حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التأسيس العلمي، وفي الحقيبة الأولى بالتحديد مفاتيح الطلب. هذه المفاتيح التي هي من أهم المهمات في بداية طلبك للعلم واختيارك الشروع في هذا الطريق، ولا ينبغي لطالب علم أن يشرع في طريق وهو لا يعرف مفاتحه، ولا يعرف معالمه، ولا كيف الوصول إلى منتهاه. فإن هذا فيه ضياع للأعمار وشتات في الذهن وإخفاق في المقصود، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفهم والوعي وحسن الانتباه.
اليوم سنأتي إلى المفتاح الرابع أيها الكرام، بعد أن تكلمنا عن مفهوم العلم الشرعي، وعن فضله، وعن غايته، وعن أثره في حياة الإنسان، وبعد أن تكلمنا عن واقع العلم الشرعي في حياة الأمة المعاصرة وأبرز الإشكالات التي يواجهها الطالب المعاصر عند التعاطي والتحصيل للعلوم الشرعية، ثم أتبعنا ذلك بالمفتاح الثالث في الحديث عن السمات الشخصية لطالب العلم، كيف تبنى شخصية طالب العلم. قبل أن تشرع في الدرس والتحصيل وقبل أن تسأل عن حضور المجالس وأين أذهب وأين أنتهي، هل أنت مؤهل نفسيا وسلوكيا وعباديا وشخصيا للانتداب لهذا الطريق؟ فتتبعنا ما هي هذه الصفات، سواء في الجانب العبادي أو في الجانب الشخصي أو في جانب المهارات، وقلنا جانب المهارات التي تغطيها الحقيبة الثانية، حقيبة مهارات الطلب، وهذا كله أساس ومهم في هذا الطريق.
بعد ذلك سنأتي اليوم إن شاء الله للمفتاح الرابع، وهو الذي يتحدث عن المنطلقات المركزية في حياة طالب العلم، من أين المنطلق؟ وهذه المنطلقات يأتي الحديث عنها بعد تحصيل السمات الشخصية، يعني بعد أن أحصل السمات الشخصية وبعد أن أجد نفسي مؤهلا للشروع في هذا الطريق الشريف علي أن أتعرف كيف أنطلق. وما هي الأمور المركزية التي لا يحق لي أن أتجاوزها في طريقة التلقي والتعلم، ما هي الأمور المركزية التي لا يحق لي بحال أن أتجاوزها في طريقة التلقي والتعلم. الآن هناك مجموعة من المركزيات، اليوم سأتحدث عن المركزية الأولى، وأنا لا أظن أنني سأستطيع أن أتجاوزها، وهي مركزية المعلم.
اليوم سأتحدث عن المركزية الأولى لأنها في وجهة نظري الأخطر والأهم والعقدة الكبيرة اليوم في حياة طالب العلم، وإن كان كثير من الطلبة لا ينتبهون لذلك، ويتعاملون مع قضية المعلم والشيخ أنه مجرد إعلان دورة، أذهب أحضر بغض النظر من المتكلم ومن المتحدث وكيف سيتحدث، لا يعنيني ذلك. وهناك أزمة أنشأتها الدراسة الأكاديمية الجامعية في هذا الملف وهي تحدثنا عنها سابقا أنه ما عاد هناك مفهوم لوجود المعلم الشرعي بالمعنى الدقيق، وإنما أصبحت الدراسات الجامعية تركز أن معلم الشريعة مثله مثل معلم الهندسة، مثله مثل معلم الطب، مثله مثل أي مدرس في العلوم الإنسانية أو التجريبية، وظيفته أن يدخل يعطي محاضرة يختبرك، السلام عليكم، الفصل القادم قد تأخذ معه وقد لا تأخذ معه، فلا يوجد ملازمة، لا يوجد علاقة، لا يوجد تلاقح أفكار، لا يوجد مقاصد الدرس الشرعي، ومقاصد وجود المعلم في حياة طالب العلم التي سنتحدث عنها اليوم.
فوجهة نظري أن المركزية الأولى والأخطر هي المعلم. شوف، المعلم إما أن يبنيك وإما أن يهدمك، احفظها. الإنسان الأول الذي ستتعلم عليه علومك الأساسية وستبدأ تتلقى منه، إما أن يبنيك وإما أن يهدمك. ولما أقول يهدمك، إما يهدمك سلوكيا وأخلاقيا، أو يهدمك منهجيا وفكريا وعلميا، أو يهدمك في جوانب أخرى وزوايا أخرى أنت قد تنتبه لها أو لا تنتبه لها. فلذلك موضوع اختيار المعلم في حياتك العلمية هو أكثر موضوع حساس بعد أن تبني سماتك الشخصية. أكثر موضوع حساس وخطير، وكم من طالب علم تلف بسبب سوء اختياره للمعلم. وكم من طالب علم فيه خير وعنده سمات شخصية ممتازة، لكن من الذي حرمه الوصول إلى التعلم الصحيح؟ معلم فاشل.
فعندما أتكلم عن اختيار المعلم وخطورة هذه المرحلة في حياتك الأولى، أنا لا أتكلم عن شيء من فضول الكلام أو شيء يقبل هكذا الاجتهاد الواسع الفضفاض، لا، هي أكثر منطقة حساسة في حياتك. لأنك إذا اخترت معلما سيئا في أي جانب من جوانبه النفسية أو العلمية، أنت ستنشأ طالب علم غير ناضج سيئ، فاشل في إما الجوانب الأدبية والأخلاقية أو العلمية أو ما شابه ذلك. لأن المعلم ولا بد يؤثر في طباع الطلاب. المعلم الذي تتلقى منه يؤثر في طباعك، ليس فقط، سيأتي معنا المعلم ليس دوره يعطيك معلومة، ليس هو يشرح الآجرومية ما معنى الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع وأقسامه ثلاثة، هذا جزء من وظيفته أن يشرح لك متنا. لكن الجزء الأكبر والأصعب والأخطر في شخصية المعلم هو أنك ستسلمه عقلك ليصنعك. هذه وظيفة المعلم كما عرفها السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، وبالتالي أنا أحاول أن أهول الأمر في ذهنك لأنني أعرف أن طبيعة الحياة العلمية المعاصرة هونته. أنا أهوله لأن الحياة المعاصرة هونته، خاصة معالم السوشيال ميديا، تجد الشاب يتصفح مشايخ يعطون مقاطع دروس علمية، فلان أعجبني، خلاص أحضر هذه الدورة عنده. فلان آخر، جيد والله كلامه، يختاره معلم بدون تأني. وهذا الاختيار العجل يتسبب في بناءات سيئة أو خاطئة في حياتك وأنت لا تشعر. إذًا فبسم الله نستعين في الحديث عن المركزية الأولى والمنطلق الأول في حياة طالب العلم.
طيب، الآن قبل أن أشرع في كلامي، أحب أن أنقل لكم كلاما ذكره الشاطبي رحمة الله عليه في الموافقات في مقدمات كتابه الموافقات، وضع مجموعة من المقدمات العظيمة والمهمة حقيقة، ومن تلك المقدمات تكلم عن أهمية وجود المعلم في حياة طالب العلم. ماذا يقول العلامة الشاطبي في الموافقات؟ يقول: من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام. يعني الطريق الصحيح لتحصيل العلم الموصل إلى الغاية هو أن تأخذ العلم عن أهله، أي العلماء المتحققين به على الكمال والتمام، أفضل شيخ ضابط لهذه الأبواب أو لهذه المسائل.
ثم قال: وقد قالوا، الآن الشاطبي ينقل كلام السابقين، وقد قالوا إن العلم كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب وصارت مفاتحه بأيدي الرجال. السلف في حياة في القرن الأول والثاني ما كان هناك كتب مصنفة، أليس كذلك؟ وإنما كان التعليم في زمن الصحابة والتابعين يعتمد على ماذا؟ على المشافهة فقط. ما في كتب والله، صحيح بخاري، صحيح مسلم، متن آجرومية، ما عندهم هذا. وإنما العلم كان يؤخذ بمشافهة الرجال، لم تظهر المدونات الفقهية والحديثية والعقدية في القرن الأول والثاني، لذلك قال: إن العلم كان في صدور الرجال. هكذا تلقي ابتداء بالمشافهة، الصحابة شافوا التابعين، التابعون قليل منهم من كان يكتب، والأكثر إنما نقل المعرفة إلى تابع التابعين.
ثم القرن الرابع، الخامس، السادس، بدأ التصنيف يظهر وبدأت تظهر مدونات حديثية، فقهية، عقدية وما شابه ذلك، فهل اكتفى طلاب العلم في هذه القرون بالقراءة في هذه المصنفات؟ كلا. حتى لما ظهرت المصنفات، ماذا قال الشاطبي؟ إن العلم كان في صدور الرجال يقصد في القرون الأول، ثم انتقل إلى الكتب يقصد لما ظهر التصنيف في القرن الثالث فصاعدا، لكن حتى مع ظهور الكتب، شو قال؟ وصارت مفاتحه بأيدي الرجال. يعني الكتب بالتأكيد سهلت عملية التعلم لكن حتى هذه الكتب لا يسمح لك أن تفتحها إلا على أيدي المشايخ. هم الذين يفتحون مغاليقها، ثم بعد ذلك تحلق معها.
فالشاطبي يعلق على هذه العبارة فيقول: وهذا الكلام هذا النص السابق يقضي بأنه لا بد في تحصيله من الرجال. يعني العلم لا بد في تحصيله من الرجال، ولو على الأقل المفاتيح التي ستفتح لك الكتب. إذ ليس ورات هاتين المرتبتين مرمى عندهم، لأنه إما أن تتلقى كل علمك مشافهة أو تتلقى علمك من كتب مع وجود مشايخ يفتحونها لك، ما في غير هيك. صورة طالب علم ما عنده شيخ، هو فقط يأتي على الكتب ويهجم عليها ويقرأها وحده هذه غير معترف بها أبدا في طرق التعلم الشرعي.
صورة طالب علم ما عنده شيخ ولا أستاذ في العلوم الشرعية وإنما يهجم على الكتب وحده، يختار ما يشاء وينظر فيما يشاء هذه غير موجودة كطريقة تعلم أبدا عند علمائنا الأكابر، لذلك الشافعي رحمة الله تعالى عليه ماذا يقول؟ يقول من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام. يعني الذي يهجم على كتب الفقه وحده ما عنده شيخ وأستاذ يريد يتعلم الفقه الحنبلي أو الشافعي أو المالكي أو الحنفي وحده، أو يهجم على كتب العقيدة وهذه الأخطر لسه، يهجم على كتب العقيدة وحده، يبدأ ينظر فيها وما فيها من مسائل ويسقط إسقاطات على الواقع بدون شيخ، قال: هذا ضيع الأحكام، بل هو حقيقة ضيع الإسلام ليس الأحكام هو ضيع الإسلام.
لأنه كانوا دائما يحذرون أن تأخذ العلم عن صحفي. من هو الصحفي؟ الذي يأخذ العلم من الكتب، قال لك: لا تأخذ العلم من.. ودائما وهذا سنأتي عندما نتكلم كيف تختار شيخك، احذر أن يكون شيخك ما عنده أستاذ حقيقي ولم يأخذ العلم بالسند المتصل عن العلماء الأكابر، هذا سيكون كارثة عليك من كل الزوايا، طيب.
إذا يقول الشاطبي: وهذا الكلام يقتضي بأنه لا بد في تحصيله أي في تحصيل العلم من الرجال، إذ ليس وراء هاتين المرتبتين مرمى عندهم، وأصل هذا يعني ما هو الدليل على أن العلم لا بد أن يؤخذ من الرجال؟ مين يتوقع الدليل يلا من باب الاختبار؟ ما حديث شريف يستدل به على أن العلم ليس أساسا من الكتب وإنما أساسا من المعلمين. في أحد مشهور الحديث بس أنت عاد بدك تنتبه لدلالته، تفضل حبيبنا. يعني لكن أنا أريد حديث دلالة واضحة على فكرة أن العلم ليس من الكتب أساسا، قد يستدل بها أيوه.
يعني هذه كلها نصوص جيدة سريعا، هذا كله يخدم لكن الشاطبي استدل بماذا؟ شوف قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء». أين وجه الدلالة من الحديث؟ كيف يدل هذا الحديث على أن العلم ليس من الكتب وإنما من المعلمين؟ أحسنت، لو كان العلم في الكتب لجعل النبي صلى الله عليه وسلم رفع العلم برفع الكتب، لكن الكتب ستبقى موجودة ما شاء الله هي المكتبات إخواني معبية، وبأفخم الطبعات اليوم تجد صحيح البخاري عشر طبعات مسند أحمد، كتب بين أيديكم ما كان العلماء ربما حتى لم تصل لبعض الأقدمين كمخطوطات لم تصل لهم. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه»، يعني أنت لن تجد أن الكتب سترفع من الأسواق، خلاص يغلق عليها ما شاء الله اليوم بالعكس من علامات الساعة فشو القلم كما جاء في بعض الأحاديث، تكثر الكتب والتصانيف.
لكن كيف يموت العلم؟ بموت العلماء الأساتذة الذين تتلقى عنهم هذه هي المشكلة، وأما الكتب هي موجودة إخواني، لكن كم اليوم نخرج علماء؟ ما نحن ما نخرج علماء، مع أن حجم الكتب والطبعات اليوم أضعاف أضعاف حجم الكتب والطبعات وجودة الكتب التي كانت في زمن السلف أو في القرون حتى المتأخرة. فهذا هو دليل الشاطبي وهو دليل صحيح، قال: فإن كان كذلك فالرجال إذا هم مفاتحه أي مفاتح العلم بلا شك. قال: فإذا تقرر هذا، إذا عرفت هذه الفكرة أن العلم لا بد فيه من شيخ، فلا يؤخذ أي العلم إلا ممن تحقق له، يعني من عالم محقق يعرف ماذا يتكلم.
وهذا أيضا واضح في نفسه، يعني لا أحد يشكك في هذه المعلومة، وهو أيضا متفق عليه بين العقلاء، لأنه لا يوجد عاقل يأخذ العلم عن شخص ليس أهلا، إذ من شروطهم في العالم بأي علم أن يكون عارفا بأصوله وما ينبني عليه، ثم ذكر شروطا لا أريد أن أطيل في هذا النص، قال: غير أنه لا يشترط هذا فقط، يعني أنا قفزت للفقرة التالية لأنها مهمة، غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ البتة، إيش يعني؟ إذا أنت الأصل تأخذ العلم عن شيخ محقق، لكن هل هذا الشيخ معصوم؟ لا يخطئ أبدا؟ قال لك: لا.
لما نقول له خذ العلم عن شيخ محقق هذا لا يعني أن تتصور العصمة في شيخك بحيث أنه لا يمكن أن يخطئ، ولا يعني أنه إذا شيخك أخطأ في مسألة مسألتين تقول ما عاد ينفع ولأذهب إلى شيخ آخر، لأنه ذاك الشيخ الآخر الذي ستنتقل إليه لا بد وأن يخطئ. فكلنا صاحب خطأ، كلنا صاحب تقصير، لكن فرق بين إنسان ناضج متحقق بالعلم خطأه معدود وبين إنسان خطأه متكرر وخطأه أكثر من صوابه. فهذه مقدمة من الشاطبي في هذا الموضوع وسأعود للشاطبي إن شاء الله في ثنايا هذا الحديث بعد قليل. الشاطبي يتكلم حقيقة بكلام نفيس في الموافقات على قضية اختيار المعلم ودوره وأثره جدا مهم، وأنا أنصحكم تعودوا إلى نفس النص كاملا لأنني أختصر منه.
طيب، بعد أن عرفنا إذا مركزية المعلم في حياة طالب العلم، السؤال الأول الذي سنتدارسه في مجلس اليوم: ما دور المعلم في حياة طالب العلم؟ هذا أول سؤال، شيخ حذيفة أعطيني الكاميرا.
بسم الله، السؤال المركزي الأول: ما دور المعلم في حياة طالب العلم؟ هذا هو السؤال الذي أنت يجب أن تجيب عنه وتعرفه، حتى تعرف أهمية أن تبحث عن شيخ وتتمسك به وتعض عليه بالنواجذ وأن هذا الأمر لا يقبل.
أبدًا التهاون به، وأن طلب العلم ليس مبنيًا على الأمزجة والرغبات، وما الذي تهوى أنت، وما الذي يهوى فلان. لا، أنا أريد أطلب العلم بدون شيخ، لا، أنا أريد أفعل كذا وكذا. لا، في هناك خطوات ومراتب؛ أهمها اختيار المعلم.
طيب، لو سألتكم سؤال، أنت إيش تتوقع دور المعلم في حياتك العلمية؟ أنت لماذا تبحث عن معلم؟ واضح السؤال؟ أنت لماذا تبحث عن معلم؟ أولًا: تحصيل منهجية علمية في كيفية التلقي. لأنه بدون معلم ماذا سيحصل؟ سيكون تخبط وتبعثر وتشتت. اليوم أقرأ في فن، غدًا أقرأ في فن آخر، وعندما أشرع في فن آخذ كتابًا ليس هو الأصل، ليس هو البداية. وكم من طالب علم تخبط في هذا الطريق لعدم وجود معلم يرشده إلى المنهجية الصحيحة في تلقي العلوم. ممتاز.
التوجيه إيش؟ السلوكي تقصد؟ أحسنت. إذاً المعلم من أدواره الأساسية في حياتك التوجيه التربوي والسلوكي والأخلاقي. وهذا أهم من التوجيه العلمي والمعرفي ترى. لذلك مالك بن أنس عندما كان يذهب إلى الدرس، كانت تقول له أمه: يا بني، اذهب إلى ربيعة فانظر في أدبه قبل أن تنظر في علمه. شيخه ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك. شوف الأم الناضجة الواعية، أحيانا تجد أم مثقفة وتعرف من أين تؤكل الكتف، تقول يا مالك: اذهب إلى ربيعة فانظر في أدبه قبل أن تنظر في علمه؛ يعني قبل ما تعرف رواة الحديث ومن فلان وعدل ولا وتجمع، انظر في سلوك المعلم وهيئته، وهذا ربما فكرة أخرى لكنها تدعم هذه الفكرة.
إذاً فكرة أن المعلم مرب وموجه. شوف الإمام مالك لما جلس مع الشافعي ماذا قال له: يا بني، إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا، فلا تطفئه بظلمة المعصية. ظلت هذه الكلمة ترن في أذن الإمام الشافعي رحمة الله عليه. إذاً مالك كان للشافعي ليس فقط معلم لمسائل فقه وحديث، كان مربيًا. هذا النموذج الذي للأسف نفقده اليوم كثيرا من المتصدرين للتعليم؛ أنه أنت لست فقط تعطي معلومة شرعية وتذهب، أنت وظيفتك أن تربي الجيل وتصلح حال الطلاب.
الشافعي رحمة الله عليه القصة المشهورة، ألم يذهب إلى وكيع أيضا؟ قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي. إذاً ذهاب الشافعي إلى وكيع إلى شيخه ليشكو له حالة نفسية تربوية إيمانية يمر بها، حالة ضعف. فيقول له: شكوت إلى وكيع سوء حفظي، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وأخبرني بأن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاص. فهذه هذا دور أساسي وجوهري للمعلم في حياتك، وسأضع نقطة رقم واحد وهي التربية والتأديب والتوجيه السلوكي.
وأنا هذه وضعتها قبل قضية تعليم المسائل؛ لأن هذه الأهم، هذه الأخطر. معلم فقط يعطي مسائل لكنه لا يربي طلابه ولا يوجههم إلى محاسن الأخلاق ومكارم العادات، ومعلم أنت لا تعود إليه تشكو إليه حالك القلبية والإيمانية والسلوكية وأخطائك، هذه علاقة غير ناضجة، هذه علاقة غير ناضجة. ومعلم ليس كاملًا وأنت لست كاملًا في التعامل معه، لأنه الدور الأساسي له أن يربيك ويؤدب.
بعض الناس لما يقول هذا الكلام يقول: يا شيخ، أنا الحمد لله والدي ووالدتي ربوني -الله يكرمكم- فأنا ما حدا يقول لي أنا معلم يربيني. لا، معناته أنت مش فاهم حتى هذه الأمور. نعم، جزاهم الله خير الوالد والوالدة قاموا بتربيتك، لكن في هناك جوانب من التربية الإيمانية والسلوكية والأخلاقية، الوالد والوالدة ما هم علماء، وقد يكونوا ليسوا من طلبة العلم أصلًا، فيكون عندهم قصور في هذا الجانب، وهذا شيء طبيعي وليس ذمًّا، وهكذا الحياة.
فأنت تحتاج إلى مربي أكثر احترافية في أعمال القلوب، أكثر احترافية في بعض الأدبيات. وهناك فكرة مهمة، وهي أن الأدبيات والسلوكيات المطلوبة من طالب العلم أعلى من الأدبيات والسلوكيات المطلوبة من العامة. لذلك صنف العلماء كتبًا في أدب طالب العلم. فأنت بتقول يعني أدب طالب العلم، هو في آداب خاصة طالب العلم ليس مطالب بها عموم الناس؟ نعم، طالب العلم ما يطالب به من الأدبيات والسلوكيات لا يطالب بذلك عموم الناس. فالشيخ والمعلم هو يربيك على هذه الأدبيات الزائدة التي لا يصلح الأب والأم ليعلمك إياها، أو في العادة لا يكون متخصصًا في تعليمك إياها، فتحتاج إلى الشيخ ليربيك ويعلمك.
كلنا يحتاج إلى التربية على الشيوخ، ها هو الشافعي ذهب إلى وكيع وشكى إليه حالة قلبية، لم يذهب إلى أمه أليس كذلك؟ وكلنا ذاك الرجل، فإياك أن يأتي خاطر شيطاني تقول: موضوع التربية هذا أمر تحصيل حاصل. بل هو الأسوأ، هو الأصعب، هو الأخطر، هو الأبرز. وما دمت تتعامل مع موضوع تربية المعلم لك على أنه موضوع هامشي ولا يعنيني، فاعلم هنا أنك بدأت تنهار سلوكيًّا ونفسيًّا. لذلك كثير من الطلاب تبدأ تظهر عليه سلوكيات غير ناضجة، مع أنه قد يكون متمكنًا علميًّا في بعض الزوايا، لكن سلوكيات غير ناضجة، أرعن، صفاته صعبة. تعرف أن هذا ليس له شيخ يربيه، حتى ولو كان متمكنًا من ناحية معرفية علمية، أو يحسن قراءة بعض المتون في النحو والصرف أو شيء، هذا ليس شيئًا كبيرًا.
فإياك إياك أنك تتجاوز هذه النقطة في دور المعلم في حياتك، لأنه هي الأهم. أعود فأقول: هي الأهم من مجرد تلقي المسائل.
النقطة الثانية أيها الكرام، من وظائف المعلم في حياتنا التدريب على مهارات التعلم. المعلم أنت أيضًا تحضر مجلسه حتى تتعلم منه مهارات وكيفية التعلم؛ فإنا مش بناخذ الحقيبة الثانية حقيبة المهارات، حق كيف أحفظ، كيف أفهم وأحلل النصوص، كيف أكتب وألخص، كيف أتعامل مع العلم الشرعي. وهذه وظيفة المعلم أيضًا أن يغرسها في الطلاب وأن يوجههم إلى طريقة التلقي، طريقة تحصيل العلم.
فإذاً أنا لما أحضر درسًا وجاهيًا مع الشيخ، من أهداف حضوري أن أنظر كيف الشيخ يشرح، كيف الشيخ يفهم، كيف الشيخ يكتب، كيف الشيخ يشجر. وهذه كلها معارف عم تدخل في دماغك، سواء انتبهت أو لم تنتبه، أنت عم تنتقل المعرفة من الشيخ إلى الطالب من خلال هذه المجالس الوجاهية، تمام. فإذاً هذه وظيفة مهمة للشيخ؛ أن يعلمك كيف تتعلم، وما هي مهارات التعلم التي لابد وأن تكون لديك. ويبدأ الشيخ يلقمك إياها من خلال الواجبات اللي بيكلفك فيها، من خلال تسميعك وعرضك على الشيخ محفوظاتك، من خلال كتابتك، من خلال تحليل الأفكار بينك وبينه في درس. هذا كله يصنع المهارة، ويصنع الأسلوب، ويصنع الفكرة.
ثالثًا، من الوظائف الأساسية وهذه أكيد يعني هي مفهومة لديكم، وهي تفهيم الطالب المسائل الشرعية. طبعًا هذه الكل يعني يظن أنه هي وظيفة المعلم الوحيدة؛ أنه والله يشرح لي كتاب في النحو، ويفهمني ما مراد المصنف، يشرح لي ألفية ابن مالك، يفسر لي القرآن، يشرح لي حديث، يشرح لي مسائل في الفقه. الكل يظن أنه هذه وظيفة المعلم، بس الله يعطيه العافية. لا، بالعكس، هذه وظيفة من الوظائف، وظيفة من الوظائف. وإلا تعظيم المعلم ودور المعلم لا ينبني فقط على هذه الوظيفة، هذه قد تكون الوظيفة الأسهل؛ أنه أعطيك والله معنى هذه العبارة كذا وأنت تروح.
لكن أنا ما علمتك مهارة، ما أكسبتك أدبًا، فليس هذا هو المقصود. لأنه نفس هذه المعلومة ممكن أنت تحصلها في بيتك ترى، ممكن أنت تحصلها أحيانا من قراءة كتاب وتقول: والله لم أحتاج للمعلم في توضيح هذه الفكرة. فقضية أن يشرح لك المسائل المتنية أو ما في المصنفات، هذا دور واحد من أدوار كثيرة يلعبها المعلم في حياة طالب العلم.
النقطة الرابعة من وظائف المعلم أيضًا أن يكون قدوة ونموذجًا لطالبه. أنا لماذا أبحث عن معلم وأحتاج أن ألازم شيخًا في حياتي العلمية؟ لأنه الأصل هذا المعلم يكون قدوة في سلوكه وسمته وهديه ودله. فأنا لما أنظر إليه أتذكر الله، لما أنظر إليه أزداد همة، لما أنظر في تعاملاته وسلوكياته سواء العائلية، المجتمعية، مواقفه السياسية، حياته العامة، تكون لي قدوة. وحقيقة هذا من أكبر، يعني من أكبر ما يزرع الهمة في طالب العلم، كما قلنا سابقًا، أن يلازم شيخًا صاحب همة، وأن يلازم شيخًا قدوة ونموذجًا.
حقيقة أكيد كل شخص فينا ممن تربى على مشايخ يبقى له في ذهنه مشايخ قدوات، يتذكر تصرفاتهم وأساليبهم وحياتهم. أنت لما تشوف معلم يقوم الليل أمامك بطريقة ما -ويعني عرفته- أو تجده من أهل الذكر والإقبال على الله، ومن أهل الإخبات، من أهل التخشع، هذه التصرفات التي يفعلها المعلم هذه كلها تنطبع في ذاكرتك، وتبدأ أنت تحاول أن تحاكيها وتتكيف معها، لينتقل هذا، هذه التربية وهذا السلوك إليك.
فهنا النقطة الأولى كانت التربية والتأديب؛ أنه هو يأدبك ويربيك، يقول لك افعل كذا وكذا. لكن هذه فكرة أخرى في التربية، وهي أن يكون هو نفسه قدوة في لباسه وسمته وأسلوب وتعامل. فتبدأ أنت أيضًا تحاول أن تقلده وأن تحاكيه، وكثير منا من حاكى، إنما نحن محاكاة لمشايخنا، إنما نحن محاكاة لمشايخنا. نحاول أن نأخذ من هذا أدبًا في كذا، ومن هذا أدبًا في كذا، ومن هذا أدبًا في كذا، لنتقدم أكثر وأكثر في علاقتنا مع الله عز وجل وفي علاقتنا مع العلم.
فهذا دور جوهري، لذلك المعلم الذي لا يكترث بسلوكياته أمام الطلاب هذا لا يصلح أن يكون معلمًا، لأنه فقد القدوة. الأصل أنا أريدك قدوة لي، فإذا أنت لا يظهر عليك سمت العلم ولا هدي العلم، لا في هيئتك ولا في هندامك. والله معلم حليق اللحية تمامًا ولابس بدلة وكرافته مثل الأمور المعاصرة، ليس عيبًا في البدلة والكرافته، لكن هي الفكرة أنه إذا أنا سأنظر إليك تشبه والله مدرس طب، ما شاء الله، ما في فرق بينك وبينه، مش هينفع؛ لأنه أنا أريدك معلماً للعلم الشرعي، فالأصل أنت أولى من يتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
يا أخي، حتى لو كنت أعتقد اللحية سنة، يعني أنا لن أناقشك الآن في هذا، لكن أليست سنة؟ أليست هديًا؟ أليس شيئًا مأمورًا به؟ فلماذا لا تطلق، تتمسك بالسنة في حياتك ومنهجك وسلوكك حتى أنا أقتدي بك وأتأثر بك وأتعلم منك؟ هذه قضية جوهرية؛ المعلم الذي لا يملك أسلوبًا ولا نموذجًا ناجحًا يقتدى به، هذا في الحقيقة لا يملك صفات المعلم الذي يلازم، وإنما قد آخذ منه معلومات وأكبر عليه أربعًا، نعم.
أيضًا النقطة الخامسة، يعني هذه النقطة الخامسة ربما تتداخل مع موضوع التدريب على مهارات التعلم، لكن يمكن إفرادها، ما عندي مشكلة، وهي قضية التدرب على طريقة الشرح وإيصال المعلومات. بتجربتي إخواني في حياتي العامة، في بعض المشايخ قد يكون عنده علم، لكن فشلوا في التعليم. ناتج أنه ليس له شيخ تتلمذ على يديه فتعرف كيف يشرح وكيف يوصل المعلومات. يعني أنت قد يكون إنسان قارئ، قد تكون إنسان مثقف جيد في كثير من العلوم الشرعية، لكن لو طلب منك: يلا أعطني محاضرة في النحو، أعطني محاضرة في أصول الفقه. من يجلس بين يديك لا يفهم عليك شيئًا، لا يفهم عليك.
ما هو السبب في ذلك؟ مع أنك أنت قد تكون فاهم، أنت نفسك كمعلم قد تكون فاهم، لكنك لا تحسن إيصال المعلومات. أنا عندما أرى شخص بهذه الحالة، مباشرة أقول: أحد أسباب ذلك أنه لم يتربى عند المشايخ. لأنه أنت لما تسمع الشيخ 10 سنوات، 15 سنة تلازمه، تلازم دروسه، محاضراته، لابد أن تبدأ تتعلم من أسلوبه في الشرح، وينتقل إليك، وينتقل إليك.
حتى الواحد منا الآن، هو يعرف أسلوبه في الشرح، يحاكي به من مشايخه، يعرف الشيخ الذي أثر عليه حتى يشرح بهذه الطريقة، هذا شيء أنت تجده في نفسك، وهذا هو الشيء الطبيعي في الحياة المعرفية العلمية؛ أنني أنا لا أكون أحسن الشرح ثم أتعلم على يد مشايخ وأساتذة، فأبدأ أنظر كيف يشرح، كيف أسلوبه، كيف كذا. طبعًا هذا لا يكفي يوم، يومين أو دورة، دورتين إخواني، انتقال أساليب الشرح من المعلم إلى الطلبة هذا يحتاج إلى الملازمة، وراح نجيء على فكرة الملازمة؛ سنة، سنتين، ثلاث، أربع، خمس. تبدأ تصبح أنت تلقائيًا لكثرة سماعك لهذا الشيخ وملازمتك له في حلك وترحالك، تبدأ تفهم كيف والله هكذا تشرح الأفكار، هكذا تشرح المعلومات.
وهذا شيء أعود فأقول سيتصرف في داخلك وأنت لا تشعر. يعني أنت ستبدأ تحاكي الشيخ وتبدأ تمارس أسلوبه وأنت لا تعرف تلك اللحظة التي أخذت منها الأسلوب، لكن هو هكذا سنة الحياة، أن الإنسان إذا لازم شيئًا أخذ من طباعه وأساليبه. فهذه أيضًا من الأمور المهمة جدا جدا في ضرورة وجود الشيخ؛ الشيخ سيجعلك معلمًا ناجحًا بإذن الله، سيجعلك معلمًا ناجحًا تعرف كيف توصل الأفكار إلى الجيل القادم، ثم الجيل القادم إلى الذي يليه، وهكذا.
أيضًا وظيفة المعلم اختصار الأزمان. اختصار الأزمان، ماذا أقصد باختصار الزمان؟ المعلم هو الذي سيحدد لك الكتاب الذي تقرأه، كما ذكرنا في المهارات. المعلم هو الذي سيحدد لك المتن الذي تحفظه. المعلم هو الذي سيحدد لك ما هو أفضل شرح على هذا المتن تدرسه.
وأما الطالب الذي يمشي خبط عشواء، لا يريد أن يرد على المعلمين، يحفظ المتن الذي يهواه، يقرأ الشرح الذي يريده، مثلًا يقرأ أي كتاب هكذا في هذا الفن، وقد يكون الكتاب ليس على المعتمد في الفن ولا أهم الكتب وأبرزها، هذا سيضيع ردحًا كثيرًا من عمره وهو متخبط. خاصة شبابنا الكرام -الله يكرمكم- ربما في النمط المعاصر كثير منكم يبدأ طلب العلم على الـ 18، 19، يعني يبدأ يفكر بالانتماء للبيئة العلمية، وهذا فعليًا يعتبر متأخر نوعًا ما، يعتبر متأخر عما كان عليه السلف، لكن مش
مشكلة، بس أنت الآن عمرك 18، 19، راح تروح أربع سنوات، يعني في الجامعة. وراح تروح سنوات أخرى في الحياة الاجتماعية، فأنت لا تملك وقت للتجربة. ما عندي وقت.
ما عندي وقت والله أبدأ أجرب وحدي، وأنظر في الكتب وحدي، وأحفظ، ثم إذا بين لي أن هذا المتن والله غير ناضج، أنتقل إلى متن آخر، أو هذا الكتاب غير ناضج أنتقل إلى كتاب آخر. يا أخي جرب، لكن ستجد نفسك وصلت إلى الأربعين وأنت لست شيئًا.
لأنك فقط مجرب، لكن المعلم صاحب الخبرة، والذي يعرف أفضل المتون، أفضل الشروح، أفضل الكتب، سيختصر عليك عمرًا كثيرًا. لما يقولك والله هذا نعم درسناه على مشايخنا وهو أفضل شيء في هذا الباب. وبكون شيخي اللي حكى لي هذه المعلومة أخذها عن شيخه، وشيخه أخذها، وهكذا العلم هو متسلسل بنقل الشفاه.
وخلاص عرف هذا الكتاب هو الأبرز، ثم ما أفضل شروحه التي تقتنى؟ بذهب إلى الشيخ. ما أفضل شرح أقتنيه على هذا الكتاب؟ يقولك كذا أو كذا أو كذا. فيختصر عليك جولان الذهن بين الشروح المتعددة، ويعرف لك الأمثل. فهذه من أبرز وظائف المعلم.
اختصار الزمان على طالب العلم، حتى لا يضيع عليك العمر وأنت متخبط في الكتب والمصنفات. طيب، إذًا هذه ستة نقاط أيها الكرام، أو ست نقاط. وهنا سأختصر وأقول، سأنتقل إلى فكرة مهمة في هذا الباب، وهو ما أهمية حضور المجلس الوجاهي لطالب العلم.
لأن اليوم في عندنا أصبحت آفة السوشيال ميديا، ومشكلة التعليم الإلكتروني. أنا ما بسميها آفة التعليم الإلكتروني، نحن استفدنا من التعليم الإلكتروني، لكن هي مشكلة، لأنه أصبح نمط كثير من طلاب العلم أنه لا يريد أن يكون له شيخ ومعلم. وإنما يريد خلاص أن يتصفح إيش أبرز الدورات على اليوتيوب؟ والله في دورة مميزة في كذا بحضرها، في دورة مميزة في كذا بحضرها، لكن لا ينشئ علاقة بينه وبين شيخ، يكتفي بالتعليم الإلكتروني. هذا خطير.
ومن هنا أعود فأقول، ما أهمية أن تحضر المجلس وجاهيًا؟ يعني سؤال ربما بطريقة أوضح، أنا عندما أحضر بين يدي شيخ، ما الأمور التي يجب أن أنتبه عليها في أثناء الدرس؟ ما هي الأمور التي يجب أن أتلقاها من الشيخ في أثناء الدرس؟ اه يا حمزة. شو اسمه؟ هذا هو لك السؤال، ما الأمور التي تتلقاها في أثناء حضور المجلس الوجاهي؟ وهذا عنصر الصدمة، يكون الواحد سرحان، تيجي تسأله سؤال. طيب، اه. أحسنت.
أول شيء إذًا، لما أنت الآن تأتي تحضر عند أي شيخ من مشايخنا الكبار، أنت لا، وطن نفسك أنني لم آتِ للمجلس، فقط حتى يشرح لي معلومة. أنا آتِ للمجلس وفي نيتي، أولًا أنظر في سمته وأدبه وهديه، واللي تكلمنا عنه موضوع القدوة، أنا أريد أن يكون قدوةً لي. فلا بد أبدأ أنظر كيف يتصرف الشيخ، كيف يتصرف في حياته الشخصية، كيف يتصرف مع الطلاب، كيف يحاورهم، كيف يجالسهم، كيف يمازحهم، كيف يذهب ويأتي، لأنه هذا عنصر نجاح يجب أن ينتقل لي. اثنين.
الأسلوب في ايش؟ أسلوب الإلقاء، أحسنت. أنت لما تجلس هنا ما تقول والله يا شيخ أنا قطعت مشوار طويل، لا لا، أنت مهم أنك تقطع هذا المشوار الطويل، لأنك هنا عم تنظر في أأسلوب الإلقاء، وكيف يوصل الشيخ الفكرة، وكيف يعلم، وكما قلنا أنت ستصبح مع الوقت تحاكي.
التعليم الإلكتروني قد يفيدك شوي في موضوع الإلقاء، قد تأخذ من بعض المشايخ عبر الإلكتروني والله شيء من الأدب، لكنه ضعيف جدًا جدًا جدًا، لأنك لم تشكل علاقة وجاهية بصرية. العلاقة البصرية هي الأقوى، وكما قال الشاطبي في الموافقات، أن جلوس الطالب بين ييدي المعلم، فيه أمور لا يعرفها إلا الله. يعني في هناك أمور تنتقل من المعلم للطالب في المجلس، هي غير محسوسة، لا أستطيع أقول لك من أين جاءت، لكنها قد تدرك بالمشاهدة والتجربة والخبرة، وأنها يختلف تمامًا جلوس الطالب، أصلًا هذه الجلسة، أو الجلسة التي أنت عليها، أنك تتعلم كيف والله أجلس في مجلس علم.
مش دائمًا جنبي نسكافيه ورجلي في السطح وكذا ومسطح على الكتاب، وهذا التعليم الإلكتروني. ما في احترام للعلم، ما في احترام للكتب، ما في احترام للدرس، فتجد الشخص نائم أصلًا، والشاشة أمامه، وقد تجده رفع قدميه إلى الأعلى ووضع كأسة نسكافيه وينظر ويتكلم في هاتفه ويلعب في الفيسبوك، والشيخ يتكلم ويحكي. ترى أنت عم تهدر وقت، وعم تخسر أدبيات.
لا تفكر هذا شيء طبيعي، أنه أنا أجلس في بيتي وأضع التليفون أمامي، الشيخ بيتكلم، وأفعل ما أشاء من أكل ومزح ولعب، شوي أغادر، شوي بسولف مع الحج والحجة، شوي بدخل كذا. هذا حرمك من كثير من الأدبيات والسلوكيات. فلا تأتي تقول لي ايش وظيفة أو ايش قيمة حضور المجلس وجاهي، خلاص أحضره إلكتروني، أنت تخسر.
وهذا نشاهده في واقعنا اليوم، أنه كثير من طلاب العلم لا يملك أدبيات العلم، ولا أدبيات احترام الزملاء، ولا احترام المشايخ. ليه؟ لأنه لم يتعود على ثني الركب، شايفين ثني الركب هذا؟ هذا ثني الركب من أعظم الأمور النفسية في حياتك. هذا سيصنع منك شخصية ناجحة. بدون ثني ركب، ومزاحمة مع الطلاب والزملاء، ستخرج إنسان عندك معلومات، لكنك لن تخرج موجهًا ولا مربيًا ولا أستاذًا.
هذا ثني الركب يعودك كسر النفس، يعودك التواضع، يعلمك الهدوء، يعلمك التؤدة، يجعلك تشعر بحياة السلف الصالح، وأن هذا العلم كابر عن كابر عم ينقل. أما الطرق الإلكترونية، فهي إخواني تحرمك من كثير كثير من هذه الزوايا في حياتك. إذًا كما قلنا، ثلاث وظائف أنا آتِ من أجلها هنا: أتعلم من أدب الشيخ، أتعلم من مهارة الشيخ وأسلوبه في الشرح والإلقاء، وأتعلم المسائل التي يشرحها. هذه ثلاث أمور بدك تحفظها، حتى إذا حضرت مجلس علم، تعرف أنني لا يجوز في مجلس العلم بين يدي المشايخ، إني أنشغل بالهاتف، أو أنشغل بالنظر في الشباك، لأنني أنا لم آتِ هنا، تقول ما أنا شيخ فاهم المسألة اللي بيحكيها الشيخ، أنا عارف. وصدقوني أيها الأحبة من حياتي الشخصية، بعض الدروس عند مشايخ فضلاء حضرناها ونحن مسبقًا كنا نعرف محتواها، لكننا كنا نلزم أنفسنا بحضورها، فقط بالنسبة لي لأتعلم من هدي الشيخ وأدبه.
يعني خلاص المادة العلمية التي يقولها حاصلة مسبقًا، لا أتوقع أن يأتي بشيء جديد في العادة، لكن أتعود أن أثني الركب، لأنني أعرف أن الإنسان متى استعلى بنفسه، ومتى شعر أنه أعلى من أن يثني الركب، أو شعر أن هذا الأمر سهل، هنا تبدأ المشاكل النفسية والتضخم الذاتي، والعجب بالنفس يظهر في سمتك وفي أخلاقك. فـلما تحضر مجالس المشايخ، احضر وفي نيتك أن تتعلم من أدب الشيخ قبل علمه.
وحتى لو كان بيتكلم معلومة يعرفها، لا يحق لك تفتح جوال وتلعب فيه، لا يحق لك تنظر من الشباك وتقول ما أنا أعرف المعلومة. إذا كان هذا هو تعليلك، إذًا هذا يدل أنك لم تعرف بعد فائدة حضور مجلس العلم. مين قال لك أنه كل شيء ستتعلمه هي المعلومات؟ نعم ممكن تعرف المعلومة، لكن انظر كيف أوصل الشيخ المعلومة للطلاب، وهذا أيضًا تحتاج تتعلمه، انظر كيف تعامل الشيخ مع الطالب الفلاني أو الخطأ الفلاني، هذا يحتاج أن يتعلم أيضًا وينظر فيه.
فلا تستعجل في الاستهانة بالحضور المباشر. فالحضور المباشر هو الذي يحقق لك الكمالات النفسية والتربوية والسلوكية فضلاً عن الأمور العلمية. بل حتى كما كان يقول الشاطبي قد تشكل المسألة على الإنسان، لكن عندما يحضر بين يدي الشيخ ويبدأ الشيخ يتكلم قال تفتح المسألة عليه. يعني مجرد حضورك بين يدي الشيخ قد تكون أنت قرأت المسألة في الكتاب مرات ومرات، بمجرد أن يبدأ الشيخ يتكلم بها ويحللها تقول سبحان الله يعني هذه المسألة عقدتني، باقي المسألة سهلة. هذه بركة حضور بين يدي الأشياخ والتزام الطالب بمنهج العلماء فيالحضور الوجهي وعدم الكسل والفتور والاعتماد على مجرد متابعة المحاضرات أونلاين. تفضل يا حبيبنا. شيء طبيعي. أحسنت.
أحسنت. لذلك التركيز في المجالس الوجهية يفوق لأنك أنت أعددت نفسك شيخ وهيأت نفسك لحضور مجلس العلم وواضع بهذه الهيئة أو أنت متربع أو كذا، جالس وعم تنظر وعم تتلقى. لكن في البيت برجع بقول أنت حاطط التليفون الشيخ بيتكلم وأنت عم تلعب بالجوال، الشيخ بيتكلم ورجلاك في الأعلى، الشيخ بيتكلم وأنت بتتكلم مع زميل أو زوجة أو ابن، فهذه كلها مشتتات كبيرة تجعل الفائدة اللي حصلتها هي ماذا؟ هي فقط معلومات أو نزر من المعلومات.
فضلاً أنه كثير من الشباب برجع بقول في التعليم الإلكتروني مع الوقت ما يعود ينظر إلى الشاشة، يعني بيقول لك طيب يا شيخ أنا ممكن في التعليم الإلكتروني أنظر إلى شكل الشيخ وأسلوبه، لا هو مع الوقت أنت ستصبح الشيخ بيتكلم ربما الشيخ وراء ظهرك وأنت بتنظر جالس للأمام، بتقول خلص بسمع المعلومات، وهذا هو الحرمان، أنه أنت تحتاج أن تنظر إلى وجه الشيخ وجهاً لوجه وتتلقى حتى يعني سيكولوجيا النفسية تعت الشيخ تنتقل إليك، مش الشيخ والله بيتكلم هون وأنت تنظر في جهة أخرى، ذهبت فائدة التربية والأدب والمحاكاة والقدوة.
فهذا كله تعظيم لهذه القضية لأنني أجدها بدأت تتفتت مع التعليم الإلكتروني وبدأ يقل أثرها والاهتمام بها عند الشباب. ويستثقل الطالب المواصلات أو حر الصيف، والله يا أخي اقرأ سير الأوائل حتى تعرف كيف طلبوا العلم، يعني أنت لا تريد تتعب، لا في ذهاب ولا في عودة ولا في شراء كتاب، بعض الطلاب كما قلت يريد كل شيء على الجاهز، على الجاهز، حتى التلخيص يريد مشايخنا متى التلخيص سينزل؟ يعني حتى أن يلخص محاضرة ما بده يلخص ما بده يتعب. هذه أزمة، هذه أزمة في التعلم، عليك أن تعالجها.
لذلك أنا لما يأتيني شخص عنده هذه الأزمة أنه لا يحضر مجالس وجهية، لا يلخص، ما بده يتعب، يريد كل شيء على الجاهز، في العادة أقول هذا لا يفلح، في العادة أقول هذا لا يفلح، وإنما يعني هم الجلساء ولا يشقى بهم جليسهم، أم أن يكون طالب علم مبرز أثق والله بإمكانياته، هذا يحتاج إلى أن يتعب وبعرف ما هو طريق طلب العلم أصالة.
طيب، هكذا تكلمنا عن ماذا؟ عن الخطوة الأولى، أو السؤال الأول. ما دور المعلم في حياة طالب علم؟ دعوني الآن أنتقل إلى السؤال الثاني. السؤال الثاني يعني هو سيعتمد على هذا، إذا أنا عرفت ما هو دور المعلم في حياتي العلمية، السؤال الطبيعي الثاني يكون ما هو؟ من يتوقع ما هو السؤال الثاني؟ لا. كيف تختار المعلم؟
لكن هذا هذا السؤال الثالث. كيف أختار المعلم؟ السؤال الثاني ماذا سيكون؟ إذاً ما هي الصفات التي يجب أن تكون موجودة في المعلم حتى يؤدي هذه الأدوار المطلوبة منه؟ نحن حكينا المعلم له خمس أدوار أو ست أدوار ذكرناها، صح؟ إذاً سأسأل سؤالاً ثاني. ما هي الصفات التي يجب أن تكون موجودة في المعلم حتى يقوم بهذه الأدوار المطلوبة منه؟ إذاً السؤال ما هي الصفات التي ينبغي أن تكون موجودة في المعلم ليؤدي الدور المطلوب منه؟ مش هذا سؤال منطقي؟
أنا إذاً من أنت بتقولي بدي أختار المعلم. مش قلت كيف أختار؟ من قبل كيف تختار؟ أنا من هو المعلم الذي سيقع عليه الاختيار؟ ما هي المواصفات التي ينبغي أن تكون موجودة فيه؟ طيب. أولاً، طبعاً أنت هنا سيساعدك في معرفة هذه الصفات معرفتك بالأدوار. أولاً لابد وأن يكون المعلم على قدر عالٍ من السمت والخلق والهدي. هذه أول صفة في المعلم. لما تختار شيخ وتريد أن تلازمه وأن تطلب العلم منه، هذه أول صفة ينبغي أن تكون فيه. أن يكون على قدر عالٍ من السمت والهدي والصلاة خلينا نقول. تمام؟
لذلك إبراهيم النخعي عليه رحمة الله ماذا يقول؟ يقول أنه كنا أو كان أحدنا إذا اختار شيخاً أو معلماً نظر في هديه وسمته وصلاته ثم بعد ذلك يأخذ عنه. شوف إبراهيم النخعي من زمن التابعي تابعي تابعي ماذا يقول؟ كان أحدنا إذا أراد أن يتخذ شيخاً أول شيء سأل عن علمه؟ لا، قال أول شيء ينظر في سمته وهديه وعبادته لأنه يعرف أنه هذا الشيخ سيشكلني، سيزرع في داخلي أفكار، سيزرع في داخلي أنماط، فإذا كان على قدر عالٍ من الخلق والسلوك والسمت والعبادة والتخشع والعلاقة مع الله سبحانه وتعالى أنا أفرح بهذا أيما فرح. لأنني أدرك أن هذه غنيمة، وستنتقل هذه السلوكيات إليّ إذا لازمته بإذن الله.
وهذه أهم من الملاءة العلمية. يعني قد يكون معلم عنده علم لكن ليس مليئاً بالدرجة العالية العالية، لكن عنده قدر عالٍ من السمت والأدب، هذا عليك أن تلازمه ويكون على الأقل على الأقل أحد المعلمين في حياتك. لأنني أنا سأحتاج أن آخذ منه أخلاقه وسمته وسلوكه وهديه وإخباته لله سبحانه وتعالى. ليس كل المعلمين أتوقع أن يكونوا يعني على قدر عالٍ عالٍ جداً من العلم خصوصاً في هذا الزمان، لكن أنا ما أحتاجه بالدرجة الأولى هذه الجزئية، اللي كان السلف الله يرضى عنهم يركزون عليها في اختيار المعلم. أنا شوف إبراهيم النخعي هذه المقولة من تعطيني ما هي الصفات التي كان الطالب يبحث عنها في الشيخ في زمن السلف. وهذا هو الأساس، هذا هو الأساس الذي كانوا يبحثون عنه.
طيب. نذهب إلى النقطة الثانية، الصفة الثانية في المعلم لابد وأن يكون مشاركاً في العلوم الشرعية مطلعاً عليها، حتى يكون المعلم ناجح في إيصال الأفكار والمعلومات وحتى يخدمني حتى في الجانب أو في التخصص الذي يريد أن يقدم فيه. لابدأتأكد من كون المعلم مطلع على مختلف
الحقول الشرعية، لأنه نحن مرت معنا هذه الفكرة مراراً وتكراراً أنه لا يصلح التخصص إلا بعد المشاركة. يعني ما بينفع تقول أنا متخصص أصول فقه وأنت ما عندك اطلاع في اللغة وفي نحو وصرف وبلاغة وفي مسائل العقائد وما شابه ذلك، لأنه أصول الفقه متأثر ولا شك فيها. ما بينفع تقول لي أنا متخصص في الفقه، برضه أنت ما عندك لغة، ما عندك أصول فقه، ما عندك استدلالات، ما عندك دخول في بعض حتى بعض الأمور المنطقية التي تفك لك هذا الباب. ما بينفع تقول أنا متخصص في التفسير وأنت ما بتعرف لا لغة ولا فقه ولا عقيدة، ما هو التفسير شو هو؟ هو هكذا هذه المسائل، فلابد ها، أنظر في هذه الصفة: هل هذا الشيخ الذي سأختاره عنده اطلاع جيد على مختلف الحقول الشرعية؟
هذه صفة أساسية، لأنني إذا لم أجد عنده هذا الاطلاع، وإنما وجدته فقط لا يعرف إلا من علم واحد، ومعرفته في باقي العلوم الأخرى ضعيفة ركيكة جداً. في العادة لن يكون قوياً في إعطاء المعلومات، وستجد فجوات معرفية كبيرة لديه، أنت من يعني ستبحث عن ملئها عند شيوخ آخرين. طبعاً هنا لم أقل أن يكون مشاركاً في العلوم الأخرى، إيش يعني مشاركاً؟ يعني عنده اطلاع جيد على أبرز الكتب في العلوم الأخرى، في النحو، في الصرف، في البلاغة، لأنه كما قلت السلف يقولون: لا يصلح التخصص قبل المشاركة.
لأن طبيعة العلوم الشرعية متركبة مع بعضها تركباً عالياً، فالذي يريد أن يتقن فناً لابد وأن يكون متقناً للفنون الأخرى. هذا كما قلت هذا في جل العلوم، لكن هناك بعض العلوم قد لا تقتضي المشاركة. يعني واحد متخصص في النحو، هذا فعلاً لا يهمني أن يكون قوياً جداً في الفقه أو مطلعاً على أصول الفقه أو بعض المعارف اللي ما لها علاقة في هذا الميدان، لكن هذا أين أحتاجه؟ إذا كان المعلم سآخذ منه عقيدة أو فقه أو تفسير، هذه العلوم الثلاث بطبيعتها تعتمد على علوم الآلات، فإذا المعلم ضعيف جداً في علوم الآلات لن ينبغ ولن يصلح في العقيدة أو الفقه والتفسير.
أما أعود فأقول علوم النحو أو علوم المنطق أو بعض العلوم البلاغية أو الشعرية، نعم أقول لا يحتاج أن يكون والله فقيهاً، مفسراً، عقدياً، حتى تأخذ منه، فقد يكفي معرفته بالفن الذي يتكلم فيه. طيب، هذه صفة ثانية، الصفة الثالثة: أن يكون متقناً للعلم الذي يدرسه، والكتاب الذي يعلمه. وهذه أظنها واضحة، يعني لا يصلح أن آخذ علم الفقه عن شخص ضعيف في الفقه في نفس تخصصه ومجاله، أو آخذ عن شخص ممكن يكون جيد، لكنه يدرس كتاباً هو لم يقرأه مسبقاً، أو مستواه أعلى من مستوى الشيخ. فإذا وجدت الشيخ غير متقن في المجال الذي يدعيه، أو غير متقن في شرح الكتاب الذي بين يديه مباشرة، هذا لا أتخذه شيخاً في هذا الباب، يعني لا يصلح أن يكون معلماً في هذا الفن أو لهذا الكتاب الذي بين يديه. طيب.
رابعاً، لابد من صفات المعلم أن يكون يمتلك منهجاً علمياً في المعرفة ينقله للطلبة. كما قلنا أيها الكرام، العلم هو منهجية وأسلوب ونمط. فإذا كان الشيخ لا يمتلك منهجية، يعني تذهب إليه، والله أنت شيخ متقن في ماذا؟ في التفسير، أريدك والله تضع لي منهجية هكذا بنائية من الصغير إلى الكبير، يقول لك والله لا أعرف، أو حاول أن يقدم لكن واضح أنه لا يعرف من كلامه. مثل هذا هذا أخطر شيء، أن يكون معلم لا يملك منهجية، إذاً هذا من أكبر الأدلة الدالة على ضعفه وعدم مكنته حتى في علمه، لأنه لا يستطيع أن يورث الطالب منهجية التعلم في هذا الفن. يعني الحد الأدنى الذي أتوقعه منك كمعلم للتفسير أو كمعلم للفقه، الحد الأدنى أن عندك منهج تلقيته من مشايخك، وهذا المنهج هو الذي ستنقله إلى طلابك.
أما أن آتي أسألك عن منهجية في الفقه وأنت متخصص في الفقه، أو منهجية في الأصول وأنت متخصص في الأصول، فلا تعرف منهجية، أو تتخبط وتقترح اقتراحات كثيرة دالة على العشوائية والتشتت الذهني لديك، هذا أكبر مؤشر أنك أصلاً كمدرس لم تتلق العلم عن المشايخ الكبار، وإنما دكتور جامعي يعني جمعت ما حصيلتها الطلاب في الجامعة، وتعيني أستاذاً كرسياً وتعلم الناس، لكنك لم تطلب العلم على طريقة الأوائل على الطريقة المتقنة، لأنه من يطلب العلم على طريقة العلماء لابد أن يكون عنده منهج. طيب، سامحني سأجلس قليلاً.
وهذه قضية المنهج إخواني ترى مما يدخل فيها أن يكون هذا المعلم، مما يدل على منهجيته أن يبدأ مع الطلاب بصغار العلم قبل كباره. يعني إذا دخلت على معلم وقلت له أنا مبتدئ، قال لك ممتاز بكرة بتجيب المغني ونبدأ أنا وياك نقرأ فيه، شو تقول؟ بتقول السلام عليكم ورحمة الله، يعني لا أريد أن أجلس معك مرة أخرى، ليه؟ لأنه أنا قلت لك أنا طالب مبتدئ، تأتي بتقولي غداً بتجيب المغني، وأنا في حياتي الجامعية مررت بهذه الننماذج، يعني كان طلاب سنة أولى فيأتي المعلم فيطلب منهم أن يلخصوا المغني المجلد الأول والثاني في الطهارة والصلاة، مباشرة أعرف أنه هذا الشيء ولا له علاقة بالمنهجية العلمية.
يا أخي طلاب سنة أولى ربما ما يعرف أحدهم أصلاً أحكام الحياة، تقول لي لخص لي المغني المجلد الأول والثاني، وهو المسكين شوية يلاقي قول شافعي على حنبلي على حنفي على مالك وأدلة، والمسكين الطالب يخاوط مخاوطة ما عارف شيء. الذي لا يربي طلابه على صغار العلم قبل كباره، هذه أكبر مؤشر أنه لا يوجد عنده منهجية. إذا أنت طالب مبتدئ يعطيك كتاب مختصر، إذا طالب متوسط ينقلك إلى متوسط ثم إلى عالي، أما إذا وجدته من البداية والله وضع لك العالي، والله أريد أدرس حديث، مباشرة جيب صحيح البخاري ونبدأ نقرأ أنا وياك، واضح أنه لا يملك منهجية، لأنه هذا طالب مسكين يعني لا يصلح بعد أن يقرأ صحيح البخاري هذا كتاب عالي جداً، يبدأ بالأربعين النووية ثم عمدة الأحكام، يعني تبدأ معه بمنهج رويداً رويداً، هذا الذي يعطيك الصغار قبل الكبار هذا مؤشر على أنه يمتلك منهج.
أيضاً من الأمور التي تدل على المنهجية العلمية وهو أنه يحسن إعطاء المعلومات، فعندما يتكلم مع الطلاب لا يكون استعراضياً. من هو الاستعراض إخواني؟ في بعض الناس لما يدرس يصبح بده يفتل عضلاته قدام الطلاب، أنه يعرف كثيراً في العلوم والكتب، فيأتيك في المسألة الواحدة بـ خمسة عشر ألف مرجع، وقال فلان ورد عليه فلان وهكذا، وأنت طالب سنة أولى أو في المراحل الأولى، يا أخي أنا والله ما فهمت شيئاً، لأنك نقلت لي المحشين وأقوال حواشي الحواشي وأصول الحواشي والفروع ورددت ونقلت، وأنا أصل المسألة لسه مش متصورها، أصل المسألة لم أتصورها بعد، دخلت معي في الردود والحواشي والنقود وكيف أنقض وكيف أرد، طب أنا الأساسيات ضائعة عندي، فهناك من أسميه الاستعراضي، وأنا أتذكر الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه في كتابه أليس الصبح بقريب يقول: عندما بدأت أتعلم فبدأت أدرس الطلاب السلم المنورق في علم المنطق، فحتى أظهر لهم مقدرتي العلمية كنت أذهب إلى ابن سينا وكتبه القانون وغيرها وأبدأ آخذ من الأول الأساس وأبدأ آخذ منها معلومات كبيرة في الفلسفة وأطرحها على طلاب سنة أولى في الجامعة يحتاجون فقط يفهموا السلم المنورق. قال يعني هذه كانت طبعاً هو بيتكلم أنه كيف هو نضج في التعليم، إن هذه قال يعني نوع من رعونة الشباب، أن الواحد ييجي معلم جديد فجاي يستعرض عضلاته حتى يخبر الطلاب إني أنا قارئ كل هذه الحواشي، فيبدأ يتكلم بكلام غزير أنت لا تفهم منه شيئاً والهدف الاستعراض، وهذا والله ما نصحك، هذا ما نصحك.
وإنما المعلم الصادق يعطي الطالب المعلومة التي تناسبه بالكمية التي تناسبها وينتهي، ليس هدفي أن أستعرض ما عندي من المحفوظات أو من المقروءات أو من المدروسات، إنما هدفي أن تستفيد أنت وتخرج من المجلس بكم معلومة انتفعت منها تستفيد منها في حياتك. هذا كله يدخل تحت قضية أن يكون المعلم يملك منهجاً، إذاً منهج يعرف الكتب، يعرف كيف يبدأ بصغار العلم قبل كباره، يعرف كيف يعرض معلوماته، يكون عنده حسن في الشرح وسلاسة، يعرف كيف يبدأ المسألة ثم كيف يفرعها ثم كيف يؤسسها ثم كيف يقدمها إليك. أما معلم يبدأ بنهاية المسألة قبل بدايتها ويبدأ بالدليل قبل تصور المسائل، هذه كلها تدل على فشله وعدم امتلاكه لوسائل صحيحة للتعليم، فهذا كله لا تحتاج إليه من المعلم. طيب.
الصفة الخامسة في المعلم: أن يكون هذا المعلم معروف أنه تلقى علمه على أيدي المشايخ، وبحيث لو سألت عن مشيخته تعرفه. لماذا أيها الكرام؟ من يقول لي ليه؟ لماذا يجب من صفات المعلم أن يكون معلمه ممن تلقى علمه عن المشايخ؟ تمام، طيب بدي كلام أوضح، جيد، يعني من البحث عن تزكيته هذا جانب، أه يا عمر؟ أحسنت، إحنا تكلمنا قبل قليل إيش دور المعلم في حياتك؟ مش قلنا دور المعلم أولاً أن يربيك، وأن يزكيك، وأن يصلح شأنك، طب هذه كيف ستنشأ فيه في العادة؟ أن يكون تلقاها من مشايخه وأساتذته. قلنا من دور المعلم أن يعلمك مهارات التعلم، صح؟ طب كيف سينقل مهارات التعلم لدي إذا هو لم يكن لديه شيوخ تعلم على أيديهم سابقاً هذه المهارات؟ فنحن أمة متسلسلة في علومها، الصحابة أعطوا التابعين والتابعون أعطوا من بعدهم حتى وصل إلينا، فلابد من هذه السلسلة في طريقة التلقي ومنهجية التعلم.
فالمعلم برجع بقول إذا لم يكن له مشايخ ولا أساتذة، وإنما كان من أصحاب الصحيفة، فهذا عليك أن تتوقع أنه يكون ضعيفاً في التزكية في كثير من الأحايين والأدب، خاصة أدبيات العلم. عليك أن تتوقع أنه لا يمتلك رؤية واضحة في المنهجية العلمية، لأنه المنهجية العلمية الأصل يتلقاها من مشايخه، وليست شيئاً هكذا أنت تصادفه وحدك في العادة، ستتوقع أنه ما عنده منهجية علمية، ستتوقع ضعفه في كثير من مهارات التعلم لأنه هو صاحب صحيفة وليس صاحب أشياخ، فستفقد فيه الكثير من الأمور التي أنت تحتاج أن تكون في المعلم والشيخ الناصح. فهذه النقطة رقم خمسة أن يكون يعني خلاص إخواني أنتم بتكملوا لحالكم، تعبت وأنا واقف على الشاشة، أن يكون المعلم له مشايخ يمكن أن يعني تتعرف عليهم أو تتعرف على أخذك عنهم.
طيب النقطة السادسة حتى أختار هذا الشخص أنه معلم لي ولا لا: أن يكون مهتماً بالعطاء العلمي والمعرفي. إذا كان الشخص الذي يتحدث في العلم والمعرفة هو غير مهتم بالعطاء العلمي والمعرفي، لا يتيح وقتاً للطلاب، ولا يدرسهم، قصارى أمره إذا درس في جامعة أن يعطي هذه المادة ويغادر ثم بعد ذلك تفقده، تراه اليوم الثاني، لكن أن يكون في الحياة العامة كمدرس وشيخ حاضر مع الطلاب تعليماً وتدريساً ونظراً وتأديباً، هذا يصلح أن يكون معلما لأنك تستطيع أن تلازمه، تستطيع أن تبقى في دروسه حاضراً. أما الذي يعتمد على نمط التعليم الجامعي ويفقد خارج الجامعة ولا يرى، مثل هذا لا يصلح أن يكون معلماً بالمعنى الدقيق، نعم يصلح أن يكون معلم جامعة بهذه الإضافة، لكن معلم أتربى وأتتلمذ على يديه سيكون في ذلك قصور جداً.
كذلك ذاك الشخص الذي لا يعطي أصلاً، يعني هو مجرد إنسان جالس في مكتبته في بيته أغلق الباب على نفسه ولا تستطيع الوصول إليه، بالكاد تراه في خطبة جمعة أو كذا أو في مجلس عام يدعى ويتكلم بمعارفه، لكنه لا يتيح الفرصة للتلقي والتلاقح في الأفكار، مثل هذا لا يصلح أن يكون معلماً لأنه لا يعطي مجالاً ووقت للطلبة. هذه وظيفة المعلم وظيفة شريفة أساسها أن تعطي وقتاً ومساحة حتى تعلم الأجيال القادمة، وإلا كيف يتربى الجيل على من يتعلم؟ طيب.
فهذه قضية الاهتمام بالعطاء العلمي ومتفرغ للتدريس. مثلاً بعض الشباب يجيء يقول لي أنا أريد أدرس مذهب شافعي أو مالكي أو حنبلي أو شيء، يقول لي عند من أدرس؟ يعني عفواً، أي المذاهب أدرس؟ أقول له في العادة ادرس مذهباً تجد شيخاً متفرغاً يعطيك. يعني اليوم قديماً كانوا يسألوا إيش؟ يقول لك خذ مذهب بلدك، صح؟ هكذا المعروف، إذا أردت أن تفقه فإنما تتفقه على مذهب البلد. اليوم الأمور اختلفت حقيقة، اليوم حتى مذهب البلد لا تكاد تجد شيخاً يعلمك إياه، فتصبح القضية أنني إذا أردت أن أتعلم مذهباً أنظر من الشيخ المتفرغ الذي سيعطيني مساحة للتعلم، حتى لو حنفي، حتى لو مالكي، أنا مستعد ما عندي مشكلة، لكن أجد الشيخ.
أما أن أقول لا، أنا ألتزم مذهب البلد الشافعي، طيب، وجدت شيخاً؟ لا والله ما وجدت، سأبقى أنتظر حتى أجده، ممكن تموت وأنت مش ملاقيه، فتبقى مسكين ما تعلمت الفقه أصلاً، فالفكرة هنا مهمة جداً: المعلم الناجح هو الذي يعطيك وقتاً. أما هو والله درس أسبوعي، بعض المشايخ بأيام إقامتنا في المدينة كان يأتي إلى المسجد النبوي يوم في الشهر، وأسماء كبيرة، يعني اسم كبير لو ذكرته كلكم يعرفه، لكن ما كنت أحضر أنا حقيقة، لأنه بالنسبة لي لا يعني لي نجاح الآن. لماذا؟ يعني يوم في الشهر ماذا سأحصل من العلم؟ وساعة ونصف ونصفها أسئلة، ما هو الكتاب الذي سأنجزه؟ لذلك بعضهم جلس في بعض الكتب ثلاثة عشر سنة، بعض مشايخنا الأفاضل جلس في كتاب نحن في العادة ندرسه في سنة ونصف، جلس فيه ثلاثة عشر سنة، طب أنا نسيت أول الكتاب بعد الثلاثة عشر سنة، يعني أنا أول بسم الله قرأتها قبل ثلاثة عشر سنة.
الي بعد ثلاثة عشر سنة، قلنا الحمد لله تم الكتاب. هل تظن أني سأكون متذكرا؟ فهذه كلها أمور غير ناضجة. وليس هذا هو المعلم الناجح. المعلم الناجح يعطيك وقتا حتى تشعر أصلا أنت بالإنجاز، وتشعر أنك ختمت الكتب، وتشعر أنك انتهيت وتدرجت. أما أنني أحتاج إلى خمس سنوات لكل كتاب، فهذا متى سأقرأ في العلم؟ ومتى سأنضج؟ لذلك قديما إخواني، من نقرأ في سيرة الطيبي وابن قدامة وغيرهم وابن مالك، شوف الهمة في التدريس، يجلس من الفجر إلى الظهر يدرس.
من الفجر إلى الظهر يدرس. ثم بعد ذلك يأخذ قيلولة بعد الظهر، يجلس عند أهله يأخذ طعاما غداء، يأتي من العصر للمغرب يدرس. يعني كم ساعة في اليوم تدريس؟ يعني تسع ساعات. هذا المعلم. الشيخ البشير الإبراهيمي يقول: كنت أعطي في اليوم الواحد اثني عشر درسا. اثنا عشر درسا في يوم واحد. فكان محيي جيل وصانع نهضة الجزائر.
وهكذا، هذا هو المعلم الناجح الذي يعطيك معرفة متراكمة متدرجة، وتشعر أنك تنجز معه كتابا بعد كتاب، ومصنفا بعد مصنف. هنا أنا أستريح. أما مدرس أحتاج إلى أربع خمس سنوات لكل كتاب معه، فهذا لا يصلح لي. طيب، النقطة السابعة. صح وصلنا السابعة؟ أن لا يكون هذا المعلم ممن عرف بتتبع الرخص والتميع في المسائل الشرعية. بعض الناس الله يهديهم، وهذا يكثر اليوم، لذلك أحتاج أن أعلّق على بعض هذه الأمور.
قد تجد مدرسا في جامعة أو في مكان، لكن هذا المدرس مواقفه العلمية والحياتية مواقف مميعة جدا، هو متتبع للرخص، متتبع لأي شيء شاذ، المهم يعني على مذهب البحبحانية، بتاع مذهب البحبحانية، يعني كل شيء حلال يا جماعة الخير، وكل شيء بدك إياه موجود، وما في داعي أنه نلتزم بالمذاهب الأربعة ما دام الدين يسر. هذا الذي تجده عادة يتكلم بمثل هذه الكلمات، عليك أن تخافه. أنه ليس منضبطا، ما في شيء يضبطه. وأخشى أن يكون الهوى هو الذي يحكم.
فالمعلم عليك أن ترى فيه تقوى الله في الفتوى، تقوى الله في اتباع طريقة العلماء والانضباط، ولا يجعل الأمور هكذا سائلة مائعة لا يوجد لها رابط وحزام تعود إليه. فهذه قضية أو صفة مهمة جدا. طيب، النقطة الثامنة وهي نقطة حساسة شوي، أن يكون المعلم صاحب عقيدة سليمة على عقيدة أهل السنة والجماعة. هذه المسألة، برجع بقول، مسألة حساسة نوعا ما. هل يجوز -هنا سأطرح سؤال- هل يجوز لي أن أتلقى العلم الشرعي على مبتدع؟ الآن، العلماء قديما كانوا يقولون من شروط المعلم أن يكون حسن العقيدة، هذا شرط متفق عليه.
فلا بد، وعند اختياري للمعلم، أن أتثبت من العقيدة، لأن العقيدة إخواني ستؤثر عليك عندما تتلقى منه، وسيحاول، مهما كانت عقيدته لأي جهة، أن يؤثر على طلابه ليتبنوا عقيدته. صح؟ وبالتالي، أنا أكون حريصا أن أختار معلما على طريقة أهل السنة والجماعة في أي علم من العلوم. وهنا سأنقل لكم كلام الشاطبي في الاعتصام، وهو يحذر من كون المعلم مبتدعا، وأن يعظم، لأنه شوف، ما دمت اخترت شخصا معلما بدك تحترمه، ما فيش فيها.
يعني ما بينفعش تقول: لا، أنا بتعلم على إيديه بس بعدين بشتمه بعد الدرس. هذا سوء أدب. أن تقول أو أهينه أمام الناس بس أنا تعلمت منه. هذا لا يصلح إخواني. المعلم ما دمت اخترت معلما، ستحترمه غصبا عنك. هذا حق، وهكذا تعلمنا على أيدي مشايخنا. يقول الشاطبي رحمة الله تعالى عليه: إن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام. إذا اخترت معلما مبتدعا على أي عقيدة بدعية، أنت ستعظمه ولا بد احتراما وتوقيرا. ما المشكلة التي ستنتج هنا؟ يقول: إن توقير صاحب البدعة مظنة لمفسدتين تعودان بالهدم على الإسلام. أحدهما: التفات الجهال والعامة إلى ذلك التوقير، فيعتقدون في المبتدع أنه أفضل الناس وأن ما هو عليه خير مما عليه غيره، فيؤدي ذلك إلى اتباعه على بدعته دون اتباع السنة.
هذه أول مشكلة وهي واضحة، لأنه إذا رآك الناس -يا أيها السني- تجلس بين يدي مبتدع وتحترمه وتقبل الرأس وتكون لك هكذا الاحترامات وهذه لا بد منها، سيعتقد العامة والجهال الذين لا يعرفون شيئا أن هذا الرجل عالم، واضح اليوم يقبلون يديه وأنه يعلم والطلاب يتزاحمون. فأنت هنا غششت الناس. غششت العامة بهذا الجلوس، لأنه سينطبع في أذهانهم أن هذا الشخص، لولا أنه عالم فاضل خير حتى في معتقده، لما جلس بين يديه. فأنت فتنت الناس، أو سببت -دعني أقول- في فتنة بسبب جلوسك بين يدي هذا المبتدع. وهذا كلام الشاطبي عليه رحمة الله. طيب.
النقطة الثانية في إشكالية تلقي العلم عن مبتدع: أنه إذا وقر من أجل بدعته، صار ذلك كالحاِث المحرض له على إنشاء الابتداع في كل شيء. يعني هذا الشخص المعلم، إذا هو يتكلم بكلام خاطئ، وأنت حتى ما تطرد من مجلسه شو بتقول له؟ والله أحسن شيخنا، بارك الله فيك شيخنا. شو اللي بارك الله فيك شيخنا؟ بحكي كلام غلط قاعد، بحكي كلام بدعي. بس أنت مش قادر تواجهه لأنه إيش؟ شيخ، يعني أنت طالب بين يديه شئت أم أبيت.
فإذا كلما تكلم بدعة: بارك الله فيكم، أحسن الله إليكم، جزاكم الله إيش؟ وأنت نازل. هذا سيشجعه أكثر وأكثر على ماذا؟ قال: على أن يستمر في بدعته. فأنت فتنته هو، لما أقنعته أنه أهل لأن يؤخذ عنه العلم، وأن ما أنت عليه من البدعة ما هو مشكلة، وجه إن شاء الله لك فيه ساعة وإن شاء الله كلام جميل، حتى ولو كنت أنت في الداخل لا تعتقد ذلك، أنت جعلته يصر على موقفه. لذلك يختم الشاطبي فيقول: وعلى كل حال، تحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم للإسلام بعينه. يعني كلما تلقيت العلم عن أهل البدع وجلست بين أيديهم، أميتت السنة وأحييت البدعة وأعنت على هدم الإسلام.
فهذا يدل إذا أن الخط العام الأصلي العام، أنني إذا وجدت شيخا على جادة أهل الحديث، على طريقة أهل السنة والجماعة، فهذا الذي أجلس بين يديه. هذا الذي أجلس بين يديه. طيب، الآن إذا لم أجد شيخا، هذا هو السؤال الذي يحصل مع بعض الشباب: إذا لم أجد شيخا في هذا الفن الذي أريد دراسته على طريقة أهل السنة والجماعة، ماذا أفعل؟ أبقى بدون أن أتعلم؟
نقول هنا يوجد تفصيل. إذا كان الطالب متينا في العقيدة، قويا في معرفة طريقة أهل السنة، يقدر على الجدال والدفاع عنها، ولا يحسن دخول، ولا يصلح دخول الشبهة عليه في العادة لقوة علمه في عقيدته، هذا لو درس ذاك العلم الذي يحتاجه ولا يجد فيه شيخا سنيا، لو درسه على بعض أهل البدع، قالوا يرجى أن يقبل منه ذلك بشرط ألا يظهر التعظيم الزائد. ستحترمه وستحترمه جبرا عنك لأنه علمك، لكن لا تظهر تعظيما يوحي للعامة أن هذا رجل لا نظير له.
هذه، متى تذهب إلى هذه الحالة؟ هذا الفن لا يوجد فيه شيخ على جادة أهل الحديث في بلدي، وأنا متخصص في العقيدة. إخواني، ترى أنا أعرف كثير من الشباب كنت أقول له: يا أخي، لا تدرس العلم عند مبتدع، ويقول لي: لا يا شيخ، أنا أموري جيدة، أنا بعرف أدبر حالي، وأنا مش سهل يعني أن يضحك علي في مجالسهم. ثم بعد سنتين ثلاث، أجد منهم، أجد من الطائفة البدعية: يا فلان، ترى شو اللي صار، ما أنت كنت معنا قبل إمبارح؟ قال: والله يا شيخ، يعني الشيخ الذي تعلمت على يديه ما شاء الله متكلم، ويحسن رصف الكلام، وشعرت أنه، وشعرت أنه الجماعة الآخرين ضعاف علميا أو كذا ما عندهم مكنة.
فطبعا هو لا يريد، يعني هو صعب يقول لك أنه فتن ويعتقد أنه هدي، لكن الواقع أنه فتن، ويعتقد أنه هدي لكن الواقع أنه فتن. وكما قلت، أنت طالب، خاصة الطالب المبتدئ هذا لساته هش إخواني، ما أسهل أن يجلس عند شيخ مبتدع يححسن رصف الكلام ويحسن سوق الشبهات فيفتنك، وأنت لا تحسن دفع الشبهة، ففعلا تتوطن في قلبك. فلذلك حذاري حذاري أن تفتن نفسك، خاصة الشباب في سنواتكم الأولى، حتى لو لم تجد شيخا على جادة أهل السنة، فلا أنصحك أن تدرس عند مبتدع، فإن دينك أغلى ما تملك. يعني مش مشكلة حتى لو ما صرت فقيه شافعي أو حنفي، مش مشكلة.
أن تموت على عقيدة أهل السنة والجماعة وتلقى الله بها خير من أنك تموت مبتدع صح ولا لا؟ وحضرتك فقيه شافعي، يعني مبتدع شافعي ولا مبتدع حنبلي؟ لا أحتاج ذلك منك، أو مبتدع حنبلي، يعني كل المذاهب فيها أهل السنة وفيها المبتدع. فهنا نصيحتي لك، الزمها في بدايتك، بداية حياتك العلمية، احذر أن تذهب إلى مبتدع فتتعلم منه الفقه أو الحديث أو الأصول، ولو لم تجد غيره. أنت الآن لا تحتاج لهذا العلم، ربك فيفرجها إن شاء الله. تمام.
طيب شيخ، أنا المذهب حابه، إيش أسوي؟ يا أخي، انتقل إلى مذهب آخر فيه شيخ على طريقة أهل الحديث. إيه نعم، هذا المجال الذي بين يديك، يعني لا تحصرني في الزاوية أنه لا، يعني يا بتلاقي له شيخ، يا بتدرس عند مبتدع. يا أخي، اذهب وأنت في النهاية ستدفع الثمن، ستلقى الله عز وجل بعقيدة بدعية، إيش أسوي لك؟ والثقة الزائدة بنفسك: لا، أنه أنا بستطيع، لا لا، أنا أقدر، أنا أذكى منهم، ما راح يضحك علي الشيخ بالشبهة. سامحني، مش أول واحد بتمر علي أنت، ياما مروا علي أمثالك وقالوا نفس الكلام: أنا شاطر، أنا مصحصح، ما راح ينضحك علي وكذا. وها هم الآن في ساحات أهل البدع، ويهاجمون مشايخهم اللي تعلموا على أيديهم أيام زمان.
يقول لك: هؤلاء المشايخ متعصبون ولا عندهم شيء ولا يعرفون طريقة المتكلمين، ووردت عليهم شبه كثيرة وهي شبه قوية. يعني المشكلة إخواني فعلا أنا أقول لك بعض الشبه قوية، يعني لا تظن الشبهة دائما سهلة. بعض الشباب يقول لك: يا أخي، شو شبههم؟ أنا أزعم شبهة بجيبها. لا لا، مش أزعم شبهة بجيبها، سامحني، أنت شوي ماخذ هيك شيء كبير في نفسك. لا، بعض الشبه قاسية وعالية وأعلى من مستواك، وهو قادر أن يسكتك إذا كان متكلما بحق على طرائقهم، قادر يسكتك، ولا ابن تيمية شو كان يعمل في درء التعارض وكذا؟ لأنه كان يناقش أمور ضخمة تطيش منها الرؤوس. يعني الشباب المبتدئة ولا يحسنون فهم من أين دخل الخطأ فيها.
فلا تثق بعقلك زائدا، وأرجع بقول: أن تموت على سنة وأنت جاهل بذاك العلم، النحو ولا الصرف ولا البلاغة، خير من أن تموت على بدعة وأنت عارف بذاك العلم. لكن برجع بقول: إذا كنت متقدما -شخص أحيانا وهذا يحصل معنا أو مع أي إنسان متقدم نوعا ما في العلوم الشرعية- أنك قد تكون خلص، يعني فهمت عقيدة أهل السنة وعارف إيش راح يحكي، وعارف شو شبهاته، الدوامة اللي بيسولف فيها، لكنك تحتاجه في بعض الفنون. والله تحتاجه في مسألة بلاغية، أو أحتاجه في مسألة نحوية، أو أحتاجه في تعلم بعض الكتب.
هنا إذا كنت كبيرا في العلم متقدما فيه، قطعت شوطا في العقائد، في مرحلة متأخرة من حياتك العلمية، هنا يسهل عليك كما قلنا أن تدرس عند بعض أهل البدع للحاجة إلى علمه. لذلك مثلا ينقل أن ابن القيم تعلم أصول الفقه من الصفي الهندي. والصفي الهندي رحمة الله عليه كان أشعريا، بل من رؤوس الأشاعرة. لكن ابن القيم، يعني أنتم عارفين من شيخه؟ يعني ابن تيمية شيخه، فهو أصلا كبير ومتعلم وعميق، وفي نفس الوقت على دراية بشبههم، فلما تعلم منه لم يخشى عليه في هذا كثيرا.
وأما أن تجلس بين يدي مبتدع في علمه البدعي وهو يتكلم به، فهذه الطامة الكبرى. يعني أنا قلت: متى يجوز أن تذهب إلى مبتدع؟ من يضبط لي المسألة؟ إذا أنت، أيوه، في فن في غير شبهته، اثنين، وأنا إيش أكون؟ متقدم، متقدم، قطعت مشوار في العلم حتى نوعا ما، نوعا ما أضمن نفسي أني ما أتأثر. أما وأنت سنة أولى، سنة ثانية، ثالثة، ولم تدرس لي إلا يعني العقيدة الواسطية ومن اثنين ثلاثة صغار، وتظن أن هذه تكفي؟ لا والله، ما تكفي.
لأنه هي الشبهات أحيانا قوية، فلا تكفي لدحض هذا السيل الذي سيأتي على ذهنه وعقلك. فانتبه يا رعاك الله، لا تستعجل، وتذكر دائما أن تموت على سنة وأنت جاهل، خير من أن تموت على بدعة وأنت عالم. يعني خذ هذه قاعدة في حياتك. وهناك وسائل أخرى، برجع بقول لك: والله هذا العلم مش موجود إلا عند فلان في البلد وهو مبتدع، خلص، روح تعلم أونلاين على رجل من أهل الحديث. سنذهب إلى الحلول الأقل جودة، لكنها أسلم عقديا لك، لأني أنا ما يهمني فيك أن تحافظ على عقيدتك، هذا ما يهمني.
والله كثير من الشباب إخواني، أحيانا معلم على أهل الحديث، على طريقة أهل الحديث، بتكون الكاريزما تاعته ضعيفة شوي، يعني مش شخص جدلي، يعني ما عنده قدرة على النظر والمقابلة والمناظرة ورد شبهات المتكلمين. فالطالب الذي يحدث معه، لأنه جديد هكذا وما عنده معايير علمية، يذهب إلى شخص مبتدع الكاريزما تاعته قوية، متحدث، ملسن، قادر أن يأتي بالشبهة، فاهم عقيدته البدعية، يعرف كيف يجادل عنها. فالطالب هنا الذي يحصل أنه تقييماته لن تكون علمية، ستكون نفسية: أن هذا الشيخ على أهل الحديث ضعيف، يا أخي، مش قوي، مش قادر يجادل، بينما ذاك المبتدع لا والله قوي وقادر أن يجادل. هون أنت، لأنه بقول لك عظمك طري في العلم، ستضيع وتغوص بالشبهة.
وتقول لي: عادي يا شيخ، يلا طلعني. تمام، عادي إذا أجيت، طبعا يعني إذا أجيت، تقول لي: طلعني، إذا ما كنت غرقت وانتهى حالك، فهذا ننتبه له إخواني، قضية أن يكون الشيخ على طريقتي أو على جادة أهل السنة. طيب، بعد أن ذكرنا مواصفات الشيخ، الآن كم مواصفة ذكرت؟ ثمانية، وأنت طبعا ممكن تزيد بعض المواصفات، لكن هذه الأساس، إذا لم أجد شيخا فيه كل هذه المواصفات؟ يا شيخ، والله يا شيخ، أنت حكيت ثماني مواصفات، هذه وين بدي ألاقيها اليوم؟ هذه المواصفات الثمانية أين سأجدها اليوم في شيخ اجتمعت فيه؟ أنا أقر معك أن الموضوع صعب اليوم جدا جدا.
الموضوع صعب جدا جدا، فما هو الحل؟ الحل أمران؛ أولا، استصلاح أفضل الموجود، يعني أنا وضعت ثمان معايير ينبغي أن تكون موجودة في المدرس، ما وجدت الثمان معايير، وجدت شيخا فيه ست معايير، منيح، وجدت شيخا فيه خمس معايير، أخي جيد، بس ما يكونش رئيس الشيخ ما فيش فيه إلا معيار أو معيارين، لا، معناته أموره صعبة ما بيصلح، لكن برجع لصعوبة الواقع، ما بديش أكون أنا مثالي في طرحي، ببقبل اليوم وجود خمس معايير، ست معايير بدل الثمانية، بس في واحد ما، لأنه هذه عقيدتك.
أحيانا من الأمور التي تساعدك على علاج فقدان الصفات أن تركب، شو يعني أن تركب؟ يعني قد يكون الشيخ في أربع معايير، مثلا صاحب سمت وكذا وكذا، على عقيدة أهل السنة، عنده أشياء مفيدة، تمام، والشيخ آخر فقد المعايير الموجودة في الشيخ الأول، لكن عنده المعايير الأخرى، مثلا أسلوبه جيد في الشرح، ونمطه ممتاز في كذا، وصاحب منهجية أعمق، وهكذا، فهنا أحتاج لما يسمى بالتركيب.
إيش يعني التركيب؟ أني بأجي لذاك الشيخ، آخذ من سمته وهديه وأدبه وتخشعه، الشيخ الثاني اللي بتعلم على يديه، اللي ممكن يكون أعمق معرفيا، وهو أقل أدبا وسلوكا وأقل تخشعا، خلص، ذاك بأخذ منه العلم، بأخذ منه المنهجية، بس لازم يكون عندي شيخ آخر في صفة الأدب والسلوك والسير إلى الله عز وجل، يعني ما بينفع أقول أنا بيهمني فقط العلم، وبالتالي آخذ شيخا عنده علم ولو قل أدبه وسلوكه، لا لا لا، ما بينفع، أنت محتاج أن تركب، لذلك قلت لك: ستجلس بين يدي مشايخ، وهدفك من الجلوس فقط أن تنظر في سمتهم، يعني لو قلت لي يا شيخ: والله كل اللي بحكيه عارفه، ممتاز، مش مشكلة، اجلس لتتعلم الأدب منه، أنا ما أنا رايح أكون موديك عليه حتى تتعلم مسألة شرعية، أنا أريدك أن تذهب لتتعلم الأدب والسمت والأخلاق والسلوك، هذا شيء أيضا يتعلم ويتربى عليه الإنسان أيها الكرام.
فإذا عندك منهجية التركيب، فهمت شو منهجية التركيب؟ أن هذا فيه ثلاث صفات، ذاك فيه خمس صفات، هذا فيه ثنتين، بخلي هذا شيخ، وهذا شيخ، وهذا شيخ، هذا آخذ منه هذا، وهذا آخذ منه هذا، وهذا آخذ منه هذا، هذا ستحتاجه كثيرا كثيرا، خاصة في هذه الأزمان التي صعب فيها أن تجتمع هذه الخصال في يعني شيخ واحد في بلدك أو في مجموعة البلدان. طيب.
ودائما تذكر أن مراتب المشايخ ثلاث؛ شيخ كمل علما وأدبا، هذا أعلاهم، المرتبة الثانية ما هي؟ كمل أدبا وقل علما، هذا الثاني، الثالث؟ كمل علما وقل أدبا، فلا تفكر أنه الثالث أفضل من الثاني، لا، الثاني أفضل من الثالث، الثاني أفضل من الثالث، إذا، أعلى المشايخ من كمل علما وأدبا، المرتبة الثانية كمل أدبا وقل علما هذا رقم اثنين، ثالثا كمل علما لكنه قل أدبا وسمتا هذا بتحطه رقم ثلاث، وزي ما قلت لك أنت ستحتاج عادة أن تعمل تطعيم بين رقم اثنين ورقم ثلاث، بشوف واحد كمل أدبا وقل علما بستفيد منه، وقد أحتاج شخصا كمل علما وقل أدبا أستفيد منه في جوانب معينة، هذا متوقع. طيب.
طب سؤال يا شيخ، أنا في بداية رحلتي العلمية، هل تنصحني ألتزم شيخا واحدا أتعلم على يديه ثم أتوسع في اختيار الشيوخ بعد ذلك؟ ولا من البداية ينبغي أن يكون لدي أكثر من شيخ؟ الآن من ينظر في سير العلماء، العلماء كانوا بالعكس يتباهون بكثرة مشايخهم، صحيح؟ يعني تجد فلان يقول لك له ألف شيخ، وفلان له 800، وفلان له 500 و400، وهكذا. طيب، فالسؤال الآن، ما هو الأصلح لي في بداية الطلب؟ أن أكثر عدد المشايخ، ولا ألتزم شيخا واحدا؟ تفضل عبد الرحمن.
أحسنت، هذا هو الصواب، في سنواتك الأولى في التعلم إذا وجدت شيخا مشاركا في العلوم الشرعية، فأن تلتزم شيخا واحدا يبنيك ويصنع لك المنهج والطريق، فتلازمه وتأخذ منه معارفه، هذا أفضل من أنه سنة من السنة الأولى أو السنة الثانية تبدأ يكون عندك أربع خمس مشايخ، ليه؟ حتى لا تتضارب المنهجيات، الذي يحدث إخواني ما هو؟ انتبهوا لهذه الفكرة.
الذي يبدأ مع أربع خمس مشايخ، بيجي عند الشيخ الأول شيخ فاضل الله يكرمه، يعطيه منهجية علمية، بيجي عند الشيخ رقم اثنين بعطيه منهجية ثانية، بيجي عند الشيخ رقم ثلاث بعطيه منهجية ثالثة، والشيخ رقم أربع بعطيه منهجية رابعة، فبصير هو مسكين محتار، هو أمشي مع الشيخ؟ طب راح تقول لي: إذا هم كلهم علماء، مش كل المنهجيات توصل إلى الغاية؟ أسا ممكن ذلك، لكن هو الفكرة ما هو؟ أنه ذاك الشيخ ممكن نشأ على يد بعض المشايخ، فتدرجوا معه بكتب معينة توصل، ذاك الشيخ الثاني لا، تربى على أيدي مشايخ مشارقة أو مغاربة، عندهم الكتب المعروفة في هذا العلم تختلف عن ذاك الشيخ، وهي توصل بشكل من الأشكال، لكن العبرة فيك أنت، أنه أنت راح تصير محتار، هو أمشي مع نصيحة الشيخ الأول ولا الثاني ولا الثالث ولا الرابع؟ فتصبح ايش الأمور عندك متداخلة؟ لا.
لكن إذا أنا في بداية طلبي للعلم مسكت شيخا واحدا من المشايخ الموسوعيين نوعا ما، وبدأت أتعلم على منهجيته، أترقى، أصبحت جيدا في النحو، في الصرف، في أصول الفقه، في العقيدة، في كذا، خلص، حصلت الأساسيات، وعرفت المنهج، ومسكت الرؤية، بعد ذلك لابد وأن تعدد، مش يعني عفوا مستحب، لابد وأن تعدد، لأنه كما يقولون، لن تعرف خطأ شيخك الأول حتى تسمع من الشيوخ الآخرين، هو شيخك الأول تظن كل اللي حكاه صح؟ هذا معصوم هذا؟ لا، لا يمكن، لكن العبرة أنه متقن، وجل ما تكلم به صحيح، لكن أين ستكتشف أخطاء شيخك؟ لما تسمع من غيره، فمرحلة تعداد المشايخ مرحلة ثانية في حياتك، بعد أن تشعر أنك تأسست في العلوم الأولى على شيخ، نعم، بعد ذلك انطلق.
وأنا عندي تجربة شخصية ومع كثير من الإخوة الذين كانوا كل يوم في مشرب وكل يوم مع شيخ، ما عندهم رؤية، تخبطوا كثيرا، تخبطوا كثيرا، لأنه كل واحد سيعطيه ما يميل إليه، خاصة أن حتى ميولات المشايخ تختلف، يعني شيخ يميل لأصول الفقه والفقه، أسا الشيخ الثاني يميل للعقائد أكثر، فستجد الفقيه يزهدك في كتب العقائد، والعقدي يزهدك في كتب الفقه، وأنت عاد عندك صراع داخلي، أرد على فلان ولا على فلان؟ لكن المتوازن المشارك، لا، بقول لك: أخي أنا بعطيك وردة من كل بستان، تتأصل، تتعلم، تعرف المنهجية، ثم بعد ذلك خلص، ما بخاف عليك، لأنه أنت عرفت كيف تبنى العلوم ومناهجها، فتعرف أن فلان لما نصحني بكذا لاهتمامه بالفقه، وأن ذاك عندما نصحني بالعقيدة لاهتمامه بالعقيدة، فيصبح عندك أنت رؤية تستطيع من خلالها أن توازن بين كلام المشايخ.
طيب، ستقول لي: طب إذا أنا كنت في بلد لم أجد شيخا مشاركا في العلوم، وهذا كثير، يعني أنت افترضت حالة مثالية، أنه أنا سأجد شيخا مشاركا في العلوم يؤسسني في مختلف العلوم، ثم أنطلق أتوسع، طب أنا ممكن أكون في منطقة لا يوجد فيها، فيها شخص جيد في النحو، ولا يعرف شيئا في العلوم الأخرى، شخص جيد في الفقه، ولا يعرف شيئا في العلوم الأخرى، شخص جيد في التفسير، و أو في مثلا أبواب أصول الفقه، وضعيف في العلوم الأخرى، فأقول هنا خلص، ما في إلا تعدد المشايخ، يعني ما عاد هناك حل ابتداء إلا أن تعدد مشايخك، وتسأل الله أن يرزقك، فذاك يعطيك النحو، ذاك يعطيك أصول الفقه، ذاك تتعلم العقيدة، لأنه ما عندك القاعدة الأولى وهو الشيخ الموسوعي الذي يستطيع أن يؤسسك، ثم تحلق بعد ذلك، فهذه أيضا مهمة جدا.
طيب، الآن بقي عندنا سؤالان حقيقة، وأنا ما ظننت أن اليوم ممكن أن أنهي الكلام عن المعلم لأنطلق في مركزية أخرى الدرس القادم، لكن الظاهر أن هذه اختيار المعلم، مش مشكلة، لأنها الأصعب، بقي عندنا سؤالان، يعني بعد أن عرفت ما هي الصفات التي ينبغي أن توجد في معلمي، كيف أصل إليه؟ يعني ما هي الطرق الوصول إلى هذا المعلم؟ أنت أعطيتني مواصفات، يلا الآن بدي أمسك هذه الروشتة اللي فيها المواصفات، وأبدأ أقلب النظر في أهل زماني، كيف أعرف أن هذا الشخص المتصدر توجد فيه هذه المواصفات؟ لأنه اليوم للأسف المعايير ضاعت.
بعض الناس ممكن يشوف قناته على اليوتيوب كم مشارك فيها، هذا هو الشيخ، لا، ممكن تكون قناته فيها مليون، بس هو ضال يعني عادي، فمعايير اليوم أصبحت صعبة ومعقدة، لأنه أصبحت الشهرة وأساليب الشهرة مختلفة عما عليها في زمن السلف، في زمن السلف لا يشتهر إلا من عرفه فعلا العلماء أنه عالم، اليوم قد تجد شخصا والله إخواني لا يضبط الأجرومية، ولا يعرف أساسيات العلم، لكنه بيعرف يحكي ومشهور وعنده متابعين بالمئات الآلاف، فأنت المسكين تخدع، فيصبح معيارك في اختيار الشيخ كم عنده متابعين على اليوتيوب، كم عنده متابعين على السوشيال ميديا، كم، وهذا ليس معيارا أصلا ولا يلتفت إليه ولا قيمة له، فكم من إنسان أشعث أغبر لا يعرفه أهل الأرض، يعرفه أهل السماء، علمه يسوى كل جماعة اليوتيوب هؤلاء كلهم، يضعهم في جيبته ويقول: سلام عليكم، تمام؟
بل بالعكس، يعني أصلا هو كلما رأيت الشخص أكثر حضورا، يعني متفاعلا مع الجمهور في اليوتيوب، اعرف أنه أقل علما في العادة، الذي هو أكثر حضورا هو أقل علما، لأنه العالم الكبير، سامحني، الثقيل، ما عنده وقت لسفاسف الأمور، ما عنده وقت، ويعلم طلابه ويخرج أجيال، أما اللسان الفارغ الذي ما عنده شيء هو الذي جالس على اليوتيوب، هو الذي شغال في الناس وفي المجتمعات، أما العالم الكبير هذا لا تجد لديه وقتا ليدخل في سفاسف الأمور، فهذا سأتكلم عنه بالتفصيل يعني في الدرس القادم إن شاء الله، كيف أصل إلى تحديد هذا المعلم وأتأكد من وجود هذه المواصفات فيه، ثم سأختم بالكلام إذا يعني اخترت المعلم خلص ووصلت إليه وعرفت أن هذا هو الشخص المناسب، ما هي الأدبيات التي يجب أن أنتهجها أنا كطالب مع المعلم؟ أخلاقيات الطالب مع المعلم، هذا تكلم فيه كثير من العلماء، أدب العالم والمتعلم، أدب المفتي والمستفتي، وتكلمنا عن ذلك كثيرا يعني، وهنا سأختم بكلام لأبي حنيفة رحمه الله عليه يدل على كم كانوا يتراوون في اختيار المعلم، كان يقول: كنت أجلس إلى الرجل الشهر والشهرين والثلاث، فأنظر في أمره حتى إذا تيقنت أنه أهل، تعلمت على يديه. شوف، أبو حنيفة ايش يقول؟ كما ذكر ذلك الزرنوجي في تعليم المتعلم طريق التعلم.
عملية اختيار الشيخ ما هي سهلة، ما هي تفتح يوتيوب وتشوف الشخص يحسن الكلام، خلص أتخذه شيخا أو تحضر له دورة، لا، كانوا قديما يتراوون، يعني ممكن يجلس شهر، شهرين، ثلاث بين يدي شخص لسه ما اتخذه معلم، فقط يراقب، ينظر، ينظر أسلوبه في الشرح، أسلوبه في طرح الكلام، أسلوبه في التعامل، عقيدته، حالته العامة، فإذا اقتنع أنه يصلح أن يكون معلما، اختاره بعد ذلك، أما أن تستعجل في هذا القرار، قد يكون دمارا عليك، وأقول: كثير من التشوهات اليوم في حياة كثير من الطلاب المبتدئين ناتجة عن اختيارهم لمعلم رديء واستعجالهم في الاختيارات، أو كما قلنا أنهم لم يعرفوا كيف يبحثوا عن الصفات، فاستعجل، فظنها بعوامل ليست عوامل محددة حقيقة.
في هذا الباب نقتصر الجلسة الأولى إن شاء الله على هذا المقدار، ونكمل في الجلسة القادمة، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل