السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا بالإخوة الكرام، أهلا وسهلا ومرحبا. طمئنونا عنكم أيها الكرام.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا مرحبا، يا مرحبا. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا مرحبا. طمئنونا أيها الإخوة إلى سلامة البث صوتا وصورة لنبدأ متوكلين على الله تعالى. جميل، الحمد لله، وأرجو التفاعل مع البث ليظهر للإخوة. ممتاز، جميل، الحمد لله، الضوء جيد، يبدو عندي جيدا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا يا خالد، يا مرحبا، أستاذة يسرى، أخونا سلطان، رشدان، عمر غانم، يا مرحبا يا ولدي. أهلا بالجميع، يا مرحبا بالجميع، كل من ألقى السلام وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا، حياك الله وبياك وعمت صباحا ومساء.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد أيها الإخوة، فهذا مجلسنا الخامس مع تيسير علوم القرآن للمبتدئين، وذلك من خلال كتاب الشرح الكافي على المتن الوافي في علوم القرآن. انتهينا أمس أيها الإخوة من حديث شائق وشائك حول الأحرف السبعة فيما يتعلق بمسائل نزول القرآن. فكان أخطر هذه المسائل مسألة الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن وكيف فسرت بهذا، أو كيف فسر الحديث فيها، مع أن نزول القرآن على سبعة أحرف هو مما تواتر، تواتر معناه وتواترت أحاديثه.
ولكن ما هذه الأحرف السبعة؟ رأيتم أن بعضها فسر ذلك بالمترادفات، وهو قول الجمهور من الفقهاء والمفسرين بالمترادفات، وعرفتم ما يشكل على ذلك، وبعضهم فسره باللغات، وعرفتم أيضا ما يشكل على ذلك؛ لأن في لغات القرآن ما يفوق السبع لغات، ففيها مشكلات أيضا. وهناك من فسرها بالوجوه العلمية، وهذا فيه بعد، لأن هذه الوجوه وإن كان موجودا يمكن تصوره، لكن تحقق التيسير بها وكذا أيضا فيه شيء من التعسف في تصوره.
وهناك من قال إن العدد غير مراد، وإنما جاء الحديث جريا على عادة العرب في إطلاق السبعة الذي هو كثير في الآحاد. هو أول الكثير في الآحاد؛ يعني تقول ليس واحد سبعة، فهذا كثير في الآحاد كما أن السبعين كثير في العشرات، والسبعمائة كثير في المئين. وأخبرتكم أنني أنزع من داخلي إلى هذا القول.
وكان كما قلت حديثا شائقا شائكا، الآن نخوض في فن جديد من فنون المعارف والفوائد حول القرآن، وهو علم في أسمائه وأسماء صوره. أوصل علماء أسماء القرآن أيها الإخوة إلى 55 اسما وإلى 100 اسم، والحق أنها نعوت وليست أسماء.
وعليكم السلام يا سليمان خان ورحمة الله وبركاته، تأتي متأخرا، لا أدري لماذا طلاب العلم يأتون متأخرا، لا تصلك الإشعارات، هذه مشكلة؛ أكثر الناس لا يصمم الإشعارات، يعزلون الحساب، لا أدري ماذا أفعل. مع أن والله كثيرين أرسلوا لي يقولون هذه القناة من أكثر القنوات فائدة في اليوتيوب إن لم تكن أكثرها، يحجمون حولها سبحان الله.
أخونا خالد الشيباني يقول: شاهدت محاضرة أمس وتحريركم رائع أستاذنا، وعادة إطلاق السبعة للتكثير ما زالت مستخدمة، يعني عندهم في السعودية. جميل، وعندنا السبعين، عندنا في مصر مثلا، يقول يلتقي بثك مع الإفطار. من أين أنت أخي الكريم؟ الإفطار عندك إذا في جهة المغرب هكذا، جهود رائعة الحمد لله من المغرب، لهذا جمهور المغرب كبير.
ثم إننا نحبك في الله، رضي الله عنكم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفك هذه القيود على القناة، والله لا أدري ماذا أفعل، خبرتي قليلة في هذه الأشياء وإنما أدرس من خلالها، إنما عليك الأذان وعلينا البلاغ، نحن نعمل ما نستطيعه ونبث ما نستطيع، وعلى الله تعالى البلاغة، من باب أخذ الأسباب التي بأيدينا لكن لسنا خبراء بالقدر الكافي.
أقول، أوصل علماء أسماء القرآن إلى 55 اسما، والحق أنها نعوت وليست أسماء، أما أسماؤه فهي خمسة: القرآن، والكتاب، والفرقان، والذكر، والتنزيل. القاضي أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك أوصلها إلى 55 اسما، ورأيت الفيروز بادي مجد الدين بن يعقوب أوصلها إلى 100 اسم وذلك في كتابه بصائر ذوي التمييز.
المتأمل يجزم بأنها نعوت لا أسماء، يعني صفات لا أسماء، أما أسماؤها فهي فقط القرآن كما قلنا، والكتاب، والفرقان، والذكر، والتنزيل؛ فالأسماء هي ما استعملت أعلاما، أما الصفات فهي صفات.
أما لفظ القرآن، فقيل هو علم غير مشتق، يعني هو علم هكذا اسمه القرآن لم يشتق من شيء، لا نبحث له عن أصل، وهذا مذهب الإمام الشافعي، قال هو علم غير مشتق خاص بكلام الله تعالى. وهذا يروى عن الإمام أبو الحسن الأشعري يقول هو مشتق من قرنت الشيء بالشيء، إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، وسمي به كذلك لقران السور والآيات والحروف فيه، إنك تقرأ الآيات متصلة وهو جمع.
وكذلك مناسبة كلمة الكتاب، لأن أصل مادة الكتابة هي الجمع، الكتابة هي تجميع، ومنها الكتيبة، وكتيبة الجيش لماذا؟ لأنها كتيبة اجتمعت من أجزاء وصارت شيئا أكبر، فتسمى كتيبة، ومنها الكتاب. فالقرآن ينظر فيه إلى القراءة، صفة القراءة.
بين الألفاظ وكذا، لكن من خلال أداء الشخص. الفراء يقول هو مشتق من القرائن، يقول هو مشتق من القرائن لتصديق بعض الآية لبعض، فهي قرائن لبعضها؛ طبعاً هذا بعيد.
هناك كلمة للجاحظ ربما نطلع عليها في الإتقان في المجلد الثاني، صفحة ٣٣٦. قال الجاحظ: «سمى الله كتابه اسماً مخالفاً لما سمى العرب كلامهم على الجمل والتفصيل، سمى جملته قرآناً كما سموا ديواناً، وبعضه سورة كقصيدة، وبعضها آية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية». هذه فائدة عن الجاحظ طبعاً لن تجدها إلا في كتاب السيوطي؛ لأن المحقق يقول: «ولم نقف على قول الجاحظ». هذه الجملة فقط هنا، ولهذا سأضيفها إن شاء الله تعالى في النشرة الجديدة من كتابي لأظهرها، لأن هذه الكلمة عزيزة لا تُعرف في كتب الجاحظ، نقلها السيوطي فقط، فربما كانت مشهورة عنه ومتداولة إلى زمان السيوطي، أو ربما كانت منقولة من كتاب لم يُطبع للجاحظ، فمنقولة بين أهل العلم؛ فلذلك سأنقلها إلى كتابي لتعرف عن الجاحظ، لأنها عزيزة، إذا لم تقرأها في الإتقان وفي كتابه لن تقرأها في كتب الجاحظ قاطبة.
قال: «سمى الله كتابه اسماً مخالفاً لما سمى العرب كلامهم على الجمل والتفصيل»، يعني من أول الجملة اسم الكتاب وإلى التفصيل في الداخل. «سمى جملته قرآناً كما سموا ديواناً»، وبعضه سمى بعضه سورة كقصيدة، وبعضها آية كالبيت في القصيدة، وآخرها سمى آخرها فاصلة كقافية في القصيدة. رأيتم هذا قول الجاحظ وهو جميل يعجبني.
والقرآن مجموع في المصحف، سُمي به لجمعه الصحف، وهذا فيه أثر عن ابن مسعود. بالمناسبة، كتاب الإتقان أفضل طبعة تعاملت معها أنا، قرأته مرات؛ مرة قرأته لما بدأت في هذا الكتاب، كان من طبعة الحلبي المصرية القديمة التي بجوار الأزهر، ثم بعد ذلك حصلت هذه الطبعة من المملكة العربية السعودية، وهي طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، الأمانة العامة للشؤون العلمية بتحقيق مركز الدراسات القرآنية؛ هذه أفضل طبعة وقفت عليها أنا شخصياً، ربما وجدت له طبعات أخرى بتحقيق بعض العلماء السوريين، لكن في الحقيقة هذه أرضتني جداً وأعمل فيها، ولذلك لما أقول لكم المجلد الأول والثاني والثالث، هي هذه الطبعة بمجموعها وبالفهارس إلى سبعة مجلدات؛ طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعودية.
صفحة ٣٤٤، أخرج ابن كثير في كتاب المصاحف من طريق... لا، حكى المظفري في تاريخه قال: لما جمع أبو بكر القرآن، قال بعضهم: سموه إنجيلاً، فكرهوه لأنه مرتبط بالنصارى. وهذه نقطة ينبغي ألا نلوم عليها الناس فيما هو جائز بأصله؛ يعني بعض الناس مثلاً "فليباركك الرب"، هذه الجملة في أصلها اللغوي لا شيء فيها، لكن لارتباطها بالنصارى ربما يكرهها المسلم -لا أحب أن أقول- فليباركك الرب، قل له: بارك الله فيك. ما الفرق بينهما في أصل الشريعة؟ لا شيء. "فليباركك الرب" هو الرب، ربي وربكم رب الكون رب العالمين، الحمد لله رب العالمين هو الله الرب، لكن الصياغة "فليباركك الرب" ربما تُكره، يكرهها الإنسان نفسياً. فهم لو سموه إنجيلاً؛ فالإنجيل بمعنى المصباح الذي يضيء للناس، هو نور جعله الله نوراً، وهذا من نص القرآن، فهو نور؛ لو سموه إنجيلاً هل يكون خطأ؟ هل يكون المعنى خطأ؟ لا يكون خطأ، لماذا كرهوا تسميته إنجيلاً؟ لأنه معروف لارتباطه بأهل الكتاب.
وقال بعضهم: سموه السفر، فكرهوه من يهود (الأسفار)، مع أن السفر صحيح، والقرآن سفر كبير وكل سورة سفر فهي أسفار. فقال ابن مسعود: «رأيت بالحبشة كتاباً يدعونه المصحف»، فسموه به المصحف لأنه جمع الصحف؛ هذا مصحف، أي جمع الصحف التي كتب فيها القرآن، جميل لا إشكال. وسُمي به لجمعه الصحف، وفيه أثر عن ابن مسعود، وإن شاء الله أنا اختصرت الشرح جداً وقلت: وفيه أثر عن ابن مسعود، في الطبعة الجديدة سأخرج هذا الأثر إن شاء الله.
والمصحف يا إخوة يُستعمل في وضع اللغة في كل ما جمع صحفاً؛ حتى أطلقه الجاحظ على مجلدات كتابه الحيوان، فيقول: "في المصحف الثاني"، "في المصحف الأول" وهكذا. وامرؤ القيس قال: طفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزماني أتت حجج بعدي عليها ... فأصبحت كخط في مصاحف رهبان "مصاحف رهبان"؛ صحف فهي مصاحف، لكن المقصود بها هنا ليس الإنجيل، وإنما الأصل اللغوي: ما جُمع من الصحف.
وسُميت السور بالآثار، وبذِكر فيها وباختصاص هذا المتن، سميت السور بالآثار، يعني بالأحاديث الواردة فيها، وهذا هو الأصل عند الجمهور. ويقال السورة: من أين جاءت كلمة سورة؟ قالوا السورة من سور البناء، وهو ما يحيط؛ طبعاً هناك من يقول السورة بمعنى المكان والمنزلة، لكن الظاهر والمبادر القريب أن السورة هي من سور البناء وهو ما يحيط، سميت كذلك لإحاطتها كالسور بطائفة من القرآن (الآيات). كما أن القصيدة قُصد إلى أبياتها أن تُنصب هكذا، فهي طائفة من الآيات لها أول وآخر، تتباين بنفسها عن سائر السور الأخرى، وتُرتب في هذه الصورة ترتيباً توقيفياً.
وسور القرآن في عددها مئة وأربع عشرة سورة باتفاق، والأكثرون من العلماء على أن التسمية توقيفية، يعني نقف فيه على ما ورد في الأسماء. وقال قوم: ننظر في المناسبات، واستبعد ذلك الزركشي في البرهان. أما من حيث الأسماء التي صارت تُطلق على السورة، وكيف في سبب تسميتها، فالجمهور كما قلنا على التسمية بالأثر؛ فسميت السورة بأثر يرد في تسميتها، كالفاتحة؛ الفاتحة وردت في الأحاديث "الفاتحة فاتحة الكتاب"، أو بشيء يُذكر فيها كالبقرة ونوح. طبعاً أنبه، هذا كلام في سبب التسمية وليس...
في طريق التسمية، في سبب التسمية وليس في طريق التسمية؛ لأن سبب التسمية كذا أو كذا أو كذا. لكن في طريق التسمية، ذهب الجمهور إلى امتناع التسمية بغير الأثر، فالأكثرون على توقيف التسمية، وقال قوم ينظر في المناسبات، وهذا استبعده الزركشي في البرهان وضاعفه.
أما أسباب التسمية، فقيل تسمى بأثر ورد في تسميتها، أو بشيء يذكر فيها. نحن نتكلم الآن عن التسمية بشيء يذكر فيها، أما التسمية المباشرة أو بشيء يذكر فيها فيجيء به الأثر كذلك، كسورة البقرة، أو باختصاص فيها كتكرار أحكام النساء، فسميت بسورة النساء وذلك للبسط في أحكامهن وإن ذكرن في غيرها.
وكره قوم من المتقدمين أن يقال سورة البقرة أو سورة كذا، ومن هؤلاء القاضي أبو بكر البقلاني رحمه الله في كتاب إعجاز القرآن، لا يقول سورة كذا بل السورة التي يذكر فيها كذا. يقولون ذلك بسبب أثر موقوف على ابن عمر رضي الله عنهما. لكن قد صح عن النبي ﷺ إطلاق سورة البقرة.
تعالوا ننظر فيما نطلع على الإتقان سريعا، المجلد الأول صفحة 348. قال: «وقد كره بعضهم أن يقال سورة كذا»، لما روى الطبراني والبيهقي عن أنس مرفوعا: «لا تقولوا سورة البقرة ولا آل عمران ولا سورة النساء، وكذلك القرآن كله، ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة والتي يذكر فيها آل عمران...». وأسناده يقول السيوطي: «وأسناده ضعيف»، بل ادعى ابن الجوزي أنه موضوع.
والبيهقي قال: «إنما يعرف موقوفا عن ابن عمر»، ابن عمر هو الذي قال هذا، كأنه لو صح عنه من باب الإجلال لسورة البقرة، فكان يقول: السورة التي تذكر فيها البقرة. وقال البيهقي: إنما يعرف موقوفا على ابن عمر، ثم أخرجه عنه بسند صحيح، وقد صح إطلاق سورة البقرة وغيرها عنه ﷺ.
وفي الصحيح عن ابن مسعود قال: «هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة»، ومن ثم لم يكرهه الجمهور؛ فالجمهور على غير كرهك أن تقول سورة البقرة، سورة آل عمران، سورة النساء، سورة الطلاق وهكذا.
هذا فيما يتعلق بطرق التسمية وإثبات التسمية وأسباب التسمية. وتسمى السورة بأسماء، يعني السورة الواحدة كالفاتحة هي كذلك أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني. والبقرة هي من الزهراوين وسنام القرآن. والأنفال هي سورة بدر، والتوبة هي الفاضحة والعذاب والمقشقشة والبحوث. يقول السيوطي في هذا الموضع: «كثرة الأسماء دالة على شرف المسمى»، نقل ذلك عن البصائر.
إذا هذه أسماء القرآن: القرآن، والكتاب، والفرقان، والذكر، والتنزيل. وأسماء السور كما عرفتم تثبت بالآثار، ويكون سببها ذكر فيها، أو باختصاص كتكرار أحكام النساء في سورة النساء وهكذا.
بعد ذلك هناك أقسام داخل القرآن، سميت هذه الأقسام كذلك. قسم القرآن إلى أربعة أقسام، وكل قسم له اسم: الطوال، والمئون، والمثاني، والمفصل. الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة. والمئون: ما كان بعد الطوال إلى أول المثاني، وسميت بالمئين لأنها تزيد على مئة آية أو تقاربها.
أما المثاني: ما كان بعد المئين إلى أول المفصل، وقيل سميت بها لأنها ثنت المئين، يعني أتت بعدها، أو لأنها تثنى أي تقرأ متتالية أكثر من الطوال والمئين، والله تعالى أعلم. أما القسم الأخير وهو المفصل، الذي يبدأ من سورة الحجرات -وقيل من سورة قاف- وينتهي بآخر المصحف بسورة الناس، فذلك سمي به لكثرة الفصل بين السور بالبسملة، وقيل لغير هذا. المفصل مبالغة من الفصل، يعني إذا بدأت فيه تلاوات ستكثر من الفصل بالبسملة لقصر هذه السور. والمشهور أنها تبدأ من الحجرات وتنتهي بسورة الناس.
وهذا التقسيم أدعوكم إلى التدبر فيه فيما يتعلق بما قلناه أمس، وربما نعرض له اليوم أيضا إن شاء الله. هذا التقسيم له مدخل في قضية الترتيب؛ على أي أساس رتب المصحف؟ على أساس حجم السور هذا يثبته هذا التقسيم، ويثبته ماذا؟ التسبيع، جعل القرآن أسباعا، والسلف كانوا يقرؤونه في أسبوع، يقرؤون سبعا من القرآن في كل يوم. فعلى أي أساس رتب المصحف؟ واضح أنه رتب على أساس حجم السور، وهذا يدفع القول بأن الترتيب توقيفي، إنما الترتيب اجتهادي، أو هذا يدعم أن الترتيب اجتهادي.
وجود الفاتحة في الأول لها علة أخرى لا تتعارض، لأنها فاتحة الكتاب فاتحة القرآن، فإذا هي توضع في الأول، وهذا منطقي جدا، وكما قلنا سنعرف أن الجمهور على أن الترتيب توقيفي.
أخونا سليمان يقول: أستاذي له شخص يفعله منذ عشرين عاما، القرآن في كل سبعة. وعند القراء تشتهر العبارة، عندنا في مصر عند القراء: «من قرأ في كل يوم خمس لم ينس»، يعني يختمونه في ستة أيام، من قرأ في كل يوم خمسة أجزاء يعني لم ينس. هكذا تجد على لسان بعض القراء المصريين، وهي قديمة فيما أذكر.
علم في جمعه وترتيبه، نرى من قائلها، لماذا نضيع الفائدة، نحاول نقرب، البعض يجعلها حديثا، هي سجع لكن ليست السجع فقط، هي مقولة ومعتبرة، خمسة أجزاء في كل يوم.
في كل يوم مقولة معتبرة، ليس فقط لأجل السجع، كما يقال: «خمس وما نيه خمس» وكذا على غير التثنية، وليس خمسة أجزاء لأجل العكس، لكن الفكرة أين القائل؟ وجدت أن البعض يعدها حديثا.
انظر، ذهبت عن ذهني، هي موجودة في «إتقان» السيوطي، ومن طريق ضعيف عن علي قال: «أنزل القرآن خمسا، خمسا إلا سورة الأنعام»، «ومن حفظ خمسا، خمسا لم ينسَ». تنسب إلى علي، لكنها مشهورة على لسان القراء: «من قرأ في كل يوم خمس لم ينسَ». وطبعا يقال خمسة لأن النية أجزاء، فواضح أنها صارت شعبية متداولة، لكن أنا رأيتها على يد المشايخ، أذكر تلقيتها عن المشايخ يقولونها.
يسأل جرير عن موضوع السور، يقول: يا أستاذ، سمعت الدكتور نايف بن نهار -شاب قطري- يربط بين اسم السورة وموضوعها، بين قوسين الغرض على اصطلاحك، ما رأيك بهذا الكلام؟
والله قصة، على ما تعلمناه خلاص، قصة يربط بين اسم السورة والموضوع. شوف قضية إيجاد علاقة شديدة معجزة أيضا بين اسم السورة وموضوع السورة، هذا مبالغة وتجشم في غير موضعه، في غير كنه. البعض يحاول أن يستنبط الإعجاز من كل شيء، من كل شيء. طبعا لا أقصد الشيخ أو الدكتور نايف بن نهار، لكن عموما هناك اتجاه في محاولة إيجاد إعجاز في كل شيء، أي شيء فيه إعجاز؛ إعجاز عدد، وإعجاز في أرقام صفحات المصحف. وفي مصحف معجز في أن الخطاط يجعل في كل لفظ لفظ الجلالة يأتي "ألف" في أول هذه الصفحة، ثم في المنتصف، ثم في الثلث؛ هذا لعب وفراغ.
السورة لها تعلق منطقي حتى لو قلنا بأن تسميتها توقيفية، لها أسباب، باب بكثرة الموضوع فيها واختصاص وكثرة تردد وهكذا. المبالغة في هذه الأشياء تدل على أن المكان الذي ينبغي أن نبحث فيه شاغر. لما أجد هذه الأشياء الكثيرة، يقول لك لو شاورت على... هيجي لك رزق بعد الحروف التي... الانشغال بهذه الأشياء طبعا هو سمة كل الأمم المتخلفة. بالمناسبة، أنا لا أتكلم على الدكتور، هذا فقط للحديث امتداد وشجون، الانشغال بهذا هو سمة الأمم المتخلفة، فإذا وجدت انشغالا في هذه الأشياء، اعلم أن المكان الذي ينبغي أن يبحثوا فيه شاغر، فارغ. اللغة والاعجاز والبيان والصورة البيانية والتركيب والنظم فاضي ما فيهوش حد شغال، قاعدين نبحث بقى في إيه؟ علاقة الحروف المقطعة في أول السور برموز الفيزياء والكيمياء!
جروف نهار اللي هو في "جور هار" بتاع... مش عارف شارع إيه جنب 11 سبتمبر، سبحان الله على الرقم 11! ده في واحد طالع مصري، وهي البدعة دي بتطلع من مصر، هي الافتكاسات دي، الفذلكات دي بتاعة مصر عندنا، الفذلكات دي عندنا إحنا، المخمخة الفلاحي دي، المخمخة بتاعة واحد جاي كده هوب قعد مع واحد في الفلاحين، بمعنى في الأرياف، إن يقعد على الغيط كده وبتاع ما تيجي نطلع يا ولا أفكار يا ولا، ويا سلام يا ولا، إيه رأيك؟ ده في واحد طالع مخمخ وجابوه في تلفزيون، يا خسارة الكهرباء المدفوعة والكاميرات، طلع يقول أنا أول واحد ينتبه إلى وجود الذكاء الاصطناعي في القرآن! فين يا عم؟ يقول لك: "الجبت شد جبتي"، أصبح الآن طاغوتا الجبت والطاغوت، "شد جبتي"، يخرب بيت دماغك الفاضية.
لما تشرب شاي، يعني حاجة، لو شرب قهوة هيعمل إيه؟ دي قهوة أهي، ما أنا أصلا المفروض ما أشربش بالليل، بس عشان الصيق بشرب بالليل بعد المغرب، الصواب بشرب الصبح، لو شرب قهوة هيعمل إيه؟ يقول لك "شاد جي بي تي"، "الجبت جي بي تي"، بيتكلم جد! يا رب نلاقيه بسرعة عشان تعرفوا الأمم المتخلفة. يا أخي، رابع على الثقة في الراجل!
أيضا في القرآن يا سيدي، المنظمات دي تستخدم السحر، التنبؤات والتوقعات، وعبد اللطيف ومسيرين والحاجات اللي بلاقيها بتحصل، هي بتعرف منين الكلام ده؟ طب هي بتتكلم مش قدامها ورقة، أنا عايز مختصر، أنجز، اكتشفت أن أي مذكور في القرآن يا سيدي... لا دي جديدة دي ما حدش قالها، ما حدش قالها أنا، البرنامج اسمه إيه؟ كده هيقول لي... أه، يتحاكمون إليها، حتى القرآن لما جه عند الجزمين يقعدوا الكتاب، يتحكمون إلى الجبت والطاغوت أو في معناه، أنا مش فاكر نص الآية، يتحكمون إلى "الجي بي تي"، إلى "شد جي بي تي"، مهازل!
يا نهار أبيض، جاي يحبني واحد من جزر المالديف! ناقص يجيلي واحد يقول لي "مسعد الهواي وأحبك من جزر هاواي". أنت من جزر المالديف جاية تحبني؟ يا نهار أزرق، وفي الله جئت تحبني من جزر المالديف! يقول لك: "ما حدش قالها قبلي ولا حد هيقولها بعدك"، حضرتك يعني محفوظة لك، ربنا شايلها لك.
فيا إخوة، موضوع ربط اسم السورة بالموضوع كاملا، أولا فيه بحوث أنا أحترمها، أنا أنبه إلى عدم الاستطراد الشديد والتماهي والتجشم في غير موضع التجشم، هذا ما أنبه إليه. هل هناك ارتباط بين اسم السورة والسورة إلى حد ما؟ نحن قلنا في أسباب التسمية كما قلت، قس على ما قلناه، قد تسمى السورة بذكر شيء فيها، فالبقرة ذكرت في سورتها فسميت بها، هذا ليس موضوعا، وقد تسمى باختصاص، يعني بظهور أحكام كأحكام النساء في سورة النساء وإن ذكرت في غيرها، الأمر فيه تفصيل.
لكن الربط الشرطي الأكيد بين اسم السورة وموضوعها لا؛ لأنه قد تسمى السورة فقط للدلالة بشيء ذُكر فيها وعُرفت به، لكن ليس بالموضوع، لأنه في الأخير حتى لو قلنا إن التسمية عن طريق الآثار، في الأخير الغرض من التسمية هو الدلالة وليس موضوعا داخل السورة.
طبعا تعلمت عن مذهب الحنفية منك كثيرا، الله يرضى عليك يا سيدي رضي الله عنك.
علم في جمعه وترتيبه؛ جمع القرآن وترتيبه.
كتب في العهد الأول للحفظ دون جمع، وترتيب القرآن كتب يا إخوة ولم يجمع؛ يعني هو في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو زمان التنزل لم يجمع القرآن؛ لأن النزول كان على غير تنسيق السور. يعني السورة القرآنية، سورة البقرة لم تكن تنزل هكذا كما هي، كما سور مثل الأنعام نزلت كما هي، لكن سورة البقرة غيرها، ينزل أجزاء وهكذا وسور أقصر تنزل مجزأة، فلم يكن على أي أساس سيجمعونه؟ ولكن كان مكتوبًا.
ولا يصح القول إنه كان في الصدور دون السطور؛ كان مكتوبًا كله، نعم، كان مكتوبًا في الرقاع وغيرها. يدل على ذلك أثر زيد في المستدرك وغيره، نطلع عليه بسرعة في كتاب السيوطي، اطلع عليه في المجلد الثاني صفحة 378، يقول السيوطي: «وقد كان القرآن كله كتب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور».
وقال الحاكم في المستدرك: جمع القرآن ثلاث مرات، إحداها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم «جمع بحضرة النبي»؛ يعني كتب، ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: «كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع». يعني نجمعه من الرقاع، يضمون بعضه على بعض في ترتيب السور لما يأتي تنزل سورة كذا، يضمون الرقاع إلى بعضها، أو يكتبون ما في الرقاع في رقعة أكبر.
قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما تنزل الآيات يقول: «ضعوها بجوار سورة كذا، ضعوها في مكان كذا، أو بين كذا وكذا في سورة كذا، أو في مكان كذا من سورة كذا»، وهكذا هذا معنى تأليفه. لأن القصد من الكتابة في هذا العهد كان مجرد الحفظ، دون خشية الضياع، ودون قصد النسخ والإرسال؛ لأنه لا سبب للخشية في هذا الوقت، ولا حاجة للنسخ والإرسال كما حصل بعد ذلك.
بعد ذلك في اليمامة جمعه الخليفة الأول خشية الضياع، وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. جمعه خشية الضياع، وصنيعه هذا هو أول جمع للمصحف، وكان دافعه مقتل أهل اليمامة من القراء في الحروب التي وقعت؛ حروب الردة، فقتل عدد كبير من القراء فخشي على القرآن؛ لأنه خلاص هو مجموع في الصدور على هيئته وفي الصحف مفرق، فلما قتل عدد من القراء لابد أن نجمع القرآن في كتاب واحد خشية عليه من الضياع بعد قتل القراء، فماذا فعل؟ جاء بالرقاع وكتبت في صحف وجمعت وكأنها خيطت في هيئة كتاب، فبقيت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم حفصة ابنة عمر رضي الله عن الجميع.
نقرأ شيئًا من هذا في الإتقان، يقول: «وفي موطأ ابن وهب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: جمع أبو بكر القرآن في قراطيس»، يعني كان في أخشاب ورقاع وألواح الكتف والعظام، كل هذا صار شيئًا واحدًا قراطيس؛ والقرطاس هو الجلد الذي يكتب فيه. «جمع أبو بكر القرآن في قراطيس، وكان سال زيد بن ثابت في ذلك فأبى حتى استعان عليه بعمر ففعل».
قال ابن حجر في الفتح المجلد التاسع صفحة 16: «ووقع في رواية عمار بن غزية أن زيد بن ثابت قال: فأمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأديم والعسب، فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتبت ذلك في صحيفة واحدة»، يعني في صحف نسخة واحدة. قال: «والأول أصح، إنما كان في الأديم والعسب أولًا قبل أن يجمع في عهد أبي بكر، ثم جمع في الصحف في عهد أبي بكر كما دلت عليه الأخبار الصحيحة المترادفة».
ثم كان الجمع الثالث الذي كان في عهد عثمان. ما الذي فعله عثمان؟ نسخ عثمان المصحف الذي عند أبي بكر، ثم عمر، ثم حفصة؛ أرسله وأخذه ونسخه للأمصار رفعًا للفتنة، ولم يجمعه. طبعًا هذا كان في حادثة الاختلاف المشهورة التي وقعت في زمان عثمان، فاستعار عثمان صحف أبي بكر من حفصة فنسخها في عدد من المصاحف، عرفت بمصاحف الأمصار والمصاحف الأئمة. وانتبهوا، يشتهر بين العامة أن عثمان هو جامع المصحف وليس كذلك، إنما جمعه أبو بكر، أما عمل عثمان فهو النسخ والإرسال إلى الأمصار.
ربما نقرأ في ذلك أيضًا شيئًا، هذا التوثيق تطمئن به النفوس أننا لسنا نحكي قصصًا من الرأس، هذه كلها آثار وتاريخ مصحف. روى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: «أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى». فأرسل إلى حفصة أن: «أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك». فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: «إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما أنزل بلسانهم». ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. لماذا؟ لأنها كانت موزعة، وإذا كان هناك تفسير في الحروف السبعة أو كان هناك اختلافات في التفسير يدونونها، كما ذكروا عن مصحف ابن مسعود أو كذا، قالوا كل هذا لا يصح أن يعتمد، ولا يصح أن يكون على مذهب الطبري والفقهاء أن يكون قد ألغى ألفاظًا قرآنية.
هذه الحادثة التي جمع فيها أو كان فيها الجمع الثالث عند عثمان بن عفان. إذن، الكتابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت للحفظ، والجمع الذي كان في عهد أبي بكر الصديق كان خشية الضياع بعد قتل القراء.
ثم كان في عهد عثمان أن نسخ المصاحف لرفع الفتنة بعد الاختلاف. إذا كان في عهد النبي ﷺ كتب فقط في الرقاع، والأكتاف، والعسب، وهي قواعد الجريد المثلثة العريضة، وفي الأخشاب؛ كتبوا في كل هذا القرآن، لكن كان الحفظ فقط، وكان محفوظًا في الصدور، ولم يخافوا عليه من الضياع.
بعد ذلك في عهد أبي بكر الصديق، خاف عليه من الضياع بعد قتل القراء، فجمع كتابًا، فاستطمانوا؛ القرآن محفوظ في صدوركم ومجموع عندي، لكن لما حصل اختلاف في القراءات كثير بين الناس وبدأوا يختلفون، كتب المصاحف ووحّدها وأمر بالنسخ منها؛ حتى لا يقول أحد لآحد: مصحفك فيه كذا ومصحفك فيه كذا.
حصل الخلاف في خمسة مصاحف، ولماذا خمسة مصاحف؟ ليس لعدد الأمصار فقط، بل كان يجب أن يكتب خمسة مصاحف؛ لأنه أراد أن يثبت، لأن المصاحف أو القراءات تختلف في ماذا؟ في اللهجة. واللهجة لا يظهر أثرها في الكتابة في النقاط إذا ترك النقط، وهذا ما فعله عثمان؛ ترك النقط فاحتملت الكلمة الاثنين، تجمعون الكلمة وهي تحتمل الاثنين.
مثلاً: ﴿مَالِكَ يَوْمِ الدِّينِ﴾ تحتمل الاثنين؛ لأنهم يكتبون «مالك» و«ملك» عادي، ويمدون الفتحة فقط بالألف، وهذا عندهم عرف في الكتابة العربية يسمى رسم المصحف. كذلك ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ الهاء والميم في «عليهم» تحتمل؛ لأن هذه كيفية نطق، والنقاط كذلك إذا تركها احتملت الكلمة، مثل: يعلمون وتعلّمون، يجمعون وتجمعون.
هذا هو الرسم المصحفي العثماني، ولكن بقي من ذلك ما لا يمكن إلا بتغيير جسم الكلمة، وذلك في 44 موضعًا استوعبتها المصاحف الخمسة. وهذا للأسف ما يغيب عن كثير من الناس؛ انتبهوا إليه، الاختلافات في هيكل الكلمة بعيدًا عن الشكل والنقط، التي لابد لأجلها أن يكرر المصحف بلغت 44 موضعًا في القرآن، وتوعبها خمسة مصاحف.
ولهذا كتب خمسة مصاحف وجعل مصحفًا في كل قطر، ولهذا كلمة «المصحف الإمام» ليس معناها المصحف الشخصي لعثمان، بعضهم يقول مصحف الإمام أو المصحف الإمام؛ المصحف الإمام هو الخمس مصاحف، هو الخمس مصاحف يا إخوة، هي المصحف الإمام. هو كتبها، ولو استطاع أن يكتب واحدًا لكتب واحدًا؛ لماذا كتب أكثر من مصحف؟ لأن المصحف الواحد لن يتحمل اختلافات الرسم.
أنا عندي الورقة التي فيها هذه المواضع الـ 44 كنت أعلقها في مكتبي القديم على الحائط لأتذكرها دائمًا. انظروا، إذا أردتم وضعت لكم رابطًا بهذه الاختلافات. مثلاً في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ﴾، في مصحف الشام قالوا: «اتخذ» دون الواو، فماذا يفعل؟ لابد من كتابة مصحف بدون الواو. وكذلك «وأوصى»؛ هناك واو، لابد من وجود مصحف بدون الواو.
وفي «سارعوا»، «وبالزبر والكتاب»؛ لابد من مصحف يكتب به الباء، إلا قليلًا، مثل سورة النساء. وفي سورة المائدة: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾، وفي سورة الأنعام: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾، وفي الأنعام كذلك: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾، وفي الأعراف: ﴿شُرَكَائَهُمْ﴾، وفي الأعراف «يتذكرون» يوجد حرف زائد تاء، وفي الأعراف ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ بدون الواو.
وفي الأعراف أيضًا: ﴿قَالَ الْمَلأُ﴾، وفي الأعراف: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ و﴿وَإِذْ أَنْجَاكُمْ﴾؛ واحدة بالياء والنون ثم الكاف، وواحدة بالجيم والألف مباشرة «أنجاكم» بدون الألف بعد النون، اختلف الرسم تمامًا. كذلك «تجري من تحتها» في سورة التوبة، و«الذين اتخذوا»، و«خيراً منهما»، و«ما مكنني»، و«أولم ير الذين» بدون واو، و«سيقولون لله».
إلى 44 موضعًا يا إخوة، حتى توعب لابد من خمسة مصاحف، عرفتم لماذا كتب عثمان خمسة مصاحف؟ ليس للأمصار فقط، حتى لو في بلد واحد لابد أن يكتب خمسة مصاحف إذا أراد أن يوعب دون التكرار في نفس الصحيفة. هذه قضية يغفل عنها الناس؛ لماذا خمسة مصاحف؟ كل واحد فيها حوى رسمًا غير موجود على الأقل في كل المصاحف الأخرى، لأنه لو كان مصحفًا يحوي كل الرسم لكان مصحفًا واحدًا.
خمسة مصاحف حتى تحتمل الـ 44 موضعًا التي لا تحتملها أمور المصحف إذا نزع منها النقط، نقط الشكل ونقط الإعجام؛ نقط الإعراب ونقط إعجام الحروف. هناك أشياء كما رأيتم، من واو ونون، ماذا نفعل فيها؟ كتبوا لأجلها مصحفًا آخر. وهذا ما فعله عثمان في نسخ المصحف وترتيب الآيات في سورها بالتوقيف اتفاقًا، لا اجتهاد في تقديم وتأخير بصلب السورة، ولا تقرأ منكسة.
أحبابي في أهل المغرب، الذين بعض الجماعات يختبرون الحفظ بالقراءة منكسة؛ هذا صنيع الجهال ومن لا خلاق له، يختبرون الحفظ بأن يقرأ الآيات مقلوبة. هل كل واحد من هذه الاختلافات يرجع إلى قراءة؟ هي من ضمن اختلاف القراءات، إذا درست كل قراءة على حدة ستجد من ضمنها هذه الوجوه الـ 44، وهي بعض اختلاف القراءات؛ لأن اختلاف القراءات يشمل ما هو أعم من اختلاف الكلمات، واختلاف الكلمات يدخل في القراءات. طيب، ما هو أكثر اختلاف القراءات؟ اللهجة.
أنا أسأل: أهل القراءات، الفرش أكثر أم الأصول؟ أهل القراءات، الفرش أكثر أم الأصول؟ اختلافات الفرش أم الأصول أكثر؟
جميل، يعني اختلاف القراءات الذي يظهر في الرسم طبعاً. في ناس بيمسك مصحف يجي يقرأ فيه يلاقيه يقول لك: "هنا في حرف وقع في غلط"، لو هو حافظ القرآن ولا يعرف القراءات يقول لك: "في حرف وقع". لا، أنت انظر في الرسم؛ بقراءة فلان، قراءة أخرى.
خذ هذه الفائدة؛ هذا الذي قرأتُه لك الآن موزع على المصاحف، صح؟ موزع على المصاحف. أصحاب كل قراءة في مصحف ذهبوا إلى مكان قراءتهم، جاء فيها هذا الذي أثبت في هذا المصحف. يعني قراءة نافع من أهل المدينة، سترى في قراءة نافع سواء برواية ورش أو رواية قالون سترى في ضمن الرسم ما أثبت في الورقة التي فتحتها لكم الآن من اختلاف جسم الكلمة؛ سترى هذا من ضمن قراءة نافع.
لأن سيدنا عثمان رضي الله عنه ماذا فعل؟ أرسل المصحف بهذه الهيئة إلى هذا المكان، وخلاص، وأرسل معه من يقرؤونه؛ هؤلاء القراء الذين قرؤوا المصحف الذي ذهب إلى هذا المكان، منهم جاءت رواية نافع، قراءة نافع. هم قرؤوا بناءً على ما أثبت في هذا المصحف. القراء هؤلاء يعلمون ما في هذا المصحف وما في غيره، لكن عثمان أمرهم أن يعلموا على ما في هذا المصحف، فلذلك سترى ما في المصحف الذي ذهب إلى المدينة هو الذي في قراءة نافع. وسترى أن المصحف الذي ذهب إلى الكوفة فيه قراءة عاصم الكوفي.
فهمت؟ السؤال الآن: ما الذي جعل هذه الاختلافات في كل مصحف، أو في كل قراءة من القراءات التي نقرؤها سواء عاصم الكوفي أو نافع المدني أو فلان أو فلان؟ ما الذي جعل هذه الاختلافات؟ المصحف الذي أثبته أو كتبه عثمان وأثبت فيه هيئة معينة وذهب به إلى هذا المكان، أو أرسله إلى هذا المصر، وأرسل معه قراء بما في المصحف؛ فبما قرأ القراء تشكلت قراءة أهل هذا المصر.
الموضوع كان في مكة، يقرؤون كله أصلاً. هل تظن أن القراء الذين ذهبوا مع كل مصحف لا يقرؤون إلا بهذا؟ يقرؤون به وبغيره، لكن هم أقرؤوا أهل هذا المصر ما في هذا المصحف، وهذا المصحف صار في هذا المكان ونسخت عنه المصاحف في هذا المكان.
ولهذا، المصاحف المكتوبة على قراءة نافع، أو العلم الذي دونه علماء كأبي عمرو الداني، دونه من ماذا؟ علم رسم المصاحف دونه من ماذا؟ من مصاحف عثمان أو المصاحف المنسوخة منها. يعني عالم رسم المصحف ماذا فعل؟ شوف، الحديث مش عايز أتوسع بس ذو شجون، أنا عشت دهراً مع هذا العلم، عجبني، غصت فيه كانت متعتي وما زال. ولماذا أتعصب للمصحف هكذا؟ لأنني أعرف ما الجهد الذي بذل فيه، أعرف ماذا بذل.
ما يسمى لما تفتح أي مصحف قريب منك، وقد ضُبط بناءً على كتاب فلان الذي يرويه عن أبي عمرو الداني، هؤلاء من أين أتوا بهذا الرسم؟ طافوا على المصاحف القريبة من مصحف عثمان التي نسخت في الأمصار. يعني ذهب إلى الكوفة ورأى المصاحف المكتوبة المنسوخة عن المصحف الإمام؛ في الكوفة كان هناك مصحف إمام في المسجد الجامع الكبير، يدخل إليه الرسم، ومنه ينسخ للناس، إما بالنسخ عن النسخ أو بالنسخ المباشر. فذهب علماء رسم المصاحف ودوّنوا في علومهم ما في مصاحف الأمصار التي هي محتوى مصحف عثمان.
فالمصحف الذي معنا الآن هو مصحف عثمان. يقول لك: "إحنا عايزين مصحف عثمان الأصلي عشان نتأكد ما فيش غلط"، أنت راجل عايش في الكرتون يا جماعة! عايزين مصحف عثمان؟ هي دي إنجيل تراجم ومش تراجم وتحريف ومش عارف إيه؟ لا، هذا قرآن يا رجل، تواتر. فما في مصنفات رسم المصاحف إلا وهي متواترة عن هذه المصاحف التي هي مصاحف عثمان رضي الله عنهم.
فهمتم من أين جاء علم رسم المصحف؟ دونه عن المصاحف الأئمة أو المنسوخة عن المصاحف الأئمة في الأمصار، وتسمى المصاحف الأئمة التي يؤتم بها، التي كتبها عثمان. لماذا كتب خمسة مصاحف؟ لأن العدد خمسة هو الذي سيحوي الـ 44 موضعاً التي خارجه عن اختلاف الشكل والضبط، لأنهم تركوا نقط الإعجام ونقط الإعراب. فما احتمله الترك تركوه؛ «تعلَمون»، «تعلَّمون»، «تجمعون»، «تجمعون»، «بيوت»، «بيوت»، «عيون»، «عيون»، «كفوا»، «كفؤاً»؛ لأن الهمزة لا ترسم أصلاً، هذه طريقة نطق. كل هذا ترك احتملته المصاحف.
وبقي 44 موضعاً تتعلق بهيكل بزيادة ونقص كما رأيتم؛ اللام والألف والواو، ومن ماذا فعلوا؟ وجدوا أنها حتى تُحاط في المصاحف لابد من كتابة خمسة مصاحف، فكتب خمسة مصاحف ووزعها في الأمصار، وجاء علماء رسم المصحف كأبي عمرو الداني ونسخوا ما تواتر عن المصاحف الأئمة، ولهذا سميت بالمصاحف الأئمة. هذا علم عظيم يا إخوة، هذا علم عظيم لا تستهينوا به.
إذاً، أيهم أكثر، الأصول أم الفرش؟ في الشيوع، الأصول أكثر؛ الاختلافات التي تدخل تحت قاعدة، وأكثرها في اللهجة أصلاً.
الإخوة الذين يقرؤون القرآن اختباراً من الخلف، يعني يأتي من آخر السورة ويقرأ الآيات مقلوبة، هذا لا تفعلوه، هذا لا يليق بالقرآن وبنسق القرآن. أما السور، فقيل بالتوقيف، وقيل بالاجتهاد، وهذا عليه الأكثرون كما قلت أمس، وبه فُسِّر اختلاف المصاحف في ترتيب السور. والبعض قال توقيفي إلا في الأمثال وبراءة، والبعض قال توقيفي إلا في الأنفال وبراءة.
لا نقرأ شيئاً من هذا الآن، في «الإتقان» صفحة 405 و408، انظروا، يقول السيوطي: «فأما ترتيب السور فهل هو توقيفي أيضاً أو باجتهاد من الصحابة؟ يقول: وأما ترتيب السور فهل هو توقيفي أيضاً، ككالآيات، أو باجتهاد من الصحابة؟ خلاف. يقول السيوطي: خلاف، فجمهور العلماء على الثاني الذي هو اجتهاد ترتيب السور في المصحف، اجتهاد ليس توقيفياً». فجمهور العلماء، هذا السيوطي في المجلد الثاني من «الإتقان» صفحة 405، فجمهور العلماء على الثاني، منهم مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه، قال ابن...
فارس جمع القرآن على ضربين؛ أحدهما تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة. وأما الجمع الآخر فهو جمع الآيات في السور، فهو توقيفي تولاه النبي ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه.
وكيف رتبها الصحابة؟ ومما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور؛ فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي، كان أوله اقرأ، ثم المدثر، ثم نون، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني. هذا مصحف علي يعتبر بماذا؟ بمطلع السورة أو بأكثرها، والله أعلم. وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبي وغيره.
وأخرج ابن أشهب في المصاحف من طريق إسماعيل بن عياش، عن حبان بن يحيى، عن أبي محمد القرشي قال: «أمرهم عثمان أن يتابعوا الطول»، فجعلت سورة الأنفال وسورة التوبة في السبع، ولم يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم.
وذهب إلى الأول جماعة منهم القاضي، وله أبو بكر البقلاني قولان في الانتصار. قال البيهقي في المدخل: «كان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة»، لحديث عثمان السابق. وأما ابن عطية فمال في المحرر الوجيز إلى أن كثيرًا من السور كان قد عُلم ترتيبها في حياة النبي ﷺ، كالسبع الطوال والحواميم والمفصل، وأن ما سوى ذلك يمكن أن يكون قد فوض الأمر فيه إلى الأمة بعده.
وقال أبو جعفر بن الزبير في كتاب البرهان في ترتيب سور القرآن: «الآثار تشهد بأكثر مما نص عليه ابن عطية، ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف».
وفي الأخير، والذي أعجب منه يا إخوة، أن أجد البعض يتشدد. أحد الإخوة التقيت به مرة في الأردن، ولما سمع مني هذا القول في مجلس سهر عندي في بيت أحد الكرام من المحبين للعلم، كنا نسهر في عمان، فثار وقال: «ما هذا الكلام؟». فهو ثار فأثارني أنا كذلك، قلت له: هو هكذا، فأخرجت له هذا من الكتب وكذا قال، لكنه باطل، قلت هو باطل وخلاص.
السيوطي يقول: «البعض قال هذا والجمهور على أنه اجتهادي من الصحابة»، بمنتهى السهولة، هذا علم، لكن كيف نثور على قول هو الأصل الغالب الشائع عند أهل العلم؟ وقال بعضهم: لا، الترتيب منه هكذا، ومنه ما وردت به السنة أنه قرأ هكذا والنبي ﷺ رتب في قراءته، يكون توقيفيًا، وما عداه يكون للاجتهاد والنظر فيه مجال إلى آخره، وقد رأيتم الترتيب على أحجام السور.
الغريب أن الدكتور فضل حسن عباس نسب القول بالتوقيف إلى الجمهور في كتابه «إتقان البرهان»، وهذا غريب ويخالف لفظ «إتقان»، نسب القول بالتوقيف إلى الجمهور، وهذا غريب جدًا. في الحقيقة هناك كتاب ربما أنظر فيه نظرة، كتاب «البرهان في تناسب سور القرآن» للزبير أحمد بن إبراهيم الزبير الثقفي الغرناطي، صفحة 79.
يقول هذا الكتاب: «وهل ذلك بتوقيف من الشارع عليه السلام؟ اعلم أولًا أن ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، وهذا نتشدد فيه جدًا، ونرفض حتى اختبار الطلاب بالقراءة المنكسة، نكس الله من فعل هذا. وإنما اختلف في ترتيب السور على ما هي عليه وكما ثبت في الإمام مصحف عثمان بن عفان الذي بعث بنسخه إلى الآفاق، وأطبقت الصحابة على موافقة عثمان في ترتيب سوره وعمله فيه. فذهب مالك والقاضي أبو بكر بن الطيب فيما اعتمده واستقر عليه مذهبه من قوليه، والجمهور من العلماء، إلى أن ترتيب السور إنما وقع باجتهاد من الصحابة، وأن رسول الله ﷺ فوض ذلك إلى أمته بعده. وذهب طائفة من العلماء إلى أن ذلك إنما وقع بتوقيفه ﷺ وأمره. ولكل من الطائفتين جهات تعلق، وكلا القولين، والحمد لله، لا يقدح في الدين ولا يثمر إلا اليقين، السلام على العقل والجمال والروءان».
ونكتفي يا إخوة، عندي مجلس خاص الآن في رواد القصيد، شكرًا لكم، جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد