بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله معشر طلبة العلم في مجلس جديد نتابع فيه تفسير كلام ربنا سبحانه وتعالى من خلال تفسير العلامة النسفي عليهم رحمة الله. وما زال حديثنا مستمراً في ختام سورة الحشر، ووصلنا إلى المقطع الأخير منها.
طبعا سوره الحشر كما قلنا في المجلس السابق والمجلس الذي قبله محورها الأساسي تحليل وقائع غزوة بني النضير، وما وقع فيها من إشكاليات، وما وقع فيها من تساؤلات، وبيان طبيعة علاقة النفاق باليهود إلى يوم القيامة، وبيان طبيعة نفسية المنافقين ونفسية اليهود، لأنكم أشد رهبة في صدورهم من الله، كذلك لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر. القرآن عندما يسرد القصة لا يسردها فقط من أجل أن نستمتع بتفاصيلها أو أن نقف على حكاياتها؛ القرآن عندما يخبرنا بقصة ويعالجها يريد أن يفقهنا بأحكامها العقدية والفقهية والسلوكية، ويوقفنا حتى على النواحي النفسية التي كانت في ثنايا هذه الغزوات وفي ثنايا هذه الوقفات.
وصلنا إلى قوله تعالى وهذا آخر ما مر معنا في المجلس السابق: ﴿فَكَانَ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: 16-17]. هذا مثل ضربه الله لمن؟ هذا مثل في ثنايا هذه السورة، هذا المثل يتناسب مع موقف مين؟ مع موقف المنافقين مع اليهود لما قالوا لهم لا تطيعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تخرجوا من دياركم وإنا لننصرنكم، ثم بعد ذلك تركوهم وخذلوهم.
لكن قلت لكم في نهاية المجلس السابق أن في كتب التفسير تذكر عادة هنا قصة تناسب أيضاً هذا الموقف، وهي من قصص بني إسرائيل، وقصة حقيقة فيها عبرة حتى للشاب الملتزم والفتاة الملتزمة في هذا الوقت. تذكروا الآية: كمثل الشيطان إذ قال للإنسان ايش اكفر، فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين.
قيل كان في بني إسرائيل رجل راهب عابد في صومعة، وكان أهل البلدة يعرفونه بالخير والصلاح، يعني كأنه شيخ القرية تماماً. كان هناك ثلاثة إخوة في هذه القرية يسكنون ولهم أخت واحدة، ووالدهم توفاه الله، فهؤلاء الإخوة الثلاث أرادوا السفر ولم يستطيعوا أن يأخذوا أختهم الشابة معهم، فقالوا أين نترك اختنا في هذه البلدة ولا يوجد مكان نؤمن فيه على اختنا إلا عند الراهب؟ قال هو أكثر شخص يمكن أن نؤمن عليه حتى لا يتلاعب بها أو يعبث بها وما شابه ذلك.
فاتفقوا وذهبوا إلى الراهب فقالوا يا أيها الراهب أنت أعبد شخص في هذه القرية، ونريد أن نضع أختنا عندك لأننا في سفر شهرين ثلاثة ونعود تماماً. فالراهب قال لهم تعذر وقال لهم يصعب علي أن أستقبل فتاه في الصومعة. وبعد محاورات ومجادلات أقنعوه أنها ستكون في غرفة بعيدة عن ناظريه، ويغلق عليها الباب تماماً فلا يراها الراهب ولا تراه، ووظيفه الراهب أنه يأتي بالطعام فيضعه على باب الغرفة وماذا يفعل؟ يذهب. وفعلا وضعوا أختهم عند الراهب في الصومعة وفي غرفة خاصة بها، وهذا هو الخطأ.
الأول الذي ارتكبه الراهب، إن صح تسميته خطأ. المهم، أنت تعرف خطوات الشيطان، كيف تضعف الإنسان وكيف تجعله يقع في الخطأ إذا لم ينتبه.
الراهب كما قلنا في بداية الأمر كان يفعل كما اتفق عليه مع الإخوة؛ كان يضع الطعام على الباب ويغادر. مع الوقت، جاء الشيطان إلى الراهب فقال له: يا أيها الراهب، هذه فتاة غريبة مسكينة، لو أنك تلطفت بها فوضعت الطعام وطرقت عليها الباب وناولتها الطعام بيدك.
فرويداً رويداً، شوف الشيطان يأتي بك من ناحية إيش يا جماعة؟ إنسانية. والله زميلتي في الجامعة عندها مادة معقده وتحتاج أن أدرسها، يعني هل هذا فيه مشكلة يا جماعة؟ شوف الناحية الإنسانية، كيف الشيطان يضحك بها على الإنسان؟ تدرس زميلتك في الجامعة.
الراهب أصبح يفتح الباب ويناولها الطعام ويذهب لا يفعل شيئاً، وكما قلت في الناحية الإنسانية، ما أجمل هذا الخلق، الناس تقول، لكنه خطوات الشيطان. ثم بعد مدة، جاء الشيطان إلى الراهب مرة أخرى فقال: ما الذي يمنعك، ما دام هذه الفتاة غريبة وأخوانها أطال سفرهم وتحتاج إلى أنيس، ما الذي يمنعك أن تضع أنت الطعام بيدك في داخل الغرفة، في داخل الغرفة وتغادر؟
وفعلاً بدأ الراهب، اقتنع بهذه الفكرة من الناحية الإنسانية، فأصبح يمسك الطعام ولا يطرق الباب ويناول فقط، لا، أصبح الآن يفتح الباب ويدخل داخل الغرفة فيضع الطعام ويسألها عن أخبارها ويغادر. الشيء الطبيعي، ما الذي حدث؟ حدثت الأنسة وانكسرت الحواجز النفسية بين الراهب وبين الفتاه، فأصبح مع الوقت يمازحها ويحدثها ويتكلم معها إلى أن عشقها.
وفي يوم من الأيام دخل عليها والعياذ بالله، وضع الطعام وعاشرها بالحرام، ثم بعد أن زنى بها انتبه للخطأ. يعني هي خطوات الشيطان؛ لأن هو الراهب ليس إنسان خبيث من البداية، وهذا الذي اريدك أن تركز عليه، يعني هو فعلياً لم يضع الفتاة عنده بنية أنه يريد أن يفعل بها الفاحشة، بالعكس، هو كان راهباً عابداً طالب علم، وكانت الفتاة قبلها على استنكار منه، اريدك تفهم حتى لا تعتقد... راهب لا، هو الموضوع متشابه من حيث أن الراهب ابتداءً لم يقصد السوء، لكنه اتبع خطوات الشيطان، فقبل الخطوة الأولى ثم الخطوة الثانية حتى خلاص في لحظة الضعف البشري الإنساني.
لو كنت ما كنت في العلم والخير والعبادة وعلى تماس مباشر مع النساء، فانه من المتوقع أن تسقط، طبعاً، أن تسقط أنت وأن تسقط هي؛ لأن الفتاة أصلاً أشد استرسالاً، خاصة للفتاة عندما تستوحش ويقل الأنيس ويبتعد عنها الإخوة وتكون أنت الشيخ والراهب والأستاذ وتحادثها وتؤانسها وتظهر لها الود، شيء متوقع في الفتاة ماذا يحدث؟ أن تنهار نفسياً. يعني أنت تنهار، لكن انهيار النساء أكثر من انهيار الرجال بسبب طبيعة اختلاف الخصائص.
فالمهم، هذا الراهب استيقظ على خطئه، كما قلنا هي لحظة الضعف الإنساني، لكن هو الذي اتبع خطوات الشيطان حتى وصل إليها، فلما سقط وقضى وطره وانتهت الشهوة وجاءت الفكرة كما يقولون، انتبه للخطأ. انتبه للخطأ الضخم، أين الراهب العابد؟ أنا طالب العلم؟ أنا، أنا هذه أسماء كثيرة تختفي، ما الذي اوقعني في هذا الخطأ؟
وعندما انتبه على خطئه، انظروا، خطوات الشيطان لم تقف به، ماذا قرر؟ قال: إذا عاد إخوتها من السفر وعرفوا ما فعلت سيفضحوني في القرية، فماذا كان حله؟ أن يقتل الفتاة.
والشيطان أن يقتل الفتى، قالوا فقتلها ودفنها.
بعد أشهر جاء الإخوة من السفر فقالوا: يا أيها الشيخ، جزاك الله خيراً على رعايتك للأمانة، نريد أختنا بارك الله فيك. فبدأ الشيخ يبكي أمامه ويتحزن ويصبر دموع الثعابين، هنا ما عدا شيخ من هنا بدا خلص الكذب والدهاء من أجل أن يخرج نفسه من الورطة. شوف لو أنه، وهذه قضية، لو أنه وقف عند خطئه فانتبه واستغفر الله واعترف ولو حصر ما حصل، وجعل الخوف من الله أعلى من الخوف من الناس، الله يغفر ويسامح في لحظة الضعف، لكن المشكله أنه تماهى في ماذا؟ في خطاه أكثر وأكثر وبدا يلعب، فقال: اختكم حدث بها مرض شديد وداء عضال وتوفاها الله سبحانه وتعالى وقد دفنتها.
فقالوا: ماذا نفعل؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. فذهبوا عند قبرها وترحموا عليها وعادوا إلى منازلهم. لكن هل الله غافل سبحانه جل في علاه؟ الله سبحانه وتعالى جعلهم يرون في منامهم الثلاثة أن الشيخ زنا باختهم. لذلك أحبابي الكرام، لا تظن أنك تستطيع أن تخفي خيانتك عن الناس، لأن الله سبحانه اطلع على خيانتك وهو قادر أن يفضحك وأن يهتك سترك أمام الناس، نسأل الله العفو والعافية.
فهؤلاء الثلاثة في نومهم رأوا الراهب يزني باختهم، فاستيقظوا من منامهم فكل واحد سأل أخاه فقال له: هل رايت شيئاً؟ قال: نعم رأيت كذا وكذا. فتوافقت الرؤى الثلاث، فعرفوا أن هذه رسالة من الله، يعني الثلاث يرون نفس الرؤية إذاً في شيء، فعرفوا أن هذه رسالة من الله. فذهبوا إلى الراهب وضغطوا عليه بالكلام وشدوا عليه الوثاق حتى اعترف بفعلته الشنيعة.
هنا هؤلاء الثلاث أعلنوا فضيحة الراهب في القرية، وقرر أهل القرية أن يعدموا الراهب على خيانته العظمى. فأعدوا له موعداً وصلبوا له صليباً يصلبونه عليه، وأصبح الراهب الآن مصلوباً ينتظر أن ينفذ فيه حكم الإعدام. من الذي جاءه؟ أبليس! فقال له: يا أيها الراهب ما دمت وصلت إلى هذه الحالة لن ينجيك من هؤلاء إلا أنا. شوف خطوات الشيطان، قال له: اكفر وأنا أنجيك، اكفر بالله وأنا أخلصك من هذا القتل. فكفر الراهب.
أنا اريدك تتخيل المسافة التي كان فيها الراهب إلى المسافة التي أصبح فيها الراهب. الراهب كان إنساناً جيداً، طالب علم، عابداً، من خيرة الناس في زمانه. خطوات الشيطان بدأت أين معه؟ فتح الباب. أنا بدك تفهم هذا يا أيها الشاب الجامعي، أيتها الفتاة الجامعية، أيها المسلم، خطوات الشيطان بدأت معه من أين أحبابي؟ فتح الباب، تدريس زميلته في الجامعة فتح الباب تمام. أين انتهت به؟ كفر بالله، جاءه الشيطان فقال له: اكفر. فكفر والعياذ بالله، ظناً منه أنه سينجو من ماذا؟ من الموت والهلاك. فكفر، فماذا فعل الشيطان؟ تركه وشانه وقتل. ضحك عليه الشيطان، أراد أن يميته على الكفر فمات على الكفر. هل نصره؟ لا. ومن هنا قال ذكر بعض أهل العلم هذه القصة في ثنايا هذه الآية: كمثل الشيطان إذ قال للنسان اكفر، راهب ماذا؟ الشيطان ماذا قال للراهب وهو يصلب؟ اكفر. فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها.
