دخولتسجيل الدخول

نماذج ناجحة في طلب العلم الشرعيّ 1 | حقيبة مفاتيح الطلب-المحاضرة الحادية عشرة | برنامج التأسيس العلمي

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التأسيس العلمي، ونحن ندرج في المحاضرتين الأخيرتين من الحقيبة الأولى (مفتاح الطلب)، وأخرنا هاتين المحاضرتين للحديث عن بعض النموذج الناجحة في طلب العلم من الأقدمين والمعاصرين، والهدف من ذلك هو أن نقيم كل ما أخذناه في مفاتيح الطلب ونسقط على هذه الشخصيات لنعرف أسباب النجاح.

دائماً أيها الشباب، تريد أن تقرأ من قصص الناجحين في طلب العلم الشرعي، لا تنظر إلى النهايات، إلى النجاح؛ لأنه النتائج هي ثمرة أسباب طويلة من المعاناة والمعايشة والتعب حتى حصلت النتيجة. لذلك بعض الكتب التي تتكلم عن السير والتراجم قد لا تفيدك في هذا؛ لأنها فقط تعطيك النتائج، أنه برز وحدث وأفتى وعمره كذا. طب ماشي، أفتى وعمره عشرون عاماً، طب لماذا، كيف وصل إلى أن يفتي وعمره عشرون عاماً؟ ما هي عوامل النجاح في حياته؟ وألف وصنف. طب ألف وصنف، ما الذي أوصله لمرحلة وأهله لمرحلة التصنيف والتأليف؟ ودرس وكان يحضر في مجلسه كذا وكذا. هذه أنا أسميها نتائج؛ أنه كان يحضر في مجلسه كذا وكذا، صنف أربعمصنف أو خمسمصنف، أنه حفظ وكذا. هذه كلها نتائج.

أنا في النهاية حتى أستفيد من القصة أريد أن أتعرف ماذا؟ بذور، البذور الأولى التي وضعت في هذه الشخصية حتى نجحت وأثمرت ذلك العالم أو ذلك الطالب المتقدم، أليس كذلك؟ فدائماً عندما تقرا في السير والتراجم لا تركز على النهايات، وإنما ركز على ماذا؟ على البدايات، حتى تعرف أسباب النجاح في نجاح هذا العالم حتى أصبح شخصية ناجحة وتحب أن تحتذي وتحاكي هذه الشخصية وفق -طبعا- ما آتاك الله سبحانه وتعالى من العوامل والظروف؛ لأنه أيضاً المقايسة التامة مشكلة؛ أنه قد يكون شخص معين تهيأ له من الظروف ما لم يتهيأ لك، وهذا أيضاً جزء من شعور الإنسان يعني بالتقليل من جلد الذات؛ لأنه أحياناً لما تقرا سير كبيرة وانجازات عظيمة تريد أن تحاكيها، تريد أن تصبح مرة واحدة ابن القيم أو ابن تيمية أو أحمد بن حنبل، لكنك لا تعرف ظروف الزمان وظروف المكان والعوامل التي ساعدت في خروج مثل هذه النماذج.

وبالتالي عموماً القراءة في سير الناجحين في طلب العلم الشرعي هي مفيدة في عدة جوانب: أولاً: محاولة محاكاة تلك الشخصية الناجحة ضمن العوامل التي يمكن أن توفر لي -يعني هي توفرت له ويمكن أن أتوفرها لي-، هذه قضية أولى. القضية الثانية: التقليل من جلد الذات أو الشعور بتأوب الضمير عندما ترى عوامل خارجة عن إرادتك وعن إرادة ذلك العالم توفرت في حياته ولم تتوفر في حياتك أنت؛ يعني مثلاً عندما سنقرا في بعض السير سنجد أن ذاك الشخص كان أبوه عالماً، هذا بالتاكيد كان عنصر نجاح في حياته، وأنت لست مسؤولاً عنه، أليس كذلك؟ يعني أنت لست مسؤولاً لماذا والدك عالم أو لا؛ فتعرف أن ذاك عنده عنصر نجاح قد لم يتوفر لي، أو عمه، أو أقاربه، أو بيئة معينة قدرها الله سبحانه وتعالى له ليست متوفرة في زمانك أو بيئتك، فبالتالي ترحم نفسك؛ لأنه أحياناً الذي يحصل عند بعض الشباب أنه يجلد نفسه جلداً زائداً، أو يريد أن يصبح نموذجاً مثل تلك النماذج مع أن الأمور لم تتوفر له، فالذي يحدث أنه يشرع، يريد يقول: أصبح مثل ابن تيمية أو هذه النماذج، يشرع في الطريق، وطبعاً الظروف حوله لا تتيح له مثل ذلك، هذا قدر الله الذي وضع فيه.

فعندما يشرع سنة، سنتين، ثلاث، أربع، يجد نفسه لم يصبح مثل أقرب عالم معاصر -هو وضع نموذج ابن تيمية- يجد أنه لم يصبح حتى طالب علم يشبه بعض الطلاب المعاصرين المتقدمين، بقول: أنا وضعت نموذجاً عالياً، أنا لم أستطع أن أصبح عشر معشاره أو خمس خمسه، فبالتالي يصبح عنده نوع من الاحباط أو الياس، أو يقول: هذا الطريق ليس لي، فينقطع عن طلب العلم بالكلية، وهذا خطأ. أين خطأ هذا الشخص، من يقول؟ أين خطاه؟ في المقايسة، الواقعية أحسنت، الواقعية؛ أنه أنت في النهاية نجاحك في رحلة طلب العلم جزء منها أمور أنت تستطيع أن تكتسبها وتوظفها، وجزء منها أمور قدرية خارجة عن إرادتك توفر لك، صح؟

يعني أنا لو سالتك، أنت كشخص، عوامل نجاحك في طلب العلم يتوقف على ماذا؟ طبعاً هو توفيق الله أولاً وآخراً، بس أنا بتكلم عن الأسباب أن تفهمون كلامي، هناك امور تتعلق بشخصيتك أنت تستطيع تكتسبها وتنميها، هذا جزء من النجاح وهذا ما يهمني أن أنظر فيه من هذه الزاوية، وهناك أمور قدرية خارجة عن إرادتي؛ البلد الذي ولدت فيه، البيئة التي نشأت فيها، الزمان، المكان، هذه أنت لست حاكماً فيها، لست صاحب قرار فيها، وهذه بالتأكيد هي تحكم جزء كبير من نجاح الإنسان.

وبالتالي أعود فأقول: عندما أقرا سير نجاحات العلماء أو السير القديمة للممبرين، علي أن أنظر في كلا الأمرين؛ ما هي الأمور الكسبية التي أنا أستطيع أن أكتسبها من النشاط، والهمة، من، من، ومن، وأستطيع أحاكي بها ذاك النموذج الناجح فأحاول أن أكتسب وأنافس؟ وما هي الأمور القدرية التي وجدت في حياة ذلك العالم ولم توجد في حياتي فأقنع وأرضى بما وصلت إليه؟

فهذا يجعلك إنساناً متوازناً في نفسيتك وفي صناعة القدوه في حياتك؛ لما تصنع قدوة في حياتك كن واقعياً، لما بدك تقتدي بأحمد، أو بالشافعي، أو بمالك، أو بابن تيمية، أو ابن القيم، لما تقول: أريد أن أصبح مثلهم، لا، أنا بحاول أرجعك شوي شوي حتى نتفق على نوع من الواقعية؛ أنه هؤلاء في عوامل شخصية كانت سبب في النجاح، وعوامل خارجية توفرت لهم، أنت بدك تحول تقتدي فيهم في أي عوامل؟ الشخصية الكسبية التي أنت تستطيع تكتسبها، لكن العوامل الخارجة عن إرادتك أنت لن تستطيع أن تقتدي بهم فيها.

يعني إذا كان أحدهم أبوه عالماً، أنت هل تستطيع -يلاس- بدي اقتدي فيه، بدي أخلي أبوي عالم؟ مش رح تخلي والدك عالم. والله هم نشؤوا في بيئة مليئة بالعلماء، يلا أنا بدي أخلي البيئة حواليها كلها علماء؟ هذا شيء ليس من كسبك ولا من اختيارك، فبالتالي أيها الكرام قبل أن أشرع في قراءة بعض السير نريد أن نضع هذا في حسباننا: أولاً: عندما تقرا في سيرة معينة في ثنايا الأسطر، ركز على عوامل النجاح ولا تركز على النتائج؛ لأنه النتائج هي بعد توفيق الله ثمره عوامل، فأنا حتى أستفيد من القصة وأنتفع بدي أركز: آه والله هنا هذا عنصر نجاح في حياة الشافعي، لا هذا عنصر نجاح في حياة مالك، هذا عنصر نجاح في حياة ابن تيمية، هذا عنصر نجاح في حياة فلان وفلان، وهكذا هذه جزئية.

ثانياً: ركز على العوامل التي أنت تستطيع أن تصنعها، وحاول أن تصنعها، وأما العوامل الخارجة عن إرادتك وطوقك اهدى شوي، وارض بما قسمه الله لك حتى لا تصاب باليأس والإحباط، وتقول: والله ما استطعت أصنع مثل الشافعي، ما هو في فرق كبير في الزمان والمكان، فانت كن واقعياً لما بدك تقتدي، أو ما استطعت أصبح مثل ابن تيمية، ابن القيم، ابن رجب، في عوامل في الحياة خلاص هي قدر الله النافذ، فأنا أحاول ضمن الوسع والطاقة الموجودة عندي أحاسب نفسي على ما أستطيع أن أكتسبه وأنا قصرت فيه، لكن لا أحاسب نفسي على ظروف زمان ومكان لم يقدرها الله عز وجل لي، وأقول: الحمد لله، كل ما قدره الله فهو خير.

اليوم سنتكلم عن نموذجين، ومجلس الأربعاء وهو الختام في موضوع مفاتيح الطلب، سنتكلم عن عدة شخصيات، يعني ناخذ منها أزهار وورود كما يقولون، شخصية اليوم ساتكلم عنها شخصية تعرفونها، ونحن دائماً نتحدث عنها عموماً في مجالسنا، لأنها شخصية مبرزة ناجحة بعد توفيق الله عز وجل، وتستحق أن تقرأ سيرها لما لها من أثر وواضح في حياة حتى الأمة المعاصرة.

اليوم رح نتكلم عن شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه؛ طلبه للعلم، حياته، بعض عوامل النجاح في شخصيته، وأنا حريص أن يعرف الناس بهذه الشخصية لأنها تشوه، يعني الشخصيات القديمة، أبو حنيفة، مالك، حتى أبو حنيفة يشوه لكن غفر الله للجميع، أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد، دعونا نقول هي عموماً شخصيات اتفاقية فانت يمكن تقرا، لكن شخصية ابن تيمية يحاول تشويهها من عناصر كثيرة، فنحن نحرص في كل مجلس وفي كل فترة وفي كل سعة أن نظهر هذه الشخصية المميزة الفذه التي كتب الله عز وجل لها القبول عند فئام من المسلمين، وتركت تراثاً إسلامياً عظيماً رغم أنه نشأ في بيئة صعبة جداً من حيث الزمان والظروف العقدية، هو نشأ في بيئة محاطة تماماً بالعقيدة الأشعرية، ومع ذلك درج في هذه الحياة واستطاع أن يشكل شخصيته الخاصة، وأن يخرج من رفقة التقليد، وأن يتحرر، ومعالجة النصوص الشرعية، ويقدم تراثاً ضخماً ما زلنا نحتفي به إلى يومنا هذا.

فسريعاً دعونا نشرح في هذه الشخصية، الأولى، الشخصية الثانية سنتكلم عن شخصية معاصرة نوعاً ما وهو الشيخ البشير الإبراهيمي، نتكلم عن شخصيته وكيف نجح في حياته وكيف استطاع أن يكون شخصاً مبرزاً في مجتمعه. وعندما أكلم عن الشخصية أنا لن أتكلم فقط عن أثرها العلمي، بس سنتكلم عن أيضاً دعوته إلى الله عز وجل والبصمة التي تركها في حياة الأمة لها، أنا ما الفائدة أنك تكون طالب علم لكن ليس لك بصمة دعوية، أو لم تساعد في اصلاح المجتمع أو معالجة إشكالات فكرية سياسية أو ما شابه ذلك في زمانك؟ فسنتكلم بما فيه نفع إن شاء الله، ونسال الله التيسير والسدد، وكما قلت دائماً نركز على نقاط معينة في عوامل نجاح هذه الشخصية.

شيخ الإسلام ابن تيمية، طبعاً هذا الكتاب الجامع لسير شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون جمعه محمد عزير رحمه الله عليه والشيخ العمران، وهذا من أجمع الكتب؛ يعني هو أصلاً جمع كل ما كتب في سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية في مجلد كامل، فهو يحتوي ما كتبه الذهبي، ما كتبه ابن القيم، ما كتبه غيرهم من كل من عاصر أو جاء بعد شيخ الإسلام وكتب في سيرة هذا العالم النحرير.

أنا اخترت ما سطره الذهبي رحمه الله عليه باعتبار أن الذهبي من الشخصيات المتوازنة عندما تتكلم عن تاريخ الأشخاص، يعني لا يغلو ولا يجفو ويحاول أن يكون متوازناً قدر المستطاع، له رسالة لطيفة اسمها (الدرة اليتيمة في السيرة التيمية)، هي رسالة صغير صنفها في ترجمة شيخ الإسلام اسمها (الدرة اليتيمة في السيرة التيمية). طبعاً الذهبي هو من تلاميذ شيخ الإسلام أصلاً، الذهبي صاحب ايش؟ الذهبي صاحب أي كتاب؟ سير أعلام النبلاء، هو أصلاً يعني متخصص أيضاً في نق- كتابه سير الرجال، أيضاً له كتاب (ميزان الاعتدال)، تمام، و(تاريخ الإسلام)، هو رجل متخصص يعني، الذهبي تخصصوا في حياته تراجم رجال، فلذلك لما آتي إليه أنا أعرج أن اتكلم عن شخص يحسن هذا الفن، يحكمه، متوازن فيه، فلا يغلو ولا يجفو، بل يضع الشخص في مكانه، طبعاً وفق ما هداه الله سبحانه وتعالى.

يقول الذهبي عليه رحمه الله: هذه نبذة من سيرة شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، بدأ باسمه فقال: هو تقي الدين، الإمام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام. وهنا لي وقفة: أن عبد الحليم والده كبير من علماء الحنابلة، وجده عبد السلام هذا إمام في المذهب، إمام -يعني هو قرين، إذا قيل يعني في المذهب الشيخ ابن قدامة فالمقابل هو المجد ابن تيمية- وهو صاحب كتاب (المنتقى) و(المحرر) وغيرها من كتب المذهب العظيمة.

فإذاً أنت تتكلم، هذا أول عنصر من عناصر نجاحه، وهي عنصر خارج عن إرادتي وإرادتك؛ أنه نشأ في بيئة ايش نسميها؟ علمية؛ يعني البيت نفسه بيت علماء، وعمه عالم الفخر، أيضاً عمه من علماء الحنابلة. فالرجل شيخ الإسلام بعد توفيق الله عز وجل أولاً وآخراً، أول عنصر من عناصر النجاح عنصر قدري بدك تفهمه، أنه نشأ في بيت علم؛ فوالده عالم، وجده عالم، وأعمامه علماء، فهذه أول نقطة تهيئ للإنسان الشروع في طلب العلم، بخلاف الإنسان الذي ممكن أن يكون ابتلي ببيئة غير داعمة أصلاً أو لا تعرف العلم، فهذا حتى يعني يحبب إليه العلم وينشغل به ويضبط نفسه بالتأكيد سيحتاج من الوقت والزمان ما لم يحتاجه ابن تيمية، وهذا نوع من إنصاف النفس؛ أنه انا لم يتوفر لي من الظروف ما قد يكون توفر لهذا الشخص فأقنع بما قسمه الله لي.

طيب، إذاً هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، ثم ذكر طبعاً نسبه، قال: الإمام الحبر، البحر، العلم، الفرد، شيخ الإسلام، ونادرة العصر تقي الدين أبو العباس الحراني، الحراني نسبة إلى حران من بلاد الشام. ولد بحران يوم الاثنين في العاشر من ربيع الأول سنة إحدى وستمائة، ولا ستمائة وإحدى وستين هجري؟ هاجر والده به وبأخته إلى الشام عند جور التتار.

إذاً، دعونا نتكلم عن الظروف الصعبة في حياة طالب علم؛ على عمر ست، سبع سنوات، تعرفون كان التتار قد هجموا على العراق وعلى بلاد الشام، فاضطر والده أن يهاجر به وإخوانه إلى دمشق، فروا من حران هاربين باتجاه مدينة دمشق. فقال: هاجر والده به وبأخته إلى الشام، والمراد بالشام هنا ماذا؟ دمشق، عند جور التتار، فسار، فسار بالليل بهم وبالكتب.

كيف الله يلطف بحال إخواننا في غزة ويفرج كربهم، اليهود يلاحقونهم من مكان إلى مكان. فأنت تخيل عندك مكتبة في البيت، وطلب منك أن تترك هذا البيت وتهاجر، ربما كثير منكم الكتب قد تكون آخر شيء يفكر أن يأخذها أو معه. يقول لك: خلاص يعني هذه الكتب للبيت رب يحميه، المهم أننا نخرج الآن بأرواحنا وطعامنا وشرابنا. لا، والده مهتم بالكتب، هذا يدل أن الكتب والقراءة يعني في دم والده وفي دم هذه العائلة لدرجة أنه مش مستعد يفرط فيها في رحلة الهجرة من حران باتجاه الشام وعلى عجلة. الظاهر العجلة هذه يعني شيء كانت تجره الحمير أو الأبقار، بتعرفوا يضعون عجلة فيها كراسي خلفية خشبية ويجرها حمار.

فيقول: اضطروا أن يضع أن يبينا وأبناءه والكتب على عجلة عجال يجرها حمار لعدم الدواب التي يركب عليها مباشرة. وكاد العدو أن يلحقهم، يعني التتار كادوا أن يلحقوا وارد شيخ الإسلام مع العائلة ويجهز عليهم، ووقفت العجلة -يعني العجلة التي يجرها حمار- وقفت في الطريق ما استطاعوا يكملوا. فابتهل إلى الله واستغاث به أبوه ابتهل إلى الله غاث، فنجوا وسلموا. إذاً، الظروف الحياتية الابتدائية لشيخ الإسلام ما كانت مريحة، في خوف في رعب، التتار كانوا على يعني وصلوا العراق وهم الآن على تخوم الشام، والناس خائفة فزعة.

ومع ذلك، هل توقف طلب العلم؟ لا، هذا عنصر نجاح نحن بدنا نحاول نقدمه لأنفسنا أنه رغم الظروف الصعبة والتتار الذين كانوا يحيطون بالبلدان الإسلامية -يعني هم حتى طوال حياة شيخ الإسلام التتار ترى كانوا على التخوم، وشيخ الإسلام خاض معارك مع التتار؛ واقعة شقحب التي كان هو قائدها-. فأنت لما لا تتكلم عن ظروف من الأمان والاستقرار والحياة الرغيدة، لا، تتكلم عن مدن مهددة أن يغزوها التتار في أي لحظة من اللحظات، ومع ذلك الحياة العلمية لم تتوقف. مش قالوا والله احنا اليوم بعض طلابنا إذا بس عنده جامعة أو اختبارات نهائية بتتوقف الحياة العلمية لشهر قبل وشهر بعد، فثلاث أشهر هي بطلو فيها العلم. ليش؟ والله جهزت للامتحانات قبل شهر وبعد شهر راحة من الامتحانات، ه لذلك لا ينبغ الطالب.

لذلك ما في نب، لأنه العمر كم هو؟ سنوات حياتك العلمية إذا أنت نصف السنة تذهب امتحانات واختبارات وتجهز قبلها وبعدها، ماذا بقي من حضور الدروس والتحضير والمراجعة؟ فطالب العلم إخواني لا ينتظر الفراغ ولا ينتظر الراحة، بل عليه أن يصنع هو الوقت ويحاول أن يجمع قلبه حتى ولو كانت ظروف الحياة مبعثرة. يعني هؤلاء في ظروف حرب وخوف يعني وموت كما يقولون، ومع ذلك في اهتمام باستمرار الحياة العلمية وعدم توقف عجلة الحياة. توقف العجلة بتاعت، لكن عجلة الحياة لم تتوقف، قدموا الشام في أثناء سنة 67. احنا قلنا هو متى ولد؟ 661. متى وصلوا دمشق؟ يعني 667، يعني كم كان عمر شيخ الإسلام؟ سبع سنوات، نقول يعني إيه ست سنوات بتموت ماشي.

وصلوا إلى الشام، فبدأ رحلة الحياة العلمية، ما قالوا نحن الآن في حالة حرب واستنفار؛ لأنه التتار بقوا موجودين سنوات طويلة، خلاص الحياة بدها تستمر وأتاقلم وأتكيف حتى مع ظروف الحرب أو الظروف الصعبة. بدأ بطلب العلم، فسمع من الزين ابن عبد الدائم نسخة ابن عرفه. هذا جزء ابن عرفه في الحديث، وهذا من الأجزاء المشهورة كان العلماء يسمعونه خاصة في بداية طلبهم للعلم، جزء في الحديث. ثم سمع شيخنا، ثم سمع شيخنا الكثير من ابن أبي اليسر، ومن الكمال ابن عبد، والمجد ابن عساكر، ومن الجمال يحيى ابن الصيرفي، وأحمد ابن أبي الخير، والقاسم الأربي، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر، وأبي الغنائم بن علان، وخلق كثير.

لما تسمع أنت مثل هذا في قراءتك للسيرة، ماذا تستفيد مما درسناه في مفاتيح الطلب؟ تعدد المشايخ. هذا مهم جداً، أن من بداية حياته العلمية بالنسبة لسماعات الحديث كان يعدد في سماع الح، أي مجلس حديث يعقد مع الشيخ الفلاني، مع الشيخ الفلاني، مع الشيخ الفلاني، يذهب يسمع الحديث ويعدد مشايخه ويستفيد. وإن قلنا نحن الأصل في التأسيس حاول أن تتأسس على شيخ ثم تنطلق، لكن فكرة تعدد المشايخ لابد منها تماماً، ولا يقتصر الإنسان على شيخ واحد، أنه سبحان الله كلما وسعت دائرة سماع، توسعت دائرة فهمك، هذا الشيخ ينبهك على قضايا، ذاك ينبهك على قضايا، الله عز وجل وزع العقول ووزع الأفكار وكل يفتح له في جانب مختلف.

طيب، سمع مسند أحمد مرات، والكتب الكبار والاجزاء، وعني بالحديث في بداية طلبه للعلم، هذا يدل على أي فكرة اخذناها في مفاتيح الطلب؟ أحسنت، من مركزيات طالب العلم الارتباط بالوحي من بداية حياته. يعني شيخ الإسلام ما جلس يتعلم نحو وصرف ومنطق وفلسفة وكذا وكذا، وترك الوحي آخر مرحلة من مراحل حياته، لا، من خطواته الأولى، من عمره ثمان تسع سنوات وهو يبدا سماع الحديث، يبدا السماع. ولاحظ هنا هو لا يتكلم عن حفظ، هو يتكلم عن حضور مجالس السماع، يسبق قلبه وعقله بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. فلما يقول: وسمع مسند أحمد مرات، وبيتكلم لسه في السنوات الأولى، يعني عمره 10، 11، 12، وكم مره سمع المسند؟ مش مرة واحدة.

وحتى أنت تستظهر السنة، أنت تحتاج أن تسمعها أكثر من مرة؛ البخاري لا يقرأ مرة واحدة، ومسلم والسنن لا تقرأ مرة واحدة. كلما سنحت لك فرصة مجلس سماع اذهب اسمع الكتاب مرتين وثلاث وأربع حتى تسبق قلبك على ماذا؟ على سنة النبي صلى الله عليه وسلم. يعني لا تهمك بعض الطلاب هداهم الله يهتم بحواشي حواشي الفقه وحواشي حواشي العقيدة وحواشي في النحو، وعندما تساله: هل قرات البخاري أو ج؟ لم يقرا. هذا إخواني دلالة انحراف البوصلة العلمية، هذه حالة غير سوية، أنه أنت مشتغل بحواشي الحواشي في كلام البشر، والوحي الإلهي البخاري إخواني وحي إلهي. صح جمع البخاري بس هو ايش؟ وحي من الله سبحانه وتعالى عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظه. متخيل أنك أنت تارك الوحي الإلهي واضعه على جنب وعم تشتغل وتتفنن في حواشي الحواشي التي لو جهلتها قد لا يضرك ذلك في كثير من الأحكام؟

فأحياناً الشيطان فعلاً من دهاءه أنه يصرف الإنسان إذا وجد عنده همة في طلب العلم وأصعب أن يجعله يترك الطلب، على الأقل يشغله بالمفضول عن الفاضل. فيجعل لك تترك الوحي وتشتغل بكلام البشر، حتى ولو كان هذا كلام البشر كلام فضلاء، لكنه في النية مفضول مقابلة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم. فلاحظوا إذاً من عوامل النجاح الاهتمام بالوحي والارتباط به، مش اشتغل بكلام علماء الكلام والفلسفة والمنطق، اشتغل بالوحي الإلهي، وهذا بحد ذاته يوضح لك البوصلة ويجلي لك كثير من الأمور التي ستظهر لك بعد ذلك. ومن هنا تذكر لما قلنا: كثير من الطلاب اليوم يدخل الجامعات يقول لك: أنا لا أعرف أي العقائد هي الصحيحة، عقيدة أهل الحديث أو عقيدة الأشاعرة؟ قلنا له: ستسمع مني ومن غيري، لكن حكم الوحي؛ عد إلى كتاب الله وإلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإلى كلام السلف الأول، اسمع ماذا قالوا، هذا سيجلي عنك كثير من غبار المعركة ويظهر لك كثير من الحقائق المتعلقة بالعقائد.

ففرق بين طالب علم أسس قلبه على سماع الكتاب والسنة، وبين طالب علم معرفته بالسنة قشور، قشور وليست معرفة استظهار ومعرفة ودراية. طيب، سمع مسند أحمد مرات والكتب الكبار والاجزاء، وعني بالحديث، شوف شو قال: وعني بالحديث ونسخ جملة صالحة. طيب، وتعلم الخط والحساب في المكتب، يعني في الكتاتيب تعلم الخط والحساب، هذا يدل على ماذا هذه الفكرة؟ الله يعني قضية أن الإنسان بيتعلم الحساب الرياضيات، يعني لا، مش هيك، هم ماذا كانوا يتعلمون هذه الأمور؟ نعم. لا، لماذا؟ لماذا يحتاج الطالب أن يتعلم الحساب والرياضيات؟ أحسنت، أحياناً احنا عندنا دائماً نظرة سلبية لدراسة الفيزياء والكيمياء وكذا، وخاصة في المدارس، ونقول مضيعة وقت.

حقيقة يعني جزء نعم من المدارس مضيعة وقت، لكن هناك جزء لا أعتبره مضيعة وقت، وهو تنمية القدرات الذهنية، دراسة الفيزياء والجبر والرياضيات، وهذه حتى المنطق لو لم تنشغل به هو يقوي العضلات الذهنية والحركات الذهنية لديك، فتكون سريع البديهه سريع التحليل. وهذا شيء أنا أراقبه الأخوة الله يكرمهم اللي ما بيهتموا أبداً في دراساتهم المدرسية أبداً ما بيهتموا، فتجده في الرياضيات ضعيف، وفي الفيزياء ضعيف، وفي كثير من النقاط ضعيف. حقيقة لما يدخل على الحياة العلمية تجد عنده ضعف في قدرات التحليل، ضعف في قدرات ايش؟ التحليل؛ لأننا أخذنا الفهم، مهارة الفهم والتحليل، ما هي مهارة الفهم والتحليل؟ أيضاً متوقفة على أنك تنمي قدراتك التحليلية في القراءة والاستيعاب.

فكثير من الشباب الذين لم يهتموا أبداً بالعلوم الرياضية أو الفيزيائية أو بالكيمياء، ولم يعودوا التحليل والنظر، لما يأتي ليحلل في نصوص الشريعة كثير منهم أجد عنده ضعف، والسبب أنه هو أصلاً في تنشئته العلمية الحياتية ما عود نفسه على المرونة الذهنية. ولذلك يمكن تجد إنسان طبيب أو مهندس معاصر، طبيب إذا درس العلم الشرعي نبغ، مع أنه مشتغل بالطب أكثر من طالب علم هو طول الوقت بيدرس العلم الشرعي، شو السبب؟ أن ذاك الرجل اللي وصل طب أكيد هو في المدرسة كان شغ شغال يحرث الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وشغال في حياته الطبية، فالذهن شغال متقد. فإذا شرع في العلم الشرعي يلقط في زمن قصير ما لا يلقط طالب ربما صار له 15 سنة بدرس بس هو ضعيف في العمليات الذهنية، قدراته على التحليل متواضعة، قدراته على الفهم متواضعة، الله يجزاه الخير، لكن في مشكلة في حياته كان ينبغي أن يستدرك أنه من بداية حياتك.

شوف حتى هذا ابن تيمية والسلف عموماً كانوا يقولون: ينبغي أن يتعلم الإنسان شيئاً من الجبر والرياضيات. ليش بقولوا هذا؟ كثير ما نصح به علماؤنا؛ لأنه لازم تعود ذهنك السرعة في الحركة والسرعة في التحليل. اللي بيتعلم رياضيات جبر في هذا عقله يعمل سريعاً، فلما يأتي يصب عقله في النصوص، نصوص اصول الفقه ولا نصوص العلماء، تجد أن العقل شغال فينجز ينتج، لكن اللي عقله متلبد من الصغر ولا عمره اهتم بالدراسة، يأتي مباشرة خرج من التوجيهي مثلاً بمعدل متواضع ودخل شريعة، هسا هذا بده شغل، يعني أنا ما بقول لك طبعا أنه ما راح يفلح، لكن يحتاج إلى ايش؟ شغل، بده نعود ذهن العمل؛ لأنه أنت عشر سنوات للاسف مضت من عمرك أو من حياتك الدراسية ما شغلت دماغك.

يعني سامحني كنت مقضيها مع الشباب تهرب من المدرسة وإفطار هون وكذا، وين كنت؟ ما كنت ولا راية ولا حصان ولا تحصين. طبعا أنا بأعترف أن جزء من المسؤولية على الأب والأم وجزء النظام الدراسي الكئيب، بس لكن في جزء متعلق فيك أنت أنه أنت كان الأصل أيضاً تنتبه على نفسك أن تحليل أن أعمال العقل وتربيته على النشاط منذ الصغر هذا لمصلحتي. يعني أنا عفواً مش هامني المدرسة ابتداء كمدرسة، لكن أنا هامني أن يكون عقلي سريع وأنمي قدراتي. وهون أنا بارجع بدور الأب والأم وأنت إن شاء الله بكره أباء، يعني الأقل اللي فيكم ما فرحش في طلب العلم يعرف ايش عوامل النجاح اللي كان لازم تكون عنده ما حصلها ليورثه لابنه.

أنه قد يكون والدك ووالدتك ما وجهك للدراسات العلمية اللي بتشغل دماغك، يعني سامحني حتى لو ما نجحت في التوجيهي، حتى لو ما حصلت، احنا لسنا متعبدين لهذه الشهادة، لكن أنت لمصلحتك أن يكون ذهنك يعمل من الصغر. لمصلحتك بكره لو اشتغلت في الصناعة، في التجارة، في كل شيء، عندك سرعة بديهة، تحليل، القدرة على تحليل الظروف، لكن العقل الملبط المتلبد إخواني بعب في أي مجال بنحط فيه، سواء في العلوم الشرعية، في التجارة، في الأمور الحقة، ضعيف ذابل فهمه، ننتبه لأنهم كان من القدم يهمون بتدريس الطلاب في الحسن الخ.

الحب لازم تهتم بهذه العلوم التجريبية وأنت في مدرستك، اهتم فيها مش من أجل المدرسة، مشانك أنت حتى تنجح إن شاء الله في المستقبل. وحفظ القرآن. أي وحفظ القرآن ايش يعني ما في؟ إذاً انشغال بطلب العلم وتعمق قبل ما يكون القرآن، إذاً أثناء حفظ للقران هل كان يسمع الحديث؟ نعم. إذاً ما في مشكلة أني في مرحلة حفظي للقران أحضر مجالس السماع للحديث وأتعلم بعض المهارات، بس ما بتعمق وبدرس الألفيات والكتب والمصنفات الفقهية وأنا لسه مش جايب القرآن، فلذلك قال: وحفظ القرآن ثم أقبل على الفقه.

شوف هاء: حفظ القرآن ثم أقبل. شوف عبارة الذهبي، إذاً الانشغال بالفقه والكتب الفقهية أو العقيدة والكتب العقدية متى في حياته؟ بعد ما حفظ القرآن. لكن أثناء مرحلة حفظ القرآن ما في مشكلة أنك تسمع الأحاديث؛ لأن هي مجرد مجال السماع، أنا مش عم بحفظ البخاري ومسلم، عم بسمعم وعم أمرر على عقلي، فأثناء جمعي للقران يمكن أن اجمع معه سماع الحديث النبوي. جيد، إذاً وحفظ القرآن ثم أقبل على الفقه وقرا اياماً في العربية على ابن عبد القوي. إذاً هذا اشتغال بايش؟ ماذا نسميه علوم الآلة. مش قال: أنا ما بدي أدرس مباشرة فقه وعقيدة فما لي علاقة، لا، أي عملية نجاح، شوف أي عالم مبرز وأي عالم متقن أو طالب علم متقدم لابد وأن يكون جلس فترة لضبط علوم الآلات.

الآلة، أليس حكينا العلم علوم مقاصد وآلات؟ علوم الآلات زي علوم اللغة العربية، وأصول الفقه، وأصول التفسير، وأصول مصطلح الحديث؛ هذه تسمى علوم آلات لازم تتقنها قبل ما تتعمق، وإلا كيف ستبني؟ هذه زي كأنها الأحجار الأساسية التي ستبني عليها بعد ذلك. إذا قرأ اللغة العربية نحواً صرماً لغة على ابن عبد القوي ثم فهمها، وأخذ يعني خلص يعني استوعب هذا العلم وجمعه، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم يعني راجع للأصول لكتاب سيبويه بنفسه، يقرأ الكتب الأصول في العلوم، وبرع في النحو، ها، وبرع في النحو.

هذا عنصر نجاح؛ أنه في علوم الآلات ومتمكن، وهذا يظهر في كتبه في ردوده على الأشاعرة في بيان أخطائهم في فهم القرآن، ما هو كيف استطاع أن يرد على أصحاب العقائد البدعية إلا أنه متين في اللغة ففهم القرآن فهماً صحيحاً، وفهم الأحاديث فهماً صحيحاً، واستطاع أن يرد على أفهام مستقيمة؟ لا يمكن تقول لي أنا بدي أصار مناظر في علم العقائد أو أرد الشبهات وأنت ضعيف في اللغة، ما راح يزبط، أو أريد أن أصبح مناظر في الفقه وأنت ضعيف، اللغة هي أساس الشريعة، أنت تتكلم عن قرآن وسنة نزلا بلغه عربية، فعليك أن تتقن اللغة التي هي لسان الوحي.

ثم قال: «وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً». كان عنده اهتمام بتفسير القرآن، وهذه هي قضية مركزية، الوحي كما قلنا اهتمام بالحديث واضح، اهتمام بالقران وببتفسير، لكن متى أقبل على التفسير؟ بعد ما أتقن اللغة. شوف هذه الأمور متى؟ هي هكذا الحياة العلمية؛ أتقن اللغة، استطاع يدخل على التفسير، هل كان يستطيع يدخل على التفسير بدون لغة؟ لا. كيف تتخصص في التفسير وأنت لا تعرف اللغة وغير متين فيها؟ ستعجب الدنيا، لن تصل إلى أفكار صحيحة في هذا الباب. إذاً وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه، يعني إذاً علوم آلات وعلوم مقاصد، هذا كله ها شوف، كل هذا وهو بعد ما بلغ ابن بضع عشرة سنة، يعني عمره أربع عشر، خمس عشر، ثلاث عشر بمين هذه الفترة، أو ست عشر، سبع عشر خلينا نقول، لأنه البضع من الثلاثة إلى التسعة، يعني نحن بنحكي من 13 لـ 17 أو 18، كان محصلاً لهذه الأمور، وهذه قضية اخواني ما يسمى الإعداد المبكر لطالب العلم.

لأننا في للاسف ثقافتنا المعاصرة أن كثير من الطلاب متى يشرع في طلب العلم؟ بعد ما يتخلص من التوجيهي، يعني قديش بكون عمره؟ 19، يبدأ لسه ها بدنا نحكي بسم الله، نبدأ نحفظ قرآن، ونبدأ شوي شوي على المتون الأساسية. الآن علمياً هو متاخر، صادق معكم، بده يبدأ على 19 لسه ها أول فتحة وبده يبدأ الآن يشرع في حفظ القرآن، نحن بنعتبره متأخر عن حياة السلف، لكن مع ذلك لا يعدم خيراً، بس هذه نصيحة الكم للي يريد أن يكون ابنه في غداً عالم، ابنك بده يتعلم من عمره تسعة وثمانية، يبدأ يتعلم العلوم الشرعية حتى يوصل 19 متأسس، لأنه بعد الـ 19 رح يبدأ الآن التعمق، أما أنا أبدا 19 و20 لسه ما شرعت في شيء أبدا في طلب العلم، رح تكون الأمور ايش؟ متعبة، لأنه الذاكرة قد لا تكون عملت بشكل جيد، عملية تنشيطها وإعدادها وبدء إدخال المدخلات عليها والخلوص من المدخلات السابقة الرديئة، كل هذا رح ياخذ وقت.

لذلك لما تجد الشباب في الجامعة سنة سنتين ثلاث على الـ 24 مشكلته، بعد الـ 24 بده يبدأ ايش؟ رحلة البحث عن الوظيفه، ثم رحلة البحث عن الزواج، هذا كله يجعلنا نفقد العلماء وطلاب العلم؛ لأنه لم يعطي العلم حقيقة وقته الكافي. العلماء قديماً يعني عندهم 15 سنة من عمره التسعة أو الثمانية وحتى عمر 20 هذه كلياتها لسه فتحة العداد في طلب العلم، كم سنة؟ 12، 13 سنة، أنت معطي الشريعة كلياتها أربع سنين بدك تصبح عالم؟ ولا معطيها باكلوريوس وماجستير بدك تصبح عالم؟ هكذا صنع العلماء، فقط حتى تفهم الواقع وما تصنع حالة خيالية حالمة أن أربع سنوات في الجامعة بعدين سنتين ماجستير ثلاث سنوات دكتوراه بصير عالم، لا، عمرك ما راح تصير شي، حتى تكون تفهم الأمر على ما هو عليه؛ هناك تعب وحالة يعني تصل إلى 30، 40 سنة من طلب العلم هي التي تخرج عالم، أما ها الحياة جهد متواصل، بعد الأربعين ممكن تصير عالم، لكن كلنا الآن عبارة عن طلاب علم عم نبذل وبحاول الإنسان يستغل، على شرط من العشرين للـ 40 كلها ايش؟ حرث في طلب العلم، أما برضه من العشرين للـ 40 سنتين ثلاث بتفكر في الزواج، وسنتين بتحاول تلحق ورا وظيفه، وسنتين أبصر وين كنت، وتيجي تقول لي آخر شيء بدي أصبح عالم! أنا بيهمني هون تفهم كيف يصنع العالم أو طالب العلم المتقدم حتى لا تكون حالماً، نحن بنقرا، يعني أنت ما رح تكون أذكى من ابن تيمية عموماً، يعني، أو أذكى من أحمد والشافعي، هؤلاء هناك خطوط عريضة في حياتهم بها تحصل النجاح، ما تحاول تخترع أنت طريق آخر والله أنا أذكى منهم، أنا إن شاء الله خلال أربع خمس سنوات بصير زيه، لا، لا، ما رح تصير زيه ولا خمسة، إلا بأن تسير على خطى العلماء، هكذا الأسباب التي وضعها الله عز وجل في الأرض.

طيب، لاحظوا الآن ماذا يقول، طبعا انبهر به الفضلاء من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وسرعة إدراكه. هذا يتكلم عن ماذا هنا؟ في شيء أخذناه في مفاتيح الطلب، ركز برفع اليد: فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وسرعة إدراكه. لا، في أن الجزء يتعلق بشخصية العوامل الشخصية في بناء طالب العلم، تكلمنا أنه الصفات الشخصية في طالب العلم على نوعين، آه، اللي هو ايش سميناه؟ أنه الصفات الشخصية في حياة طالب العلم هناك جزء موروث من الله هبة وهناك جزء كسبي أنت بدك تتعب عليه. هون بتكلم أنه هو شيخ الإسلام هناك جزء كثيرة من شخصيات طالب العلم هي موروثة، يعني ليست كسبية، شيء أودعه الله في شخصيته أنه هو حاد الذكاء، قوي الحافظة، سريع الإدراكه. هناك قلنا هذه الصفات جزء منها مكتسب أنت بتنميه بالرياضيات والفيزياء والقراءة والمشايخ وطلب العلم، وهناك جزء بده يكون بطبيعته ايش فطري من أنت ورثته من آبائك وأجدادك، فشيخ الإسلام باتفاق الجميع هناك حالة غير طبيعية في فطرية من حدة الذكاء وسرعه الحافظة وقوة الإدراك، هذا الجانب أنا ما بلومك إذا ما وصلت له، لأنه جانب خلاص رزق من الله سبحانه وتعالى رزقه لهذا الرجل ليكون آية في زمانه.

ثم قال: ونشأ في تصون تام وعفاف وتأله وتعبد واقتصاد في الملبس والمأكل. أتكلم عن ايش هون وين عوامل النجاح في شخصيته؟ آه، عمر الجانب العبادي، احنا قلنا ما هي الصفات التي ينبغي أن تكون في حياة طالب العلم عبادية شخصية مهارية صح؟ ايش وضع الجانب العبادي عند ابن تيمية وهذا جزء كبير من نجاحه؟ الجانب العبادي في حياته قال نشأ في تصون تام، ايش يعني تصون تام؟ يعني ما عنده رعونة الشباب، علاقات مع النساء ولعب في الجامعه وضياع وقت هنا وهناك ومقاهي، ما عنده، نشأ في حالة من الصيانه، انسان مقبل على الله بكليته، ما عنده من صبوات الشباب ما عند كثير منا، تمام، ما بحضر مسلسلات ولا مباريات ولا أفلام ولا شغال على السوشيال ميديا، ما كانش هيك حياته أكيد، نشأ في تصون تام وعفاف عن المحرمات وتأله وتعبد، يعني هو انسان مخبت لله، قيام ليل أذكار أوراد، هذه ما اياك أن وأنت تقرا سيرة معينة تمر عليها سريعاً أن هذه عوامل نجاح هي جزء من صناعة الشخصية الناجحة، نشأ في تصون عفاف تأله تعبد، أيضاً ايش قال: واقتصاد في الملبس والمأكل، اللي هو عائق الرزق.

ابن تيمية ما كان طامح أنه يصير عنده سيارات حديثة ولا يبني فيلا، لأنه لو كان بفكر في هالأمور كان اشتغل في التجارة لأنه هو عنده طموحات مالية، نشأ مقتصداً في طعامه وشرابه، يعني قنوع راضي بما قسمه الله له، هذا الرضا يجعل قلبك تجتمع على طلب العلم، أما إذا عنده كان طموحات مالية كبيرة كان ذهب اشتغل في التجارة وكذا وفتح مشروع تجاري وانتهى الأمر، وما كان ابن تيمية وإن كان لم يفعل حراماً بذلك، بس في النهاية نجاح مقتصداً في الملبس والمأكل، يعني معتدل، خلص، ما وجد أكل وراضي، لأن هناك شيء يشغل همه وفكره هو العلم، غلب العلم على قلبه وفكره، فبالنسبة له الحياة المادية أمر سهل هين، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، كان يحضر المحافل والمدارس اللي فيها مناظرات بين الفقهاء المراد، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار، وهذا بيرجع بقول لي أنه في جانب فطري في شخصيته ربنا وهب إياه أنه منذ الصغر قادر على المجادله والإفحام والمناظرة، وياتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، يعني العلماء الكبار يتحيرون من جوده ذهن هذا الشاب الصغير، فأفتي له، 19 سنة يعني جلس للافتاء وعمره 19 سنة، بدا يفتي، هذا يدل على نبوغ علمي مبكر وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت.

واكب على الاشتغال، هي العبارة كثيراً ما نجدها في سير العلماء، عبارة ايش: واكب على الاشتغال، ماذا تعني لك هذه العبارة أنت ذينك لما تقرا في سير العلماء فلان واكب على الاشتغال وهذه مش موجودة فقط في سيرة ابن تيمية بل سيرة مختلف العلماء، خلص واكب على الانشغال بالعلم، ماذا تعطيك في داخلك قطع؟ أحسنت، إذا العلم ماذا يحتاج؟ أحسنت، لا مش العمل هون، الجدية.

أيوه، التفاني، إعطاء جميع الوقت، احنا متفقين إذاً ابن تيمية وهذه مش شخص عفواً ليست خصلة فيه وحده، بل في جميع العلماء المبرزين الانقطاع التام للعلم، هكذا يعيش إنسان عالم بحيث ليله ونهاره قراءة، تصنيف، كتابة، يعني إخواني أمور الأسرية محدودة جداً، ما عنده أربع ساعات خمس ساعات مع العائلة يتفرج على التلفزيون وساعتين مع الشباب بده يحكي معهم ومطاعم ونرجع نقول مشارب وخرجات وفسحة وسياحة في إيطاليا وتركيا، ما عنده هذا الكلام، لأنه ما خرج بذلك ابن تيمية، هذا المجهود وهذا الإنتاج العلمي والمعرفي هو ضريبة الانقطاع عن الدنيا والزهد فيها والإنكباب الكامل على العلم، صار العلم حياته وعروقه ودمه وأنفاسه، هكذا ينجح طالب العلم. أنا فقط حتى تعرف كيف نجحوا، أنا بحب التدقيق في مثل ه التفاصيل أن هذه تعطيني عوامل النجاح اللي إذا أنا ما كانت في خلص بدي حجم إنتاجي وأقبل خلص إني ما راح أكون طالب علم متقدم، ما راح أكون عالم، لأنه أنا ما بدير الحياة زي ما بديرها هذا الرجل، هذا الرجل مكب على العلم، شوف عبارة هي بش مكب يعني كأنه يعني نايم فوق الكتب، نايم فوق الكتب، عبطها عبط ليلاً ونهاراً، يقرا، يحلل، يكتب، يلخص، يحفظ، هيك صار عالم، وأقارن أنا، أقارن بحياتي، أنا ماذا أفعل في من نهاري وليلي؟ يعني ماذا أعطي العلم؟ والله ساعة ساعتين، معناته أنا متواضع جداً جداً جداً متواضع، وبالتالي بدي أحترم أنه يكون إنتاجي متواضع وبدي أحترم أنه بكره ما برفع صوتي على ابن تيمية وأحمد والشافعي ومالك؛ لأني بعرف أن هؤلاء الناس انكبوا على العلم.

نحنا مشكلتنا في شباب صغار يقرا له كتابين وبيعطي العلم ساعة ساعتين وغدا تجده يشتم ابن تيمية ولا يشتم ابن القيم ولا يرجح بين الشافعي وأحمد أو يعني يزهد في بعضهم، يا اخي الله يرحم والديك، انظر في حياه هؤلاء واخجل من حياتك، هيك بس مرر شريط حياتك على ذهنك، ماذا تفعل بعد الفجر، بعد العصر، بعد المغرب، بعد العشاء؟ تعرف أين وصل القوم وأين وصلت ولماذا بلغوا وأنت لم تبلغ بعد، فهذا مهم جداً.

ومات والده وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم، هذه قلنا أن الوالد أصلاً كان من أهل العلم، فأورث حب العلم لأبنائه، وهذه لازم يعني أنت دائماً لما تقرا شخصية ضع جميع العوامل، يعني من أسباب انكبابه على الاشتغال ربما أقول إنه كان يرى والده كيف ينشغل بالعلم فورث هذا الحب، صحيح أصبح يحاكي والده وبوفاق والده في النهاية، لكن الأجواء المنزلية كانت مساعدة حتى نتفق، الأجواء المنزلية كانت مساعدة، لأنه والده كما قالوا من كبار الحنابلة، إذاً والده بأيش مشغول في الدار؟ بالكتابة والتصنيف، فالابن ورث الحب من والده مع وجود استعدادات فطرية.

فدرس بعده بوظائفه، يعني بعد ما والده توفاه الله تولى ابن تيمية منصب والده في المدرسة، والده كان يدرس في مدرسة وقفية، مات الأب، الابن اخذ مكان والده في المدرسة، وبالتالي كان ياخذ يعني شيء من الراتب أو الوظيفه، يعني يصرف به على نفسه، وكان عمره إذ ذاك 21 سنة، واشتهر أمره وذاع صيته في العالم، واخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجمعة على كرسي من حفظه، شوف بأيش يشغل الناس؟ يربط الناس بالقران، يربط الناس بالقران، ثقافة استمساك الناس بالوحي كان ابن تيمية حريص عليها جداً، ما يشغلهم بفروع الفروع ولا بكلام المتكلمين، وإنما عوام الناس كان يشغلهم بدرس التفسير وكان يولد المجلس ولا يتلتعم دلالة انطلاق في كلامه، ما عنده أخطاء وكذا، كان يريد الدرس بتؤدة وصوت جهوري فصيح، فيقول في المجلس ازيد من كراسين أو أقل، يعني يستطيع تكلم بحجم كراست يعني نقول 50 صفحة أو 40 صفحة هذا الكراسة القديمة، يتكلم بمقدار 50 صفحة بس من حفظه، يتكلم بها من حفظه، ويكتب على الفتوى في الحال عدة أوصال.

بخط سريع إلى غاية التعليق والإغلاق. كان إذا وردت عليه فتوى يجيبها؛ طبعا بتعرف شيخ الإسلام، مجموع الفتاوى إذا بده يجاوب فتوى 30، 40 صفحة، وكان خطه سريعا، وخط ابن تيمية له ثلاثة خطوط، لكن إذا كتب بسرعة كما وصف الذهبي يكون خطه في غاية التعليق والإغلاق، يعني صعب تفهمه، كيف الدكاترة اليوم؟ مشغول خط دكتور زي خط الأطباء؛ لأنه يكتب سريعا، فلا يكون مهتما بجوده الخط في هذه الحالة.

طيب، قرات بخط شيخنا العلامة كمال الدين علم الشافعية في حق ابن تيمية: كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن. يعني إذا سئل في أصول الفقه بتسمع جواب تقول هذا متخصص في أصول الفقه لا يعرف إلا هذه متبحر، إذا سئل في الفقه تبحر، إذا سئل في العقيدة تبحر، إذا سئل في اللغة قيل هذا إمام في اللغة، إذا سئل في التفسير إمام في التفسير، هذا من شدة إتقانه لمختلف العلوم وحكم بأنه لا يعرف أحد مثله في زمنه، لا يعرف أحد مثله. وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا منه في مذاهبهم أشياء، يعني هو يعلم المالكية أشياء في مذهب المالكية، هو حنبلي، وشيخ الإسلام ما مذهبه؟ حنبلي، لكنه أدرى من المالكية بمذهبهم، وأدرى من الشافعية بمذهبهم، وأدرى من الحنفية بمذهبهم، طبعا هذا في الجملة، الكلام هذا كلام في الجملة، فهو إذا مطلع على المذاهب الأخرى اطلاع يجعل حتى الشافعية يستفيدون من علمه في مذهبه وكذلك سائر المذاهب الأخرى.

طيب، قال: ولا يعرف أنه ناظر أحدا فانقطع معه، فما خسر ولا في مناظرة، في كل مناظراته كان هو الذي ينجح، ولا تكلم في علم من العلوم إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها كما يجب. هي شهادة من الذهبي، طبعا الذهبي ايش مذهبه؟ شافعي ولا حنبلي؟ شافعي، أحسنت. لاحظوا حتى ما يأتي اليوم شخص يتفلسف يقول: ابن تيمية خالف المذاهب الأربعة، أو عفوا أئمة المذاهب الأربعة أهل زمانه شهدوا له بانه مجتهد مطلق، أهل زمانه شهدوا له، بل حتى السيوطي وهو أشعري قال: وممن بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق ابن تيمية. وهو أشعري، شوف إنصاف العلماء حتى وإن اختلفت العقائد لكن في إنصاف، فياتيك شخص اليوم فيقول لك والله مشايخنا في الجامعة يقولون لنا إنه شيخ الإسلام خالف الإجماع، طبعا هو ايش قصدهم بالإجماع؟ المذاهب الأربعة، هذا دائما اليوم يوجوها حتى في الأسف في جامعاتنا في بلادنا ليظهر لك ابن تيمية الشخص الشاذ الذي يخالف المذاهب المتبوعة وأنه لا، لا يا أخي الله يرضى عنك أهل زمانه شهدوا له بأنه اجتمعت فيه مراتب الاجتهاد، ولا يمكن أن يقول قولا لم يسبقه فيه أحد، لكنه يأخذ من أقوال غير المذاهب الأربعة، فيأخذ من قول الأوزاعي ومن قول سفيان ومن قول إسحاق ومن قول الليث، يعني أيضا ينظر في المذاهب المندرسة وتون، يعني هو ليس مقلدا في معرفة هذا الحديث صحيح ولا ضعيف، هو نفسه يستطيع أن يحكم بنفسه لمعرفته بطبقات الرجال وعلماء والجرح والتعديل وبصحيح والسقيم مع حفظه لمتون الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يقاربه، وهو عجب في استحضاره واستخراج الحجج منه، واليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، يعني يعرف الاحاديث ومن أين أتت، وهذا في أبي داود، هذا عند الناس سائ، هذا عند ابن خزيمة، هذا عند كذا، يعرف هذا تماما بحيث يصدق عليه أنه يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث.

يعني وصل من موسوعته في الاطلاع على كتب السنة الحديث اللي إذا سمعه ابن تيمية فقال: لا أعرفه، اعرف أنه الحديث في علامات استفهم، أي حديث إذا عرض على ابن تيمية فقال: لا يعرف أو لا أعرفه، اعرف أنه في مشكلة؛ لأن الرجل هضم الأحاديث المقبولة والمعروفة تماما، لكن شوف هنا بيعجبني الذهبي قال: ولكن الإحاطة لله. شو يعني ايش تقول الذهبي؟ لا، لا، هنا في الحديث قال: كان يقال في زمنه كل حديث لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث، ولكن الإحاطة لله. هنا يعلمنا الذهبي الإنصاف، أنه مع محبتنا واجلالنا لابن تيمية لكن ما في داعي للمبالغة، يعني هو بده يقول لك هاي العبارة هي تقال على سبيل المبالغة في مدحه، لكن هل هي 100%؟ هل فعلا كل حديث لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث؟ لا طبعا، الذي يحيط بالعلم هو الله سبحانه، هل ابن تيمية احاط بكل العلوم؟ كلا؛ لأنه أحيانا محبة الإنسان لعالم يجعل يطفي عليه حالة من الكمال الوهمي الغير صحيح أنه لا ينام الليل ويستيقظ طول النهار، كيف لا ينام الليل؟ ما هو هذا بشر، بعد سنتين ثلاث بيذبل، فأحيانا احنا شوي بالببالغ في مشايخنا لأننا نحبهم، لذلك الذهبي ميزته الاعتدال، شيخي على الراس والعين، لكن أن نقول فعلا فعلا كل حديث لا يعرف ابن تيمية ليس بحديث هذه مبالغة مفهومة السياق، لكنها ليست على المعنى الحقيقي، قال: غير أنه يغترف فيه من بحر، لكن الإحاطة لله، غير أنه يغترف من بحر، يعني أنا بقول لك ابن تيمية لا يعني لم يستوعب كل كل الأحاديث، لكن ما أقوله لك أنه يغترف من بحر، فهو عالم عقله واسع جدا واطلاعه عال جدا، وغيره من الأئمة يغترف من السواقي، يعني غيره إذا اخذوا الأحاديث أو نظروا نظروا في الجداول، أما ابن تيمية بيرجع للأصول فهو يضبطها ويستظل.

قال: وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضاره الآيات من القرآن قوة عجيبة، يعني قادر على استحضار الآيات التي تدل على مراده، قوة في الاستدلال، وإذا رآه المقرئ تحير فيه، ولفورط إمامته في التفسير وعظمة اطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين، يعني هو قادر أن يرجح أيضا ليس في الفقه بل حتى في التفسير، قادر أن يرجح فيه، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين، يعني أصول الفقه أو أصول الدين أو من الرد على الفلاسفة أو الأوائل نحوا من أربعة كراريس أو أزيد، يعني كل يوم بيكتب أربعة كراريس أو أزيد، يعني إذا بنقول الكراس 15 صفحة 20، طبعا الكراس إخواني قديما ليس مثل الكراس المعاصر، الكراس القديم يعني هو يقولون 16 إلى 20 ورقة فقط، فلما نقول أربعة كراريس يعني بنحكي كم؟ يعني 80 صفحة، حتى ما واحد يفكر كراسي يعني 100 صفحة الواحدة لا، إنما هو المراد أنه يكتب كل يوم، كل يوم 80 صفحة، يعني أنت متخيل يا سيدي في السنة كم كراسة كتب؟ إذا كل يوم 80 صفحة في السنة كم كراسة السنة الواحدة؟ نعم، لا يا شيخ أنت الري 365 إذا كل يوم بكتب 80 كم؟ 29000 في السنة الواحدة.

طبعا أنت الآن هذا كلام جمله، يعني لما نقول يكتب في اليوم والليلة هسه أكيد بتيجي أيام بتعب كان تيجي أيام وهو مسافر بين مصر للشام خاصة مع الاشكاليات الإشكالات التي حصلت له لما حبس، فلما نقول هذا كلام باعتبار المتوسط يعني الحال العام، لكن أكيد ليس يوميا يوميا؛ لأن الإنسان بشر ويعتريه ما يعتري غيره. وما أبعد أن تصانيفه تصل إلى أكثر من 500 مجلد، بالتاكيد إذا أنت خلال 20 سنة أو 30 40 سنة كل يوم تكتب بمعدل أربعة كراريس، إذا شيء طبيعي أن تصل مصنفاته إلى 500 وبعضها مفقود، هاي ال500 مجلد ليس كلها موجود بعضها فقد. وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد، كمسألة التحليل كتب فيها مصنفا كاملا ومسألة سب الرسول فمصنف، ايش الصارم المسلول هذا كتاب معروف لشيخ الإسلام عليه الصلاه والسلام، مسألة اقتضاء الصراط المستقيم في ذم البدع هذا الكتاب الذي نقراه يوم الاثنين، وله مصنف في الرد على ابن المطهر الرافضي اللي هو كتاب منهاج السنة، ومصنف في الرد على تأسيس التقديس للرازي وهو كتاب ايش بيان تلبيس الجهمية، احسنتم، وكتاب في الرد على المناطقة، وكتاب في الموافقة بين المعقول والمنقول اللي هو ايش معروف درء تعارض العقل والنقل. وقد جمع اصحابه من فتاويه نحو من ست مجلدات اللي هو مجموع الفتاوى أو مجموع الرسائل كذلك، وله باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، وقل أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الأئمة الأربعة، دلالة على اطلاع واسع على المذاهب الأربعة.

ولما كان معتقلا بالإسكندرية التمس منه صاحب سبته أن يجيزه في مروياته وينص على أسماء جملة منها، فكتب له في عشر ورقات جملة من أسانيدي إلى في كتب الستة وغيرها من المصنفات التي له فيها الأسانيد، كتب الأسانيد من حفظه؛ لأنه كان معتقل في السجن ما هيش كتبه، فلما طلب منه صاحب هذه المدينة صاحب سبته قال له: أجزني في مروياتي فآجازه، وكتب له أسانيده في عشر ورقات، فكتب في عشر ورقات جملة من ذلك بأسانيد من حفظه، بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر محدث يكون، يعني يريد أن يقول مش سهلة أن تكون حافظ إسناد في البخاري من عندك للبخاري، وإسناد في مسلم، وإسناد في السنن، أن تكون تحفظ حدثني فلان عن فلان عن فلان عن فلان، هذا كله يرويه من حفظه، وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معين، يعني أنه بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، فهو وإن كان حنبليا في الأصل لكنه ليس ملتزما بالمذهب في فتواه، فهو يفتي ولا يلتزم بمذهب معين، واضح الذهبي، بل بما قام الدليل عليه عنده، ولقد نصر السنة المحضة والطريقه السلفية واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والاخرون وهاب، هو يعترف الذهبي ابن تيمية بيتكلم بكلام يخاف منه، له اطلاقات في علم المنطق وفي الفلسفة وفي الأمور العقلية والفكرية، له مذهب الخاص وعقليته الخاصة مما يدل على أن عقله فاق أهل زمانه، يقول: هو يتكلم بكلام كبير وبدعوى اللي كانوا قضاة في ذلك الزمان، وبدعوى.

لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحق المر الذي أداه إليه اجتهاده وحده ذهنه وسعة دائرته في السنن والأقوال، مع ما اشتهر منه من الورع وكمال الفكر وسرعة الإدراك والخوف من الله والتعظيم لحرمات الله، فترى بينه وبينهم بيعرفوا حياة ابن تيمية أغلبها كانت سجون ومناوشات، فترى بينه وبينهم أي بين خصومه من الأشايرة حملات حربية ووقعات شامية ومصرية، يعني طبعا هاي هذه مش حرب باليد، هذه حرب بالمناظرات سواء في الشام كان هناك مناظرات وفي مصر كان هناك مناظرات، وكون من نوبة قد رموه عن قوس واحدة فينجيه الله سبحانه، فانه دائم الابتهال شوف الحالة العبادية عنصر مستمر في حياة شيخ الإسلام فإنه كان دائم الابتهال كثير الاستغاثة قوي التوكل على الله ثابت الجاش له أوراق وأذكار شوف عناصر النجاح يوميا له وظائف من الأوراد الاستغفار صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، هاي الأوراد لازم تكون في حياة طالب العلم، والمشكله أنه ياتيك بعد ذلك جاهل فيقول لك: إذا وضعت أورادا فأنت مبتدع لأنك خصصت، وهذا هذا إخواني ما يعرف عند السلف وليس له علاقة بالابتداع وإنما من صنيع بعض المعاصرين الذين لم يعرفوا منهج السلف أبدا في موضوع البدعة والسنة، أن تضع لنفسك أورادا يومية بارقام والله 100 استغفار 100 صلاة على النبي عليه الصلاة والسلام هذا ليس من البدع في شيء، وإنما يبدعه بعض المعاصرين الذين قل نصيبهم من الذكر، وإلا الإنسان ما عندك أوراد وتراتيب كيف يقوى قلبك؟

شيخ الإسلام كان يضع الاستغفار عدد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عدد وكان كثيرا ما يقول: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك استغيث أصلح لي شاني كله، يقولها بعد كل فجر 40 مرة وما حد بدع في هذه الأرقام، أهم شيء أنك لا تنسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي أرقام فقط من باب الترتيب، يعني خلص كل يوم عندي 100 استغفار أنا لا أعتقد أن الرقم 100 له فضيلة، يعني ممكن أخليها 10 وما عنديش مشكلة، بس الفكرة أنني أريد أن أنظم أموري، فقضية ترتيب الأوراد على شكل أرقام هذا منهج العلماء عموما، ما في أحد لا يفعل ذلك من علماء السلف ولا من علماء الذين نعرفهم من الاقدمين، وإنما التبديع في ذلك آفة معاصرة لا معنى لها، آفة معاصرة لا معنى لها ولا يوجد إلا ممن قل باعه وعلمه واطلاعه، وأما العلماء الكبار المحققين لا يعرفون أبدا من علماء السنة التبديع في مثل هذا بشيء.

ولذلك كثير من الطلاب حرم نفسه من الخير بسبب اعتقادي اعتقاد هؤلاء، يقول لك: أنا لا أضع أرقام لأورادي، طيب ماذا تفعل؟ خلص يعني بقول لك مشاي طر مع الوقت رح تترك، ليه؟ لأن أنت مش منسق مش مرتب الأمور، يلا يوم خمسة، يوم عشرة، لما تكون الأمور غير منظمة مبعثرة ترى مع الوقت بتفتر؛ لأن أنت ما أنت عامل جدول وبرنامج، والعلماء كلهم كانوا يسيرون على طريقة، بديش أقول كلهم حتى ما حد ياخذها علي يقول لي أنت أحصيت، لكن كثير من العلماء الذين نظرنا في سيرهم كان لهم برامج في الأوراد، هكذا تضبط الأمور وتزداد الهمة، وكثير من الشباب كان عنده ورد في الذكر يقول لأجاءه شخص فقال له: يا اخي لا تضع رقما للورد، قال: فظننت أن كلامه الصحيح، قال: فضيع علي وردي، قال: الآن لا أذكر ما أعتاد، أذكر الهمة تضعف.

قال وله من الطرف الآخر محبُّون من العلماء والصلحاء، يعني كما له خصوم له محبُّون، وله محبُّون أيضاً من الجُند والأمراء، ومن التُّجار والكبراء، وسائر العامّة تحبُّه. إذاً الرجل استطاع يكسب العامّة لأنه صادق فيما نحسبه والله حسيبه، ويعلم الناس ما ينفعهم ولا يتكبر عليهم ولا يستعلي. قال، شوف شوف لماذا يحبه العامّة وسائر العامّة تحبه، لأنه منتصب لنفع ليلاً ونهاراً.

يعني سخر حياته لخدمة مجتمعه، وهذا نموذج طالب العلم الناجح، مش طالب العلم الناجح إخواني اللي بيصير دكتور في الجامعة وبيصير فقط حياته في الجامعات موظف، طبعا وين وينك في حياتك العامة؟ وينك في المساجد والمراكز وما شابه ذلك؟ إياكم من ذلك النموذج اللي أنا بعتبره نموذج سيء حقيقة وليس نموذجاً يحتذى به، وهو الذي يكون هدفه فقط أن يحصل شهادة جامعية ويصير موظف يأخذ راتب بالشريعة. أخي ماشي، صير موظف وخذ راتب في الجامعة، لكن وينك في حياة المجتمع؟ وين أثرك في وين واقعك؟ وينك في المساجد والمحافل والأماكن العامة مربياً موجهاً ناصحاً؟ هكذا تنهض الأمة، أما مجرد أنت موظف في جامع هذا قدره كذا، أنت موظف، لكن الذي وظف حياته للأمة هو الذي يححبه العامّة وهو الذي يغير التاريخ ويصنع للناس شيئاً.

إذاً، وسائر العامّة تحبه لأنه منتصب لنفع ليلاً ونهارةً. قال: وأما شجاعته فبها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال. كان مجاهداً في سبيل الله، شوف كيف العمل العمل بالعلم، فلقد أقامة الله في نوبة غازان في أثناء هذا أحد أمراء التتار، وابن تيمية رحمه الله عليه كان يذهب إلى زعماء التتار ويدخل إلى خيامهم ليستخلص منهم أُسارى المسلمين، وقاد غزوة أو معركة شقحب ضد التتار وجاهد في سبيل الله. وخرج واجتمع بالملك مرتين، يعني ملك التتار، وبقوبلاي وهذا أحد زعمائهم، وهو قُتْلُقْ وهو أحد الزعماء وهو من المغول، كان يتعجب من إقدام شيخ الإسلام وجرأته على المغول. هذا أحد المغول وزعمائه كان يتعجب أنه كيف بیدخل على الخيمة؟ أنتم لما تشوفوا صورة التتار والمغول خاصة لما يرسوها لكم، يعني جماعة همج، ومع ذلك أنت لما تدخل خيمة الزعيم ما بتعرف تطلع عايش ولا لا؟ يعني هؤلاء مجموعة من الهمج، لكن سبحان الله كان الله عز وجل أعطاه جرأة في ذلك.

قال: وله حِدّة قوية تعتريه في البحث، يعني هو رجل بطبيعته حاد الشخصية، وبالتالي سنتفق بعض، أو لماذا أكثر من الجدال والمناظرة وهذه سيذكرها الذهبي أكثر من مرة، أن وجهة نظر الذهبي وهذا من إنصافه أن ابن تيمية كان حاداً حب زيادة. هذا تقييم الذهبي أن هو يقول، يعني لو خفف شوي من حدته كان أفضل له، وكان خلص من بعض المشاكل، لكن خلص كل انسان يعني في النهاية. وأنا أحب أن أقرأ هذا حتى تعرف أنه ما في كمال إخواني، ما في كمال. نعم فعلا، ممكن يكون ابن تيمية حاد زيادة ووظف هذه الحَدّة في خدمة دين الله سبحانه وتعالى، لو قلل منها شوي كان ممكن انتفع، كان ممكن. وهل أنت تعتقد فيه العصمة؟ هل تعتقد فيه الكمال؟ الكمال في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، أما العلماء على ما لهم من القدر الرفيع. أتقبل أن أسمع شيء، والله مثلاً كان عنده حَدّة زائدة لو خفف منها لكان أفضل أو شيء من ذلك؟ وأسمع هذا الكلام وأقول رحمه الله، على الأقل أنه استعمل حَدّته في ماذا؟ مش في المشاكل مع الناس، وإنما في نصرة دين الله سبحانه وتعالى، ولو خففها كان أفضل على رأي الذهبي.

قال: وهو أكبر من، شوف شوف عبارات الذهبي، الذهبي كيف بوازن في كلامه؟ يقول: وهو أكبر من أن ينبه مثلي على نعوته، يعني ابن تيمية أجل من أن واحد مثلي يتكلم عن فضائله وعلمه، رجل كبير جداً. فلو حلفت بين الركن والمقام، يعني لو حلفت عند الكعبة، لحلف أني ما رأيت بعيني مثله، ولا هو رأى مثل نفسه، يعني حلف أنه هو ما شاف حدا بشبهه. وفيه ال، شوف شو قال بعد أن مدح، شو بيمدح؟ بيمدح بعدين بيرجع ببين بس عنده كذا وكذا. قال: وفيه قلة مداراة وعدم تؤدّة غالباً، والله يغفر له. شوف شوف الآن، بعد ما قال لك هو لم يرى مثل نفسه في العلم والإحاطة، يعني ما حدا يستطيع يتكلم عن علميته وعقليته الجبارة، بس ايش مؤخذات الذهبي وهو تلميذه؟ ايش يقول؟ قال: شيخي ما بيعرفش يداري، كان خلص، يعني إذا طب مع واحد في مناظرة بيكسر، يعني بيسمع كلام قاسي، وهي عملت له مشاكل، حبس أكثر من مرة لأنه ما بيعرف يداري. ولو دار شوي كان خلص من بعض خصومه، خاصة يعني جماعة النظام في ذاك الزمان، لو دار شوي كان خفف على حاله بعض الإشكالات، لكن فيه قلة مداراة، ما بيعرف يداري. طبعا بعض الناس ممكن يعتبر هذه ممدحة، لكن هي القضية بدها توازن عموماً في الحياة.

قال: وعدم تؤدّة غالباً، والله يغفر له، يعني الله يسامحه، كان أحياناً بيستعجل. المراد عدم التؤدّة في ماذا؟ يعني بيحمِل حاله في أماكن فيها إشكالات ومناظرات، وعمي هذا سلطان وهذول جماعته، يا عمي خلص دعك من مناظرته، لا، بيروح بيحمِل حاله. فالذهبي وجهة نظره أن شيخ الإسلام كان يستعجل فيقحم نفسه في مناظرات لو سكت عنها لكان أفضل أو لخفّ من سجنه أو الإشكالات الأمنية التي تعرض له. يعني هذا من هي وجهة نظر الذهبي، يقيم أنه كان الأفضل أنه اجتنبها وما كان في داعي أنه يقحم نفسه في كل هذه المناظرات التي سببت له المشاكل.

قال: وهو فقير لا مال له. شوف الصبر على الحياة، وهذه من عوامل النجاح، هو فقير لا مال له، وملبوسه كأحد الفقهاء فرجية ودلق وعمامة تكون قيمة 30 درهماً، ومداس ضعيف الثمن، مداس يعني مثل حذاء في القدم ضعيف الثمن، وشيء وعمامة توضع على رأسه وينتهي الأمر. وشعره مقصوص، يعني ما كان يطول شعره، كان شعره مقصوص مثل عمتكم، وعليه مهابة وشيبة يسير لحيته مستديرة، لونه أبيض حنطي اللون، وهو ربع القامة، يعني متوسط الطول بعيد ما بين المنكبين، كان عينيه لسانان ناطق، يعني عينيه إذا نظرت إليهما كانهما ينطقان قبل لسانه. ويصلي بالناس صلاة لا يكون أطول من ركوعها وسجودها، كان يطيل الركوع والسجود إذا أمّ الناس.

طيب، ولما صنف المسألة الحموية، هذه عقيدة الحموية لشيخ الإسلام في سنة 98، تحزبوا له، وآل بهم الأمر إلى أن طافوا به على قَضَبٍ من جهة القاضي الحنفي، ونودي عليه بألا يستفتى. شوف البلاء الآن، لما ألف العقيدة الحموية نصرة لعقيدة أهل السنة والجماعة، نادى عليه الأشاعرة، طبعا الأشاعرة هم كانوا أسياد الزمان في ذاك الوقت، وكان الإفتاء والدولة والنظام في يدهم، فنادوا أن يمنع ابن تيميه من أن يفتي الناس في الأماكن العامة. أصبحوا ينادون بمنع الرجل من الإفتاء.

فلما كان في سنة خمس وسبعمائة، جاء الأمر من مصر بأن يسأل عن معتقده الخليفه المصري، تمام؟ بعث مبعوثاً عن، طبعا هذا كله من وشاية المشايخ الأشاعره في مصر، جاء مبعوث من السلطان بأن يسأل عن عقيدة ابن تيمية، فجمع له القضاة والعلماء بمجلس نائب دمشق الأفرم. إذاً، حاكم مصر بعث رسالة لمسؤول دمشق: اجمع لي في قصرك الأمراء والقضاه، عفواً، والعلماء، خليهم يناظروا ابن تيمية في عقيدته بمجلس نائب دمشق. فقال: أنا كنت قد سئلت عن معتقد السنة، فاجبت عنه في جزء من سنين، وطلبه من داره فأحضره وقراه، فنازعوه في موضعين أو ثلاثة منه، وطال المجلس. الآن صار في مناظره في مجلس أمير دمشق، واجتمع ابن تيمية بخصومه مرتين أيضاً لتتمة الجزء. قيل: هذا الجزء والعقيدة الواسطية قراه في حضرتهم، ونازع في بعض المواضع منها، وحققوه، ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد، وبعضهم قال ذلك كُرهاً.

ابن تيمية في هذا النقاش الأولي الظاهر كانت طبيعة الصياغة للعقيدة صياغة عامة موافقة لظاهر الكتاب والسنة. الآن اللي مش عارف فين ايش مقصد ابن تيمية وافقوا، قالوا: آه والله، عقيدتك عقيدة السلف. لكن كثير من الأشاعرة الذين يعرفون معنى كلام ابن تيمية وافقوا أنها عقيدة السلف كُرهاً أمام السلطان. لماذا؟ هل كان السلطان يميل إلى رأي ابن تيمية ولا لأن كلام ابن تيمية هو أصلاً فطري طبيعي؟ هي عقيدة الأمراء والأجانب، يعني كلام عقيدة السلف عقيدة فطرية، هي عقيدة الكتاب والسنة، فالأمراء والأجانب كانوا يميلون لعقيدتهم، ليه؟ لأنه كلام سهل وواضح، فليس فيها إشكال، فكان يصعب حتى على مفتي الأشاعرة أن يظهروا كرههم ابتداء لعقيدة السلف.

ولما أودعوه السجن، أودعوه رغماً عن السلطان ولا السلطان ما كان داري، وسيأتي معنا ذلك ماذا حصل في مصر وكيف أن السلطان أخرجه بيده من السجن وأعاده وقال له: إذا تريد افعل بخصومك ما تريد، أنا جاهز. لأنه عرف السلطان أن العلماء الذين كانوا حوله من الأشاعرة هم الذين غرّوه ليطيح بابن تيمية، وإلا فالرجل عقيدته فاضلة.

طيب، وكان المصريون، يعني علماء مصر، قد سعوا في أمر الشيخ، بظلهم يكيدوا عند الحاكم حتى يسجن ابن تيمية. وملأ الأمير ركن الدين الشاشنكير الذي تسلطن، وهو حاكم مصر، ملؤوا قلبه على ابن تيمية، فطلب إلى مصر على البريد. راح الحاكم من كثر ما تعبى قلبه، صوروا له أن ابن تيمية شيطان وأنه يفسد عقائد الناس. مباشرة حاكم مصر يا عمي قال: ما بينفع هذا الرجل، يتناظر في دمشق، جِيءَ إلى مصر حتى نتفاهم معه ونعرف ايش أشكاله.

فطلب إلى مصر على البريد، يعني البريد اللي هو هذا الذي ينتقل بين الدول ويقوم بإيصال الرسائل. فثاني يوم دخوله اجتمع له القضاة، فعلاً جلبوه إلى مصر، وعقد له مجلس مناظرة في حضرة الأمير، وانتصب ابن عدلان له خصماً، وادعى عليه عند القاضي ابن مخلوف المالكي أن هذا يقول إن الله تكلم بالقران بحرف وصوت. ايش مشكلتهم كانت؟ أن ابن تيمية شو بقول؟ أن الله تكلم بالقران بصوت وحرف. هذه مشكلة الأشاعرة مع ابن تيمية. وانه يقول: أن الله على العرش استوى بذاته، شوف شو مشاكلهم. وأن الله يشار إليه بالإشارة الحسية، يعني أن الله فوق السماء، يجوز أن تقول أين الله فتشير إلى السماء. هذا ما كان عاجب الأشاعرة في ذلك الوقت.

وقال بعد أن، هي لائحة الاتهامات، شو لائحة الاتهامات لابن تيمية؟ تقول: أن الله على العرش استوى، أن الله تكلم بالقران بصوت وحرف، وأن الله يشار إليه أنه في السماء. هي لائحة الاتهام. ثم قال: وأطلب يا ابن مخلوف، الآن ابن عدلان هو المدعي بسمو الادعاء العام اليوم، والقاضي هو ابن مخلوف وكلهم طبعا من بعض من نفس الجماعة كلهم أشاعرة، فابن عدلان رفع لائحة الاتهام للقاضي ابن مخلوف وقال: أطلب إنزال العقوبة بابن تيمية. فابن مخلوف الآن، القاضي ابن مخلوف قال لابن تيمية: ما تقول يا فقيه؟ يلا يا شوف تكلم دافع عن نفسك. فبدأ ابن تيمية فحمد الله وأثنى عليه، فقال له ابن مخلوف: أسرع ما حضرت لتخطب عندي؟ شوف كيف بكلموه بجه. ابن تيمية بدأ يجيب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ما خلاه يكمل الحمد لله والصلاة، قاله: يلا يلا بسرعة بسرعة، أنا مش جايبك تخطب، مباشرة ادخل في الموضوع. فابن تيمية ماذا قال؟ قال: أمنع من الثناء على الله؟ يا أخي حكيت الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، تمنعونا نثني على الله؟ فقال القاضي: أجب فقد حمدت الله، خلص، يعني خلصنا. شوف هو واضح أن القاضي والادعاء العام هو أصلاً واقف ضده ابتداء.

فسكت ابن تيمية بطل يتكلم، فألح عليه، قاله: أجب تكلم. قال ابن تيمية: فمن الحاكم في؟ قال: مين القاضي أصلاً؟ فأشار إلى القاضي ابن مخلوف فقال: أنت القاضي الذي ستقضي و، عارف، هو الله أعلم، بس هو يريد أن يقول: أنت القاضي، أنت خصمي وقاضي في نفس الوقت ما ينفع، واضح أنك متحامل علي، أنت مانعني أصلي وأسلم على النبي عليه الصلاة والسلام. فقال له: أنت خصمي فكيف تحكم فيّ؟ يعني أنت أصلاً واقف ضدي، هل يجوز أن يكون القاضي مائل لأحد الأطراف؟ هذه فيها جور وغضب، وانزعج وأسكت القاضي. القاضي أُفحم، يعني واضح أنك متحامل على الرجل من البداية.

فأقيم شيخ مع أخويه، خلص، انفض المجلس مباشرة، أقيم الشيخ مع أخويه لأنه أخويه كانوا من طلاب العلم وكانوا يخدمونه، وسجنوا بالجب بقلعة الجبل، سجن في بئر في قلعة في جبل في مصر. وجرت أمور طويلة، وكتب إلى الشام كتاب سلطاني بالخطوط، وتوفي في مصر، وكتبوا إلى الشام أن هذا الرجل لا يذكر اسمه في الشام ولا يجوز أن يفتى بفتواه ولا بآرائه، حذروا منه.

شوف الحالة النفسية اللي بيمر فيها شيخ الإسلام، ثم بقي سنة ونصف في هذا السجن وأخرج، وكتب لهم ألفاظاً اقترحو عليها، وهُدِّد وتوعد بالقتل إن لم يكتبها. هذا إخواني نحن نخاف منه دائماً في الفتن العقدية، أحياناً أنك ما توقع مع الشيخ أحسن لك، خالفك في العقيدة، لأنه اللي خالفك في العقيدة أحياناً ما بيرحمك، وقد تجد سلطان ظالم يرحمك أكثر من شخص خالفك في العقيدة. أنتم متخيلين وين تصل الأمور؟ وهذ اللي نحن نخاف منه من فتن التكفير وإشاعة هذه الروح في الأمة، لأنه إذا الشباب شُحِنُوا شُحْناً بتكفير الجماعات والطوائف وعلى كلا الطائفتين، يعني هذا كلام أوجهه لكلا.

شحن الأشاعرة بتكفير أهل الحديث بأعيانهم، وشحن أهل الحديث بتكفير الأشاعرة، هذا -أخواني- سيسبب دماء، وهذا حصل في التاريخ. يعني تخيل ابن تيمية يقال له: إن لم ترجع عن عقيدتك أن الله على العرش استوى ستقتل، وإن لم ترجع عن عقيدة أن الله فوق السماء ستقتل. شوف الآن شو لائحة الاتهام الموجهة له، واضطر ابن تيمية هنا اضطر أن يكتب كلاماً عاماً، قالوا: ويحذف بعض العبارات من باب إيش؟ محافظة على روحه وحياته.

طبعا هو لم يقل كلاماً يرضيهم بالحظ، لكن اضطر أن يغير، فيكتب كلاماً عاماً، قالوا من باب أنه لا يقتل، وهذا جائز؛ لأنه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. الجماعة بدهم يقتلوا، ما عاد فيها؛ لذلك ايش قال هنا الذهبي؟ وكتب لهم ألفاظاً اقترحوه عليه، قالوا له: غير بعض الألفاظ في عقيدتك، واستعمل ألفاظاً عامة، لا تكتب أن الله يتكلم بصوت وحرف، خلص مثلاً يقبلون أن تقول أن الله... إن القرآن كلام الله، الأشاعرة بيقبلوا هذا، بيقبلوا ليه؟ لأنهم لما يقولون: القرآن كلام الله يقصدون الكلام النفسي، لكن ابن تيمية لا، هو يقول: يتكلم بصوت وحرف.

قالوا: شيل لنا الصوت والحرف، هيك، وقل: إن القرآن كلام الله. وجعلوه يغير بعض العبارات لتصبح مطاطة، قالوا: هذا يرضينا، وإذا لم تفعل قتلناك. هذه محنة طالب العلم التي تحتاج إلى ثبات، فأقام بمصر -الآن أخرجوه من السجن- أقام بمصر يقرئ العلم، ويجتمع خلق عنده إلى أن رجع. طب ابن تيمية بيعرفش إيش؟ هذا رجع تكلم في أصحاب العقيدة الاتحادية؛ جماعة ابن عربي الذين يقولون إن الله اتحد بالكون، هؤلاء غلاة الصوفية، فتحزبت عليه الصوفية، وسعوا فيه، وأنه يتكلم في صفوة الأولياء ابن عربي، فعمل له محفل جديد، ثم أخرجوه على البريد، ثم ردوه على مرحلة من مصر، ورأوا مصلحتهم في اعتقاله، فسجنوه في حبس القاضي برضه كمان سنة ونصف ثانيات، اعتقل بسبب مسألة أنه يبدع العقيدة الاتحادية ويراها كفراً.

لكن طبيعة السجون قديماً هذا سجن القاضي كان يمكن أن يجتمع بأصحابه فيه، يعني سجن شوي مخفف، فكان يدخل عليه أصحابه كما يقول الذهبي: يدخلون عليه في السر. ثم تظاهر وتعاون الصوفية فأخرجت الدولة على البريد إلى الإسكندرية، وكان مسجوناً في القاهرة، فكان طلابه يدخلون عليه السجن يتعلمون منه. قالوا: يا عمي بدنا نحرمه من طلابه، سفر لنا إياه على الإسكندرية، وجعلوه يسجنوه في الإسكندرية، وحبس في برج عال فيها، وأشاع أهل الإسكندرية أو الأمراء والاجناب هناك أنه قتل، خلص حتى الناس تنسى الأمر، خلص الزلمه مات مات، وأشاعوا أنه غرق في البحر في بحر الإسكندرية، حاولوا يخرجوا الإشاعات حتى الناس تنسى قضية ابن تيمية.

فلما عاد السلطان -سلطان مصر كان ذاهباً لغزوة في الكرك أو شيء هناك لمصلحة معينة الله أعلم- فلما عاد السلطان من الكرك، وعرف أن الرجل ابن تيمية ظلم، قال لكم: السلطان يعني مش كتير كانت فارقة عنده بجوز بعض التفاصيل، وشعر أنه يعني أنتم يا قضاه أنا حاطكم، أنتم متحاملين على الرجل، يعني الرجل مش عامل الكلام الذي يقتضي أنه يحبس، ومن القاهرة للإسكندرية وفي البرج وبدكم تقتلوه؟

وشعر -وهذه طبعا من تهيئة الله- في النهاية عليك أن تنظر إلى قدر الله النافذ كيف أن الله جعل السلطان يرحم ابن تيمية، ويرى أنه مظلوم، وأن عقيدته صواب. قال: فلما عاد السلطان من الكرك أبّاد، أعزل كل مخالفي ابن تيمية من مناصبهم، وامر باستحضار الشيخ إلى القاهرة مكرمًا معززاً. قال: جيبوا لي إياه من الإسكندرية معززاً ومكرماً. واجتمع به، وحادثه، وصار بحضرة القضاة والكبار، جلسوا بجانبه، وصار يحكي مع ابن تيمية، والقضاة الأشاعره عم ينظرون من حوله.

طبعا هذا ملأ قلوبهم غيظاً أكثر، ولم يكن الشيخ من رجال الدولة، بس يعني ابن تيمية لو أراد أن يزبط السلطان كان ضبطه، ما هو خلص السلطان الآن معي، لقال له: أنا بدي تحطني قاضي قضاه، وبدي تشوف أورج إيش أعمل في الجماعة هذول. لا، الشيخ لم يكن من رجال الدولة، مش إنسان يطلب منصب ولا جاه ولا شيء، وهذه عنصر قوة في شخصيته، ولا يسلكون معهم تلك النواميس، يعني على طريقة علماء البلاط، العلماء الذين يتزلفون للسلاطين.

فلم يعد السلطان يجتمع به، يعني قال له: خلص يا سلطان جزاك الله خيراً، بارك الله فيك، طلعتني، خلص خليني أرجع لحياتي الطبيعية، ما بدي أصح من جلسائك. فلما قدم السلطان لكشف العدو عن منطقة ما، جاء الشيخ إلى دمشق، يعني خلص السلطان سمح للشيخ أن يعود إلى دمشق. طبعا في هناك رسائل ابن تيمية من السجن كان يكتبها لأمه، اقرأوها، رسائل ابن تيمية من السجن، يعني مع كل هذا لم ينسَ الرجل أمه، وكان يخبرها أنني فقط ثباتاً لدين الله وحرصاً على العقيدة، أنا مسجون هنا، وإن شاء الله أول ما تنكشف الكربة أعود. شوف بر الوالدين، الأخلاق الاجتماعية في حياته.

المهم ثم جرت له أمور ومحن من ارتفاع وانخفاض، وفتر سوقه. شوف العبارة: وفتر سوقه، يعني من كثرة الفتن التي وقعت له، أصبح الناس يتخوفون من استفتاء الرجل، شوهت سمعته، الرجل حُذِّر منه، فأصبح في فترة من حياته فتر سوقه، إيش يعني؟ ما عاد الناس تجتمع إليه كما كان الأمر في بادئ الأمر، بسبب كثرة الأراجيف والمعلومات المغلوطة والتشويهات التي تعرض لها في فكره. طيب الحمد لله أنه ما كانش يقال إنه وهابي، ولو كان يقال إنه وهابي كان زمان راح وانمحى، الحمد لله رب العالمين.

ودخل في مسائل كبار، اه شوف هنا ابن، شوف الذهبي كيف يعود يقيم الأمور: أن ابن تيمية اقتحم مسائل كباراً لا تحتملها عقول أبناء زمانه. إذاً هو يقول: ابن تيمية كان بيتكلم بكلام كبير، حتى قضية الخروج عن المذاهب الأربعة هي كانت كبيرة؛ لأنه في زمنه التعصب للمذاهب الأربعة بلغ مبلغاً عالياً جداً، فالناس ما كانت تطيق أن يجي شخص تجتمع فيه أدوات الاجتهاد ويخرج في بعض المسائل عن المذاهب، أو أن يرجح هذه القضية.

كانت، يعني هو الذهبي يرى أن ابن تيمية بيستاهل هذا، بس إيش القضية؟ كانت استيعاب طلاب العلم والعلماء في ذلك الفترة كان على تعصب ومحدود. أنت يا ابن تيمية أجت لهم بعقلية أعلى من عقولهم فما استحملوها، خرجت على عقيدتهم الأشعرية التي كانت هي الحاكمة، وخرجت على قضية اتباع المذاهب الأربعة وعدم الخروج عنها، هذا الحكي أهل الزمان ما استوعبوه، فبالتالي شيء طبيعي أنه شو صار؟ شوهوا صورة ابن تيمية أنه المارق عن المذاهب الأربعة، المخالف للإجماع، الخارج عن عقيدة الأئمة، وهكذا، وهذا كان سبب فتر سوقي.

مثل إيش؟ لاحظوا، ما هي المسائل التي كانت أكبر من عقول الزمان؟ شوف قال: كمسألة التكفير في الحلف في الطلاق. الآن في المذاهب الأربعة، بس حتى تعرفوا كيف الزمان عجيب ومضحك، شوف هي الفكرة: المذاهب الأربعة ترى أن الرجل إذا قال لزوجته: إذا خرجت من البيت فأنت طالق، ماذا ترى المذاهب الأربعة؟ أنها إذا خرجت تطلق؛ حنفي، مالكي، شافعي، حنبلي، إذا الرجل قال لزوجته في لحظة غضب: إذا خرجت من البيت فأنت طالق، بمجرد خروجها تطلق، أو إذا اشتريت من المحل الفلاني أنت طالق، بمجرد شراها إيش؟ تطلق، ما في كفارة يمين.

ابن تيمية اختار قولاً مخالفاً للمذاهب الأربع، وهو ماذا؟ وهو قول لبعض السلف أنه إذا قال الرجل ذلك في حال الغضب، إذا قال الرجل لزوجته: إذا خرجت من بيتي فأنت طالق في حال الغضب، أن هذه لا تطلق إذا خرجت، وإنما عليه كفارة يمين فقط. طبعا هذا بالنسبة للناس يعني ترخيص سهل. وهل هذا كلام أول من قال ابن تيمية كما يزعم اليوم مخالفة؟ كلا، هذا كلام موروث عن بعض التابعين وبعض الصحابة وبعض علماء السلف، بس مش هو قول المذاهب.

ابن تيمية وصل لمرتبة الاجتهاد ويرى لا، أن القول بأن عليه كفارة اليمين أقوى أدلة دليلاً من القول بأن عليه ماذا؟ أنه يقع الطلاق. اليوم -أخواني- في قانون الأحوال الشخصية لاردن يفتى بقول منقول ابن تيمية. اليوم، اليوم قانون الأحوال الشخصية الأردني ترك المذاهب الأربعة ويأخذ برأي ابن تيمية. ابن تيمية الذي يحارب ويشوه الإعلام، هل تعرفون أن القانون الأحوال الشخصية الأردني يأخذ بقوله في هذه المسألة؟ لأنه ولا كان نص الشعب الاردني مطلق زوجاته.

أنا بقول لكم اياها؛ لأنه أنا على الفتاوى اللي بتيجي، يعني الشعب طالب وعالنازل، الله يكرمهم مش مقصرين. شيخ الإسلام ابن تيمية أتى برأي، واليوم انتم ترون أنه الرأي اللي قاله -وهو إن لم يكن معتمد المذاهب الأربع- لكنه الأفق صلح لحياة الناس، فلماذا هذا الهجوم مع أنكم تستفيدون من قوله من تحت الطاولة في أماكن أخرى؟

طيب، أيضاً مسألة أن طلاق الثلاث واحد، إذا الرجل قال لزوجته في مجلس واحد: أنت طالق بالثلاث. عند المذاهب الأربعة طلقت ثلاث طلقات. ابن تيمية اخذ برأي بعض الصحابة والتابعين أن الرجل إذا قال لزوجته في مجلس واحد: أنت طارق بالثلاث، تعتبر طلقة واحدة، وهذا قول معمول به، لا أдри هذا لا لا، اليوم أظن دائرة الأحوال الشخصية تاخذ به، يعني تاخذ به اليوم أظن، وفي أكثر من بلد، مش فقط في الاردن، في أكثر من بلد تاخذ بهذا الراي.

يعني الآن أنتم بتخذوا فيه في حياة الأمة، وبتفتوا فيه، وترون أنه قول منطقي، لكن لما تجيئوا في تدريس بتقولوا: شيخ الإسلام خالف المذاهب. ما أنتم بتأخذوا فتواه يا جماعة! كيف تقولوا إنه خالف المذاهب؟ ولا هو في الحياة الاجتماعية ناخذ بفتاويه، بس لما نصوره للناس نشيطه أنه رجل يخالف المذاهب الأربعة ويخرج عن الإجماع، مع أنكم أنتم تستفيدون من فتواه وترون أنها هي التي تلائم واقع الأمة!

فقط حتى تعرفوا أن كثير من الأمور لا يوجد فيها إخلاص ولا صدق في إنصاف هذا الرجل، والكلام عنه بميزان العدل.

طيب، الآن إيش بقي؟ بعض الأمور وهو الآن يلقي الدرس ويقرا العلم، ولا ولا يفتي إلا بلسانه، وهو الآن لا يفتي إلا بلسانه، يعني يجتهد وهو مصر على الاجتهاد، لا يلتزم بمذهب؛ لأنه مجتهد مطلق ويقول: لا يسعني أن أكتم العلم. مع أن أهل زمانه قالوا له: اترك لنا مسألة الثلاث واحد، واترك لنا مسألة التكبير، ومصر أن يفتي برأيه، وله أقدام وشهامة وقوة نفس توقعه في أمور صعبة، يعني أنت ابن تيمية عم بتورط نفسك! كذهبي يقول: أقدام شهامته تجعله يقع في ورطات، ولكن الله يدفع عنه، ربنا عز وجل بينجي، وهذا دلالة الصدق والإخلاص فيما نحسبه.

وله نظم قليل وسط، إيش يعني؟ هل ابن تيمية شاعر؟ لا، مش ضروري يكون ماهر في كل الأمور، هو ليس شاعرا. قال له نظم قليل، يعني له أبيات قليلة كتبها ولا تعتبر عالية في الشعر، تعتبر ماذا؟ وسط، يعني معتدلة، زي لامية في العقيدة، وهي قليلة، يعني الرجل ليس شاعرا، ولم يؤت مهارة الشعر، قد يكون لم يؤت هذه المهارة، ولم يتزوج.

ولم يتسرّ، هذه خلص، هذه لا تقتدوا بها شيخ الإسلام، تمام؟ يعني هذه ظروف حياته، حكمته ما بين مناظرات ومجادلات وخصومات وسجون، لم يعد، لكن هل هو يقتدى به في ذلك؟ يجي شخص يقول لي: أنا بدي اقتدي بشيخ الإسلام ما بدي أتزوج؟ لا لا، هو شيء لا يقتدى به، بل هو نفسه كان يحث الطلاب على الزواج، وإنما ظروف حياته واشتغاله بالجهاد العلمي والفكري منعه من ماذا أن يجد فرصة لهذا.

خلص يعني حالة حياتية وليس شيئاً يقتدى به، ولم يتسرّ، يعني ما كان حتى عنده إماء، وهذه أصلاً غير موجودة اليوم، ولا له من المعلوم إلا شيء قليل، يعني ما عنده راتب إلا دراهم معدودة، واخوه، إخوانه كانوا هم يصرفون عليه، لذلك قال: وأخوه يقوم بمصالحه، هو منشغل بالعلم وأخوه متكفل له.

الآن هو ما عند، يعني ما عند زوجه، ما عنده أولاد، فهو لا يحتاج إلا لطعام الغداء والعشاء، يعني قالوا: وكان له حجرة صغيرة بجانب مسجد دمشق، هي كل ما عنده من حطام الدنيا، فقط غرفة صغيرة جالس فيها، واضع فيها كتبه بجانب مسجد دمشق، هي كل حياته وثروته. وما رايت في العالم مع ذلك أكرم منه، كان كريماً مع أنه لا يملك إلا اليسير، ولا أفرغ منه عن الدينار والدرهم بل لا يذكره، يعني ما تجده في مجلسه يُسأل عن البورصة طلعت ولا نزلت، وايش فيه والغل، البنزين، سعر البنزين، الطعام، الشراب، والله هي كم بتكلف، يعني هذا الكلام في البيع والشراء قال: لا يذكر الدينار والدرهم في مجلسه، ولا أظنه يدور في ذهنه، يعني كل قضية مال هذه مش في ذهن شيخ الإسلام رحمه الله عليه.

هذا عنصر نجاح في شخصيته؛ لأنه يجمع قلبه على العلم، لأنه -أخواني- اللي بفكر في الدنيا كتير بتعب، وبظل متشتت، ومش قادر سبحان الله يركز في جانبه العلمي، وفيه مروءة وقيام مع أصحابه، يعني رجل بفز على إخوانه وساعي في مصالحهم، والذي ذكرته من سيرته فعل الاقتصاد، وكل هذا الذي ذكرته هذا فقط جزء يسير من هذا، وإلا فحوله أناس من الفضلاء -شوف الآن هذه عجبتني هذه المقولة من الذهبي كأنه رفع إيده عن الموضوع- قول لك: في النهاية هذا الرجل حوله أناس من الفضلاء يعتقدون فيه وفي علمه وزهده ودينه وقيامه في نصرة الإسلام بكل طريق أضعاف ما سخ.

يعني هذا الرجل في ناس تحبه للموت، يعني تعتقد فيه أنه ولي من الأولياء، وتكلموا في سيرته بالأشياء العجيبة. الآن هل الذهبي منهم؟ الذهبي ما يكتب سيرة بحول يظهر لك.

أنه أنا من الخارج بفكر هسا ابن تيمية له محبون مخلصون زي ابن القيم وغيرهم، هؤلاء يعتقدون فيه اعتقاداً عالياً. في المقابل أنااس من أنداده يعتقدون فيه وفي علمه، يعني يقولون هو عالم وهو رجل كبير لكن فيه طيش وعجلة. إذاً في النهاية في ناس تقول ابن تيمية عالم لكن تتبعه بماذا؟ شاب عجول وعنده طيش ورط حاله في أمور، هيك وجهة نظر البعض.

وهناك أناس قد علم الناس -شوف هنا الذهبي سيدافع عن ابن تيمية- إذاً هناك صنف يعظم ابن تيمية ويراه في صفوة الأولياء وحق لهم ذلك. وهناك صنف يعظم ابن تيمية لكن يراه ايش؟ فيه طيش وعجلة. والصنف الثالث قال وثم أناس قد علم الناس قلة خيرهم وكثرة هواهم، هم الذين ينالون منه سباً وتكفيراً، قال اللي نازلين فيه سب وتكفير هؤلاء كل المجتمع يعرفون أنهم أناس قليلو الخير كثيرو الهوى، هم الذين كانوا يسبون الرجل ويشتمونه.

وهم إما متكلم -من علماء الكلام من الأشاعرة والماتريدية- وإما من الصوفية الاتحادية، أو من شيوخ قال الزوَاكة -طبعا هنا قال الزواكي استعمله المغارب ومناه عندهم المتلبس الذي يظهر التنسك والعبادة، يعني عباد- وهؤلاء لأن ابن تيمية أصلاً خاصمهم في عقائدهم فسبوه وشتموه، أو ممن قد تكلم هو فيهم، زي ما قال: فاقض فيه شر نفسه.

يقول: وبعض من حقد عليه هو ابن تيمية شد عليه زيادة عن اللزوم، هذا الصنف الرابع، صنف بره ابن تيمية بس هون الذهبي بده يدافع عن هذا الصنف الرابع، ايش قالوا؟ وصنف قد تكلم ابن تيمية فيهم فأقع وبالغ، يعني زودها شوية عليه ابن تيمية فلقي شر نفسه، يعني لو أنه اختصهم شوي كان أخف له.

فجاء الناس أصناف في ابن تيمية، قال: وغالب انتقاده لعلماء زمانه أو لمتصفح كلامه صح، وبعض انتقاداته لأهل زمانه يعني أنا أعمق أنه مجتهد فيها لكن لا يلزم أن يكون كلامهم الصح. هذا الجمال في الذهبي أنه ما بالغ لدرجة أنه يجعلك لا ترى بعض الحقائق في الجوانب الأخرى، يضع الرجل في ميزان الإنصاف ومذهبه توسعة العذر، خلق -شوف رحمته بالناس- ولا يكفر أحداً إلا بعد قيام الدليل والحجة عليه، ويقول هذه مقالة كفر وضلال لكن صاحبها مجتهد جاهل.

كما قلنا ابن تيمية ما كان عن إنشغال بتكفير الأعيان وتبديع، مش هذا شغله، هو يناقش الأقوال، أما الأعيان فيقول هذا مجتهد جاهل لم تقم عليه الحجة، ودائماً يقول لعله تاب، لعله رجع، يفتح باب العذر؛ لأنه يرى أنه ليس من شأن الحكم على الأعيان، مع أنهم كانوا يكفرونه لكن هو ما كان يكفرهم، شوف إنصاف الرجل.

ثم ظفروا -ساختم بهذه القضية- قال ثم ظفروا له بمسألة السفر لزيارة قبور النبي، هي آخر مسألة وبها ختمت حياته. المسألة الأخيرة التي سجن فيها ومات في السجن مسألة شد الرحال، بجوز سمعتموها، مسألة شد الرحال لزياره القبور. ابن تيمية -وهذا الذي نعتقده وندين الله به- يقول: لا يجوز شد الرحال لزيارة القبور أبداً، وحتى المسجد النبوي أنت تزوره للصلاة في المسجد وتزور النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة وتكرماً ولك ثواب على ذلك، لكن لا يجوز أن تقول إنني شددت الرحلة للقبر، وإنما الرحال تشد إلى ثلاثة مساجد فقط: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى. هذه آخر مسألة حصلت في حياته، مسألة أنه لا يجوز شد الرحال إلى زيارة القبور.

قال مع اعترافه بأن الزيارة بلا شد رحل قربى، هو يقول: زيارة القبور بدون شد رحل ما فيش فيها مشكلة، سنة زيارة القبور، المشكلة في شد الرحال يعني السفر، فشنوا عليه بها واستفتي عليه وكتب فيه جماعة بأنه يلزم من منعه تنقص النبوة. شوف وين وصل! قالوا: هذا الرجل ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، ليه فقط؟ لأنه أفتى بعدم جواز شد الرحال لزيارة القبور. هو بقول لك زور قبر النبي عليه الصلاه والسلام لكن اجعل هدفك من الزيارة زيارة المسجد ويزار القبر تبعاً، وهذه طريقة السلف والتابعين رضوان الله عليهم.

لكن شوف الغيظ والحقد الأعمى جعلوهم يكتبون فتوى عند السلطان أن ابن تيمية ينتقص النبوة، ليه؟ لأنه أفتى بعدم جواز شد الرحل لزيارة القبور، وبالتالي لا يجوز شد الرحل لزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً أنت تنتقص مقام النبي عليه الصلاة والسلام. فقالوا إذاً يكفر ابن تيمية بسبب ذلك، شوف شو النتيجة اللي وصلوا لها؟ أنه خلص نكفره لأنه يعني منع شد الرحال، وأفتى بعضهم بأنه لا يكفر بل هو مخطئ مجتهد في ذلك، يعني الله يسامحه فتواه غلط لكنه لا يكفر.

وكبرت القضية وأعيد إلى قاعة بالقلعة في قلعة دمشق، فبقي بها بضعة وعشرين شهراً، وآل الأمر في النهاية إلى أن منع من الكتابة وسحبت منه الكتب، منع من المطالعة، وما تركوا عنده كراساً ولا حبراً يكتب فيه، وبقي أشهر على ذلك، فأقبل على تلاوة القرآن وبقي يختم في كل ثلاثة أيام، ويتهجد، وتوفي رحمه الله عليه في السجن في قلعة دمشق.

هذه شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه بكل مراحل حياته أيها الكرام، سواء مرحلة حياته الأولى التعليمية وما فيها من عناصر النجاح إلى مرحلة حياته الدعوية والثبات والصبر على دين الله، تعطيك نموذجاً من النماذج الناجحة التي يحتذى بها وينافس في الوصول إليها، وإنصاف ومعرفة أنه ما في كمال إلا لله سبحانه وتعالى، لكن الإنسان يغرق بعض سلبياته في بحر فضائله وخيره وعطائه.

هذا نموذج، أنا كنت أوقع اليوم ندخل في شخصية الشيخ البشير الإبراهيمي، لكن هذا نتركه للجلسة القادمة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.