دخولتسجيل الدخول

المجلس الثالث والأربعون - سورة التغابن

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

تفسير العلامة النسفي عليه رحمة الله تعالى ما زال حديثنا قائماً في أفيَاء سورة التغابن، وعرفنا أن هذه السورة تؤسس للتصورات الإيمانية التي يجب أن تكون حاضرة في حياة الإنسان المسلم؛ تصوره عن الله سبحانه وتعالى، تصوره عن الكون، تصوره عن غاية الوجود وهدف الحياة.

ربما هذه التصورات يراها كثير من الناس شيئاً سهلاً أو شيئاً واضحاً، لكن هذه نعمة أنعم الله عز وجل بها عليك أنك ولدت في بيئة مسلمة، فالإجابة جاءت واضحة -وإن كانت تحتاج إلى تعزيز وتذكير- لكن كثيراً من الناس يعيش في بيئة علمانية أو في بيئة بوذية، نصرانية، يهودية، في بيئة مشوهة، فبالنسبة له تبقى هذه المصطلحات وهذه المفاهيم يكتنفها شيء من الغموض، شيء من عدم الوضوح: ما مركز وجودي أنا كإنسان في هذا الكون؟ وهل أنا المركز أم الإاله هو المركز؟ اليوم للاسف الدراسات الالحادية والدراسات الماسونية والصهيونية العالمية وغيره مما يخرجون أفكاراً يحاولون أن يجعلوا الإنسان هو مركز الوجود بدلاً من أن يكون الإاله سبحانه وتعالى هو المركز، وهو الذي عليه تدور تصرفات الإنسان وحركاته في هذه الحياة الدنيا.

فهذه القضية قد أنت تكون واقعاً فيها، وترى أنك أنت المركز، وأنت الذي يجب أن يفكر بأهوائه وملذاته، مع أنك مسلم، الأصل في التصور الإسلامي أن المركزية لله سبحانه وتعالى وليست لك، تماماً. ففي بعض الأفكار أنت قد تراها واضحة في الدرس النظري، لكن لما آتي إلى الممارسة الفعلية في الحياة أجد لا؛ أن هناك شيئاً من الغموض؛ وهو: هل ذاتي هي المركز التي أعمل من أجلها وألبي شهواتها ورغباتها وأطوف حولها وهي الكعبة التي أقصدهَا، أم أن الله سبحانه وتعالى هو المركز، هو الغاية، هو المقصود، وأنما أنا عبد لهذا الإله في حركاتي وسكناتي ومراتي وأفكاري وخواطري؟

كما قلت لك، أنت كنتأصيل نظري قد ترى هذه المعلومة واضحة ومنتهية، لكن كممارسة حياتية قد لا تكون منتهية، من خلال أنك دائماً تلبي شهواتك ورغباتك وتقدمها على مراد الله سبحانه وتعالى منك. عندما يصبح منهج تقديم الشهوات والرغبات والإرادات على مراد الله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم حياتك، إذاً أنت لم تجعل المركزية لإله، أنت لم تجعل المركزية للرب المدبر، أنت جعلت المركزية لنفسك، لذاتك، لما تريده ولما تطمح إليه؛ فهنا إذاً أنت تحتاج أن تعدل البوصلة، فتأتيك: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجُمُعَة: 1] لتعدل لك البوصلة، ولتذكرك أنك أيها الإنسان فرد من أفراد هذا الوجود، فرد من أفراد هذا الكون، هذا الكون المسبح المنقاد المتعبد لله سبحانه وتعالى.

أنت هل تسير مع هذا الكون في هذا التسبيح وفي هذا التقديس وفي هذا التوحيد وفي هذا التوجه وفي هذه الإرادة، أم أنت لا زلت حول شهواتك ورغباتك ومقاصدك؟ هذه تصورات إيمانية يجب دائماً أن تتذكرها وأنت تقرأ خاصة هذه السور التي تبدأ بالتسبيح والتحميد والتمجيد لله سبحانه وتعالى، فانها توجه وتذكر وتنبه ما الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الانسان في هذه الحياة.

ثم ذكرنا بعض التصورات الأخرى متعلقة بالإيمان أيضاً بالبعث: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾ [التَّغَابُن: 7]، وقضية الإيمان بالدار الآخرة من أهم المقاصد القرانية العظيمة: تعزيز قضية الإيمان بالدار الآخرة، لأن الإيمان بالدار الآخرة سيعطيك راحة في جوانب عديدة في الحياة، فيذكرك أن الحياة الدنيا إنما هي مزرعة، يذكرك أن الحياة الدنيا ليس شرطاً أن تحصل فيها حقاً، قد تموت مظلوماً ولكن كما قلنا سيأتي يوم آخر يخلص فيه من المظلوم للظالم، أن هذه الدنيا هي دار ابتلاء دار امتحان وأن الدار الآخرة هي دار الجزاء.

هذه مفاهيم ترى كثيرة جداً عليها ينبني سلوكياتك وأعمالك، لأن الإنسان المتشبث بالحياة الدنيا المرتبط بها المتعلق بها الذي يعطيها مساحة أكبر من مساحة الدار الآخرة يحزن على فواتها ويأسى على لوائها وينقبض صدره في المحن وفي الكروبات وفي الشدائد، أما الإنسان المؤمن الذي يعرف أن الدنيا رحلة قصيرة كمومض عين ثم بعد ذلك الدار الآخرة هي الأهم، الذي يعرف أن الدنيا هي ليست مكاناً يشترط فيه أن يحقق العدل الإلهي وإنما الله تكفل بتحقيق العدل الكامل في الدار الآخرة وأن يعطي المظلوم من الظالم؛ عندما تؤمن بهذه الأفكار سترتاح كثيراً، وستنجلي عنك كثير من الضبابية التي تحوم حول عقول الكثيرين حول مسائل العدل الإلهي ولماذا لا ينزل النصر ولماذا لا تتحقق الانتصارات العظمى هكذا سريعا.

كثير من الأمور مهمة جداً مبناها على الإيمان بالدار الآخرة، وكذلك القضايا الأخرى التي ذكرها تباعاً. الآن سنبداً بفكرة عقدية أخرى ستتبدأ سورة التغابن التركيز حولها، ألا وهي قضية عبودية الإيمان بالقضاء والقدر ودوره في حياة الإنسان. يعني أنت شوف في سورة التغابن تكلمنا عن التوحيد، تكلمنا عن الدار الآخرة وتكلمنا، سنتكلم الآن عن القضاء والقدر، ركائز الإيمان في سورة واحدة، في صفحتين تأخذ درساً وافياً عظيماً مهماً شاملاً لكل ما تحتاجه من بضاعة الإيمان في هذا الوجود.

نعم، اقرأ حبيبي.

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: 11].

ما أصاب من مصيبة: شدة ومرض وموت أهل، أو إلا شيء يقتضي هماً إلا بإذن الله بعلمه وتقديره ومشيتئه، أو أي شيء يقتضي هما مش إلا أو أي شيء هذا خطا في الكتاب، إلا بإذن الله، يعني بعلمه وتقديره ومشيئته. طيب أكمل، كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه.

نعم، ومن يؤمن بالله يهدي قلبه للاسترجاع عند المصيبة حتى يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو بشرحه للازدياد من الطاعة والخير، أو يهدي قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه. نعم، وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّغَابُن: 11].

جميل. هاتان الجملتان حقيقة مؤسستان لمفهوم عظيم من مفاهيم الإيمان، وهو مفهوم الإيمان بالقضاء والقدر، وهذا التأسيس -يعني عظمته وجلاله وروحانيته- تأتي أن المتكلم به ليس واعظاً أو شيخاً أو حتى صحابياً، بل حتى ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من كلام ربك سبحانه وتعالى؛ هذا الإله الذي أوجدك وخلقك يعطيك هذه المعلومات حتى تؤسس عليها حياتك، وحتى تستريح وأنت تسير في هذه الحياة الدنيا وتواجه الأواء والمصاعب والمشاق والامراض والابتلاءات والحروب والكوارث وما شابه ذلك.

يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى بوضوح: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التَّغَابُن: 11]. هو يخبرك عن نفسه سبحانه، يقول: لن تحل مصيبة أو كارثه بك أيها المؤمن وأنت تسير في هذه الحياة الدنيا إلا وقد أذن الله بوقوعها. فهمي لهذه الجمله ماذا يطفي على قلبي من الناحية السلوكية؟

أنا لما أعرف أن الذي أذن بوقوعها هو الله بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، الله الرحيم، الله الرحمن، الله الرؤوف، الله الحكيم، الله سبحانه وتعالى ملك الملوك المدبر، لما أسمع أن الله هو الذي أذن، واستحضر من هو الله من خلال تعرّفي على أسمائه الحسنى وصفاته العلى: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن؛ هنا مهما كانت المصيبة صعبة ومهما كانت شديدة سابقى مطمئناً لأن الذي أذن بوقوعها هو الله، لأن الذي أذن بوقوعها هو الله بكل ما تحمله كلمة الله من جلال وعظمه ورحمة وحكمة.

وبالتالي لا يشعر الإنسان المؤمن أن هذه المصيبة وقعت بدون إذن وبدون معرفة، وبالتالي يشعر بالتأنيب والضعف وما الذي سيحدث بعد ذلك وكأن الأمر يحدث صدفة أو بدون تقدير. حقيقة أنني أشفق على الملحدين تمام الإشفاق في هذه الجزئيه وإن كانوا يستحقون هذه العقوبات النفسية للمسلك الذي اتخذوه، لكن أشفق كيف يمكن لإنسان أن يعيش في هذه الحياة الدنيا بما فيها من النكبات والكروبات بدون أن يؤمن بوجود إله هو الذي يأذن بوقوع هذه الأمور.

تخيل العقلية الإلحادية التي تفكر بالمصيبة لما تحل به، كيف سيفكر الملحد لما تحل به مصيبة، كيف سيفكر؟ سيفكر أن هذا مجرد شيء طائش في الكون نتيجة طفرة معينة أو تفاعل كوني معين حدث معي. طب ما الذي إذا سيجعلك تستريح ما دام هذا الطيش أووقع به هذه الكارثة الفيضان أو الزلزالية، لماذا لا يعبث طيش آخر يسبب ما هو أعظم كارثية؟

وبالتالي الملحد هو غير مرتاح، غير مطمئن، لأنه لا يوجد من يدبر هذا البلاء، من يدبر كميته ووقته ومعياره ويشرف عليها، البلاء هو مجرد شيء طائش هكذا تفاعل طفره بأي شيء يفسرونه حدث. وبالتالي عندما تتلقاه أنت، تتلقاه أو الشخص الملحد أقول عندما يتلقاه، يتلقاه وهو لا يعتقد بوجود من يدبر ومن يأذن ومن يسيطر وعليه فهذا رعب؛ هذا بالنسبة لي كشعور مخيف أنني أتلقى شيئاً لا يوجد من يدبر ولا من يسيطر عليه، وبالتالي علي أن أتخيل أنه أي شيء يمكن أن يحدث ويكون أصعب ولا متناهى له.