وهذه قصة حقيقية فيها عبرة للإنسان المسلم الذي يبحث عن السلامة. السلامة لا يعدلها شيء، أغلق على نفسك باب الفتن من البداية، أغلق على نفسك باب الفتن من البداية ولا تلج ولا تلج ولا تسمح للشيطان أن يقرعك بجوانب إنسانية عاطفية، فإنها النار والعياذ بالله.
ننتقل إلى الجزء الأخير من هذه السورة، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]. درس في أهمية أن يعد الإنسان للدار الآخرة، يعني بعد أن أعضاهم درس بني النضير والأحكام والعبر وما فيها، جاءهم درس ختامي بأهمية أن يكون كل حياة الإنسان وأفكاره وسلوكه في هذه الحياة الدنيا تقوده إلى الله سبحانه وتعالى وإلى الدار الآخرة. لذلك بدأ هذه الآية بالتقوى وختمها بالتقوى.
يا أيها الذين آمنوا، شف نداء الإيمان، اتقوا الله، خوف الله سبحانه وتعالى هو الذي يجعلك تجتنب كل الأخطاء العقدية والأخطاء السلوكية والمنهجية في حياتك. واتقوا الله، فتقوى الله: ما جاورت قلب امرئ إلا وصل. ليس من يقطع طرقاً بطلاً إنما من يتق الله البطل، كما قال ابن الوردي عليه رحمة الله. فتقوى الله هي رأس مال الإنسان في هذه الحياة الدنيا، المال المعنوي، هي رأس مالك وثروتك أن تحصل تقوى الله. إذا اتقيت الله سبحانه اجتنبت المعاصي، إذا اتقيت الله سبحانه وتعالى اتقيت الشبهات، إذا اتقيت الله وخفته وأجلت مقامه وتركت الآفات وسوء الأخلاق ومشيت على المنهاج المستقيم، من حصل على التقوى حصل كل شيء، ومن فاتته تقوى الله سبحانه وتعالى فاته كل شيء.
إذاً ربنا يقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: 18] مرة ثانيه، ابتدات في التقوى واختتمت بالتقوى، لأهمية التقوى في حياة الإنسان، والنفاق الذي تكلم الله عز وجل عنه في هذه السورة إنما منشاه في النفس الإنسانية ضعف تقوى الله والخوف من الجليل سبحانه وتعالى.
وما معنى تقوى الله؟ تقوى الله ما هو؟ ما أصل هذه الكلمه؟ أصلها وقاية، جعل بينه وبين الشيء صيانة وحمايه. وهل المراد أن تجعل بينك وبين ذات الله صيانة وحماية؟ لا، المراد أن تجعل بينك وبين محارم الله وعذاب الله حاجزو يحجزك عن الوصول إليه. هذا معنى تقوى الله: أن تجعل بينك وبين محارمه وبين عذابه وقاية تحول بينك وبين الوصول إلى ذلك. وهذه الوقاية من أين تنشا؟ ما مادتها؟ تعظيم الله في القلب ومراقبة الخواطر والاستمرار على فعل الطاعات ومجاهده النفس، هي التي تشكل هذه الوقاية. تعظيم الله في القلب ومراقبة الخواطر وفعل الأوامر ومجاهده النفس على ترك النواهي، هذا هو الذي يشكل مادة هذا الحاجز الذي تجعله بينك وبين عذاب الله وسخطه وعقابه.
قال الإام النسفي رحمه الله: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله في أوامره فلا تخالفوها، ولتنظر نفس، نكرة النفس تقليلا للانفس الناظرين فيما قدمنا للأخرة. يعني ماذا يريد أن يقول؟ قال: ولتنظر نفس، قال: لماذا نكر نفسه هنا؟ ولتنظر، كأنه يقول: أي نفس؟ قالوا: نكر قال: لقله النفوس التي للأسف تعتبر فتجهز نفسها للدار الآخرة.
فالتنكير هنالك تقليل التفكير، ما فائدته؟ التقليل، تقليل ماذا يا شيخ؟ تقليل من ينتبه لهذه الوصية فينظر لأمور الدار الآخرة. وهذا حال أكثر الناس اليوم، ترى هذا كلام صحيح، من من الناس اليوم من يكون دائما الاستيقاظ للدار الآخرة ودائماً إعداد لها؟ أغلب الناس اليوم ينظرون في مصالح طعامهم وشرابهم وأموالهم ورزقهم، وقل من يحاسب نفسه يومياً ويعد نفسه للقاء الله سبحانه، فلما كان
الذين يعدون أنفسهم إلى الغد قليل، استعمل الله التنكير هنا للدلالة على التقليل، فهمتم؟
قال: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ﴾، نكر النفس؛ لم يقل: ولتنظر عن نفسه، قال: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ﴾، نكرها، وهل تنظر نفس نكرها تقليلا؟ أي للدلالة على قلة الأنفس النواظر، النواظر التي تنظر إلى الدار الآخرة فتهتم بالإعداد لها.
قال: ﴿مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، يعني يوم القيامة، الله سبحانه سمى يوم القيامة في هذه الآية "غدا"، لماذا برأيكم؟ كتحليل لغوي، لما أقول لك هذا يوم القيامة هو الغد، دلالة على ماذا؟ أحسنت، قرب الوقوع، أن ليس بينك وبين يوم القيامة إلا أشبار وسيقع، وهذا يجعلك أكثر استعدادا وانتباها وتقصيرا للأمل في حياتك.
قال: سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبا، لأن الغد هو اليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه الآن. قال: أو عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران؛ يوم وغد، وهذا قريب من الكلام السابق، كأنه جعل الدنيا هي اليوم والآخرة هي الغد، كأن كل الدنيا والآخرة عبارة عن يومين، اليوم هو الدنيا، والغد هو الآخرة، هكذا قصة الإنسان في هذا الوجود، قصته في يومين: يوم هو الدنيا، وغدا هو الآخرة.
قال: وتنكيره لتعظيم أمره، شفنا التنكير بالعكس قبل قليل؛ كلمة "نفس" قلنا نكرها تقليلا، هنا كلمة "غد" لماذا نكرها؟ تعظيما، وهذا ندرسه دائما في علم البلاغة؛ مقاصد التنكير، لماذا يؤتى بالكلام نكرة؟ فالتنكير من مقاصده التحقير، ومن مقاصده التعظيم، ومن مقاصده التقليل، ومن مقاصده التكثير، يعني له جهات عندك كما درسنا في علوم البلاغة.
فهنا لما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، "لغد" نكرة صح؟ ما قال: ولتنظر نفس ما قدمت للغد بالتعريف، قال: ﴿لِغَدٍ﴾، لماذا نكرها؟ تعظيما لشأنه، وكأنه شيء أعلى من أن يعرف، أعلى من أن يحصر في تعريف بأداة من أدوات التعريف.
قال: "لغد" لا يعرف لعظمته، وعن مالك بن دينار رحمه الله مكتوب على باب الجنة: «وجدنا ما عملنا». المراد أن يوم القيامة لعظمته لا يمكن أن يعرف؛ لأنه أموره أعظم من أن تحصر بالتعريف، كونه وحقائقه وما فيه من الأهوال والشرائد أصعب وأعلى من أن تعرف بأداة من أدوات التعريف، هذا معنى أنه لا يعرف كونه، يعني حقيقة ما فيه من الأهوال العظام.
وعن مالك بن دينار رحمه الله مكتوب على باب الجنة: «وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدمنا، خسرنا ما خلفنا». قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، كرر الأمر بالتقوى تأكيدا، أو اتقوا الله في أداء الواجبات؛ لأنه قرن بما هو عمل، فاتقوا الله في ترك المعاصي؛ لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد، وهو أن الله خبير بما تعملون.
الآن النسفي رحمه الله ذكر احتمالين لتكرار التقوى؛ الاحتمال الأول أن "اتقوا الله" تكررت مرتين في الآية للتوكيد وتقرير هذه الفكرة أكثر فأكثر في ذهن القارئ للقرآن، وهذا هو الاحتمال الأبرز والظاهر حقيقة. لكنه ذكر احتمالا آخر، فقال: ويحتمل أن يكون كرر التقوى لأنه قصد بالتقوى في أول الآية اتقاء الله في فعل الأوامر، وقصد بالتقوى في ختام الآية اتقاء الله في ترك المعاصي.
ما دليله على هذه التفرقة؟ أنه في أول الآية قصد الله اتقوا الله في فعل أوامره، وفي ختام الآية اتقوا الله في ترك معاصيه، ما دليله على هذا التفصيل؟ قال: في أول الآية أمر الله الإنسان بأداء عمل، فربط أداء العمل بتقوى الله، يكون مفهومه: اتق الله فقم بهذا العمل، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۗ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، فقرن تقوى الله بالنظر للغد، فلما أمرك بعمل وقرن ذلك بتقوى الله، إذا هو تقوى الله هنا أن تؤدي هذا العمل ولا تتركه.
وأما في الختام، لما قال بعد أن قال: ﴿مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، يقول جملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، تشعر فيها نفس تهديد، صح؟ فيها نفس تهديد، أنا عارف ماذا تفعل، أنا عندما يخبرك والدك يوما ما ويقول لك: "أنا أعرف ماذا تفعل"، ماذا يريد؟ يريد أن يقول لك: "انتبه، الأمور مكشوفة"، فهنا نفس الشيء، هذه آية تهديدية: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، أسلوب تهديد.
الله يقول لنا: انتبهوا، أنا عارف المعاصي التي تفعلونها، فيقول هذه قرينة على أن "اتقوا الله" التي جاءت في الختام المراد بها تقوى الله في ترك المعاصي. طبعا هذا تحليل منه، وهو محاولة منه أن يجعل الكلام كله مبني على التأسيس وليس على التأكيد، بناء على القاعدة الأصولية البلاغية أن التأسيس أولى من التأكيد، لكن القول بأنها توكيدية لتقوى الله الثانية مؤكدة للأولى وتقرر نفس المعنى هو قول قريب، خاصة وأن هذا الكلام الذي ذكره تحديد اجتهادي يحتاج إلى نظر على مدى دقته.
قال: وفيه تحريض على المراقبة، لأن من علم أن الله مطلع على ما يرتكب من الذنوب يمتنع عنها، يعني قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هذه تهديد وتحريض؛ تهديد أن تخاف رب العالمين، وتحريض على المراقبة أن يراقب الإنسان ربه، ما دام الله خبيرا بما أعمل إذا هو يحرضني أن أراقبه، وهذه مرتبة الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
إذا لم تستطع الوصول إلى أعلى درجات الإحسان وهي أن تعبد الله كأنك تراه، فلا أقل من أن تعبد الله وأنت تستشعر أنه يراك، فهذه الآية تحريض على أن يراقب العبد مولاه ويستحضر وجوده في كل خطوة من خطوات الحياة، لأنه من علم أن الله مطلع على ما يرتكب من الذنوب فإنه في العادة يمتنع عنها، لما تأتي تفكر تفعل المعصية وأنت مؤمن أن الله يشاهدك، على الأصل يكون أكبر حاجز يحول بينك وبين الوقوع في هذه المعصية.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19]. قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾، تركوا ذكر الله عز وجل وما أمرهم به في الآية السابقة: ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
ولعلي نسيت، تعلق على هذه العبارة من الناحية السلوكية، ما معنى ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾؟ هذه الآية يستدل بها علماء السلوك على مقام المحاسبة، أن الإنسان المسلم -أحبابي الكرام- ينبغي أن يكون له في كل يوم...
من أيام حياته جلسة يحاسب بها نفسه ليوم القيامة ويعد العدة فيها، ومن استوى يوماه فهو مغبون. كما قالوا: لا يصلح للإنسان أن يكون غدوه مثل أمسِه، لا يوجد فيه زيادة في القرب من الله سبحانه وتعالى.
فالله يقول: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]. هذه الآية تؤكد على مفهوم عظيم من مفاهيم علم السلوك، ألا وهو أهمية أن يحاسب الإنسان نفسه في كل خطوة من خطوات حياته. إذا نمت قبل أن تضع جبينك أو رأسك على وسادتك، حاسب نفسك: هل هذا اليوم كان يوماً منتجاً في الحياة؟ ما هي الأخطاء التي ارتكبتها في هذا اليوم؟ لعلك غداً تنتج أكثر في الأشياء الإيجابية، وتقلل أكثر من المعاصي والأشياء السلبية.
لابد من "نظر" أحبابي؛ ولذلك لماذا تجد كثيراً من الناس يتبايعون في المعاصي أكثر وأكثر ومضيعين للأوقات والعبث؟ لأنه ليس عنده محاسبة، لا ينظر للمستقبل، لا يعرف الغد الذي هو يوم القيامة، لا يعرف ماذا قدم. لو ما عنده هذا المفهوم في حياته، فتجد اليوم وبكرة وبعد بكرة وبعد شهر وبعد شهرين، وعلى نفس المستوى الإيماني والمعرفي والسلوكي التربوي، لا يتقدم في حياته؛ لأنه لا يراقب نفسه.
وبذلك صدق ربنا لما قال: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ﴾. قلة النفس كلام صحيح، وكلام الناس هنا في هذا التنكير للتقليل؛ قلة من يمارس مهنة المحاسبة، حتى طلاب العلم وطالبات العلم؛ من الذي يمارس ويحرص على الاستمرارية؟ أنا لا أريدك فقط يوماً أو يومين تعمل محاسبة، ثم شهر أو شهرين تنسى الموضوع، لا؛ من منكم فعلياً يمارس يومياً مهنة المحاسبة؟ كل شخص يسأل نفسه: هل أنا فعلاً مطبق هذه الآية؟ حتى تعرف فعلاً دقة كلام الناس في قلة الأنفس النواظر. نغفل وننشغل، وربما نجد الشهور تمر، وخيرنا من يستيقظ بعد شهر أو شهرين ليكتشف مأساة ثم ينتبه مرة أخرى.
أحياناً بعضنا لا يستيقظ إلا إذا جاءته قارعة أو زاجر أو بلاء أو محنة. أقول لك هذا بسبب معصيتي. يستيقظ عند القوارع والزواجر، لكن الأصل في الإنسان المؤمن الذي تم إيمانه أو ارتفع في مقام الإيمان هو دائماً في محاسبة مستمرة لنفسه، لا ينتظر قارعة أو بلاء أو محنة حتى يعترف بتقصيره بين يدي مولاه. هو دائماً يجهز الملفات، يحاول أن يطور من نفسه، وهذا هو الذي ينجح في الحياة بإذن الله، وهذا الذي يترك بصمة في حياة الأمة؛ أنه يومياً في ملف جديد، وفي إصلاح، وفي تنمية، وفي تطوير، وفي تقدم، سواء في علاقته مع الله أو في علاقته مع المجتمع وما شابه ذلك. هذه الآية هي عنوان للإنسان الناجح: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
الأمر الثاني، وهو يتمم الأمر الأول، قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾. يا أهل الإيمان، أنا أطلب منكم أن تكونوا من النوع الأول؛ النوع الذي يحاسب نفسه يومياً. وإياكم، واحذركم، أن تكونوا من النوع الثاني الذين لا يحاسبون أنفسهم. شوف كيف عبر عن النوع الثاني، ماذا قال؟ عبر عنهم: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾؛ الذي لا يحاسب نفسه نسي ربه. ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْغَافِلِينَ﴾، عبر عنها بتعبير شديد ومحزن، أليس كذلك؟ كلمة أنك نسيت ربك كلمة قاسية.
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾؛ الذي لا يحاسب نفسه نسي ربه ونسي لقاء ربه. أنت تقول: لا يا شيخ، أنا عدم محاسبتي... أنا عارف أن الله موجود. نعم، لكن تصرفاتك وغفلتك وشدة بعدك ومعاصيك وانغماسك في هذه الغفلة هو نوع من أنواع نسيان الله سبحانه وتعالى. الله موجود كفكرة عندك، لكن ليس كسلوك. كثير من الناس الله في حياتهم موجود كفكرة، لكن هل الله موجود في حياتهم كسلوك؟ لا، وهذه هي المشكلة.
فلما يكون الله ليس موجوداً في حياتك كسلوك، بمعنى أن تراقبه وأن تحاول أن تتقدم في العلاقة معه وأن تجتنب ما يغضبه، وتتبع مواطن ما يحب، هذا هو الذي يعني أنك تعرف الله حق المعرفة. أما مجرد تقول: والله أنا مؤمن بوجود الله، هذه فكرة لكنك لم تترجمها بعد إلى سلوك حي في كيانك وحياتك، ليس لها أثر. هل كلمة "الله موجود" لها أثر على سلوكك أم تجعلك تتقدم؟
فلذلك الله عز وجل عبر عن الذين لا يحاسبون أنفسهم ويعيشون في غفلاتهم بماذا؟ بأنهم نسوا الله، وما أقساها من عبارة، أسأل الله ألا نكون من أهلها. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾، تركوا الله فكراً ومنهجاً وسلوكاً في حياتهم. قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾، تركوا ذكر الله عز وجل وما أمرهم به، ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾، فتركهم من ذكره بالرحمة والتوفيق.
الآن هنا، أنا قد أخالف النسفي في تفسيره لهذه الآية. وماذا قال في تفسير ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾؟ قال: فتركهم سبحانه من ذكره. حقيقة هذا لا يناسب ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾، هذا يناسب ما ورد في آيات أخرى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. هناك في أكثر من سورة، ما قال "نسوا الله فنسيهم"، قال: ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. هذا تعبير آخر. قول النسفي هنا في تفسير ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾: أي فتركهم من ذكره بالرحمة والتوفيق، أي أن الله لم يعد يعبأ بهم ولا يذكرهم برحمته ولا يتعاهدهم بتوفيقه. هذا يتناسب مع قوله "نسأل الله فنسيهم" وليس مع قوله "نسوا الله فأنساهُم أنفسهم".
قلت لكم يوم السبت، ابن القيم أحسن في تفسيرها في الدعوة. ماذا قال ابن القيم في تفسير ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾؟ أحسنت، قال: نسوا مصالح أنفسهم؛ جعلهم الله ينسون مصالح أنفسهم وما فيه الخير لأنفسهم في الدنيا والآخرة. هذا هو التفسير الأقرب إلى سياق الآية؛ نسوا الله فأنسى الله مصالح أنفسهم، فلم يعد أحدهم يفكر إلا بشهوة فرجه وبطنه، لم يعد أحدهم يفكر إلا بما يأكل وفي أي مطعم سيأكل ومع من سيجلس، لكن هل ينظر في مصالح دينه ودنياه بالشكل اللائق؟ لا، هذا معنى ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾.
أما ما ذكره النسفي -والله أعلم- في النهاية يقول هذا يليق بماذا؟ بآية أخرى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، أي فتركهم من ذكره ولم يعبأ بهم. هذه قضية أخرى، أشد عقوبة. أشد عقوبة لعباد الله وأماته أن ينساك الله كما في سورة الجاثية، وأن ينسيك نفسك. إذا أردت أن تربط بين الآيتين: ﴿فَنَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾؛ الذي ينسى الله له عقوبتان: العقوبة في سورة الجاثية والتوبة أنه ينساهم هو من تعاهده بتوفيقه لهم، وينسيهم أنفسهم فلا يعودون ينتبهون إلى مصالح أنفسهم. عقوبتان شديدتان، وما أصعب أن يكون الإنسان معاقباً.
وهو لا يشعر بالعقوبة، وهذا حال كثير من الناس؛ أنه يعيش في غفلة ويظن نفسه سعيدًا، يعيش في شهواته ويظن نفسه ناجحًا، يهتم بجمع المال والعلاقات المحرمة ويظن أنه في قمة النشوة. والمسكين لا يعرف أنه في أشد العقوبات الإلهية؛ عقوبة النسيان الإلهي، وعقوبة نسيانك لنفسك أنك لا تنظر لصالحها.
صدقوني أحبابي الكرام، هكذا الإنسان هكذا يفكر أحيانا. إذا جاء يوم القيامة، ماذا سيكون الأمر؟ وكيف سيكون حال الناس، حالنا وحال الناس؟ فعلاً أنا أعتقد أن الموضوع سيكون صعبًا جدًا، وسيكتشف الناس قيمة هذا الكلام الذي نحن الآن ندندن فيه في الدنيا. هذا الكلام نحن الآن نقول إنه للقيامة والآخرة، وإن الأمر أعظم، وهذا كلام به الآن نظريًا، لكن لو فكرت فعلاً ماذا سيحدث يوم القيامة، وماذا سيفعل الناس الغافلون -نسأل الله لا نكون منهم وأن يرحم ضعفنا- ماذا سيحل بالغفلة عندما يستيقظون فيجدون فعلاً أن الدنيا بالنسبة للآخرة ليست شيئًا؟
أنا فعلاً أرى الدنيا كلها بشهواتها ونسائها ولذاتها وأموالها طلعت كلياتها فيلمًا فارغًا حقيقة، هناك المأساة. لذلك نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا ينسينا أنفسنا، وأن لا يجعلنا ممن يعيش في غفلة الحياة الدنيا وهم يحسبون أحسنًا صنعًا، هذه قمة المأساة؛ أن تعيش لشهواتك وتنسى ربك والدار الآخرة.
فهذه الآية هي تكملة للآية السابقة: ﴿وَلَا تَنْسَ نَفْسَكَ﴾، فمن نسي نفسه هو الذي لا ينظر إلى ما قدم لغد، والمعنيان مترابطان مئة بالمئة؛ لأنه لو لم ينسَ نفسه ومصالحها لحاسب نفسه ولنظر ما سيقدم لغد، أليس كذلك؟ فعدم نظرك وعدم محاسبتك لنفسك يوميًا هو من نسيانك لنفسك، ونسيانك لنفسك هي عقوبة من الله لك.
هكذا تلتئب الآيتان. قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، الفاسقون هم الخارجون عن طاعة الله. والفسق أصل معناها ماذا؟ خرج، ثم أصبح هذا يطلق في الشريعة على كل خارج عن طاعة الله، سواء بالمعاصي أو بالنفاق أو الكفر؛ فالكافر والعاصي فاسق والمنافق فاسق، لأن الفسق درجات، أي خروج عن منهج الاستقامة. الطريق إلى الله مستقيم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فأي خروج عن درب الاستقامة هو فسق، وله مراتب: هناك فسق العصاة، وهناك فسق المنافقين، وهناك فسق الكفار. لذلك القصد أن الفسق مثل الشرك مثل الكفر، ينقسم إلى فسق أكبر وفسق أصغر.
فالفاسق هنا باختصار تشمل الكافر والمنافق والعاصي، ليس فقط الكافر؛ كلمة ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لا تشمل فقط الكافر هنا، بل الفسق بمعناه الشامل الذي يدخل فيه عصاة الموحدين.
