دخولتسجيل الدخول

كيف تُبنى شخصية طالب العلم 2 ؟ | حقيبة مفاتيح الطلب - المحاضرة السادسة | برنامج التأسيس العلمي

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى.

حياكم الله أيها الأكارم، حياكم الله معاشر طلبة العلم، حياكم الله يا من تبحثون عن التأسيس العلمي وإيضاح البوصلة وسلامة المنهج ووضوح الطريق في هذا المسلك العظيم والشريف إلى الله سبحانه وتعالى في العلم الشرعي، الذي هو أشرف علم وأعظم مطلوب، والهمم فيه عظيمة والسلوك فيه شريف.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الثبات على هذا الدرب حتى نلقاه، ونعوذ به من الشواغل والقواطع، إنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير. ما زال حديثنا مستمرا في الحقيبة الأولى؛ حقيبة مفاتيح الطلب، وهي المفاهيم الأساسية التي ينبغي أن تتشكل لديك قبل أن تفكر أصلا في الولوج في المصنفات والكتب والمتون.

ينبغي أن تكون الرؤية واضحة لديك في طبيعة هذا الطريق ومفاتيح الأساسية، هيك سميناها مفاتيح الطلب؛ مفاتيح أساسية لابد أن تكون واضحة لديك، وهذه المفاتيح أيها الكرام هي أيضا تعينك على اتخاذ القرار، يعني كثير من القرارات العلمية: ماذا سأدرس؟ أين سأدرس؟ ما هو الطموح الذي أريد أن أضعه في طلب العلم؟

كثير من الأمور أنت تستعجل في اتخاذ القرار فيها لعدم علمك بطبيعة هذا الطريق، فأتَينا في هذه المفاتيح نوضح لك الطبيعة وما الذي يحتاجه، والكثير من المنطلقات حتى أنت تقرر بمساعدة أشياخك ما الذي يصلح لك.

والإخوة الذين سيستمرون معنا إن شاء الله إلى نهاية البرنامج؛ برنامج التأسيس العلمي ويتجاوزونه، سيكون بإذن الله لكل شخص منهم جلسة تقييمية بعد نهاية البرنامج حتى نقيم له ما الذي يصلح له، تمام؛ لأنه بالتأكيد الفائدة المرجوة في النهاية أني أقيم نفسي؛ أين أنا؟ أين أضع نفسي في هذه الخارطة؟ أتقدم، أتأخر؟ هل أنا أصلح لطلب العلم، أبحث عن تخصص آخر؟ طب إذاً لا بد أحضر مجالس العلم، طب إلى أي طموح يجب أن أصل؟ طب أنا منشغل بكذا، لا، طب أنا همتي عالية، أنا متفرغ، بالتأكيد المطلوب مني أعلى، طب كيف أصل إلى منجزات أعلى؟ وهكذا.

فباذن الله في نهاية هذه الدوره لمن -طبعا هذا خاص بمن سينهيها معنا كامله بإذن الله، ويكون واضح الحرص والجد- نعطيه مثل هذه الخصائص؛ أنها تحتاج لوقت، لكن الكسول الذي يقطع سريعا ولا يكمل معنا، فهذا يبحث عن شيء آخر إن شاء الله، لكن الذي ينتهي وهو حريص فعلا على أن يتأسس، هذا يستحق أن يعطى من الوقت والجهد حتى يعرف صلاحيته وما هي الأمور التي يجب أن ينتبه لها في هذا الطريق.

نحن شرعنا في المفتاح الثالث، اليس كذلك؟ المفتاح الثالث كان يتكلم: كيف تبنى شخصية طالب العلم؟ واظن هذا من أهم أهم مفاتيح الطلب؛ لأن كثيرا من الشباب هو بمجرد أن ينتهي من الثانوية العامة وهكذا، في مجلس إيماني روحاني مع أحد المشايخ الافاضل يحثه على طلب العلم، تشتعل همته فيقول: اريد أن اكون طالب علم.

فالقرار قرار لحظي وليس قرار مبني على دراسة حقيقية لطبيعة الشخصية والنفس وطبيعة الواقع العلمي اليوم. فلا بد أن تفهم أن العلم الشرعي مثله مثل أي تخصص؛ طبي، هندسي، برمجي، يحتاج انك تدرس نفسيتك؛ ما هي نقاط القوه في شخصيتي وما هي نقاط الضعف؟ طب هذا الطريق ما الذي يحتاجه أصلا من السمات الشخصية؟

معرفتك بهذه الأمور ستجعل في نوع من الوضوح -كما قلنا- في نوع من الوضوح أمامي في طلبي للعلم، وما الذي يصلح لي فيه وما الذي لا يصلح لي فيه، فلذلك اتينا هنا لننجيب عن هذا السؤال أو لنكمل الاجابة عنه، وهي بناء الشخصية العلمية.

المجلس الماضي قلنا إن بناء الشخصية العلمية أيها الكرام في ثلاثة جوانب، اليس كذلك؟ الجانب الأول ما هو يا راشد؟ لا تعرف أحسنت! الجانب يا عمار؟ الجانب العبادي.

طيب، الجانب الثاني: الجانب الشخصي؛ السمات الشخصية التي لا بد منها حتى تنجح في هذا الطريق. الجانب الثالث: الجانب المهاري؛ مهارات الفهم والتحليل، مهارة القراءة، مهارة الكتابة، مهارة التخطيط للوقت، مهارة التواصل مع البيئة العلمية، مهارة التعامل مع المخالف، مهارة التعامل مع التقنية الحديثة، هذه كلها مهارات اصبحت تفرض نفسها بقوه.

الجانب المهاري والجانب العبادي والشخصي.. الشيء بالشيء يذكر يا كرام، هنا سنبهكم في نهاية كل حقيبة أيضا.. الشيء بالشيء يذكر: في نهاية كل حقيبة عندنا امتحان سيكون فيما تم التطرق اليه؛ مفاتيح الطلب عندما ننهيها عندنا إن شاء الله اختبار نهائي، والحقيبة؛ حقيبة المهارات عندما ننهيها فيها اختبار نهائي نظري، هذا غير الواجبات التي عم نعطيها أول باول من أجل أن تكتسب المهاره.

أنا أريد أيضا أن أنظر ما مدى تحصيلك واستيعابك لما تم الحديث عنه.

طيب، نعود في الجانب العبادي أيها الكرام؛ قلنا هناك صفات للشخصية العلمية في الجانب العبادي، وقلنا أصلا العبادة هي وقود العلم؛ يعني شخصية علمية لا يوجد عندها تعبد لله عز وجل، هذه شخصية هزيلة ضعيفة، لا تكمل في هذا الطريق، وإذا أكملت -إذا أكملت- قد تكون كارثة على الأمة؛ لأن الذي لا يزكي قلبه إنما هو فقط يجمع معلومات تكون حجة عليه يوم القيامة.

فقلنا الجانب العبادي فيه مجموعة من السمات.. يلا، من يذكرنا فيها؟ تففضل. الورد اليومي.

قلنا: ما مكونات الورد اليومي لطالب العلم؟ أكمل. نعم، قيام ليل ولو قبل النوم، ما في مشكلة. اثنان: المحافظة على الأذكار، وأقلها أذكار الصباح والمساء وأذكار الصلوات. ثالثا: القرآن، أي طالب علم لا بد يكون له ورد يومي من هذه الوجبات الثلاث، بنسميها كأنها وجبات ثلاث لا بد أن تأكلها، إذا لم تأكل هذه الوجبات الروحانية الإيمانية ستكون ضعيفا؛ ضعيف في التحصيل، ضعيف في الهمة، ضعيف حتى في حضور المجالس، ضعيف في الإنتاج في القراءة في التحصيل؛ لأنه ما عندك قوة إيمانية روحانية.

طيب، إذاً: الورد اليومي ممتاز. اثنين.. أيوه، بسم الله.

نعم، أن تعمر قلبك بأعمال القلوب. طالب العلم يحتاج أن يملأ قلبه بمجموعة من أعمال القلوب التي بإذن الله تشكل له دافعية وقوة في هذا الطريق؛ تقوى الله عز وجل، الخشوع، الخشية، الخوف من الله، الرجاء، محبة الله سبحانه وتعالى، كل هذه الأعمال يجب أن تنميها.

وتنميتها كيف تكون؟ هذا ربما لم نتطرق له بالتفصيل، لكن سؤال: كيف أكتسب أعمال القلوب؟ تفضل.

الخلوة. الخلوة مع النفس والتفكير في هذه الأمور. نعم، ممكن يكون آليا من آيات الاكتساب الذي يخلو مع نفسه كثيرا وفكر في عظمه ربه وجلاله ونعمه وما يستحقه، هذا يساعده على اكتساب مجموعه من اعمال القلوب.

طيب، الخلوة أيضا غيره؟ حذيفه ما هو؟

التعرف على معاني العبودية.

التعرف على معاني العبودية. طيب، كيف بدي أتعرف؟ ما أنا بدي شوي أعمق شوي السؤال: كيف سأتعرف على معاني العبودية؟ تفضل.

تدبر آيات الله.

يعني بالتاكيد الورد اليومي اللي حكينا عنه ثلاث أشياء؛ أذكار، قيام ليل، قرآن، هذا الورد اليومي هو أصلا الوسيلة لاكتساب أعمال القلوب؛ فمن يحافظ على تدبر القرآن، من يحافظ على التدبر في الأذكار، من يحافظ على التدبر والهدوء في قيام الليل، هذا هو الوسيلة والمغذي والشريان الرئيس من أجل اكتساب أعمال القلوب.

خاصة من الناحية العملية التطبيقية، أيضا المحاضرات والمجالس، المشايخ والعلماء هي لها دور أيضا في إيضاح معاني أعمال القلوب حتى لا تتطرف فيها ما بين إفراط أو تفريط.

فإذا العلم -يعني كما كان الصحابة يقولون- إن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم الإيمان ثم علمهم القرآن، مش قال الصحابة الكرام: كنا نتعلم الإيمان ثم نتعلم القرآن؟ هذا يدل على أن النبي عليه الصلاه والسلام علمهم أعمال القلوب؛ ما معنى الخشية؟ ما معنى التقوى؟ ما معنى محبة الله؟ ما معنى الخوف؟ ما معنى الرجاء؟ ما معنى التوكل؟ ما معنى الرهبة؟ يعلمونها من ناحية نظرية علمية في مجالس المشايخ الأفاضل، ثم بعد ذلك يتعلمونها من ناحية تطبيقية من خلال المحافظة على الورد اليومي.

لذلك إخواني، الورد اليومي -يعني طالب علم بدون ورد يومي- من التعب.. لا تتأامل فيه كثيرا؛ طالب علم بدون ورد يومي من التعب، لا تعقد عليه الخناصر في العادة، لأن العلم أصلا هو الخشية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

فطالب علم والله ما عنده ورد يومي من القرآن، ايش هذا الطالب؟ طالب علم لا ما عنده أذكار.. أذكار صلوات.. أو ماذا بقي طالب علم؟ يعني ولو ما بين الفينة والفينة يتعهد قيام الليل، بالتأكيد هذه فجوات كبيرة، عليك أن تتدارك هذه.. أهم أنك تحفظ الآجرومية، أهم أنك تحفظ متنا في الفقه الحنبلي أو الشافعي أو المالكي، أو هم تحفظ الألفيات، أهم من ذلك أن تصلح قلبك وعلاقتك مع الله عز وجل، ثم بعد ذلك يفتح الله عليك.

طيب، أيضا قلنا الجزئية الثالثة في الجانب التعبدي.. تفضل.

العمل بالعلم.

العمل بالعلم هذا ركن أساسي، وهو أننا لا نستكثر من العلم ونستقل من العمل، بالعكس؛ المطلوب أن تستكثر من العمل أكثر من العلم. ولذلك أيها الكرام، السلف رضوان الله تعالى عليهم كثيرا ما كانوا يقولون: إنما يستعان على ضبط العلم بالعمل؛ يعني أن تعمل بعلمك هو من وسائل ضبط العلم وأن يثبته الله عز وجل في قلبك.

ولذلك كثير من المسائل الشرعية الفقهية لو أنك عملت بها ما نسيتها، لو أنك عملت بها ما نسيتها، لكنك تنساها لأنك لا تعمل بها في حياتك وفي سلوكياتك الاجتماعية.

طيب، إذاً: العمل بالعلم، وهذا مفهوم عظيم ركز فيه العلماء وكتبوا فيه مصنفات. قلنا من المصنفات التي أفردت للعمل بالعلم؟ اه، عمار؟

اقتضاء العلم العمل.

لمن هذا الكتاب؟ للخطيب البغدادي رحمه الله عليه. ولعلنا في يوم من الأيام نجمع هكذا مجموعة من الكتب الكبيرة التي تركز على كل هذه الصفات وعلى كل مفاتيح الطلب، حتى تقراها قبل أن تسلني: ماذا أحفظ في النحو والصرف والبلاغة؟ لا، دعونا نعرف ماذا كتب علماؤنا في وسائل التعلم، ما هي الكتب التي ينبغي أن نقراها من التراث؟ ماذا كتبوا في السمات العبادية؟ ماذا كتبوا في الصفات الشخصية؟ فالتراث الإسلامي مليء بالكتب النافعة المميزة في هذا الجانب.

طيب، النقطه الرابعة والأخيرة.. شيخ أبو محمد؟

التقليل من الذنوب والمعاصي.

يعني طالب العلم مطلوب منه أن يقلل من الذنوب والمعاصي أكثر من غيره. الكل مطلوب منه أن لا يعصي، المسلم العامي أو طالب العلم، لكن طالب العلم لأنه اشتغل بمعرفة الله ويريد أن يكون حجة على الخلق، فهذا مطلوب منه أن يكافح أكثر وأكثر، أن يجاهد أكثر وأكثر في ميادين المعاصي والذنوب أن يقلل منها.

وأما هذا الطالب الذي مجرد -يعني- يقرأ المصنفات، ثم بعد أن ينتهي من المصنفات يفتح الجوال لينظر في صور محرمة أو ينظر في أفلام.. ما هذا العلم؟ تقرأ في الفقه وتقرأ في النحو وتقرأ في العقيدة، ثم بعد ذلك خلص خلصنا، الآن الساعة هذه الآن ساعة للشيطان! هذا ما يصلح، بالعكس، إذا جاءك الشيطان بدك تكون رابط نفسك؛ تستحي من نفسك أنني الآن كنت في علم وأعلم الناس الخير، أو أدرس، أو إذاكر، أو أحفظ منظومة علمية، أو ورد قرآني، فلا يصلح بعد ذلك أن أتبعها بساعة شيطانية مليئة بالذنوب والمعاصي.

نعم، كما قلنا نحن نضعف، ياتي الانسان فلتات عيون أو تأتيه كلمات في غير مكانها، نحن نعصي، طالب العلم ليس معصوما، لكنه يجاهد، ما دمت اخترت هذا المنصب وهذا الطريق عليك أن تجاهد.

انتقلنا بعد ذلك إلى السمات الشخصية بعد أن أهبنا من السمات العبادية؛ انتقلنا إلى السمات الشخصية في طالب العلم، وذكرت أول سمه فقط وقفت عندها. هذه السمة الأولى ما هي؟ وهي أعظمها وأهمها؛ علو الهمة.

أول عنصر أساسي في شخصيتك؛ علو الهمة؛ لأنه إنسان كسول، عاجز، ملول، كثير الفتور، هذا من أين سيطلب العلم؟ الشخصية كثيرة الملل والفتور والكسل ولا تريد أن تنجز، وتتکاسل في نومه، ويتكاسل في حياته، ليس سريعا ذاهبا عودة قراءة وحفظا، هذا من أين يحصل العلم أيها الشباب؟

فعلو الهمة هو الأساس، وهذا يحتاج إلى نفس شريفة. وقلنا: طيب، إذا قلت إن علو الهمة هي الصفة الأساسية الأولى في شخصية طالب العلم، إذاً لابد نتعلم كيف نكتسب علو الهمة، صح؟ كيف أكتسبها؟ كيف أكون شخص طالب علم همتي عالية، لست كثير الضجر والملل من الدروس والمحاضرات والمجالس والحفظ والنظر؟ كيف أكتسبها؟ قلنا هناك وسائل.. تفضل.

نعم نعم، مصاحبة الأشياخ والزملاء أصحاب الهمة العالية.

مصاحبة المشايخ والزملاء أصحاب الهمة العالية؛ أحيانا لما يكون زميلك ما شاء الله يحفظ بقوه، ودائما كتابه معه ذهابا وإيابا، يا اخي يشحذ الهمة، تحاول أن تنافسه. أما زميلك ينام للساعة 12 ظهرا ولا يقرا كتابا، ودائما كلما تريد تذهب معه لدرس العلم: والله يا اخي اليوم الدنيا حر، نشوف الشيخ على الأونلاين، لا، اليوم ترى ما عندي وقت أحفظ، محفوظ دائما هو سلبي، لا يريد يحفظ، لا يريد يحضر الدروس، يريد يعتذر دائما، يقول لك: إيش رأيك نخرج لمطعم ناكل؟ إيش رأيك نذهب إلى كشتة نخرج؟ يريدك دائما في اللهو والمرح، هذا لا يصلح أن يكون رفيقا لك في طلب العلم.

وكثير من طلاب العلم ينكسرون من زملائهم؛ أنه زميلي لا يساعدني على طلب العلم، لا يرفع همتي، حقيقة تحتاج أن تعتزل هذا النوع من الزملاء؛ يعني تبقى بينك وبينه أخوة الإسلام، لكن لا يصلح أن يكون رفيقا في هذا الدرب. هذا الدرب طويل نعترف بذلك، شاق في حفظ وكد وتعب وعرق.

ومسافات تقطع، فهذه تحتاج إلى شخص يخفف من لهيب الحرارة هذه، من لهيب الحياة العلمية. شخص سبحان الله إذا رأيت في وجهه تذكرت الله، وإذا نظرت في همته تذكرت همة السلف، وإذا نظرت في أسلوبه ومنهجه العلمي تراه ضابطاً. حقيقة هذا يأخذك مراحل ومراحل تقطع معه بسرعة العمل والإنجاز، سواء كان شيخاً أو زميلاً. لكن أنا أنصحك بالزميل كذلك بقوة، يعني لا تقتصر على همة الشيخ، لأنه الزميل قد تراه أكثر من الشيخ، وأنت تحتاج إلى أخ يذهب معك ويأتي.

طيب، أيضاً الطريقة الثانية لاكتساب الهمة العالية: النظر في الكتب التي تتحدث عن سير العلماء؛ زي سير أعلام النبلاء، مناقب الشافعي، مناقب مالك، التنبيه على مناقب الأئمة الأربعة، وهكذا. حتى من الكتب المعاصرة: قيمة الزمن عند العلماء للشيخ عبد الفتاح أبو غدة، صفحات من صبر العلماء على طلب العلم لعبد الفتاح أبو غدة. يعني في كتب معاصرة بلغة معاصرة، وهناك كتب بلغة قديمة. دائماً من أفضل وسائل استحثاث الهمم ورفعها أن تقرأ في السير؛ سير أصحاب الهمم العالية، لما تراه كيف يخطط ويبرم يومه، كيف يشغل حياته بالخير. لماذا بريكم الذهبي، أعود فأقول يعني كتب سير أعلام النبلاء أكيد من مقاصده أن يجمع حتى سماهم أعلام النبلاء، شوف اختيار الاسم؛ شخص نبيل لأنه عاش حياته لهدف، عاش حياته لغاية شريفة، فهؤلاء هم الذين يستحقون أن يذكروا في مجالس.

ولذلك الذين عاشوا في الحقب التاريخية الماضية كثر، اللي عاشوا في القرن الثالث الهجري والرابع الهجري كثر، لكن من الذي بقي ذكره؟ الذي عاش من أجل غاية شريفة. أما الذي عاش من أجل نساء أو من أجل شهوات أو من أجل حتى كسب وتجارة لشيء مباح كله ذهب ذكره، وإنما بقي ذكر العلماء الذين عاشوا من أجل غاية شريفة وخدموا دين الله سبحانه وتعالى، أو المرابطين أو ما شابه ذلك.

طيب، إذا قلنا: مصاحبة المشايخ والزملاء أصحاب الهمم، والقراءة في كتب الهمم العالية، أيضاً ايش ممكن نضيف؟ تفضل. التربية والتنشئة؛ يعني هناك جزء من الهمة العالية أنت تحصله من التربية، أن يكون والدك أو والدتك وأنت صغير غرزا فيك البحث عن الأمور الشريفة، وهذه مسؤوليتكم أنتم كآباء وأمهات غداً إن شاء الله؛ عود ابنك على أن يكون صاحب همة وطموح كبير، ما يكون همه فقط لعبة بلايستيشن، أو يخرج مع الأطفال إلى لهو وعبث. الآن في هناك مساحة بالتأكيد لابد منها من المرح، لأن هذا طفل، لكن علمه كيف يكون صاحب همة، اغرس فيه أنه يا بني أنا الآن أنت تذهب وتحضر أو يا بني أنت تذهب وتحضر وتلعب، لكنني لا أريدك لهذا، نحن نريد لك لأن تكون مجاهداً خادماً لدين الله، عالماً، قائداً، وما شابه ذلك.

دائماً لما يسمع الابن هذه الكلمات الكبيرة من والده أو والدته ينغرس الشيء في نفسه أنني خلقت من أجل أمر عظيم، فيبدا يبحث عن هذه المسالك. أما إذا عاش حياته وصل إلى العشرين وهو لم يسمع مرة من أبيه ولا من أمه أنك خلقت لغاية عظيمة، أو أن مثلك لا يصلح له أن يكون مع اللاهين والعابثين، من أين ينجح وكيف يفلح؟ فننتبه لهذا الأمر، اغرسوا في أبنائكم وبناتكم معالي الأمور.

حتى أنت الآن كصاحب مركز قرآني أو علمي، اغرس في الأطفال أو الشباب الصغار عندك في المركز القرآني أنك خلقت لغاية شريفة. خله يسمعها حتى لو هو بيلعب، حتى لو هو شغال باللعب ولهو، على الأقل دعه يسمع هذه العبارة منك، وكرر هذه العبارة لعلها تنقدح في ذهنه يوماً من الأيام. لذلك كثير من العلماء، كما مثلاً ما قرأناه في مدارج السالكين أو صيد الخاطر لابن الجوزي، وجه هذا الكتاب لابنه الشاب الصغير عندما راه ليس منكباً على العلم، منشغلاً به ومنشغلاً باللهو والعبث كأبناء زمانه، كتب رسالة كاملة له من أجل أن ينبهه يا بني إنما خلقت لأمر عظيم.

هذه الرسائل كذلك النصيحة الولدية تمام لأبي الوليد الباجي رحمه الله عليه، وغيرها من هذه الرسائل التي تركها العلماء لابنائهم ينصحون بها أبنائهم. وصية ابن قدامه لأولاده، كل هذه الوصايا والكتب تعطيك كيف كان العلماء دائماً على حرص تام أن ينشئ ابنه على معالي الأمور، ولذلك كانوا يأخذون أبنائهم إلى المجالس العلمية دائماً. لما تنظر في علم الإجازة، لما كان يقام مجالس السماع في الأمصار العظمى، تجد الفقهاء وعلماء الحديث يجيزون أطفال صغار عمره خمس سنوات، أربع سنوات، يجيزه بصحيح البخاري والترمذي مع أنه هو لم يفهم شيئاً، هو لماذا يجيزه؟

أعيد السؤال مرة أخرى: لما كانت تعقد مجالس السماع في المساجد الكبرى في دمشق وبغداد كان يحضر هذه المجالس الصغار والكبار، وكان العلماء يتعمدون إجازة الأطفال الصغار اللي عمره خمس وأربع سنوات، لماذا يجيز مع أنه بالتاكيد لم يفهم؟ تفضل. تحفيزاً له.

أحسنت، أحسنت. أنه هو لما يحضر عمره أربعة أو خمس سنوات ويرى أبهة العلم ومجالس العلم ينغرس في نفسه الهمة العالية والهمه الشريفة. بخلاف الأب الذي دائماً يأخذ ابنه إلى الأعراس المختلطة والحفلات الماجنة وأماكن اللهو واللعب، ينشأ الابن وفي ذهنه فقط مشاهدة هذا اللهو والعبث، ما عنده مدخلات صحيحة لأمور شريفة. فلذلك من حسن التربية أيضاً أن الأب والأم يصحب ابنه إلى مجالس العلم وإلى مجالس الخير، لابد يشاهد الابن معالي الأمور، لابد وأن يشاهدها وأن يراها.

مثلاً لما كنا نقرا سيرة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله عليه في كثير من المناطق يمر معنا أنه كان يجعل أبناء الصغار يحضرون تجهيز الجيوش والذهاب معه والعودة في الميمنة والميسرة، قد لا يقاتل، لكن يرى، يرى الجيوش الإسلامية وهي تتجهز. لماذا يفعل ذلك صلاح الدين؟ حتى ينشأ ابنه على حب الجهاد والرباط في سبيل الله، فهو يرى الجيوش الإسلامية أمام ناظريه، فترى أحياناً ما يرى بالعين يكون أثره أعلى بكثير من مجرد نصيحة عابرة.

لذلك أعود فأقول: حضور الأبناء من الصغر المساجد والصلوات، حضورهم في مجالس العلم، هذا مطلوب، هكذا تنغرس الهمة، هكذا ينغرس الطموح في نفسه مع إسعاف ذلك بالنصيحة والتوجيه من الأب والأم.

طيب، هذا فيما يتعلق كما قلنا به قضية علو الهمة. نذهب الآن إلى الصفات، إلى الصفة الثانية يا رب.

بسم الله، بسم الله. إذاً نحن الآن نتكلم عن الصفات الشخصية، تجاوزنا الصفات العبادية، أنهينا أول صفة كانت علو الهمة. طب الصفة الثانية يا إخواني من سمات الشخصية العلمية: الحرص على التعلم.

الحرص، لذلك الشافعي ماذا قال في صفات طالب العلم: ذكاء وحرص واجتهاد وبلغه وصحبه أستاذ وطول زمانه.

فالصفة الثانية وجود الحرص. الحرص هذا مفهوم بحد ذاته عظيم جداً في حياة طالب العلم؛ هل أنت حريص أن تحضر مجالس العلم؟ مش فقط تحب حضور مجالس العلم، المحبة شيء والحرص شيء آخر. يعني قد تقول: أنا بحب العلم، لكن واضح من حالتك ومن سلوكياتك أنك لست حريصاً. أنت قد تحب شيئاً، لكن لا يظهر الحرص على والخوف من ذهابه وعدم وجوده. لا، في إنسان يحب شيئاً وترى فيه حرصاً واضحاً على عدم فواته، فتجده حريصاً ألا يفوت مجلس من مجالس العلم.

مثلاً إذا هو دخل في دورة علمية يبرمج ذهنه ووقته أنه هذه الدورة يجب ألا أغيب عن أي يوم فيها، وهذا للأسف مفقود عند كثير من الشباب، خاصة مع الأنظمة الجامعية اللي عودتنا نظام الغياب؛ مش مشكلة الآن، أنت في الجامعه قد تغيب أيام وكذا وما حدا يغيبك وتنجح في الامتحان وتجيب علامة وأمورك طيبة. فبعض الطلاب ينشأ عنده نموذج لأنني أنا أستطيع أن خلاص أتحصل العلم وحدي وأقرا في الكتاب وحدي وانجح في الاختبارات، ما في داعي أحضر مجالس التعلم، هس في الجامعه ما همنيش كثير.

لكن في الحياة العلمية الأخرى لا يصلح طالب علم يشرع في دورة علمية ثم مجلس، مجلسين، ثلاث، أربع ثم يفقد، خلاص يفقد، ثم يعود بعد ذلك يسجل في دورة علمية أخرى. بتعرفوهم هؤلاء جماعة المجالس الثلاث الأول، اللي كل ما تعلن عن دورة علمية مع أي شيخ: أنا معكم يا مشايخ، مجلسين، ثلاث، أربع، وين راح الشيخ؟ اختفى. طيب، يسجل في دورة علمية أخرى، مجلس، مجلسين، ثلاث، أربع، أين ذهب؟ اختفى. هذا واضح أنه لا يملك الحرص، ما عنده حرص على العلم.

الان، معرفتنا بمشايخنا وما نقرا في السير أن الإنسان لا يغيب عن مجلس العلم إلا في حالة قاهرة جداً جداً، من وفاة حبيب أو مرض شديد. وهنا تذكرت قصة: كان هناك شيخ يدرسنا في المدينة النبوية اسمه الشيخ عبد العزيز الجهاني، أذكره بالخير وكان يدرسنا، وهو يعني لم يكن كبيراً كثيراً في السن، في آخر ال يعني 39، لا لا، أوائل الـ 40 هذا أذكره وعلق في علق في ذهني لشده حرصه. في يوم زواجه، في يوم زواجه كان هو مشارك في دورات الشيخ يحيى اليحيى في حفظ الحديث، في يوم زواجه الناس ذهبت إلى قاعة الزواج، هو عنده تسميع في هذا اليوم، هو العريس يا إخوان، هو العريس! الناس ذهبت إلى قاعة الزواج، هو ذهب إلى المسجد النبوي، سمع ورده ثم ذهب إلى القاعة.

اليوم بعض الشباب إذا هو بس فكر يتزوج بغيب خمس أشهر قبل هذا عن الدورات، وعليها خمس أشهر يعني سنه كامله غائب. أين أنت؟ والله تزوجت يا شيخ، يعني هو تزوجت تغيب خمس أشهر قبل العلم عن العلم خمس أشهر بعدها؟ أقول هذا نموذج بالنسبة لك قدوة جميلة؛ حرص، حرص على التعلم، لا يريد أن يغيب عن ورد التسميع حتى في يوم زواجه.

اليوم حتى من النماذج للأسف الأنماط الجامعية أنشاتها، وأنا أقول الأنماط الجامعية ورثت لنا جيلاً فاشلاً، الأنماط الجامعية ورثت جيلاً فاشلاً. اليوم احنا اقتربنا من الامتحانات النهائية، بمجرد أن تبدا الامتحانات النهائية آخر اسبوع: والله نفسيتي مش مستعده لأن أدرس العلم سامحوني، فقط بدي أستعد للامتحانات. ثم بعدها نوع من الإجمام، أسبوع نفسي غير مستعده بعد الامتحانات، أريد أن أتجه، ثم بعد ذلك ها.

مثل هذا الطالب إذا رايته بهذا النمط أنا حقيقة لا أمل فيه خيراً كثيراً، هذا الطالب الذي يغيب أسبوعين قبل الامتحانات النهائية عن مجالس التعلم وأسبوعين بعدها، متى ستتحصل العلم؟ لأن الحياة الجامعية عندك: الفصل الأول امتحانات نهائية، والفصل الثاني امتحانات نهائية، وهذا على أربع سنوات سيتكرر. غير أنه بعض الطلاب لحساسيته المفرطة للاختبارات حتى الامتحانات الوسطى سيغيب قبلها وبعدها، ماذا بقي من السنة إذا أنت كل امتحانات ستغيب قبلها وبعدها؟

ماذا بقي بالله عليك من عمرك ومن حياتك العلمية وأنت الآن في عمر العشرين يعني في زخم التعلم؟ فلا تجعل هذه الأمور تؤثر على حياتك. إذا أنت حريص أن تحصل علامة في الجامعه مطلوب منك أن تخطط ليومك جيداً، أنه في ساعات سادرس فيها للمادة وساعات ساتقدم ولا أغيب عنها. حتى في أيام الماجستير في المدينة يعني ما أذكره كانت مجالسنا العلمية قائمة في المسجد النبوي في ليالي الامتحانات النهائية، ما كان المشايخ في الحرم يغيبون عنا ولا نغيب عنهم. عادي، غدا عندك اختبار في ماده طويله في المقاصد أو في أصول الفقه وكذا، وتسلك نفسك بالليل وتقرا ما في امتحان وتحضر المجالس في المسجد النبوي والأمور مستقرة، يعني ما في عنا حالة التأهب للامتحانات، يعني التخوف الذي يجعل الإنسان يغيب عن حضور مجالس العلم ويغيب عن ورده في الحفظ والدراسة هذا غير موجود.

نعم بالتأكيد سيقل الوقت، لأنه في دراسة عليك أن تدرسها، لكن الانقطاع الكامل وخلاص ما عاد يكمل الدورة لانشغاله هذا غير معروف. لذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أعطانا قاعدة جميلة، يقول ابن عباس كما جاء في جامع بيان العلم وفضله: منهومان لا يشبعان، منهومان لا يشبعان.

من هو المنهوم؟ الشرح، خلينا نقول: أقول أنا منهوم بهذا الشيء، يعني شره عليه. منهومان لا يشبعان. لكن ما هو النهم الذي يفكر فيه ابن عباس؟ احنا ربما نفكر بالنهم بالمطاعم والمشارب، لا، ابن عباس يفكر بشيء آخر. يقول: منهومان لا يشبعان؛ طالب علم، وطالب مال.

طالب علم، طالب مال. الآن اللي بفكر يصبح إنسان عفى معه مال كثير ومستثمر عالي بطبعه لا يشبع، يعني هذه أعتا شخصية لا تشبع، وهذه سهلة وموجودة فينا جميعاً قضية أن الإنسان لا يشبع من المال ويريد دائماً أن يكون راتبه أعلى، الموقع الوظيفي أعلى، كلنا يريد ذلك. لكن هنا الفكرة بالجزئية الأولى: طالب علم. يعني ابن عباس رضي الله عنهما عم بيعطينا في هذا النص صفة من السمات الشخصية في طالب العلم، ايش هي؟ أنه لا يتوقف نهمه. هكذا يتصور ابن عباس طالب العلم؛ هو شخص لا يتوقف عن النهم، لا يشبع من العلم، لو حق له في اليوم أن يحضر ثلاثة مجالس علمية لا يشبع، لو توفر له مشايخ دائماً يدرسونه ويعلمونه من مجلس إلى مجلس ومن حفظ إلى نظر إلى كتاب، وكل كتاب يهمه ويرى فيه فائدة له ينكب عليه انكباباً يقطعه تقطيعاً فهماً وتحليلاً، ويطبق عليه كل القواعد المتعلقة بالقراءة. نهم، نهم!

هذا النهم هو الحرص يا إخواني، وهذا يجب أنه أنت تغذيه في نفسك وتراقب نفسك؛ هل أنا فعلاً أشعر أنه عندي حرص على العلم؟ هل أنا فعلاً أشعر بالأسى والحزن العميق إذا فاتني مجلس مع المشايخ؟ ولا عادي جداً يعني أنه في الدورة أحضر خمس ست مجالس وأغيب نصفها وإذا غبت عن المجلس لا أشعر بالأسى ولا بالحزن؟

وكأن شيئاً لم يحصل إذا فاتك وردك اليوم من الحفظ أو من القراءة، لأنه الأصل طالب العلم قسم يومه ما بين حفظ وقراءة ودرس تحليلي وحضور مجالس مع المشايخ على حسب الجدول اليومي. هل تحزن وهل تقضي ما فاتك؟ يعني اليوم فاتك وردك من القراءة هل تقضيه غداً؟ لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كيف كان يعلم الصحابة الحرص؟ من فاته حزب ورده من الليل فقضاه من الفجر إلى الشروق إلى الظهر كتب له كأنما أتى به من الليل.

يعلمك النبي صلى الله عليه وسلم أن تقضي حتى النوافل حتى تتعود على الحرص، فالذي يفوته ورده من قيام الليل أو حزبه من القرآن في الليل بدك تقضيه؛ تقضيه ما بين الفجر والظهر خلص يحسب لك كأنك فعلته من الليل. هذا تعليم للإنسان أنه يكون دائماً حريصاً على إنجاز المهمات، حريصاً على أن ينتج، حريصاً على أن يقدم، حريصاً على أن يلتزم. هذا الحرص هو الذي ستجد ثماره بعد سنتين، ثلاث، أربع، خمس؛ أنك بدأت تنبغ في العلم وبدأت تفهم وتتعلم، لأنه لما كان يغيب زملائك عن المجلس أنت كنت حاضراً.

ما هي هذه الدنيا إخواني؟ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ هل يستوي من يحضر المجالس ويكتب ثم يعود ويراجع ثم يحضر للدرس الجديد ومواكب دوماً وبالكاد بالكاد يفوته ورده اليومي في الحفظ أو القراءة مع شخص غير مهتم لا يعبأ؟ هو فقط يحضر شرفياً ويغيب شرفياً، كتابه دائماً في آخر السيارة أكلته الشمس، وحفظ يحفظ في الاسبوع خمسة أبيات ويأتي أيام يقول والله مزاجي معكر، ما عندي وقت لأحفظ.

هذه الحالة الفوضوية في شخصيتك؛ أن تتعامل مع العلم الشرعي على البركة، زي ما نسميه إيه على البركة؛ جاءت، جاءت؛ ما جاءت، ما هي مشكلة؛ حفظت اليوم، حفظت؛ ما حفظت، ما في مشكلة. هذه الشخصية لن تكون ذات شأن في العلوم الشرعية، لأنه أعوُد فأقول: العلم طويل ومركب ومرتب ويحتاج إلى إنجاز بعد إنجاز، فشخص ما عنده هذا الحرص، ما عنده هذا الاهتمام، ويحتعامل بكامل برود الأعصاب ما عنده توتر إذا فاته هذا لا يصلح.

عليك أن تبني الحرص في داخلك. طيب كيف أبني الحرص يا شيخ؟ يعني ربما أنا الفترة الماضية يعني فعلاً أنا لست حريصاً جداً، لا أشاعر بذلك الحرص، أحضر مجالس العلم شرفياً وإذا غبت لا أشاعر بأي بأس وما عندي حتى ترتيب وتخطيط وما شابه ذلك.

أقول سريعا إخواني الذي يزرع الحرص عدة نقاط وعدة وسائل؛ منها وسائل اللي ذكرناها في علو الهمة؛ مصاحبة شخص حريص ومصاحبة شيخ حريص، لأن هذه مثل الأمراض المعدية تتناقل، فإذا كنت تعامل أو زميلك شخص حريص لعلك تتطبع بطباعه. أيضاً إخواني الترتيب والتخطيط لليوم، وسنأتي أن أصلاً من سمات شخصية طالب العلم مرتب منظم في جدوله، فوجود تخطيط وترتيب هو أصلاً يبرمج ويساعدك على أن يكون عندك ماذا؟ شيء من الحرص.

فهذه الأم... هذان أمران عليك أن تعتني بهما؛ هو وجود ترتيب وتخطيط لحياتك، هذا يعلمك الإنجاز وأن تكون حريصاً على الجداول، لأنه اللي ما عنده تخطيط ما في شيء يحرص عليه. ما هو إيش أحرص على ماذا وأنا أصلاً مش حاطط وقت للحفظ ولا واضع وقت للفهم ولا واضع وقت للقراءة ولا واضع وقت للدرس، فأحرص على ماذا؟ لابد من تخطيط وترتيب.

ثانياً لابد كما قلت من مصاحبة من عندهم الحرص لأن هذه إن شاء الله تنتقل بالعدوى إليك بإذن الله، وطبعا ربما أنت تقول لا أنا عندي وسيلة أخرى أَرثُ الحرص، أرجع لك. هذه أمور وسائل وآليات نختلف فيها، المهم أننا نصل إلى الثمره المرجوة.

طيب، النقطة التي تليها، يا رب. أي النقطة الثالثة في شخصية طالب العلم هو بلوغ النهاية والتفاني في الاجتهاد. بعض النقاط فيها تقارب، لكن في فروق دقيقة بينها؛ بلوغ النهاية في الاجتهاد التفاني فيه، يعني في العلم متفاني في العلم. الآن حتى الشافعي فرق بينها؛ لانه ايش قال الشافعي؟ ذكاء وحرص واجتهاد. جعل الاجتهاد خصلة والحرص خصلة أخرى. شو الفرق برأيك بين الاجتهاد والحرص؟ يلا بدي واحد هيك شاطر في علم النفس يعطينا شو الفرق بين الاجتهاد والحرص؟ اعطي المايك له.

دقيقه لا استنى شوي. يلا شيخنا الحرص الآن أنت شرحته أيوه، طيب الاجتهاد يعني هو بذل الوسع يعني أبذل كل ما وسعي حتى أبلغ المبتغى. جميل، بس أنت الآن ما أعطيتني الفرق، أنا بدي إياه بكلمتين شو الفرق بين مفهوم الحرص والاجتهاد؟ أه يا عبد الله بسطامي خلص شيخ طويل المشوار أحكي من عندك أهه شيخ حبيب. لا التفوق على الغير، أنت أعطيت يعني شيء زائد.

سريعا أحسنت، أنت اقتربت جداً إخواني الحرص هو شعور داخلي، وأما الاجتهاد فهذا عمل. الحرص هو أنني أنا داخلياً أشعر بالتخوف على العلم والنهم فيه والاقبال عليه. هذا شعور. الحرص ما هو شعور يترجمه يترجمه الاجتهاد، فالاجتهاد هو خليني أقول نابع عن الحرص ثمرة الحرص. فهمنا الفرق بينهما؟ فالحرص كيف أن أقول لك أنت حريص أن تحصل هذا المبلغ من المال، يعني شاعر داخلياً أنني أريده، حريص أن تتزوج تلك الفتاه يعني شاعر داخلياً أنك تريد أن تتزوج، شعور. أما الاجتهاد عمل وسعي وهو ثمرة الحرص.

طيب، إذاً بلوغ النهاية في الاجتهاد والتفاني في العلم هذا لابد منه، ويجب أن تتصور هذه القضية في سمة طالب العلم الشخصية العلمية شخصية مجتهدة؛ يعني تبذل غاية الجهد، مش تعطي العلم نصف ساعة في اليوم وإذا الشيخ أعطانا محاضرة أكثر من ساعة ونصف يبدأ يشعر بالتململ والفتور وكذا وما عندي رغبة، وإذا كلف بواجب شرعي زائد بالعكس من الاجتهاد أن الشيخ إذا قال لك اليوم تحفظ خمس أبيات تأتيه تحفظ ست سبع أبيات، إذا الشيخ قال لك اليوم تقرا 20 صفحة تستطيع أنك تنجز أكثر.

اليوم تعاملنا مع كثير من طلاب العلم... دائماً طالب أو كثير من طلاب العلم مش دائماً كثير من طلاب العلم كلف بواجب ياتي في العادة أقل مما كلف به، هذا ما ع... في العادة الاجتهاد المطلوب؛ يعني الشيخ كلفك أن تحفظ عدد معين إذا نمطك دائماً لا تلبي طلب الشيخ فتحفظ أقل من القرآن، من الحديث، من... إذاً وين اجتهادك؟ وين حرصك؟

الشيخ طلب منك تقرأ كتاب معين بعد شهرين ثلاث يسألُك هل انجزت هذا الكتاب؟ والله لسه يا شيخ ترى انشغلت بكذا وصار معي كذا، دائماً تخلق لنفسك الأعذار والتبريرات لماذا لم تنجز؟ لماذا لم تحفظ؟ لماذا لم تؤدي المطلوب؟ هذه الشخصية ما عندها اجتهاد ولا تفاني. إخواني التفاني يجعلك دائماً تقدم أكثر من المتوقع منك. الاجتهاد يجعلك تقدم أكثر مما يتوقعه المعلم والشيخ.

لذلك مثلاً من القصص الشهيرة سبحان الله في التفاني والاجتهاد في العلم قصة تاريخية هناك بقي ابن مخلد، هل تعرفون بقي بن مخلد القرطبي رحمه الله عليه؟ هذا رجل قصته عجيبة في التفاني والاجتهاد. رجل من قرطبة من الأندلس سمع بأحمد بن حنبل في بغداد فقال لابد وأن أتيه لأسمع منه الحديث. هل تملك راحلة تخرج عليها؟ قال لا أملك مالاً أشتري به راحلة. فخرج ماشياً على قدميه. من أين؟ من الأندلس تمام! ربما ركب سفينة، يعني دائماً هي القصص هذه لا تؤخذ بالتفصيل الدقيق، يعني معقول يا شيخ في أثناء الطريق... أنت لا تاخذني بالتفصيل، لكن قال كان فقيراً لا يجد ما يشتري به زاداً لهذه الرحلة.

فقالوا إنه خرج ماشياً على قدميه من قرطبة يريد أن يقابل أحمد بن حنبل في بغداد، يعني من الأندلس إلى بغداد. فوصل إلى المغرب ثم تونس، ليبيا، مصر وهذا في جله ك... في جله كان ماشياً على قدميه، يقطع جبال، يقطع صحار، يقطع ما... ما الذي يخرج له في الطريق الله أعلم. كل شوف الحرص والاجتهاد يعني كلاهما هنا في هذه القصة. فبعد رحله طويلة جلست معه أشهر رحمه الله عليه وصل إلى بغداد.

لما وصل إلى بغداد كانت الصدمة له ما هي؟ أن أحمد بن حنبل محكوم عليه بالإقامة الجبرية بسبب فتنة خلق القرآن. محكوم عليه بماذا؟ إقامة جبرية في بيته. طبعا تخيل أنت بعد أشهر وأنت تسير على قدميك من الأندلس تصل لبغداد، يعني خلص يريد أن تتنسم عبق أحمد بن حنبل يقولون يمنع الدخول إلى بيته، السلطان وضع عليه وهناك حرس يعني زي مخاب... يعني سامحوني يعني يطوفون بالبيت ليتأكدوا أنه لا يوجد أحد يدخل إلى بيته.

فقال ماذا أفعال؟ فالآن لاحظوا يعني أذل نفسه من أجل العلم فرفعه الله. لبس خرقة كأنه فقير متسول، كأنه إنسان متسول، وأخذ يطرق على أبواب ثم طرق على باب أحمد بن حنبل فقال: المال يرحمكم الله. أحمد بن حنبل ماذا توقع؟ سائل يسأل مالا طعام. طبعا ذلك يعني بقي المخرج ينظر إلى الشرطة والمخابرات حوله هل أحد يراني ولا لا؟ ففتح... ففتح أحمد بن حنبل الباب فقال له: من أنت؟ قال: أنا بقي بن مخلت طالب علم من أهل الأندلس خرجت ماشياً على قدمي من الأندلس حتى أصل لأتعلم منك، فوصلت بغداد فإذا أنت في إقامة جبرية ولا أريد أن تضيع هذه الرحلة سدى.

فأحمد بن حنبل يعني استعظم هذا الشاب، قال لك من الأندلس إلى بغداد ما على قدمي ما شاء الله، يعني يستحق أنك تجازف من أجله. فقال له أحمد بن حنبل بمعنى الكلام طبعا أنت ترى ما الذي يحيط بي وما الذي يحيط بالمكان وأنني لا أستطيع أن أعلمك الحديث لأنني ممنوع من ذلك، لكن حتى لا يضيع جهدك في هذه الرحلة تاتيني كل يوم في ثوب السؤال (يعني كأنك لابس خرقة وتطلب مالا) فأدخل على إلى الباب أو فأدخل من باب البيت إلى سرداب في البيت، أتَصَنَّعُ أمام من يراقبني أنني أعطيك شيئاً فأعطيك حديثين أو ثلاث، تكون الرقعة موجودة في كمك تخرجها أعطيك حديثين وثلاث ثم تخرج سريعاً.

قالوا حل، مش مشكلة! وفعلا بدأ بقي بن مخلت بهذه الطريقة؛ يضع الرقعة التي سيكتب فيها في كمه ويتلفّف بثياب السؤال. أنتم عارفين من هم السؤال؟ يعني يشذون من الناس وياتي يطرق الباب: الأجر يرحمكم الله. ياتي على باب أحمد حنبل حتى يسمعه الأجهزة الأمنية أن هذا رجل سائل فقير ليس طالب علم، وفعلاً أحمد بن حنبل يفتح له الباب يدخل إلى سرداب يتصنع أنه يعطيه شيئاً فيعطيه حديثين ثلاث بالأسانيد، يسجل في رقعته ويخرج؛ خمس دقائق، عشر دقائق حتى لا يشعر من حول البيت بالر...

استمر على هذه الحال سنوات، يعني سنتين ثلاث يعني وهو بهذا المشهد حتى بحمد لله فكت الأزمة عن أحمد بن حنبل وجاء الخليفة المتوكل العباسي ورفعها وأحيا السنة في هذا الموضوع وانتهت فتنة خلق القرآن، وسمح لأحمد بن حنبل أن يعود ليعلم الناس في المسجد العام في بغداد.

فعندما جلس أحمد أول مجلس بعد أن أذن... أن يدرس في مسجد بغداد من جديد جاء بقي بن مخلد إلى المسجد، فأحمد بن حنبل قال لكل الحلقة: افسحوا، افسحوا. وجاء بقي بن مخر فجلس إلى جانب أحمد بن حنبل في الحلقة، وعرّف أحمد من حولهم بفضيلة هذا الشاب ولماذا أكرمه وجعله يتقدم على الجميع. أعطاهم قصة من التفاني! أنت متخيل تعب في المسير، تعب في تحصيل العلم، تفاني لسنوات؟

فخرج بقي بن مخلد... عاد بقي بن مخلد إلى الأندلس بعد رحلة طويلة في بغداد وكان إمام المحدثين فيها وصاحب المسند المشهور. هناك مسند اسمه مسند بقي بن مخلد، حتى تعرف أن هذا المسند من أين خرج وما هو التعب الذي حصل إليه.

اليوم إخواني طالب علم معه سيارة ومكيفة والأمور طيبة وتحت مكيفات ولا يحتاج المشوار معه ربع ساعة ويتكاسل ويريد يحضر المجلس مسجلاً أو أونلاين كما يقولون، هذا طالب علم محروم، محروم من الخير إخوان. التعليم الالكتروني أو الأونلاين هذا إنما يكون بدلاً في حالة تعذر الحضور الوجاهي، أما طالب العلم الذي اعتاد الكسل والملل ولا يريد أن يحضر مجالس العلم وجاهياً وأي عذر يتعذر به ويقول أقنع بالاونلاين، هذا أيضاً لا تعقد عليه خناصر كثيرة لأنه ما عنده اجتهاد.

سبحان الله الله عز وجل يا إخواني ينظر في قلوب طلاب العلم فيرى طالب العلم الذي يشتد ويهتم وعنده الشغف ويحضر، ترى وهذا سألتليه إن شاء الله لما أتكلم عن مجلس العلم الوجاهي هذا فيه كثير من الفوائد النفسية والسلوكية والحياتية لا يمكن أن توجد في التعليم الإلكتروني.

التعليم الإلكتروني هو 95% منه فقط تلقي معلومات فقط يعني، لكن هنا امور أخرى تختلف تماماً. ولذلك لما ضعف التعليم الوجاهي وأصبح الطلاب يعتمد بدون التعليم الإلكتروني انخفضت جداً المنتجات وازدادت رداءة التعليم وضعفت الهمم وازداد الكسل. لا، بدك تتعلم تخرج من بيتك.

طبعا بعض الطلاب يحسبها من ناحية بيقول لك لا طب شيخ أنا الان إذا سآتي إلى المجلس في 40 دقيقة وصولاً وفي 40 دقيقة عودة أو نصف ساعة، أليست هذه النصف ساعة ذهاباً وعودة ساعة كاملة أولى أن أجلس في بيتي لأحفظ متناً أو أقرأ؟ أنا بتابعك أونلاين وفي نفس الوقت بحفظ وقت.

لا، لا بد أن تتعلم المثابرة، أنت هنا حرمت نفسك من تعلم التفاني والاجتهاد، فقدت الشغف، فقدت روح المثابرة على العلم وأنا لا أريد أن تموت فيك روح المثابرة هذه. هذه الساعة التي تخرج في سبيل الله تحتسب العرق والحر والمواصلات والطريق أفضل من أنك تقول أحوش النصف ساعة للبيت وفي العادة هي النصف ساعة التي تدعي بما ق...

إنك ستجلس فيها بالبيت تحفظ، هي تذهب ما بين سوشال ميديا أنت عم تفتحه، أو بدك طعام معين تأكله، أو لهو معين في حائط أو شيء. المهم تشتغل بأي شيء، ثم أنت أقنعت نفسك فقط، وهذا الشيطان يقول لك: أخي لا تذهب إلى مجلس العلم، أجلس حتى تستغل الوقت. فعليا أنت لن تستغله في أغلب الأحيان، أقول في أغلب الأحيان لأني لا أحب أضع قواعد مطلقة. برجع بقول: ممكن أقبل منك، والله في وقت امتحان نهائي، ما عندك عندك وقت أبدا أبدا. تقول والله شيخ فعلا مضغوط مضغوط، بتابع أونلاين حتى أنجز، بقبلها في بعض الأماكن.

لكن أن يكون نهج مستمر في حياتك أنك ضعيف الهمة على حضور مجالس العلم ولا تحتسب الخطوات ذهابا وعودة، بعرف أن شخصيتك ليست متفانية ولا تملك الشغف والحب والحظ، فضلا أنك حرمت نفسك من بركة الجلوس في مجلس العلم مجرد أنكم ترون بعضكم بعضا وأنتم متحلقون. ترى إخواني هذا له أثر وانعكاسات نفسية عالية، مجرد أنه ترى إخوانك كل يمسك كتابه ودفتره وهذا يعلق وهذا ينظر وفي مجالس علمية، هذا يصنع شغفا، هذا يصنع علو همة، هذا يصنع اهتماما.

أما أنت في البيت يوم يومين ثلاثة أنت تجلس وحدك، وحدك أمام شاشة، ما أسرع أن تلتهي، ما أسرع أن يأتي تليفون يشغلك! هنا أنت صعب ترد على التليفون وأنا بتكلم أمامك، صح بتضطر أنك تفصله، لكن في البيت ما راح تفصله، بتوقف كل الدروس محاضرات وبترد. ممكن التليفون يجلس معك نصف ساعة وساعة، وتخرج وتأتي فينقطع العلم، وينقطع التركيز اللي حكينا عنه.

نحن حكينا التركيز كل 25 دقيقة حتى يصل إلى أعلى مستوى، أنت في البيت ربما كل خمس دقائق بتقطع التركيز يا هاتف، يا والدتك نادتك، يا الزوجة نادتك، يا ابنك إذا طلع فوق راسك، يا... وهكذا ينشا طالب هزيل معرفيا. فهذا فيما يتعلق ببلوغ النهاية، وهذا كلام كبير، لكن أنصحك أن تقرا في قصص المجتهدين، ولعلنا يعني في آخر مفاتيح الطالب قلنا سنتكلم عن بعض القصص الراقية في الاجتهاد والتفاني. أنا أعطيتك اليوم قصة بقية بن مخلد، لكن القصص كثيرة وكثيرة في هذا الميدان.

ناتي الآن إلى الصفة الرابعة: التوازن وقله التقلبات. من صفات الشخصية العلمية من يريد أن يكون طالب علم يجب أن يتسم بأنه شخصية متوازنة وقليلة التقلبات في الحياة. طبعا لا أكلم عن التوازن وقله التقلبات، أنا بتكلم في نواحي عديدة.

أولا: التوازن على مستوى الحياة الشخصية. بعض الشباب كل يوم برأي في حياته الشخصية: يوم بدي أطلب علم، لا يوم بدي أغير التخصص، أدرس هندسة طب، لا والله في تخصص آخر خطر في ذهني. وما بين هذا وهذا ما هو قادر أن يتوازن، يثبت على شيء واحد يشرع فيه. حتى في قراراته، مثلا: اليوم أحضر المجلس، ما أحضر اليوم، شكلت علاقة اجتماعية مع فلان، بعد يومين انقلب على صديقه، لا ما عجبني بدي انقلب على فلان بدون طبعا مبررات حقيقية، وإنما هي ناشئة أن هو شخصية مضطربة، شخصية غير متوازنة.

يوم بدي أعتزل الناس، يوم بدي أدخل في المجتمع، يوم بدي أذهب، يوم بدي بدي أحضر، يوم في الجامعة الفلانية، يوم لا ما عجبتني هذه الجامعة بدي أنتقل لجامعة أخرى. هذه الطريقة ستضيع العمر والحياة هذا في الجانب الاجتماعي.

طبعا بعض الشباب يوم بده يتزوج، يوم لا قررت أغير موضوع الزواج، يوم والله شغلة بدي أرجع أتزوج وبعدين وأنت طبعا هي كلها توترات، تر... هي كلها توترات في الحياة. هذه التوترات: زواج، عدم زواج، عزلة، لقاء أصدقاء، عدم صداقة، عم تستنزفك فكريا وذهنيا وقتيا وأنت مش عم تنجز لأنك شخصية متقلبة، هذا في الحياة الاجتماعية.

طيب خليني أجي حتى على مستوى الحياة العلمية: يوم حنبلي، يوم شافعي، يوم مالكي، يوم في نظم الورقات بس والله يا شيخ صعب بدي أروح في نظم آخر، المذهب الشافعي بروح بينط عليه. يوم والله في دورة نحو ما خلصتها بس في دورة ثانية أعلن عنها شيخ في جهة أخرى. كل يوم في مذهب، وكل يوم بخطة علمية، وكل يوم عند شيخ جديد، وكل يوم في... متى ستنجز؟ هذه التقلبات وعدم التوازن أنك مش شخص راكز في واحد، بتحسه راكز صح، جامد خلص شرع في شيء يتمه. اللهم يعني بعض الأشياء تقبل التعديل إذا وجد خطوها، لكن لما أراك دائما بتعدل، دائما بتعدل هذا مؤشر أنه إيه؟ في مشكلة في شخصيتك، أنت شخصية غير متوازنة.

وهذا بحد ذاته سيضعف الزخم الشغف الاستمرارية والانجاز، فبعد شهر شهرين سنة سنتين ما تعود تحب العلم أصلا لأنك أصلا متقلب، ثانيا لم تنجز. من أسباب عدم إنجازك عدم توازنك لم تستمر في شيء حتى النهاية، لا يصلح هذا أيها الكرام. فدائما يعني بعض الشباب يجلس سنتين ثلاث كل يوم بخطة علمية. في واحد عجوز عرض عليه والله أعلم 20 خطة علمية، راح عن الشيخ فلاني حط له خطة مشى عليها شهر شهرين قال لك بدي أشوف شيخ ثاني يعطيني خطة علمية أخرى. هذول أبطال الخطط العلمية بتعرفوهم؟ اللي هو فقط سنتين ثلاث في الخطط في الخطط، بعد ثلاث سنوات أنا خلص والله ما ناسبني هذا العلم، ضيع جهد ووقت وثمرة.

طيب مش الأصل أولا اخترت الشيخ المناسب؟ برضه هي قضية التذبذب بين المشايخ أنه هو كل يوم بمزاج مع المشايخ، لأن هو يبحث عن شيخ كامل كامل كامل، بمعنى الكمال لا يوجد فيه نقص من جهة من الجهات. فمثلا هو اليوم مع الشيخ فلاني وجده جيد مبدع في أشياء بس في نقص هون، لا بدي أروح أبحث عن شيخ آخر كامل، يبحث عن شيخ آخر يجد فيه مواصفات لكن يجد في أمور ناقص فيها، ذاك الشيخ الأول كان كاملا فيها فيترك الشيخ الثاني. طبعا الشيخ الأول بيكون وضع له خطة علمية، لكن هو لأنه يبحث عن وهم الكمال يذهب إلى شيخ ثاني يظنه كاملا فيطلب منه خطة علمية، بيمشي معه شهر شهرين ثلاث بس هذا الشيخ لا هو مش قوي في علم القراءات، بدي أروح على شيخ ثالث بروح على شيخ ثالث بوضع خطة علمية فمشى على كم شيخ في خلال سنة سنتين، على كم خطة علمية؟ أربع خمس ست خطط علمية.

طبعا اللي بيصير برضه أحيانا من بعض المشايخ الله يهديهم، أن شيخ بيكون مهتم بعلم فيزهدك شغفه علم اللغة والنحو، فبقول لك يا أخي مثلا المذاهب الفقهية أنت ليش متاعب حالك دراسة مذهب؟ يعني الشيخ الأول اللي قال لك أدرس مذهب وبما بالغ، أنت تستطيع تأخذ الفقه هكذا جملة بدون ما تتعب. بترروح على الشيخ المهتم بالمذاهب والفقه بقول لك أنت ليش مهتم باللغه ليش هي الخطه الطويله في اللغه بشطب لك خطه الشيخ السابق فكل شيخ مهتم بالقراءات بقول لك يا اخي أنت شوي مبالغ في اصول الفقه وبعض العلوم العقليه هذه ما رح تنفعك الخطه الماضيه اشطب عليها أنا بدي أعطيك خطه جديده.

فبصير كلما ذهب إلى شيخ العلم الذي يهتم به هذا الشيخ يعطيك في خطة طويلة تفصيلية، والعلوم التي لا يتقنها يزهدك فيها أو يقلل من حجمها، وأنت تبقى متذبذب: هو أنا أرد على خطة الشيخ الأول أم أرد على خطة الشيخ الثاني أم أرد على خطة الشيخ الثالث؟ ويبقى المسكين ذاهب وضائع، وقلت لك بعد سنتين ثلاث أربع لم يختم متنا واحدا في أي فن من الفنون، لهو فقط متقلب. وهذه الشخصية احذروا منها ستحرم من الإنجاز.

طيب أنا ايش أسوي يا شيخ حتى أحل هذا الموضوع في داخلي؟ هذا السؤال صح، ربما يقول بعضكم أنا عندي هاي المشكلة أني متقلب، كل يوم بمزاج، كل يوم بدي أحفظ شيء بدي أقلب على شيء، بدي أحفظ بدي أصير حنبلي بدي أصير ابن مالك في النحو بدي أصير فلان الأصولي بدي أصير عقدي. وبعض الشباب مثلا من أخطائه يفتح على اليوتيوب الله يكرمه، بشوف شيخ ما شاء الله متقن في علم الفرق والأديان بقول لك بدي أسير فلان الفلاني يلا بدي أضع خطة هنا اليوم الثاني فتح اليوتيوب والله في شيخ شاطر في المدارس الحديثة المعاصرة بدي أصير برضه متوسع زيه، ثم اليوم الثالث والله يا شيخ متقن في اللغة بدي أصير... فكل يوم لما يرى نموذج رائع في علم العلوم نفسه تحدثه أن يصبح ذاك الرجل، وانت لن تكون كل هؤلاء. وهم هؤلاء الذين تراهم هو متقن في الفلسفة الحديثة لكنه ضعيف في المذهب، قوي في المذهب لكنه ضعيف في الفلسفة الحديثة، قوي في اللغة وعالم فيها لكنه ضعيف في القراءات، هو هكذا الحياة.

فإياك أنك تكون أسير لهذه الأمور، فكلما رأيت شخصا أو شيخا مبدعا في جانب تريد أن تصبح مثله فتترك الجانب السابق؟ لا ما راح ينفع، بدك تركز على جانب واحد تستمر فيه وتخدم الأمة من خلاله. العلوم الأخرى زي ما أخذنا في مهارة القراءة تشارك فيها، أنا لن أكون حاضر في كل العلوم لا يمكن. العلوم زحمة وطويله وكثيفة، المرحلة الأولى هذه ستاتي معنا إن شاء الله لن نتكلم في منطلقات طالب العلم.

أولا حتى تعالج موضوع التوازن وقله التقلبات أنت تحتاج إلى:

واحد: شيخ تثق بعلمه وعمق نظره وعمق تجربته وخبرته تلازمه، وهي الخطوة الأولى. إذا أنت ما عندك شيخ ستبقى هذا الرجل، من لا يملك شيخا ولا معلما سيبقى هذا الشخص المضطرب.

اثنين: أن تمتلك نفسية تقبل الطاعة، تقبل إيه الطاعة؟ لأنه بعض طلاب العلم متمرد، ما عنده طاعة. يعني جربنا كثير منهم، تنصح نصائح اليوم الثاني ما التزم فيها. ليش؟ والله شيخ في واحد نصحني. شيخ مين قال لك تتقلب أنت؟ أنت بناء على ماذا عم تتقلب؟ من الذي خولك أنك تنتقل مثل هؤلاء الأشخاص؟ خلص الله يسهل دربه أنا لا يمكن أن أستمر معه لأني بعرف ما عنده طاعة، ما عنده خلص قال الشيخ كذا وكذا بلتزم بس.

هذا طبعا بعد أن تتاكد من اختيار الشخص المناسب، (يعني أولا تختار الشيخ المناسب، لأنه ممكن أصلا الشيخ ما يكون مناسبا أو ليس عميقا أو ليس فهيما لقنا في هذه العلوم فهون مشكلتك بتكون أنك اخترت شيخ أصلا غير مناسب فأخطأت). ولكن بعد أن تختار الشيخ المناسب تبقى قضية أن تطيعه فيما يوجهك فيه، لأن هو يتكلم عن خبرة مسبقة وعن تجربة هو تلقاها من مشايخه، ومشايخه تلقوها من من هو أعلى منهم. فأنت تسير على خطة السلف في طريقه التعلم. أما شيخ مناسب أعطاك نصيحه وأنت ما بتسمع وشخصية متمردة ومتقلب المزاج هذا سيحرمك التوفيق، سامحني يعني ساكون صريح معك لن تكون شيئا. فعود نفسك على التوازن، وطبعا الشيخ لن ينصحك فقط في المتون والمصنفات سينصحك تتزوج أو لا، سينصحك كيف تدير علاقتك مع والدك مع والدتك إذا عندك مشاكل عائلية، سينصحك في علاقات اجتماعية، سينصحك أن تدخل في عزلة أو تقلله أو أنت شخص اجتماعي لابد أن...

لا تقلل وظيفة الشيخ ليس ناصحا فقط في مسائل علمية، بل هو موجه في كل تقلبات حياتك الاجتماعية والسلوكية والأخلاقية ومنها الأمور العلمية. فهمنا بدون شيخ وسمع وطاعة له ستضيع حياتك العلمية، فعليك أن تعرف هذه الصفه.

طيب نذهب الآن إلى الصفة التي تليها صفة رقم خمسة في طالب العلم أو في شخصية طالب العلم: الصبر والتحمل.

الآن إخواني في طريق طلب العلم عليك أن تعرف أن هذا الطريق طويل وشاق، ويحتاج إلى مخالفة الهوى في كثير من اللذائذ. أصحابك ممكن يكونوا يريدون يمرحون، يسرحون، يذهبون، يسافرون سياحة مشارب مطاعم رحلات فروجات العائلة، وأنت ستحرم نفسك من كثير من هذه الأمور ولا بد فهذا يحتاج إلى ماذا؟ صبر.

الصبر مر ولكن يجمله معرفتك بشرف ما تطلب، أنني أنا أطلب شيء شريف وهذا يستحق مني أن أتخلى عن كثير من اللذائذ المرغوبة للنفس. نعم بدك تفهم هل الشيء إذا أردت تكون طالب علم لن يعني لن تكون كأبناء زمانك باختصار، يعني يصعب جدا أن تكون مثلهم في مطاعمهم ومشاربهم، حتى الأمور المباحة يعني هم قد يتوسعون لأنهم ليسوا طلاب علم. أما أنت إذا اخترت هذا القرار لا تظنن أنه يمكن أن تجمع بين كونك طالب علم وبين أنك تأخذ جميع الملذات.

بعض الشباب يظن أنه ذكي: أجمع كل شيء يا شيخ، بستمتع وباخذ حياتي وبننشر وبناكل وبنطلع وبرضه بكون طالب علم. لا، أنت إذا مش فاهم العلم، إذا أنت متصور هذا هون أنت ممكن تكون إيش؟ أقول لك ممكن هذا بقبله لطالب علم طموحه أنه يكون طالب علم مبتدئ بسيط، أساسيات العلوم تزبط تجمع بينها وبين ملذات الحياة. لكن طالب علم يبحث عن أن يكون عالما بالمعنى العميق والعالي وتخصصا ويدخل في برامج تخصصية، بدك تكون فاهم الأمر من البداية. تحتاج أن تتحمل وأن تصبر لأنك ستغادر كثير من اللذات المحبوبة للنفس، وترخص هذه الحياة وتوقف الأنفاس واللحظات لله سبحانه وتعالى.

لذلك أنا دائما بقول: مشروع طالب علم عالم هو وقف للأمة، يعني خلص أنا تخليت عن حياتي يا رب لا أريدها لي وجعلت أنفاسي وجسدي وقف لأمة الإسلام. أنت بتعرف شو يعني وقف؟ يعني لا يجوز لك أنك يعني... يعني خلص تذهب إلى أماكن أخرى لهو وتعب ولذه وشهوة وبحثا، خلص هذه الأنفاس وهذه الأبدان وهذه الخطرات أنا وقفتها لله العظيم.

طبعا هل هذا معناه أنه أبدا أبدا شيخ ممنوع أروح على مطعم؟ لا مش معناه هيك ممنوع، طب أخرج رحلة؟ حتى العلماء

أقول لك: لابد أن يتفسح طالب العلم في كل فترة حتى يجم هذه النفس. أنا أقصى الضياع اليومي للأعمار؛ هذا الذي يحرمك من... الضياع اليومي للأعمار: انه والله طالب علم جالس على سوشيال ميديا ست ساعات، أربع ساعات! هذا ايش بسوي؟ هذا لا يمكن أن يكون طالب علم، وينظر في المتسارع والمختلفين ومع الجماعات والمشايخ، ويذهب... هذا لا يمكن أن يكون طالب علم دائماً مع زملائه ومع أقرانه ثلاث ساعات كذا يكتب عـالـشات... هذا لا يصلح أن يكون طالب علم. فاحنا مشكلتنا الضياع اليومي للأوقات والأعمار؛ هذا لا يقبل.

وبالتالي من الآن بدك تحدد. احنا الآن في الساس العلمي صح؟ لسه ما شرعنا لا برنامج تخصصي ولا برنامج عام. أنت بدك تحدد؛ إذا تريد تدخل في برنامج تخصصي: الآجرومية، نظم المقصود، ثم تنتقل لمستوى ثاني: قطرة ندى، مستوى ثالث: الألفية، ثم مذاهب: متوسط، صغير، كبير، وأريد أن أقرا الشروح والمعلقات؛ هذا لا يمكن أن تجمع بينه وبين رغباتك وشهواتك. ليش أنا بقول لك هذا؟ بيجمني أنك تسمع الآن حتى لا تضحك على نفسك في يوم من الأيام وتقول: أريد أن أتخصص العلوم الشرعية وفي نفس الوقت أريد أن تبقى اللذات كما هي. هذا غير موجود في قواميس العلماء! كل العلماء الذين برزوا وأقرأوا سيرهم؛ كلهم تخلوا عن لذائذ الدنيا وطرحوها، وسافروا في البلدان والأمصار، وهجروا لذيذ الفراش ليلا ونهاراً من أجل أن يكتب، وأن يصنف، وأن يحفظ، وأن يستوعب... و... و... حتى صار أحمد بن حنبل، والشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وسفيان، والمازري، ودقيق العيد، والقرافي، والسيوطي، والسبكي، وابن تيمية، وابن... هذه كلها نماذج مشتركة في هذه التضحية. حتى هو فعلياً ما أنت في الأول سيكون تضحية، لكن مع الوقت ستصبح لذتك أصلاً وشغفك هو العلم. وهذه سبحان الله من كرم الله على الإنسان؛ أنه أنت في أول سنوات: سنتين، ثلاث، أربع، ستجد مشقة كبيرة في النفس: أتخلى عن كل اللذات من أجل هذا العلم. لكن مع الوقت ستنقلب هذه المشقة لذه وشغف وعشق! اللي بقرا لابن الجوزي يعرف أنه أصبح يستدفع لذائذ الدنيا. أقول لك: الشيخ؛ هذا همه فتاة يتواصل معها، وذاك همه وضع عقله في طعام وشراب، وهذا همه فقط فرجه. يقول هو عشقي: عشقي أن أجلس مع كتاب وأقرأ. إذا خلص هي في بداية سنواتك سيكون التخلي عن اللذائذ والرغبات صعب، وفي... منك صدقاً سينقلب هذا التخلي إلى لذة، ويصبح العشق والشغف أن أقرأ، وأحفظ، وأكتب، وأحضر مجلس علم؛ يعني خلص أنا صارت حياتي كذا، نمط حياتي.

شوف أي إنسان تحط ببيئة معينة سنتين، ثلاث، أربع؛ يعني عفواً لو أنت سافرت إلى موريتانيا كون بلاد بعيدة عنا، نمطهم المعيشي يختلف عن نمطنا، أول شهر، شهرين كيف سيكون الأمر؟ حرارة جو، طبيعة الحياة الاجتماعية، لسه ما مأخذ عهالأجواء، فستشعر بماذا؟ بمشقة وتعب نفسي، ولعلك تفكر بالعودة إلى الأردن بتقول: ما بدي أطلب علم في موريتانيا، خلص بطلت! لكن لو أنك صبرت بس ست أشهر فصاعداً، ستبدأ تأخذ طباع البلد طباع أهلها، ويبدأ يصبح الأمر عادي. كثير من الشباب لما كان معنا في المدينة، أول فصل بذهب؛ يعني بلد جديد، أول فصل تختلف طبيعة الحياة مع أنه عفواً مش الاختلاف الكبير بيننا وبينهم، فتبدا تشعر بمشقة: طعام، شراب، الغسيل مغسول لك جاهز، كل الحياة موفرة لك، أنت بس روح على الجامعة وارجع. لكن لما تروح تغترب أول شهر، شهرين: ايه هذا أنا اللي بدي أغسل؟ وأنا اللي بدي أدير بالي على أمور حياتي؟ وأنا بدي أبحث عن وجبة إفطار وطعام؟ ما في حدا يعني راح يخدمك، أنت تخدم نفسك هنا. هاه! تبدا تشعر بمشقة. آن هي المشقة بعض الشباب كان ينكسر أمامها، يقول لك: لا، أنا مش قادر، فيعود مثلاً إلى الأردن، ما بتحمل. وبعض الشباب خلص؛ يعني بيبدأ يتاقلم. طبعا لسه المدينة كانت أمور جيده، لكن أنا بعرف شباب مثلا ذهبوا إلى اليمن، بعرف شباب ذهبوا إلى موريتانيا، لما تكون الظروف أصعب وأصعب بتكون المشقة النفسية أكبر. لكن سبحان الله الذي يجعل الإنسان يتاقلم، هذه خصلة في الإنسان جميلة.

ليش بقول لك: العلم الوجاهي؟ العلم الوجاهي بخليك تبدا تتاقلم مع الأجواء العلمية. كل ما أنت جالس ببيتك جنبك كاسه شاي ومكيف فوقيك والحياة رغيدة، أنت لسه ما عرفت العلم والله ما عرفته! لن تبدا تعرف العلم حتى تبدا تشعر بالمراره، والتعب، وعرق؛ حتى تسمع قصة مالك بن انس. مالك بن انس كان يمسك كتابه من الفجر، ويضع نفسه على باب شيخه، الشيخ يخرج على الظهر قبل الظهر بشوي؛ مالك لا يريد أن يعذب شيخه، يطرق عليه الباب فيوقظه من النوم؟ يقول: خلص أجلس على باب الشيخ من الفجر إلى الظهر. طبعا وين هذا؟ في المدينة النبوية؛ يعني درجة الحرارة كم أنتم أدرى بها، رمال الصحراء، لسه في يومها. شوف التعب! شوف العرق اللي بينزل من مالك بن انس مستنى شيخه يخرج ويراعي مشاعر الشيخ، وهكذا ربنا وفقه! ربنا وفقه إخواني، وهذه بركة، احنا بنظل نحسب الأمور العلمية 1 + 1 يساوي 2، لا في جانب كبير من الحياة العلمية هي بركة يقذفها الله في حياتك لما يراك صادقاً، فيعطيك مكافآت وجوائز نفسية؛ فهم، عقل راجح، همه على الحفظ، هي مكافآت وجوائز ربنا بعطيها الك لأنك مهتم، فيعطيك مقابل هذا الاهتمام سبحانه. لكن شخص كسول, ملول, لا يحضر ولا يتعب هذا لا يستحق المكافآت والجوائز.

فالفكرة، أنا فكرة التأقلم نعم كنت أتكلم عن التأقلم بين البلدان، فكذلك التأقلم في الحياة العلمية، أردت أن أقيس التأقلم في البلدان أو التأقلم في الحياة العلمية على التأقلم في البلدان. فكما أنك إذا ذهبت إلى بلد تصعبها أول فترة، ثم إذا صبرت تبدأ تتعايش معها، كذلك العلم في أول سنة، سنتين، ثلاث، أربع، ستصعب، تستصعب أنه زملاؤك في مطعم وأنت جالس في غرفة عم بتراجع متناً فقهياً، تستصعب أنه زملاؤك يخرجون إلى البحر وإلى، أو أهلك فاتحين التلفزيون أو إخوانك ماسكين السوشال ميديا ويضيعون أوقاتهم وأنت فقط جالس تقرا وتنظر. ستجد صعوبة، لكن بعد سنة، سنتين، ثلاث، أربع، الله أعلم، لكن بإذن الله لن تطول، ستبدأ أنك تصبح من أهل هذا الفن، من أهل العلم، فيصبح الأمر بالعكس، هو شغفي، هذا هو اهتمامي، هذا يعني بالعكس... استصخار، أنظر للناس بتفاهة، ايش يفعلون هؤلاء؟ يحرك اصبعه من أعلى إلى أسفل، ايش هي التفاهة هذه؟! تنظر كذلك في ناس همهم كل يوم في مطعم ومشرب، تقول: والله مساكين هؤلاء، ما عرفوا حقيقة الدنيا هكذا تقضي حياتك؟ معقول كل يوم أمام شاشة تلفاز ومطعم ومشرب؟ هكذا فقط حياتك؟ أنت الآن حياتك قد تكون مثله، لكن أنا أقول لك: بعد سنوات سيختلف نظرك لهذه الأمور، وستصبح تستقلها وتاخذها فقط كجانب من الراحة فقط، الاستجمام بعد مثلاً أسبوع من طلب علم في شغف وهمه تقول: فقط أحرك شوي هذه النفس حتى أعود. هي لن تصبح مكروهة لك... الأكل في مطعم يقول: صبح مكروه؟ لا، ستصبح لا تراها... لا تراها أعظم اللذات.

حتى الزواج، بعض الشباب هو الآن ودفع عمره في العشرين، واحد وعشرين، فيكون يرى الزواج أعظم اللذات في الدنيا؛ يعني طموحه الأكبر أنه يتزوج، تمام؟ بعد ما يتزوج شو بصير فيه يا شيخ؟ يعني بعد ما يتزوج شهر، شهرين، ثلاث تقول: هو ها اللذه اللي أنا كنت كل طموحاتي على الدنيا واشتغلت وحرضت مشان أوصلها؟ جميلة بس مش زي ما أنت الآن بتصورهل، لأنه الانسان لما يكون شيء ليس عنده يظنه شيئاً عظيماً جداً، فإذا ناله يصبح يقول: الأمر واضح أنه كان أعلى بكثير بكثير من المساحة العقلية اللي أنا أعطيتها. أنت كنت تظنه أمراً مهولاً جداً جداً، فإذا بعد الزواج اعتدته وأصبح أمراً سهلاً، واصبحت الزوجه أنت تأكل معها وتشرب معها وهي صاحبك حمزة، وهي والشباب طالعين جايين، خلص الحياة أصبحت اعتيادية، لأنه هو هذه طبيعة في الإنسان إذا اعتاد شيء سهل عليه. فبرجع بقول لك: إذا طلبت العلم بشغف وعشق، ستصبح ترى كثير من اللذات الحسية ضعيفة. لذلك كانوا مشايخنا يقولون: لن ينبل طالب العلم حتى تغلب شهوة عقله شهوة بطنه وفرجه. لن ينبل طالب العلم حتى تبلغ شهوة العقل؛ يعني حبه للمعرفة يغلب حبه لشهوات البطن والفرج. هي هكذا الحياة؛ إذا لسه شهوة البطن والفرج ماخذه عندك مساحة أعلى بكثير من شهوة العقل والمعرفة، بدك تقوي نفسك، بدك تشتغل حتى تصبح المعرفة هي الأهم. برجع بقول: احنا بشر، مش معناتها راح نلغي تلك اللذات، لا يمكن، لكن المراد ألا تعطى من المساحة العقلية والخواطر الفكرية أعلى من الأمر الذي ينبغي أن يكون.

لذلك ما أعظم لذه في الجنة؟ الحور العين صح؟ لا مش الحور العين، رؤية وجه الله عز وجل. لذلك الناس لما يسمعوا على الجنة بقول لك: حور عين، ماشي هذه لذة، بس هذه مش أعظم لذة، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بينوا أعظم لذائذ الجنة: أن ترى وجه الله. لكن هذه مين اللي بيفهمها؟ اللي في الدنيا غلبت شهوة عقله على شهوة فرجه وبطنه، هو الذي يفهم لماذا أعلى شيء في الجنة رؤية وجه الله. صدقوني كثير من الناس لما تتكلم معهم تقول له: أكثر... أعلى شيء في الجنة رؤية وجه الله، بقول لك: ماشي يا شيخ، بس هو من الداخل... أنا بدي أحكي من الداخل، هو بحب الله نحسبه على خير، لكن من الداخل لا يرى أن هذه معقول هذه راح تكون أحلى من الحور العين؟ أحلى منها هو... هي هو شيء طبيعي لمن لم تغلب شهوة عقله شهوة فرجه وبطنه أن يفكر بهي الطريقه. هو ليس آثماً طبعا أن نفكر بهي الطريقة؛ لأن هذه مدى قدرته على استيعاب الموضوع، لكن من عاش حياة في معاني التوحيد ومحبة الله سبحانه، وانشغل بالخلوة مع الله وإصلاح النفس من أجله وخدمة المولى عز وجل، هذا لا، هذا جوانبه الفكرية والعقلية لا ترى شهوة النكاح والبطن أعلى شيء، حلوة، حلوة، بس مش أعلى شيء، في شيء أحلى، في شيء أجمل، وهذا اللي مطلوب منك تحصله، عليك أن تغلب هذا على هذه.

طيب، وحقيقه لو بدي أتكلم في كل خصلة ما راح نخلص، لكن خلاني أنا أحاول حتى أنتهي جملة الخصال اليوم. طيب، الانجاز وين القلم؟ الصفة السادسة من صفات طالب العلم من أمور الشخصية في حياتك: لابد أن تكون شخص منجز. لأنه من الأمور التي أصلاً تضعف همتك ما هي؟ عدم شعورك بالانجاز؛ أنه أنا سنتين، ثلاث، أربع، معقول ما ختمت كتاب علمي واحد؟ سنتين، ثلاث، أربع، معقول لم أحفظ منظومة متقدمة؟ معقول لم أختم القرآن فيها؟ إخوان، العلم برجع بقول: العلم طويل، وبالتالي إذا ما في إنجاز، أنت نفسك سترى الطريق بعيد، وأنا ما زلت في خطواتي الأولى، بل حتى ما خطوت! لذلك أعود فأقول: الجامعة تصنع طالب علم منهك، دمرت نفسيتك ليه؟ لأنك بعد أربع سنوات من الجامعة أنت تخرج بدون أن تملك كتاب واحد من كتب التراث، ما ملكت شيء! لا كتاب فقهي من أوله إلى آخره، ولا كتاب عقدي من أوله إلى آخره، ولا كتاب أصولي من أوله إلى آخره، ولا كتاب نحوي من أوله... طبعا ايش؟ أربع سنوات ذاهب عائد، ذاهب عائد للجامعة، ايش اللي كسبته؟ ما خرجت بكتاب واحد في الفقه، معقول الطهارة والصلاة ثقافة شرعية من هنا؟ الجنايات والمعاملات الدكتور فرض أن مذكره سريعة تاخذها تدرسها ليلة الاختبار، هل هذه دراسة؟

فلماذا أقول الدراسة الجامعية تصنع طالب منهك؟ لأنه بعد ما تعب تعب أربع سنوات نظر أمامه في طريق العلم فوجد ذاك يحفظ ألفية ابن مالك، وذاك متقن في الفقه الشافعي والحنبلي، وذاك في العقائد يحفظ مصنفات، فهو يقف هكذا مصدوماً. نعم، وحقه أن يصدم أنه أنا ماذا فعلت؟ ماذا فعلت؟ أفضل أبو محمد، ماشي شيخ أمورك طيبة إن شاء الله؟ طيب، فالفكرة أخي الكريم أن الجامعة تنهك، الجامعة تفت عضدك، الجامعة يشوش ولا تشعر أنك تنجز. طبعا الجامعة هذا طرف من الأطراف، ممكن شخص ما يكون في جامعة، ممكن هو في حياته يطلب العلم بشكل خاطئ، فبعد سنة، سنتين، ثلاث؛ لأنه يطلب خطأ ولم ينجز شيئاً، وكان من الطلاب الذين يحضرون أوائل الدورات ويغيبون في نهايتها، لم يختم كتاباً واحداً مع شيخه من ألفه إلى يائه، لم يفهم كتاباً واحداً من ألفه إلى يائه، هو عنده شيء قرأه في الفقه هكذا، شيء قرأه في الأصول، شيء... لكن ليس منهجاً متكاملاً، وهذا سيضعف همتك. أنت تحتاج إلى الإنجاز السريع، وهذه من عقلنة العلماء لقضية حفظ صغار العلم قبل كباره.

شوف العلماء؛ قديش كانوا كبار في الفهم؟ دائماً بيجيني بعض الطلاب يقول لي: شيخ ليش ما أحفظ زاد المستقنع بدل أخصر المختصرات؟ ليش ما... مش انت بدك تحفظني الآجرومية والألفية؟ خلص بحفظ الألفية مباشرة، لماذا أحفظ متناً صغيراً في العلم ثم أذهب إلى متن كبير؟ ليه؟ مين يحكي لي بناء على فهمكم لماذا العلماء يقولون: ينبغي لطالب العلم أن يحفظ ويدرس شيئاً صغيراً ثم يدرس شيئاً كبيراً؟ بس هذا مالوش علاقة هنا، أنا فاهم كلامك صح، يشعر بالانجاز، أنت تحتاج تشعر بالانجاز. لما أعطيك الآجرومية ونظم المقصود وكتاب مختصر في الفقه وكتاب مختصر في أصول الفقه، أنت بعد سنة سنتين تشعر ايش أخي؟ انجزت! في إنجاز، في عندي خمس متون، صح ليست كبيرة، لكنها بين يدي شعوري.

بالإنجاز هو راح يعطيني وقود حتى أكمل. أما أول ما تبدأ ألفية ابن مالك يلا بقعد لك ثلاث سنين لأنك جديد على الحفظ تحفظ فيها. بعد ست أشهر سبعة أشهر رح تضعف تقول والله يا شيخ طويل ألف بيت.

لكن لما تتعود على صغار العلم، صغار العلم بعطيك شعور إنجازي، لذلك حتى العلماء يقولون لماذا كتب الفقه مثلا والأصول وتقسم إلى كتاب ثم فصول ثم أبواب؟ لماذا يقسمون؟ قالوا: من مقاصد تقسيم الكتب الشعور بالإنجاز، فكلما الآن انهيت بابا الحمد لله شعرت بالإنجاز في هذا الكتاب تشرع في باب آخر.

لكن تخيل الكتاب 500 ورقة من أوله إلى آخره ما في باب باب باب بس سرد كلام رح تتعب نفسيا ما رح تشعر أنه عم تنجز. لكن لما قسموه إلى أبواب وأصول وفروع كلما انهيت مسألة، هو الإنسان هكذا، الإنسان يحتاج أن يغالط نفسه، هي مغالطة لكن أنت تحتاجها حتى تشعر أنك تتقدم أكثر وأكثر.

فحفظ صغار العلم قبل كباره مهم جدا حتى تشعر بالإنجاز في أول سنة سنتين ثلاثة. فأول سنة سنتين تخيل اخذت لك 20 متن من المتون الصغيرة حلو والله الآن بستطيع أشرح الآجرومية، أستطيع أشرح كتاب مختصر في الأصول في العقيدة، وهكذا.

هذا سيعطيك همة أكبر أنك تكمل، لكن لو بدات معك بالكتب الكبيرة أنت نفسك ستمل وتقول أنا لا أريد أن استمرار في طريق لا أشعر فيه بماذا؟ بالإنجاز.

القناعة والاكتفاء: القناعة نميها القناعة في حياتك العلمية. أيضا هذا فيما يتعلق بجانب الرزق، إذا طالب علم دائما عقله يبحث عن المال والتكثير بالمال والرواتب العالية والسيارات، هذا لن يصلح لطلب العلم؛ لأنه طلب العلم كما قلنا سيهذب ويذب كثير من الأشياء، فلن تجد الوقت الكافي الذي يجده الذي يعيش حياته من أجل بناء قصر أو جلب سيارة أو التكثر من الأموال. العلم عم يشغلك يأخذ من وقتك، طبعا لا أقول إنه هذا يعني أني لازم أكون فقير لا أنت ممكن تذهب باموال مضاربة يمكن تدخل في مشاريع وإذا أصبحت غنيا أنعم وأكرم، هذا أجمل وأجمل، لكن بشرط أنه لا يكون الغنى على حساب وقتك في العلم يعني العلم هو الأساس، ممكن يكون غناك ورثة ورثتها، ممكن يكون غناك واحد تكفل فيك، هذا رزق الله يؤتيه من يشاء.

لكن عليك أن تقنع بما يعطيك الله عز وجل من الحياة المادية وتتفرغ للعلم. هذا اتفق عليه العلماء؛ لأنه انسان منشغل بالتجارة أو بالحياة المادية تماما بناء وزخرفة وعيشا ويريد العلم، لا يجتمعان؛ لأنه العلم طويل العلم يحتاج وقت. عندك مال يكفيك وشقة تسترك وحياة أسرية هادئة احمد الله عليها واشتغل بالعلم. وهنا أصلا يظهر التتميز، يعني الآن هل إنسان رضي وقنع بما رزقه الله وأقبل على العلم بالكلية هل هذا مثل إنسان هو يريد أن يكون طالب علم لكن شغله الشاغل الدنيا والأموال تجارة والتكثر مع أنه ممكن راتبه يكون جيد بس هو مش قانع، هو بده يضل عقله شغال بدي أكثر، بدي أذهب هنا وأتاجر هنا وهناك سيارات حديثة بدي أستعرضها، وكل ما نزل موديل جديد من تليفون أو نزل موديل جديد من سيارة أو طرأ شيء من ملذات الدنيا هو يقبل عليه وفكر كيف يدخر مال من أجله؟ اللي عقله مشغول بالدنيا وزخرفتها ما عنده قناعة بما عنده وكباب على العلم برضه رح يتعب كثير كثير ولن يستطيع الإنجاز.

حتى نحن إخواني بيجيني بعض الشباب بقول طب ممكن أنا أدرس هندسة وشريعة يعني أتخصص في تخصصين وأنبر؟ بتعرف أحيانا بعض الأمهات والآباء إذا شاف ابنه مقبل على دراسة الشريعة وهو بكون ما بده شو بيجي بقول له: اجمع بين دراسة الشريعة والطب وهي بتزبط يا اخوان والله ما بتزبط. طيب ممكن تكون طبيب متميز وفي نفس الوقت عالم شريعة؟ ما بتزبط. متميز في الاثنين ما بتزبط، ليه؟ لأنه إذا نحنا قلنا أصلا داخل العلم الشرعي لا يمكن أكون شافعي وحنبلي في نفس الوقت، داخل العلم الشرعي لا يمكن أكون شافعي وحنبلي متميز في نفس الوقت وهذا فقط في حقل من حقول العلوم الشرعية، فما بالك أكون الطبيب البارع والعالم الشريعي؟

هس الآن ممكن تكون أنت طبيب بارع وداعية متميز بزبط وعندنا نماذج كثيرة معاصرة إنسان ممكن يكون طبيب مهندس كذا وما شاء الله له باع، لكن هو الناس لأنهم لا يعرفون العلم بفكروا هذا الداعي المتميز إيش عالم؟ ولله هي فلان ما شاء الله متخصص في كذا وعالم، لا هو مش عالم مش صح، لا الحجة الكريمة أو الأم ما بتعرف شو هو العلم فقط السوشيال ميديا أو الخطابات الدعوية، ناجح في خطابات دعوية لكن هو مش عالم.

لذلك أنا بدي أطيك اياها من الآن إياك أنك تفكر أن هناك عالم بالمعنى الدقيق وفي نفس الوقت هو متخصص عالي جدا جدا في الطب أو عالي جدا جدا في الهندسة. هسه ممكن يكون درس مثلا بعض مشايخنا درس في الجامعة لغة إسبانية أو كذا بس ما كان مهتم في الموضوع كله وكل أصلا حياته الجامعية في العلم هذا بيضبط؛ لأنه هو خلص ما تميز في التخصص تميز في العلم. لكن أنه يكون متميز في كلا الجانبين، طبعا أنا ما بقول هذا مستحيل بقول هذا إيش صعب جدا وخطاب حالم.

ممكن بعض الناس يكون فلتة فلتة، تقول لي ابن تيمية أقول لك سيبك من الفلتات أنا بخاطب الحياة العامة النا والكم اللي هو السواد الأعظم، ما عنده هذه القدرة أن يجمع. الآن علم الطب إخواني متضخم بشكل عالي جدا وهائل في تخصصاته، علوم الهندسة الدقيقه لمن يريد أن يبدع ويكون مبرز يحتاج إلى تخصص وأقبال على العمل وتطويل للنفس وهذا لا يزاحمه العلم، لا ما يصلح. إذا كان برجع بقول داخل العلوم الشرعية العلوم تتزاحم ولا يمكن أن تكون عالما في كل العلوم، فما بالك تزاحم العلوم الشرعية بعلوم من خارجها؟ فهذا أيضا مهم حتى لا تضع خطة أكبر من الواقع الموجود في حياتك.

الأخلاق العلمية: الأخلاق عموما شوف الأخلاق مهمة جدا جدا في حياة أو في بناء شخصية طالب العلم، لأن طالب العلم بدون أخلاق لا قيمة له. اليس كذلك؟ طالب علم متكبر هذا تكبره سيحرمه من أن ينتفع هو علمه وأن ينتفع الناس به. طالب علم خجول بشكل غير منطقي سيحرم هذا من التعلم والسؤال، لذلك كان العلماء يقولون: ضاع العلم بين الكبر والحياء. طالب علم ما بئال ما ما بستفسر ما عنده زملاء، خجول جدا خجل مرضي هذا لن يصلح، أنت تحتاج أن تتفاعل مع بيئة علمية مع مشايخ مع زملاء مذاكرة مدارسة عرض.

كذلك الكبر الذي يمنعك أنك تتعلم من مشايخ أصغر منك سنا، أو الكبر الذي يمنعك من أنك تجلس مع زملائك وتتعامل معهم وتستفيد منهم يستفيدوا منك سيحرمك من كثير من العلم.

كذلك حسن العشرة، الآن قد تكون أنت ما عندك كبر لكنك سيء العشرة ما بتعرف تتعامل مع الناس، دائما إنسان انفعالي، إنسان غضبي، إنسان منزعج دائما عصبي ما بتتحمل إخوانك ولا تذرهم، هذا أيضا ما بصلح. الأخلاق الحسنة هذا جزء، لذلك بعض المشايخ أعرفه عنده علمية جيدة جدا، لكن لماذا يتركه الطلاب أو ينفرون منه؟ أخلاقه صعبة عشرته غير لطيفه أبدا. فإذا أنت جلست معه دائما عصبي منزعج غاضب مزاجه معكر، طب هذا كيف سأستفيد منه؟

فأنت يا طالب العلم بدك تنتبه يعني لا أصرف عمري في الدراسة الشرعية وأتعب وأتعب وأتعب ثم لما يأتي وقت قطف الثمار تعليم الناس الخير تجد أن الناس لا تحب أن تسمع لك، ليه؟ لأنه أخلاقك وعشرتك ليست عالية ليست لطيفة.

فمن عناصر النجاح في الشخصية العلمية أن يكون حسن العشرة وأن يكون واسع العذر أيضا، واسع العذر. شوف النبي عليه الصلاه والسلام لما يأتي أعرابي فيأخذ بثوبه من هنا ويألم الثوب في رقبة النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي بدهم يقوموا للأعرابي يذبحوه، لكن النبي عليه الصلاه والسلام يرفق به ويقول: دعوه أعرابي، إيش بأسوي؟ هذا الذي جمع القلوب حول النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه في أناس طبيعتهم غضب، يعني لما بكره تصبح إن شاء الله متصدر وتتعامل مع المجتمع أصابع يدك مش وحدة، بقول لك المثل: ستقابل أناس جلفة أخلاقها صعبة وستقابل ناس طيبة وحيية زائدة عن اللزوم، ستقابل إنسان كثير السؤال كثير يعني تمل منه، وستقابل إنسان عنده مشاكل أخلاقية سلوكية في جوانب الآن.

أنت إذا أردت تعلم الناس الخير وتكون ناجح بدك تعرف كيف تتعامل مع هذه الأخلاق والطبائع جميعا، ولازم يكون عندك سعة عذر تعذر الناس وتعرف أنه هذا يتصرف بسوء بس هو مش قصده سيء هو خلص طبعه هيك، هذا يتصرف بخجل زائد ربما البيئة الاجتماعية اللي خرجت منه، هذا طالب لحوح في الأسئلة أعذره والله هو حريص على العلم وأخشى أن يضيع. حاول أن تجد أعذارا لطلابك للمجتمع للناس لأنه إذا ما عندك هذه الأخلاق أيضا الناس تتملك وستفقد.

لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في آخر عمره كما جاء في بعض الأحاديث حطمه الناس، شو يعني حطمه الناس؟ أتعبوه، تحمل سنوات كثيرة صلى الله عليه وسلم، منافقين في المجتمع أعراب حواليه، بعض الصحابه يخالفون أمره في بعض التفاصيل في غزوة أحد بعض المشاكل مجتمع دائما يفكر به دولة مسلمة نساؤه رضوان الله عليهم جميعا، حياة متعبة كثيرة الأسئلة كثرة الخوف الحرص والشفقة فهذا يتعبك.

لذلك في الأصل يعني طالب العلم إذا أصبحت إن شاء الله عالم ونفعت الناس في الستين بتكون يعني استويت تماما حطبك الناس كما أن النبي عليه الصلاة والسلام تعب، هذا إذا عشت من أجل الأمة فلا بد أنك تطور نفسك وتنتبه على أخلاقك، يعني الحياة العلمية مش مجرد تحفظ متن، الحياة العلمية ليست فقط أنك تكون متقن علميا ونظريا لبعض الفنون لكن أخلاقك صعبة والناس لا تعرف تتعامل معك، جزء كبير من نجاحك العلمي أن يكون صاحب أخلاق سمحة.

حتى من الأخلاق الجيدة الأخلاق حتى على مستواك الشخصي يعني إذا بدي أوسع مفهوم الأخلاق: قلة التوتر، قلة الضغط النفسي. الآن الشخصية التي دائما غضب بقولوا دائما هو متوتر مضغوط نفسيا وهذا أيضا يحرم نفسه من العلم. حاول على مستواك الشخصي أنك تكون هيك واسع القلب هادئ ماخذ الحياة ببساطة شوي، لأنه اللي دائما حمل الدنيا على ذهنه ودماغه إيش رح يصير في العالم بعد سنتين ثلاث وأيش رح يصير في الوضع الاقتصادي في الأردن إذا نزلت كذا وماذا سيحصل؟ يعني إذا بدك تحمل الدنيا كلها في قلبك وعقلك سيبقى القلب منضغط وما عندك إقبال على العلم.

خذ الحياة بالسهولة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع الحياة بهذا المنطق: «إنما أنا كرجل جلس تحت ظل شجره ثم غادر». شوف ما أسهل هذا النموذج! حياة لا تعطي الحياة الدنيا أكبر من حجمها في التفكير في تقلباتها. في ناس عنده مشكلة وهموم مشاكل النفسية وحتى مرض نفسي الخوف من المستقبل دائما هو ترقب من المستقبل كيف مين راح أتزوج؟ كم راح يكون راتبي؟ إيش راح يصير في الحياة؟

النبي صلى الله عليه وسلم كان يفكر في يومه خلص: «من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا». يعني لا تفكر ولا تحمل هم المستقبل، طبعا لما نقول لا تحمل هم المستقبل مش معناته أنه ما تخطط لا خطط ودير حياتك لكن ما تنضغط نفسيا ما تبقى مهموم حزين لأنه هذا سيؤثر بالتأكيد على مسيرتك العلمية.

ساكتفي ساضع نقطة تاسعة وأخيرة هي فقط وأتركها: قضية التخطيط الجيد والترتيب. الصفة التاسعة والأخيرة في الصفات الشخصية العلمية أنها شخصية منظمة مرتبة لا يمكن أن تفلح في طلبك للعلم وما عندك هذه الخصلة التاسعة، التخطيط الجيد لبرامج اليومية، لبرامج الشهرية، لبرامج العلمية. عندك تخطيط على مستويات عديدة، يعني طالب علم بسم الله جاء الفجر إيش بدك تسوي؟ والله مش عارف، لا ما بينفعش مش عارف، جاء الفجر يلا الآن شو برنامجك؟ تقول لي لا أعرف ما برنامجي، معناته كيف ستطلب العلم؟ ما عندك الآن حفظ مراجعه أورات قراءه وهذا يضيع معه كثير من طلاب العلم أنه بيتعامل مع الحياة العلمية زي ما بالبركة يعني اليوم عندنا مجلس فبالتالي كل اليوم هو لا يفعل شيئا هو فقط ينتظر مجلس الشيخ، طب وين برنامجك؟ برامجك الشخصية حفظ، مراجعة، قراءة؟

الذي لا يضع برنامجا ولا يرتب هذا لا يفلح يا إخواني، لابد يوميا قسمت حياتك لما أخذت خطتك العلمية وسالت قسمت حياتك ما بين حفظ ومراجعة لشيء قديم وقراءة في كتاب أو فن معين وعندي محفوظ من القرآن أو هكذا على حسب البرنامج، لكن من النهار إلى الليل البرنامج موزع، طبعا في هناك ضمن التوزيعه في وجبة إفطار في جلسة مع العائلة ما هو هذا ضمن البرنامج العام، لكن أن تبقى هكذا سنتين ثلاث أربع الأمور ماشية على البركة يعني قرانا قرانا ما قرانا مش مشكله حفظنا حفظنا ما حفظنا مش مشكله يوم خلص هو فقط هالساعة بحضر فيها عند الشيخ وبعود للبيت من لما أرجع للبيت من الآن للساعة 12 بالليل فيش برامج، هذا معناته أنت لن تكون شيئا كبيرا.

فهذه قضية مهمة جدا طالب علم من صفاته شخصية منظمة، هذا التنظيم على مستوى الخطة اليومية، أيضا التنظيم في.

طريقة تلقيك للعلم أنه كيف أبدأ مثلاً يومي؟ أقدم الحفظ ثم الفهم ثم القراءة على حسب برنامجي، أيضاً تنظيمي مثلاً وترتيبي في الكتاب الذي أكتبه. بعض طلاب العلم إذا نظرت في كتابه الشخصي عبارة عن خريطة غير مفهومة؛ الشيخ يعلق على معلومة، خط في الأعلى، خط في الأسفل، خط في كذا. طيب لما تعود تقرأ في هذا الكتاب مرة أخرى لن تفهم الذي كتبته مع الشيخ لأنك لم تنظم، لا، حتى بدك تكون منظم على مستوى دفترك، كتابك، وسجل المعلومات بشكل منظم، منظم في التنسيق حتى إذا احتجت هذا الكتاب أو هذا الدفتر في يوم، أحتاجه، أعود إليه، أحسن التعامل معه.

أيضاً مرتب حتى على مستوى حياته الشخصية، مرتب في وضع ملابسه، مرتب في هندامه، مرتب في شكله، لأنه سبحان الله أحياناً بتعرف الشخص من شكله؛ بيقول لك إذا الشخص هكذا دائماً شكله متوتر، شعره دائماً طائر للأعلى، وملابسه دائماً هكذا لا ينتبه لها، وإذا لما تراه دائماً مهترئ هذا قد يعطيني انطباع عن شخصيته وأن هو شخصية غير منظمة، غير منسقة. لكن الشخص اللي في العادة بتشوفه مضبط أموره، هندامه، شعره، ملابسه، ثيابه، هذا يعطي مؤشر أنه شخصية ماذا يعني مضبطة متكتكة زي ما بيقولوا.

طبعاً هذا مش مؤشر دائماً، ممكن تخفق يعني في بعض الأمور، لكن بشكل عام الأصل أن تكون منظماً مرتباً في جدولك الزمني، في هيئتك وشكلك، في دفترك، في كتبك، في تعاملك مع كل شيء. في الحياة العلمية حاول أن ترتب حتى في أفكار، حاول ترتب الأولويات في الفكر، هذه أيضاً تحتاج لترتيب. أنت، دا أقول لكم كل نقطة حقيقة هي ربما تحتاج لمحاضرة، لكن أنا ما هدفي أطول عليكم حتى لا تملوا، الفكرة فكرة حتى أفكارك هنا، ترتيب أولويات، أنا إيش أولوياتي اليوم؟ فقه ولا عقيدة ولا كذا؟ طيب في الفقه شو أولوياتي في التعلم؟ طيب أنا ما الذي أحتاجه؟ طب مجتمعي أنا مثلاً من روسيا، أنا من كذا، أنا من الصين، طب ايش مجتمعي ماذا يحتاج؟ ولازم تكون مرتب ما هو العلم الأهم بالنسبة لي، ما الذي يعنيني؟ هذه كلها ملفات لابد أن ترتب داخلياً وتستعين بمشايخك وأساتذتك في ترتيبها.

هذا يعني نهاية كلامي عن موضوع الصفات الشخصية لطالب العلم، طبعاً أنت ممكن تضيف عليها بعض الصفات، أنا لا أقول أنني استقصي، وإنما هذه أبرز الأمور التي حضرتنا في موضوع الصفات، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على تحقيقها. وبرجع بقول إخوان، هذه الصفات يعني أنا لا أفترض في نفسي ولا فيكم أن نكون مئة بالمئة فيها كلها، صعب جداً، لكن أفترض أننا نحقق الحد الأدنى، يعني لو من ها الصفات أنت جبت علامة ستين بالمئة ممتاز، لأن حتى بعض ممكن يشق عليه، والله الصفات يخ شو بدي أسوي فيها تمام؟

لا، أنا بقول لك لو جمعت منها بمعدل ستين سبعين بالمئة إن شاء الله بتنجح، لأنه لا يوجد كمال في الإنسان من كل الزوايا، أما يكون مستواك فيها ثلاثين بالمئة أربعين بالمئة معناه أنت راسب بدك تضبط أمورك وملفك. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.