بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نححصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الخامس عشر من مجالس علم العروض، وقد بلغنا إلى البحر الثالث من دائرة المختلف، وهو بحر البسيط. بحر البسيط الذي هو شقيق الطويل في جلالة الشعر وفي اعتبار الشعراء واحتفائه، فهو بحر مركب جليل يتركب من تفعیلت مستفعلن وفاعل. وعرفنا الوجه الذي به رتب العروضيون مجيئه بعد بحر المديد؛ فالمديد لا يوازيه ما في العناية وفي الاحتفاء وفي كثرة الشعر على ما عرفنا، ولكنهم رتبوا هذه البحور في دائرة المختلف، كما عرفتم، بدأوا بالطويل وثنوا بالمديد وثلثوا بالبسيط.
وعرفتم أنهم نظروا في ذلك إلى تقديم البحر الذي التفعيلة الأولى فيها الوتد المجموع، وبعد ذلك نظروا إلى انفكاك البحور أو التفعيلات من بعضها، فعرفت الوجه الذي به تقدم المديد على البسيط. والبسيط كما عرفنا ينفك من التفعيلة الثانية للطويل وهي مفاعيل، لأنك لا تستطيع فكه من فعول لأنه يبدأ بسببين خفيفين مستفعل، فلا يمكنك أن تأخذه من فعول ولا يمكنك أن تأخذه من أول مفاعيل، وإنما من السببين الخفيفين في مفاعيل. وعلى هذا التقدير لو خلقنا تفعيلة البسيط من تفعيلة الطويل تكون تفعيلة البسيط هكذا: عيل فعو هكذا مستفعل تصير عيل فعو ثم لن مفا، فتكون: عي فعو لن مفا عي فعو لن مفا عي فعو لن مفا، وهذه هي هي مستفعل فاعل مستفعل فاعل.
وقيل إنما سمي بالبسيط لانبساط الأباب وتوزعها في تفعيلاته لأنها كالتالي: مستفعل فاعل تن تن ت تن تن تتن، فحصلت الأسباب في أول كل تفعيلة سباعية مستفعل، وقد كانت في الطويل في آخر التفعيلة مفاعيل. فدخول السببين على أول التفعيلة أوحى بانبساطها دون هذه القفزة التي تحصل بالوتد المجموع، فقولنا مستف في أول البسيط يختلف عن قولنا مفا أو فعو التي في الطويل. وقيل إنما سمي بسيطا لانبساط الحركات في العروض والضرب، لأنه كما سنرى تأتي الحركات في عروض التام فعل بثلاث حركات متتالية، وفي الضرب تأتي كذلك فاعل في أحد نوعي التام، وهكذا.
وأنت تجد أن مستفعل فاعل التي يبنى البسيط على تكرارها تجد أن هذه التفعيلة هي مقلوب فعول مفاعيل التي يبنى الطويل على تكرارها. ولهذا تجد بعض المدرسين يقول لك: تفعيلات البسيط هي مقلوب أو هي معكوس تفعيلات الطويل، وهذا لو أريد به التيسير الدراسي فربما يقال لا باس، أما في نفس الأمر فهذا من التوافقات، ولا يوجد بحر هو مقلوب بحر، بل كل بحر يبتنى في الذوق ابتناء مستقلا أو هو يتولد عن بحر آخر، كما راينا الدكتور عبد الله الطيب يذهب إلى أن الهزج متولد من الوافر وانه صورة من صور مجزوءه.
أما البحور القائمة بذاتها فلا يقال هذا مقلوب عن هذا إلا في الصورة والشرح لاستحضار المبتدئ من الطلاب ليس غير. وهذا بعينه يقال في أمر انفكاك وزن عن وزن، كما رتبنا الطويل في أول الدائرة وفكك منه المديد ثم البسيط، لا انفكاك لبحر عن الآخر في الحقيقة، وإنما هو تعبير ينبغي أن نقف به عند حده التعليمي وألا نتجاوز به فوق ذلك.
وقد نبه إلى هذا حازم القرطاجني في منهاج البلغاء في صفحة 205، أقرأ لكم نصه في صفحة 205 من المنهاج يقول حازم القرطاجني: وهذا من الأعراض الواقعة في الأوزان من غير قصد، إذ النظام الذي يكون من أجزاء متماثلة إذا ابتدأت برأس أي وتد أو سبب منه خرج لك وزن تام من أجزاء متماثلة. يقول لك هذا من التوافقات، هي كلها أسباب وأوتاد وحركات وسكنات، بطبيعة الحال لو أنك عكست ذلك سيخرج لك وزن آخر، يعني تخيلوا مثلا أن رجلاً يمشي ويدندن هكذا: تن ت تن تن ت تن تن ت تن، حركة سكون ثلاث حركات سكون حركة سكون ثلاث حركات سكون، قد يدندن بأغنية أو بنشيد على عكس هذا هو ينغم، فقد يعكس يأتي بثلاث حركات وسكون حركة سكون فيفعل يقول: ت تن تن ت تن تن ت تن تن. لا يقال إنه قلب، بل هو اهتدى إليها اهتداء مستقلاً.
وحازم القرطاجني شرح من أسباب وقوع هذه الأعراض أو التوافقات، أطال في ذلك في هذه الصفحات ثم حذر أو استفاض شيئاً ما ثم حذر المتأدب في صفحة 207، قال: وإذ قد تبين هذا فينبغي لمن طمحت به همته إلى مرقات البلاغة إلى آخره ألا يعتقد في وزن من الأوزان أنه مفتقر في وضعه إلى أن يفك من نظام آخر، بل إنما يستنبط الوزن باستقصاء ضروب تركيبات الأسباب والأوتاد واستقصاء ضروب ما يتركب من الأجزاء المؤتلفة من تركيبات الأسباب والأوتاد.
