دخولتسجيل الدخول

المجلس السادس والستون - سورة النازعات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى، من تفسير العلامة النسفي عليه رحمة الله. تفسير القرآن هو الذي ينبغي أن يستفرغ طالب العلم وسعه فيه، وأن يبذل جهده لتحقيق معانيه؛ فإن النافع الأكمل هو كلام ربك سبحانه وتعالى، خالق الأكوان، الذي يعرف ما يصلح قلبك، وما الذي ينفعك في حياتك، وما الذي يبلغك سبل السلام. الإنسان إنما يشرح في طلب العلم والهدف والرؤية أن يصل إلى ربه سبحانه وتعالى بأمان؛ هذا هو الهدف من انشغال الإنسان بقراءة العلوم الشرعية، والانكباب على آيات ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

فحري بطالب العلم أن يشكل علاقة بينه وبين القرآن، علاقة لا تنفك ولا تبلى مع مرور الأيام والسنوات إلى أن يوضع في قبره. هذه العلاقة مع القرآن لا ينبغي أن تضعف ولا أن تتلف؛ فاستعن بالله سبحانه وتعالى، ولا يعجزك الشيطان ويقول لك: ماذا تستفيد من النظر في معاني التفسير؟ أو لعل الكلام أصبح مكرراً؟ فإن كلام الله سبحانه وتعالى لا مكرر فيه، وإنما هو تجديد للمعاني الإيمانية الحقة التي بانكباب الإنسان عليها يكون صلاحه وانتفاعه، وبإعراض الإنسان عنها وانشغاله بكلام المخلوقين يكون ضياعه وتيهه؛ فأسأل الله سبحانه وتعالى قلباً محباً للقرآن.

وصلنا أيها الكرام في تفسيرنا إلى السورة الثانية، وهي سورة النازعات. والبعد العام لسور هذا الجزء كما أسلفنا في المجلس الماضي، البعد العام الذي تتحدث عنه سور هذا الجزء الطيب المبارك هو الكلام عن الدار الآخرة، وتكرار الحديث عن هذا المشهد في كل مرة بألفاظ مختلفة وأساليب متنوعة. والهدف هو ترسيخ هذه العقيدة؛ خاصة في قلوب المتشككين، أو المترددين، أو الذين ما زالوا ينازعون في وجود هذا اليوم العظيم المهيب، اليوم الذي فيه تقضى كل الأمور، وتنتهي كل الحسابات، ويقتص من الظالم للمظلوم، وترد الحقوق إلى أهلها، ويجد المحسن مكافأة إحسانه، ويرد المسيء عقاب إساءته. يوم القيامة يوم عظيم جداً، مهما تكلمت عنه هو يوم ستشهده البشرية، يجمع الله عز وجل فيه الأولين والآخرين للحساب الفصل وإنهاء ملف الدنيا كاملاً.

عندما تتكلم عن اليوم الآخر يجب أن تستفيض بمشاعر الحديث عنه؛ لأنك كلما استفضت بمشاعر الحديث كلما استحضرت أكثر. هو لا يختزل بكلمة، هي مش فقط اليوم الآخر وانتهى الموضوع، يجب أن تبقى تتحدث عن كل ما يمكن أن يحدث في ذلك اليوم؛ لأنه يوم عظيم جداً. الكلمات تتقاصر عن وصفه، والأفكار تتقاصر عن تخيل كنهه وما يكون فيه من المشاهد المهيبة، وهو في النهاية يشكل لكل إنسان فينا نقطة النهاية. اليوم الآخر يشكل لكل واحد فينا نقطة النهاية بعد لهث الحياة الدنيا وبعد المعارك الطويلة؛ سيأتي يوم يتحدد فيه مصيرك، وهل هي السعادة الأبدية أو الشقاء الأبدي؟ هذا اليوم سيختزل كل مشهد الحياة الدنيا في حكم إلهي، إما من يؤتى كتابه بيمينه وإما أن يؤتى كتابه بشماله. فلما تتكلم عن المشهد الأخير، الأصل أن هذا الأمر يأخذ بعداً كبيراً في قلبك من الخوف والوجل والإشفاق والاستعداد الجيد قدر المستطاع، لعل النهاية تكون سعيدة.

سورة النازعات إذاً هي من السور التي تكلمت عن هذا ابتداءً، ثم تكلمت عن المطلوب من الإنسان انتهاءً: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 37-41]. كما يقولون: خير الكلام ما قل ودل، بعيداً عن كثرة المحاضرات والإسهابات، تأتيك الآيات القرآنية تفصل الخلاصة: إذا فعلت هكذا ستذهب إلى الجنة، وإذا سلكت الطريق الآخر ستذهب إلى النار. المعاد لا يوجد شيء عظيم تحتاج أن تفهمه أو شيء غامض يحتاج إلى عقول جبارة، وإنما تحتاج العمل. العقيدة الإسلامية والأفكار القرآنية سهلة واضحة، لكن العبرة من يتمسك بها ومن يعمل على ضوئها. نشرع إن شاء الله ونرى معالم هذه السورة، وكيف تكلمت وعززت عقيدة الإيمان باليوم الآخر في قلوب الصحابة المكيين الذين تنزلت عليهم هذه السورة في مكة قبل أن يهاجروا إلى طيبة الطيبة، وما الأثر الذي تتركه في نفس المتلقي لها.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجِ المستضعفين من المؤمنين. ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.

نعم، هنا انتهى المقطع الأول من سورة النازعات، وهناك احتفاء في القرآن متكرر في موضوع الملائكة عموماً، والله سبحانه وتعالى يذكرهم ويقسم بهم في أكثر من سورة. فعندنا في سورة الصافات: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: 1-3]. عندنا في سورة المرسلات: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات: 1-4]. عندنا سورة النازعات، وأشهر ما قيل في هذا القسم أنه قسم بالملائكة: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.

هناك احتفاء قرآني بموضوع الملائكة باعتبارهم مخلوقات عظيمة؛ أولاً لا يشاهدها الإنسان، لكن الإيمان بها كما قلنا سابقاً هو ركن عظيم من أركان هذا الدين، ومن لا يؤمن بالملائكة هو كافر؛ من لا يؤمن بوجود هذه المخلوقات خرج من الإسلام؛ لأن أركان الإيمان ستة: أن تؤمن بالله وملائكته. فبعد الإيمان بالله يجب أن تحقق الإيمان بالملائكة؛ فمن نازع بوجود الملائكة كفر، مخرج من الإسلام؛ هذه خطورة هذا الموضوع.

ثم الله سبحانه وتعالى يريد أن يريك هذه المخلوقات التي لا تعارض ربها سبحانه وتعالى، وتنفذ أحكام الرب في مملكته. فتخيل هذه الملائكة؛ في سورة المرسلات موضوع إنزالها بالوحي كان هذا هو فكرة الأقسام بالملائكة، قضية أنها تقوم بإيصال الرسائل الإلهية والوحي إلى الأرض عذراً أو نذراً. في سورة الصافات: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾، الملائكة المتعبدة لله التي تصف عند ربها والتي تتلو كتاب ربها سبحانه وتعالى والتي لا تفتر عن ذكره. هنا في سورة النازعات: الملائكة التي تسبح وتسير في هذا الكون لتدبير الأمور التي يرسلها الله سبحانه وتعالى لتدبيره.

ودعونا ننظر ماذا قال النسفي في تفسير: ما هو النزع، وما هي الناشطات، وما هي السابحات؟ حتى نعرف طبيعة الوظائف التي تتكلم عنها هذه الآيات. قال رحمه الله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. لا وقف إلا هنا، ولزم هنا؛ لأنه وصل، قال: لا وقف إلا هنا، ولزم هنا. يعني هذه الآيات مترابطة مع بعضها البعض، فأنت لا تقول: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ وتسكت بمعنى تقطع القراءة. الآن الوقوف على رؤوس الآي ما في مشكلة، لكن المراد لا يصلح أن تقطع القراءة هنا؛ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾، الله أكبر وتركع، مش راح يزبط، لا بد تكمل المعنى إذا كنت في قراءة أو في صلاة أو شيء، لا بد تكمل الآيات الخمس حتى تعطي معنى كاملاً.

إذاً لا وقف إلا هنا، فلا تقطع القراءة قبل الآية رقم خمسة كمقطع متكامل. قال ولزم هنا، أي ويجب الوقف هنا عند الآية الخامسة ولا ينبغي أن توصل الآية الخامسة قراءةً بالآية السادسة، يعني لا يصح أن تقول: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾. لو إمام قرأ بهذه الطريقة خطأ؛ لأنه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ دخول على موضوع آخر، لأنه إذا قلت ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا * يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، ماذا ستتوهم؟ أنها تدبر الأمر يوم ترجف الراجفة، والكلام عن الدنيا وليس عن يوم الآخر. فالوقف الصحيح أن تقول: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ انتهى، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، تبعها ﴿الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾، هذا مقطع آخر يتكلم عن قضية أخرى. لذلك معرفة أماكن الوقف والابتداء مهم جداً لمن يريد أن يتدبر القرآن، علم الوقف والابتداء يعرف الإنسان أين انتهت الفقرة، أين شرعنا في فقرة جديدة، مهم جداً.

طيب، قال لأنه لو وصل لصار يوم ظرف للمدبرات، وقد انقضى تدبير الملائكة في ذلك اليوم. يعني وقد انقضى تدبير الملائكة؛ ماذا يقصد انقضى تدبير الملائكة في ذلك اليوم؟ الآن هل الملائكة لها وظائف في اليوم الآخر؟ نعم لها وظائف، فكيف يقول النسفي: وقد انقضى تدبير الملائكة في ذلك اليوم؟ إذا كان يقصد التدبير الدنيوي، أي نعم؛ إذا كان يقصد التدبير الدنيوي، فيوم القيامة ملف آخر، انتهى تدبير الدنيا وبدأ تدبير الآخرة. لكن أن يكون المراد أن الملائكة ينتهي دورها في الدنيا وليس لها دور في الآخرة، هذا كلام غير صحيح، وهذا مخالف للنصوص التي تدل على وجود خزنة لجهنم وخزنة للنار، وأناس يسوقون الناس للحساب. فالمراد "وقد انقضى تدبير الملائكة"، أي تدبيرهم لأمور الأمطار وأمور الأرواح، الأمور الدنيوية، نعم انتهت هذه في الدنيا.

طيب، أقسم سبحانه، قال: أقسم سبحانه بطوائف الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد غرقاً، أي إغراقاً في النزع. طيب، إذاً نبدأ بالقسم الأول، هذا أسلوب قسم. ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾، النازعات قالوا هي الملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد، فقال: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ يعني إغراقاً، والإغراق في الشيء ما هو يا مشايخ؟ التعمق فيه. أنا والله عندي إغراق في الدراسة، ايش يعني؟ تعمق، إغراق في هذا الموضوع يعني تعمق. فـ ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ أي والنازعات على وجه التعمق والإغراق؛ لأن نزع الروح يبدأ من أين؟ من أصابع القدم، فتبدأ الملائكة تنزع الروح من أصابع القدم رويداً رويداً ومن الأطراف حتى تأتي اللحظة الأخيرة وتخرجها من جسدك، فهي تغرق إغراقاً في نزع الروح، هذا هو وجه الإغراق المقصود هنا. أي إغراق في النزع، أي تنزعها من أقاصي الأجساد، من أبعد نقطة في جسدك، من أصابع قدمك، تبدأ الملائكة بالسحب. تمام، إذاً تنزعها من أقاصي الأجساد، من أناملها ومواضع أظفارها.

ثم قال: وبالطوائف التي تنشطها، أي تخرجها من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، ثم قال ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾. إذاً أولاً أقسم بالملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد نزعاً من العمق، والنازعات غرقاً، يعني أقسم بالملائكة النازعات للأرواح نزعاً فيه إغراق وبُعد، لما يبدأ بسحب الروح من أقاصي جسدك. والأقسام بهذا النوع من الملائكة هو أقسام بملك الموت وملائكة الموت التي تسير معه.

ثم قال: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾، جعلها النسفي الملائكة التي تتولى إخراج الروح من الجسد؛ يعني كأنه جعل هناك ملائكة تبدأ بسحب الروح، وهناك ملائكة تقوم بماذا؟ بإخراجها من الجسد، كان هناك وظيفتين، وظيفة بداية السحب، ثم وظيفة الإخراج. لذلك قال: وأقسم بالطوائف التي تنشطها، أي تخرجها، من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها من البئر، فمعنى نشطت الروح أو تم نشط الروح، يعني إخراجها من الجسد. نعم، قال: وبالطوائف التي تسبح في مضيها أي تسرع، تسبق إلى ما أُمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد مما يصلحهم في دينهم أو دنياهم كما رُسم لهم. ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ هي الملائكة التي تسير في هذا الكون لتدبر أمور العباد من الرزق والمطر والغيث وما شابه ذلك، ولفظ السبح ورد معنا أيضاً في سورة المزمل: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7]، فكلمة السبح هي تدل في العربية على الحركة، الحركة المستمرة، السباحة حتى هي السباحة مأخوذ من ذلك لأن هي حركة مستمرة دؤوبة. فيقول: وأقسم أيضاً بالطوائف التي تسبح في مضيها، تسبح يعني تسرع؛ هذا معنى السبح هنا، تسرع فتسبق إلى ما أُمروا به، كأنها تتسابق إلى تنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى، فتدبر أمراً.

والناشطات نشطاً، نعم، قال أو بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيها الأعنة لطول أعناقها لأنها عراب. إذاً هو مباشرة قال: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾. الآية ثلاثة وأربعة وخمسة هذول مع بعض، يعني الكلام عن صنف معين من الملائكة، الملائكة التي تسبح وتسرع لتنفيذ الأوامر، فتتسابق من أجل الوصول إليها، فتحصل في النهاية تدبيراً لأمر الله؛ لأنه هي معطوفة على بعضها بالفاء، ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ﴾، إذاً هو يتكلم عن نفس النوع، لكن في الأول قال ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ لما عطف بالواو، الواو تدل هنا عموماً على المغايرة بين النوعين أساساً، يعني ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ صنف، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ صنف، ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ صنف، ثم هذا الصنف قال ﴿فَالسَّابِقَاتِ * فَالْمُدَبِّرَاتِ﴾، فإذاً هو يتكلم في الآية الثالثة والرابعة والخامسة عن ذات الصنف الذي يسبح سبحاً، يسرع إسراعاً لتنفيذ أوامر الله، حتى يشعر الرائي كأنهم يتسابقون من أجل تنفيذ هذا الأمر، فتحصل في النهاية النتيجة المطلوبة أنهم يدبرون الأوامر، وكأن هذه رسالة للإنسان أنه يجب.

عليك أن تحاكي الملائكة في تنفيذك لأوامر الله سبحانه وتعالى. نعم العبد الذي يسبح سبحًا في تنفيذ أوامر ربه سبحانه وتعالى وطاعته، فيتسابق إلى مرضاته، فيدبر ما يريده سبحانه وتعالى. أن يكون الأصل في العبد المؤمن أن يحاكي الملائكة في الإسراع والتنافس والمسابقة؛ هذه من الإشارات التي قد تؤخذ من الآية.

التفسير المشهور هنا انقسام بالملائكة، هل هناك احتمالات أخرى أن يكون هي المرادة في الآيات؟ لأن كلمة والنازعات والناشطات وهذه طبيعة القرآن، تأتي عبارة عامة تحتمل عدة وجوه. بعض المفسرين قال لا، قال هذا الإقسام هنا ليس بالملائكة أصلاً، إنما الإقسام هنا بالخيل، فنازعات والناشطات والسابقات والسابقات هي خيول يقسم الله بها.

فلنرى ما المراد بالخيل هنا، قال أو بخيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعًا، تغرق في الأعنة لطول أعناقها؛ لأنها خيل عراب. الخيل العراب هي الخيل الأصيلة، وهذه تكون أعناقها فيها طول، ولذلك تجد رقابها طويلة وتنزع هكذا في أعنتها أي في زمامها. الخيل لما يرفع رأسه هكذا وهو يكون مشدودًا بالحبل، تجده يحاول دائمًا أن يرفع رأسه إلى أعلى، هذه الحركة سماها والنازعات غرقًا، حركة الخيل وصاحبها يمسك لجامها وهي تحاول أن ترفع رأسها أكثر وأكثر حتى تخرج عن سيطرة صاحبها؛ إذ تغرق في الأعنة التي هي بيد خيالها، لماذا تغرق في الأعنة؟ قال لطول أعناقها لأنها خيل عراب.

ثم قال والناشطات نشطًا، قلنا ما معنى ناشطة؟ هي من الخروج، فيقول ما معنى والناشطات نشطًا؟ قال الخيل التي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب. هذه التفسيرات تفسيرات إيمانية، لا يوجد شيء يلزمنا أن تكون هي خرجت من دار الإسلام إلى دار الحرب؛ خرجت في غزوة، خرجت في أمر، فهذه الإضافات تكون من المفسرين من باب ما يمكن أن يقصد. والناشطات يعني الخارجات خروجًا، خارجات إلى أين؟ إلى مقاتلة الكافرين مثلًا، أو من دار الإسلام إلى دار الحرب، من قولك ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد.

ثم قال والسابقات، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية، فتدبر أمر الغلبة والظفر. إذا قلنا هنا السابحات أيضًا هي الخيل، يعني الخيل تسرع في ركضها فتسبق بعضها بعضًا، فالسابقات سبقًا فالمدبرات أمرًا؛ يعني أنها تصل إلى نهاية المضمار فتظفر بالرهن. هذا كلام عن الخيل التي تتسابق، التي تكون في مضمار وتتسابق حتى تفوز؛ تعرف سباق الخيل، فيقول والسابحات عن الخيل التي تسرع في الركض في أثناء المنافسة، فالسابقات سبقًا كل حري على أن يسبق صاحبه، فالمدبرات أمرًا قال فتدبر أمر الغلبة والظفر، يعني تفوز بالسباق. العرب كانت تنشئ مسابقات الخيول، والنبي صلى الله عليه وسلم عمل مسابقة بين الخيول بين الصحابة الكرام، وفرق بين نوع من الخيول أعطاه مسافة قصيرة، ونوع آخر من الخيول أعطاه مسافة طويلة، فمسابقات الخيول والظفر بها معروفة عند العرب. وإن كنت أنا أميل إلى أن المراد هنا الملائكة، لكن القرآن حمال وجوه، ممكن بعض المفسرين يحملها على الملائكة، وبعض المفسرين يحملها على الخيول.

هناك أيضًا من حملها على النجوم؛ قال وإسناد التدبير إليها لأنها من أسبابه. هو يقول لماذا فالمدبرات أمرًا؟ هل يجوز أن نقول إن الخيل مدبرات لأمور مع أنها غير عاقلة؟ هل يصح أن تقول عن الخيل أنها مدبرات للأمور؟ يقول هي كانت سببًا من أسباب حصول الظفر، فهي باعتبارها سببًا ما في مشكلة نقول أنها مدبرات أمور. قال وإسناد التدبير إليها إلى الخيل لأنها من أسبابه، أي هي سبب لحصول الظفر فلا إشكال أن تقول أنها مدبرات، وإن كان المدبر حقيقة هو خيالها وصاحبها، لكن إسناد التدبير إليها باعتبارها سببًا من الأسباب.

أو بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب؛ الاحتمال الثالث أن يكون القسم هنا بالنجوم، فيكون المعنى والنازعات غرقًا أقسم بالنجوم التي تنزع من المشرق إلى المغرب، وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله حتى تنحط في أقصى المغرب؛ مثل الشمس تخرج من جهة المشرق وهي نجم، فتصل بعد ذلك إلى جهة المغرب. فمعنى والنازعات على هذا التفسير يعني أقسم بالنجوم التي تنزع أي تنتقل من المشرق إلى المغرب نزعًا فيه إغراق، والإغراق هي الحركة العميقة في الفلك هكذا يقول النسفي.

والناشطات قال والتي تسبح في الفلك من السيارة، والتي تخرج من برج إلى برج، أن نشط بمعنى خرج. خلاص، اتفقنا نشط بمعنى خرج سواء في الملائكة ولا في الخيل ولا في النجوم، فبدأ يفسر لي الخروج في كل مخلوق من المخلوقات؛ هنا فسر النجوم كيف تنشط، أي تخرج من برج إلى برج، يعني من منزلة من منازل السماء إلى منزلة أخرى. معنى والسابحات، أي النجوم التي تسبح في الفلك من السيارة، فتسبق فتدبر أمرًا من علم الحساب؛ هنا أشعر أنه صار في نوع من التكلف قليلًا في تحليل الأمور، ولو ترك الأمر على الملائكة أراح نفسه، فقضية خرج من برج إلى برج وأنها تسير فتسبق فتدبر أمرًا من علم الحساب، أنا لا أستطيع أقول خطأ، لكن أشعر أن فيه بُعدًا ليس هو المعنى المتبادر إلى الذهن من تفسير الآيات.

المهم كل هذا إخواني عبارة عن ماذا؟ عن قسم، كل هذا والنازعات، الله يقول أقسم بالنازعات غرقًا، وأقسم بالناشطات نشطًا، وأقسم بالسابحات سبحًا، فالسابقات سبقًا، فالمدبرات أمرًا. على ماذا؟ أين المقسم عليه؟ محذوف، لكنه مفهوم في السياق. قال وجواب القسم محذوف، التقدير أقسم بالنازعات وما بعدها لتبعثن من قبوركم، لأنه هي قضايا جزء عم في العادة، هي قضايا الحديث عن اليوم الآخر، جزء عم تتحدث لك عن اليوم الآخر وقضايا التوحيد، الله يقسم بالملائكة أو بالخيول أو بالنجوم سيقع اليوم الآخر سيقع. مهم جدا تفهم القرآن، أنه الناس تقرأ والنازعات غرقًا وهي مش فاهمة أنه هذا قسم وأنه هناك شيء الله يقسم عليه، وإن كان لم يذكر في الآية لكنه مفهوم من سياقها، الشيء المقسم عليه هو البعث، أقسم بالنازعات لتبعثن من قبوركم.

قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ * يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: 6-14]. الآيات جميلة في رسمها المشهد؛ مشهد هذا الكافر المعاند الذي بقي في الدنيا يتشكك في موضوع الدار الآخرة، وفجأة إذا به يجد نفسه في الدار الآخرة، فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهره، وجد الحقيقة أمامه. مشى ذلك الكافر اللي عم يتفلسف في الدنيا: يا أخي معقول في دار آخرة؟ يا أخي إذا كنا عظامًا نخرة بالية من سيعيد بعثنا؟ حالة التشكك والتردد، الآية تحسمها بجملتين، فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة. أنت بدك تظلك متشكك وغير مبالٍ وغير مهتم وتطرح للناس هذه الشكوك؟ خلك في حالك، هي فقط صرخة واحدة ستجد الحقيقة ماثلة أمامك. دعونا ننظر كيف رسمت الآية حال هؤلاء المتشككين في موضوع الدار الآخرة.

قال سبحانه: يوم ترجف؛ تتحرك حركة شديدة، الرجف هو الحركة الشديدة، واحد يرجف ايش يعني؟ يعني تجد حركة شديدة هكذا باضطراب صحيح، فلان يرجف من البرد كأن تضطرب يداه ورجلاه، فالرجف هو نوع من الحركة المضطربة السريعة، إذا يوم ترجف أي تتحرك. الراجفة، النفخة الأولى؛ وصفت بما يحدث بحدوثها لأنها تضطرب في الأرض حتى يموت كل من عليها.

الآن يقول يوم ترجف، يعني تتحرك الراجفة حركة شديدة، هذا التقدير: يوم تتحرك الراجفة حركة شديدة، والرجفة شدة الحركة. يعني إذا الرجف هو ليس أي حركة، وحركة شديدة. هو سؤال، الراجفة ما هي؟ النفخة الأولى، مش إسرافيل سينفخ النفخة الأولى في الصور؟ طبعًا النفخة الأولى هي تقضي على كل من يكون موجودًا في تلك الآونة، كل من بقي على وجه الأرض من مخلوقات سيموت ويهلك مع النفخة الأولى، فالله سبحانه وتعالى سمى النفخة الأولى ماذا؟ راجفة. الراجفة اسم فاعل، نقول يوم ترجف يعني تتحرك الراجفة، هل النفخة هي راجفة؟ أم تسبب الرجفان؟ النفخة نفسها هي كنفه ليست ترجف، هي ثابتة في يد إسرافيل. طب لماذا سميت راجفة إذا هي لا ترجف؟ لأن أنا بفهم الراجف هو الذي يرجف، فلماذا سميت راجفة؟ قال سميت راجفة ليس لأنها هي التي ترجف، بل باعتبار ما تسببه من رجفان في الأرض واضطراب في الأرض، فهذه تسمية للشيء باعتبار ما يسببه وليس باعتباره هو؛ فهي كنفخة ليست مضطربة، الاضطراب فيما تسببه، ماذا تسبب؟ اضطرابًا في كل المخلوقات التي على وجه الأرض، حيث كلها تضطرب ترجف وتهلك. كيف يكون عندك شيء بس حرك الصحن هيك، كله بيتحرك ويسقط، هذا الذي سيحصل، أن كل المخلوقات مع الصرخة الأولى تتحرك حركة سريعة ورجفة شديدة وتهلك مرة واحدة. لذلك قال النسفي الراجفة هي النفخة الأولى؛ وصفت وسميت راجفة باعتبار ما يحدث بحدوثها، يعني ما تسببه من رجفان على وجه البسيطة، لأنها تضطرب بها الأرض. لما إسرافيل ينفخ النفخة الأولى الأرض كلها تضطرب هكذا، كما يكون معك شيء هكذا يضطرب ويسقط.

تتبعها حال من الراجفة الرادفة، النفخة الثانية تتبعها حال من الراجفة، التقدير يوم ترجف الراجفة حالة كونها تتبعها الرادفة، الآن لسه ما اكتملت الجملة، يوم ترجف الراجفة حالة كونها تتبعها الرادفة، قلوب يومئذ واجفة. فالتركيز هو على قلوب يومئذ واجفة، بس متى ستكون هذه القلوب واجفة؟ وأعطاك التسلسل الزمني، يوم ترجف الراجفة حالة كونها تتبعها الرادفة، عندئذ ستجد القلوب الواجفة الخائفة المضطربة. إذا قال تتبعها، حال من الراجفة، قال الرادفة النفخة الثانية، لأنها تردف الأولى، هي معنى الرديف من ردفك الذي يأتي بعدك، كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته، ايش يعني كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته؟ خلفه، فالرديف هو الذي يأتي بعدك، إذا تتبعها الرادفة، الرادفة هي النفخة الثانية في الصور، وإسرافيل سينفخ النفخة الثانية معلنًا البعث. قال وبينهم أربعون سنة والأولى تميت، والله أعلم، هل بين النفخة الأولى والنفخة الثانية هل بينهما أربعون سنة؟ هذا يروى في الإسرائيليات لكنني لا أعلم حديثًا صحيحًا في إثبات ذلك.

والأولى تميت الخلق والثانية تحييهم. قلوب يومئذ، قلوب منكري البعث واجفة مضطربة من الوجيف وهو الوجيب. قلوب يومئذ ستجدونها وترونها واجفة، طبعًا هو جعل القلوب هنا قلوب منكري البعث، لكن عمومًا حتى قلوب المؤمنين أيضًا سيكون فينا خوف في اضطراب، وأنه أيضًا المشهد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، وقال بانتصار فقال قلوب يومئذ واجفة، ايش يعني واجفة؟ مضطربة. لاحظ كيف التعبيرات القرآنية هنا متناسقة؛ ما دام بدأنا بقوله سبحانه وتعالى يوم ترجف الراجفة، يناسبها أن تقول قلوب واجفة، شوف راجفة وواجفة بينهم فرق بحرف واحد، وهذا ما يسمى الاشتقاق الكبير عند الصرفيين، أنه هذه الكلمات في علم الصرف تكون لها تناسبات لغوية، لأن معنى واجفة وراجفة اضطراب، ومعنى واجفة برضه اضطراب، صح الفرق راء وواو، لكن المعنى العام الذي تدور عليه الكلمتان معنى متقارب، هو الاضطراب وعدم الثبات وعدم الاستقرار. فلذلك القرآن يختار ألفاظًا تتناسب ضمن سياق معين وخاصة حتى تتناسب لفظيًا، تسمع الإيقاع في الصوت واحد: راجفة واجفة، وهذا بحد ذاته صور من صور الإعجاز البلاغي واختيار الألفاظ المتناسبة. إذا واجفة أيضًا بمعنى مضطربة من الوجيف وهو الوجيب والواجب، يقول وجب الشيء إذا سقط، وجب الشيء إذا سقط واضطرب، ومنه وجيب القلب، قالوا وجيبانه اضطرابه وسقوطه، فالوجيب والوجيف هو بمعنى اضطراب وسقوط.

انتصاب يوم ترجف بما دل عليه قلوب يومئذ واجفة، أي يوم ترجف وجفت القلوب؛ إذا التقدير قلوب واجفة يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة، فالآية فيها تقديم وتأخير، وهذا أيضًا من بلاغة القرآن التي ينبغي على الإنسان أن يحسن فهمها، أن القرآن يقدم ويؤخر حتى يركز على قضايا معينة، فلأن الكلام عن الدار الآخرة قدم ذكر الظرف، لكن أصل تركيب السياق هكذا قال سبحانه وتعالى: والنازعات غرقًا، والناشطات نشطًا، والسابحات سبحًا، فالسابقات سبقًا، فالمدبرات أمرًا، لتبعثن. أقسم على البعث، ثم قال قلوب يومئذ.

قلوب يومئذ واجفة. نعم، قال ارتفاع قلوب بالابتداء، وواجفة صفتها، وأبصارها خاشعة ذليلة لهول ما ترى خبرها. يقول النسفي هكذا فسر الآية، يقول: قلوب واجفة هذا ليس مبتدأ وخبراً. هل قلوب مبتدأ وواجفة خبر؟ النسفي على الأقل يقول لك لا، واجفة هذا نعت لقلوب، قلوب واجفة. طب أين الخبر؟ إذا في مبتدأ لازم خبر، زيد نشيط، محمد قائم، أي مبتدأ في اللغة العربية يحتاج إلى خبر. قلوب صفتها أنها واجفة، طب ما الخبر؟ ماذا يريد الله أن يخبر عن هذه القلوب؟ يريد أن يخبر عنها أن أبصارها خاشعة. قلوب صفتها أنها واجفة، هذه القلوب سأخبركم عنها: أبصارها خاشعة.

طبعاً صحيح الأبصار تعود على القلوب لكن المراد أبصار الأجساد التي فيها القلوب؛ فالضمير وإن عاد على القلوب لكنه في الحقيقة يعود على الأجساد التي توجد القلوب في داخلها. كيف يعني أبصارها خاشعة؟ تقول قلوب واجفة، أبصارها خاشعة، أبصارها الضمير يعود على ماذا؟ نعم على القلوب، لا، كَسياق قلوب واجفة أبصارها خاشعة، أبصار إيش؟ أبصار القلوب؟ هكذا أنت ستُرجع الضمير. طب هل القلوب لها أبصار؟ فالمراد أبصار أصحاب القلوب، لازم تقدر هذا التقدير حتى يكون الكلام مفهوماً واضحاً. إذاً أبصارها هو نفس الناس، ماذا قال؟ أبصار أصحاب القلوب خاشعة، يعني ذليلة تشعر بالرهبة والخشية والخشوع من هول ذلك اليوم. قلوب يومئذ واجفة، يعني قلوب واجفة ستجدون أبصارها خاشعة في تلك الساعة.

يقولون: أي منكر البعث في الدنيا استهزاء وإنكاراً للبعث، الآن هو يريد هذه جمالية القرآن كيف تتكون فجأة في الآخرة، مرة واحدة يرجعك للدنيا. نحن الآن كنا نتكلم عن القلوب الواجفة والأبصار الخاشعة وهذا سيكون يوم ترجف الراجفة، فجأة هؤلاء الذين تراهم، تعال أقول لك شو كانوا في الدنيا يعملون، مباشرة أعادك إلى الدنيا لما كانوا يستهزئون بيوم القيامة. هؤلاء الذين ستراهم مضطربين خائفين وجلين في يوم القيامة، كانوا يقولون في الدنيا: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. كانوا يقولون هذا الكلام استهتاراً واستهزاءً. إذا يقولون أي منكر البعث في الدنيا استهزاء وإنكاراً للبعث.

