بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. الحمد لله الذي يسر وعقد هذا المجلس والمداومة عليه، أنه سبحانه وتعالى الهادي والموفق. ونعوذ به سبحانه من القواطع والشواغل التي تقطع الإنسان عن مجالس العلم وعن تعلمه وتعليمه، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير.
ما زال حديثنا قائماً في تفسيرنا لكلام ربنا سبحانه وتعالى، ووصلنا إلى سورة التغابن. والتغابن من اسمه تفاعل، أليس كذلك؟ هو تفاعل وأصله من الغبن، والغبن هو الخداع، كأن تقول: غبنت في هذه السلعة أو غبنت في هذه البيعة. ما معنى غبنت؟ خدعتك؛ لما أخفيت بعض العيوب فيها ولم أكن واضحاً شفافاً كما يقولون في إيضاح جميع معالم الصفقة.
فالتغابن من أسماء يوم القيامة، من أسماء يوم القيامة يوم التغابن، اليوم الذي يحصل فيه ماذا؟ الخداع. والمراد بالخداع أنه يكتشف فيه الكافرون أنهم خدعوا في صفقتهم في الحياة الدنيا، عندما باعوا الآخرة بثمن قليل وهي الحياة الدنيا، ويعرف المؤمنون أنهم نجحوا في صفقتهم حينما باعوا هذا الثمن القليل واشتروا به صفقة وسلعة غالية جنة عرضها السماوات والأرض.
فلذلك سمي يوم القيامة يوم التغابن، لأنه يظهر فيه الغبن حتى نكون دقيقين؛ لأنه يظهر فيه الغبن. الغبن كما قلنا إنما يكون في صفقات، طيب ما هي الصفقات التي ظهر فيها الغبن؟ صفقات الدنيا. فالكافر الله عز وجل عبر في كتابه: ﴿وَاشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، ودخل في صفقات بيع، أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب.
فالكافر دخل في صفقة بيع متى سيظهر له حجم الغبن الذي وقع فيه؟ في الدار الآخرة. وكذلك أهل الإيمان دخلوا في صفقات بيع: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. فالمؤمنون أيضاً دخلوا في صفقات بيع، ولكن سيظهر لهم نجاح هذه الصفقات يوم القيامة.
فيوم القيامة هو اليوم الذي تظهر فيه نتائج الصفقات التي تمت في الحياة الدنيا، فمن نجح في الصفقة سيفرح، ومن غبن سيكتشف أنه غبن، وهو الذي غبن نفسه في النهاية. هو الذي غبن نفسه، لم يخادع الله وإنما خدعوا أنفسهم من خلال اتباعهم لأهوائهم. فهذا معنى اسم السورة.
وسورة التغابن من السور التي وقع فيها خلاف بين المفسرين: هل هي سورة مكية أم سورة مدنية؟ وحري بها أن يقع فيها هذا الخلاف؛ وذلك لأنك إذا نظرت إلى مطلعها فإن مطلع سورة التغابن يشبه مطالع السور المكية، وهي الحديث عن تصور الإيمان الذي ينبغي أن يؤسس عليه الإنسان حياته، علاقة الإنسان بالكون، علاقة الإنسان بالإله، قضية الدار الآخرة والتخويف منها، التحذير من مصائر السابقين. فانت إذا نظرت إلى صفحة ونصف ستجد أن الأسلوب القرآني في سورة التغابن يشبه الأسلوب المكي.
لكن المقطع الأخير الذي يتكلم أن: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَروهُمْ﴾، والتحذير من أن أموالكم وأولادكم فتنة، هذا من أسباب نزوله ما يتعلق بالأמור المدنية، وهو أن الذين تاخروا في الهجرة إلى المدينة عندما وصلوا متاخرين ووجدوا من سبقهم من الصحابه الكرام استفادوا وحصلوا المغانم العلمية والشرعية، كانوا يريدون معاقبة أزواجهم وأولادهم لأنهم تاخروا بهم عن الهجرة، فانزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ إلى آخر الآيات.
فلذلك البعض قال: هي سورة مدنية باعتبار آخرها. يعني من نظر إلى آخرها سيقول: لا، سورة التغابن سورة مدنية. والأكثر حقيقه على أنها مدنية، والأكثر من المفسرين أو ممن تحدث في أسباب النزول على أن السورة مدنية وغلبوا جانب آخرها وقالوا: لا إشكال أنه حتى السورة المدنية في بعض الأحيان تعالج بعض قضايا التصور الإيماني، يعني ليس معالجة قضايا التصور الإيماني هذا فقط ينفرد به القرآن المكي، بل يمكن أيضاً السورة المدنية أن تعالج جزءاً من العقيدة وتسلط الاضواء عليها، فلا مانع إذاً من جعلها أيضاً أو من أن تكون سورة مدنية، وهذا ما عليه الأكثر.
طيب، الآن سندخل في أجواء السورة لنفهم ما هي المعاني العامة التي تدور عليها هذه السورة. سورة التغابن مثلها مثل أي سورة تتكلم في بناء التصور الإيماني لدى المسلم، هي بمجموع آياتها كما سنلاحظ إن شاء الله تهتم ماذا ببناء التصور الإيماني لديك. التصور الإيماني عن وجود الإله، التصور الإيماني عن طبيعة هذا الكون وانقياده لخالق الاكوان سبحانه وتعالى، التصور لطبيعة الوجود الإنساني وأن الإنسان انقسم إلى مؤمن وكافر، والتحدث عن الدار الآخرة والمصير إليها وأنها نهاية الحكاية.
وهذه هي بشكل عام هي المركزيات العامة التي يدندن حولها القرآن لو اردنا أن نلخصها هي أربع مركزيات: المركزية الأولى والعظمى: الله سبحانه وتعالى، المركزية الثانية: الكون، المركزية الثالثة: الإنسان، المركزية الرابعة: الدار الآخرة. فالقرآن يحاول دائماً أن ينظم هذه الأفكار في عقل المسلم، ينظم لك هذه الأفكار ويبين الارتباطات بينها؛ لأن الأديان عبر التاريخ الأديان المحرفة والعقائد المشوهة إنما تاهت في هذه الأفكار، تاهت في تحديد الإله وفي علاقة الكون بالإله، في علاقة الإنسان بالكون والإله، في قضية الدار الآخرة، تاهت في واحدة من هذه المركزيات الأربعة.
فلذلك جاءت هذه السورة مثل أي سورة تركز على بناء التصور الصحيح لهذا الكون، تبين لك المرجعية الأولى والأساسية وخالق الأكوان ووجود هذا الكون وانصياع لله سبحانه وتعالى وما موقف الإنسان، ثم الدار الآخرة باعتبارها هي المركزيات التي ينبغي أن تكون واضحة في حياة المسلم. وكلما ازدادت هذه الأمور وضوحاً كلما ازددت طمأنينة أيها الإنسان، كلما ازدادت هذه الأمور وضوحاً في حياتك كلما كنت مطمئناً لكل ما يحدث في هذا الكون.
اليوم أحبابي الكرام، بما أن الشيء بالشيء يذكر، كثير من الناس مع الأحداث التي تمر بها الأمة ومع الصراعات ومع الآلام ومع الجراح تضيع عنده البوصلة، يبدأ يشعر عنده شيء من الشكوك في وجود الإله سبحانه وتعالى، في تدبير الإله لهذا الكون، في سيطرة الله عز وجل على مجريات الأمور، تبدأ عنده الشكوك تظهر، تبدأ عنده الانحرافات الفكرية في اوقات الفتن تبرز. من عاش مع القرآن وفهم التصور الذي يرسمه القرآن لمعاني الإله والكون والإنسان والدار الآخرة لن يشعر بهذه البعثرة.
هذه قيمة قراءة سورة التغابن وغيرها من السور، يعني إياك أن تتعامل مع هذه القضايا القرآنية على أنها مجرد قضايا معروفة. أنت الآن عندما تقرا السورة ستقول هذا الكلام الذي في السورة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ كلام معروف، فيعني لماذا يجب أن أكرر كثيراً؟ هو شف، هو من حيث أصل المعرفة قد تكون لأنك مسلم عرفته، لكن هذه المعرفة تبدأ تتبعثر وتبدأ البوصلة تضيع في اوقات الفتن والمحن، تبدأ قضية له الملك تبدأ تضيع عندك شوي أنه هل فعلا السيطرة التامة في هذا الكون لله سبحانه وتعالى؟ قضية: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ هل الله يعلم كل ما يجري الآن على إخواننا وأهلنا وأحبائنا وما يجري من قصف وقتل وتشريد وتعذيب؟
فأنت كأفكار أساسية قد تكون حاضرة لديك لكنها تضيع في اوقات الأزمات وتبدأ تشك فيها وتبدأ تضطرب عندك، فتاتي قيمة تدبر القرآن مرة بعد مرة لتثبيت هذه المعاني حتى لا تضيع، حتى لا تتاه، حتى لا تفقد السيطرة عليها وتبدأ تشك وتبدأ تقنط وتبدأ لا تؤمن إلا بالحياة المادية ويخفت وجود الإله في قلبك وفي حياتك. فلذلك أنت تحتاج دوماً أن تقرا القرآن لتجدد هذه المعاني ولتؤكد ولتنفض الغبار عنها حتى لا تكون من الشاكين.
أبرز قضايا التصور الإيماني التي تطرحها معنا سورة التغابن قضية تكررت في غيرها خاصة في جزء المجادله. ما هي القضية هذه؟ في هناك قضية إذا تلحظ في جزء المجادلة عموماً، في قضية في مطالع السور يؤكد عليها هذا الجزء. في جزء المجادلة بالتحديد، آه يا عمار أحسنت، في جزء المجادلة، جزء المجادلة أكثر جزء ورد في مطالع سورة: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. ناتي لسورة الحشر: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، نذهب إلى سورة الصف: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ننتقل لسورة الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ننتقل إلى سورة التغابن: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
التركيز على هذا المقطع: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ما قيمته في بناء التصور الإنساني لهذا الوجود؟ ما قيمة يسبح لله؟ لماذا ربنا يركز على هذه الفكرة؟ بالتاكيد هذا التركيز هذا التكرار ليس عبثاً، ليس مجرد ملئ فراغ، بالتاكيد هناك شيء يريد الله سبحانه وتعالى ألا تنساه ايها الإنسان وأنت تخوض رحلة الحياة. ما هو هذا الشيء؟ يريد الله عز وجل أن يؤكد لك تمام التأكد أن كل ذرة في السماوات وفي الأرض كلها منقادة لله، موحدة لله.
وأنت أيها الإنسان باعتبارك مخلوق من هذه المخلوقات الموجودة في السماوات وفي الأرض يجب عليك أن تمشي مع هذا الانصياع، مع حركة هذا الكون تجاه الله سبحانه وتعالى. الله يؤكد لنا أن حركة هذا الكون من نجوم وكواكب وأجرام وأفلاك في السماوات وكل ما في السماوات مما نعرفه ومما لا نعرفه، وأن كل ما في الأرض من أشجار وأحجار وبحار وأسماك وكل ما نعرفه وما لا نعرفه، كله في انسياق دائم متوجه إلى الله سبحانه وتعالى، موحداً له، مفردة له، عارفاً مقراً بألوهيته وربوبيته.
فانت أيها الإنسان أنت ذاك الكائن -طبعا مع الجن لكن أنا دعوني من عالم الجن وخلوني اتكلم عن العالم الإنس الذي أنا فيه- أنتم أيها الإنس والجن أنتم من أعطيتم الاختيار ليكون منكم كافر وليكون منكم مؤمن، وبالتالي هنا البوصلة تتجه عليك أنت والمجهر يتكبر يكبر عليك: هل أنت أيها الإنسان الذي تقرأ القرآن هل ستكون منساقاً مع ذرات السماوات والأرض في توحيدك وتسبيحك وتقديسك لله سبحانه وتعالى، أم ستاخذ مشهداً آخر مشهد الكفر؟
لذلك هنا السورة ستتكلم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ هكذا تقول سورة التغابن. هو الذي خلقكم أيها البشر، فهل كلكم اختار الموقف الكوني: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؟ لا، البشر الذين أعطوا اختياراً منهم من اختار موقف الكون وكان متناسقاً منسجماً مع الحركة فسبح الله سبحانه وتعالى وحده، ومنهم من عصى وكفر واستكبر وخرج عن السياق.
وهؤلاء الذين خرجوا عن سياق الكون هؤلاء الذين يتوعدهم الله في القرآن وعيداً شديداً من بداية القرآن إلى آخره. لماذا الله يمقت الكفر؟ لماذا يمقت الشرك؟ لماذا يغفر كل المعاصي لكن لا يمكن أن يغفر الشرك والكفر؟ لأنه خروج عن سياق الكون، خروج عن المشهد الأساس. كونك تعصي مع اعترافك بالمرجع ورجوعك إليها هذا الله عز وجل يسامح، حتى لو أدخلك النار يخرجك لاعترافك بالمرجع.
قضية الاعتراف بالمرجع هذه أهم شيء في النظر الإلهي، من لا يعترف بمرجعية الإله لا يمكن أن يقبل منه أي شيء، ولو كان من أكبر المحسنين من حيث التصرفات والجمعيات الخيرية اللي بيشارك فيها والتصرفات المنيحة وأنه إنسان رائع، ما دام لم يحكم بمرجعية الإله فإن الله سبحانه وتعالى لن يقبل منه أي شيء.
وفي المقابل من أقر بمرجعية الإله لهذا الكون مهما فعل من المعاصي والأخطاء والزلات التي لا تعتبر ناقضاً من نواقض الإسلام، فإن الله في النهاية في النهاية سيدخله الجنة، أليس كذلك؟ سيدخله الجنة حتى لو عذبه فترة في النار ممكن، لكن في النهاية لن يبقيه في النار لأنه على الأقل حصل الحد الأدنى وهي البطاقة لا إله إلا الله، تعرفوا حديث البطاقة؟ حصل لا إله إلا الله، وبالتالي المرجعية عنده كانت واضحة.
فهنا أحبابي الكرام قضية المرجعية أن تكون واضحة للإنسان في هذا الكون وأنها لله سبحانه وتعالى إياك أن تستقلها، ولذلك يكرر ربنا: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. المرجعية في حياتك يجب أن تكون واضحة وإياك أن تتيه عنها. هذا المعنى عظيم، لو فكرت فيه وتاملت فيه وحدك ستجد عظيم عظيم عظيم أنني حددت المرجعية وحددت البوصلة ولم انحرف عنها حتى لقيت ربي سبحانه وتعالى.
كل الدنيا تهون، كل المصائب وكل البلايا وكل القصف وكل الزلازل وكل المحن وكل الفتن كله في النظر الإلهي يهون إذا كانت المرجعية واضحة. وكل الحياة الرغيدة وكل الرفاهية وكل الرخاء وكل الحياة المنعمة والسيارات والفلل والاموال لا قيمة له إذا لم تكن هناك مرجعية واضحة. فلذلك القرآن إذا كرر شيئاً فاعلم أنه أساس، واعلم أنه مركزية في التصور الإيماني.
فأرجو أن تكون هذه القضية واضحة لأنها من مطالع السورة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تحديد المرجعية. ثم بعد ذلك سورة التغابن أيضاً تكلمت عن الله سبحانه وتعالى باعتبار أسمائه وصفاته وأفعاله، فأعطت مشهداً واضحاً للإله حتى لا تضيع بوصلتك أيضاً، مشهد الملك: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾، مشهد الحمد: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾، مشهد القدرة: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، مشهد الخلق: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، مشهد العلم: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فهذه كلها مشاهد يعرفك الله بها بنفسه، يعني أنت عليك أن تحدد.
المرجعية وهي الإله، وأن تعرف صفات هذه المرجعية؛ أنها ليست مرجعية ضعيفة، ليست مرجعية هزيلة، ليست مرجعية غير حاضرة أو يمكن أن يخفى عليها خافية، بل هي المرجعية التي تمتلك كمال الأسماء الحسنى وكمال الصفات العلى، فتمتلك الملك، وتمتلك الحمد، وتمتلك القدرة، وتمتلك البصر، وتمتلك الخلق، وتمتلك التصوير والعلم بدقائق الأمور وجزئياتها وكلياتها.
فهذا أيضا جزء آخر من التصور الإيماني الذي ينبغي أن يكون في قلبك، وهو أن تعرف إلهك، أليس القرآن يعرفك بالله هكذا؟ يعرفك بالله أن تفهم من هو الإله سبحانه وتعالى، ومن لا يعرف ربه ينسى، من لا يعرف ربه يغفل، من لا يعرف ربه تضيع بوصلته، من لا يعرف ربه يغرق في الحياة الدنيا. فلماذا نقول: لابد من ورد قراني يومي للمسلم؟ الإخوان، الورد القراني يجعل هذه المشاهد حية دوما في حياتك، الذي لا يقرأ القرآن يوميا، طبيعة الحياة تنسي الإنسان، طبيعة زخم الحياة ودراسة الجامعة والزواج والمسؤوليات والأبناء والإعلام والحوادث، طبيعة الحياة آخذة جاذبة الإنسان يضيع معها، فأنت تحتاج يوميا إلى مرجع يرجعك للتصور الإيماني يستقطب كلما شعرت أنك ضعت رجع جابك، وكلما دخلت في شهوات رجع أنقذك، وكلما تهت في فتنة أنقذك من جديد، هذا المرجع هو القرآن.
فالقران ليس مجرد متن، ليس مجرد كتاب بركة، نرجع نقول ليس مجرد هكذا أفكار، القرآن حياة للقلوب، الله سماه روحا من أمرنا، ما دام الله سماه روحا وسماه حياة، إذا هو مصدر الحياة، هو شريان الحياة الذي يجب ألا تففده، إذا فقدت القرآن أنت فعليا حكمت على نفسك بالإعدام وفقدت شريان الحياة الذي يغذي إيمانك؛ لأن القرآن من أسراره لماذا هو سبب التغذية -يعني لا يقوم مقامه كلام واعظ ولا كلام ناصح ولا أي كتاب ثقافي ولا أي برنامج دعوي، لا يقوم مقامه شيء- لأن هذا القرآن هو كلام الله، هي الخاصية التي في هذه الألفاظ أنها تكلم بها الله ومنه بدأت، يعطيها نوع من القدرات التي لا يمكن أن توجد في أي كلام آخر.
لذلك أنت لو شعرت بالارهاق النفسي أو بالتوتر الحياتي، ما بتروح بتفتح لي محاضرة تسمع لي، تمام، ما بتروح تسمع محاضرة شيخ وين الناس تشعر بالراحة والطمانينة، تقول لك: بفتح القرآن يا أخي بشعر بطعم آخر، خاصة إذا كان المجود أو القارئ صوته مريح، تشعر أن ألفاظ القرآن وآيات القرآن يا أخي لها قدرة على أن تصبغ هذا القلب بصبغة لا يمكن أن يقوم مقامها شيء آخر.
فهذه قضية أخرى ركزت عليها السورة، وهي قضية ماذا؟ أن تعرفك بهذا الإله الذي يوحده هذا الكون باسمائه وصفاته.
ثم ركزت السورة على القضية الثالثة وهي قضية الغاية من الخلق ابتداء والمصير انتهاء. شوف هذه الآية التي ستاتي ما أخصرها وما أعظمها: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: 3]. ثلاث جمل تعطيك البداية والنهاية، خلق الكون، خلق السماوات والارض بالحق -يعني يعطيك بدايه الكون، بداية خلقه ولماذا خلقه، ها شوف بداية الخلق ولماذا خلقه بالحق- ومن الذي سيحمل مسؤولية الحق؟ الانسان الذي صوره فأحسن صوره، واليه المصير النهاية. أعطاك ملخص لهذه الحياة بأربع جمل أو بثلاث جمل: خلق السماوات والارض بالحق لتتحمل هذه المسؤولية، واليه المصير. هل تريد كلام اجمع واوجز من هذا الكلام؟ اعطاك الغاية والنهاية أو البداية والنهاية في آية واحدة وفي سطر واحد لتعرف طبيعة هذه الحياة التي أنت فيها، فهذه قضية مهمة.
ثم ركز على قضية الدار الآخرة: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُل بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: 7]. لأنه هذه أيضا من المركزيات التي ضاعت فيها البوصلة عند الكفرة، قضية: هل يوجد هناك دار أخرى سننتقل إليها بعد هذه الدار؟ هل نحن مخلدون في هذه الحياة الدنيا؟ بالتأكيد لا. هل سينتهي الأمر بالمظلوم يموت مظلوما والظالم يبقى يترفع في هذه الحياة؟ هل هكذا هي نهاية المشاهد؟ بالتأكيد لا. عدم الايمان بالدار الآخرة هو من كمال وصفك لله بالعيب، عدم الايمان بالدار الآخرة لماذا اعتبره الله كفرا؟ كفر لأنك تصف ربك بالظلم، لأنك تصف ربك أنه لم يقيم العدالة في هذه الحياة الدنيا، لا يمكن أن ينتهي المشهد كما ترونه في أحداث اليومية، المظلوم يموت قصفا وذبحا و و و والظالم يتمتع في هذه الحياة الدنيا. عدم الايمان بالدار الآخرة هو من اعظم وصف الله عز وجل بالنقص والعيب والظلم، لذلك جعله الله كفرا، والإننسان لو فعل ما فعل من الإيمان وهو لا يؤمن بالدار الآخرة فهو كافر، فهو كافر لأنه اتهم ربه باعظم النقص الذي لا يليق بجلاله. الله يقول: يا ابن آدم، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما. وأنت بعدم إيمانك بالدار الآخرة أنت تصف الله عز وجل بالظلم.
الإيمان بالدار الآخرة أيضا من التصورات الإيمانية المهمة في حياة الإنسان حتى يشعر بالراحة؛ لأني برجع وبقول: كثير من الناس يرجع يشتكي من الواقع المؤلم الذي يعيشه الناس اليوم، أطفال غزة يموتون، الناس تذبح، أين الله؟ ويبدأ يكرر مثل هذه العبارات شاكا البوصلة عنده ضاعت. إذا أنت كنت مؤمن بقضية الدار الآخرة أنت ستستريح، أنه هذه الدنيا من قال إن العدل الإلهي سيقوم في الدنيا؟ الدنيا نعم يمكن أن يقتص فيها المظلوم من الظالم، لكن الله عز وجل لم يجعل نهاية العدل هنا، العدل التام سيقوم متى؟ في الدار الآخرة، حيث يقتص المظلوم من ظالمه. وهذه بالتالي من أكبر القضايا التي تورث الطمانينة لدى الإنسان، أنه نعم قد يموت المظلوم وقد تنتهي حياته، وقد لا يستطع أن يقتص من الظالم، وقد يموت الظالم على فراشه ويكون في حياة مرفّهة، لكن الدنيا لا شيء، الدنيا لا شيء أيها الأحبة، ومن عظمت الدنيا في قدره أو عفوا من عظمت الدنيا في قلبه هو الذي يعترض على ربه، من عظمت الدنيا في قلبه وراها شيئا كبيرا هو الذي سيعترض على ربه في أقدار وعدم تدخله كما هو يعتقد، وأما من عرف قيمة الدنيا وهوانها على الله هانت عليه، وعرف أن كل ما يحدث حتى ولو أن الله سبحانه لم يقتص من الظالم في الدنيا، لكنه أعد له عذابا رهيبا وعاقبة وخيمة في الدار الآخرة، فيطمئن الإنسان ولا يشعر بالضعف ولا بالبلبلة ولا بفقد الثقة بربه سبحانه وتعالى؛ لأن الدنيا مشهد صغير جدا جدا بالنسبة للمشهد الذي لا ينتهي -يعني حتى في المعادلات الرياضية ما قيمة شيء ينتهي لشيء لا ينتهي؟
اه يا شيخ شو رايك؟ يعني شيء لا بسمه أنفينتي يعني لا نهاية له، لو بدك تقارن بينه وبين شيء له نهاية محدوده جدا 70 80 سنة؟ لا شيء، لا شيء في المقارنات الرياضية- فلماذا هذا التكالب على الدنيا وتكبير حجمها وكأنها محط الآمال ومنتهى تحقيق المرادات؟ هذا من الغبن، وسورة التغابن، إياك أن تغبن إياك أن تخدع، ونحن نتكلم في سورة التغابن، إياك أن تخدع فتعطي الدنيا مساحة أكبر من المساحة والحجم الحقيقي الذي يجب أن تأخذه من قلبك ومن إيمانك ومن حياتك، لا تعطها إلا ما تستحقها، واعلم أنها مزرعة للآخرة.
كل هذه المعاني العظيمة حقيقة تثيرها سورة التغابن ويثيرها القرآن في قضاياه وفي معالجاته المتعددة، حتى لا نطيل نبدا ان شاء الله في قراءة التفسير.
بسم الله، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: 1]. تمام، نبدا خلص، نبدا نفسر آية آية، اقرأ.
قدم الظرف، طبعا هنا المقطع الاول -يعني قبل أن تشرع هو اختصر الكلام بناء أن جزء كبير من تفسير هذه الآية مر سابقا- قال: يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، ومر معنى ما معنى التسبيح؟ التنزيه، أن تنزه الله سبحانه وتعالى عن كل النقائص، أن تنزه الله عن كل النقائص والعيوب، فتثبت له -يا رب- فتثبت له الأسماء الحسنى التي تليق به، والصفات العلى التي أثبتها لنفسه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أعظمها التوحيد، ومن أعظمها توحيد الله سبحانه وتعالى.
نعم، يسبح لله، وهنا نلاحظ أنه أتى بالفعل المضارع، في بعض السور يتكلم بالفعل الماضي وهنا أتى بالفعل المضارع، الفعل المضارع يدل على ماذا أيها الأحبة؟ على التجدد الاستمراري، يدل على التجدد الاستمراري يعني أن هذا التسبيح ليس تسبيحا حصل في مدة وانقطع، لا هو تسبيح يتجدد ما دامت السماوات والأرض قائمة، تسبيح يتجدد، يسبح فعل مستمر لا ينقطع ولا ينتهي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
يسبح لله ما في، ما يعني كل شيء، ما معناها ماذا؟ كل شيء عاقل أو غير عاقل، وإن كانت ما لغير العاقل لكنها هنا غلب فيها غير العاقل على العاقل وتشمل الجميع، فيسبح لله كل ذرة وكل شيء في السماوات، وكل ذرة وكل شيء في الأرض، وهذا معنى أول قاعده من قواعد التصور الإيماني: انسياق الكون وانجذابه بكل سماواته وأرضه لله الواحد الديان سبحانه وتعالى.
نعم، قدم الظان -قال، الان سيتكلم هو عن المقطع الثاني، عن الجملة الثانية، بارك الله فيك- له الملك وله الحمد، له الملك وله الحمد. الآن لم يقل الملك له والحمد له، بل قدم الجار والمجرور فقال له الملك وله الحمد، يعني قدم الخبر على المبتدأ. لماذا؟ هذا إخواني من أساليب الحصر في اللغة العربية، إذا أن تقدم الخبر على المبتدأ، إذا قلت الملك لفلان أنت أثبت ملكا له، لكنك لم تنفي الملك عن غيره، إذا قلت الملك لزيد، الملك لعمرو، فهذا معناه أنني أثبت ملكا لزيد أو لعمر، لكنني لم أنفي الملك عن غيره، لكن إذا قلت لزيد الملك، أنا حصرت، يعني لزيد لا لغيره الملك. فالله سبحانه أراد أن يخبر أن الملك التام لا يكون إلا له، فكيف عبر عن هذا الحصر؟ قدم الجار والمجرور فقال: له الملك، أي له دون غيره، وله كمال الحمد، له دون غيره.
وهذه بالتالي أيضا جزء من التصور الإيماني، أن كل ملوك الأرض وكل جبابرة الأرض وكل من ملك في الأرض هو لا يملك شيئا، وإنما هو ما في يده عارية، والله يسلبه هذا الملك متى شاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تشَاء﴾ [آل عمران: 26]. فملوك الأرض وإن سموا ملوكا لكنه على سبيل المجاز، وأما الملك الحقيقي هو الملك الذي لا يمكن أن يسلب، وهذا ملك الله سبحانه وتعالى، لذلك حصر الملك فيه، له الملك دون غيره، وله الحمد دون غيره.
نعم، المخلوق يحمد، لكن لو نظرت في الإنسان، إذا حمدت إنسانا على شيء، ففي الحقيقة هل الإنسان هو الذي فعل هذا الشيء بنفسه وولده من نفسه، أم الله هو الذي أجرى عليه هذه النعم؟ الله هو الذي أجرى عليك كل شيء مميز أنت تفعله، فحتى لو حمدتك أنا حقيقة أحمد الله سبحانه وتعالى الذي أجرى وأظهر النعم على يديك، والا فليس انسان منا ينشيء النعم من ذاته، بل أنت مجرد يعني كما يقولون ريشة في هذا الكون تظهر فيها معالم قدرة الله سبحانه وتعالى.
نعم لذلك قال: اقرأ قدم ظرفان -طبعا قصده بالظرف الجار والمجرور، الجار والمجرور يسمى أيضا عند العلماء ظرفا أحيانا على سبيل التوسع- قدم الظرفا، يقصد في له الملك وله الحمد. لماذا قدم الجار والمجرور في هاتين الجملتين؟ قال:
تكلم كون انت طفيته
بس طب اعطيه المايك الثاني في مايك الثاني اعطيه حتى الثاني خارج شحنة يا رب عمار من الغرفة طلع المايك الثانية
ولا هذا المايك الثاني موجود هنا على مارك كأنه هنا شغل اعطوني المايك خلص اشبك ويمسكه بيده الله بين حتى لا نضيع الوقت يا رب
بس عاقبك تمسكه بيدك
هذا مشكل انكسر الذراع البارح الله مستعان بايش بنفسه
نعم لو تقرب شوي الكرسي ممكن حتى يهك أيضا يا رب لا هو لو قدم خلص بارتاح اسحب شوي بسم الله بسم الله بسم الله بسم الله
نعم أحسنت لا امسكوا بالعكس شيخ ايوه هكذا، قدم ظرفان ليدل بتقديمها على اختصاص الملك والحمد بالله عز وجل. نعم إذا هذه القاعدة التي ذكرناها، أن تقديم الجار والمجرور في له الملك وله الحمد للاختصاص، يعني للحصر، وأن الحمد التام له، وأن الملك التام له دون غيره، نعم وذلك لأن الملك على الحقيقة لأنه مبدئ كل شيء والقائم به، وكذا الحمد لأن اصول النعم وفروعها منه.
نعم فالذي يحمد حقيقة هو الله، أصول النعم وفروع النعم وكل شيء من الخير يجري على أيدي الناس فهو مصدره سبحانه وتعالى، فالحمد التام الكامل له.
والحمد ما هو أصلا؟ ما معنى الحمد؟ الثناء، الحمد هو الثناء كما ذكر ذلك العلماء، ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه، هكذا يعرفون الحمد، أن تثني على الشخص الذي تحمده بذكر محاسنه، ذكر محاسن المحمود بشرط أن تكون تحبه وتعظمه، لأنني ممكن أثني على شخص وانا أكرهه، ممكن أثني على كافر أقول والله عالم أو عنده معرفة بكذا، هذا لا يسمى حمدا، الثناء على من تكرهه يسمى مدحا، وأما الحمد فلا يسمى حمدا إلا إذا كنت ماذا؟ أحب من أثني عليه وأعظمه في نفسي، فهذا من الفوارق بين الحمد والمدح، المدح أثني عليك بس أنا ما بحبك ما إلك تعظيم في نفسي، وهذا يمكن من باب الإنصاف قد كما قلت تثني على كافر في صفة من صفاته، وأما الحمد لا يسمى حمدا إلا إذا كان مقترنا بالمحبه والتعظيم لمن تثني.
عليه. نعم. وأما ملك غيره فتسيطر. عء وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده. نعم. هو يقول: وأما ملك غيره كملك ملوك الأرض، فهذا مجرد تسليط من الله لهذا الملك على هذه البقعة، وإلا فالله هو صاحب الملك، ينتزع هذا الملك من هذا الشخص متى شاء؛ لذلك قال: وأما ملك غيره فإنما هو مجرد تسليط واستر عء، أن الله سلطك على بقعة تدير أمورها، ثم ينزع منك الملك متى شاء سبحانه. وكذلك حمد غيره؛ وأما حمد غير الله فهو اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده. يعني ما معنى اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده؟ يعني أنا لما أحمدك على علمك أو أحمدك على شجاعتك، يعني حقيقة أحمدك أن ظهرت نعمة الله عليك دون من سواك، فقط لما أقول: والله أحمد فلانا على علمه، أنت ماذا فعلاً تحمد؟ أنت تحمده على أن نعمة الله اختارها الله أن تجري على يدك دون من سواك، وليس أنك فعلاً من أبدع هذه النعمة من تلقاء نفسه، فقط يعني أن الله اصطفاك دون غيرك لتظهر هذه النعمة على يديك، وإلا فمن صاحب النعمة؟ هو ربك سبحانه وتعالى، وإنما اصطفاك دون غيرك، فاحمد على هذا في الواقع. نعم. ثم قال: وهو على كل شيء قدير.
فإذا نلاحظ في هذا المقطع إثبات ثلاث من أسماء الله وصفاته: أنه له الملك، وأنه له الحمد، وأن له القدرة على كل شيء. وهذه من التصورات المهمة التي ينبغي أن ترسخ في الإنسان؛ لأنك هنا تؤمن أن المدبر والقادر هو الله، ما دام له الملك، وما دام له الحمد على كل أفعاله وهو صاحب النعم ومصدرها، وما دام أنه على كل شيء قدير، إذن هذا يريحني جداً وأنا أمشي في هذا الكون، وأنني عبد من عبيد هذا الإله الذي اتصف بهذه الصفات. وأيضا في نفس الوقت يحررك من أن تخاف من غيره، ومن أن يتعلق قلبك بغيره، فالملك ملكه، والحمد حمده، والقدرة قدرته، وما سواه إنما هم ماذا؟ مظاهر للقدر الإلهي وليسوا فاعلين على وجه الحقيقة. نعم. هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن، أي فمنكم آت بالكفر وفاعل الله، ومنكم آت بالإيمان فاعل الله. نعم. هنا انتقل إلى المقطع الثاني، وهو مقطع الخلق.
بعد أن تكلم من صفاته أنه له الملك، وله الحمد، وله القدرة، أخبر أيضا من صفاته وأفعاله في هذا الكون: أنه خلقكم. خلقكم يا بني الإنسان. طيب، ما موقف الانسان من هذا الإله الذي خلقه؟ طبعا لك هذه العبارة فيها نوع من التعييب على من سيكفر؛ لأن الذي خلقك هو الذي ينبغي أن تعبده، أليس كذلك؟ يعني كأن قال: هو الذي خلقكم، أنا أوجدت، يقول سبحانه لك: أنا أوجدت، طيب، ماذا كان موقفك أنت للأسف؟ فمنكم كافر. كأن الله يعاتبهم: الذي أوجدك كان ينبغي أن تؤمن به مباشرة بدون تردد، لكن للأسف كثير من جنس الإنسان اختار ماذا؟ الكفر. لذلك البعض قال: لماذا بدأ بالكفار قبل المؤمنين؟ لماذا ما قال: فمنكم مؤمن ومنكم كافر؟ ليش بدأ بالكفر قبل الإيمان؟ قال: فمنكم كافر ومنكم مؤمن، قدم هنا الكفر على الإيمان. اه يا شيخ زلوم؟ أحسنت، لأن أكثر البشرية لم يتخذ قرار الإيمان، أكثر البشرية اتخذ قرار الكفر، ولاحظوا الأرض اليوم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]، فلأن الأكثر اتخذ الكفر، كان الله يعاتب، الله يعاتب: هو الذي خلقكم، فمنكم كافر، بل أكثركم كافر، مع أنه هو الذي خلق وهو الذي أوجد وهو الذي كان يستحق أن يعبد، لكنكم لم تتخذوا هذا الموقف في أكثركم.
نعم، شيخنا، عندي سؤال. نعم. طيب، ممكن التقديم والتأخير يكون أنه الكفر كان أول بعدين صار الإيمان؟ ممكن يعترض أن آدم عليه السلام كان مؤمناً، فكيف كان الكفر أولاً باعتبار ماذا قصدك؟ قصدك السبق الزماني؟ نعم، متى متى سبق الكفر على الإيمان إذا اردنا نبدا من عند آدم وحواء؟ فآدم وحواء كانوا مؤمنين، ثم نزلوا إلى الأرض وإنما نشأ الكفر بعدهما لانحراف، نشأ بعد ذلك، فلا أظن أن القضية تتعلق بالسبق الزمني. نعم، ويدل عليه قوله: ﴿واللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265]، أي عالم وبصير بكفركم وإيمانكم، اللذين هما من عملكم؛ إذاً فالله يخبر: فمنكم كافر ومنكم مؤمن، وفي النهاية الله بصير، ﴿واللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وهي لغة تهديد أيضاً، هي جملة معروفة لديك، لكن هو يهدد، هو مش يعطيك، يعني أنت تعلم أن الله بصير أليس كذلك؟ لكن لماذا يقول؟ حتى يعطيك تهديداً أن والله بما تعملون بصير؛ يعني كل شيء مكشوف، من كفر فانا ألاحظ كفره وبصير بأعماله، ومن آمن أنا أيضاً بصير، بصير بما يحدث في هذا الكون، بصير بكل ما تحمل كلمة بصير من معاني، الإيمان بصير بكل التفاصيل، بصير بالكافر والظالم المجرم وماذا يفعل، وبصير بالمؤمن والمسكين والمستضعف وماذا يحدث. هذه الآية مريحة جداً: ﴿واللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، إياك أن تعتقد أن الله يغفل عن الأرض، لا تأخذه سنة ولا نوم، هو لم يغب عن المشهد، لم يغب سبحانه وتعالى عما يحدث في دقيقة من دقائق الأمور، ﴿واللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، هذه عقيدة يجب أن ترسخ في قلبك ولا تتزعزع.
نعم، والمعنى هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم، الذي هو الخلق والإيجاد من العدم، وكان يجب أن تكونوا باجمعكم شاكرين، فما بالكم تفرقتم أمماً، فمنكم الكافر ومنكم مؤمن؟ وقدم الكفر لأنه الأغلب على الأغلب عليهم والأكثر فيهم. جميل، إذاً هو كان النسفي هنا يعطيك خلاصة الآية، وهي أن الله سبحانه وتعالى يقول: هو الذي أعطاكم أصل النعم وهي نعمة الإيجاد من العدم، كنتم عدماً وأصبحتم موجودين، أخرجكم من بطون أماتكم، فكان الموقف الذي ينبغي أن تتخذه البشرية جمعاء هو موقف الإيمان، لكن للأسف أكثركم اتخذ موقف الكفر؛ لذلك قال: وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم. هذا يؤكد لماذا قدم ذكر الكفر على الإيمان في هذه الآية. نعم، وهو رد لقول من يقول بالمنزلة بين المنزلتين؛ يعني هذا فيه رد على المعتزلة الذين يقولون إن المراتب ثلاث هناك في الحياة الدنيا: مؤمن، وهناك كافر، وهناك من هو في منزلة بين المنزلتين وهو الفاسق، فالمعتزلة يقولون: الفاسق في منزلة بين المنزلتين، فيرد عليهم: القرآن قسم الناس إلى ماذا؟ مؤمن وكافر، ولم يجعل هناك منزلة بين المنزلتين، والفاسق هو من أفراد أهل الإيمان، الفاسق هذا من أفراد المؤمنين، لكنه ضعف في مراتب الإيمان، لكن هل هو خرج؟ هل أصبح كافراً؟ لا، هي المرتبه ثنائية، أو القسمة ثنائية.
نعم، وقيل هو الذي خلقكم فمنكم كافر بالخلق وهم الدهرية، ومنكم مؤمن به. هذا قول آخر جعل الكفر ليس بالله، جعل الكفر بماذا؟ بالخلق، وهم الدهرية الذين يقولون بقدم العالم، لكن يعني هذا معنى بعيد، ليس هو الأظهر في السياق، فإنكم كافر كافر بالله وليس كافرا بالخلق. نعم، قد طبعا ممكن نقول إن الكفر بالخلق هو شكل من أشكال الكفر بالله، لكن خلوا الآية على عمومها، كل أشكال الكفر بالله داخلة تحت قوله: فمنكم كافر، سواء كان كفر الدهرية أو كفر غيرهم. نعم، خلق السماوات والأرض بالحق بالحكمة الب اقرأ الآية ثم علق عليها.
نعم، بالحكمة البالغة. اقرأ الآية كاملة، اقرأها خلق الآية الثالثة التي تقراها خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير. تمام، هذه ثاني مرة يذكر فيها السماوات والأرض، وفي الآية الرابعة أيضاً ستذكر السماوات والأرض، في الآية الأولى ذكرت باعتبار التسبيح، وفي هذه الآية ذكرت باعتبار الخلق والغاية من الوجود، وفي الآية الرابعة ستذكر باعتبار العلم: يعلم ما في السماوات والأرض. نلاحظ أن قضية السماوات والأرض في أربع آيات ذكرت ثلاث مرات، ثلاث مرات باعتبارها تمثل الكون؛ يعني السماوات والأرض هنا لماذا تذكر؟ لأنها تمثل ماذا؟ الكون بكل ما فيه، فهو في هذه الآية الجامعة كما قلنا يخبر الله سبحانه وتعالى عن مبدأ الخلق وغايته، ومن الذي سيتحمل حمل هذه الرسالة وأعباء، ثم أخبر عن النهاية، فهذه من أجمع الآيات في كتاب الله سبحانه وتعالى. يقول: خلق السماوات والأرض بالحق. ايش يعني بالحق؟ بالحكمة، ما هو أعم من الحكمة الحق هنا. نعم. أيوه، طيب، يعني أيضاً إذا هو يريد أن يخبر بقضية عامة، وهو أن وجود هذا الكون ليس وجوداً عبثياً، وإنما خلقه بالحق، أي لحكمة ومقصد عظيم، وهو حصول المدافعة والابتلاء بقضايا الإيمان والتوحيد.
الحق مفهوم واسع أحبابي، أن بعض الناس هو حاله أكثر الناس من الكفار ومن حتى ممن ينسب نفسه إلى الإيمان أنه يظن أنه خلق عبثاً، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. ترى حال كثير من الناس اليوم هو يظن أنه هو موجود على هذه الأرض من أجل يأكل ويشرب ويجيب شهادة جامعية ويتزوج ويصير معه مصاري وينكح ويشاهد مباريات ومسلسلات ويعيش وينبسط ويموت، خلص هذا هو الغاية، معناه أنت لم تفهم شيئاً من غاية الوجود، هل معقول أن الله خلق السماوات والأرض من أجل أنه حضرتك تجي على هذه الدنيا ضيف تاكل وتشرب وتنبسط كذا وتروح؟ يعني هل هذا هي الغاية العظيمة من كل هذا الوجود؟ معناته أنت لم تقدر الله حق قدره، أليس كذلك؟ لا يمكن أن يكون الهدف من خلق هذه السماوات العظيمة وما فيها من الأجرام وهذه الأرض وما فيها من البحار والجبال لا يمكن أن يكون فقط من أجل أن تأتوا ضيوفاً يا بني الإنسان لتمتعوا وتقضوا أوطاراً وتحققوا أحلامكم ثم تموتون وينتهي المشهد، هذا فعل العابثين وليس فعل رب العالمين سبحانه وتعالى.
فهنا يخبر عن الغاية: خلق السماوات والأرض بالحق، هناك حق يجب أن يظهر، وهناك دين يجب أن يحكم، وهناك من سيحمل هذا الحق ووظيفته أن يسير به، فأخبر من هم الذين سيحملون هذا الحق ويسيرون به قال: وصوركم فأحسن صوركم. يعني يا أيها الإنسان أعطيتك أحسن صورة، وليس المراد بالصورة هنا فقط الصورة الجسمية، بل ما هو أهم: الصورة النفسية، الفطرة السوية، وصوركم في فطركم ومشاعركم وأحاسيس ونفوسكم، ثم الصورة الجسمية تحصيل حاصل بعد ذلك، صوركم بهذه الصورة وهذه الخلقة لتحمل هذا الحق ولتسير به ولتفعلوه وليكون هناك صراع بينكم وبين أعداء هذا الحق الذين كفروا به، هي قصة وجود إذاً، هي قصة حياة، وليس خلق السماوات والأرض مجرد عبث، مجرد هكذا حكاية نتلوها، هي قصة صراع بين هذا الحق الذي أراد الله أن يوجد، وبين من يصارع هذا الحق ويحاول ألا يوجد: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]. هذا هو الحق الذي ذكره في سورة الصف هنا يجمله بكلمة الحق بكل ما تحمله من معاني عظيمة.
إذاً، ذكر أولاً الغاية من خلق الكون: خلق السماوات والأرض بالحق، عرفنا ما هو الحق، ثم من هم الذين سيحملون الحق؟ هو أنتم: وصوركم فأحسن صوركم. والتصوير إياك أن تقصر فقط على التصوير الجسدي، بل ما هو أعظم من التصوير النفسي والخلقي والشعوري والسلوكي الذي يجعلك مؤهلاً لتحمل هذا الحق وتمضي به في دنيا الناس، ثم أعطاك النهاية، والنهاية ماذا؟ وإليه المصير. شوف أعطاك البداية وأعطاك النهاية، انتم ستسير بهذا الحق، منكم من يموت في سبيله، منكم من يقتل عليه، ومنكم من يفتن، منكم مؤمن، منكم كافر، وفي النهاية وإليه المصير والمرجع والنهاية، إليه سيحاسبكم على تصرفاتكم تجاه هذا الحق وطريقة تعاملكم معه، هل حملتم كما أراده الله أم عشتم من أجل شهواتكم ونزوات ورغباتكم؟ آية عظيمة تختصر لك المشهد.
نعم، وهو أن جعلها مقر المكلفين ليعملوا فيجازوا. طبعا هو كلمة الحق فسرها بقضية أن الدنيا دار تكليف، وهذا ضمن المعنى الذي صغناه، دار تكليف وامتحان للمعاني التي أراد الله سبحانه أن يحدث عليها الصراع بين أهل الإيمان وأهل الكفر. نعم. وصوركم فأحسن صوركم، أي جعلكم أحسن الحيوان كله، وأب الحيوان الحيو الحيوان بمعنى الحياة، وأن الدار الآخرة هي الحيوان، فكل ما فيه حياة هو حيوان، ما في مشكلة. نعم. لذلك المناطقة ماذا يعرفون الإنسان؟ حيوان ناطق، ما تزعلش يعني أحياناً نعم. طيب، وبدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، يعني الدليل أن صورتك أحسن صورة أنه أنت لا تتمنى أن تكون على صورة أسد ولا على صورة حصان ولا على صورة نمله ولا على صورة شيء آخر، مما يدل أنك ترى صورتك الجسمية أفضل صورة ضمن هذا الوجود. نعم، ومن حسن صورته أنه خلق منتصباً غير منكب، يعني لك هكذا واقف، لست منكباً على وجهك. نعم. ومن كان دميما مشوه الصورة سمج الخلقه فلا سماجه ثم ولكن الحسن على طبقات، فلا سماجه ثم، أي لا سماجه هناك ولكن الحسن على طبقات، يعني ممكن البعض يقول: طب أنا يا شيخ والله شكلي مش مقتنع فيه، شايف نفسي مشوه أو مش جميل أو يعني لست على مراتب من الحسن فيقول: هو بحد ذاته الجمال مراتب، الإنسان كإنسان هو أفضل في صورة من كل الحيوانات الأخرى، لكن هذا لا يعني أن وجه كل انسان سيكون على نفس حسن وجه الإنسان الآخر، لا، فإن الجمال مراتب، فأكثر إنسان وجهه مشوه، أكثر إنسان وجهه مشوه هو أفضل من أجمل حيوان بهذا المفهموم، أكثر إنسان وجهه مشوه ممكن تشوفه ستلاحظ أنه أجمل من ماذا؟ من أعلى حيوان صورة وجمالاً، هذا يقصده يعني. نعم، فلان حاططها عما فوقها لا تستمل. نعم، يعني أنت قد ترى وجهك ليس جميلاً ليس مقارنة.
بالحيوانات، أنت تقارن نفسك بالأسد والحصان والحمار، وإنما أنت قد لا ترى وجهك جميلاً باعتبار من أعطى معالم الحسن في وجهي أكثر منك، فأنت تنظر إلى الجسد الإنساني فتقارن نفسك بغيرك، أنه والله فلان أجمل مني، هذه مقارنة داخل الجنس الإنساني، لكن لو قارنت نفسك بالحيوانات الأخرى ستجد أنك على ما فيك من الدماءة لكنك أفضل من غيرك.
نعم، ولكنها غير خارجة عن حد الحسن نعم، وقالت الحكماء: شيئان لا غاية لهما الجمال والبيان. جميل، أقول لك الجمال لا غاية له، الجمال ايش يعني لا غاية له؟ يعني لا يمكن أن يحصر الجمال، لا يمكن حصره، ما من شيء جميل إلا ويمكن أن يكون ما هو أجمل منه. البيان، البيان هي القدرة على الفصاحة والكلام، ما من إنسان عنده بيان إلا قد يأتي من هو أشد بياناً منه. نعم، واليه المصير، فاحسنوا سرائركم كما أحسن صوركم.
طبعا واليه المصير يعني إليه المرجع، وكلمة إليه المصير فيها نوع من التهديد أيضاً، لأنه الله عز وجل يقول: أنا خلقت السماوات والأرض بالحق، وأعطيتك يا جنس الإنسان هذه الصور النفسية والجسدية من أجل أن تحملوا هذا الحق، وسيكون المصير والمرجع إلي حتى أحاسب كيف تعاملتم مع هذا الحق. فإذا خلقها بالحق ونحن وجدنا من أجل الحق وسنحاسب على هذا الحق، هي هكذا البداية والنهاية.
نعم، يعلم ما في السماوات والأرض ويععلم ما تسرون وما تعلنون، والله عليم بذات الصدور. نعم، نبه بعلمه ما في السماوات والأرض بعد أن تكلم عن قضايا الخلق، انتقل إلى صفة أخرى يعرفنا بنفسه فيها، وهي صفة العلم والاحاطة بالكليات والجزئيات فقال نعم: يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور. كم مرة ذكر مفردة العلم في هذه الآية؟ ثلاث مرات. ذكر علم ما في السماوات والأرض، يعني علم الكون بكليته، ثم ذكر العلم بكل كل واحد منا بأسراره وعلى نيته، ثم عاد فركز على العلم بماذا؟ بالسرائر، فهو يعلم من أوضح الأشياء إلى أخفى الأشياء، يعلم ما في السماوات والأرض وهذه نعتبرها أوضح الأشياء، ثم ختم والله عليم بذات الصدور وهي أخفى الأشياء الخواطر اللي بتيجي على ذهنك يعلمها سبحانه وتعالى.
فأحاط علمه بكل شيء، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: 255]، هذه عقيدة يجب أن يربي الإنسان نفسه عليها. أنت إذا عرفت أن الله يعلم ما في السرائر، ماذا يورث هذا في حياتك؟ وهي الفكرة أنه أنت يجب أن تستثير القرآن لما نقول والله عليم بذات الصدور، وأخرج من هذا المجلس للخارج أنا وينتهي الدرس، هذه الآية ماذا سيكون وقعها على قلبي طوال هذا الأسبوع؟ والله عليم بذات الصدور.
آه يا جماعة، آه حبيبنا تقوى الله، آه تقوى الله، ليه؟ مراقبة النفس، مراقبة النفس جيد يعني ما دام سبحانه عليم بذات الصدور، إذا أي فكرة رديئة، أي فكرة رديئة جاءت على قلبي وعقلي الله اطلع عليها، فيجب أن أستحي من الله. يعني أنت ماشي في هالجامعة فكرت لك في وحدة، والله عليم بذات الصدور، يعني هي الخاطرة التي جاءت ما تفكر أنها هكذا ومشت، الله عرف انك فكرت وعرف كيف فكرت وكيف ولدت.
أنت عندك مشكلة مع شخص وغل وحسد وتظهر كلامك، يعني أنا ما بنتقد لا أنا بس بدي أوجهه وأنصحه، وأنت مليان عليه غل وحقد وحسد، والله عليم بذات الصدور. فإذا لا تظن أن الله سبحانه وتعالى يتعامل معك بناء على الظاهر، لا لا، الله ينظر إلى قلوبكم ولا ينظر إلى صوركم، الله يعرف كيف أنت تفكر وكيف تدير الأمور في مشكلة عائلية، في مشكلة زوجية، في تصرفاتك الحياتية، في كل أقوالك وأفعالك شو بواعثها، في كل خطرات ومسكات للجوال ايش بتعمل.
تمام له بعض كثير مااحنا ترى من غالط أنفسنا، بعض الشباب يمسك الجوال وهو بقولك أنا والله شيخ بدي أطلع على الأخبار أو بدي أشوف يعني مثلا الفيسبوك أتصفح، هو بباله في نفسه يا رب بس تطلع صورة من هالصور بتمشي عليها عيني يعني حتى أحقق شهوتي، بتعامل مع الله سبحانه وتعالى بنوع من الاستزراء والوضوح، بظن الأمور مش أن أنا والله يا شيخ مش قصدي أنا بس بدي أتصفح، أنت ربنا عار أن لما فتحت تصفح صورة في الريلز العين.
سبحان الله ما هو أنت فهمنا من أول أنت فتحت هذا المقطع أو فتحت هذا السوشيال ميديا أو فتحت الفيسبوك وأنت عم تتصفح وفي قلبك أنه يا رب تطلع شي حتى أغالط نفسي أنه والله طلعت لي بالغلط والله أنا مش متقصد، هذا هسه شوف بقول لك أنت في النهاية لا تضحك على رب العالمين، أنت تضحك على نفسك، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9].
عليه يقول كذلك، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، لا تكون من هذا الصنف لأنه والله عليم بذات الصدور ب يعني صدرك شو بحيك فيه وكيف فكرت في كل فعل أنت فعلته، هو سبحانه يعرف نمطك في التفكير ويعرف كيف تولدت عندك الفكرة والخطرة والصورة نهائيا للعمل ما بواعثها. فالحقيقة هذه الآية عقيدة، هذه الآية ليست مجرد هكذا والله فكرة حلوة والله عليم بذات الصدور، هذا ينبغي أن ينقلب إلى سلوك ونمط حياتي في أني أراقب أقوالي وأفعالي وأكون في تمام الحياء من الله.
نعم، قد تكون بعض الخطرات نحن لا نحاسب عليها أليس كذلك؟ إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم. نعم، قد تكون الخطرة مرت وأنت لا تحاسب عليها إثما، لكن يجب أن تحاسب نفسك عليها حياء من أن الله سبحانه وتعالى نظر إلى عقلك وقلبك فوجد فيها هذه الخطرات الرديئة، فإصلاح الخطرات هو بدايه صلاح الإنسان.
إصلاح الخطرات وإصلاح الأفكار وإصلاح التصورات الداخلية هو بداية صلاحك الخارجي، ما تفكر أنك ستصلح خارجيا وبدنك في الداخل متآكل بخطرة رديئة. إنه بعض الشباب بقول لك يا شيخ أنا بحاول أترك عادات وأنماط سيئة في حياتي، بحاول أترك العادة السرية وبحاول أترك النظر للحرام وبحاول بحاول أترك كثير أشياء بس مش ضابط، آه لأنه أنت مش عم بتعالج جذر المشكلة.
جذر المشكلة هنا، جذر المشكلة في إراداتك وخطراتك وأفكارك وما ينتج بعد ذلك من أعمال وتصرفات في الخارج، هي سلوكيات نتيجة الإرادات والخواطر والأفكار، فإن أنت إذا بدك تعالج نفسك معالجة حقيقية وتترك مثل هذه التصرفات الرديئة، عليك أن تسعى لمعالجة جذر المشكلة وأصلها وينبوعها وهي الخطرات التي هي ذات الصدور ما في داخل هذا القلب.
نعم، نبه بعلمه ما في السماوات والأرض ثم بعلمه بما يسره العباد ويعلنون، ثم بعلمه بذات الصدور، أن شيئا من الكليات والجزئيات غير خاف عليه، فهو يعرف إذا الكليات والجزئيات يعرف الأمور العامة والأمور التفصيلية. نعم، فحقه أن يتقى ويحذر، يعني هذه الخلاصة، فمن كان هذا علمه حقه أن يتقى ويحذر وألا يعبث معه نعم، ولا يجتر على شيء مما يخالف رضاه، وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد.
نعم، وهو يقول لك لماذا كرر الله العلم ثلاث مرات في الآية؟ لأنه في معنى تكرار الوعيد، كأنه يتوعد كلما كرر العلم يعلم ما في السماوات والأرض انتبهوا، ويعلم ما تسرون وما تعلنون انتبهوا، وهو عليم بذات الصدور فانتبهوا، فقال تكرار العلم هو مضمونه تكرار الوعيد والترهيب لكم. وكل ما ذكره بعد قوله فمنكم كافر ومنكم مؤمن في معنى الوعيد على الكفر وإنكار أن يعصى الخالق ولا تشكر نعمته.
نعم، هو يريد أن يقول إن الآية الثالثة والرابعة هي عموما في سياق الوعيد لمن اختار مسلك الكفر: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: 3-4]، كل هذا سياق وعيدي.
بعد أن انتهى من هذا المقطع الأول أول أربع آيات هذا مقطع مقطع يعرف الله بنفسه ويرسل رسائل في التصور والوجود والأسماء والصفات، ثم الآن بدا الله يخاطب الكفار مخاطبة مباشرة فقال نعم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التغابن: 5]. هذا النوع من الخطاب متكرر في القرآن، وهو أن الله سبحانه وتعالى يخبر الأمم اللاحقة بمصير الأمم السابقة، هذا سياق متكرر في كتاب الله أن الله يخبر الأمم اللاحقة الكافرة المعرضة بماذا؟ بمصير الأمم السابقة، وحتى نعتبر ونتعظ لئلا يصيبنا ما أصابهم.
فقال للكفار في كل زمان ومكان وليس الأمر خاص بكفار مكة وإن كان هم أول من خطبوا بهذا الخطاب، ماذا قال؟ ألم يأتكم يا أيها الكفرة نبأ الذين كفروا من قبل ماذا حدث معهم وما الذي نزل بهم؟ قال: ﴿فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ [التغابن: 5]، فذاقوا وبال أمرهم أي عاقبة كفرهم. ما معنى الوبال هنا؟ ذاقوا وبال أمرهم أي عاقبة كفرهم ومغبته ولهم عذاب أليم، ذاقوا وبال أمرهم هذا في الدنيا، ولهم عذاب أليم هذا متى؟ في الدار الآخرة. فالله عز وجل يعظ الإنسان ويعظ كل معرض عن تفهم رسائله، يقول له عذاب الله سبحانه وتعالى يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، فانتبه لما حدث مع السابقين فإنها سنة متكررة وليست بعيدة عنكم أيها اللاحقون.
نعم، ألم يأتكم الخطاب لكفار مكة ولمن يأتي بعدهم أيضا، نبا الذين كفروا من قبل يعني قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم، يعني ليس فقط المحصور كل من كفر نعم وعاقبه الله فذاقوا وبال أمرهم، أي ذاقوا وبال كفرهم في الدنيا، وبال كفرهم أي عاقبة كفرهم ومغبة كفرهم في الدنيا، ولهم عذاب أليم في العقبي أي في الآخرة نعم.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَأْتِيَرْسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ ۚ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: 6]. نعم، ذلك إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة، إذا هذا بيان لمرجع اسم الإشارة، ذلك اسم إشارة لا بد أن يكون لها مرجع، أقول ذلك بانه يعني ذلك العذاب والعقاب في الدنيا وفي الآخرة، ما سببه؟ ما الجرم الذي ارتكب حتى حل به؟ فقال ذلك بأنه، هذه باء السببيه ذلك العقاب والواقع العقاب في الدنيا وفي الآخرة بسبب أنهم.
نعم، إشارة إشارة نعم من بداية الآية، نعم ذلك إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا وما أعد لهم من العذاب في الآخرة، بأنه بأن الشأن والحديث كانت تاتيهم رسله، هذا باعتبار أن الضمير هنا يسمى ضمير الشأن ضمير القصة، يعني لا اريد أن أأشغلكم بهذه القضية اللغوية نعم، أي بأن الشأن والحال أنه كانت تاتيهم رسلهم بالبينات.
البينات هي الآيات الواضحات والدلائل البينة التي لا غبار عليها، التي تدل على صدقهم وعلى أنهم مرسلون من عند الله وما يخبرونهم به هو الحق عموما، جاءتهم الرسل بالبينات فماذا كان جوابهم؟ جواب الكفرة على مر التاريخ ايش من أبرز إشكالياتهم؟ فقالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: 6]. ما عجبهم أن يكون الرسول ماذا؟ بشرا، وهذا يدل أحبابي على إشكالية في الفكر الإنساني، إشكالية ماذا؟ إشكالية متكررة هي سبب فساد البشرية.
أمش الكبر بحد ذاته في لا شيء أسوأ من الكبر حقيقة، آه لا مش الكبر بحد ذاته في في مرض قلبي أسوأ منه، هو بداية فساد الإنسانية والبشرية والخلق، أحسنت الحسد. ترى هذه القضية قضية حسد، أنه ليش فلان مش أنا؟ وهذه والله قاسمة لكل انسان طالب علم ولا عالم ولا داعية ولا جماعة ولا أي شيء. اخواني ابليس خرج من رحمة الله بماذا؟ بالحسد، حسد آدم، قابيل قتل هابيل أو العكس على خلاف بينهم مش مشكلة بسبب ماذا؟ بسبب الحسد.
إخواني أبرز إشكالية الجنس الإنساني عبر التاريخ هي الحسد، الله عز وجل لما أخبر عن مشكلة بني إسرائيل إلى يومنا هذا، ما هي مشكلتهم؟ لما جاءتهم نصرهم بالبينات لماذا تركوا العلم ورفضوا الحق بغيا بينهم؟ كم مرة كرر الله أن مشكلة بني إسرائيل أنهم اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم؟ إخواني الحسد هذه مشكلة كبرى في حياة الإنسان، إذا لم يتداركها من نفسه خسر آخرته، خسر آخرته.
وهذا نموذج، يعني هذا النموذج البشري كلما جاءتهم رسلهم بالبينات قالوا: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا؟ لا أنا ما باخذ من بشر مثلي، هو حاسده لماذا هو كان الرسول وليس أنا؟ ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]. الحسد يمنع الإنسان عن قبول الحق، تمام. قد تجد الحق عند جماعة ليست جماعتك، هل عندك قدرة أن تتقبل هذا الحق لأنه ليس عند جماعتك ولا عندك حسد أن وفقوا هم للحق وليست طائفتك؟
ترى الحسد إخواني هذه مشكلة مدمرة، ليست فقط يعني مع إبليس، هي مشكلة مدمرة حتى في أوساط العمل الإسلامي، في أوساط طلاب العلم، في أوساط المشايخ، في أوساط المتدينين، في أوساط الزملاء، والله صديقي متحدث أنا مش متحدث، إيه صديقي ربنا فاتح عليه في جانب معرفي ربنا مش فاتح علي فيه. الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، الحسد يدمر حياتك، يدمر مشاعرك، يشغل عقلك وفكرك، فلا تعود تعيش حياة سوية لأنك دائما تقارن نفسك بغيرك وتريد دائما أن تكون البوصلة وتريد دائما أن تكون عنصر الانتباه والناس ملتفت حولك.
وبالتالي إذا جاء الحق على لسان غيرك وكنت أنت صاحب جاه أو منزلة أو مكانة، تشعر بصراع كبير في داخلك أني أقْبله ولا لا، واني أظهر دخولي تحت غيري ولا لا. الذي يستطيع أن ينجو من الحسد وينصاع للحق من أينما أتاه، هذه نفسية ناجحة جداً لأنه.
استطاع أن يكبت أكبر خلق إنساني مدمر، والذي لا يستطيع تجاوز إشكالية الحسد في حياته سيتركه النار ويضيع إيمانه بسبب هذه المشكلة. فمشكلة الحسد إياك تتعامل معها أنه أنا يعني لا لا ما أتوقع في هذا الخلق، بل كل إنسان كما يقول ابن القيم فيه مدفون الحسد، فإما أن يظهره وإما أن يصرفه. واستدل على ذلك ابن القيم بقوله في سورة الفلق: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، يقول ابن القيم: لماذا قال ربنا: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾؟ يريد أن يقول أن الإنسان بطبعه يحب أن يكون هو صاحب النعمة، هو صاحب الحق، ولا يعني يحب الاستئثار باختصار، وهي نفسية الحسد؛ أنه أنت تحب الاستئثار وأن يكون كل الخير لديك.
فإما أن تتماشى مع هذا الحب فتظهر أثره في حسدك للآخرين فلذلك قال: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ يعني إذا أظهر ما لديه من هذا الخلق، وإما أن تكبت هذا الشعور وتخنقه ولا تسمح له أن يحكم على حياتك ولا أن يسيطر عليها. فالحسد شيء موجود في النفس الإنسانية، أما أن تتماشى معه وتفكر فيه وتولده، وأما أن تكبته وتمنعه؛ هنا بيجي دورك في هذه الحياة. لذلك تخيل أن الله في سورة الفلق -السورة التي أمرنا أن نقراها صباحا ومساء وعقب الصلوات وليلا ونهارا- أبرز إشكاليات التي حذرت منها سورة الفلق: إيش الإشكالية؟ الحسد، مما يدل على أنها إشكالية خطيرة.
فهذا كله تنبيه لهذا المرض السرطان الذي يغزو القلوب المؤمنة ويغزو كل إنسان خير ويحبط عمله ويفسد حياته وشغل عقله ويدمره، بل قد يكون سببا في دخوله النار. فهؤلاء لما جاءتهم رسلهم البينات، الله أخبر عن مشكلة الحسد فقالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: 6]، تنزل عليهم ملائكة من السماء ويخاطبهم الرب؟ لا لا لا، لا نقبل، بدهم ملائكة، بدهم جنس آخر أو على الأقل يكونوا هم المرسلين وليس غيرهم؛ حسد. فقالوا أبشر يهدوننا، أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العباذة للحجر.
