لفهم القرآن نحتاج إلى استيعاب اللغة، ولاستيعاب اللغة نحتاج إلى إدراك جذورها. جذور قرآنية مع أيمن عبد الرحيم.
على رواه ألف كلمة في القرآن من الجذر (ربب). فنقول الرب: الطلاء الخاثر، والطلاء هو الشراب الذي طبخ حتى ذهب نصفه، فالرب هو ما نسميه المربى. فالمعنى المحوري لهذه المادة استغلال المائع ونحوه حتى يتماسك من أجل الإصلاح أو الانتفاع؛ غلاظ رب العنب، وعصارة التمر، وصلوح هما للإتمام.
والربر: القطيع من بقر الوحش، أي في صورة عدم انتشار وتبعثر، ومن معنى الإمساك والجمع في صورة إصلاح، رعاية، وإنماء. رب الرجل ولده، الصبي مربوب وربيب، والرب المربي والمالك والسيد، كما يطلق على المدبر والقيم والمنعم.
من معنى الجمع في صورة حوز مع الإصلاح، وصف عز وجل بالرب يشمل كل هذه المعاني؛ فهو المنشئ بدءًا، والمربي، والمنعم، والمالك. ومما برز فيه معنى التجمع أي الاستغلال، الرب: وهم الجماعة الكثيرة، منسوبًا إلى الربوة وهي الفرقة من الناس عرة ألف أو نحوها، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رَبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [البقرة: 249].
كما أن هناك حوالي ألف كلمة في القرآن من الجذر (أمن). فنقول ناقة أمون أي أمينة وثيقة الخلق، فالمعنى المحوري لهذا الجذر الوثاقة. ومن ذلك الأمن ضد الخوف، كان الأمن تمكن في حصن، أو امتلأ قلبهم امتلاءً شديدًا بما يطمئن، كما في قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]. كما في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16].
والأمانة: الوديعة التي تودع عند من يحفظها، كان معنى اسمها التي ينبغي أن تحفظ في حرز أوثق الحفظ. وكان اسم الله عز وجل المؤمن معناه الحافظ لعباده، المؤمن لهم من كل شر ونقص ظاهر وباطن، أو الحفيظ عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: 23].
ومن ذلك آمن بالشيء: صدق أي قبل الكلام ووثق به فتمكن من قلبه، وآمن له أي يسمع منه ويسلم له ما يقول، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ [طه: 47]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: 111].
وآمين معناها اللهم استجب، أي يا من أنت إلهي استجب لي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا﴾ [الأحزاب: 73]. فالأمانة هي التكليف ومسؤولية التصرف، والمسؤولية في التصرف هي التي يتميز بها الإنسان، وربما الجان أيضًا، عن سائر المخلوقات.
المهندس أيمن عبد الرحيم