يقولون: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾. هذا متى كانوا يقولونه؟ في الدنيا. هذه أسلوب القرآن أنه يرجعك مرة واحدة للدنيا، هؤلاء الذين سترونهم بهذا الاضطراب، هذا كان حديثهم في الدنيا، كانوا يقولون: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ أي سنعود مرة أخرى بعد أن نموت. الآن دعونا نحلل معنى كلمة الحافرة هنا، قال: ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، استفهام بمعنى الإنكار، أي أنرد بعد موتنا إلى الأول؟ هو استفهام استنكاري منهم، معقول في دار آخرة؟ معقول سنعود مرة أخرى؟ نحن نستبعد ذلك، هكذا كانوا يقولون.

قال: والحافرة الحالة الأولى. يقال ما معنى كلمة الحافرة في اللغة؟ الحافرة هي الحالة الأولى، يعني إذا بلينا وتلفت أجسادنا في الأرض هل سنعود كما كنا في الحالة الأولى؟ هل سنرد على حالتنا الأولى نعود أجساداً مرة أخرى نتنفس ونعيش؟ وهل هذا سيكون؟ فالحافرة كنا أجساداً قبل ذلك. يقال لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي حالته الأولى. إذاً هذا أسلوب عربي، يقال هذا عند العرب، يقال لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه رجع إلى حافرته، يعني واحداً كان في الجامعة بعدين طلع منها بعدين رجع لها شو بتقول له؟ رجع إلى حافرته أي إلى حالته الأولى زي ما كان.

هكذا العرب تتكلم، نحن بعدنا عن لغة العرب فصرنا نستغرب بعض الأساليب لكن هي هكذا. فالعرب إذا أرادت أن تقول فلان رجع، نحن ايش عندنا من الأمثال العربية؟ رجع لعادته القديمة مثلاً، إحنا شو بنحكي؟ رجعت حليمة لعادتها القديمة، أحسنت، يعني رجع على نفس الأسلوب بعد ما تركه، لما يكون عنده عادة معينة يخرجها أو موقف معين يتركه ثم يعود إليه نقول عاد إلى ما كان عليه. فهذا معنى الحافرة العودة إلى الحالة الأولى. فهم مستبعدون أو كانوا مستبعدين أنه إذا بلينا في الأرض هل يمكن يكون هناك حافرة، يعني عودة إلى الحالة الأولى ونخرج مرة أخرى ونعيش ونتنفس، يعني في شيء زي كذا مستبعدين هذا.

قالوا: النقد عند الحافرة، أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة. نعم العرب أيضاً تقول النقد عند الحافرة، النقد يعني دفع المال، النقد هو دفع المال، يقولون عند الحافرة أي عند ماذا؟ الصفقة. الآن متى الإنسان الأصل يدفع المال للبائع؟ عند الصفقة، وهنا الحافرة طب هو سؤال، الحالة الأولى لماذا سميت حافرة؟ يعني هذا رجعه للمسألة أصلاً إحنا الحالة الأولى فلان دخل على شيء خرج منه بعدين رجع له نقول عاد في الحافرة. الحافرة لو أتيت للجذر اللغوي من ايش يا مالك؟ من حفرة صح، حافرة اسم فاعل من الفعل حفر، إذا أنت تتكلم عن شيء حفرته بعدين تركته بعدين رجعت لنفس الحفرة تماماً. حفر حفرة ووقع فيها، مش بقول لك حفر حفرة ووقع فيها، فالحافرة من حافر الفرس لما يحفر في الأرض، فالإنسان إذا فعل شيئاً حفره، هو بدأ مشروع في حياته بعدين تركه بعدين رجع لهذا المشروع، يقول رجع للحفرة اللي حفرها هنا.

الحفرة بالمعنى البلاغي الشيء الذي أسسته، مش أنت بتحفر حفرة في الحياة قد تكون حفرة حسية وقد تكون حفرة معنوية، مثلاً بدأت تدرس تخصصاً معيناً هي حفرة، بلشت أعملها في الحياة، حفرة معنوية، بدأت تؤسس شيئاً في حياتك، إذا خرجت منه ثم رجعت له فانت عدت لنفس الحفرة الأولى اللي أنت حفرتها، هيك العرب تقول. فنفس الشيء يقولون مثلاً الصفقة لما الإنسان بده يعمل عقداً تجارياً يبيع ويشتري ويصير إيجاب وقبول، كأنه هنا ايش بيعمل؟ بيعمل حفرة، يعني عم بيعمل حفرة معنوية، هون حفرنا خلص، ها السيارة صارت لي وهذا المال صار لك، فيقول النقد عند الحافرة ويقصدون بالحافرة إيش؟ الصفقة التجارية، باعتبار أنه لما يصير بيع وشراء كأنه نحن هون حفرنا شيئاً فلازم تسلم المال عند الحفرة، حفرناها.

بس الحفرة هنا أنتم شايفين هي كلام مجازي لأي مشروع تؤسسه، أي عقد تعقده، أي جهة تكون فيها هي حفرة أنت كنت فيها بعدين طلعت منها بعدين رجعت لها مرة أخرى، لذلك حتى شفت التعبير القرآني ﴿أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، كأنها حفرة أنت طلعت منها ثم عدت، مردود رجعت لنفس الحفرة اللي حفرتها. بس الحفرة هنا المراد الحالة الأولى، جعل الحالة الأولى كأنها حفرة.

قال: أنكروا البعث ثم زادوا استبعاداً فقالوا ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾، بالية، ناخرة كوفي غير حفص، إذاً هو استبعاد بعد استبعاد، مركزين هم شو بيعملوا الكفار؟ أول شيء شو قالوا؟ ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، يعني فهمنا، معقول أننا سنرجع إلى نفس حالتنا الأولى إذا متنا خلص راح كل شيء؟ بعدين استبعاد آخر قالوا ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾، إذاً هذا الاستفهام الثاني ما مقصوده؟ استبعاد بعد استبعاد، لاحظتم ماذا قال النسفي؟ ثم زادوا استبعادات. فقالوا ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً﴾، التقدير: أإذا كنا عظاماً نخرة، نخرة يعني ايش؟ بالية تالفة سنبعث؟ هذا تقدير الآية: أإذا كنا عظاماً بالية سنبعث، سنخرج مرة أخرى، لا لا هذا كلام مش صحيح هكذا قالوا.

قال: ونخر أبلغ من ناخرة، يقال نخر العظم فهو ناخر فهو نخر، وهناك قراءتان، قراءة ناخرة وقراءة نخره، أيهما أبلغ يا شيخ محمد؟ تمام لماذا نخر أعلى من ناخرة؟ هي مرت معنا الدرس الماضي في كلمة لبث، أحسنت، لبث ولبث، نعم سورة عم، نفس الشيء هنا ناخرة ونخرة. الناخر اسم فاعل ونخر صفة مشبهة، والصفة المشبهة تدل على الثبوت واللزوم، وأما اسم الفاعل فإنما يدل على الحركة والحدوث فقط، فلذلك ماذا قال؟ قال هناك قراءتان قراءة إذا كنا عظاماً نخره، وهناك من قرأها إذا كنا عظاماً ناخرة، والمعنى أن نرد إلى الحياة بعد أن صرنا عظاماً بالية، وإذا منصوب بمحذوف وهو نبعث، نعم يعني أإذا كنا عظاماً بالية سنبعث، بعيد جداً هكذا قالوا.

قالوا: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾، رجعة ذات خسران أو خاسر أصحابها، والمعنى أن إن صحت وبعثنا فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم، يعني قالوا والله إذا بعثنا والله إنها ورطة، استهزئوا قالوا تلك إذاً، إذا بعثنا أخرى، تلك إذاً كرة خاسرة، هم يعني صدقوا وهو كذوب، فعلاً إذا بعثت مرة ثانية ستكونون في خسارة، وهذا الذي سيحصل فعلياً أنكم ستكونون في خسارة، وإن كنتم تقولون هذا استهزاء لكنه سيحصل واقعاً.

قال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾، متعلق بمحذوف، أي لا تحسبوا تلك الكرة صعبة على الله عز وجل، فإنما هي سهلة هينة في قدرته، فما هي إلا صيحة واحدة، يريد النفخة الثانية، إذاً الزجرة هي النفخة الثانية نفسها، زجرة واحدة، وسميت زجرة لأنها تزجر الناس من قبورهم، كيف واحد بيجي بيزعجك بيصحيك من نومك، قوم قوم يا فلان هذا اسمه زجر، لما أبوك يشوفك نايم ويجي يقومك على صلاة الفجر هو زجر، هذه ما تفعله الصارخة الثانية أنها تزجر الناس من قبورهم، أي توقظ من قبورهم فسميت الزجرة لأنها تصيح توقظ تنبه ليستيقظ، نعم من زجر البعير إذا صاح به. فإذا هم بالساهرة، فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كان، فإذا هي هنا حرف مفاجأة، إذا هنا حرف للمفاجأة تفيد معنى المفاجأة، يعني فجأة إذا هم بالساهرة، والساهرة هي أرض يوم القيامة، الساهرة هي الأرض التي يكون عليها المحشر يوم القيامة، وقيل الساهرة أرض بعينها بالشام إلى جنب بيت المقدس أو أرض مكة أو جهنم، في هناك أظن من أحد أبواب المسجد الأقصى باب ساهره، صح يا شيخ مالك؟ أبواب المسجد القديم باب الساهرة، فيقال الساهرة هي منطقة أصلاً في بيت المقدس، وما هو معلوم أصلاً أن البعث والحشر سيكون أين؟ في الشام، هي محط الصراع في الدنيا وفي الآخرة.

قال الله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ * فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ * فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 15-26].

هنا سورة النازعات اختصرت قصة موسى عليه السلام مع فرعون بهذا المقطع القصير، لكنه يعطيك الخلاصة، إيش كانت القصة من بدايتها وإيش كانت نهايتها. في سورة القصص وفي سورة الشعراء وسورة النمل كان في هناك تفاصيل كثيرة، لكن هنا الله عز وجل من باب إرعاب كفار قريش ورموزهم، أعطاهم القصة بالمختصر الذي يحتاجونه في هذه المرحلة المكية. هل أتاك حديث موسى؟ وطبعاً هنا الاستفهام وكان نوعاً من الحث، والله عز وجل يعرف كل شيء، قال هل أتاك حديث موسى؟ استفهام يتضمن التنبيه على أن هذا مما يجب، كيف مثلاً آجي أقول لك أنا حتى تفهم الأسلوب بتعرف شو صار مع فلان؟ أنا الآن أُشهد في لماذا بدأت أنا؟ الآن بدي أحكي لك القصة، أنا لسه ما حكيت لك إياها، مش أنت بتكون جالس مع أصحابك وتقول له بتعرف شو صار مع فلان؟ أنت بـ عارف ولا مش عارف؟ طيب ليش بتقول له هذا الكلام؟ ليش بتسأله؟ هذا مش قصدي إني أسأله، أنا قصدي إني أعمل عنصر انتباه ابتداء أنه آه شو صار معه؟ خذ المعلومة، فالسؤال فالاستفهام هنا الله عز وجل لا ينتظر جواباً، هو يعرف أنه قد يكون النبي عليه الصلاة والسلام قد تكون هذه أول مرة يحصل فيها هذه التفاصيل، فلما يقول لك هل أتاك حديث موسى هو يريد أن ينبهه إيش صار معه، هو يعلم أنك لا تعرف ذلك لكنه جذب انتباهك، طب يلا خذ القصة.

حين ناداه ربه بالواد المقدس طوى. حين ناداه هل أتاك حديث موسى؟ في أي موضوع؟ لأن أحاديث موسى عليه السلام كثيرة، والحديث الذي نقصد به هنا هو حديثه مع فرعون، وقت حين ناداه ربه. نعم، قال له: اذهب إلى فرعون على إرادة.

الوادي هو واد الطور عند جبل الطور، اسمه هذا الوادي ماذا؟ هو اسمه جبل الطور، والوادي الذي عنده يقولون اسمه طوى، هكذا كان اسمه، قد يكون قديماً، لا أعرف حديثاً الآن ما اسمه، لكن يقول بالوادي المقدس. الآن هناك جبل الطور وهناك واد مقدس كلم الله سبحانه وتعالى عنده سيدنا موسى. نعم، قال: اذهب إلى فرعون على إرادة القول إنه طغى، تجاوز الحد في الكفر.

لاحظ الوادي أصبح مقدساً، لماذا؟ لما حصل فيه من القداسة، لما حصل فيه من الأمور العظيمة، لما حصل فيه من كلام الله مع سيدنا موسى عليه السلام، وهذا يدل على أن المكان الذي يُسمع فيه كلام الله يحصل فيه شيء من هذه القداسة. المكان الذي يُسمع فيه كلام الله ويُتلى فيه يحصل شيء من هذه القداسة، لأن القداسة ما معناها؟ الطهارة، القداسة معناها الطهارة، فكل مكان يُقرأ فيه القرآن هو مكان طاهر. لذلك القرآن لماذا لا يُقرأ في دورات المياه؟ لأنه مقدس، ودورات المياه أماكن نجاسات، فعليك أن تنتبه لهذا.

نعم، قال: فقل هل لك إلى أن تزكى؟ هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان بالطاعة والإيمان؟ إذاً: اذهب إلى فرعون على إرادة القول، أي إرادة القول، إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى، اذهب إلى فرعون. تمام. نعم، يعني المراد فقال له اذهب إلى فرعون، ناداه بمعنى قال له اذهب إلى فرعون. نعم، قال: واهديك بتشديد الزاي حجازي، واهديك إنه طغى، أي تجاوز الحد في الكفر والفساد.

طيب، قال: فقل هل لك إلى أن تزكى؟ هل لك ميل إلى أن تتطهر من الشرك والعصيان؟ وهذه هي رسالة الإسلام أصلاً، هو أن يزكي الإنسان قلبه لله سبحانه وتعالى، ويطرد عنه أدران الشرك والفساد، ويعمر بالطاعة وبالتزكية بتشديد الزاي حجازي، تزكى على قراءة الحجازيين، وعمّ على قراءتنا تزكى بدون تشديد. نعم، قال: وأهديك إلى ربك، وأرشدك إلى معرفة الله بذكر صفاته، فتعرف فتخشى. طبعاً هنا بذكر صفاته، نعم.

وأهديك إلى ربك بمعنى أي هداية إلى الله سبحانه وتعالى، سواء بذكر صفاته، بذكر ثوابه، بذكر عقابه، بذكر أحكامه، المهم أن تصل إلى الله. وأهديك إلى ربك، شوف هذه العبارة الجميلة، وأهديك إلى ربك، أدلك على الله. هذه وظيفة الدعاة أصلاً، هذه هي رسالة كل داعية، وكل اتباع الأنبياء، هداية الناس إلى الله ليصلوا إلى الله سبحانه وتعالى، فهي العبارة جداً وقعها جميل على النفس. هل لك إلى أن تزكى هي رسالة الأنبياء، تزكية النفس والهداية إلى الله، أخليك توصل لربنا بدل ما أنت ضائع في معاصيك وذنوبك ونفسك، شو رأيك أهديك إلى الله عز وجل وأوصلك إليه؟

نعم، قال: فتخشى، لأن الخشية لا تكون إلا بالمعرفة، قال الله: فإذاً لما أهديك إلى الله، وهنا قال بمعنى أن أعرّفك بالله وبأحكامه. إذا عرفت الله حق المعرفة وعرفت أحكامه ماذا سيحصل؟ خشية، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. لا يمكن أن تصل إلى الخشية الحقيقية إلا عن معرفتك بالله، فكل من كان بالله أعرف كان له أخشى، وكان له أتقى، وكل من كانت معرفته بالله محدودة قليلة كلما ضعفت خشيتك لله بناءً على ضعف معرفتك به وبأفعاله وأسمائه. إذاً موسى يقول لفرعون وأهديك إلى ربك، يعني أعرّفك بربك فيحصل بهذا التعريف خشية في القلب. طيب، قال: وعن بعض الحكماء: اعرفوا الله، فمن عرف الله لم يقدر أن يعصيه طرفة عين. نعم، من عرف الله بجلاله وكبريائه وعظمته وهيمنته لا يعصيه، لكن هي المشكلة النسيان أو ضعف المعرفة.

من يخشى الله عز وجل ابتعد عن كل شر وفعل كل خير، ومن أمن الله وأمن عقابه وأمن سطوته اجترأ على كل شر. نعم، ومنه الحديث: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل»، والدلجة هي المشي في الليل.

قال: بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ نعم، فقل: هل لك إلى أن تزكى؟ هذا أسلوب في اللغة العربية عرض، أنا بعرض عليك، هل لك إلى أن تزكى؟ يعني شو رأيك تزكى؟ شو رأيك تصير ملتزم؟ شو رأيك تصير تخاف ربنا؟ شو رأيك تصير آدمي محترم؟ هذا كله أسلوب عرض، فهو عرض على فرعون، وهذا يدل على ماذا؟ على أن الإنسان عندما يحاور يبدأ بأسلوب مؤدب رفيق، ولا يبدأ بأسلوب غليظ، ما قال له: تسلم ولا نذبحك يا فرعون، ما بلش معه بهذا السقف، يعني قال هل لك، يعني شو رأيك أن تصلح نفسك، تهدي قلبك، بدلاً من هذه الحالة. الله عز وجل يعلمنا الأدب في مناقشة المعاندين، لذلك ماذا قال في سورة طه؟ ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: 44]. يعني المطلوب في النهاية أن أحصل النتيجة، مش المطلوب أن تحصل البهدلة.

فقل هل لك، بدأ مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا؟ شو رأيك تنزل عندنا على الدار؟ مش هيك أنت بتقول عرض؟ وأردفه بالكلام الرقيق ليستدعي باللطف في القول ويستنزل بالمداراة من عتوه. هذا إنسان عنده عتو، عنده طغيان، فالطاغية ما ينفع تواجهه بالكلام العنيف لأنه سيزداد عتواً. الأصل في الطغاة في المرحلة الأولى، مرحلة دعوتهم، أن تحاول تستنزله بلطف الكلام وأحسن الكلام، وهذه الحكمة مطلوبة، وليس من المداهنة في شيء، المداهنة المذمومة لا، هذا النوع من المداراة مطلوب، وهكذا يعلمنا القرآن. نعم، قال: كما أمر بذلك في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: 44].

فأراه الآية الكبرى، أي فذهب فأرى موسى فرعون العصا. نعم، الآية الكبرى هي العصا واليد، العصا التي كانت تنقلب حية، واليد التي كانت تنقلب بيضاء. طيب، فأراه الآية الكبرى، كانت وليست هي آية آيات؟ قال أو العصا واليد البيضاء لأنهما في حكم آية واحدة. فكذب فرعون موسى والآية الكبرى، كيف استقبل فرعون هذه الآيات؟ كما استقبلت كفار قريش محمد ﷺ، كذب فرعون بموسى والآية الكبرى، نعم، وسماه ساحراً وسحراً، وعصى الله تعالى ثم أدبر. وهذا مناسب لما سمى به أصلاً كفار قريش النبي عليه الصلاة والسلام سموه ساحراً، أليس كذلك؟ يفرق بين المرء وزوجه، فكما أنتم قلتم لمحمد ﷺ إنه ساحر، ترى فرعون قال لموسى إنه ساحر، نفس المفردات عند أهل الباطل متكررة.

نعم، قال: ثم أدبر تولى عن موسى، يسعى يجتهد في مكايدته، أو لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً. قال: ثم أدبر يسعى. شوف تصوير الله عز وجل لحركة أهل الباطل عبر التاريخ بكلمتين، هي عظمة القرآن: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ﴾ [النازعات: 22]. يعني راح فرعون يطارد من أجل أن يجمع كيده للوقوف في وجه الحق، هذه كل أهل الباطل يفعلون هذا. ثم أدبر، واستعمل الإدبار لأنه انصراف عن الحق، يعني أعطى دبره للحق وذهب يسعى. والسعي في القرآن دائماً يدل على الجهد والعمل، فالكفار أيضاً ترى يتعبون، والله بس يتعبون في محاربة الإسلام. اليوم الصهيونية، الماسونية، كل مؤسساتهم للأسف، للأسف بيشتغلوا أكثر منا، صح ولا لا؟ هم ليل نهار شغلتهم كيف يسلبون الإيمان منك، كيف يضيع أبناءك، كيف يضيع أخلاقك ومبادئك وهويتك الإسلامية. ثم أدبر يسعى، شغل وبحث كيف يستطيع أن يهلك موسى. إذاً فرعون مش جلس ونام، لا لا، كان يتعب ويسعى من أجل تضعيف الحق أو إبطاله، وهكذا هي حركة الباطل عبر التاريخ. أدبر يسعى، بكلمتين.

قال: فحشر، فجمع السحرة، جمع زبانيته، فنادى في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، فقال: أنا ربكم الأعلى، فنادى صرخة كفرية: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]. طبعاً فرعون قال ذلك كما قال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]. إنه يعرف أن الله سبحانه وتعالى هو الرب الحقيقي، لكن هذا من باب الادعاء أو من كثرة فجور هذا الرجل، إنه وصل به قلة الحياء أن يدعي هذا الادعاء العريض. نعم، فقال: أنا ربكم الأعلى، لا رب فوقي، وكانت لهم أصنام يعبدونها.

فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، عاقبه الله عقوبة الآخرة. فلما قال هذه المقولة عاقبه الله عقاباً شديداً. النكال هي العقوبة التي يكون فيها عبرة للآخرين، العقوبة التي يكون فيها عبرة للآخرين تسمى نكالاً، لذلك قال في الختام: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [النازعات: 26]. قال فجعله الله نكال الآخرة والأولى، قال عاقبه الله عقوبة الاعتبار، عقوبة الآخرة والأولى. بس الخلاف بين المفسرين هو ما المراد بالآخرة وما المراد بالأولى هنا؟ ايش يعني فاخذه الله عقوبة الآخرة والأولى؟ شو هي الآخرة؟ شو هي الأولى؟

قال: والنكال بمعنى التنكيل كالسلام بمعنى التسليم، خص، والتنكيل هي العقوبة التي يعني بتعلم فيها غيره، باختصار العقوبة اللي بتعلم فيها الغير. طيب، قال: ونصبه على المصدر لأن أخذه بمعنى نكّل، نكّل، إذاً نكال ما إعرابها؟ نصبه على المصدر، يعني مفعول مطلق، فاخذه الله أخذ الآخرة، هذا التقدير، فاخذه الله أخذ الآخرة والأولى، نصبها على المصدر يعني على المفعول المطلق، كأنه قيل نكّل الله به نكال الآخرة والأولى. طيب، قال: الآخرة ما المراد بها؟ الآخرة يوم القيامة، شو عقوبته؟ الإحراق، والأولى الدنيا، ايش كانت عقوبته في الدنيا؟ الإغراق، فيقول فاخذه الله نكّل الله به نكال الآخرة يعني عذاب الآخرة والأولى يعني عذاب الدنيا، يعني ربنا أعطاه عذاب الآخرة وأعطاه عذاب الدنيا، عذاب الآخرة الإحراق، وعذاب الدنيا الإغراق.

نعم، قال: أو نكال كلمتيه الآخرة وهي أنا ربكم، قال: أو نكال، قال فاخذه الله نكال الآخرة، نكال كلمتيه الكلمة الآخرة، آخر كلمة حكاها شو هي؟ أنا ربكم الأعلى، وأول كلمة حكاها في سورة القصص شو هي؟ ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، فأوقد لي يا هامان على الطين. لكن هذا التفسير يعني هو نوع استنتاج واستنباط يحتاج إلى تدليل أكبر، يعني ما الدليل على أن المراد بالآخرة هي قوله أنا ربكم الأعلى، وأن المراد بالأولى ما علمت لكم من إله غيري؟ وما الدليل أنه هي الآخرة وهذيك الأولى؟ أصلاً ليش بتكون العكس؟ فأعتقد أن التفسير الأول أولى. التفسير الأول أولى: أخذه الله عذاب الآخرة والأولى، أخذه الله عذاب الآخرة والأولى، يعني عذاب الدنيا والآخرة، فالأولى هي الدنيا، والآخرة هي الآخرة. تفضل.

يعني المراد الأولى يعني أول وروده في القرآن، هل المراد بالأولية أولية ورودها في القرآن ولا أولية صدورها منه؟ يعني فهمت علي، يعني أولية ذكر القصة في القرآن أنت ماخذ الأولية باعتبار أنها أول مرة ذكرت في القرآن بعدين جاءت القصص الأخرى، يعني نكال، أن يحمل الأولية على أول مرة ورود لها في القرآن يعني شوي غريباً. في النهاية هو تفسير مذكور، لكن أستبعده أحياناً.

تمام، لكن هو الآن ما هو الدليل على أنها هذه الأولى وهذه الآخرة؟ ممكن نقول مش وروده في القرآن، مجريات القصة، يعني هنا لما قال لفرعون ما علمت لكم، لما قال فرعون ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي يا هامان على الطين، إذا كان قبل أن يجمع السحرة كان قبل أن يجمع السحرة، فممكن نقول هي الأولى كانت زمناً، ثم كلمته هذه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 23-24]. هذه كانت آخرة باعتبار أنه هي آخر مشهد حصل بعد جمع السحرة، ممكن يكون هذا هو المراد بالآخرة والأولى باعتبار سياق القصص، أنه هذيك كانت قبل جمع السحرة وهذه كانت بعد جمع السحرة، ممكن الله أعلم.

أكمل، قال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ [النازعات: 26]. المذكور لعبرة لمن يخشى الله، قال الله: إن في ذلك لعبرة لمن يخشى، يعني الإنسان اللي بيخاف ربنا لما يسمع قصة فرعون وما الذي حصل به، اللي قال أنا ربكم الأعلى، ربنا أدبه تأديباً في الآخرة والأولى. لما أنت تسمع كفار قريش لما يسمعوا هذا الكلام، وكل كافر بس بفكر بمصيره، الأصل الإنسان لما يسمع هذا الكلام يخاف. هذا الرجل قال أنا ربكم الأعلى فالله عز وجل جعله عبرة، وحتى جسده إلى اليوم يشهد، جسده إلى اليوم يشهد كيف الله عز وجل ربى به الأمم، بس من الذي استفاد من هذه التربية؟ اللي عنده نوع من الخشية والخوف. أما الإنسان اللي مات قلبه فما عاد يخشى من الله سبحانه، لو أعطيته قصة فرعون 1000 مرة لا تنتج معه.

نعم، قال الله: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: 27-33]. تمام، هنا الله عز وجل يقيم أدلة على إمكانية الدار الآخرة، وهذه مشابه لما حصل معنا في سورة عمّ، أقام أدلة الدار الآخرة من خلال مشاهدة خلق الدنيا تمام، ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً، نفس الفكرة تتكرر مرة أخرى، إن الذي خلق هذه السماوات وهذه الأرض بهذا الإتقان وبهذا العجب العجاب لن يعجزه أن يعيد تلك العظام النخرة مرة أخرى لمخلوقات تدب فيها الحياة. فقال سبحانه: أأنتم يا منكري البعث أشد خلقاً؟ أصعب خلقاً وإنشاءً؟ شايف عم بعمل لهم مقارنة، يا ترى مين أصعب؟ بس شغل.

أأنتُم أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا؟ بما فيها من العظمة والأفلاك. أنت كائن ضعيف، يعني أنت من أهون المخلوقات في هذا الكون، أنت كنسان أنت من أضعف المخلوقات في هذا الكون وأسهل شيء. انظر إلى السماوات ذات الأبراج والارض ذات الفجاج. نعم قال: أم السماء؟ مبتدأ محذوف الخبر، أي: أم السماء أشد خلقًا؟ ثم بين كيف خلقها فقال: بناها، أي الله. ثم بين البناء فقال: أأنتم أشد خلقًا أم السماء؟ انتهى الآن الاستفهام، بعد ذلك بدأ يعطي التفاصيل: بناها رفع سمكها سواها. فكلمة بناها هو دخل في تفاصيل بناها. نعم يعني هي مش القضية؛ لأنه بعض الناس تشعر أنه «أم السماء بناها»، رابط كلمة بناها بالسماء غلط، هي الوقف: «أأنتُم أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ»، انتهى، بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. أما انك تربط بناها بالسماء بعطيش المعنى: أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها؟ لا، أنت وين الاستفهام؟ وقف، وين الاستفهام؟ أأنتُم أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ؟ أعطوني أأنتم أشد ولا السماء أشد؟ خلص الاستفهام، أعطاك، أراد أن يثبت لهم أن السماء أعلى بكثير فقال: بناها رفع سمكها فسواها، وهكذا.

نعم، قال: رفع سمكها، أعلى سقفها، وقيل: السمك هو السقف. ما معنى سمكها؟ السقف. نعم، قال: وقيل جعل مقدار ذهبها في سمت العلو رفيعًا مسيرة خمسمائة عام. تمام، لذلك كل سماء، ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، فكان سماكة كل سماء من السماوات ما بينها وبين السماء الأخرى خمسمائة سنة لمن يمشي على قدميه. نعم، قال: فسواها فعدل مستويه بلا شقوق ولا فطور. نعم، سواها يعني أتمها بدون أي شقوق أو فروج فيها.

قال: وأغطش ليلها، أظلمه. أغطش بمعنى أظلم ليله. نعم. قال: وأخرج ضحاها، أبرز ضوء شمسها. وأضيف الليل والشمس إلى السماء؛ لأن الليل ظلمتها ولأن الليل ظلمتها والشمس سراجها. لأن الليل عندنا ظلها؟ في حد عنده نسخة أخرى؟ أنا ظلمتها ظلمتها. أنت ايش عندك الشيخ؟ ظلها. ظلمتها ظلمتها. عندك: لأن الليل ظلمتها والشمس سراجها. يعني ظلمتها أنسب شوي، يعني لأن الليل ظلها مش واضحة كتير يعني كيف تكون ظلها؟ أما إذا قلنا ظلمتها يكون في وضوح أكثر، يعني هو لماذا قال: أغطش ليل السماء وأخرج ضحى السماء؟ قال: أضاف أي الليل والشمس إلى السماء في الآيتين؛ لأن الليل هو ظلمة للسماء، لذا قال: ظلمتها. كيف أقول ظلمة المكان؟ أضفتها إلى المكان، ظلمتها هذه الغرفة باعتبار، أو ليل هذه الغرفة هو ظلامها، ليل هذه الغرفة ما هو؟ ظلامها، فيكون المعنى صحيحًا لو قلنا: لأن الليل ظلمتها أي ظلام للسماء، فلا تعود ترى لونها الأصلي، والشمس هو سراج للسماء فلذلك قال: وأخرج ضحى السماء، وأخرج نور السماء بمعنى الإضاءة التي تكون في السماء في وقت الصباح.

طيب والارض بعد ذلك قال: والارض بعد ذلك دحاها، بسطها، وكانت مخلوقه غير مدحوه. هذا سؤال مهم: الذي خلق أولًا، كخلق الأرض أم السماء؟ الآن لو بدك تيجي، البعض من قال: والارض بعد ذلك. بعد ذلك، البعض فهم أن الأرض خلقت بعد السماء. لا، في سورة فصلت بين الله سبحانه وتعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 9-11]. فالارض خلقت قبل السماء، لكن دحيت الأرض، يعني بسطت وتهيئت فيها الأرزاق وقدرت المعايش بعد خلق السماوات. فالله خلق الأرض تمام، كأنها خلقت هكذا كرة، لكنها لم تبسط ليعيش الناس عليها. خلق الأرض ابتداءً كماده خام، خلينا نحكي كماده خام، ثم خلق السماء ثم عاد إلى الأرض فدحاها. بعد أن خلق السماء عاد إلى الأرض فدحاها، يعني بسطها بصورة مهيئة للعيش عليها.

نعم قال: وكانت مخلوقة غير مدحوة فدحيت من مكة بعد خلق السماء بألف عام، بسطت. يعني أحيانا بتعرفوا العجين إخواني كيف بتكون صغيرة بعدين أنت بتصير ايش تفرد فيها، تمام؟ فتبسط. فيقول لك الأرض كانت كأنها عبارة عن كرة صغيرة ثم بعد ذلك كأنها من باب تقريب الصورة كأنها ايش؟ دحيت فامتدت وبسطت واصبحت، هي بقيت كرة، لكنها كما قال هنا: دحيت من مكة. كأن الأرض كانت بحجم مكة المكرمة ثم بسطت، وهذا علمه عند ربي، ما حدا يسألني كيف هو يعني أكيد، حتى اصبحت بهذا الحجم وبهذه الصورة وبهذه الكيفية تصلح للمعیشة عليها.

طيب، قال: ثم فسر... نعم الله سبحانه وتعالى، تمام، لا هنا قال العلماء: جعل الرواسي وهذا فسر في سورة فصلت، في سورة النازعات أن الدحو والاصلاح من شأنها كان بعد خلق السماوات إلا أن يفسر أنه جعل فيها رواسي وكذا، هذه ضمن الخلقة الأولى، والدحو هنا والبسط يفسر بشيء آخر، هو الآن ماذا لاحظ؟ لاحظ ماذا فسر البسط أكثر وأكثر؟ قال: ثم فسر البسط فقال: إذا الأرض بعد ذلك دحاها، يعني بسطها. كيف بسطها؟ الآن ستأتي الجملة التفسيرية الآن كيف بسطها؟ قال: وخرج منها ماءها. أخرج منها ماءها بتفجير العيون، ومرعاها؛ فهذا كله داخل في البسط، البسط ليس هو فقط قد نقول وضع الجبال ليس له علاقة بالسبسط، البسط شيء أعمق من ذلك، بسط الأرض قال: أخرج منها ماءها تفجير العيون ووضع البحار، هذا كله من البسط، ومرعاها أخرج الكلا والعشب والاشجار، فهذه الأشياء ما كانت في الخلقة الأولى وحصلت بعد خلق السماوات.

طيب قال: ولذا لم يدخل العطف على أخرج، أو يعني لماذا لم يقل لاحظ أي: والارض بعد ذلك دحاها واخرج منها ماءها ومرعاها، لماذا لم يقل وأخرج؟ لماذا قال أخرج بدون عطف؟ لأن هذه الجمله هي جمله تفسيريه لـ دحاها. فلما تكون جمله تفسيريه لجمله سابقه ما بديش ادخلك في الفصل والوصل في علم البلاغه هي تسمى عطف بيان بس على وجه الجمل المهم عطف بيان أو بدل، بس هذا بدل جمل أو عطف بيان جمل، فلا يجوز أن تاتي فيها بحرف العطف. الجمله الثانيه هي تفسيريه للجمله الاولى: والارض بعد ذلك دحاها. فانت قلت: كيف دحاها؟ قال لك: اخرج منها ماءها ومرعاها. فهو فسر لك ما معنى دحاها، فلذلك لأنه لو عطف لو قال: والارض بعد ذلك دحاها وأخرج منها ماءها ومرعاها، أنت ماذا ستفهم؟ أنه أخرج ماءها ومرعاها شيء مختلف عن دحاها، أنه دحاها وبرضه كمان أخرج ماءها ومرعاها، لكن لا، الدحو هو نفسه اخراج الماء والمرعى هو تفسير له، فلم ياتي بحرف عطف حتى تفهم أن هذه تفسير لهذه.

كمل قال: أو أخرج حال باضمار... نعم والجبال ارساها أط... وفسرها أنها حالية. طيب، حال على إضمار قد دحاها حاله كونه قد أخرج ماءها ومرعاها، ويمكن، وأنا أرى أنه ما في داعي لهذا، هذا تفسير آخر له. قال: أو نقول أخرج جملة حالية، والارض بعد ذلك دحاها حاله كونه أخرج ماءها ومرعاها، لكن لا، جعلها تفسيريه أجمل وفي النهاية كله صحيح من حيث اللغ، لكن بيجي تذوق الإنسان، ما هو الأجمل؟ أن تقال أنها حالية أو تقول أنها تفسيريه كاشفة؟ استطعم تفسيريه كاشفة أجمل والله أعلم. نعم قال: والجبال أرساها، اثبتها، وانتصاب اثبتها. نعم قال: وانتصاب الارض والجبال باضمار دحى وأرسى على شريطة التفسير.

متاعاً لكم ولأنعامكم فعل ذلك تمتيعاً لكم ولأنعامكم. طيب، متاعاً لكم، لماذا جعلت الأرض هكذا قائمة بكل ما فيها من الماء ومظاهر الحياة حتى تكون متاعاً وببلغة لكم ولأنعامكم؟ إذاً الله عز وجل يقول للبشرية جمعاء: أنا وضعت لكم هذه الأرض التي والسماوات والتي هي أعلى من خلقكم من أجل أن تعمروها وفق منهج الله سبحانه وتعالى، وكل ما وضعته لكم في الأرض من ماء وعشب وهو متاع لكم. متاع، كأنه متاع مسافر، سماه ماذا؟ متاع كأنه بلغة تستمتعون به إلى أن يأتي الموعد الفصل. فلذلك قال: متاعاً لكم ولأنعامكم، كأنه متاع مسافر، فإذا جاءت الطامة الكبرى لما يأتي يوم القيامة انتهى ذلك المتاع وجاءت دار القرار.

نعم قال: فاذا جاءت الطامه الكبرى، الداهية العظمى التي تطم على الدواهي، أي إذا الطامة يعني الداهية المصيبة، قال أي تعلو وتغلب، وهي النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، والمشهور أن الطامة الكبرى هي النفخة الثانية في الصور وهي يوم القيامة. تمام، قال: يوم يتذكر الإنسان، بدل من إذا جاءت، أي إذا راى أعماله مدونة في كتابه يتذكرها وكان قد نسيها ما سعى. مصدرية أي سع... شو كلمة السعي؟ وكان أحد المشايخ الأفاضل يقول: كلمة السعي في القرآن من المفردات التي يجب على من يتدبر القرآن أن يعيش معها، كلمة السعي متكررة في القرآن وهذا يدل أن لها رمزية معينة، فكرة معينة في القرآن كلمة السعي: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4]، دائما الكلام عن ماذا؟ عن السعي في القرآن، الإنسان دائما يسعى، لكن هناك من يسعى للخير وهناك من يسعى للشر، حتى فرعون قبل شوي شو كان يسعى؟ ثم أدبر لكن يسعى في أي اتجاه؟ في الشر. اليهود يسعون، الصهيونية تس... كله يسعى، لكن هناك من يسعى لدنياه، هناك من يسعى لآخرته.

فالانسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء حارث وهمام». لماذا أصدق الأسماء حارث وهمام؟ أنه كلمة حارث يبين حقيقه الإنسان، أنه الإنسان دائما بحرث، في واحد بحرث لدنياه وفي واحد بحرث لآخرته، حارث ساعي، هي طبيعة الإنسان، ما في إنسان واقف هيك في الحياة بيعملش حاجة، كل إنسان سيسعى، حتى اللي بيعمل معاصي هو يسعى في الزنا، يسعى في مشاهدة الحرام، يسعى في علاقات م... كله يسعى، بس فرق بين سعي وسعي، لذلك قالت: يوم يتذكر الإنسان ما سعى، لما يجي يوم القيامة كل واحد سيتذكر إلى أين كان يسعى في الدنيا؟ كنت تسعى لدنيا لشهوات ملذات؟ كنت تسعى لمجالس الخير والععلم وطلب الآخرة؟ كنت تسعى لأيه؟ شو كان طموحك؟ شو أهدافك؟ إيش الأشياء التي سعيت لتحقيقها في الحياة ماذا تركت؟ يوم القيامة سيتذكر الإنسان كل شيء سعى لأجله.

طيب قال: ما سعى مصدرية أي سعيه أو موصوله. وبرزت الجحيم واظهرت لمن رزت؟ يعني أظهرت أمامهم، لمن يرى أي لكل راء، وبرزت الجحيم أي الله سبحانه وتعالى أبرز النار لأهل القيامة لكل راء فانه سيرى وكان كل راء سيراها. نعم قال: لمن قال فاما جواب فاذا؟ أي فاذا جاءت الطامة فان الأمر كذلك، يعني فاذا جاءت الطامة الكبرى ذلك اليوم الذي يتذكر الإنسان فيه ما سعى وبرزت الجحيم ما هو جواب الشرط؟ إذا جاءت الطامة الكبرى، فاما من طغى فان الأمر سيكون النتيجة ستكون، وهذه الحسابات الأخيرة، من طغى اللي عاش حياته في طغيان، الطغيان هو أن تتجاوز الحد اللي ربنا وضعه الك، ربنا عز وجل وضع مباحات ووضع محرمات صحيح الطغيان انك تتجاوز المباحات إلى المحرمات، اللي بتجاوز الحدود اللي ربنا عطله اياها طغى واتبع هواه، لذلك قال: وأثر الحياة الدنيا، كانت رغبته للدنيا وليست للآخرة، فان الجحيم هي الماوى. النتيجة واضحة الجحيم تنتظرك الماوى المسكن والمنزل الذي ينتظرك، والألف واللام بدل الإضافة، يعني فان الجحيم ماواه هيك كانت الأصل، لكنه قال الماوى، فال التعريف حلت محل الإضافة، نعم وهذا عند الكوفيين وعند سيبويه وعند البصريين، هي الماوى له، أما عند سيبويه التقدير فان الجحيم هي المأوى له، لا يقولون أن ال التعريف حلت محل المضاف إليه.

وأما من خاف مقام ربه أي أما الإنسان الذي عاش في الدنيا وهو يخاف الله علم أن له مقاما يوم القيامة سيقف بين يدي الله خاف مقام ربه، ايش يعني المقام هنا؟ يعني خاف الوقوف بين يدي الله، هسا كل واحد فينا له مقام بين يدي الله صح، سنقوم بين يديه ويحاسب، اللي خايف هالساعة اللي عاش حياته من أجل هذا المقام واشتغل عمره من أجل تلك اللحظة التي سيقف فيها بين يدي الله ويسأل ربنا ايش قدمت؟ هذا الذي سيفلح صحيح، الذي يعيش من أجل تلك اللحظة، الذي يعيش من أجل ذلك المقام هو الذي سيفلح، أما اللي ناسي ذاك المقام ومش عايش من شانه ولا شايفه ويعيش فقط من أجل أهوائه، عداك الإنسان سيدفع ضريبه ما كان يسعى إليه في الدنيا.

إذاً وأما من خاف مقام ربه، يعني خاف اللحظة التي سيقوم فيها بين يدي الله، فماذا فعل؟ قال: اللي بخاف مقام ربه ايش راح يفعل يا جماعة؟ سينهى النفس عن الهوى، فالثاني هي نتيجة الأولى؛ لأنه إذا خفت تلك الساعة وارتعبت منها في الدنيا فإنك ستحول بين نفسك وبين هواها، ستمنع النفس من أنها هي التي تقودك أنت راح تقودها وأنت راح تروضها وأنت راح تجبرها أنه يا نفس لي مقام بين ييدي الله لا تورطيني. إذاً ونهى النفس الأمارة بالسوء عن الهوى المردي، أي زجرها عن اتباع الشهوات، قيل هو الرجل... نعم قال: وقيل هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها، والهوى ميل النفس إلى شهواتها، فان الجنة هي الماوى، أي المرجع.

يسألونك عن الساعة أان مرساها متى إرساها؟ أي إقامتها، يعني متى يقيمها الله تعالى ويثبتها؟ ويثبتها، لاحظ أن كل الكلام هو أصلاً في هي السورة أساساً عن الدار الآخرة. فكفارته أيان مرساها، أي متى مناخها؟ كيف بقول المرسى؟ أي السفينة المكان الذي ترسو فيه السفينة، مش السفينة بتكون في البحر بعدين بتقول لك

أين مرساها؟ أين؟ أين تضع رحالها هذه السفينة؟ فنفس الشيء هم يقولون: يسألونك عن الساعة أيان مرساها، يعني متى تضع رحالها؟ متى تقوم؟ أي متى إرساها أي إقامتها؟

طيب قال: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: 42] أنت من أن تذكر في أي شيء أنت من تذكر وقتها لهم وتعلمهم به؟ يعني ما معنى هذا؟ استنكار ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ يعني أنت ما لك علاقة بموعدها، لأن موعد الساعة هذا من يعرفه الله وحده، هذه من مفاتيح الغيب، فيقول: ما أنت من ذكراها لهم وتبيين وقتها في شيء، فـ ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ وإن كان استفهاما لكنه استفهام ينكر فيه الرب سبحانه وتعالى أن يكون نبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام على ذكر أو معرفة بموعد الساعة، ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ كيف ستذكرها لهم وقد جعلها الله عز وجل من أمور الغيب العامة التي لا يعرفها إلا هو؟ نعم.

قال: كقولك ليس فلان من العلم في شيء، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت، طيب، فهو على ما فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها، أي أنهم يسألونه عنها فحرصا على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها، يعني هذا تفسير آخر، هو يقول النسفي: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ أي في أي شيء أنت من تذكر وقتها؟ ويقول: كان كفار قريش يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن وقتها، فكان النبي عليه الصلاة والسلام -هكذا يقول- كان النبي عليه الصلاة والسلام كثيرا ما يحاول أن يعرف موعدها ويسأل الله عز وجل عن موعده، فكان هذا نوعا من التنبيه الإلهي له: في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم؟ تمام.

لذلك قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يذكر الساعة ويسأل عنها -يسأل الله أو جبريل عن موعدها- حتى نزلت هذه الآية تمنعه من هذا السؤال أنه لا تسأل عنها، تمنعه من هذا السؤال، فهو على هذا إذا قلنا: هذا هو المراد، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان كثيرا ما يسأل جبريل عن موعد الساعة حتى نزلت هذه الآية، فيكون هذه الآية تعجبية، يكون الاستفهام تعجبي، قال: فهو على هذا الاستفهام تعجبي من كثرة ذكره لها، أي من كثرة سؤاله لجبريل عنها أو أنهم يسألونه عنها فلحرصه على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها جبريل دعك يا محمد من وقتها، ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: 44] أنت إيش بدك في موعدها؟ ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ الله عز وجل هو الذي ينتهي إليه علمها متى تكون لا يعلمها غيره، تمام.

أو فيما إنكار لسؤالهم عنها، أي فيما هذا السؤال؟ إذا لاحظ أنه في خلاف ما طبيعة هذا الاستفهام؟ يعني ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ هل هنا الله عز وجل يعاتب نبيه صلى الله عليه وسلم أو يعاتب الكفار وينكر عليهم؟ الاحتمال الأول: المعاتبة للنبي صلى الله عليه وسلم لطيفة، بمعنى: لماذا أنت تسأل عنها كثيرا؟ لأنهم يسألونه عنها، ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ أو تكون المعاتبة واللوم ليس للنبي صلى الله عليه وسلم بل لكفار قريش، فيما أي إنكار لسؤالهم عنها، يعني ليش بتسألوا عنها؟ فيما هذا السؤال؟ شو الهدف من هذا السؤال؟ كما كان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: متى الساعة؟ فيقول: ماذا أعددت لها؟ هذا هو الذي يجب أن تسال عنه، أما لا تسألني متى الساعة الموضوع ما بيهمك.

ثم قال: أنت فيما؟ قال: ثم قال: أنت من ذكراها، أي إرسالك وأنت آخر الانبياء علامة من علاماتها فلا معنى لسؤالهم عنها، ولا يبعد أن يوقف على هذا -غريب هذا التفسير- ولا يبعد أن يوقف على هذا، فيما شوف شو بقول لك النسفي؟ بقول لك وهذه يعني الوقوف العجيبة في القرآن: يسألونك عن الساعة مرساها، فيما، بس هيك بتسكت، فيما، ويكون تكملة السؤال مقدرة في الذهن، فيما يعني ايش قيمة فيما؟ هذا السؤال ليش هذا السؤال؟ يعني كيف انت تسلني سؤال شوف ما لوش معنى سالتني سؤال فقل لك ايش فيما؟ يعني شو العبرة من هذا السؤال؟ ثم أنت من ذكراها، إذا كانوا يريدون أن يعرفوا موعدها فانت يا محمد من ذكراها، يعني مبعثك يذكر بها لأنه علامة من علاماتها، شفتوا النسفي ايش بقول؟ أحد الاحتمالات في تفسير هذه الآية: يسألونك عن الساعة أيان مرساها، فيما، ليه سالوا؟ أنت من ذكراها، يعني انت وجودك وبعثك يذكر بها، أنت علامة من علاماتها، هذا معنى قد لا يتطرق إلى الذهن بسهولة صحيح لكن يقول النسفي: يحتمل أن يكون هذا بالتالي يكون فيما سؤال خلص انتهى السؤال، أنت من ذكراها جملة مستقلة وليس تكملة للسؤال.

طيب، وقيل: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ متصل بالسؤال، أي يسألون عن الساعة أيان مرساها ويقولون: أين أنت من ذكرها؟ ثم استأنف فقال: إلى ربك منتهاها. الاحتمال الثالث الذي ذكره: أن يكون يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيما أنت من ذكراها؟ هذا كله من كلام المشركين، ويكون التقدير: يسألونك عن الساعة أيان مرساها أين أنت يا محمد من ذكراها فياتيهم الجواب: إلى ربك منتهاها، إذا فيكون ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ ليس معاتبة من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أو تنبيه له، لا يكون هذا جزء من كلام المشركين: يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيما أنت (أي أين أنت) من ذكراها لماذا لا تذكر لنا موعدها؟ فيكون الجواب من الله: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات: 44] ما لهم علاقة.

فإذا كم احتمال ذكره؟ ذكره ثلاثة احتمالات: يسألونك عن الساعة أيان مرساها انتهى سؤالهم، فالله فالنبي صلى الله عليه وسلم بدا يسأل جبريل يحاول الوصول للإجابة، فالله ينبهه: ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾ يعني لأي شيء أنت حريص ومهتم بمعرفة موعدها؟ الله هو الذي يعرف موعدها، أجِبهم بما ينفعهم. التفسير الثاني: يسألونك عن الساعة أيان مرساها، فالله يلومهم فيقول: فيما؟ يعني ليش بتسألوا هذا السؤال؟ ثم أنت من ذكراها أنت علامة من علاماتها يا محمد. الاحتمال الثالث: أن يكون كله من كلام المشركين: يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيما أنت من ذكراها؟ أي أين أنت من ذكر موعدها لنا حتى نستعد لها جيدا؟ فياتيهم الجواب: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾.

هذا معنى يا إخوان أن القرآن حمال وجوه، أنه أنت نفس الآية ممكن تجد فيها معنيين ثلاث أربع، ممكن تستنبط منها. نعم قال: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45] أي لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يخاف شدائدها، إنما أنت (يعني وظيفتك ليس أن تخبر متى الساعة خصوصا هذا أسلوب حصر) إنما أنت يعني إنما وظيفتك الإنذار منها ولم ابعثك لتحدد موعدها لهم.

نعم، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46] أي ضحى العشية استقلوا مدة لبثهم في الدنيا لما عاينوا من الهول كقوله: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وقوله: قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، وإنما صحت إضافة الضحى إلى العشية للملابسة بينهما لاجتماعهما في نهار واحد، والمراد أن مدة لبثهم لم تبلغ يوما كاملا، ولكن أحد طرفي النهار عشيته أو ضحاه والله أعلم.

فهو يوم القيامة ماذا يقول الله عز وجل؟ ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ [النازعات: 45-46] يعني كيف سيكون حالهم يوم يرونها؟ سيشعرون شعورا داخليا أنهم لم يلبثوا في هذه الدنيا إلا عشية، والعشية تنتهي بغروب الشمس، أن وقت العشي قالوا وقت الظهر والعصر تمام لم يلبثوا إلا عشية (يعني إلى عشية يوم أي غروب شمسه) أو ضحاها (ضحى العشية وليس الضحى لذاته وإنما المراد ضحى اليوم الذي فيه العشية هذا هو التقدير) لأنه العشية هي التي تكون إلى المساء تمام بعد الظهر والعصر، والضحى هو الذي يكون إلى في ساعات الصباح الأولى، فلما يقول: لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى العشية، ماذا قال النسفي؟ وإنما صحت إضافة الضحى إلى العشية للملابسة بينهما، أي لوجود التماس بينهما، كيف هناك التماس بين العشية والضحى؟ قال: لاجتماعهما في نهار واحد، هي الملابسة، فالعشية تكون للمساء والضحى يكون ساعات الصباح الأولى، وهذا يدلك على أن المشركين يوم القيامة عندما يتناقشون كم لبثنا يوما أو بعض يوم، هم لسرعة الدنيا وسرعة انقضائها بعضهم يقول: لبثنا عشيه (يعني يوم واحد للمساء) والبعض سيقول: لا لبثنا بعض يوم، كأننا لبثنا فقط ساعات الضحى وانتهت الحياة، دلالة على أن الحياة حلم سريع ينتهي، بكره 60 70 80 كنا نفنى ونصبح تحت التراب وبيجي جيل ثاني وثالث ورابع، الحياة حلم سريع.

فالكفار يوم القيامة من هول المشهد سيقولون: لم نلبث إلا عشية أي وقت العشي أو ضحى هذه العشية (يعني ضحى هذا اليوم الذي فيه العشية) والمراد أن مدة لبثهم لم تبلغ يوما كاملا ولكن أحد طرفي النهار إما عشيته وهو عند غروب الشمس أو ضحاه وهو عند طلوعها وشروقها، وهذا يدل على أن الدنيا حلم سريع ينتهي، فالعاقل عندما يقرأ هذه السورة تجدد فيه معاني التفكر بالدار الآخرة وهدف الإنسان يوم يتذكر الإنسان ما سعى ما دام سياتي يوم سأسأل عن كل ما سعيتُ فعليّ أن أعد لهذا اليوم، ولا أخذ الدنيا بحجم كبير فإنما هي عشية أو ضحاها، فإذا هم بالساهرة.

هيك الحياة، هذه المعاني عندما تتكرر في قلب المؤمن تجدد فيه الاهتمام بما هو أهم له من التعلق بدنياه، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ يا رب، بسم الله.