد الفجار على العموم، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: 7]. وما أدراك ما سج... ما هي كتاب الفجار؟ إنما هي صحائف أعمالهم. ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: 7]، وما أدراك ما سجين؟ دائما هذه «وما أدراك» اعرف أنها تهويل تفظيعية، يعني أنتم لسه مش عارفين شو هي سجين، شيء عظيم مهول عند الله سبحانه وتعالى. ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-2]، ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1-2]، تذكر هذه الاستفهامات التهويلية؟ كأن الله عز وجل يقول: هو شيء لا يمكن وصفه فلذلك اكتفى بالاستفهام عنه، هذه طريقة البلاغيين لما يكون شيء لا يمكن وصفه، يعني لن تستطيع بعقلك أن تدرك كم هو مهول، اكتفى بالاستفهام الذي يعطي إشارة أنه أعلى من أن يوصف، وأعلى من أن يضبط، وأعلى من أن يدخل فضاعت تحت الحصر. فاكتفى بقوله: وما أدراك ما سجين، يعني شو دريك هي مصيبة؟ هي سجين بحد ذاتها مصيبة، كتاب مرقوم.

نعم، قال: فان قلت قد أخبر الله تعالى عن كتاب الفجار بأنه في سجين، وفسر سجيناً بكتاب مرقوم، فكانه قيل: إن كتابهم في كتاب مرقوم، فما معناه؟ قلت: سجين كتاب جامع هو ديوان الشر، دون الله فيه وديوان الشر دون الله فيه أعمال الشياطين والكفيرة من الجن والإنس. وهو كتاب مرقوم مستور بين بين الكتابة أو معلم يعلم ما وراءه أنه لا خير فيه.

طيب الآن هو يريد أن يقول: هو ما الاستفهام الذي طرحه؟ فكانه قال: إن كتابهم، أنه قال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: 7]. الله يقول: إن كتاب الفجار صحائف أعمالهم في سجين، مش هي قال في الآية اللي بعدها شو قال؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: 8-9]، فأصبح السجين شرحت بأنها كتاب مرقوم. طيب، كتاب الفجار في سجين، وسجين كتاب مرقوم، إذاً أصبح المعنى شو هو؟ إن كتاب الفجار لفي كتاب مرقوم! فكيف صار هو كتاب فجار وفي نفس الوقت في كتاب جوات الكتاب المرقوم؟ مش واضحة كثير.

فيقول هنا: قلت سجين هو كتاب جامع يشكل كأنه ديوان كبير، هو ديوان الشر، دون الله فيه أعمال كل الشياطين والكفارة من الجن والإنس. قال: وهو كتاب مرقوم، يعني لماذا قال سجين كتاب مرقوم؟ لأنه ما معنى الرقم؟ يعني كتاب مسطور، لأن الرقم هو الكتابة. كلمة مرقوم تاتي بمعنى، لأن هذه الأحرف التي تكتب تسمى رقماً، تمام، فهو كتاب مرقوم، أي لأنه مسطور في أسطر بين الكتابة. أو مرقوم يمكن أن تؤخذ ليس من الكتابة من الرقم، وإنما تؤخذ من المعلم. فيقول: أو كتاب معلم، يعني عليه علامه يعلم من راى هذا السجين أنه لا خير فيه، لأنه ديوان للفجور والكفر مخصص فقط لهم، من رقم الثياب فيكون هنا المرقوم مأخوذاً من رقم الثياب وهو تعليمها. والمعنى ما خلصته أن ما كتب من أعمال الفجار في صحائفهم مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجيناً فعلاً من السجن وهو الحبس والتضييق.

كان المراد كتاب الفجار ما هو؟ هو صحيفة أعمالهم الخاصة اللي سجلتها الملائكة، وما سجلته الملائكة من أعمالهم مسجل في ديوان أكبر عند الله اسمه ايش؟ سجين. فكأن سجين ديوان مختلف عن صحائف الفجار، يعني صحائف الفجار هي الصحائف التي سجلت فيها الملائكة سيئاتهم هي صحائفهم. ما سجل في هذه الصحائف مسجل ومكتوب أيضاً في ديوان الشر العظيم اللي اسمه سجين، فهذا شيء آخر، لذلك قال: إن كتاب الفجار صحائف أعمالهم وما سجل فيها لفي سجين، مدونة أيضاً في سجين. هذا معنى: إن كتاب الفجار لفي سجين، مش معناته أنه كتاب جوا كتاب، معناته ما سجل في صحائفهم الملائكة أو الله أعلم موجود ومدون أيضاً في السجين.

طيب ما هو السجين؟ كما قال لك هو ديوان الشر العظيم الذي جعله الله ديواناً يسجل فيه كل أعمال الشياطين والكفار من الجن والإنس إلى يوم القيامة، فسجين شيء مهول يشكل ديوان عظيم. وأما صحائف الفجار، كل واحد له صحيفته الشخصية، كل واحد له صحيفته الشخصية.

طيب وسمي سجيناً، لماذا سمي ديوان الشر العظيم سجين؟ قال: لأنه مأخوذ من السجن وهو الحبس والتضييق، لأن هذا الكتاب هو سبب للتضييق على الكفار وسبب لحبس الكفار في نار جهنم، فسمي سجيناً، يعني حابساً باعتبار أن ما سيؤدي إليه سيؤدي إلى حبس أصحابه وادخالهم في نار جهنم، فسمي باعتبار ما سيؤدي إليه. قال: أو لأنه مطروح تحت الأرض السابعة في مكان وحش مظلم، هذا قيل إنه مطروح في الأرض السابعة فسمي سجيناً لأنه ملقى في سجن هذا ديوان الشر، قيل إنه ملقى في سجن تحت الأرض وهو مسكن إبليس وذريته، وإن كان الأول قد يكون له وجهة نظر أقوى. قال: وهو اسم علم منقول من وصف، كحات حاتم ايش أصلها؟ تمام وصف، ثم اصبحت بعد ذلك علماً على شخص. فنفس الشيء سجين أصلها وصف مأخوذ من السجن ثم اصبحت علماً على هذا الكتاب الذي هو ديوان الشر.

حتى لا نطيل نقف اليوم عند هذا المقدار، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم ما بقي من سورة المطففين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي.