لفهم القرآن نحتاج إلى استيعاب اللغة، ولاستيعاب اللغة نحتاج إلى إدراك جذورها. جذور قرآنية مع أيمن عبد الرحيم.
ألف كلمة في القرآن من الأصل «علم»؛ فنقول العلامة والعلم شيء ينصب في فلاة تهتدي به الضالة. يقال لما يبنى في جواد الطريق من المنازل يستدل بها على الطريق، والمعلم ما يجعل علامة وعلماً للطريق والحدود، والعلم الجبل الطويل، والعلم الراية التي يجتمع إليها الجند.
فالمعنى المحوري لهذا الجذر في القرآن الدلالة والهداية، ويمتد إلى معنى أي اتجاه أو طريق أو حد أو غير ذلك. ثم إنهم عمموا استعمال اللفظ في كل ما يدل على شيء ما؛ فالعلم والعلامة أي على أي شيء. فاللام السمة وهي تدل على علامة، والعلام الحناء تلفت إلى جمال الكف، واعتل البرق لمع في العلم أي سطع، على الجبل أو الأرام.
ومن ذلك المعنى المحوري أُخذ معنى العلم وهو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع؛ فكونه اعتقاداً هو أنه معنى أو حكم تربى في القلب أخذاً من دلالة أو لافت قوي أو حجة قوية. وفي القرآن: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: 32]، فالأعلام الجبال. وفي قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] وصفاً للرواسي في الآية السابقة لهذه.
والعالم اسم ذوي العلم من الملائكة والثقلين الجن والإنس، أو إنهم يعلم بهم أي يستدل بهم على أنه سبحانه وتعالى موجود قادر حكيم عليم.
أربعمائة كلمة في القرآن من الجذر «جعل»، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22]. فنقول جعلت الفسيلة أو الودية، والجعل دابة سوداء من دواب الأرض. جعلت هذا الباب من شجرة كذا، صنعته. وجعلت الطين خزفاً، أي صنعته. وجعلت الشيء أي صنعته وصورته.
فالمعنى المحوري لهذا الجذر تحويل الشيء إلى وضع أو هيئة معينة، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]، أي خلقناه، والخلق يعد تحويلاً لأنه تسوية على هيئة. ويكون الفعل فعل القلب دالاً على الهيئة التي يظن أن الشيء صار إليها، مثل جعل الكوفة بغداداً، أي ظنها أو اعتقدها في نفسه. كذلك وكما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19]، أي قالوا ذلك وحكموا به في ظنهم واعتقادهم، سبحانه وتعالى عما يصفون.
المهندس أيمن عبد الرحيم