جميل، يعني هذا النسفي بيقول لك والله حالهم عجيب هذول، انكروا أن يكون الرسول بشريا لكن ما انكروا أن يكون الإله حجريا، قال: إيش هذه العقول؟ يعني أنتم تعبدون حجارة هي فهمتوها واستوعبتوها، أما يأتيكم رسول، مجرد رسول لم يدعي أنه إله ولم يدعي أنه خرج ونزل، وإنما رسول بقول لك أنا بشر مثلي ومثلك آكل وأشرب لكن يوحى إلي، هي استصعبتوها؟ يقول: عجيب هؤلاء، حتى تعرف الحسد كيف يأتي بالمتناقضات، يقول: أنكروا الرسالة للبشر ولم ينكروا العبادة للحجر، شوف العقول الرديئة.
فكفروا بالرسل وتولوا عن الإيمان. طما إذا الحسد حملهم على الكفر ها فقالوا: أبشر يهدوننا، مش مستوعبين، مش مصدقين، وهذه كله حسد ونفسيات بشرية عفنة. فماذا كان موقفهم؟ كفروا، وايش أيضا؟ مش بس كفروا بل تولوا، يعني كفر وهارب من الإيمان هروب والعياذ بالله، يعني في واحد لساته متردد، لا لا هذا كفر وأعرض إعراضا شديدا حتى صوره الله في صورة المتولي.
واستغنى الله، شوف الكلام النهائي: أن الله بيقول في النهاية أنت الخسران، يعني فكفروا وتولوا واستغنى الله، الله غني عنك، أنت من خسرت الرهان وأنت من ضيعت نفسك وعاقبتها بالوبال في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة. فالله غني عنك وعن إيمانك تمام، أطلق ليتناول كل شيء ومن جملته إيمانهم وطاعتهم، أطلق يعني قال ما قال واستغنى الله عنهم، ما قال واستغنى الله عن فلان أو فلان، أطلق قال: واستغنى الله، أي غنى تام عن كل شيء، عنهم وعن غيرهم وعني وعنك، يعني الله ليس مفتقر لا إلى إيماني ولا إلى إيمانك، وإنما نحن المفتقر إلى الله والله هو الغني، فهو في تمام الغنى.
واستغنى الله، شوف ما أعظم هذه الكلمة وكم فيها من الجلال والعظمة، غنى الله المطلق الذي لا يفتقر فيه إلى شيء. نعم، قال: والله غني، تأكيد: واستغنى الله والله غني، إياك أن تنسى أنني لست محتاجا إليك يا ابن آدم، وإنما أنت من تحتاج إلى عبوديتي. والله غني عن خلقه حميد على صنعه، نعم فهو الغني عن خلقه الحميد على كل ما يفعله وما ينزله بأهل الإيمان وبأهل الكفر من الوبال والعقاب. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُوَ ذَلِكَ عَلَى اللَّه يَسِيرٌ * فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: 7-8].
هنا أيضا معالجة لمظهر ومظاهر الكفر والشرك ومركزي من مركزيات الإيمان وذكرناها قبل قليل، وهي قضية الدار الآخرة. قضية الدار الآخرة باعتبار أحد مركزيات العقيدة عند أهل الإيمان، وهي الإيمان بأن الدنيا ليست محط الرحال وأن هناك يوم سيقام فيه العدل الإالهي التام، وسيقتص للمظلوم ومن سعى إلى الله وصبر على الشهوات وتحمل العنة في الدنيا ينال السعادة الأبدية، ومن أسرْف على نفسه بالخطايا والمعاصي والزلات واتبع نفسه هواها سينال الشقاء الأبدي. فالله يخبر أنه الكفر بالدار الآخرة هذا لا يسامح فيه رب العزة، لا يسامح فيه، أنه هذه مفصلية من مفاصل التصور الإسلامي.
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾، مشكلة زعم الذين كفروا أن يبعثوا، وكلمة زعم تدل على ماذا؟ زعم مطية الكذب، مش هكذا يقول العرب؟ يعني يدل على أنهم قالوا ذلك شكا وليس عن علم. لما يقول زعم هي دلالة أن الكفار هل قالوا ذلك عن علم وبرهان ولا بالشك والهوى؟ بالشك وكذا والظنون والأهواء، زعموا أن يبعثوا بدون علم ولا برهان ولا وضوح حجة في ذلك.
فالله عز وجل ماذا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] يعني وربي هذا قسم، يعني أقسم بالله: قل بلى وربي لتبعثن، مش بس هيك، ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: 7] وستحاسبون على كل أفعالكم في الدنيا وعلى كل إجرام وعلى كل ما فعلتموه بأهل الإيمان وبأهل الحق، على كل الذبح والقصف والدمار وكل ما أحدثتموه؛ لتنبؤن بما عملتم. ما ضاع عند الله قطرة دم واحدة، وما ضاع عند الله حجر هدم، لتنبؤن بما عملتم بكل شيء فعلتموه. فذلك كما قلنا هذه عقيدة تريح الإنسان المؤمن وتجعله يسير وهو واثق أنه سيشاهد العدل الإلهي إن لم يكن في الدنيا ففي الدار الآخرة.
زعم الذين كفروا، أي أهل مكة، أهل مكة وكل من يعني مشى على قولهم ليس فقط أهل مكة. والزعم ادعاء العلم، آه إذا الزعم هو ليس علما وإنما هو ادعاء العلم ولكنك لا تملك برهانا. ويتعدى، تعدي العلم يعني يأخذ مفعولين، مفعول به أول ومفعول به ثاني. ﴿أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: 7] أن مع ما في حيزه قائم مقام المفعولين، وتقديره أنهم لن يبعثوا. إذا زعم الذين كفروا أنهم لن يبعثوا، طيب فماذا الجواب؟ ﴿قُلْ بَلَى﴾ [التغابن: 7] هو إثبات لما بعد لن، إثبات لما بعد لن يعني يعني إثبات بحصول البعث، وأن هذا الادعاء والزعم باطل، وهو البعث. ﴿وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ أكد الأخبار باليمين، أكد الأخبار باليمين يعني قال: وربي لتبعثن، وربي يعني أقسم بالله لتبعثن، فأكد إخباره عن البعث ماذا؟ بالقسم واليمين.
فإن قلت: ما معنى اليمين على شيء انكروه؟ قلت هو، يعني إذا قيل ماذا أقسم يمينا مع أنه هم ينكرون لن يصدقوك، هم أصلا مش مصدقين بهذه القضية. فيقول: بالعكس أنت لما يكون أمامك شخص منكر أنت تحتاج إلى اليمين معه حتى تؤكد له أن ما أنكره في قمة الثبوت. فقال: هو جائز الاتيان باليمين وإن كان الأمامي هو منكر ومصر على انكاره، فقال: هو جائز لأن التهديد به أعظم موقعا في القلب، فكأنه قيل لهم ما تنكرون كائن لا محالة، فالقسم يؤكد هذه القضية، والاصل أن القسم أصلا يستعمل مع المنكر. ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ﴾ أي البعث ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7] هين. فخراج البشر من الأرض هذا أمر هين على الله، كما بدأنا أول خلق نعيده، ليس صعبا عليه.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التغابن: 8] محمد صلى الله عليه وسلم، فما هي النتيجة؟ أنه يا جماعة ما دام البعث حق وربي لتبعثن ثم لتنبؤن، فالإنسان العاقل إذا جاءه هذه الموعظة من الله وهذا البيان الواضح ماذا ينبغي أن يكون موقفه؟ يا اخي أدرك نفسك قبل فوات الأوان. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن: 8] وهو القرآن. وانظر تسمية القرآن نورا؛ لأنه ينير الطريق للإنسان في حياته ويبعد عنه الشبهات ويثبت العقائد ويرسخ الإيمان، فلذلك مجالس التفسير أيها الاحبه من أعظم المجالس التي يرسخ فيها الإيمان؛ لأنه يتلى فيها كلام الرحمن سبحانه وتعالى. فلا تستهن بتعلمك معنى آية، آية واحدة تتعلمها وتعيها وتدخل قلبك قد تكون سببا في تعديل كامل حياتك نحو الله سبحانه وتعالى.
والنور الذي أنزلنا، يعني القرآن؛ لأنه يبين حقيقة كل شيء فيهتدي به، يهتدى به كما بالنور، أي كما يهتدى بالنور الحقيقي. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [التغابن: 8] فراقب أموركم، فهذه تهديد هي جملة تهديدية. شوف كل هذا لما تختتم الآيات: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، هذه جمل كيف يفسرها المفسرون؟ جمل تهديدية، يعني أنا خبير بما تعملون شو معناتها؟ يعني دير بالك على حالك، ما دام خبير، والخبير هو الذي لا يعرف فقط الظواهر بل يعرف الدقائق. لما نقول فلان خبير الخبرة، ها الخبرة تدل على ماذا؟ أنه مش فقط هو عنده معرفة بالشيء، عنده خبرة ودقة بدقائق الصنعة.
﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَعَمَلَ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التغابن: 9]. ما زال السياق يتحدث عن الدار الآخرة باعتبار أن الذين كفروا زعموا أن لن يبعثوا، فما زال الله يخبرهم عن هذا اليوم العظيم. بقول: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾، نعم اقرأ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾، انتصب الظرف بقوله: لا تنبؤ. يوم هذا ظرف زمان، أليس كذلك؟ ويحتاج إلى عامل يرتبط به. فقال: إما أن يرتبط بالفعل السابق لتنبؤن بما عملتم، والتقدير: ثم لتنبؤ بما عملتم يوم يجمعكم ليوم الجمع، ثم لتنبؤن بما عملتم متى؟ لتنبؤن بما عملتم يوم يجمعكم أي في هذا اليوم الذي يجمعكم فيه، هذا إذا جعلناها متعلقة بالفعل لتنبؤ.
ويمكن أن نقول: يوم متعلقة بفعل محذوف تقديره اذكر، لذلك قال: أو بإضمار فعل محذوف تقديره اذكر، اذكر يوم يجمعكم، تذكر هذا اليوم، اذكر يوم يجمعكم، وهنا سيكون يوم مفعول به وليس ظرف زمان. إذا قلنا إن مفعول به لأذكر سيكون مفعول به: اذكر يوم يجمعكم، أو بإضمار: اذكر ليوم ليوم الجمع يجمع فيه الأولون والآخرون، والآخرون. فيوم القيامة من أسمائه يوم الجمع؛ لأن الله يجمع فيه الأول والاخر من آدم إلى آخر انسان على هذا الكون.
﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: 9] هو مستعار من تغابن القوم في التجارة. هنا أخذ اسم السورة، اسم السورة أخذ من هذه الجمله: ذلك يوم التغابن. إذا من أسماء يوم القيامة يوم التغابن، لماذا سمي يوم القيامة يوم التغابن؟ قلنا التغابن أصله من الغبن، والغبن هو الخداع تمام، وأصله في الصفقات الدنيوية أن الإنسان يغبن في البيع يعني يخدع فيه ولا يكون فيه يعني على دراية، البياع يخدعك بقول: غبنت في هذه البيعة، يعني خدعتك. فيوم القيامة هو اليوم الذي يظهر فيه الخداع، يظهر فيه للكفار أنهم خدعوا أنفسهم عندما باعوا الآخرة بثمن بخس وهي الحياة الدنيا، بينما المؤمنون يسرون لأن صفقتهم نجحت وأنهم تركوا الدنيا لكنهم اشتروا السلعة الغالية وهي سلعة الله الجنة. فيوم القيامة يظهر فيه الصفقات: مين اللي صفقته ناجحة ومين اللي صفقته كانت خاسرة؟ فلذلك سمي يوم التغابن.
هو مستعار من تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضا، يغبن بعضهم بعضا يعني يخدع بعضهم بعضا. لنزول السعداء، شوف العبارة الآن التي سيتكلم بها النسفي هو ماخذها من الزمخشري، هو أصل هذه العبارة هو أصل هذه العبارة، وتوارد عليها البيضاوي بعد ذلك والنسفي وغيرهم. شوف شو قال النسفي في تفسير التغابن تبعا للزمخشري، نشوف شو قال الزمخشري؟ إذا شو قال؟ لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء. كما وم يحكي لي شو معنى هذا الكلام؟ مين يحكي لي شو معنى هذا الكلام والشيخ بعطيه جائزة إن شاء الله. يلا شو معنى هذا الكلام؟
قال معنى هذه نقول: معنى التغابن لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء. أنا قرات العبارة صح: نزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلونها لو كانوا أشقياء. شو قصد الزمخشري بهذه العبارة؟ نشوفها.
الانسان ياخذه الكافر، إذا سيدخل الجنة سيدخلها، أحسنت يأخذ حصة من الجنة فهو يغبن، والكافر يأخذ إيش؟ أحسنت، أيوه أحسنت. لا جميل، يعني هي الشيخ جابها مباشرة، المراد أن كما قال إن المؤمن الذي سيدخل الجنة من أهل السعاده قالوا: سياخذ مكان الشقي في الجنة. الآن جاء في الاحاديث أن كل إنسان له مقعد في الجنة ومقعد في النار، خلينا نبدأ من هذه الفكرة: كل إنسان له مقعد في الجنة وله مقعد في النار، فإذا عاش ومات على الإيمان لما ينزل في قبره يريه ربنا مقعد في الجنة ويقول: هذا مقعدك الذي ستنزل فيه، ويريه مقعد من النار ويقول: هذا مقعدك الذي كنت ستنزل فيه لو كنت شقيا. ونفس الشيء الكافر، الكافر لما يموت.
ينزل في القبر سيرى مقعده من الجنة الذي كان سينزل لو كان من أهل السعادة، وسيرى مقعده من النار الذي سيصير إليه. فهنا يقول الزمخشري إن في يوم القيامة لماذا سمي يوم التغابن؟ لأن أهل السعادة سيأخذون مقاعد أهل الشقاء، يستحوذون عليها. لأنه أنت لما تدخل الجنة راح تاخذ مكانك، كأنه هيك شكلك راح تاخذ مكانك، والمكان الفاضي اللي جنبك اللي كان لازم يكون في رجل بس هذا كافر راح النار راح تشوفه فاضي، فأنت بتاخذه تقريباً هي الصورة.
فيقول: أهل السعادة سينزلون منازل أهل الشقاء التي كانت في الأصل لأهل الشقاء لو أنهم كانوا مؤمنين. والعكس أيضاً، وأهل الشقاء لما يدخل النار، أهل الشقاء لما يدخل النار سيأخذ مقاعد أهل السعادة التي كانت مصيراً لأهل السعادة لو أنهم ماتوا كفاراً تمام. فكان الكافر سيدخل النار وسيأخذ مقاعد المؤمنين الذين راحوا للجنة، وفي العكس العكس: المؤمنون دخلوا الجنة سيأخذون مقاعد الكفار الفارغة لأن الكفار ماتوا على كفر فتركوا هذه المقاعد وراحوا على ماذا؟ على النار.
فهو يفسر أن هذا هو التغابن. لكن يقر الزمخشري أن هذا التغابن هو في الحقيقة من جهة واحدة حقيقة، لأنه من الذي فاز؟ أهل السعادة الذين حازوا مقاعد أهل الشقاء في الجنة. وأما الكفار فهم لم يغبنوا بل في الفعليّة ماذا حصل؟ غبنوا وخدعوا. فيعني الكفار مش مبسوطين في النار لأنهم اخذوا مقاعد أهل السعادة. يعني المؤمنون في الجنة آه رح يكونوا فرحانين، لما تشوف حالك أخذت مقعد نتنياهو ومقعد هذا ومقعد كل هذول كوشت هم، رح تنبسط أنت صح ولا لا؟ لأنك تشعر بماذا؟ أنك حزت.
فهنا أنت تقول: أنا فزت، وأنت خدعت. طيب، الكافر في النار سينبسط أنه أخذ مقعد عمر بن الخطاب وهذول وأخذ مقاعد الصحابه لأنه الصحابه كرهوا على الجنة، هل سيكون مسروراً أنه والله هنا أخذت مقاعدهم؟ لا. فيقول الزمخشري: وإن كان هذا في أهل الشقاء على سبيل التهكم، لأن أهل الشقاء لا يمكن أن يشعروا أنهم والله انتصروا أو ظفروا لأنهم أخذوا مقاعد أهل النار، ما هو هذا خزوق زيادة يعني مش شيء تسر به تمام!
فقال هذا تهكم بأهل الشقاء أنه يصوروا في صورة الذي ظفر وإلا هم لم يظفروا. وأما الظفر حقيقة والتغابن من ظفر به؟ أهل السعادة لأنهم أخذوا مقاعد أهل الشقاء. فقال الزمخشري: إنما هو حقيقة في أهل السعادة وتهكم في أهل الشقاء. أن الله لما قال إن أهل السعادة سيفرحون ويعرفون النجاح، هذا حقيقة. وأما تسمية الكفار أنهم والله يعني حازوا وظفروا إنما على سبيل الاستعارة التهكمية، هكذا قال الزمخشري.
هو وإن صور أن الظفر من الطرفين، لكنه ظفر حقيقي لأهل السعادة، وخسارة حقيقية لأهل النار صورت على صورة الانتصار تهكماً بحالهم وما آل إليه أمرهم. نعم كما ورد في الحديث، ومعنى ذلك كما ورد في الحديث: ما من انسان إلا وله مقعد من الجنة ومقعد من النار، فيقول: هي نفس الفكره هذه نعم. وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم استعظاماً له، وأن التغابن هو التغابن في الحقيقة لا التغابن في امور الدنيا.
نعم، هو ماذا يختم هنا؟ يقول: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، مع أن هو الله عز وجل أيضاً باسلوب الحصر ماذا يقول؟ يقول: يوم القيامة هو يوم التغابن أي دون غيره. فهذا قد يستشكل: طب التغابن ألا يمكن أن يقع تغابن بيني وبينكم في الدنيا في صفقة من الصفقات، في بيعة من البيعات؟ فكيف تم حصر التغابن أنه في الدار الآخرة؟ فهمتم الاستشكال ذا؟ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ هذا فيه حصر أنه يوم القيامة هو يوم التغابن دون سائر الأيام. فيستشهد أن التغابن يقع في الدنيا أيضاً، فلماذا حصر التغابن أنه فقط يحصل في الدار الآخرة؟
فهو ماذا قال حتى لا نطيل؟ قال: وقد يتغابن الناس في غير ذلك اليوم، يعني قد يحصل تغابن في الدنيا أيضاً، لكن لماذا سمي يوم القيامة أنه يوم التغابن دون غيره؟ قال: استعظاماً له، يعني أن التغابن التام والحقيقي إنما هو التغابن في الآخرة. وأما الدنيا، حتى شوف كيف ربنا يهون عليك الدنيا، لو واحد ضحك عليك ببيعة بخمس ليرات عشر ليرات، لو خدعت بصفقة مش مشكلة يعني، ليس هذا هو الشيء الذي يفت القلب والفؤاد أن تخدع في صفقات الدنيا، الذي يفت القلب والفؤاد أن تخدع في صفقة الآخرة، هذا اللي تبكي عليه دم وهذا الذي تحزن عليه، أنك يوم القيامة تجد نفسك مع أبو جهل ومع الكفار في مقاعد النار ولم تحجز مقاعد الجنة.
هذا التغابن والخداع الحقيقي، أنك خدعت نفسك. وأما الدنيا وإن كان قد يقع فيها تغابن في البيع والشراء لكنها دنيا، دنيا يعني لا تستحق هذا الانكسار وهذا التعب. بعض الناس لو خسر في صفقة واحدة بجلسة شهر تعبان نفسياً، لو خسر له ١٠٠ دينار ولا ٢٠0 دينار ٣٠0 دينار ما يعود يصلي في المسجد، منهار من أجل دنيا! فالله عز وجل يقل لك: أنت مسكين، أنت قارنت تغابن الدنيا بتغابن الآخرة.
فإذاً قال: وإنما سمي يوم التغابن مع أنه قد يتغابن في غير ذلك اليوم استعظاماً له. استعظاماً له أي للغبن الذي يقع في يوم القيامة، وأن هو الغبن الحقيقي. وأما الدنيا فلا شيء. وأن تغابن أي تغابن يوم القيامة هو التغابن في الحقيقة، هو التغابن الذي يحزن عليه لا التغابن في امور الدنيا. أنا صلحت العبارة حتى يفهم المعنى نعم.
ثم قال: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ صفة للمصدر أي عملاً صالحاً اه، إذا التقدير: ويعمل عملاً صالحاً نعم. ﴿نُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ وبالنون فيهما مدني وشامي، يعني قراءة المدينة والشام قرأوه: نكفر عنه سيئاتنا وندخله، وقراءتنا نحن: يكفر ويدخل بالياء نعم. ﴿وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اقرأ في المقابل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
هنا في ختام هذا المشهد الله يخبرك ماذا؟ أنه معايير التغابن في الآخرة على ماذا ستقوم؟ على طبيعة أعمالك في الحياة الدنيا. ففي الحياة الدنيا: من يؤمن بالله، القضية فهمها مش صعب لكن تحتاج منك أن تواظب وأن تستمر، الذي يؤمن بالله ويحرص على الأعمال الصالحة، أمرك سهل: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
في المقابل: الذين كفروا وكذبوا بايات الله ولم يسيروا على درب الاستقامة واختاروا درب الشقاء لم يكونوا من أولياء الله كانوا من أولياء الشيطان، فهؤلاء ما مصيرهم؟ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
فالله عز وجل يعطيك المعادلة بشكل واضح والمفاهيم العقائدية واضحة الحمد لله. هذه ميزه العقيدة الإسلامية واضحة، فش يعني قضية أنه في أشياء مش مفهومة أو محتاجين نفكر كثير حتى ندركها، لا، الله يعطيك الأمر واضح: يا اخي آمن وامشي على الصالحات ومت على هذا الطريق أدخلك جنات وتسر فيها خلوداً أبدياً ذلك الفوز العظيم.
وأما إذا اخترت الطريق الآخر التكفر والتكذيب ومش ماشي على استقامة وتعيش من أجل شهواتك وأهوائك فمصيرك النار خالداً فيها، وفي النهاية بئس المصير، يعني بئس النتيجة التي أوصلت إليها نفسك، فاحذر من هذه الأمور.
طيب، المقطع الآخر نكمل إن شاء الله في المجلس القادم وهذا نهاية مجلس اليوم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل