لفهم القرآن نحتاج إلى استيعاب اللغة، ولاستيعاب اللغة نحتاج إلى إدراك جذورها. جذور قرآنية مع أيمن عبد الرحيم.
على رواه، ٣٠٠ كلمة في القرآن تقريبًا من الجذر (كذب). فنقول: كذب الحُرّ انكسر، وكذبت العين خانها حسها، وكذب السير إذا لم يجد في السير، وكذب الوحشي جرى شوطًا ثم وقف لينظر ما وراءه، وحمل الرجل فما كذب أي من ثنى وما جبن في القتال. فالمعنى المحوري لهذه المادة: نقص الحدة والشدة الجارية في الشيء أو المتوقعة منه؛ كأنكسار الحُرّ الجاري، ونقص حس العين، وتوقف الوحشي عن الجري، وكذّ عن الاستمرار في الهجوم.
ومنه الكذب من القول؛ لأنه نقص بل فقد للمتوقع من الكلام، بل لما وُجد من أجله وهو التعبير عن حقيقة ما في النفس، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ [الزمر: 3]. وكذّبه اتهمه بذلك، وعدّه كذلك، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر: 32]، وكما في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: 89].
يُحمل "أنهم قد كُذبوا" أنهم ظنوا أنهم أُخلفوا لتقصير منهم أو من أتباعهم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "كانوا بشرًا ضعفوا من طول البلاء ونسوا، وظنوا أنهم أُخلفوا". ثم تلى حتى يقول: ﴿الرُّسُلُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُمْ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]. وقد فُسرت الآية أيضًا بأن الرسل ظنوا أن نفوسهم كذبتهم في تأويلها الوعد على أنهم يُنصرون في الدنيا لا يوم القيامة.
٣٠٠ كلمة في القرآن تقريبًا من الجذر (آخر). فنقول: أخره الرحل، ومؤخرته خلاف قامته وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب، ومؤخر العين الذي يلي الصدغ، ومؤخر كل شيء خلاف مقدمه. فالمعنى المحوري لهذا الجذر: تخلف الشيء في المكان والزمان عن مقارنه؛ كخشب الرحل الناتئ في مؤخرته ومؤخر العين. والآخرة صفة غالبة للدار أو الحياة التي بعد دار الدنيا، وهي في معظم القرآن بهذا المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 4].
المهندس أيمن عبد الرحيم