لكن المؤمن لا يفكر بالعقل الإلحادية، هو يفكر بعقلية المؤمن الموقن المنتبه المستيقظ في ماذا؟ في أن هذا البلاء نزل من الإله الرحمن الرحيم اللطيف الخبير، وبالتالي بالتاكيد ما دام الله هو الذي أنزل وهو الذي أذن إذاً هو نزل سينزل بمعيار معين وبكمية محدودة، له ابتداء له انتهاء، هناك من هو مشرف عليه مهيمن عليه، هذا كله يريحك، هذا كله يجعلك تشعر بالطمأنينة والهدوء والسكون وبعدم الفزع.

لأنني ما دمت مؤمناً بهذا الإله ومصدقاً به، وهو وعد أهل الإيمان بأن يخفف عنهم وأن يرفع عنهم وأن يكشف عنهم، وهو المسيطر على البلاء الذي نزل، فيضان، زلزال، حرب، مرض لأي شكل من الأشكال، إذاً هذا البلاء له نهاية، وفي ثناياه لطف، ومقصده رفعه، إلى غير ذلك من المعاني التي يمكن أن تستحضرها وأنت تستقبل البلاء، وأنت تستقبل البلاء. إذاً هذا المعنى الإيماني عظيم جداً جداً في حياتك: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التَّغَابُن: 11]، ومحروم تمام الحرمان من لا يتدبر هذه الآية ومن لا يعي معانيها، لأن قلبه سيضيع بمجرد أن تحل به البلية أو المصيبة، من فقد حبيب أو مرض أو لأواء أو ما شابه ذلك.

ثم سبحانه وتعالى يعطيك القاعدة الثانية، بعد أن أعطاك القاعدة الأولى أننا كل مصيبة ستنزل بك أيها الإنسان أنا من أذنت بها وسمحت بوقوعها، يعطيك ماذا سينبني على ذلك: آية عظيمة جداً من آيات كتاب الله، قال: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التَّغَابُن: 11].

﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التَّغَابُن: 11]، من يصدق ويوقن بالله أنه المدبر وأنه الآذن وأنه صاحب القضاء والقدر، من يحقق هذا العقيدة الإيمانية وهذه المعاني الإيمانية سيهدي الله قلبه. كيف يتصرف في ساعة البلاء؟

من يؤمن بالله أنه صاحب الأمر وصاحب الخلق وأنه الذي أذن بالبلاء وهو صاحب القضاء والقدر، هذا معنى هنا: من يؤمن بالله إذا حصلت هذه الإيمانيات ماذا سيحصل؟ سيهدي الله قلبك، لماذا؟ إلى أي شيء؟ إلى كيفية التعامل مع البلاء وكيفية تلقيه واستقباله، والمشاعر التي والارادات والخواطر التي يجب أن تحكمك في هذه الساعة.

أكبر مشكلة في البلاء هي السيطرة على الأفكار والخواطر أثناء وقوعه، أليس كذلك؟ أكبر مشكلة أنت تواجهها في لحظة نزول البلاء ما هي؟ أنه عندما تحل به مصيبة فقد عزيز على قلبه، أب، أم، ابن، زوجة، ما شابه ذلك، أو حلول حرب شعواء كما يحصل مع إخواننا فرج الله عنهم كربهم وهمهم، أو حدوث زلازل أو فيضانات أو أي انهيار مالي، أي مصيبة تحل بك القضية الأصعب: كيف تسيطر على خواطرك وأفكارك لتتجه بالاتجاه الصحيح ولا تفكر بطريقة غير مرضية لله سبحانه وتعالى؟

فأنت إذاً تحتاج إلى من يهدي هذه الخواطر وهذه الأفكار لتفكر بشكل صحيح ولا تفكر بطريقة اليأس والقنوط والاحباط وسوء الظن بالله سبحانه وتعالى. فربنا يقول: من يؤمن بالله رباً ومدبّراً وآذناً وصاحب القضاء والقدر، من يحقق هذه الأمور هناك وعد من الله سبحانه وتعالى ولا يخلف الله الميعاد أنه سيهدي قلبه وخاطره وفكره كيف سيتصرف.

شوف هداية القلب هذا الذي تحتاجها أنت بساعة البلاء: ماذا تحتاج أن يهدي الله قلبك، كيف يتصرف، كيف يتعامل مع الموقف، كيف يتلقى صعوبة الخبر وصعوبة الشيء الذي نزل عليه. هنا عندما تلاحظ، إذا نظرتم في المقاطع أو كذا، تلاحظ أن الناس يتباينون في طريقة تلقي البلاء: هناك من يتلقاه مسترجِعاً: إنا لله وإنا إليه راجعون، موقناً كما قال النسفي أن ما أخطاه لم يكن ليصيبه؛ يعني هادئ مطمئن، غير ضاج وغير متبعثر المشاعر.

وهناك من يستقبل بفزع وهلع وجزع وصراخ وشق الجيوب وضرب الخدود -يعني كما جاء في الأحاديث-. لماذا اختلف هذا عن هذا في طريق تلقي البلاء؟ لاختلاف الأفكار العقدية التي تستوطن في هذا العقل وفي هذا القلب ومقدار إيمانه بها. فالإنسان المؤمن الموطن نفسه على القضاء والقدر والرضا بالله رباً والثقة بالله سيكون شعوره وتصرف قلبه أثناء البلاء تصرف حكيم متزن وفق ما يرضي الله سبحانه وتعالى، والانسان الذي لا يؤمن بالجمله الأولى وهي: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [التَّغَابُن: 11] لن يستطيع أن يصل إلى الجملة الثانية: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التَّغَابُن: 11].

يهدي قلبه. فهذه تأسيس لقضية مهمة جداً؛ قضية الإيمان بالقضاء والقدر، وما يحل بالإنسان وكيف يتصرف الإنسان. ما الذي سيعينك على التصرف والتحمل في هذه الساعات؟ إيمانك السابق وعقيدتك المحكمة هي التي ستعينك وتهدي قلبك إلى آلية التصرف وكيفية إدارة المشاعر، تمام؟ فهذا مفهوم عظيم جداً ترسخ هذه السورة وهذا المقطع من السورة في حياة الإنسان المؤمن. لذلك كل ما قاله عليه رحمة الله من تفسير: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ كله صحيح، وكل ما قاله مما يندرج تحته: يهدي قلبه لأنه يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، يهدي قلبه لأنه يقول أو يعرف ما أصابه لم يكن ليخطئه، كل ما ذكره صحيح. يعني هذه التفاسير ليست متعارضة بل متوافقة، يشد بعضها بعضاً.

أكمل ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]. وهذا الختام أنت تفهمه، لأنه أنت تحتاج إلى ما يريح فؤادك: أن هذا البلاء، هل هناك من يعلم به؟ نعم، الله بكل شيء عليم. لا تقلق أيها الإنسان، البلاء الذي حل بك بإذن الله ابتداءً وبععلم الله، ختم بذلك انتهاءً، فهو بإذن وعلم. لا تقلق، لا تجزع، لا يتطور الأمر عندك إلى مشاعر سلبية وسوء ظن بالله سبحانه وتعالى؛ فهناك رب أذن وهناك رب عليم، وهذا الرب أنت تعرفت عليه في سور أخرى وعرفت أسمائه وجلاله، بالتالي كن هادئاً مطمئناً أن الأمر سيسير بخطوات محسوبة، وثق بالله سبحانه وتعالى أنه يوصلك إلى الأفضل وإلى ما هو خير لك.

نعم، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين. نعم، هذه أيضاً قاعدة أخرى من قواعد سورة التغابن، وهي من تبين المنهج الذي ينبغي أن يسلكه. كما قلنا سورة التغابن تشعر كأنها نمط من القواعد المتعددة التي يجب أن ترسخ في حياة المؤمن، من عند قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ [التغابن: 1] إلى هذا الموطن الذي نحن فيه، هي قواعد الإيمان وقواعد السير إلى الله سبحانه وتعالى. من القواعد التي يجب أن يوطن الإنسان نفسه عليها في حياته، ويوطن هواه عليها، هي ماذا؟ أهمية الانصياع والانقياد التام لله وللرسول. فإن كثيراً من الناس وإن كان يعلنها بلسانه أنه يطيع الله والرسول، لكن هذا المسلك لا يظهر في حياته واقعاً؛ فتجد ذلك الشاب يطيع الله فيما يوافق هواه، ويخالف الله فيما لا يحب ولا يرغب. تلك الفتاة تطيع الله مثلاً في أمور معينة ممكن تصلي، لكن لما تأتي للحجاب، لترك مثلاً الحديث مع الشباب، لترك كثير من الأمور لا تطيع الله والرسول. نفس الشيء ذاك الشاب، يعني ممكن يكون طالب علم أو ممكن يكون إنسان يحب الخير ويحضر مجالس معينة، وافق هواً لديه. في جوانب أخرى تخالف هواه لا يطيع الله والرسول.

إذاً أيها الأحبة، طاعة الله والرسول، ليس الذكاء والحنكة أن تطيع الله والرسول فيما يوافق هواك، أليس كذلك؟ يعني شيئاً تحبه نفسياً، فلا تقول لي والله أنا أطيع الله والرسول، طب هيني بصلي، هيني بعمل كذا. قد يكون وافق هواً، أو على الأقل لم يوافق هواً، لم يخالف هواك حقيقة. محنة طاعة الله والرسول متى تظهر؟ في الزاوية التي تخالف هواك أنت. لا تجي تضحك علي وتقول لي أنا أطيع الله والرسول فيما يوافق هواي، وتزعم أنك معلن للطاعة. لا لا، هذا سهل، الصعوبة والمحك الأصعب أين أيها الشباب؟ أن تطيع الله وأن تطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تتمسك بالإسلام في الزاوية التي تخالف هواك. عندك شهوات ونزوات ورغائب تريد تحقيقها، لكن تعلم أن الشريعة لا تريدها بهذه الصورة، قدرتك على أن تترك هذا الهوى، وقدرتك على أن تتخلى عن هذه الرغبات والنزوات نزولاً عند مراد الله واتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا معنى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول. وهذا معنى انقياد لهذه الآية.

حتى يعني لا تعتقد، لماذا أقول لكم هذا الكلام؟ إنه كثير منا لما يقرأ هذه الآية يظن نفسه من روادها، يظن نفسه من أهلها، وأنني طائع لله والرسول. لكن لا، أنا أريدك أن تقف قليلاً، هل أنت حياتك فعلياً الآن بكل مواصفاتها هي طاعة لله والرسول؟ ولا هناك معاصي أنت مدمن عليها ولا تفكر بالتخلي عنها؟ نعم تطيع الله والرسول في جوانب، جيد جزاك الله خير. لكن في جوانب أخرى لسه هواي لا يريد أن ينصاع، ما زال هواي معانداً محارباً في هذه القضية. إذا كان هناك معاصي في حياتك أنت مصر عليها ولا تريد أن تتخلى عنها، هسه فرق بين إنسان يجاهد نفسه، أسال الله أن يكون داخل تحت: وأطيعوا الله والرسول، لكن لا أتكلم عن إنسان رجل أو امرأة عنده معاصي في الحياة هو متماهي معها.

ماذا يقول؟ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول. وركز هنا أنه كرر الطاعة مرتين، في أحياناً يعطف: وأطيعوا الله والرسول. لا، هنا ركز لأنه الموضوع موضوع تأسيسي فكان لابد من التفصيل: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول. في مواطن أخرى تكون هذه الفكرة تبعية لفكرة سابقة، فيقول: وأطيعوا الله والرسول، ويكون ذكر الرسول تبعاً لذكر الله سبحانه. لكن هنا لأنها تأسيس لمنهجية في حياة الإنسان، فصل فقال: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول.

وبالتالي لا يأتيني شخص اليوم يقول: أنا ما أجد في القرآن آخذه، وما في السنة لا آخذه. هذا النمط ممن يسمون أنفسهم بالقرانيين، والقرآن منهم براء، لا عبرة بهم، وهذا كفر. أن تقول: أنا أخذ ما عند القرآن لأنه من عند الله، وأما السنة النبوية أنا لا أخذها ولا أؤمن بها، أنا فقط أعمل بكتاب الله. هذا النوع العياذ بالله كفر، الله عز وجل يقول لك: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول. وأنت لو كنت صادقاً، لو كنت صادقاً في إيمانك بالقرآن، مش هو يزعم أنه يأخذ بالقران؟ أقول لك: أما السنة ليس لي فيها. طب القرآن ماذا قال لك؟ القرآن الذي أنت تزعم أنك تؤمن به ماذا قال لك؟ ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. هو القرآن الذي تزعم أنك قراني بسببه هو الذي يقول لك: وأطيع الرسول. فليست هذه مغالطة علمية أن تقول: أنا أخذ بالقران ولا أخذ بالسنة؟ طيب ثم ناتي للقران، فإذا القران يقول لك: وأطيع الرسول، فيجب تطيع الرسول. فالقرآن الذي تزعم إيمانك به أحالك على الرسول صلى الله عليه وسلم، فبالتالي أنت تكذب إذا قلت أنك تأخذ بالقران فقط وتترك السنة. أنت لم تأخذ حتى بالقران، أنت لم تأخذ حتى بالقران لأن القرآن أمرك باتباع الرسول.

فإذاً منهجية طاعة الله والرسول هذا أساس، ومن العقائد الإيمانية التي يجب أن ترسخ، لذلك ماذا اتبع ذلك؟ قال سبحانه: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾. إذا توليت عن هذه الطاعة تولياً كلياً أو جزئياً، لأنه التولي هناك التولي الكلي، صح؟ كافر لا يؤمن بالله ورسوله، تولي كلي. هناك التولي الجزئي اللي ذكرناه قبل شوي، وهو أنك تطيع الله ورسوله فيما يوافق هواك، وتعصي الله فيما يخالف هواك، صحيح. إذاً في نوع من التولي في حياتك، كثير من الناس حتى من أهل الإيمان عنده تولي، نعم. ليس التولي الكامل الذي يخرجه من دائرة الإسلام، لكن في تولي جزئي، تولي في بعض الجوانب والزوايا في حياته. فهذا ماذا يهدده الله؟ انظروا ماذا قال سبحانه: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: 12].

ما معنى هذا الجواب؟ يعني جواب الشرط ما علاقته بجمله الشرط؟ ربنا يقول: إذا توليت كلياً أو جزئياً فإنما على رسولنا البلاغ المبين. من يعطيني هكذا، لماذا جعل هذا هو جواب الشرط؟ اه حبيبنا، يعني أن المراد أن الرسول عليه الصلاه والسلام إنما يقيم الحجه عليك. طيب، لكن هناك مقصد أبعد في الآية، هو لماذا جعل جواب الشرط: فإنما على رسولنا البلاغ المبين وسكت؟ أكيد في هناك مقصد، اه حبيبنا؟ قد علمتم فلا تلوموا إلا أنفسكم. طيب. انك لا تهدي، لا، هنا السياق ليس السياق أنك لا تهدي، يعني ليس السياق بيان أنك يا محمد صلى الله عليه وسلم إنما وظيفتك البلاغ والهدايه علينا. سياق، ايوه؟

ليسهو، لاحظوا أسلوب الحصر هو قال: فان توليتم. الآن جاءت جمله فيها حصر: فانما. هي إنما تسمى ماذا أيها الأحبة؟ أداة حصر. إنما على الرسول البلاغ. لماذا حصر؟ اه يا مجد؟ أحسنت، هذا سياق تهديد. هو لماذا يحصر هنا؟ ليقول لك: فإذا توليت كلياً أو جزئياً فإنما، يعني وظيفة النبي فقط البلاغ. في جزء محذوف أنت بدك تقدره: والله عليه الحساب والعقاب. فهناك تهديد مبطن مفهوم من سياق الآية. لما حصر أن وظيفه الرسول البلاغ، حصر إنما على رسولنا البلاغ، هي إنما كما قلنا في العربية ايش تسمى؟ أداة حصر، يعني ليس على الرسول. إذن كأنه قال: إذا توليتم فليس على الرسول إلا البلاغ. شو معنى هذا الكلام؟ إذن أن احنا، الإله بعظمته وجلاله، احنا رح نتولى عقابكم وحسابكم على هذا التولي. فهذا فيه قمة التهديد، يعني الرسول صلى الله عليه وسلم ليس من شأنه الحساب، وإنما من شأنه البلاغ وإقامة الحجة. لكن الذي من شأنه الحساب وأنزال العقوبات الرهيبة هو الله سبحانه وتعالى. فهذا سياق تهديد ووعيد شديد، إذا توليت ترى رسولنا عليه فقط البلاغ والباقي علينا، ستأتي يوم القيامة بل حتى في الدنيا سانزل بك العقاب الشديد على هذا التولي.

لذلك أيها الأحبة الإنسان المؤمن عليه أن يتفطن أنه هذا العقاب الشديد ليس فقط على التولي الكلي، بل يكون أيضاً على التولي الجزئي. إذا أنت مصر على معصية من المعاصي ولا تريد أن تتركها وتتماشى مع هواك فيها، فالله يهددك أيضاً بأنه سينزل بك عقوبة. الله يهددك أنه سينزل بك عقوبة، وهذا يجعل الإنسان يفزع ويخاف من أي ذنب، يفتش: وين في حياتي في شيء أنا مصر عليه بدي أحله الآن، لأن الله يهدد، الله سبحانه يتوعد، ومن الذي يقاوم وعيد الله سبحانه وتعالى؟ ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ كلياً أو جزئياً، فعلينا باختصار الحساب فانتظروا العقاب الرهيب.

وبالتالي أيها الإنسان انتبه، حقق الآية الأولى تمام التحقيق: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول. حققها تمام التحقيق في حياتك. نعم كلنا نعصي، أليس كذلك؟ لكن حاول ما يكون هناك شيء أنت مصر عليه. فرق بين من يعصي ومن يصر على المعصية، هذه دائماً نتذكرها أيها الأحبة. ما في إنسان ما عنده معاصي، صح؟ بس يمكن الإنسان أنه ما يصر على المعصية، صح؟ هذا شيء وهذا شيء. إن بعض الناس دائماً يحاول يخلط قاعدتين، لا يوجد إنسان ما عنده معاصي إلا من عصمه الله، طبعا الأنبياء معصومون تماماً على خلاف الكبائر والصغار، مش موضوع يعني تحرير الآن أتكلم عن من سوى الأنبياء. كل من سوى الأنبياء سيعصي، وهذا شيء جبلنا عليه.

لكن هل كل من سوى الأنبياء سيداوم على المعصية ويصر عليها؟ لا، فيستطيع الإنسان أن يصر على المعصية، هذا شيء يمكنك أن تفعله. نعم، قد لا يمكنك أن تخرج من الدنيا بدون معاصي، لا يمكنك أن تخرج بدون معاصي يعني إلا وتكون وقعت في معصية، هذا الذي أقصده. لكن يمكنك أن تكون لست مصراً على معصية، هذا الذي يريده الله منك. الله عز وجل لا يريد منك إنساناً نقياً لا يمكن أن يعصي. مش النبي عليه الصلاه والسلام أخبرنا بما معنى الحديث: «انكم لو لم تعصوا لأتى الله بقوم يعصون» حتى يتوبوا ويغفر لهم؟ فهو سبحانه يعلم أن الإنسان خلق ضعيفاً. فهو الدين والشريعة لا تفترض فيك أنك لا تعصي، لكن تفترض فيك ماذا؟ أنك لا تصر. تفترض فيك أنك لا تصر، تعصي كلنا نعصي، لكن المفترض أنه إذا عصيت مباشرة تعالج بالتوبة والاصلاح وترميم الخطا وعدم الاستمرار.

أما هذه الفتاة متبرجة 24 ساعة تخرج وتاتي، هذا إصرار. هذا واضع ماله في بنك ربوي وكل حياته عايش على الربا، هذا إصرار. هذا الإنسان مصر على النظر للحرام، يعني فرق بين إنسان يتقصد فتح الحرام والنظر إلى النساء وكذا والمسلسلات وما عنده مشكلة ومتماشي مع هواه بإصرار، فهذا يتوعد نعم، هذا نقول: انتظر الوعيد. أما إنسان يتعثر وينهض، يتعثر وينهض، ويعلم الله من نفسه أنه كاره لهذه المعصية، كاره لهذه النظرة، لكن تضعف نفسه في لحظة، بيرجع بيشد حيله يقاوم، بيرجع بيضعف، هذا نمط آخر نرجو أن يغفر الله له ويغفر لنا. فكلنا هذا النمط، كلنا هذا الذي يتعثر وخطه ياتي فيها انزلاقات ثم بعد ذلك يقوم. فننتبه أحبابنا الكرام أن الشريعة لا تفرض فينا عدم المعصية، لكن ما تفرضه فينا عدم الإصرار، هذه قاعدة مهمة جداً.

أكمل: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان تول... طبعا هنا قوله نعم: فانما على رسولنا البلاغ المبين، هذه قرأناها، قضية البلاغ المبين. يعني هي فقط إشارة سريعة أن النبي عليه الصلاه والسلام تركنا على المحجة البيضاء، وأنه عليه الصلاه والسلام لم يقصر في شيء صلوات ربي وسلامه عليه. فبالتالي لا يمكن للشخص أن يحاول أن يخترع عقائد أو أفكار أو مناهج أخرى للإسلام بعد منهج النبي صلى الله عليه وسلم، لأن هذا فيه اتهام للمقام العظيم للنبي عليه الصلاه والسلام أنه لم يحقق البلاغ المبين. البلاغ المبين ما هو؟ ما معنى كلمة المبين؟ الواضح، الشافي، التام. وهذا من أساليب الرد على أهل البدع وأصحاب المناهج الباطلة والعقائد الفاسدة: أن النبي عليه الصلاة والسلام بين بياناً تاما شافياً، ليس فقط لأصول مسائل الاعتقاد، بل حتى لوسائل الاستدلال عليها. فأي منهج بدعي يخرج بعد ذلك حادث يزعم أنه وصل إلى طريقة في الاستدلال أعلى من الطريقة القرآنية والطريقة النبوية، وأنه يستطيع الإنسان أن يحقق بها الشفاء والهداية التام، فهذا يتهم الإسلام بالنقص ويرد على

قول ربنا: ﴿إِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: 92]. ما دام صلى الله عليه وسلم بين البلاغ المبين؛ هذه من أكبر الأفكار التي كان يعتمد عليها شيخ الإسلام رحمه الله عليه في ردوده على الأشاعرة والماتريدية، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر الله أنه بلغ البلاغ المبين، إذاً هو بينه بياناً تاماً شافياً في الوسائل والأصول؛ يعني في مسائل الاعتقاد وفي وسائل الاستدلال عليها. فطريقة القرآن في الاستدلال على مسائل الاعتقاد هي من ضمن البلاغ المبين، ولا نحتاج بعد ذلك إلى شيء، وإنما لو أردت أن تفرع فإنما تفرع على الطريقة القرآنية وعلى المنهج النبوي في الاستدلال، ولا تفرع على مناهج اليونان والأغريق والفرس وتعتبر أن هذا جزء والله من إكمال الشريعة؛ الشريعة كملت في مناهجها الاستدلالية، ونحن أهل السنة والجماعة نفرع على الطريقة القرآنية لكن لا نؤصل مناهج جديدة في الاستدلال.

نعم، ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: 13]. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على التوكل عليه حتى ينصره على من كذبه وتولى عنه؛ طبعا هذا هو التعريف أو التفسير القراني الذي يعتمد علماء التفسير ويقتصر على ذلك، حتى أنت يجول خاطرك في المعاني الإيمانية الأوسع لهذه الآية، وهذه أيضاً قاعدة جديدة من قواعد سورة التغابن؛ قاعدة التوحيد وتؤكد عليه مرة أخرى، لما هي صحيح أشارت إليه في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [التغابن: 1] لكن هنا تصرح به تصريحاً بشهادة التوحيد. ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ ما معنى ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ أيها الشباب؟ معنى شهادة التوحيد؛ يعني ما يصلح أنك تعيش حياتك ولا تعرف شهادة التوحيد؛ ما دلالتها؟ لا معبود بحق إلا الله؛ يعني لا يوجد من يستحق العبادة وصرف جميع العبادة ظاهراً وباطناً كلياً وجزئياً إلا الله سبحانه وتعالى. ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ يعني هذا الله الذي عرفنا باسمائه وصفاته وأفعاله لا ينبغي أن يتعبد إلا هو في كل أمور الحياة؛ فلا يخاف إلا الله، لا تخشى إلا الله، الحب التام حب التعبد؛ حب التعبد لا يكون إلا لله، الخشوع الإنابة كاعمال القلوب لله، نأتي إلى الأعمال الظاهرة السجود الذبح النذر الاستغاثة الدعاء لا يكون إلا لهذا الإله.

فهذه آية جامعة كلية وهذه الجمله جامعة كلية، لا يوجد من يستحق العبادة ظاهراً وباطناً إلا الله سبحانه وتعالى، فاياك أن تزل بك الأقدام وتصرف جزء من العبادة لوسطاء أو شفعاء أو لقبور أو لأولياء أو ما شابه ذلك من الخرافات والأساطير، فكمال التعبد لله سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: 13]؛ إذا عرفت أنه لا إله يعبد ويستحق القصد إلا الله، ماذا سينبني على ذلك؟ أنه التوكل والالتجاء والاعتصام والفزع والاقبال بالكلية لا ينبغي أن يكون إلا على الله، لذلك قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: 13]. لماذا قدم الجار والمجرور؟ لماذا لم يقل فليتوكل المؤمنون على الله؟ لا، قال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التغابن: 13]. الآن هي أصل التركيب فليتوكل المؤمنون على الله، فحرف الجر على مع الاسم العظيم لفظ الجلالة في ترتيب الجملة متأخر، لكنه هنا قدمه فقال: على الله فليتوكل المؤمنون.

خليني نشوف الشباب مشاركة جديدة؛ أحسنت، لإفادة الاختصاص، اللي هو الحصر، حتى تستفيد الحصر؛ يعني على الله لا على سواه فليكن توكلك، على الله لا على سواه. يعني فرق في التعبير عند العرب بين أن تقول فلتتوكل على الله، وبين أن أقول لك على الله فتوكل؛ العرب تفرق بين هذه الجملة وبين هذه الجملة، بين أن أقول لك توكل على الله هذا شيء، وبين أن أقول على الله فتوكل، شو الفرق بينهم؟ أحسنت، إذا قلت توكل على الله هذا لا يتنافى أن تتوكل على غيره أيضاً، تمام؛ يعني لما أقول لك زور زيداً، هل معناتها لا تزر محمداً؟ لا، أنا أقول لك زور زيداً، لكن في معك مساحة أن تزور غيره، فإذا قلت توكل على الله أنا أقول إنه أعطي توكلك لله سبحانه، لكن هذا لا يعني أنك لا تعطي التوكل لغيره. أما إذا قلت على الله فتوكل، ايش معناها؟ توكل على الله ولا تتوكل على غيره، مثل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 4] هي نفس الفكرة المتكررة.

هذا يسمى الاختصاص وهو الحصر في الأسلوب القراني، وهذا من جمالية هذا الأسلوب أنه يختصر عليك الفكرة من خلال تقديم وتأخير، لأنك لو أردت أن تبسطها لأخذت مساحة أكبر، خلص أقدم ما حقه التأخير أنت تفهم منه كعربي الاختصاص والحصر. فهذه عبودية التوكل طبعا هذه عبودية نحن نتكلم بها كلاماً، لكننا في حياتنا كثيراً ما نتعثر في موضوع التوكل فنفزع إلى المخلوقين؛ لضعفنا، إذا مرضنا أول شيء يخطر في بالنا مين؟ المستشفى والطبيب، يعني لا يخطر في بالنا الله سبحانه وتعالى نلتجئ إليه نفزع؛ إذا وقعنا في مصيبة أول شيء بنفكر فيها الواسطة، والله مين هذا شاطر يطلعنا من هل ورطة؟ من الذي سيعينني؟ فنحن التوكل شيء نتكلم، لكن هل نحققه واقعاً؟ هذا مقام آخر، مقام الكلام سهل، مقام الكلام سهل أن نتكلم عن التوكل وأشكاله وأهميته، لكن هل نعلم فعلاً نحقق على الله لا على سواه توكلوا؟ هل هذا نحققه أفراداً أو جماعات ودولاً؟ أفراداً أو جماعات ودولاً. فعندما نقول توكلوا على الله على مستوى الدول في تحقيق أرزاقكم ومعاشكم، ولا تعتمدوا على أعدائكم، ولا تكن القوة عند غيركم، تكونوا واثقين من قراركم السياسي والاقتصادي والاجتماعي وقرارك والحياة؛ مفهوم كامل جداً وعظيم، لكنه للاسف مهدر في حياة الأمة، لذلك القرآن يعطيك القواعد ثم أنت من ستطبق، إذا طبقت قواعد القرآن تحصل السعادة في الدنيا والآخرة، وإذا أهدرت هذه القواعد أنت من سيخسر في الدنيا وفي الآخرة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَروهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14]. نعم، بعد أن ذكرت هذه السورة قواعد الإيمان في الجملة؛ قواعد التوحيد، قواعد الإيمان اليوم الآخر، قواعد القضاء والقدر؛ هذه القواعد أراد الله سبحانه وتعالى أن يبين لنا أيها الأحبه العوائق التي تقف أمام الانسان دون تحقيق هذه القواعد. الآن أنت عرفت الحق، لكن تاتيك في الحياة عوائق؛ أحياناً قد تكون داخلية من الداخل، وأحياناً قد تكون خارجية تحول بينك وبين ماذا الانصياع للحق والقيام بشرع الله سبحانه وتعالى. هنا سورة التغابن ركزت على الأمور الخارجية التي ليست من داخلك، تاتي من الخارج وتعوق بينك وبين الالتزام والانضباط بشرع الله سبحانه وتعالى، هذا قد يتعرض له أي إنسان، أليس كذلك؟ خاصة الذين ينشؤون في بيئة غير متدينة وغير محافظة.

فهنا الله عز وجل يخبرك هذه القواعد التي ذكرتها لك في سورة التغابن وفي غيرها ستتعرض أيها الإنسان أحياناً لبعض العوائق الخارجية تحول بينك وبين تطبيقها وإنزالها على أرض الواقع، مثل ماذا؟ الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14]. أحياناً قد تكون الأسرة والبيئة التي أنت فيها أو نشأت وترعرعت فيها قد تكون عدواً لك، ايش يعني عدواً لك؟ يعني مانع بينك وبين الالتزام والمحافظة على أحكام الله سبحانه وتعالى، وهذا كثير ما يتعرض له الناس قديماً وحديثاً، أن ينشأ في بيئة غير داعمة؛ يسمى بيئة غير داعمة للإيمان والالتزام والانضباط بأحكام الشريعة. فالله عز وجل يخبرك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التغابن: 14] نداء من الله سبحانه وتعالى لكل مبتلى بهذا الابتلاء أن من أزواجكم وأولادكم؛ طبعا أنت قيس عليها وآبائكم وأمهاتكم وإخوانكم وأخواتكم، يعني ذكر الأزواج والأولاد ليس مقصوداً لذاته أنه ما في أقارب آخرين، لكن لكثرة ما يضعف الإنسان من جهة زوجته وولده ذكرهما تنصيصاً، والا يمكن أن يكون البيئة غير الداعمة والدك والدتك إخوانك أخواتك.

فالله ماذا يقول: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: 14] شوف العبارة ما هيك صعبة، أليس كذلك؟ أن تكون زوجتك عدواً لك، ابنك عدواً لك. لما تكون زوجتك بسبب حبك لها وتعشقك لها سبب في عدم التزامك بكثير من أحكام الشريعة؛ أنا أعرف كثير من الشباب يريد أن يطلق لحيته، لكن يقول لزوجتي غير راضية على ذلك، قد أخذتك بدون لحية، قالت لك يا شيخ الآن بدك تتمشي على دوري وتصير تطلع اللحية؟ يا أخي شيل هذه اللحية وكذا؛ زوجته عدو له، لا تريد أن يطلق اللحية، أحبت شكله وهندامه بدون هذه اللحى، فلما أراد ينضبط ويقول لي أنا والله يا شيخ حاب التدين والالتزام، لكن والله يا اخي زوجتي رافضة؛ شوف كيف زوجته عدو له بلفظ القرآن هي عدو منعته من تحقيق أمر.

ممكن تكون العداوة في ماذا؟ من يعطيني نماذج في الحياة العملية؟ يعني مثلاً قد تقول لك يا اخي أنت تقول لها أنا والله اخي ما بدي أخذ قرض ربوي، يجي زوجتك يا اخي طب الأولاد وحياتنا صعبة وكذا ومحتاجين بيت ملك وسياره ملك وكذا كذا وكذا، يا اخي خذ هذا القرض الربوي وبعدين استغفر؛ شوف هي الزوجة الموسوسة عدو لك. أحياناً قد يكون أولادك عدواً لك، وعداوة أولادك لك أحياناً قد لا تكون أنه أولادك يوسوسون لك بالسوء، لا، أحياناً قد تكون عداوتهم بمعنى ماذا؟ شفقتك عليهم تجعلك تترك كثير من الأحكام والضوابط الشرعية، فتأخذ قرض ربوي من أجلهم، هم أصلاً ما عرضوا عليك، لكن هنا العداوة قد تكون عداوة بمعنى وجودهم في حياتك سبب ماذا؟ ضعف وضغط، أحسنت، نقطة ضغط عليك أني أرتكب الحرام وأدخل في عقد محرم أو في شغل أو في سفرة لا ترضي الله، أو العمل في بيئة غير شرعية أو غير ذلك من الأمور التي تعرفونها.

فباختيارك هناك نقاط ضغط في حياتك؛ كزوجة، كأولاد، كأب، كأم، كأخ، كأخوات، يحاولون يضغطوا عليك حتى تقع في المخالفات الشرعية، فالله بقول لك انتبه لا تضعف أمامهم، إياك أنه ها نقطة الضغط تضعفك أمام الثوابت الشرعية والقضايا القطعية التي لا مجال للنقاش فيها؛ الله يعلمك بذلك مسبقاً: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: 14]. طيب، ايش نعمل يا رب؟ نتماشى معهم؟ لا، ايش قال لك: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14]. شوف الكلمة الإلهية كم هي واضحة وعظيمة؛ احذر زوجتك، احذر زوجتي يا شيخ؟ آه نعم، احذر زوجتك، احذر زوجتك أن تسبب لك فساداً في الدين، احذر من والدك ووالدتك يخليك تعود إلى طريق التفلت وعدم الانضباط.

بعض الآباء والأمهات قد يكونوا غير متدينين غير محافظين، يجد ابنه والله بده يسلك دربي الاستقامة والتزم وأصبح في بيئة: يابا ايش بدك في هذا الكلام وبكرة بدعوك الجماعة وتتورط أمنياً وكذا وحفلات كثير، ورزقك والوظيفة وعمرك ما راح تتعين، ويبدأ يعطيك سيناريوهات من الخوف والتوتر وما شابه ذلك، فأنت بتسعى بتضعف بتقول والله أكيد أبوي أعرف بمصلحتي، لا والله ما هو أعرف بمصلحتك، والدك يريد الدنيا ولا يريد الآخرة، الذي يمنعك من الانضباط والالتزام والمحافظة على المسالك الجيدة خوفاً من الدنيا والرزق هذا ليس أبأ صالحاً حقيقة، وإن كان هو قد يظن أنه صالح لكنه طالح؛ فالله عز وجل بنبهك احذره، أي إنسان يبعدك عن درب الاستقامة والنهج القويم؛ زوجة، أولاد، أب، أم، احذر ولا تتماشى معه وإياك أن تغلب الشفقة.

ما هي وين نقطة الضغط في أمور العائلة؟ عنصر الشفقة؛ يعني أنت ربما ياتيك شخص خارجي بعيد عنك أجنبي يقول لك اترك الالتزام ما بتتركه، صح؟ لكن هي نقطة الضعف في العائلة هي الشفقة؛ الشعور بالشفقة على الأولاد، الشعور بالحب للزوجة، الشعور بالثقة بالأب، هي نقطة الشفقة أو الحب أو التعلق هي نقاط الضعف اللي بيواجهها كثير من الشباب والأخوات، بتكون سبب في تراجع وانتكاستهم، فاحذر من نقاط الضغط هذه، هذه من أكبر العوائق الخارجية.

هو طبعا هو من أسباب النزول، الآن سياتي معنا هو من أسباب النزول، ولانه أكثر عامل ضغط؛ يعني شوف أبوك وأمك أنت ممكن ترى تكون متمرد عليهم، بس إذا زوجتك كنت تحبها إذا كنت تحبها صعب تتمرد عليها، شوي بصير في تعلق بخليك ما بدك تخسرها، والأولاد بطبيعة الحال مجبنة مبخلة، الأولاد بطبيعة الحال كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم مجبنة مبخلة، خلص في جانب صعب انك تخطاه في موضوع الأولاد؛ يعني الابن ممكن يعق والديه بس صعب انه يهجر أولاده إلا بعض الآباء يعني اللي مودعين يعني اللي هو لا مع الاباء ولا مع الأبناء ممن انتكست فطرهم، هذا نسأل الله أن يعافينا من هذه الحالة، لكن كما نعم عاده الأب يضعف تجاه ابنه، لكن تجاه أبوه ممكن يتخطى هذا الموضوع، ممكن يتخطى هذا الموضوع. فلذلك جاء التحذير من هذا العامل الخارجي اللي هو مؤثر على كثير من شبابنا وأخواتنا اليوم، قضية إنه يترك الالتزام وتدينه بسبب عوامل الضغط من البيئة الأسرية.

اقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: 14] أي أن من الأزواج أزواجاً يعادونه ويخاصمون البعولة هي الزوج يعادون أزواجهم، ومن الأولاد أولاداً يعادون آباءهم ويعصونهم، وقد تكون عداوة الابن لأبيه عداوة حسية أنه يأمرك بالمعاصي والآفات، وقد تكون عداوة كما قلنا رمزية من جهة ماذا؟ أن نقطة ضغط عليك كما فسرناها قبل قليل. ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14]؛ الضمير للعدو أو للأزواج والأولاد جميعاً يعني ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾، الضمير هم يعود على من؟ على العدو باعتباره.

جمعاً؛ لأنه العدو، صح اسم جنس لكنه يدل على جمع، مثل قوم، أو يمكن أن نعيدها على مجموع الأزواج والأولاد المذكورين في الجملة السابقة. نعم، أي لما علمتم أن هؤلاء لا يخلون من عدو فكونوا منهم على حذر، ولا تأمنوا غوائلهم، غوائلهم يعني ما في صدورهم من الغوائل يعني المفاسد والأفكار الرديئة نعم وشرهم. وإن تعفوا عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة ولم تقابلهم بمثلها، وتصفحوا تعرضوا عن التوبيخ، وتغفر بستر ذنوبهم؛ فإن الله غفور رحيم يغفر لكم ذنوبكم ويكفر عنكم.

الآن ما سبب نزول هذه الآية: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: 14]؟ فهمك لهذا يترتب على فهمك لسبب نزول الآية، فاقرأ سبب نزول الآية كما ذكره النسفي. نعم، قيل إن ناساً أرادوا الهجرة عن مكة فثبطهم أزواجهم وأولادهم.

وقال بعض الصحابه بعض الصحابه الذين كانوا في مكة، انتم تعرفوا النبي عليه الصلاه والسلام أمر الصحابه أن يهاجروا من مكة إلى المدينة، الآن بعض الصحابه وهم قلة جاء أزواجهم إليهم وأبنائهم إليهم فقالوا: لماذا نترك مكة وتبهدل ونذهب للمدينة ونعيش عند أقوام ليسوا قوماً لنا؟ فكان سبباً كان هذا سبباً في ضعف بعض الصحابه عن الهجرة ابتداء.

شوف مين ثبط عن الهجرة إلى الله ورسوله، مين؟ زوجته، أولاده أجوا عليه رفضوا الهجرة، وقالوا: لماذا نهاجر ولمن نترك ديارنا وكيف نذهب إلى المدينة ونتبادل والحياة صعبة وناس لا نعرفهم؟ فكان هذا سببا في تركهم للهجرة ابتداء، ثم ماذا حدث؟ اقرأ، وقالوا تنطلق وتضيع، نا تنطلق يعني الأزواج شو بقولوا لزوجاتشو بقولوا لأزواجهم تنطلق إلى المدينة وتتركونا هنا. أحياناً قد يكون بعض الأزواج من الصحابة لم يستطع أن يأخذ زوجته ابتداء فكانت الزوجه تقول له يعني تهاجر وتتركني أنا والابناء.

طيب، فرقوا لهم ووقفوا. طيب، فرقوا لهم يعني ضعف أمام عنصر الزوجة والأولاد، ضعف ولم يتخذ قرار الهجرة. نعم، فلما هاجروا بعد ذلك ورأوا الذين سب بعد ذلك بعد مدة لما استقرت الأمور في المدينة هاجروا هؤلاء هؤلاء الذين تأخروا هاجروا بعد ذلك، فلما رأوا الأمور كيف أن الصحابة الذين سبقوهم بالهجرة ازدادوا علماً وحكمة وفهماً ودرجة عند الله سبحانه، صار هؤلاء الصحابة يلومون زوجاتهم لماذا منعتمونا من الهجرة ابتداء.

شوفوا ايش صار مع الصحابه الذين هاجروا ابتداء كيف استفادوا وانتفعوا وأثنى الله عز وجل عليهم ونحن فوتنا هذه الفضائل، لكن في النهاية أنت اتخذت القرار يعني هي نعم كانت عدواً لك، لكن أنت من خضعت، وأنت كان الاصل تكون أقوى من ذلك في اتخاذ هذا القرار. نعم، أرادوا أن يعاقبوا أزواجهم أو أرادوا لما حصل هذا التأخير واكتشفوا كم خسروا من الخير، أرادوا أن يعاقبوا زوجاتهم وينزلوا العذاب الشديد والعقاب الشديد بهم لأنهم ثبطوهم عن الهجرة، فالله ماذا قال لهم؟ قال خلص يعني ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

اعفوا واصفحوا واغفروا لزوجاتكم اللواتي ضعفن في تلك اللحظة خلص تجاوزوا عن هذا الخطأ، ولأن الاصل أنه أنت كرجل أنت من حزمت أمرك، يعني ماشي هي قالت لك لمن تتركنا وكذا وكذا، هي في النهاية جعلتك تشعر بالشفقة، لكن من الذي اتخذ قرارك؟ صحيح.

فإن تنزل العقوبة بالزوجة لأنها وسوست لك أو أضعفت، هذا تصرف غير رشيد، لأنه هي نعم امرأة ضعيفة وأولادك ضعاف، وبالتالي هم يعني يتصور منهم الضعف في هذه المواطن، أنت من يجب أن يحسم أمره في النقاط المهمة في الحياة وفي الأمور الشرعية، بدك تكون حازم وجاد وتغلب أمر الله وحب الله ورسوله على حب الزوجات والأبناء.

فإذا أنت ضعفت عن ذلك لا تيجي بعد ذلك تلوم زوجتك وتعاقبها وتنزل بها، لا، اعفوا واصفحوا واغفروا؛ فان الله غفور رحيم، الله يتجاوز ويصفح ويغفر لضعف زوجاتكم وأبنائكم، وأنتم من عليه أن يكون حازماً في المرة القادمة. نعم، فهذا سبب نزول الآية: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: 15].

نعم، أيضا هذه من ضمن الحديث عن موضوع ماذا؟ المعوقات الخارجية للإيمان في سياق الحديث عن المعوقات الخارجية، لكن دعونا نلاحظ الفرق بين سياق هذه الآية وسياق الآية السابقة، في الآية السابقة ايش قال؟ قال: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ﴾ [التغابن: 14] هذه «من» تفيد التبعيض، يعني أن بعض أزواجكم وأولادكم عدو لكم وليس كلهم، بعض الأزواج لا، جزاها الله خيراً هي تعين زوجها على الطاعة وترفع من همته على البذل والعطاء، صح؟

بعض الأولاد بالعكس، مثل إسماعيل، ماذا قال لابراهيم لما قالوا: ﴿إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: 102] شوف هذا الابن، هذا ابن يساعد والده على الطاعة، لذلك الله عز وجل قال: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ أي أن بعض أزواجكم وبعض أولادكم عدو لكم، صح في بعضية، لكن هنا في هذه الآية لما جاء وأخبر عن الفتنة ايش قال؟ قال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ما قال: إن من أموالكم وأولادكم فتنة.

لماذا لم يبع هنا كما بعض هناك؟ من هكذا يفكر اه حبيبنا ما في نعم، لا هو ما في أداة حصر هنا هي هي إن (ليست هنا حصرية بهذا السياق)، أنت بدأت تخطو الخطوات الأولى تجاه الإجابة الصحيحة أن كل الأموات لا، هي أداة حصر كما تفضلت، إنما أموالكم أولادكم فتنة هي أداة حصر، لكن ليس المراد يعني ليس تركيزي على موضوع الحصر، وإنما تركيزي لماذا لم يقل إن من أموالكم وأولادكم فتنة، تمام؟ لماذا لم يأتي بمن التبعيض؟ ما هو ليش هذا سؤالي أنا؟ لماذا هناك بعض ولماذا هنا عمم؟

ماشي، أنت أعطيتني النتيجة أن هنا في عموم، كأن الله يقول: كل الأموال وكل الأولاد فتنة، لماذا ما بعض كما بعض في الآية السابقة؟ شوف شو عندك؟ نعم، قال إن من أزواجكم أولادكم عدو قد يكون عدو، يكونان أحسنت. إذا الفتنة هي بمعنى الابتلاء، مش هكذا فسرها النسفي؟ ماذا قال؟ فتنة بمعنى ماذا قال نسفي؟ بلاء ومحنة، وهذا مئة بالمئة متحقق في جميع صور المال والولاد، يعني مش أنه في بعض الأولاد فتنه وامتحان وبعضهم مش فتنة وامتحان، لا، هم الأولاد دائماً فتنة وامتحان.

كيف ستربيهم؟ كيف ستتعامل معهم؟ كيف سيؤثر على حياتك؟ كيف ستؤثر على حياتهم؟ فلا يمكن أن يوجد ولد إلا وفيه بلاء، ولا يمكن أن يوجد مال إلا وفيه بلاء، فاذا التبعيض سيكون خاطئاً هنا، التبعيض لا مساحة له هنا، لأنه كل مال فيه بلاء، من أين أخذته وفيما أنفقته؟ مش هذا ستسأل عنه يوم القيامة؟ إذا كل مال فيه بلاء، وكل ولد فيه بلاء، كيف ستربي وستسأل عنه يوم القيامة؟

«كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وكيف أنت تؤثر عليه وكيف هو يؤثر عليك، فاذا هي قاعدة عامة الأولاد والأبناء عفواً الأموال والأولاد هم بلاء على كافه الاشكال وعلى جميع الصعد، والله عز وجل أعطاك إياهم ليبتليك كيف ستتصرف فيهم. ركز هي الفكرة، ربنا أعطاك مال حتى ينظر كيف ستتصرف فيه، وربنا لما يرزقك ذرية رزقك إياها فتنة، ايش يعني فتنة؟ يعني بده يبتليك بمعنى الابتلاء كيف ستتصرف معها، لأنه بعض الناس بيتعامل مع الذرية على فقط أنه مجرد عطاء إلهي بس، ما بتعامل معه على الجهه المقابلة أنه ايش فتنة وبلاء في الجانب المقابل سأسأل عنه.

بعض الناس لما ياتيه راتب أو يرتفع راتبه في الشركة بعامل: الحمد لله كرم أخي جميل، أكيد هو كرم وتحمد وتشكر عليه، لكن في المقابل ما بدي اياك تنسى أنه ايش؟ أيضا فتنة، فهذه قاعدة عامة، المال فتنة والولد فتنة، وبالتالي كما تتعامل معه على أنه نعمة يجب أن تتعامل معه على أنه بلاء، كما تتعامل معه على أنه نعمة يجب أن تتعامل معه على أنه بلاء من البلاءات التي ستسأل عنها أمام الله، ويمكن أن أزل في عقيدتي أو سلوكي بسببه مادام بلاء، إذا يمكن يكون سبب في الزلل.

فليس كل العطاء خير، ليس كل العطاء خير، فكم من عطاء كان سببا في المحن، وكم من منع كان سببا في العطاء، هكذا يقول علماء السلوك قد يكون المنع عطاء وقد يكون العطاء منع، قد يكون العطاء منع أنه منعك الإيمان والاستقامة لأنك ضعفت أمامه، وقد يكون المنع أنه منعك الله نعمة معينة عطاء لك إن ثبتك على الإيمان.

بعض الناس ما عنده اولاد لم يرزق ذرية تلاقيه مكسور الخاطر، صح، بس قد يكون هذا المنع عطاء له أن الله يعلم من حاله لو رزق ذرية ضعف ونهار أمامها ولم يستطع التماشي معها بالشكل الصحيح، بعض الناس يصلحه الفقر ولو أغناه الله لطغى، فكن واثقاً بعطاء الله سبحانه وتعالى، وإذا أعطاك الله مالاً وولداً فكما تتعامل معه على أنه نعمة من جهة، عليك أن تعرف أنه محنة وبلاء ومسؤولية من جهة أخرى.

نعم ثم قال: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ نعم عظيم عظيم. طب ما مناسبة هذا الختام، هذا بدنا نسميه التذييل للاية أو ما بدنا نسميه التذييل هذا الايغال في الآية، لما قال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ هي فهمناها واضحة صح، طيب ما علاقه ذلك بقوله بعد: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ شو علاقه والله عنده اجر عظيم أنما أموال أولادكم فتنة؟ وأنت بدك يكون هناك تناسق في النص القراني حتى أجمع انني منسجم معه.

آه حبيبنا، أحسنت، رائع، كلام رائع صحيح، إذا والله عنده أجر عظيم يعني ترغيب لمن يحسن تجاوز هذه الفتنة، مش قال: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ من يحسن التعامل مع هذه الفتنة ويديرها بشكل جيد فلا يجعل أولاده يؤثرون عليه التأثير السلبي أو هو يؤثر عليهم تأثيراً سلبياً، ولا يجعل المال يطغي ويحسن انفاقه وماخذه، الذي ينجح في إدارة هذه الفتنة هنا يرغبه الله سبحانه وتعالى بثواب الدار الآخرة أن والله عنده أجر عظيم.

آه يا مجد، تفضل. نعم أحسنت، احنا قلنا الفتنة معنى الابتلاء. نعم، الإنسان الرجل تكون على أولاد وأموال غير يعني شر وأقناع معروفون. نعم الداعي النفسي للولد أكثر، يعني هو حينا أن نفهم قضية هو الله عز وجل لم يقل أن الفتنة فقط في الأموال والأولاد، صح ولم يحصر في هذا الاتجاه، هو لم هو لم يقل إنما الفتنة في الأموال والأولاد، الحصر بالعكس الحصر جاء ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لمل ان النه في الأموال والأولاد، لأنه إذا أما الفتنة في الأموال والأولاد صار ايش معنى الآية؟ يعني النهي في هذول الشغلتين، لا، هنا الله ذكر هذين الشيئين باعتبارهما الأشياء التي تحفيها النهي.

لكن هل هذا يعني أنه لا يوجد فتنة وبلاء في أشياء أخرى؟ يوجد، فبعض الزوجات فتنة وبلاء، بعض الآباء والأمهات فتنة وبلاء، بعض الزملاء والإخوة فتنة وبلاء، فالفتنة ليست محصورة فقط، لكن الأموال والأولاد يعني من أشد الفتن لأنك لصيق بهم وهم جزء منك ولا تستطيع الفكاك عنهم، يعني الولد مش ممكن ترميه في الشارع، دار أيتام ابنك لا تستطيع أنك تتخلى عنه، أما الزوجه يمكنك أنك تتخلى عنها والوسائل كثيرة.

نعم، آه حبيبنا، نعم جميل، أخونا أبو محمد يسأل، أنت إننا قلنا أن هناك أسلوب حصر ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لا غير، مش ايش معنى أسلوب الحصر؟ يعني كأنه قال ما أموالكم وما أولادكم إلا فتنة. السؤال الأول الذي سنوجه ممكن البعض يقول: طب شيخ، هل هذا الحصر حصر حقيقي ولا حصر ادعائي؟

عند البلاغيين هناك ما يسمى الحصر الحقيقي، أنه هكذا هو في الواقع الخارجي هذا يسمى حصر حقيقي، ما جاء إلا محمد، فعلاً، ما جاء على المجلس إلا محمد هذا يسمى حصر حقيقي. هنا حصر ادعائي نقول: ما شجاع إلا زيد، هسا هل هو فعلا فعلا ما في شجاع إلا زيد؟ لا، في غيره في الدنيا يعني مش راح تخلى زي ما بحكوا، لكن هذا يسمى قصر ايش؟ ادعائي على سبيل المبالغة في إثبات الشجاعة لهذا الشخص، وليس المراد أنه فعلاً فعلاً لا يوجد غير شجاع.

طيب، فهنا ناتي إلى هذه الآية، لما ربنا قال: ما أموالكم ولا أولادكم إلا فتنة، هل معنى هذا أنه لا يوجد في الأموال وفي الأولاد إلا معنى الفتنة؟ طب ألا يوجد فيها معنى الخير والنعمة؟ فيها معنى الخير والنعمة، إذا هذا الحصر ليس حصراً حقيقياً وإنما هو حصر كما قال أبو محمد تنبيهي، يعني حصر ادعائي تنبيهي لبروز جانب الفتنة في الأموال والأولاد لأنه معنى بارز فيهم، فحصر على سبيل الحصر الادعائي كأنه قال: ما الأولاد وما الأموال إلا فتنة.

هسه احنا عارفين أنهم فيهم معنى آخر وهو معنى النعمة والعطاء من جانب آخر، صح؟ لكن ما الذي دفعه أن يحصر هنا أو ما الذي جعله يحصر هنا؟ قضية ماذا؟ التنبيه على شدة الفتنة فيه، التنبيه على شدة الفتنة فيهم، فكانه أصبح هو الجانب الأبرز الذي عليك أن تنتبه له حتى لا تقع في فخه، حتى لا تقع في فخه، واما جانب النعمة فهذا شيء مدرك فلا داعي للحصر فيه.

آه يا أسامة، تمام، لكن هو السؤال حتى لو كان هو خير الأموال والأولاد خير، لكن هو السؤال: هل نقول المال والولد ليس فيه معنى إلا أنه فتنة؟ هذا ظاهر الحصر، لما يقول ما مالك إلا فتنة. طب سؤال، ألا يمكن أن يكون أيضاً فيه جانب أنه نعمة وعطاء من الله؟ فهل فعلياً ما المال إلا فقط فقط ولا في معاني أخرى؟ فهمت سؤالي؟ هل المال ليس فيه إلا الفتنة؟

لا، حقيقة هو خير وعطاء ونعمة من نعم الله، لكن لما أراد أن ينبهك على المسؤولية العظمى والخطر الأعظم أتى بالحصر الادعائي من أجل على طريقة البلاغية من أجل المبالغة في إبراز جانب الفتنة، كأنه كأنه لا يوجد فيه إلا معنى الفتنة وإن كان واقعاً فيه معاني أخرى.

هذا المعنى هو الأبرز الذي يراد تسليط الضوء عليه والكاميرا عليه في هذا السياق. دعونا حتى نكمل السورة اليوم إن شاء الله أكمل قراءة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لَّأَنفُسِكُمْ﴾ [التغابن: 16].

جميل! إذا ما زال الله يعلمنا كيف نتعامل مع المعوقات الخارجية. الآن عرفنا أبرز المعوقات الخارجية: أزواج، أولاد، وأموال. وإذا بتلاحظوا، تم التركيز على الأولاد مرتين؛ مرة قال إنهم عدو، أو أن من أزواجكم وأولادكم عدو، ومرة ركز عليهم في قضية ماذا؟ ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]. فاعرفوا وانتبهوا من قضية الأولاد، ما دام الله ركز عليها مرتين، معناته الإنسان يضعف أمام أولاده. زي ما قلت لك، زوجتك لها حلول، أبوك وأمك أنت أصلاً بشكل عام لما تكبر في السن تضعف في جانب العلاقة بهم؛ ولذلك الله عز وجل أتى بنصوص كثيرة تدعو لبر الوالدين، قال العلماء لضعف الوازع، الإنسان يضعف فالله يحثك على أهمية اه دير بالك تضعف، تنساش والد لديك. لكن الأولاد المشكلة أن الوازع اللي فيهم فطري، أو العلاقة اللي بينك وبينهم فطرية، يعني تموت كمد على أولادك أكثر من أي شيء آخر؛ فلذلك تم التركيز عليهم.

إذا عرفنا أن هناك معوقات خارجية هي سبب ضعفنا في الالتزام بأحكام الله سبحانه وتعالى؛ المعوقات الأسرية والمالية. فالله عز وجل، طيب، أمام هذه المعوقات يا رب الأسرية والمالية، كيف سنتعامل؟ ستتعامل بقاعدة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. ستتعامل بمنهج ايش؟ جاهد على قدر استطاعتك. ايش هذا معنى فاتقوا الله؟ عليك أن تقاوم المعوقات الخارجية التي تحاول أن تصرفك عن درب الهداية والخير، عليك أن تقاومها قدر المستطاع. الله يعرف المقاوم من المسلم المتخلي. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا استَطَعْتُمْ﴾؛ ابذل أقصى استطاعتك وجهدك في مقاومة المعوقات الخارجية التي تحول بينك وبين التمسك بدرب الهداية والاستقامة تماماً. إذاً، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أي جهدكم ووسعكم.

هذه كانت دليل على قاعدة فقهية ذكرناها في دورة مدارج، من يتذكرها في قواعد فقهية؟ اه، إذا ضاق الأمر اتسع. مش قلنا الفرق بين الأوامر والنواهي أن النواهي ايش المطلوب منها؟ الاجتناب التام، وأما الأوامر فالمطلوب منها أن تفعل على قدر الاستطاعة. فالإنسان في جانب الأوامر إنما يأمره الله سبحانه وتعالى أن يفعل الشيء بماذا؟ على قدر استطاعته. والمقدور لا يسقط بالمعسور؛ مش قلنا المقدور لا يسقط بماذا بالمعسور؟ إذا في شيء معسور وشيء مقدور مش الاثنين بتروحوا مع بعض، لا، أفعَل المقدور وأترك المعسور. شخص لا يستطيع أن يصلي قائماً بيترك الصلاة كلها؟ لا، بيروح يصلي جالساً تماماً. فالمقدور لا يسقط بالمعسور، هذه كانت من القواعد، ويستدلون عليها بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. واضح أنكم راجعين القواعد، ما شاء الله عليكم.

طيب، فاتقوا الله ما استطعتم أي جهدكم ووسعكم. قيل هو تفسير لقوله حق تقاته، يعني البعض قال هذا معنى قوله تعالى فاتقوا الله حق تقاته؛ اتقوا الله حق تقاته معناها اتقوا الله ما استطعتم، يعني هذا قاله البعض. ثم قال: ﴿وَاسْمَعُوا﴾. واسمعوا ما توعظون به، اسمعوا لما توعظون به، اسمعوا للقرآن، اسمعوا للسنة، اسمعوا لكلام العلماء الربانيين. اسمعوا إذاً لكل ما فيه صالح حياتكم؛ لذلك حذف الشيء المسموع، قال: اسمعوا، لكن مفهوم من السياق أن ربنا بدو إيانا نسمع إيش؟ نسمع ما يدلنا على الخير والرشاد. اسمعوا القرآن وفهموه وتدبروه، ليس سماع مجرد سماع التبرك، سماع الفهم والتدبر. السماع للقرآن، للسنة، لكلام العلماء، وحضور المجالس العلمية؛ أنت تحتاج إلى السماع حتى تتعلم وتستفيد.

ثم قال: اسمعوا ناموا صح؟ اسمع وانسا؟ اه يا شيخ أوس؟ اسمع وانسا لا! ايش قال؟ ﴿وَأَطِيعُوا﴾. إنه السماع بعد عمل، هيك ربنا بعلمنا، مش اسمع من هون وطلع من هون كما هو حال الناس؛ بيسمع المواعظ والزواجر والقلوب، لكنه لا يمتثل، كذلك كثير من طلاب العلم يتعلم ويتعلم ويسمع من المشايخ، لكنه لا يعمل. فربنا لا يريد منهجية اسمع نام، اسمع أنسا، لا، اسمعوا واعملوا؛ فقال: ﴿وَأَطِيعُوا﴾ يعني امتثلوا لما تسمعون. شوف كيف ربنا يعلمنا ويؤدبنا في سورة التغابن بمناهج سلوكية: إذاً اتقوا الله ما استطعتم، قدر المستطاع جاهد البيئة غير الداعمة التي أنت فيها، جاهد الأولاد، جاهد الأموال، جاهد الزوجة، لا تستسلم أمامهم. ومما سيعينك على هذه المجاهدة هي سماع القرآن وفهمه، السنة وفهمها، كلام العلماء؛ هذا أكبر ما يعينك على تحقيق هذه المجاهدة وهذا الانتصار أمام هذه الفتنة، مش قال ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]؟ ما الذي سيعينني المجاهدة؟ هو سماع كلام أهل العلم، والطاعة لما يقول القرآن والسنة والعلماء. الطاعة اللي هي الامتثال والعمل. ثم قال: واطيعوا فيما تؤمرون به وتنهون عنه.

﴿وَأَنفِقُوا﴾ في الوجوه التي وجبت عليكم النفقة فيها. انفقوا، نعم، النفقة قد تكون، وهي المتبادر ابتداء، النفقة المالية؛ فإن نفقة المال والصدقة بشكل عام الصدقة تطفئ الخطيئة تطفئ غضب الرب تماماً. فإنفق بالأموال، وهناك أنفاق أيضاً بالأنفس، انفق لحظات الحياة وساعات الحياة في خدمة دين الله سبحانه وتعالى، وانفق مالك أيضاً في خدمة دين الله سبحانه وتعالى. فإذا اردنا أن نوسع مفهوم النفقة، هناك من ينفق ساعات عمره فيما هو خير، وهذه نفقة ووقت لله سبحانه وتعالى؛ أن توقف ساعات العمر ولحظات الحياة وأنفاسك لخدمة هذا الدين وتقف على ثغر من ثغوره هي نفقة عظيمة. مش كل الناس معها أموال ينفقوا، فبالتالي دل الناس على نوع آخر من النفقة، النفقة المعنوية، نفقة الساعات والأعمار. إذاً، أنفقوا ساعات حياتكم وأعماركم، وأنفقوا أموالكم في ماذا؟ في خدمة دين الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿خَيْرًا لَّأَنفُسِكُمْ﴾ [التغابن: 16]. طيب الآن طبعا ما إعراب خيراً؟ هذا فيه خلاف كبير بين المعربين للقرآن؛ البعض أعربها مفعول به لأنفق، يعني انفقوا شيئاً خيراً لأنفسكم. البعض قال لا، خيراً هذه صفة لمفعول مطلق محذوف والتقدير انفقوا انفاقاً صفته أنه خير، والتقديرات كثيرة. وعموم المعنى يدل على ماذا؟ على أن هذا الإنفاق وهذا السمع وهذه الطاعة هو الذي سيحقق الخيرية لحياتك. أنا هذا ما أفضله، يعني لا أرتقي أن تكون مفعول به، لا، أنا أرتقي وأذهب إلى من يرى أن المراد أن هذا السمع وهذه الطاعة وهذا الإنفاق هو الذي سيحقق ماذا؟ الخيرية له. أنت الآن كما قلنا في معوقات خارجية تقف أمام التزامك وانضباطك، فربنا قال ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا﴾ واعطاك المنهج. إذا استطعت أن تطبق هذا المنهج ستتحقق ماذا؟ الخيرية المنشودة؛ أن تكون في خير في دينك وفي دنياك. أنت تبحث عن الخير، فهذا الخير هذا منهجه: اتقوا الله ما استطعتم، والسماع للقرآن والسنة والعلم والتعلم والعمل بما تسمع وتتعلم، ثم بعد ذلك الإنفاق.

شوف هذه آية عظيمة: اسمع، اعمل، أنفق. مش هيك نحن أصلاً درسناها البارحة في جامع بيان العلم وفضله؟ ايش قلنا مراحل التعلم ما هي؟ السماع، خلينا باختصار يعني السماع بكل ما يشمله، ثم العمل، ثم النشر. أنت أول شي بسمع مشان أتعلم أتلقى، بعد ذلك قبل ما أعلم شو علي أعمل؟ أعمل، ثم بعد ذلك الإنفاق؛ الإنفاق اللي هو التعليم، أنفِق من علمك. فهنا آية جميلة اختصرت لك مراحل التعلم ومرحلة حصول الخيرية: المرحلة الأولى مرحلة طالب العلم يسمع، المرحلة الثانية مرحلة العامل وأطيعوا، المرحلة الثالثة مرحلة أعلم الناس الخير وأنفقوا. في ثلاث كلمات رائعة جداً ونفيسة اختصرت كلاماً كثيراً ومحاضرات كبيرة الله يعطيك إياها؛ مراتب التعلم ومراتب النجاح ومراتب الخيرية: اسمع، أطع، أنفق.

نعم، ﴿خَيْرًا لَّأَنفُسِكُمْ﴾ أي إنفاقاً خيراً لأنفسكم. وقال الكسائي: يكن الإنفاق خيراً لأنفسكم. والأصح أن تقدير خيراً لأنفسكم: وافعلوا ما هو خير لها؛ هو والأصح هذا على رأي النسفي، اختار النسفي أن يكون خيراً مفعول به لفعل محذوف تقديره آتوا، يعني وأن انفقوا انتهت الجملة، ثم وأتوا خيراً لأنفسكم؛ فهو يرى أن خيراً مفعول به لفعل محذوف تقديره وآتوا، يعني وافعلوا خيراً لأنفسكم. يعني احتمالات كثيرة حقيقة للإعراب في مثل هذا السياق.

ثم قال: وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر وبيان لأن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد وما أنتم عاكفون عليه من حب الشهوات وزخارف الدنيا. أي السمع والطاعة والإنفاق هذه المراتب هو خير لأنفسكم من الانشغال بالاموال والأولاد والزوجات والشهوات؛ هذا معنى خير، لأنه خير بمعنى أخير، هي أفعل تفضيل لكن حذفت منها الهمزة، يعني اسمعوا واطيعوا وانفقوا هذا أخير لكم. طب أخير لنا من ماذا؟ من افتتان بأموالنا وأولادنا وسعنا وانصياعنا وضعفنا أمام الضغوط الخارجية.

نعم، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [التغابن: 16] أي البخل بالزكاة والصدقة الواجبة، وهذا وأنا أحياناً يعني قد أميل لشيء من التفسير الإشاري، كما يقول من يوق شح نفسه، هي مرت معنا في أي سورة؟ الحشر. أحسنتم، قضية أن من نعمة الله على الإنسان أن يوقى بخل نفسه. الآن بخل النفس المفهوم المتبادر في حياتكم هو البخل بماذا؟ بالمال والقروش. طيب، هل هناك بخل آخر أيضاً لو بدنا نصف بخل النفس؟ ألا يوجد هناك مساحات أخرى لبخل النفس؟ تفضل في ماذا؟ كيف يعني؟ العلم بخل في ماذا؟ في تعليمه. ماشي، نقطة البخل في تعليم الناس الخير وتفريغ الوقت لطلاب العلم. البخل في اختصار صرف اوقاتك وحياتك في طاعة الله سبحانه؛ الذي يصرف ساعات عمره في الشهوات ويبخل عن صرفها في الطاعات، هذا لم يوق شح نفسه. يعني البخل مش فقط أني أبخل بمالي، بل أيضاً أني أبخل بعقلي وقدراتي العقلية عن الأمة.

ربنا أعطى بعض الناس ذكاء عالي، بده يوفره فقط من أجل شهواته ويصير صاحب بوزيشن في شركة ويحصل راتب ويصير يعني كذا، بده سيارات وزوجات وحياة؛ هذا بخل بعقله على أمته. بعضه بيروح على الغرب وبيصير هو اللي يصنع للغرب الطيارات والقنابل اللي عم تنزل علينا. ترى هاديك مرة كنت أحضر على الجزيرة مقطع عن موعد في المهجر، تعرفوا هذا البرنامج بيقابلوا رؤساء ومفكرين وعقلاء سافروا للغرب، أحد كبار المهندسين المصريين هو الذي يصنع لوائح المتفجرات والقنابل للطائرات الأمريكية! مهندس مصري عبقري بيجيب في وين كان شغله الآن، هو مفكره أنه موعد في المهجر معه وأنه الغربة شو فادته؟ شو فادته؟ مصيبة على أمة الإسلام هذا اللي فادته، أنه هو الذي يصنع اللوائح الرقمية للمتفجرات أو الصواريخ التي تلقيها الطائرات الأمريكية. يعني للاسف خيرات بلاد المسلمين وهذه العقول بخل بها عن أمته وبذلها في الشر وبذلها في تدمير المسلمين، طبعا هو بالنسبة له مش معتبر حاله مخطئ، طبعا أنه بيقول لك علم وكذا وثقافة، أنا استطعت أصنع شيء، لكنه لا يعرف كم سيتحمل من هذه الأوزار أنها صرفت في ماذا؟ في تدمير أمة الإسلام. فباختيارك: أناساً يبخلون بعقولهم وطاقاتهم عن أمتهم، أيهما أفضل؟ هذا الرجل ولا الزواري ايش اسمه الذي استشهد رحمه الله عليه، مهندس الطيران التونسي الزواري؟ صح، الزواري المهم هذا المهندس الذي قتله الموساد في تونس لأنه هو الذي أفاد المقاومة بطريقة تصنيع الطائرات، أليس هذا فرق هائل بين هذا وهذا؟ هذا الرجل جاد بعقله وروحه وحياته لأمته وضحى من أجل نصرة الإسلام والمسلمين فعلمهم كيف آية صناعة الطائرات المسيرة، وذاك الرجل باع دينه وعقله وطاقته للغرب فهو الذي يصنع لهم هذه الشرائح الإلكترونية التي توضع في طائراته. شوف الفرق بين هذا وهذا!

فإخواني، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ آية عظيمة وتأصيل عظيم، أنا ما بحب الحصر أحياناً اللي في بعض كتب التفسير اللي بحصر الفكره في جانب واحد لا، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ عطائك وعقلك وطاقتك وحياتك يجب أن تدخر للأمة، للإسلام، للعقيدة، وليس فقط للشهوات والملذات. الحياة مش فقط داري، الحياة مش فقط أنك تكون مسؤول في شركة، الحياة مش فقط أنك تطور على مستواك الشخصي وما تطور أمتك، ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ فهذا هو السعيد الذي أفلح، واما من بقي مع نفسه البخيلة -يعني يبخل بحياته وعقله وساعات عمره وطاقته وماله أيضاً- فهذا فاشل في النظر الإلهي. تفضل؟ ممكن أي بخل بساعات عمرك عن شيء يجب عليك، هذا داخل في هذا المفهوم يعني، لذلك أنا لما تأتي آية عامة بحب أبقيها على عمومها حتى يبقى العقل الاجتهادي يدخل فيها كل ما يمكن أن يدخل.

طيب، خلونا نكمل حتى لا نتاخر عليكم: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: 17]. ان تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم، وهذا من كمال العطاء الإلهي ومن أعظم النعم، هذه أظن الفكرة مرت معنا في صيد الخاطر في درس السبت، قضية أن ابن الجوزي يتعجب من ماذا؟ أن الله يعطيك ثم يقرضك! والله هل هو يعني أنت تقرض الله لماذا؟ هل هو سبحانه وتعالى ما عنده شيء وأنت عندك شيء؟ هو يعطيك ويقرضك يقول هذا من عجيب الكرم الإلهي، أن الله أعطانا المال والوقت والعقل ثم هو بيقول لك ما بدي إياك تعطيني إياهم مجاناً، بدي إياك تعطيني إياهم ايش؟ قرض! شوف هذا الإاله العظيم، ما أعظمه وما أكرمه وما أوسع جوده، يعطيك العقل ثم يقول لك اقرضني إياه، يعطيك المال ثم يقول اقرضني إياه، يعطيك الروح ثم يقول اقرضني إياها. طبعا هو ليس قرض حاجة وافتقار حاشاه سبحانه، وإنما هو قرض نفعة لك أنت أيها المقرض وليس نفعة للمستقرض. فيقول ابن الجوزي: هذا من عظيم صنع الله، يعطي العبد ثم يقرضه؛ هذا كرم وعطاء وجود، أنه يعامله معاملة المالك للشيء مع أنك في الواقع لست مالكاً له، فالمال ماله والعقل هو الذي منحك إياه والروح والنفس وكل الخطرات هو الذي أعطاك إياه ومع ذلك يستقرض منك! يستقرض.

لماذا لتبذل في سبيل الله؟ فلاحظ ماذا قال، شوف الربط العجيب: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16]. لا تبخل بعقلك ولا مالك، ثم هو يحفزك على العطاء، يحفزك على العطاء فإيش بيقول لك؟ يا أخي اقرضني، أقرض الله سبحانه وتعالى هذا المال وهذا العقل وهذه الساعات، وبذلها رخيصة في سبيل الله، والله سبحانه وتعالى شاكر لذلك. ماذا ختم الآية؟ ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: 17]. يعني هو يستقرض منك سبحانه ويسميها قرضا حسنا ثم يقول إنه شكور أي سيشكرك على هذا، مع انك لو أعدت النظر كل شيء منه، فالمال هو الذي أعطاك إياه، والعقل هو الذي منحك إياه، فما أعظم هذا الإله! ما أعظم هذا الإله الذي يعطي ثم يستقرض ليس له بل من أجلك، ثم يشكرك على هذا العطاء الذي قدمته لخدمة دين الله سبحانه وتعالى.

إذن: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: 17]. طيب ايش علاقة الحلم هنا؟ شكور واضحة في السياق ومفهومة صح، لكن الحليم؟ الحلم هو الصبر. طيب لماذا قرن الحلم بالشكر؟ اه يا مجد؟ يكون عندك شح صح، يعني الله حليم يعني الله برضه يصبر عليك حتى تعطي لأنه يعلم شحك، إذا هو شاكر إذا أعطيت، حليم إذا تأخرت، ها هو شاكر إذا أقرضت وأعطيت وفي نفس الوقت حليم بصبر عليك إذا ماذا؟ إذا أخرت. لكن إذا امتنعت وبخلت في النهاية بعد الحلم يأتي الاستبدال: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38]. إذن هو شاكر لمن أعطى، حليم صبور لمن تأخر يعطيك فرصة ويمنحك ويمنحك ويمنحك، لكن في النهاية إذا لم تحصل على الشكر ولا على ولم يفدك الحلم فإن نهايتك الاستبدال والعياذ بالله.

بس خلينا نختم الآية الأخيرة، ثم قال: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [التغابن: 18]. إذن هذا ختام سورة التغابن، هو سبحانه شاكر وشكور لمن يعطي، حليم لمن يتاخر، عالم بما في النفوس، يعلم أنت كيف تفكر، يعني الله عز وجل أنت لا تتعامل مع ذات تتعامل معك على الظاهر لا، كن عارف إنه يعرف ظاهرتك وباطنك، يعرف كيف أنت تفكر في موضوع المال أنك بدك تنفق يعني آلة تفكيرك هو فاهمها وعارفها ومطلع عليها سبحانه وتعالى، وهذا سيزيدك قلقا وخوفا أنه أنا مش بتعامل مع شخص هو مش عارف مقاصدي أو يمكن أني أخدعه، أنت تتعامل مع الله الذي يعرف أنت متى تريد أن تبذل ومتى تريد أن تمنع وهل أنت تعطي عطاء حقيقي ولا عطاء من يعني من طرف اليد، هو يعرف كل شيء سبحانه وتعالى فتعامل مع الله بصدق.

﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [التغابن: 18] الشهادة ما هو ظاهر والغيب ما هو باطن. طيب ثم قال: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [التغابن: 18] الغالب فهو كما أنه يستقرض من أجلك وليس من أجله لكنه عزيز، يعني إياك في لحظة يعني لابد يصير احتراس إياك تظن أنه يستقرض لضعف بل هو يستقرض لصالحك أنت فقط، وإلا فهو عزيز والعزة ما معنى الغلبه؟ عزيز يعني غالب لا يغلبه شيء سبحانه وتعالى وحكيم أي يضع كل شيء في مكانه الصحيح، وكل أفعاله وكل أحكامه وكل قضائه وكل ما خلقه وكل ما أعطاه في هذا الوجود اعلم أنه عن حكمة وعن دراية سبحانه جل في علاه.

السورة حقيقة عظيمة، سورة التغابن عظيمة في عقائدها الإيمانية التي رسختها، عظيمة في بيان العوائق الخارجية التي سنواجهها، عظيمة في زرع المنهج الختامي الذي يجب عليه أن نتعامل مع هذه العوائق: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ﴾ [التغابن: 16]. المجاهدة اسمعوا وأطيعوا وانفقوا مراتب التعلم، البذل والعطاء: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: 16]، تقرض الله عظيمة جدا في هذه الأفكار وفي التربية الإيمانية التي تصنعها في النفس المسلمة، نسأل الله أن يعيننا على العمل بعد الفهم إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.