دخولتسجيل الدخول

ما معنى الإله؟ | الحلقة 02 - مهندس أيمن عبدالرحيم

أيمن عبد الرحيمالمهندس أيمن عبد الرحيم
  • مدة الدرس:
  • قراءة

لفهم القرآن نحتاج إلى استيعاب اللغة، ولاستيعاب اللغة نحتاج إلى إدراك جذورها. "جذور قرآنية" مع أيمن عبد الرحيم.

حوالي ثلاثة آلاف كلمة من الجذر (أ ل ه) أو (و ل ه). فنقول: الآلهة كرسالة الشمس وكذا. والآلهة: سلخ الحية، وهو غلاف شفاف يتربى عليها بين حين وآخر فتخلع، فالمعنى المحوري لهذه المادة فيه شفافية أو ضوء مع أثر تستشعره كضوء الشمس ومعه حرارتها، وكسلخ الحية بشفافيتها.

ولهذه المعاني اللغوية تجليات في معنى الألوهية؛ فالإله الحق جل جلاله نور لا يحاط بكنه حقيقته، بيده كل شيء. ذلك أن كلمة إله في أصل الاستعمال اللغوي كلمة قلبية وجدانية، فهي لفظ من الألفاظ الدالة على أحوال القلب كالحب والبغض، والفرح والحزن، والأسى والشوق، والرغبة والرهبة.

قد ردها بعضهم إلى قول العرب: أله الفصيل، ياله ألهًا، إذا ناح شوقًا إلى أمه، والفصيل ابن الناقة إذا فطم وفُصل عن الرضع، يحبس في الخيمة وتترك أمه في المرعى، حتى إذا طال به الحال ذكر أمه وأخذه الشوق والحنين إليها، وهو إنما هو حديث عهد بالرضاع، فناح وأرغى رغاءً أشبه ما يكون بالبكاء، فيقولون: الفصيل فآمه؛ أله هنا، هي ألهه بالمعنى اللغوي، ومنه قول الشاعر: ألهت إليها.

والله سبحانه بهذا الاسم لا يشركه فيه غيره، فإذا قيل الإله انطلق على الله سبحانه وعلى ما يُعبد من الأصنام، وإذا قلت الله لم ينطلق إلا عليه سبحانه وتعالى. وقيل في اسم الباري سبحانه إنه مأخوذ من أله يله ألهًا إذ تحير، لأن العقول تاله في عظمته، وألها يله ألهًا أي تحير. وأصله وله يوله ووله، وقد ألهت على فلان أي اشتد جزعي عليه مثل ولهت. وقيل هو مأخوذ من ألهه إلى كذا أي لجأ إليه، لأنه سبحانه المفزع الذي يُلجأ إليه في كل أمر.

إذ الإله في هذا السياق اللغوي هو ما يشوق القلب ويأخذ بمجامع الوجدان إلى درجة الانقياد له والخضوع، قال عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]. والراجح فعلًا أن إله من وله، ومنه اشتق الاسم العلم الله؛ لأن مدار كلتا المادتين على معنى القلب، فأبدلهم الواو همزة. قال الراغب الأصفهاني: أله فلان يله ألهًا، عبد، وقيل أصله وله فأبدلهم.

وتسميته بذلك لكون كل مخلوق وإله نحوه؛ إما بالتسخير فقط كالجمادات والحيوانات، وإما بالتسخير والإرادة كبعض الناس. ومن هذا الوجه قال بعض الحكماء: الله محبوب الأشياء كلها. وهكذا فإنت ترى أن مدار المادتين (إله) و(وله) هو على معانٍ قلبية ترجع في مجملها إلى التعلق الوجداني والامتلاء بالحب.

فيكون قول المؤمن "لا إله إلا الله" تعبيرًا عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى، أي لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عليه عمارة قلبه إلا قصد الله. إنه أشبه ما يكون بذلك الفصيل الصغير الذي ناح شوقًا إلى أمه إذ أحس بألم الفراق ووحشة البعد. إن المسلم إذ يشهد أن لا إله إلا الله يقر بشاهد على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله رغبة ورهبة وشوقًا ومحبة.

فإن الإله هو الذي ياله العباد حبا وذلاً وخوفًا ورجاء وتعظيمًا وطاعة له بمعنى مالوه، وهو الذي تاله القلوب أي تحبه وتذل له، فالمحبة حقيقة العبودية. وأقرب الأقوال في قولك "اللهم" إنها بمعنى: يا من هو إلهي.