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، أصحاب الجنة هم الفائزون. وهذه الآية أيضًا إكمال لما سبق؛ كان الله سبحانه بعد أن أمرنا بالمحاسبة ونهانا عن نسيان أنفسنا حتى لا ينسينا مصالح أنفسنا، يعطيك المشهد الآخر. هناك كان المشهد الدنيوي، والآن المشهد الأخروي كما قلت لكم قبل قليل. إذا جاء يوم القيامة سيعرف الذي حاسب وراقب نفسه وقدم لغد ما جائزته، وسيعرف الذي نسي نفسه ما مصيبته، أليس كذلك؟
﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، المعادلة واضحة أحبابي، لا يستوي أبدًا أصحاب النار وأصحاب الجنة، وليس من جهة واحدة بل من كل الجهات. لذلك لم يذكر طبيعة المساواة هنا؛ لا يستوي أصحاب النار الذين نسوا أنفسهم وأصحاب الجنة الذين نظروا ما قدموا لغد، هل هذا سيستوي؟
باختصار، الذي جاهد وتعب في الحياة الدنيا وكان يوميًا يحاسب نفسه ويطور نفسه في علاقته مع الله ومع الناس، هل كالذي يعيش من أجل شهواته؟ لا يستوي، لا يمكن في العدل الإلهي أن يستوي هذا مع هذا. هل الإنسان المسلم الذي يغض طرفه عن الحرام وتأتيه شهوة يريدها ويطلبها لكنه يخاف الله فيبتعد وينحجز عنها، هل هذا مثل الإنسان الذي جاءته الشهوة فانكب عليها وأكلها وتلذذ بها؟ لا يمكن أن يستوي هذا وهذا، وعند الله سبحانه وتعالى بكل مجتهد نصيب.
حتى هي قواعد الدنيا؛ أصحاب الجنة هم الفائزون، ولا كل المناصب والجاه والدنيا والألقاب، كل هذا عند الله لا يسوى جناح بعوضة، كما قلنا سيذهب هباء منثورًا ويبقى التقي النقي، ولو كان أشعث أغبر لا يُبالى به في الدنيا ولا يُنظر إليه، لكن عند الله سبحانه وتعالى يكون هو الفائز. وتجد إنسانًا من أصحاب البدلات والسيارات يُفتح لهم ويُغلق في وجههم، وتجده عند الله من أحسن الخاسرين. الموازين عند الله ليست بمالك ولا جاهك ولا شهادتك الدنيوية؛ المعايير عند الله أن تصل إلى الجنة، وصلت إلى الجنة فائز، ما وصلت إلى الجنة فماذا فعلت في الدنيا؟ على الفاضي.
قال هذا تنبيه للناس وإيذانًا بأنهم بفرط غفلتهم وقلة فكرهم في العاقبة وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار والبون العظيم بين أصحابهما. وكأن الله جعل الناس في غفلتهم يظنون أن أصحاب الجنة كأصحاب النار، وإن لم يكن الواقع كذلك، لكن لما تقول هذا يسمى إنزال العالم منزلة الجاهل لعدم جريانه على موجب علمه. هم يعرفون، لكن لشدة غفلتهم جعلهم الله في مقام من لا يعرف. فعلى طرائق البلاغيين خاطبهم مخاطبة الجاهل بالشيء فلم يأتِ بمؤكد من المؤكدات، هذا يعرفه من يفهم البلاغة؛ لم يأتِ بمؤكد من المؤكدات تنزيلًا للعالم منزلة الجاهل. والجاهل كيف يُلقى له الخطاب بدون استعمال المؤكدات عند البلاغيين؟
قال: ﴿وَأَنَّ الْفَوْزَ الْعَظِيمَ لِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ * وَالْعَذَابُ الْأَلِيمَ لِأَصْحَابِ النَّارِ﴾، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه. كما تقول لمن يعق أباه: "هو أبوك". كأنك تقول لشخص يعق أباه: "يا فلان، ترى هذا أبوك"، هو ليس جاهلًا بأنه أبوه، لكنك نزلته منزلة الجاهل لعدم جريانه على موجب العمل. إذا كنت تعرف أن فلان أبي، فماذا يجب أن تفعل؟ يجب أن تعامله باحترام وتقدير. فإذا رأيت شخصًا لا يعامل والده باحترام وتقدير، ماذا تقول له؟ "ترى يا فلان هذا أبوك"، أنت لا تريد أن تخبره فعليًا أنه أبوه لأنه يعرف، بل تريد أن تطلب منه موجب هذه المعرفة، وهو أن ينتبه في تعامله معه؛ لا يرفع صوته، لا يعقه، لا يمارس معه سلوكيات غير لبقة. فهذا أسلوب من أساليب العرب: أن أعطيك معلومة وأنا أعرف أنك تعرفها ولكنك لا تعمل بها، فأعود أخبرك بها مرة أخرى لأنني أريد منك لازمها.
الناس يعرفون، وهذا ينطلق على الآية؛ يقول النسفي: الناس كلهم يعرفون أنه ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، يعني في عاقل يقول لك لا، الناس التي في الجنة... ما في عاقل يحكي هكذا، طيب لماذا ربنا؟
يعطين هذه المعلومة، مع أننا كلنا نعرفها، لأننا كلنا في غفلة عنها. ما عندنا معرفة أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، لكن هل أعمالنا وفق معرفتنا؟ لا، كثير منا أو كثير من الناس يسير على خطى أصحاب النار. لما أنت تعرف أنه لا يوجد فرق بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، الأصل هذا يجعلك تدفع إلى العمل بأعمال أهل الجنة.
أنت تعرف أنه هناك فرق بين أهل النار وأهل الجنة، وللأسف أعمالك تقودك باتجاه أهل النار. لماذا؟ فيأتي هذا التذكير من الله: انتبهوا يا ناس، ترى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، فاستيقظوا واعملوا بأعمال أهل الجنة حتى تكونوا من الفائزين.
قال كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف. وقد استدلت الشافعية بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكافر لا يملك مال المسلم بالاستيلاء، وقد أجبنا على مثل هذا في أصول الفقه.
الكافية من هذه الآية: لو أن مسلماً قتل كافراً، هل يجوز القصاص من مسلم؟ مرادنا الكافر المسالم وليس الكافر الحربي، أنتم تعرفون في كتب الفقه الإسلامي يفرقون في العلاقة بين الكافر الحربي والكافر المسالم الذي بينك وبينه عقد ذمة أو عقد أمان أو ما شابه ذلك؛ فالكافر لا يجوز للمسلم أن يعتدي عليه ولا أن يقتله، ومن قتله ولم يرح رائحة الجنة كما قال النبي ﷺ في الأحاديث.
لكن لو أن مسلماً ارتكب هذه المعصية الكبرى فقتل ذمياً، هل يقتص منه عند جمهور الفقهاء؟ لا يقتص منه، بخلاف الحنفية. عند جمهور الفقهاء لا يقتص منه؛ لأن اختلافهما في ماذا؟ في الدين، إن المؤمن أعلى في الدين من الكافر، فالمؤمن إذا قتل ذمياً يدفع الدية لكن لا يطبق عليه القصاص.
من أين استدل الشافعية والجمهور على هذا؟ قالوا من هذه الآية، هذه الآية إحدى أدلتهم: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. قالوا: نفي الاستواء على العموم يدل على أن نفي المساواة بينهما ليس فقط في أمور الآخرة، بل حتى في أمور الدنيا. وبما أنه نفى المساواة على الإطلاق، فإنه حتى في أحكام الدنيا لا يستويان، وبالتالي لا يقتص من المسلمين إذا قتل المعاهد الذمي، وإن كان طبعاً فعل كبائر من الكبائر.
هذه مسألة فقهية أيضاً، وأن الكافر لا يملك مال المسلم؛ هذه مرت معنا، فالقول كما قلنا إن الكفار إذا ملكوا أموال المسلمين من خلال تهجيرهم أو غنائمهم، فهذا الكفار يملكون أموال المسلمين، هذه فيها خلاف. الآن الشافعية ماذا قالوا؟ قالوا لا يملكون. طب ليه؟ نفس القضية، قالوا: نعم، المسلم إذا سطى على مال الكافر في الحرب يملكه، لكن الكافر إذا سطى على مال المسلمين في الحرب لا يملك؛ ليه؟ لأن الله نفى المساواة بين المؤمنين وبين الكافرين: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. فالشافعية باختصار حملوا هذه الآية على عموم مجالاتها، حتى في الأحكام الفقهية طبقوا عدم المساواة بين الكافر والمسلم في مساحة الأحكام الفقهية.
صحيح هي ليست الدليل الوحيد، نحن الحنابلة والشافعية والجمهور نتفق على أن المسلم لا يقتل بالكافر، لكن الشافعية من أدلتهم هذه الآية. لكن كما تفضلت، هناك أدلة أسرع منها في أن المسلم لا يقتل بالكافر المعاهد، فنحن نتفق على هذا الحكم مع الجمهور، لكن هل هذه الآية هي الدليل أو من الأدلة؟ تأتي القضية على ماذا؟ هل نفي المساواة في ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ على عمومها تشمل أحكام الدنيا وأحكام الآخرة؟ الحنفية ماذا قالوا؟ قالوا هذه الآية تشمل أحكام الآخرة فقط، لا تطبقها عليَّ في أحكام الدنيا. الشافعية ماذا قالوا؟ قالوا لا، الآية على عمومها، نفى الاستواء على العموم فيشمل أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، ومن هنا ينتج النقاش الفقهي، ولسنا في صدد مناقشة المسائل الفقهية.
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]. هنا بدأت سورة الحشر تعلن ختامها في لحظاتها الأخيرة، وفي آياتها الأخيرة يخبر الله سبحانه وتعالى كفائدة عامة يا أهل الإيمان، الذي هو مسلم ويعيش مع القرآن حق العيش، الأصل كيف يكون حاله في تلقي القرآن؟ الأصل أن يتصدع قلبه من آيات القرآن خشية وإجلالاً وهيبة لله سبحانه وتعالى.
هذه الآية يا إخواني عظيمة جداً في محلها لمن تأملها؛ هذه الآية تخبر عن النفس السوية، النفس المؤمنة السوية كيف يكون حالها عندما تتلقى القرآن وتسمع آيات الله وعندما تتدبر؟ الأصل أن يتصدع، وأن يتشقق، وأن يتأثر، وأن تقشعر الجلود. ثم بعد ذلك أنت تقيس نفسك على المعيار الإلهي؛ الله يضع لنا المعيار، معيار المؤمن اليقظ عند استقباله للقرآن أن يتصدع قلبه. أنت ما حالك؟ كل يبكي على حاله.
الله يقول: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ﴾، هذا القرآن الذي بين أيديكم، ولذلك استعمل اسم الإشارة للقريب، يعني هو في متناول أيديكم والكل يقرأه. القرآن أحياناً يشار إليه بأداة الإشارة للبعيد، وأحياناً يشار إليه بأداة الإشارة للقريب. في سورة البقرة: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾، أشار إليه بالبعد إشارة إلى أنه في مكان سامٍ عالٍ. هنا لما كان البيان والإخبار المراد منه أن هذا القرآن في متناول أيدي الجميع، أخبر عنه بإشارة القريب: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي﴾، فهذه اسم إشارة للقريب، إشارة إلى أن هذا القرآن في متناول الجميع والكل يستطيع قراءته.
ليس هذا حالنا؛ ليس في أحد شاعر أنه ما عنده مصحف في البيت، أو أن الوصول إلى آيات القرآن وقراءة القرآن ليست في متناول يده، خاصة في بلادنا، الحمد لله على ما نحن فيه من الخير، القرآن في متناول الجميع. لكن ليس كل من قرأ قرأ، وليس كل من حفظ حفظ، وليس كل إنسان يتعامل مع القرآن وفق المنهج الذي يريده الله سبحانه.
فيقول الله -وهذا تمثيل كما قال النسفي- يريدك أن تتخيل هذه الصورة في ذهنك: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ﴾. ولماذا ذكر الجبل؟ لصلابته وشدته وضخامته. ثم أنت قارن نفسك بالجبل؛ إذا كان الجبل بصلابته وضخامته وشدته يجري معه ما يجري، فكيف أنت أيها الإنسان الضعيف صاحب الجسد الهين اللين؟ كيف ينبغي أن يكون استقبالك للقرآن؟ فهنا ربنا يقول لو أنزلنا هذا القرآن الذي تتلونه ليلاً ونهاراً وفي متناولكم، لو أنزلناه على جبل، والجبل رمز الصلابة والقوة والعنف والضخامة، لو أنزلناه على...
قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21].
لو رأيته أولا خاشعًا، ذا ذل لله سبحانه وتعالى، التذلل والخضوع لرب العزة سبحانه. قال "متصدعًا"، والتصدع حاله التشقق والتمزق؛ متصدعًا من خشية الله، متصدعًا تمزقه وتشققه خوفًا وإجلالًا. إذًا هذا القرآن من وظائف إنزاله أن يتصدع القلب من هذه المقصد في الآية، والله أعطيك هذه الإشارة أنه لو كان نزل على جبل لتصدع من خشية الله، إذًا أنت من باب أولى وأحرى أيها الإنسان، إذا قرأت القرآن وعشت في أفياءه أن يحدث في قلبك هذا التصدع وهذا التشقق وهذه الحالة من الخوف والإجلال لله سبحانه وتعالى. وأظن هذا هو الذي نحتاجه اليوم في تعاملنا مع القرآن.
الدرس القرآني اليوم أحبابي الكرام، كثير من الناس يركزون في موضوع القرآن على الحفظ، وحتى في المراكز المنتشرة من الشمال إلى الجنوب تجد الاهتمام بالحفظ ومسابقات الحفظ، وأعلى إنسان متقن يُعطى الجوائز. أنا لا أقلل من شأنه ولا من أهميته، لكنه ليس هو الأساس. تشعر أننا فقدنا تدبر القرآن وحياة القرآن، أصبحنا نهتم بمسابقات إتقان التلاوة وإخراج الحروف وإنزالها وما شابه ذلك، وأصبح القرآن بالنسبة لنا مراسم في بداية الحفلات وفي نهاية المؤتمرات وعلى الضيوف الكرام، لكنه ليس منهجًا وسلوكًا، ليس أو لا يُطبق عليه ما أراد الله أن يكون؛ أن تتصدع القلوب من خشية الله.
ترى ليس كل الصحابة كان يحفظ القرآن، لكن كل الصحابة كانوا يعيشون مع القرآن. الذين جمعوا القرآن حفظًا من الصحابة كم عددهم؟ الكثير، لكنهم لا يتجاوزون 35 إلى 40 صحابيًا. طيب وين باقي الصحابة؟ كانوا قرآنًا على الأرض، يجاهدون ويقاتلون ويجولون. أحبابي الكرام، حفظ القرآن مهم مهم جدًا ومن فروض الكفايات، لكن أريد أن أركز على الجانب الضعيف في حياتنا، الذي هو ما ركز عليه القرآن أكثر وأكثر، وهو جانب التأثر بالقرآن والاهتمام بالقرآن، وأن يصبح القرآن له نمط سلوكي على قلب الإنسان وحياته.
فالله هنا لما يقول لك عن وضعية الجبل، طريقة استقبال الجبل للقرآن، طريقة استقبال الجبل للقرآن هي التذلل والتصدع. إذًا إذا كان الله يقول لك، طيب أنت كيف تستقبل القرآن؟ أكيد هذه الآية ليست هكذا، يعني تخيلية من أجل أن تبقى قصة طرائف، وإنما المراد منها إرسال رسالة لي ولك؛ كيف ينبغي عليك أن تستقبل القرآن. وهذه الرسالة ليست مني كواعظ أو من عالم أو شيخ، هذه رسالة من الله جل في علاه يقول لك: يا ابن آدم، أنزلت هذا القرآن لتتلقاه كهذا التلقي، وليس فقط ليشغل لسانك ولا يشغل قلبك. فلما يقول "متصدعًا من خشية الله" معناته قصة كبيرة، ومعناه أظن أنني ما زلت بعيدًا عن مراد الله بالقرآن، ما زلت بعيدًا ما دام قلبي ليس وفق هذا المنهج، إذًا ما زال بيني وبين مراد الله بالقرآن مسافة، علي أن أجاهد أكثر وأكثر للوصول إليها.
قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، أي من شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تمييز وجعل الجبل إنسانًا عاقلًا، هذا رأي النسفي؛ أن الله أراد له جعل الجبل مميزًا، يعني إنسانًا عاقلًا. قال إنه لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع، أي لخضع وتطاطأ، وتصدع أي تشقق، هذا معنى التصدع. قال أي تشقق من خشية الله. وجائز أن يكون هذا تمثيلاً.
وكما يقول، وهذا رأي الأكثر، أنه ما في داعي لإضافة قضية أنه تخيلنا الجبل مميزًا، لا، يقول الله على سبيل التمثيل؛ لو نزل القرآن على جبل لرايته كذا، هي مجرد صورة تمثيلية حتى تتخيلها بدون افتراض قضية أنه أصبح كالإنسان مميزًا. وقال جائز أن يكون هذا تمثيلًا كما في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾، ويدل عليه من قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، يعني هم يقولون في النسفي إن هذا هو تمثيل وليس لأنهم أصبحوا مميزين مدركين، وإنما هو تمثيل أن الله عرض الأمانة عليهم.
لكن ربما الآية الأخرى قد نناقش فيها أكثر، وهذه قضية تعود: هل الجمادات لها أصلاً في ذاتها تمييز؟ هل الجمادات كالجبال والجدران هل لها في ذاتها نوع تمييز وإدراك نحن في غفلة عنه أو لا نشاهده؟ السادة العلماء، سيدنا، يعني أنت ترى أن هي بنفسها لها تمييز ولا حاجة أن يُفرض لها تمييز؟ طيب إيش رأيكم في رأي آخر؟
أحسنتم، يعني حقيقة بعض العلماء يذهب إلى أن الجمادات لا تمييز لها، وبالتالي يعتبرون مثل هذه النصوص هي مجرد تمثيل وتخييل. لكن نحن لا أريد أن أقول طبعًا هي مسألة عقدية حتى لا أجعلها مسألة عقدية يبدع فيها، لا هي مسألة قد نقول فيها مساحة من الاجتهاد. أنا أعتقد أن الجمادات لها قدرة معينة على إدراك أمور وإن كنا لا نشعر بذلك، يعني الإنسان بضعفه لا يستطيع إدراك هذه الأمور. لكن كما تفضل أخونا، وكثير من الأمور والوقائع التي حدثت في زمن النبي ﷺ، لا يسبب حمده يدل على أن الجمادات، السماوات والأرض والجبال لها تمييز وإن كنا لا نفقهه ولا ندركه. وتصوير أن هذه الجمادات لا تمييز لها ونحتاج أن نفرض لها تمييز هذا اجتهاد النسفي، ومن يذهب إلى هذا الملعب اعتبارًا أن هذه الأمور لا إحساس لها.
لكن نحن نقول، وإن منها لما يهبط من خشية الله، أشرنا إلى الحجارة في سورة البقرة، كيف يهبط؟ إذًا له تمييز الحجر ولا كيف يهبط من خشية الله؟ فأنا أعتقد أنه ما في داعي لاعتبار أن ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ مجرد تمثيل وتخيل، لا، لا مانع من أن يكون عرضًا حقيقيًا باعتبار تمييزها اللائق بها وإن كنا نحن لا ندركه. يعني هذا فقط نقاش مع النسفي في هذه القضية.
قال: ويدل عليه قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. يعني الذي يؤكد رأي النسفي، الذي يؤكد أن هذه الآية هي مجرد تمثيل وليس تحقيقًا، هو أنه ختم الآية بماذا؟ أن الله ختم هذه الآية: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ثم ختم قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فهذه إشارة على أنه ما ذُكر في مطلع الآية إنما هو على سبيل التمثيل، لأنه قال في الختام "وتلك الأمثال"، فهي إذاً أمثال وليست شيئًا واقعيًا، هو مجرد مثل المراد منه أن تفهم ما الذي ينبغي أن يكون عليه قلبك أنت أيها الإنسان. تمام، يعني هو مثل يراد به أن تتفكر. وتلك الأمثلة شوف ختام الآية: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ربنا لما جاب هذا المثل أراد منك أن تتفكر شو هي.
الرسالة التي يريد رب العالمين أن تصل لي من هذه الآية، أو من هذا المثل لما قال: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، ما هي الرسالة؟ فكر وأنا أقول لك؛ فكر في الرسالة، أنني أنا كإنسان حالي أضعف من حال الجبل، وأذهني وجسمي أضعف من الجبل، ينبغي أن يكون تصدعي أكبر وتأثري أكثر، وانجذابي للقرآن أعلى وأعلى، وخشوعي لله أعظم من ذلك. هذه الرسالة التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تصل، وبعد ذلك أنت تقارن نفسك: هل حققت هذه الرسالة في تعاملك مع القرآن، أم زلت بعيدًا عنها؟
قال: وهي إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل، وتلك الأمثال جمع للإشارة إلى أن الأمثال عمومًا، سواء هذا المثل أو أي مثل ضربه الله في القرآن، إنما وظيفة هذه الأمثال ما هي؟ أن يتفكر الإنسان ليستخلص منها العبر، ويعرف الرسائل الإلهية المراد إيصالها لك. قال: والمراد توبيخ الإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره.
بعد إذنك، توبيخ! لماذا أنت مقصر؟ لماذا لا يتصدع قلبك؟ لماذا لا تتأثر بالقرآن؟ وحال الجبل لو نزل عليه القرآن لتصدع. حتى تقارن نفسك. قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾. أكمل الآيات الأخيرة الثلاث، هي مرتبطة ببعضها البعض.
قال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
تأتي هذه الآيات بعد تقريع الإنسان على قلة اهتمامه واحتفائه بالقرآن. تأتي هذه الآيات بعظمتها وجلالها، وهي أطول آيات في القرآن جمعت أسماء الله الحسنى، أو أكثر آيات في القرآن جمعت أسماء الله الحسنى. لن تجد أسماء الله الحسنى اجتمعت في موطن كما اجتمعت في نهاية سورة الحشر، أليس كذلك؟ هناك آيات اجتمع فيها بعض الأسماء الحسنى كما هو في هذه الختام.
ما في تمام، كان الله سبحانه وتعالى بعد أن وبخنا على عدم احتفائنا بالقرآن وعدم اهتمامنا بتدبره وتصدع القلوب عند تلاوته، يريد أن يخبرك: من الذي أنزله هذا الكتاب؟ لأنه اهتمامك بالقرآن هو منبعه أساسًا تعظيمك لله وتعظيمك للمنزل. هذا القرآن عليك أن تعرف من الذي أنزله وأن تعظمه حتى يكون لك اهتمام واحتفاء به. فهنا ربنا سبحانه وتعالى بعد أن عاتبنا ولامنا على قلة احتفائنا بكتابه وانتباهنا، يريد أن يخبرنا من هو الله الذي أنزل القرآن. قال: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾.
شوف البداية: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾. شفت تكرار الضمير «هو»؟ تكرار الضمير «هو» في سياق الآيات. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، ثم كان بإمكانه أن يسردها سردًا: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم... لا، في اهتمام بتكرار الضمير «هو هو» حتى يجعل عينك تذهب إلى الله سبحانه وتعالى، ويُحدث في قلبك أثرًا: من هو الذي أنزل القرآن الذي تتصدع الجبال من خشيتهم؟ من الذي أنزل هذا القرآن؟ هو الله. هذا تعريف بالله، تريد أن تعرف الله، تعرفه من خلال هذه الآيات. إذا عرفت الله ستعظم الله وستعظم كلامه.
فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، لا إله يستحق العبودية إلا هو سبحانه وتعالى جل في علاه، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. الغيب والشهادة: يعلم الأمور الغائبة، أي السر الذي في سر الإنسان، والشهادة أي العلانية الظاهرة. لذلك قال النسفي: «عالم الغيب والشهادة يعلم سرك وما تخفيه ويعلم جهرك وما تبديه». وقدم الغيب على الشهادة لأن الغيب أكثر خفاء فهو الأهم؛ أن يعلم الله ما يعرفه الناس هذا واضح، لكن الأهم منه أن يعرف ماذا أيضًا؟ السر الذي أنت تخفيه خلف هذا الجسد. فقال: عالم الغيب والشهادة يعلم سرك ويعلم على نيتك. وهناك تفسير آخر أن الغيب هو الآخرة والشهادة هي الدنيا، يعني مقبول. أو المعدوم والموجود؛ أنه يعلم المعلومات قبل وجودها وهذا هو الغيب، ويعلم الموجودات الحاضرة الآن في الدنيا وهذه الشهادة. أقول كل هذه المعاني صحيحة، يعني لا داعي أن نحصر الكلام في جزء واحد؛ يعلم السر والعلانية، الدنيا والآخرة، المعدوم والموجود، هذا بالتأكيد كله من علمه سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿هُوَ﴾، شفت تكرار الضمير «هو»؟ مع أنه كان بإمكانه أن يستغني عنه لوضوحه، ولكن ما يمكن الاستغناء عنه يكون له نكتة وفائدة، وهو أن تبقى مستحضرًا للمشهد، وهو مشهد تعريف الله سبحانه وتعالى: «هو الله، هو الرحمن الرحيم». هذا تعريف آخر، لكن هنا يتعرف إلينا باسم ماذا؟ الرحمن الرحيم، ورحمته سبقت غضبه سبحانه وتعالى.
ثم رد على من أشرف، قال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ الذي لا يزول ملكه. هو الله الذي لا إله إلا هو، لأن التوحيد هو أعظم صفات الله سبحانه وتعالى فكرره مرتين. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴾، فالآية السابقة ذكرت صفة اسم الله ثم صفة التوحيد (توحيد العبودية: لا إله إلا هو)، ثم صفة العلم (عالم الغيب والشهادة)، ثم صفة الرحمة. عاد في الآية التي تليها فذكر اسم الله وهو أعظم أسمائه، وذكر التوحيد مرة أخرى لأنه أعظم ما وقع فيه النزاع، وأعظم صفات الله سبحانه وتعالى توحيده؛ أنه واحد في أفعاله، واحد في استحقاقه للعبودية، واحد في أسمائه وصفاته جل في علاه. فهذه أعظم منقبة وأعظم ما وقع فيه الخلاف عبر التاريخ الإنساني، فلذلك اهتم بتكرار اسم الله وصفة التوحيد مرة أخرى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ الوحيد المستحق لأن يُقصد بالعبادة.
وانظر إيقاع هذه الأسماء في تتابعها، شوف هذا السرد وهذا الإيقاع له هيبة على النفس. أنت نفسك لو تخيلته أو لو تأملت فيه تشعر بهيبته: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز. كلها أسماء. ترى كأن الله يريد أن يجعل هذه العظمة تستقر في قلبك من خلال هذا السرد السريع.
قال: ﴿هُوَ الْمَلِكُ﴾ الذي لا يزول ملكه، ﴿الْقُدُّوسُ﴾ المنزه من القبائح، وفي تسبيح الملائكة: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح». فما معنى اسم الله القدوس؟ أنه منزه عن كل قبائح والنقص. قال: ﴿السَّلَامُ﴾ الذي سلم الخلق من ظلمه، «المؤمن» واهب الأمن، في تفسير الأسماء الحسنى وحقيقتها -وكلها تصب في اتجاه جيد اللهم إلا تفسيرات البدعية على جنب- لكن عمومًا تفسيرات أهل الحديث؛ أسماء الله الحسنى يخدم بعضها بعضًا.
فهنا لما قال: «السلام الذي سلم الخلق من ظلمه»، هذا قوله وليس هو التفسير الوحيد؛ لأن البعض يقول: السلام الذي ينزل السلام على عباده المؤمنين ويحقق لهم الأمن، ويذكرون معانٍ كثيرة. قال الزجاج: «الذي سلم من العيوب» أيضًا، هذا قول وارد. وقال الزجاج: «المؤمن واهب الأمن»، وعن الزجاج: «الذي أمن الخلق من ظلمه» أو «المؤمن من عذابه لمن أطاعه».
ما معنى المؤمن؟ أولاً قيل: واهب الأمن الذي يهب الأمن للناس. والقول الثاني: الذي أمن الخلق من ظلمه، وهذه قريبة من تفسير السلام؛ إذا تلاحظون: «سلم الخلق من ظلمه» و«أمن الخلق من ظلمه». وقيل: الذي يؤمن عباده المؤمنين من عذابه يوم القيامة. وكل هذا لماذا؟ هي كلمة مؤمن مأخوذة من الأمان؛ فكل أمان يمنعه الله ويمكن أن يدخل تحته يجوز تفسير هذا الاسم به، فالمؤمن من الأمان. فكل أمان يمنحه الله، أمان للمؤمنين من النار، وأمان للناس في هذه الحياة الدنيا، وأمان لخلقه من الظلم، كل هذه أشكال وأنواع تدخل تحت مفهوم الأمن بمفهومه الشامل العام.
قال: المهيمن، الرقيب على كل شيء، الحافظ له؛ مَفْعِل من الأمن إلا أن همزته قلبت هاء. المهيمن وزنها الصرفي مَفْعِل، وأصلها أيضًا من الأمن؛ قيل إن المهيمن أصلها من الأمن، إلا أن الهمزة التي في أمنه -يعني أصلها- تكون مؤيمن، كما يقول مؤيد: أصل مهيمن هو مؤيمن من الأمن ثم قلبت الهمزة هاء فأصبحت مهيمن، لكنني لا أتفق معه كثيرًا في هذا الوزن الصرفي.
قال: العزيز، الغالب غير المغلوب، هذا معنى العزيز؛ الغالب الذي لا يغلب سبحانه. قال: الجبار، العالي العظيم الذي يذل من له من دونه، أو العظيم الشأن في القدرة والسلطان، أو القهار ذو الجبروت، وكلها معانٍ. قال: المتكبر، البليغ الكبرياء والعظمة، سبحان الله عما يشركون! مخلوق لا يجوز أن يتصل بها المخلوق؛ الإنسان لا يعرف أن يكون جبارًا ولا يجوز أن يكون متكبرًا، هذه صفات خاصة بالله.
قال: سبحان الله عما يشركون، نزه ذاته عما يصفه به المشركون. هو الله الخالق المقدر لما يوجده، كسر الخلق هنا بمعنى التقدير؛ لأنه اقترن بكلمة البارئ، فهو البارئ في الصراع بماذا؟ الموجب؛ فهنا حتى يفرق بين الاسمين. قال: الخالق هو الذي يقدر قبل أن يوجد، ثم البارئ الذي يوجد الشيء، ثم المصور الذي يضع الصور النهائية بأن تكون أنت على هذه الصورة، وهذا على هذه الصورة. ولكن أحيانًا -والأكثر- أن الخالق يدخل فيه معنى الموجد، الخالق يدخل فيه الإيجاد أيضًا، لكن هنا النسف فرق بين الخلق والبر؛ فجعل الخلق هو التقدير المسبق، والبر ما هو إلا الإيجاد على أرض الواقع، والتصوير هو الذي يكون في الأرحام. لكن هذا كما قلنا فيه خلاف، ولكن ما ذكر ليس خاطئًا؛ يعني كلمة الخالق هل من معانيها المقدر للشيء قبل وجوده؟ نعم، لا أشك في هذا، لكن لا نحصر الخلق في هذا المعنى فقط، فالخلق يشمل أيضًا الإيجاد والإخراج.
قال: البارئ الموجد، المصور في الأرحام. الخالق هو المقدر للشيء قبل إيجاده، والبارئ هو الموجد، والمصور يكون أين؟ في الأرحام؛ يعني يصور هيئتك وصورتك قبل أن تخرج إلى هذه الحياة. قال: له الأسماء الحسنى الدالة على الصفات العلا، بأسماء الله كلها حسن. ما معنى أي؟ في النهاية في الحسن والكمال، لذلك لا يجوز أن يُسمى الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، فأسماء الله توقيفية؛ لأن الله هو الذي يخبرنا فقط عن أسمائه، وليس لنا أن نسمي الله باسم لم يتسمى به.
وهذه الأسماء من وظائفها أن ندعو الله بها، لذلك قال: ﴿وَاللَّهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]. لذلك عليك أن تتعرف على معنى كل اسم، وتتعرف على المساحات التي يغطيها كل اسم، وتعيش مع كل اسم، وتدعو الله بكل اسم. هذا معنى «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها أحصاها»؛ ليس فقط عدها، بل أحصى معانيها وعرف دلالتها وتعبد الله بها، هذه معاني الإحصاء.
قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: 24]. ختم السورة بما بدأ بها من سورة الحشر، وهو التسبيح، وماذا يعني؟ هو تنزيه؛ نزه نفسه عن النقائص في البداية، ونزه نفسه عن النقائص في النهاية، فهو سبحانه كمال في كمال في أفعاله وأحكامه وتقسيماته.
وهنا لماذا ركز في سورة الحشر على موضوع التنزيه عن النقائص؟ لو أردنا أن نجتهد، هو شيء من الاستنباط والتدبر؛ لماذا في سورة الحشر جاء التركيز على تنزيه الله عن النقص في أحكامه؟ لو وقع أكثر من شيء قد يتوهم منه الجهال خللًا في أحكام الله ونقصًا فيها في قضية ما. أولًا: إخراج بني النضير، نبدأ بها؛ هل هذا فيه جور وظلم عليهم؟ هو الذي أخرج الذين كفروا. ثانيًا: قطع النخيل، هل هذا الأمر الإلهي فيه نقص وعيب؟ لا. ثالثًا: توزيع الفيء، هل في إعطائه للمهاجرين دون الأنصار عيب ونقص؟ في أكثر من قضية في سورة الحشر توهم منها الجهال جورًا أو ظلمًا في أقضية الله وأحكامه، فأراد الله أن ينزه نفسه عن النقص، سواء في إخراج بني النضير، وسواء في قطع الأشجار، وسواء في طريقة توزيع الفيء؛ نزه نفسه عن النقائص في كل الأحكام، فركز على ذلك في البداية والختام.
قال عن أبي هريرة رضي الله عنه: «سألت حبيبي رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم، فقال: عليك بآخر الحشر فكثر قراءته، فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي». معروف أن أحاديث الثعلبة في فضائل السور عمومًا فيها نظر وإشكالية ذكرها علماء الحديث، لكن سورة الحشر بالتأكيد ختامها من أعظم الختام، ومن أجمله ومن أوفاه في أسماء الله الحسنى. ولذلك ينبغي على المؤمن إذا دعا الله سبحانه أن يقدم في دعائه آيات سورة الحشر. مما ذكره العلماء أن المسلم إذا أراد أن يدعو الله بشيء من حوائج الدنيا والآخرة فليصدر في دعائه أسماء الله الحسنى، وأكثر موطن في القرآن ذكر فيه أسماء الله الحسنى هو سورة الحشر.
ذلك جميل؛ أنك إذا رفعت يدك تدعو الله لا تبدأ مباشرة: «يا رب أعطني»، لا تبدأ بسؤلك أولًا، عظم ربك، اقرأ آيات سورة الحشر، والله الذي لا إله إلا هو؛ تبدأ بتعظيم الله سبحانه وتمجيده ثم تسأل الله سؤلك. كذلك نحن في سورة الفاتحة، نبدأ بتعظيم الله وتمجيده: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ثم نقول: ﴿اهْدِنَا﴾؛ متى جاء الدعاء والطلب؟ في آخر السورة، وهذا أدب.
المؤمن في دعائه أنه يقدم بين يدي الدعاء التمجيد والتعظيم لله سبحانه وتعالى.
ننتقل أحبابنا الكرام إلى سورة الممتحنة. الممتحنة اسم مفعول، وهي وصف للنساء؛ فالممتحنة أي المرأة الممتحنة. لماذا سميت السورة بهذا الاسم؟ لأنه كما سنأتي إن شاء الله، ذكر فيها قضية امتحان النساء المهاجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]. الله أعلم في إيمانهم، شوفوا هجرتهم؛ هل هي لله ولرسوله خالصة أم لغرض من أغراض الدنيا؟ يمتحنوه، شوفوا المقصد من هذه الهجرة؛ لأنه أحيانا الواحد قد لا يهاجر إيماناً وتصديقاً، وإنما فراراً من مشاكل زوجية، خلافات أسرية، ضعف، أو فقر، والمقاصد عديدة. ﴿وَمَن كَانَ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّمَا هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَمَن كَانَ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 100].
هذه السورة أحبابي حقيقة عالجت موضوعاً مهماً وخطيراً ومبدأً عقدياً من مبادئ الإسلام، ألا وهو مبدأ أن المؤمن تكون ولايته لأهل دينه، لله ولرسوله وللمؤمنين، ولا يخون الله ورسوله ولو كان ذلك على حساب أهله وإخوانه وآبائه ومعشره. هذه السورة معالجتها لمفهوم الولاء والبراء، وهو أصل من أصول الإسلام العظمى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: 55]. وسبب نزول هذه السورة هو الذي يبين حقيقة الأهداف والرسائل التي يريد الله سبحانه وتعالى أن تصل للإنسان المسلم. ما سبب نزول هذه السورة؟ سنترك السيرة تقص علينا ذلك من البداية.
روي أن مولاة لأبي عمرو بن هاشم، يقال لها سارة، أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها: «ليفتح مكة»، النبي ﷺ كان يجهز لفتح مكة المكرمة، وتعرفون من خلال قراءتكم للسيرة أنه كتم الأمر، وحرص على الصحابة أن يكتموا هذا المسير حتى يفاجئ كفار قريش في عقر دارهم في مكة. فهو في أثناء تجهيزه لمعركة أو لغزوة الفتح، جاءت هذه الجارية من مكة باتجاه المدينة تريد مساعدة مالية فقط، لم تأتِ للإسلام، جاءت تريد مساعدات مالية.
قال: فقال لها مسلم: «جئتِ؟»، قالت: لا أسلم يا سارة. قالت مهاجرة؟ قالت: لا. قال: «فما جاء بك؟»، قالت: احترت حالة شديدة، فحث عليها بني عبد المطلب، فكسوها وحملوها وزودوها. النبي ﷺ حث أقاربه من بني عبد المطلب الذين معه في المدينة، قال لهم: خلاص ساعدوا هذه المرأة وحملوها وخلوها ترجع إلى مكة المكرمة، ففعلاً حملوها وكسوها وقالوا لها: الله يسهل عليك ارجعي.
ثم حاطب بن أبي بلتعة أعطاها المال، وهنا الخطأ؛ هذه القصة محورها ليس سارة، هي محورها الخطأ التاريخي الكبير الذي وقع من هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه. وهنا أنا أحذر، يقول رضي الله عنه، وهو صحابي جليل، من عظام الصحابة، ومن شارك في غزوة بدر وقاتل في المعارك العظمى، فأنا أريد أن لا يقع في قلبك شيء على هذا الصحابي الجليل، وإن أخطأ هذا الخطأ، ففي النهاية هي نفس إنسانية بشرية تضعف، وأنا أضعف وأنت تضعف. كل شخص منا يتصور منه الضعف أمام قضية من قضايا الحياة الدنيا، فهذا الصحابي الجليل وقع في خطأ نزلت الآية لتنبه على عظيم هذا الخطأ، وليس فقط خطأ على معصية عظمى أو كبيرة من الكبائر، لكن في النهاية النبي ﷺ زكاه وبين عدالته رضي الله عنه.
ما هو الخطأ؟ قال: فحاطب بن أبي بلتعة أعطاها عشرة دنانير وكسها برداً واستحملها كتاباً إلى أهل مكة. نسخته؛ أي مكتوب فيه: «من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم». كما قلنا، النبي ﷺ كان أخبر الصحابة، لا نريد أن يصل الخبر إلى أهل مكة حتى يفاجئهم في عقر ديارهم. حاطب بن أبي بلتعة ماذا فعل؟ أعطى سارة عشرة دنانير وأعطاها رداءً وقال لها: وصلي هذه الرسالة إلى أهل مكة، وأخبريهم: محمد ﷺ يريد أن يحاجكم، فقد وحذركم. هذا فيه إفشاء للسر، إفشاء لسر القائد الأعلى والدولة المسلمة، وبمفهومنا المعاصر خيانة للدولة، خيانة للمستأمنين.
ما الذي جعل حاطب يقع في هذا الخطأ؟ سيبرر، وهو صادق فيما قال، هو ضعف في جزئية معينة لكن لم يقصد الخيانة، لكن هي في النهاية كصورة نهائية ماذا تسمى؟ خيانة، لكن له مبرراته رضي الله عنه وإن كانت مبررات لا تجوز شرعاً.
قال: فخرجت سارة، ونزل جبريل عليه السلام بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ. نزل الخبر من السماء على النبي ﷺ؛ يا محمد، نزل جبريل بالمرأة سارة مع رسالة موجهة إلى أهل مكة. فبعث رسول الله ﷺ علياً وعماراً وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرسل، وكانوا فرساناً، وقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ضعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها».
ماذا في الكتاب؟ هي لو كانت تعرف ما في الكتاب لما قال «خلوها»، بل قال «جيبوها»، لأنها لو عرفت ما في الكتاب وصلت المعلومة، هي ما كانت تعرف ماذا في داخل الكتاب. فقال: «خذوا الكتاب وخلوها»، ما رضيت تعطيهم الكتاب، ماذا يعملوا؟ اقتلوها. إن الإسلام لا يجوز قتل النساء ولا قطع الشجر، لكن لما يصبح الأمر أعلى وفيه مصالح عظمى، ويصبح الأمر فيه أسرار دولة مسلمة وخيانات كبرى، تصبح بميزان المصالح والمفاسد يجوز قتل المرأة في هذه الحالة الاستثنائية.
قال: فادركوها، فجحدت وحلفت، زي قضية قطع اللينة؛ هذا الإسلام يريد قطع الشجر، صحيح الإسلام لا يجوز قتل النساء ولا قطع الشجر، لكن لما يصبح الأمر فيه مصالح عظمى... فادركوها فجحدت وحلفت، وحلفت: «والله ما شيء»، وحلفت بالذي تريدون، فجحدت وحلفت أنه لا يوجد معها شيء.
فهموا بالرجوع، يعني الصحابة قالوا: الظاهر المرأة صادقة، فرجعوا. من الذي انتبه؟ علي بن أبي طالب، قال جماعة ترى النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال: «إن معها كتابًا»، إذاً والله ما كذبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. طبعًا الصحابة هؤلاء هم لم يكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، هم توقعوا أن الموضوع تغير أو صار فيه إشكال، وأكيد هم يثقون بالنبي صلى الله عليه وسلم جميعًا، لكن المراد قالوا لعل النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد أو ظن شيئًا لم يظهر كما ظن، ولا يعرفون أن الخبر نزل من السماء أنه الكتاب مع المرأة.
فالمهم، علي بن أبي طالب في ماذا قال لها؟ قال لها: لا تخرجن الكتاب، أو لتضعن الثياب، يعني تطلع الكتاب ومفتشوها في رحلها لم يجدوا الكتاب. هي أين كانت تخبئ الكتاب؟ قالوا في شعرها، داخل الشعر، واضح أنها رسالة صغيرة جدًا استطاعت أن تحشوها داخل شعرها. الصحابة ما كانوا متوقعين أن الرسالة بين ثنايا الشعر، فعلي بن أبي طالب أعطاها من الآخر، قال لها: الكتاب بالحسنى، أو لتضعن الثياب، يعني تعرين، وفي رواية: أو لأضربن عنقك. فهنا المرأة لما شافت عليه أخطاها، فقالت: أخرجت الكتاب؟ قالوا: من عقيصة شعرها أخرجت الكتاب؟ وقالت: هذا هو الكتاب. نعم، فقال رضي الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم. سيفه وقال: أخرج الكتاب أو تضعي رأسك جنبي، يا بتطلع الكتاب من رأسك؟ قال فأخرجته من عقاص شعرها.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعة، هي أحدهم؛ لأن هذه رواية أن حاطبًا ممن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماهم يوم الفتح، لكن أظنها تحتاج إلى تدقيق أكثر عن الجواز. نعم، قال فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبًا وقال: «ما حملك عليه؟». طبعًا فتح الرسالة، فماذا وجد فيها؟ «من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزوكم». فالنبي صلى الله عليه وسلم شيء طبيعي أنه ينادي به هكذا، تعال يا فسر لنا هذا الموقف الذي صدر منه، هذه خيانة للدولة المسلمة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حاطبًا وطلب منه أن يفسر طبيعة هذا الموقف، لماذا فعلت هذا يا حاطب وأنت من خيرة الصحابة؟
فماذا قال؟ قال: يا رسول الله، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحت، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولا أحببتهم يا رسول الله. ترى خيانة؟ فقال: يا رسول الله، والله لم أقصد ردة ولا كفرًا، ولا غششتك فعلاً، ولا أحببتهم، أي لم أحب الكفار منذ فارقتهم، إياك أن تظن بي هذا. ولكن قال: ولكني كنت امرأً ملتصقًا بقريش ولم أكن من أنفسها، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة، يحمون أهاليهم وأموالهم وغيرهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا، أن أصنع معروفًا لأهل مكة حتى يحموا أقاربي ولا يقتلوا.
قال: وقد علمت أن الله ينزل عليهم بأسه وأن كتابي لا يغني عنهم شيئًا. وهو صادق، أنا عارف أنك ستهزمهم بيد الله وعون الله، لكن فقط حكيت أعمل معروفًا من أجل أن يحمي أقاربي ليس أكثر. نعم، قال فصدقه وقبل عذره، فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم، عرف أنه صادق. هنا القرائن، القرائن القوية هي التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يصدقه، معرفة بحاطب، وأن حاطب من أهل بدر الذين شاركوا في غزوة بدر، والصحابة هؤلاء يعتبرون عدة النبي صلى الله عليه وسلم الطبقة الأولى. أنه ما شارك في أهل بدر منافق؟ قال: لا، لم يشارك في أهل بدر رجل منافق، كانوا الصف الأول من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.
حاطب كان من أهل بدر، فالنبي صلى الله عليه وسلم بالقرائن ومعرفته بحاطب عرف أنه صادق في تبريره وأنه لم يقصد الخيانة. لكن لو كان في أي وقت من أوقات الدولة المسلمة شخص فعل مثل فعل حاطب، بدنا ننظر في القرائن، إذا لم تثبت قرائن تدل على صدقه، لا، ستكون خيانة، ستكون خيانة ويتطبق عليه حكم الجاسوس تمامًا. فالذي فعله حاطب هو فعل جاسوس، لكن حاطب في قرائن ساعدت على إثبات صدقه كونه من أهل بدر.
لأنه عمر، شوف عمر يشفع، قال فقال عمر رضي الله عنه: «دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق». فقال صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، يعني فعلته وغش للدولة المسلمة. النبي صلى الله عليه وسلم ماذا كان جوابه؟ شوف الجواب، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يا عمر، وما يدريك لعل الله اطلع على قلوب أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم». هنا النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لعمر: يا عمر لا تستعجل في توصيفك لهذا الحكم أو هذا الفعل أنه نفاق، لأنه فعلاً نفاق كفعل، هو كفعل خيانة ونفاق، فكلام عمر كتوصيف على الظاهر صحيح، لكن ما قاله هو أن هذا لا يجوز قتله حاطب بالتحديد، ليش؟ لأنه من أهل بدر، والله اطلع على أهل بدر فقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: 40]، بمعنى اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم.
طبعًا ليس المراد أنه اعملوا ما شئتم، روحوا اعملوا المعاصي والخنا والزنا وشرب الخمر، خلاص مفتوح لكم شك مفتوح، لا، المراد يعني لو وقعتم في أخطاء في حال ضعف إنساني فسأتجاوز عنكم يا أهل بدر، لو وقعتم في أخطاء ومعاصٍ ولو كانت كبيرة في حال ضعف إنساني، فأهل بدر عندهم مزية عند الله أن الله يتجاوز عنهم. فالعفو هنا باختصار هو خاص بحاطب، خاص بمن؟ بحاطب.
للقرائن التي ظهرت في صدقه، لكن لو تكرر هذا الفعل من شخص آخر في كيان الدولة المسلمة، لا يختلف التصرف معه. فالبعض يستدل بهذا أنه ما فعله حاطب لا يعتبر خيانة أو لم يُغفر له، وهذا استدلال خاطئ؛ هو عُوفي عنه للقرائن التي دلت على صدقه، وليس لأن الفعل لا يعتبر خيانة بالمفهوم الإسلامي.
الفعل خيانة، ولا يمكن لكل شخص أن يقدر على أسرار الدولة المسلمة ثم يمشي الحال ويصبح غافراً، فالإسلام بالتأكيد ليس ديناً يقوم على هذا المنهج. الإسلام دين منطقي وعقلاني، ويفهم أنه لا تجوز الخيانة، وأن الدولة لابد أن تحمي أسرارها، وهذا شيء طبيعي في أي دولة تقوم، فلا نستثني حاطباً من هذا الاستثناء.
قال النبي ﷺ: «ما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فاضت عينا عمر رضي الله عنه، فقد تجرأ عمر رضي الله عنه على حاطب وحكم عليه بالنفاق قبل أن يتأكد من النبي ﷺ.
فنزل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1]. هذا هو سر نزول هذه السورة؛ أن الله أراد أن يعطي درساً لكل مسلم ومسلم إلى يوم القيامة. حاطب استُثني من العقوبة لأنك من أهل بدر، لكن كفعل، فما فعلته جريمة وخيانة، ويجب أن يتعلم المسلمون من هذه القصة درساً قاسياً إلى يوم القيامة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، تلقون إليهم بالمودة. وشوف الدرس القاسي لما جاءت العبارة: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي﴾؛ الله ما قال لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا أَعْدَاءَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، بل انظر إلى التعبير بكلمة «عدوي». لا تتخذ عدو رب العالمين ولياً.
انظر إلى العبارة ما أصعبها، كأنه يقول: الذي يخون الدولة المسلمة ويوالي أعداء الله، هو عاد الله. يقول لك: ليس عدوك فقط، هو عدوي قبل أن يكون عدوك. الكافر المحارب والكفر عموماً، وماذا هو عدو الله سبحانه وتعالى؟ عدو الله قبل أن يكون عدواً للمسلمين. فكلمة «عدوي» وإضافتها إلى الله فيها ترهيب للخائن؛ أنك اتخذت عدو الله ولياً، اتخذت عدو الله من عاد الله وبارز القوة العظمى في الكون تتخذه ولياً. وفيه إشعار بالذل والهوان؛ أنك بدل أن تقف في صف الله، وقفت في صف عدو الله، والذي يقف في صف عدو رب العالمين ماذا سيكون حاله؟ كلها رسائل واضحة في كلمة «عدوي»، انظر إلى هذا التعبير الجميل والعالي.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، «عدوي» مفعول به أول، و«أولياء» مفعول به ثانٍ. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه دلالة على أن حاطباً لم يكفر، لأنه ناداه بالإيمان، فلا دليل على أنه كفر.
استدل بعض أهل العلم على أن الجاسوس المسلم الأصل أنه لا يكفر، وإن كان يمكن قتله تعزيراً، والمسألة فيها خلاف؛ الجاسوس المسلم إذا اطلع العدو على بعض أخبار الدولة المسلمة هل يكفر أم لا؟ كثير من أهل العلم قالوا لا يكفر، بدليل أن الله خاطبه بالإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. لكن هل يُعذر؟ أم يُقتل أو يُحبس أو تنزل عليه عقوبة قاسية؟ قالوا نعم.
وحقيقة هناك تداخل بين أحكام موالاة الكافرين وبين أحكام التجسس؛ فأحكام التجسس تختلف في بعض تفاصيلها عن أحكام الموالاة، لأنه كما يقولون الجاسوس قد لا يكون مقصده من تجسسه أو تسريبه لبعض المعلومات الولاء للمشركين والخيانة للإسلام، وإنما لحظات ضعف أو مبلغ مال أو كان فقيراً وتم استغلاله، ففي بعض النقاط هناك فرق حقيقي من حيث تنزيل الأحكام الشرعية.
الله سبحانه وتعالى نادى نداءً عاماً لأهل الإيمان إلى يوم القيامة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. فـ «عدوي» المفعول به الأول، و«أولياء» المفعول به الثاني. تخيل أنك تتخذ عدو الله ولياً! والولي هو المحبب والقريب منك، فالله يقول: لا تتخذ عدوي ولياً، كيف تجعل عدوي محبباً ومقرباً منك؟
والعدو «فعول» من عدا، عفواً من عفا، ولكنه على زينة المصدر، أوقع على الجمع وأوقع على الواحد. فإذا كان «عدو» على وزن «فعول»، فكلمة «عفو» أيضاً على وزن «فعول» من الفعل «عفا». ولكنه على زينة المصدر، أي هو ليس مصدراً، بل هو على زينة المصدر، لذلك يصدق على الجماعة وعلى الواحد.
وزن «فعول» له عدة معاني؛ يأتي بمعنى صفة مشبهة أو صفة مبالغة، ويأتي أيضاً بمعنى المصدر. فلما كانت كلمة «عدو» على وزن المصدر، والمصدر يصدق على الواحد والجماعة، صدقت صيغة «فعول» على الواحد والجماعة؛ لذلك قال: «ولكنه على زينة المصدر أوقع على الجمع وأوقع على الواحد»، أي أن كلمة عدو تصدق على الواحد والاثنين والثلاثة والعشرة، فكله يسمى عدواً.
وفيه دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان؛ فهذه الآية دليل على أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان. وجه الشاهد: كما قلنا لما قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، حاطب هو الذي داخل تحت هذا النداء، وحاطب فعل كبيرة من الكبائر، لو كان كافراً بفعلته لما خاطبه الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فلما خاطبه بهذا النداء مع أنه فعل كبيرة من الكبائر، دل هذا على أن فاعل الكبيرة لا يخرج عن دائرة الإيمان، بخلاف ما يقوله الخوارج والمعتزلة أن فاعل الكبيرة يخرج من اسم الإيمان، وهذا غير صحيح؛ ففاعل الكبيرة من الزنا والخمر وإن كان فاعل كبيرة، لكن يبقى في النهاية تحت دائرة الإسلام والإيمان العام.
وقالت: "النون" حال من الضمير في «لا تتخذوا»، والتقدير: لا تتخذوه في حال كونكم أولياء، لأن الآية جملها فيها تداخل، وهذه الآية من أصعب الآيات فهماً عند العلماء؛ لتداخل جملها ووقوع تقديم وتأخير كثير فيها.
وتخفيفه، بدك تركز في بنائها اللغوي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
ثم قال: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾. هذه الجملة الثانية، جملة إما أن تكون حالية، والتقدير: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء حال كونكم تلقون إليهم بالمودة. ويجوز أن تكون جملة استئنافية جديدة، ويكون الوقف: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، تقف ثم تبدأ جملة أخرى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾. فهناك احتمالان في تفسير هذه الجملة الثانية: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾.
قال: والتقدير: لا تتخذوهم أولياء ملقين إليهم بالمودة، أو مستأنفة بعد وقف للتوبيخ، كما قلنا هي استئنافية والوقف على ماذا؟ على ﴿أَوْلِيَاءَ﴾. لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، تقف، ثم قال: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾، فيكون استئنافًا بعد وقف ولا تصلها بالجملة السابقة، يعني لا تقرأ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا... إِلَيْهِم﴾ هنا، إذا وصلتها بالجملة السابقة تكون جعلتها جملة حالية. إذا أردت أن تفسرها على أنها جملة استئنافية فتقف عند كلمة ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، تسكت ثم تكمل: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾. قال: هي عبارة عن إيصال المودة والإفضاء إليهم بها. ما معنى الإلقاء؟ قال: يقول الناس في علي رحمه الله: "وهو إيصال المودة للقائد". ما معناه الإيصال؟ تلقون إليهم بالمودة، أي توصلون إليهم المودة وتفضي بها إليهم. فمعنى إلقاء المودة للكفار أن توصل إليهم مودتك وتفضي إليهم بالمودة.
وهذا فيه نوع تشنيع لهذه الصورة؛ إذ سماها ماذا؟ "إلقاء"، كأنك تعطي وتمنح، ليس فقط أنت تظهر لهم المودة، بل هناك فرق بين أن تظهر لهم المودة وبين أن تلقون؛ أيهما أشنع؟ إلقاء المودة أشنع من مجرد إظهارها، أنت توصل، وليس مجرد إظهار بل هو إيصال من خلال الرسالة.
قال: والباء في "بالمودة" زائدة، لأن الفعل "تلقون" فعل يتعدى بنفسه ويأخذ مفعولًا به، فالأصل: تلقون إليهم المودة، فالمودة مفعول به منصوب، وإدخال الباء عليه "بالمودة" هذه باء زائدة فقط لتوكيد شناعة هذا الصنيع. هذا هو القول الأول: أن المودة مفعول به، وأن الفعل "تلقون" فعل متعدٍ، والباء زائدة.
قال: أو ثابتة على أن مفعوله "تلقون" محذوف، معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله ﷺ بسبب المودة التي بينكم وبينهم. القول الثاني: أن المودة في الآية ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ ليست المفعول به، بل المفعول به للفعل "تلقون" محذوف، ما تقديره؟ قال بعده: تلقون إليهم أخبار رسول الله ﷺ. القول الثاني أن المفعول به إلى الفعل "تلقون" محذوف، تقديره: تلقون أخبارًا، وتكون الباء هنا دخلت على المودة فقط لبيان السبب؛ لماذا تلقون الأخبار؟ مودةً لهم، فتكون الباء باء السببية ولا تكون زائدة على هذا التفسير.
لذلك قال: أو ثابتة، يعني أن تكون الباء ليست زائدة بل ثابتة على أن مفعوله محذوف، وتقديره: تلقون إليهم أخبار رسول الله ﷺ، ويكون "أخبار" هو المفعول به، وكلمة الباء هنا تكون ثابتة ومعناها السببية: تلقون إليهم الأخبار بسبب مودتكم إياهم.
قال: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ حال من "لا تتخذوا" أو من "تلقون". الجملة الثالثة: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ﴾. هذه الجملة ما إعرابها؟ هي حال من الجملة الثانية، يعني حال من ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾، وحالهم أنهم كافرون بما جاءكم من الحق. هل يتصور هذا في مؤمن أن يلقي المودة لشخص وهو كافر بالحق الإلهي؟ هذا تشنيع؛ أنه كيف تلقي المودة لشخص وتعاونه ضد الإسلام والمسلمين وهو حاد عن أمر الله وشرعه؟ هذا تشنيع لصنعتهم.
قال: ﴿لَا تَتَوَلَّوْهُمْ﴾ أو ﴿تَوَدُّونَهُمْ﴾، وهذه حالهم بما جاءكم من الحق، دين الإسلام والقرآن ورسول الله. وهذا المقطع في هذه العشاء، ونحن ما زلنا نفسرها، نكمل إن شاء الله في المجلس القادم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل