لفهم القرآن نحتاج إلى استيعاب اللغة، ولاستيعاب اللغة نحتاج إلى إدراك جذورها. جذور قرآنية مع أيمن عبد الرحيم.
على رواه، هناك مئة كلمة في القرآن تقريبًا من الجذر (ملك). فنقول: مَلَكَ، وكل دابة ملكة، وملكت المرأة العجين، شددت عجنه أي أجادت عجنه حتى يأخذ بعضه بعضًا، ونقَّ مَلَكَ الأجل إذا كانت تتبعها. فالمعنى المحوري لهذا الجذر: إمساك، أو امتسك بـ، أو قوة مع شمول. فقوام الدابة تحملها وتنصيبها كلها فهي قوام بدنها، ومنه مَلاك الشيء ما يقوم به قوامه ونظامه ومعتمده.
ومنه قولهم: ما تمالك أن وقع في كذا، أي لم يستطع أن يحبس نفسه. ومنه الملك: احتواء الشيء أو القدرة على الاستبداد به، ومعنى الاستبداد: إفراد أن يكون له لا لغيره تبعية الشيء والتصرف فيه. والملك هو القهر والتسلط على من تتأتّى منه الطاعة، ويكون ذلك باستحقاق وبغير استحقاق، كمن استولى على ملك بلد بغير حق، وهو من إمساكه بأمور حكمًا وتدبيرًا.
والملك هو القهر على من تتأتّى منه الطاعة، ومن لا تتأتّى منه كالبهائم والدواب وغيرها. والمملوك العبد، والملكوت الملك العظيم، وفي قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 83]، ملكوت كل شيء: القدرة على كل شيء.
هناك مئة كلمة في القرآن تقريبًا من الجذر (جنن). فنقول: الجنة الحديقة ذات الشجر والنخل والعنب، والجُنّة كل ما وقاك وما داراك من السلاح واستترت به منه، والمِجنّ الترس يواري حامله، والجنين ما دام في بطن أمه، والجنّ القبر، وجنّ الشيء يجنّه: ستره.
فالمعنى المحوري لهذا الجذر: ستر الشيء بكثافة يعلوه، أو يكون الشيء في أثنائه، كالشجر والنخل والعنب تظل ما تحتها وتستره، وكالدرع يستر ستر حماية، وكالجنين في البطن. ومنه جنَّ الليل وأجنه: ستره بظلمته، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: 76].
وفي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 16]، أي يسترون جرائمهم بأيمان تنفي وقوعها منهم فتد عنهم العقوبة، كما يرد المجن سيف العدو. ومن ذلك أيضًا الجنون، لأنه استتار العقل أو غيابه. ومن ذلك الجن، والجن نوع من العالم تجن عن الأبصار، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6].
المهندس أيمن عبد الرحيم