لفهم القرآن نحتاج إلى استيعاب اللغة، ولاستيعاب اللغة نحتاج إلى إدراك جذورها. جذور قرآنية مع أيمن عبد الرحيم.
على رواه، هناك 300 كلمة في القرآن تقريبًا من الجذر (حقق). فنقول الحق: النكرة التي في رأس الكتف، والمنحوت من الخشب، والعج، والمحتقر: النافذ إلى الجوف. فالمعنى المحوري لهذا الجذر: تمكن الشيء في عمق مقره أو وسط مقره، كما يتمكن الشيء في حق الخشب، وكتم طعن في وسط الجوف فيقال احتقر: ضمر فتداخلت أثناؤه بعضها في بعض. وحقت الناقة: سمنت، وحقيقة الرجل: ما يلزمه حفظه ومنعه ويحق عليه الدفاع عنه من أهل بيته.
ومن ذلك الحق: نقيض الباطل، وحق الشيء: ثبت أو وجب، كما في قوله تعالى: ﴿فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ [القصص: 88]. وكما في قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [السجدة: 15] أي ثبت عليهم القول. ومن صور تمكن الشيء واستقراره على ما وُضع عليه: مطابقة الشيء للشيء، ومن هذا الحق أي الصدق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [التوبة: 119] أي المطابق للواقع.
واستعمال الحق في المعاني غير المادية تدور على معنى الثبات، لكن التعبير عن معناها يختلف حسب السياق؛ فقد يأتي بمعنى الصحيح الصواب أي ضد الباطل الزائف، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: 147]. وقد يفسر بالصدق، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: 34]. وقد يفسر بالعدل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [المؤمن: 20].
ومن المعاني المتضمنة في أصل الجذر قولهم: له في هذا الأمر حق، أي كان له جزاء منه ثابتًا في وسطه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾، ويحق عليه ذلك أي واجب ثابت، كما في قوله تعالى: ﴿حَقٌّ عَلَيَّ أَلَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [يونس: 105]. ومنهم قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ﴾، الحاق: يريد القيامة؛ لأن الأمور تحق فيها.
هناك 300 كلمة في القرآن تقريبًا من الجذر (غفر). فنقول الغفارة: جلدة تكون على حز القوس الذي يجري عليه الوتر، والمغفر: حلق يجعله الرجل أسفل الخوذة تسبغ على العنق فتقي. فالمعنى المحوري لهذا الجذر: تغطية أو ستر يقصد به الحماية وما إليها، كالجلد التي تحمي القوس والوتر، والمغفر الذي يحمي العنق.
ويأتي بالمعنى المعنوي كغفر الله الذنوب: أي تغطيتها وسترها. ويأتي بمعنى التغطية دون قيد الحماية، كما في قولهم: جماعة غفيرة، أي بجماعته الشريف والوضيع ولم يتخلف أحد وكانت فيهم كثرة، فهو من التغطية؛ لأن الكثيرين يغطون وجه الأرض.
المهندس أيمن عبد الرحيم