ثم قال في نفس الصفحة: فلهذا وجب أن يعتقد أن هذه الانفكاك التي لهذه الأعاريب من الدوائر أمور عارضة، لا يفتقر في تصور ماهيات الأعاريب وحقائقها إليها، يعني أنت لا تحتاج حتى تفهم البحر إلى أن تعكس بحراً آخر، ادرس كل بحر دراسة مستقلة. قال: ولذلك لم يقل بها كثير من العروضيين، يعني هي طريقة وتملح كما سياتي في كلامه، ويستعملونها في الشرح والتوضيح، وكثير من العروضيين كما قال القرطاجني لم يأت بها. قال: ومن أوردها فإنما أوردها على أنها ملحة عرضية لحقت الأوزان، يعني هي شيء يعرض على أنها ملحة عرضية لحقت الأوزان اتفاقاً، لا أنها حقيقة بنيت عليها الأرض وضعاً واعتماداً، فلهذا يجب ألا يبلغ الحرص بالمؤدب على أن يستقصي جميع ما ينفك من كل دائرة ويروم أن يرد كثيراً من الأوزان إلى ذلك ولو بتجزئة متنافرة ثقيلة، كما فعل ذلك العروضي، بل يجب عليه أن هذا المتأدب الذي يطلب الأدب بعزيمة الأدب، قال: بل يجب عليه أن يققدر كل وزن بالتجزئة المناسبة اللائقة به، سواء وجد ذلك الوزن بتلك التجزئة منفكاً من بعض الدوائر التي قد وقعت فيها أوزان مستعملة، أو وجد أمه وحده غير منفك من وزن مستعمل أو منفك منه وزن مستعمل.
هذا هو أيها الإخوة يقول لك: الشخص الذي يطلب الأدب بعزيمة ويتأدب في الشعر وكذا عليه ألا ينشغل بهذه الأشياء التي تملح بها كثير من العروضيين واتوا بها للتعليم وكذا، وألا يشغل نفسه بهذه البحور المهملة البحور المفترضة في الدائرة، هذه الدوائر إنما أتي بها كما قلنا ذلك مرارا لضبط الموجود لا لخلق المعدوم، الذي يخلق المعدوم هو الذوق العربي وليس أننا نتخيل تمام الدائرة.
بحب الوافر مثلا لا نقول اصله مفاعلة مفاعلة مفاعلة، هذا خيال الدائرة، لكن هو مفاعلة مفاعلة مفاعل أو فعول هكذا فقط، لم يأت مفاعلة تقول الدائرة هذه بقطع النظر بعد ذلك هل الخليل بن احمد كان يتخيل أنغاما تامة واعترض عليه عبد الله الطيب أو أنه وضعه فقط للتقريب وكذا، وهذا التمام هو فقط أيضا للأمر الدراسي بقطع النظر عن ذلك هذا التمام غير موجود.
ثم قال القرطاجني في صفحة 208 قال كلمة مفيدة، قال: وضروب التركيبات كثيرة جداً، وإنما استعملت العرب من جميع ذلك ما خف وتناسب، مرة أخرى قال: وضروب التركيبات كثيرة جداً، وإنما استعملت العرب من جميع ذلك ما خف وتناسب. يعني هو يقول: العرب لم تقصد إلى أن تستقصي البحور من بعضها وأن تفك بحرا من بحر وأن تأتي ببحر هو مقلوب بحر وما إلى ذلك، كما لم تأتي بمستفعل فاعل معكوس فعول مفاعيل في الطويل، لم تقصد إلى ذلك وإنما هي جربت هذه الوجوه التي سمحت بها لغتها واختارت من ذلك أحسن الأعاريب باختيار البحر بذاته دون النظر إلى أنه مقلوب آخر أو نستوفيه بمن بحر آخر أو قلباً له.
نعم، وكما سترون في هذا الكتاب وكما راينا في بعض النقول أخذ القرطاجني العروضيين شديداً على الإغراق في هذه الأمور التي لا حقيقة لها في غير رسم الدائرة.
ونشرع الآن في دراسة أنماط البسيط، نشرع في دراسة أنماط البسيط أو أنواع البسيط، فالخصام ومجزوء البسيط، تام ومجزوء. والتام عروضه دائماً مخبون، أي فاعل تصير فعل بالخبن، أي بحذف الثاني الساكن، لأن عروض البسيط مستفعل فاعل مستفعل فاعل، وزنه تفعيلاته: مستفعل فاعل مستفعل فاعل، مستفعل فاعل مستفعل فاعل، على اقتضاء الدائرة. لكن واقع الشعر، واقع الشعر، واقع استعمال العرب لهذا البحر، وواقع اختراع العرب لهذا البحر على ما قضت به لغتهم وآدابهم وحسهم أن يكون مخبون العروض دائماً، فالشطر الأول من البسيط لا ياتي إلا مستفعل فاعل مستفعل فعل، لا يأتي العروض أو لا تأتي العروض إلا فعل.
وأما الضرب فيكون مخبولاً مرة، فيكون فعل كالعروض، ويكون مقطوعاً مرة أخرى، ويكون مقطوعاً مرة أخرى أي فاعل. والقطع هنا هو حذف هذا الساكن في الوتد المجموع وتسكين الذي قبله، ففاعلن تصير فاعل، أو تصير فاعل بتسكين اللام. فعلى هذا يكون عروض أو وزن البسيط التام: إما أن يكون مستفعل فاعل مستفعل فعل، مستفعل فاعل مستفعل فعل، أو يكون مستفعل فاعل مستفعل فعل، مستفعل فاعل مستفعل فاعل. العروض دائماً مخبون، والضرب مرة مخبولاً يكون مخبولاً، ومرة يكون مقطوعاً. هذا هو البسيط التام وهو البسيط المعتبر الذي تنصرف إليه الأذهان والقلوب إذا قيل بحر البسيط، كما سياتي لأن هناك كلاماً كبيراً في قضية مجزوء البسيط.
أما المجزوء، وهو الذي حذف جزء أخير من كل مصراع منه، فقد صارت عروضه مستفعل، وصار ضربه مستفعل، فصورته: مستفعل فاعل مستفعل، مستفعل فاعل مستفعل. وعروضه تأتي مرة صحيحة، وهذه التي تأتي صحيحة أو سالمة مستفعل، هذه يكون ضربها مرة مذيلاً، أي بزيادة الساكن، يكون ضربها مرة مذيلاً أي بزيادة الساكن فيصير الضرب مستفعلان، فيكون الوزن: مستفعل فاعل مستفعل، مستفعل فاعل مستفعلان.
ويأتي الضرب مرة صحيحاً كالعروض ولم نقدم بالصحيح لأجل ماذا؟ لأجل أننا جرينا كما جرى العروضيون على ذكر الأطول أولاً، فيأتي العروض أو يأتي الضرب مرة صحيحاً كالعروض مستفعل، أي مستفعل فاعل مستفعل، مستفعل فاعل مستفعل. ويأتي مرة مقطوعاً مستفعل بحذف النون وتسكين الذي قبله، فمستفعلن تصير مستفعل، ولا أنقلها إلى مفعول، وعرفتم المنهج في هذه السلسلة أنني لا أنقل.
ثم تأتي العروض مرة أخرى مقطوعة، تأتي العروض مرة أخرى مقطوعة مستفعل، ويكون معها ضرب مثلها، وهذه التي يأتي فيها الخبن ويلزم فيكون من ذلك ما يعرف بمخلع البسيط، وفيه كلام سنذكره في موضعه إن شاء الله.
وسهل بعد معرفة الزحافات في البحور الماضية أن نعرف ما يدخل الآن على تفعيلات بحر البسيط؛ فالتفعيلة الأولى مستفعل يجوز فيها الخبن، متفعل تصير متفعل بحذف السين الساكن، ولن أنقلها إلى مفاعل، ويجوز فيها الطي فتصير مستعل، ولن أنقلها إلى مفتعل، لم تشتكي إلينا مستعل ولم تشتكي إلينا متفعل، ولا معنى للجميع، فلنبكي على الأصل.
والطي أيها الإخوة إنما سمي طياً لأن التفعيلة المحذوفة التي هي الرابع الساكن تقع في نصف التفعيلة بالضبط من حيث العدد، قبلها ثلاثة أحرف مسته الميم والسين والتاء، وبعدها ثلاثة أحرف عل العين واللام والنون، فسمي طياً تشبيهاً بطي الثوب، لأنه يطوى من وسطه بالضبط أو على التمام.
ويجوز فيها الخبل الذي هو مجموع الخبن والطي، والخبل في الأصل هو الفساد، ويقال الخبل كذلك في زوال الأيدي بالكلية لأنه فساد، فالأصل في الخبل هو الفساد ونقلوه إلى هذه التفعيلة، وكأنها لما حذف الثاني الساكن منها وحذف الرابع الساكن، حذف الثاني الساكن بالخبن وحذف الرابع الساكن بالطي، كأنها بذلك وقع فيها الفساد فخبلت فصارت ماذا؟ متعل. فمجموع الخبن والطي هو الخبل، ويقال فيه تصير التفعيلة متعل، ولن أنقلها إلى فعلة، لماذا أنقلها وهي مقبولة على كل حال هي مخبول متعل، بل أقول متعل أقرب إلى الدلالة على ما حصل منها بخلاف فعلة أقرب إلى الاستقرار.
هذا في التفعيلة الأولى مستفعل، أما التفعيلة الثانية فاعل فيجوز فيها الخبن فتصير فاعل، وقد عرفنا أنه لازم في عروض التام، فهو في هذه زحاف يجري مجرى العلة هكذا خلق أصلاً، هكذا خلق نعم، يعني ليس أن العرب كانت تقول مستفعل فاعل مستفعل فاعل ثم راق لها أن تقول فاعل، لم تفعل العرب هذا أصلاً، لم تفعل العرب هذا. فهذا الخبن لازم في عروض التام، لكن في الحشو جائز، لك أن تقول مرة فاعل في فاعل الثانية والثانية في البيت في الشطر الثاني كذلك، لك أن تقول مرة فاعل وأن تقول مرة فاعل.
ومستفعل الذي قلبوه إلى مفعول مستفعل، هذا أجاز فيه الخبن مستفعل، أجاز فيه الخبن وهو حذف السين أو حذف الثاني الساكن فتصير متفعل، تصير متفعل. ومستفعل في المجزوء كذلك جاز فيه ما جاز في مستفعل من الخبن والطي والخبل، وهذا واضح.
ونذهب الآن إلى التفصيل، أولاً البسيط التام. أولاً البسيط التام الصورة الأولى منه أن يكون مخبون العروض والضرب، قلنا فيه صورتان العروض دائماً مخبون والضرب مرة مخبول ومرة مقطوع، فالصورة الأولى أن يكون مخبون العروض والضرب، وبيته في مصنفات العروض قول زهير بن أبي سلمى: يا حار أرمني منكم.
أَمَلْ يُلْقِهَا سُوقُهُ قَبْلِي وَلَا مَلِكُ؟
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ، أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ. هَكَذَا؛ يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ. وَهَذِهِ الْكَافِيَةُ الْمَشْهُورَةُ لِهَذَا الشَّاعِرِ الْعَظِيمِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَلَا أَدْرِي لِمَ تَجَاوَزُوا التَّمْثِيلَ مِنْ مُعَلَّقَةِ النَّابِغَةِ، فَهَذِهِ أَشْهَرُ قَصِيدَةٍ أَتَتْ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ، هَذِهِ الْقَصِيدَةُ أَشْهَرُ قَصِيدَةٍ أَتَتْ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ.
يَا دَارَ مَيٍّ يَتَبَلَّ. مَاذَا وَقَعَ فِي الثَّانِيَةِ؟ الْخَبْنُ، فَصَارَتْ (فَاعِلْ)، وَهَذَا كَثِيرٌ وَمُسْتَطِيلٌ، هَذَا مِنَ الزِّحَافَاتِ عَلَى رَأْسِ الزِّحَافَاتِ الْمُسْتَطَابَةِ؛ يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ.
وَقَفْتُ فِي... جَازَ فِي (مُسْتَفْعِلْ) الْخَبْنُ كَمَا عَرِفْنَا مِنْ قَدِيمٍ، جَازَ فِي (مُسْتَفْعِلْ) الْخَبْنُ وَهُوَ حَذْفُ السِّينِ الثَّانِي السَّاكِنِ فَصَارَتْ (مُتَفْعِلْ)، هَذَا هُوَ (وَقَفْتُ فِي مُتَفْعِلْ). (وَقَفْتُ فِي هَاسَا) أُهْ! رَجَعَتْ سَالِمَةً (فَاعِلْ)؛ وَقَفْتُ فِي هَاسَأَلُهَا.
انْظُرْ، انْظُرْ كَيْفَ يُرَاوِحُ الشَّاعِرُ، وَلَهُ فَنٌّ وَخِبْرَةٌ، الشَّاعِرُ يُرَاوِحُ الشَّاعِرُ لَا لَا يُطَبِّقُ الْعَرُوضَ هَكَذَا، مَا جَازَ أَفْعَلُ مَا لَمْ يَجُزْ لَا أَفْعَلُ لَا. نَحْنُ نَدْرُسُ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، الشَّاعِرُ بَعْدَ ذَلِكَ يُوَظِّفُ كُلَّ هَذَا فِي الْفَنِّ الشِّعْرِيِّ، يُوَظِّفُ كُلَّ هَذَا فِي النَّغَمِ، يُوَظِّفُ كُلَّ هَذَا فِي تَحْقِيقِ الْمَزِيجِ الْمُعَقَّدِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ شَرَفُ الْمَعْنَى، كَالنَّحْوِ تَمَامًا؛ أَنْتَ تَدْرُسُ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، أَمَّا عِنْدَ بِنَاءِ الْكَلَامِ فَتَبْنِي عَلَى غَايَاتٍ وَعَلَى مَرَامٍ، وَلَيْسَ أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ فِي النَّحْوِ بِمَا يَجُوزُ وَخَلَاصُ الْمُهِمِّ أَنَّهُ جَائِزٌ، لَا، كَذَلِكَ فِي الْعَرُوضِ؛ تَدْرُسُ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، هَذِهِ النُّقْطَةُ انْتَبِهُوا إِلَيْهَا يَا إِخْوَةُ، هَذِهِ النُّقْطَةُ غَائِبَةٌ عَنِ النَّاسِ وَعَنْ ثَقَافَةِ النَّاسِ، يَحْسَبُونَ الشَّاعِرَ يَأْتِي بِالْأَمْرِ هَكَذَا لَا. أَنْتَ تَدْرُسُ مَا يَجُوزُ يَعْنِي يَفْعَلُ الْمُهِمُّ يَجُوزُ، لَا؛ الشَّاعِرُ فِي مُسْتَوَى مِنَ الْبَيَانِ يَلْعَبُ بِهَذَا، كَمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يُنَظِّمُ مَا يَجُوزُ فِي النَّحْوِ، الشَّاعِرُ عِنْدَهُ طَبَقَةٌ أُخْرَى يُنَظِّمُ وَيَسْتَعْمِلُ وَيُوَظِّفُ مَا يَجُوزُ فِي الْعَرُوضِ.
فَانْظُرْ هُنَا كَيْفَ لَمَّا خَبَنَ (مُسْتَفْعِلْ) سَلِمَتْ (فَاعِلْ)، قَالَ لَكَ: (وَقَفْتُ فِي)، ثُمَّ أَرَاحَ التَّفْعِيلَةَ: (وَقَفْتُ فِيهَا سُئِلَهَا)، وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ فِي وْسَ... وَقَفْتُ فِي وْسَ) (مُتَفْعِلْ فَعِلْ) مَا كَانَتْ بِجَمَالِ (وَقَفْتُ فِيهَا سُئِلَهَا) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ طَبْعاً، وَقَدْ تَجُوزُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَتَطَلَّبُ هَذَا طَفْرٌ وَهَذَا قَفْزٌ، لَكِنِ انْظُرْ: (وَقَفْتُ فِيهَا سُئِلَهَا) يَا سَلَامُ! وَقَفْتُ فِيهَا أَسْأَلُهَا.
عَيْتُ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا الْأَوَارِيُّ... إِلَّا الْأَوَارِيُّ لَأْيَاً مَا أُبَيِّنُهَا وَالنَّيْءُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ، رُدَّتْ عَلَيْهِ أَقَاصِيهِ وَلَبَّدَهُ ضَرْبُ الْوَلِيدَةِ بِالْمِسْحَاةِ فِي الثَّجَدِ، خَلَّتْ سَبِيلَ أَتِيٍّ إِنْ كَانَ يَحْبِسُهَا، خَلَّتْ سَبِيلَ أَتِيٍّ إِنْ كَانَ يَحْبِسُهُ وَرَفَعَتْهُ إِلَى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ، أَمْسَتْ خَلَاءً وَأَمْسَى أَهْلُهَا احْتَمَلُوا أَخْنَى عَلَيْهَا الَّذِي أَخْنَى عَلَى لُبَدِ، فَعُدَّ عَمَّا تَرَى إِذِ ارْتَجَى عَلَقٌ وَانْصَبَّتْ عَلَى عَيْرَانَةٍ أُجُدِ، وَذَفْرَةٍ بِدَخِيسِ النَّحْضِ بَاذِلَةٍ لَهَا صَرِيفٌ صَرِيفُ الْقَعْوِ بِالْمَسَدِ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ الْقَصِيدَةِ مَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الزِّحَافَاتِ فِي (مُسْتَفْعِلْ) وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ زِحَافِ الْخَبْنِ فِي (فَاعِلْ).
وَكَمَا رَأَيْتُمُ الْعَرُوضُ دَائِمًا الْعَرُوضُ دَائِمًا مَخْبُونٌ (فَعِلْ)، وَهَذَا النَّمَطُ ضَرْبُهُ كَذَلِكَ كَالْعَرُوضِ (فَاعِلْ)، وَمِثَالُهَا كَذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ الْمُتَأَخِّرِ بُرْدَةُ الْبُوصِيرِيِّ؛ أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ مَزَجْتَ دَمْعًا جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ، أَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ وَأَوْمَضَ الْبَرْقُ فِي الظُّلْمَاءِ مِنْ إِضَمِ، فَمَا لِعَيْنَيْكَ... فَمَا لِعَيْنَيْكَ إِنْ قُلْتَ اكْفُفَاً فَهَمَتَا، وَمَا لِقَلْبِكَ إِنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ، أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أَنَّ الْحَبَّ مُنْكَتِمٌ مَا بَيْنَ مُنْسَجِمٍ مِنْهُ وَمُضْطَرِمِ، لَوْلَا الْهَوَى لَمْ تُرِقْ (مُسْتَفْعِلْ فَاعِلْ) لَوْلَا الْهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعًا عَلَى طَلَلِ، وَلَا أَرِقْتَ لِذِكْرِ الْبَانِ وَالْعَلَمِ، وَلَا أَعَارَتْكَ لَوْنًا عَبْرَةً وَضَنَى ذِكْرُ الْخِيَامِ وَذِكْرُ سَاكِنِ الْخِيَمِ، وَهَكَذَا كَذَا، وَمِنْهَا نَهْجُ الْبُرْدَةِ وَمِنْهَا قَصَائِدُ أُخْرَى جَلِيلَةٌ، لَكِنْ هَذَا يَكْفِي، وَلَا أَحْسَبُ هَذَا الْبَحْرَ يَعْنِي مِنَ غَيْرِ الْمَأْلُوفِ، لَا أَحْسَبُهُ مِنْ غَيْرِ الْمَأْلُوفِ هُوَ مِنَ الْبُحُورِ الْمَأْلُوفَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ.
نَعَمْ، النَّمَطُ الثَّانِي مِنْ هَذَا التَّامِّ الَّذِي هُوَ الْبَسِيطُ الرَّئِيسُ الْأَسَاسُ؛ مَا كَانَ مَخْبُونَ الْعَرُوضِ مَقْطُوعَ الضَّرْبِ، وَشَاهِدُهُ فِي الْعَرُوضِ الشِّعْرُ الْمَنْسُوبُ إِلَى امْرِئِ الْقَيْسِ؛ قَدْ أَشْهَدُ الْغَارَةَ الشَّعْوَاءَ تَحْمِلُنِي جَرْدَاءُ مَعْرُوقُ اللَّحْيَيْنِ سَرْحُوبُ، هَذَا هُوَ؛ قَدْ أَشْهَدُ (مُسْتَفْعِلْ) غَارَتَ الشْ (فَاعِلْ) شَعْوَاءَ تَحْ (شَعْوَاءَ تَحْ فَاعِلْ أَنْ) شَعْوَاءَ تُحْ (مُسْتَفْعِلْ) مَلَنِي (فَعِلْ). قَدْ أَشْهَدُ (مُسْتَفْعِلْ) غَارَتِ الشْ (فَاعِلْ) شَعْوَاءَ تَحْ (شَعْوَاءَ تَحْ مُسْتَفْعِلْ) مَلَنِي (فَعِلْ) إِلَى هَذَا، هُوَ كَأَوَّلِ قُلْنَا الْعَرُوضُ الْعَرُوضُ دَائِمًا مَخْبُونٌ.
قَدْ أَشْهَدُ الْغَارَةَ الشَّعْوَاءَ تَحْمِلُنِي جَرْدَاءُ مَعْ (مُسْتَفْعِلْ) رُوقُ اللْ (رُوقُ لْ فَاعِلْ رُوقُ لْ) لِحْيِ سَرْ (لِحْيِ سَرْ مُسْتَفْعِلْ) حُوبُ (فَعِلْ حُوبُ فَعِلْ).
قَدْ أَشْهَدُ الْغَارَةَ الشَّعْوَاءَ تَحْمِلُنِي جَرْدَاءُ مَعْرُوقُ اللَّحْيَيْنِ سَرْحُوبُ. وَمِنْ أَشْهَرِ قَصَائِدَ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ، وَرُبَّمَا هِيَ عِنْدَ النَّاسِ وَعِنْدَ الْمُثَقَّفِينَ مِنَ الْمُعَاصِرِينَ أَوِ الدَّارِسِينَ هِيَ أَشْهَرُهَا؛ بُرْدَةُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ الَّتِي اعْتَذَرَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ، مَتِيمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ. (فَاعِلْ) و(فَاعِلْ) وَجَدْنَاهَا فِي الْعَرُوضِ وَفِي الضَّرْبِ.
طَيِّبٌ، فِي الضَّرْبِ فَهِمْنَا؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ الثَّانِيَ مِنَ الْبَسِيطِ التَّامِّ، لَكِنْ كَيْفَ فِي فِي الْأَوَّلِ هَذَا؟ لِمَكَانِ التَّصْرِيعِ، قُلْنَا التَّصْرِيعُ تَتَبَّعُ فِيهِ الْعَرُوضُ الضَّرْبَ، وَلَمَّا يَنْتَهِي مَوْضِعُ التَّصْرِيعِ نَرَى الْعَرُوضَ رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا كَمَا نَرَى هُنَا؛ بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ مَتِيمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ، وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إِذْ رَحَلُوا رَجَعْنَا إِلَى (فَاعِلُ) هَكَذَا رَحَلُوا، وَمَا سُعَادُ (مُسْتَفْعِلْ) وَمَا سُعَادُ غَدَا (فَعِلْ)، هُنَا وَجَدْنَا الْخَبْنَ وَقَعَ فِي (مُسْتَفْعِلْ) وَفِي (فَاعِلْ)؛ فَمُسْتَفْعِلْ صَارَتْ مُتَفْعِلْ وَفَاعِلْ صَارَتْ فَاعِلْ هَكَذَا وَمَا سُعَادُ غَدَا، انْظُرْ كَيْفَ طَفَرَتِ الْكَلِمَاتُ! كَيْفَ قَفَزَتْ! كَيْفَ كَيْفَ أَسْرَعَتْ وَأَنْجَزَتْ! وَمَا سُعَادُ غَدَا وَمَا سُعَادُ غَدَا. هَذَا كُلُّهُ بِقَصْدِ الشَّاعِرِ، هُنَاكَ هُنَاكَ أَشْيَاءُ فِي نَفْسِ الشَّاعِرِ تَسُوقُهُ إِلَى هَذَا الْمَسْلَكِ أَوْ ذَاكَ.
وَمَا سُعَادُ غَدَاةَ الْبَيْنِ إِذْ رَحَلُوا إِلَّا أَغَنُّ غَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ، تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إِذَا ابْتَسَمَتْ كَأَنَّهُ مَنْهَلٌ بِالرَّاحِ مَعْلُولُ، شَجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ ضَافَ الْبَطَاحَ وَهُوَ مَشْمُولُ، تَنْفِي الرِّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ، أَكْرِمْ بِهَا خُلَّةً لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ مَوْعُودَهَا أَوْ لَوِ النُّصْحُ مَقْبُولُ، لَكِنَّهَا خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهْتِ فَجْعٌ وَوَلَعٌ وَإِخْلَافٌ وَتَبْدِيلُ، فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا كَمَا تَلَوَّنُ فِي أَثْوَابِهَا الْغُولُ، إِلَى آخِرِ مَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ.
وَفِيهَا أَيْضًا قَصِيدَةٌ لِلْأَعْشَى نَجِدُهَا فِي دِيوَانِ الْأَعْشَى، وَهِيَ الْقَصِيدَةُ التَّاسِعَةُ بَعْدَ السَّبْعِينَ نَطَّلِعُ عَلَيْهَا أَيْضًا اطِّلَاعًا لِأَنَّ أَوَّلَهَا أَيْضًا (بَانَتْ سُعَادُ)، وَسَتَرَوْنَ كَيْفَ فِيمَا يَغْلِبُ أَنَّ كَعْبًا اسْتَفَادَهُ مِنْهُ كَمَا اسْتَفَادَ مِنَ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ. نَعَمْ؛ الْقَصِيدَةُ التَّاسِعَةُ بَعْدَ السَّبْعِينَ مِنْ دِيوَانِ الْأَعْشَى نَطَّلِعُ عَلَيْهَا هَكَذَا يَقُولُ:
بَانَتْ سُعَادُ وَأَمْسَى حَبْلُهَا رَابَا (فَاعِلْ) بَانَتْ سُعَادُ وَأَمْسَى حَبْلُهَا رَابَا وَأَحْدَثَتْ نَأْيِيَ شَوْقًا وَأَوْصَابَا، وَاجْمَعْ رَمَيْنَا سَعْدًا وَهَجْرَتَنَا لَمَّا رَأَتْ أَنَّ رَأْسَ الْيَوْمِ قَدْ شَابَا، أَيَّامَ تَجْلُونَا عَنْ بَارِدٍ رَتْلٍ... انْظُرْ؛ أَيَّامَ تَجْلُو لَنَا... تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ. فَكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ اسْتَفَادَ فِي قَصِيدَتِهِ مِنْ عَدَدٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْكِبَارِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ فِي السَّنِّ وَكَانُوا يَعْنِي أَعْلَى مِنْهُ فِي الطَّبَقَةِ، هَذَا الْأَقَلُّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ نُقَّادِ الشِّعْرِ، اسْتَفَادَ شَدِيدًا مِنَ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ هَذَا لَا يَخْفَى، بَلْ بَنَى قَصِيدَتَهُ عَلَى مَنْهَجِهِ، وَاسْتَفَادَ كَمَا رَأَيْتُمْ كَذَلِكَ مِنَ الْأَعْشَى رُبَّمَا اسْتَفَادَ مِنْهُ (بَانَتْ سُعَادُ)، قَدْ طَبْعًا غَيْرُ الْأَعْشَى كَثِيرٌ قَالَ (بَانَتْ سُعَادُ)، لَكِنِ النَّابِغَةَ قَالَ (بَنَا السُّعَادَ) أَيْضًا، لَكِنْ هُنَا يُوجَدُ شَاهِدٌ وَهُوَ جَلَاءُ الْأَسْنَانِ (تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ) وَهَكَذَا، وَهُنَا يَقُولُ (تَجْلُو لَنَا) إِلَى آخِرِهِ.
نَعَمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ؛ هَاتَانِ صُورَتَا الْبَسِيطِ التَّامِّ وَهُوَ الْبَسِيطُ الَّذِي يُعْتَبَرُ وَيَشِيعُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الشِّعْرِ الْعَظِيمِ. إِذَا قُلْنَا الْبَسِيطَ فَهَذَا هُوَ؛ الْعَرُوضُ دَائِمًا مَخْبُونٌ، الضَّرْبُ مَرَّةً مَخْبُولًا وَمَرَّةً مَقْطُوعًا، مَرَّةً (فَاعِلْ فَاعِلْ) وَمَرَّةً (فَاعِلْ)، مَرَّةً (فَاعِلْ) مَخْبُونٌ وَمَرَّةً (فَاعِلْ) مَقْطُوعٌ.
نَأْتِي الْآنَ إِلَى الْبَسِيطِ الْمَجْزُوءِ الَّذِي عَرُوضُهُ وَضَرْبُهُ (مُسْتَفْعِلُ) بَعْدَ اجْتِزَاءِ التَّفْعِيلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ كُلِّ شَطْرٍ، وَيَأْتِي عَلَى صُوَرٍ؛ يَأْتِي هَذَا عَلَى صُوَرٍ، الصُّورَةُ الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الْعَرُوضِ مُذَيَّلَ الضَّرْبِ، وَأُذَكِّرُ هُنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الطَّيِّبَ نَبَّهَ إِلَى أَنَّهُ الْأَكْثَرُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحَ الْعَرُوضِ (مُسْتَفْعِلُ) مُذَيَّلَ الضَّرْبِ (مُسْتَفْعِلانْ) بِزِيَادَةِ سَاكِنٍ كَمَا عَرَفْتُمْ فِي التَّذْيِيلِ زِيَادَةُ السَّاكِنِ هُنَا. شَاهِدُهُ قَوْلُ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ؛ أَنَا ذَمَمْنَا عَلَى مَا خَيَّلَتْ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ وَعَمْرًا مِنْ تَمِيمٍ. أَنَا ذَمَمْ (مُسْتَفْعِلْ) نَا عَلَى (فَاعِلْ) مَا خَيَّلَتْ (مُسْتَفْعِلْ) سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ (مُسْتَفْعِلْ) دَنَ وَعْمْرًا مِنْ تَمِيمٍ (سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ وَعَمْرًا دَنَ وَعْمْ) (فَاعِلْ) دَنَ وَعْمْ (رَنَ مِنْ تَمِيمٍ مُسْتَفْعِلْ)، هَذَا مُذَيَّلُ الضَّرْبِ.
تُلَاحِظُونَ يَا إِخْوَةُ هُنَا أَنَّنَا أَوَّلَ مَا دَخَلْنَا فِي هَذَا شَعَرْنَا أَنَّنَا انْتَقَلْنَا مِنْ جَلَالَةٍ وَطُولٍ وَتَرْكِيبٍ وَحُسْنِ تَرْتِيبٍ مِنْ جَلَالَةٍ وَطُولٍ وَتَرْكِيبٍ وَحُسْنِ تَرْتِيبٍ إِلَى مَا يُشْبِهُ الرَّجَزَ، وَقَدْ نَبَّهَ إِلَى ذَلِكَ فِعْلًا عَبْدُ اللَّهِ الطَّيِّبُ كَمَا سَنَقْرَأُ عَنْ طَبِيعَةِ هَذِهِ الْأَنْمَاطِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَنِ الْبَسِيطِ. تُلَاحِظُونَ أَنَّنَا كَأَنَّنَا صِرْنَا فِي رَجَزٍ قَصِيرٍ جِدًّا، وَانْتَبَهَ إِلَى ذَلِكَ حَازِمٌ الْقَرْطَاجَنِيُّ أَيْضًا كَمَا سَأَنْقُلُ عَنْهُ بَعْدَ قَلِيلٍ.
النَّوْعُ الثَّانِي: صَحِيحُ الْعَرُوضِ وَالضَّرْبِ (يَعْنِي كُلٌّ مِنَ الْعَرُوضِ وَالضَّرْبِ مُسْتَفْعِلُ)، شَاهِدُهُ وَلَمْ يُنْسَبْ؛ مَاذَا وَقَفْتِ عَلَى رَبْعٍ خَلَا؟ مَاذَا وَقَفْتِ (مُسْتَفْعِلْ) عَلَى رَبْعٍ (فَاعِلْ) خَلَا (مُسْتَفْعِلْ). مَاذَا وَقَفْتِ عَلَى رَبْعٍ خَلَا مَحْلُولُ دَارِسُ مُسْتَعْجِبُ، وَاللَّهُ كَأَنَّهُ مَصْنُوعٌ لِأَجْلِ التَّمْثِيلِ!
النَّوْعُ الثَّالِثُ: صَحِيحُ الْعَرُوضِ مَقْطُوعُ الضَّرْبِ، صَحِيحُ الْعَرُوضِ مَقْطُوعُ الضَّرْبِ (يَعْنِي الضَّرْبُ إِذَا قُطِعَ مَاذَا يَكُونُ؟ مُسْتَفْعِلْ)، وَكَمَا قُلْتُ: لَنْ أَنْقُلَهُ إِلَى (مَفْعُولُ) كَمَا نَقَلُوهُ، يَبْقَى عَلَى حَالِهِ لِنَعْرِفَ فَمَاذَا حَصَلَ؟ قُلْنَا هَذَا مِنَ الْأَوَّلِ مِنْ أَوَّلِ السِّلْسِلَةِ. شَاهِدُهُ وَلَمْ يُنْسَبْ؛ سِيرُوا مَعًا إِنَّمَا مِيعَادُكُمُ، وَاللَّهُ كَأَنَّهُ مَصْنُوعٌ لِأَجْلِ هَذَا! سِيرُوا مَعًا إِنَّمَا مِيعَادُكُمُ (مُسْتَفْعِلْ فَاعِلْ مُسْتَفْعِلْ) صَحِيحُ الْعَرُوضِ مَقْطُوعُ الضَّرْبِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ بِبَطْنِ الْوَادِي، بِبَطْنِ الْوَادِي بِبَطْنِ الْوَادِي بِبَطْنِ الْوَادِي (مُسْتَفْعِلْ) أَوْ كَمَا نَقَلُوهُ إِلَى (مَفْعُولُ).
وَالرَّكَاكَةُ مَوْضِعُ التَّصْرِيعِ يَكُونُ كُلُّ الْعَرُوضِ صَحِيحًا، وَيَكُونُ كُلُّ الضَّرْبِ مَقْطُوعًا، وَلَكِنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ أَنَّ مُعَلَّقَةَ عَبِيدٍ لَا تَسْلَمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَسَأَتْرُكُ لِمُعَلَّقَةِ عَبِيدٍ فِي النَّوْعِ الرَّابِعِ الَّذِي هُوَ مَقْطُوعُ الْعَرُوضِ وَالضَّرْبِ الَّذِي هُوَ مُخَلَّعُ الْبَسِيطِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرِينَ جَعَلُوا مُعَلَّقَةَ عَبِيدٍ عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْخَلَلِ مِنْ مُخَلَّعِ الْبَسِيطِ، وَسَأَعْرِضُ إِلَى هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ وَنَنْتَهِي إِلَى شَيْءٍ أَوْ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمُقَارَبَةِ وَإِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمُقَارَبَةِ وَالِاطْمِئْنَانِ حَوْلَ وَزْنِ هَذَا الْبَيْتِ، وَسَنُحَدِّدُ مَوْقِفًا لِعَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ يَتَفَقَّقُ مَعَ شَاعِرِيَّتِهِ وَفُحُولَتِهِ وَيُعَالِجُ شَيْئًا مِمَّا يُقَالُ حَوْلَ هَذَا الْوَزْنِ، وَكَيْفَ أَتَى بِهِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِمَّا تَعْرِفُونَ.
وَهَذَا الْبَسِيطُ الْمَجْزُوءُ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ هُوَ وَزْنٌ قَدِيمٌ مَهْجُورٌ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ الطَّيِّبِ، وَسَنَعْرِضُ لَهُ بِالتَّفْصِيلِ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَنْ طَبِيعَتِهِ، سَنَعْرِضُ لَهُ بِالتَّفْصِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَنْ طَبِيعَتِهِ. أَمَّا مُخَلَّعُ الْبَسِيطِ فَهُوَ مِمَّا عُنُوا بِهِ قَلِيلًا، غَيْرَ أَنَّهُ أَيْضًا مَهْجُورٌ، وَحَازِمٌ الْقَرْطَاجَنِيُّ لَهُ كَلَامٌ فِي هَذَا بِأَنَّهُ مِنْ بَحْرٍ أَوْ مِنْ وَزْنٍ جَلِيلٍ؛ وَزْنٍ إِنَّمَا يَكُونُ حُسْنُهُ فِي تَرْكِيبِهِ وَحُسْنِ تَرْتِيبِهِ، فَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَمَّا يَكُونُ مِنْ مُقَصَّرَاتٍ كَمَا سَمَّاهَا وَهِيَ الْمَجْزُوءَاتُ، وَمِنْهَا هَذَا الْمُخَلَّعُ. وَهَذِهِ الصُّوَرُ الْمَجْزُوءَةُ كُلُّهَا وَقَالَ: كُلُّ ذَلِكَ رَاجِعٌ أَصْلًا إِلَى الْمُجْتَثِّ، فَالْقَرْطَاجَنِيُّ يَقُولُ: كُلُّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى الْمُجْتَثِّ وَلَا يَرْجِعُ إِلَى بَحْرِ الْبَسِيطِ؛ لِأَنَّ الْبَسِيطَ وَالطَّوِيلَ بَحْرَانِ جَلِيلَانِ لَا يُقَصَّرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا وُضِعَا عَلَى صُورَةِ الْجَلَالَةِ، وَيَقُولُ: هُنَاكَ بُحُورٌ أُخْرَى أَوْزَانٌ أُخْرَى مُقَصَّرَاتُهَا أَطْيَبُ مِنْهَا، يَقُولُ: هُنَاكَ أَوْزَانٌ أُخْرَى مُقَصَّرَاتُهَا أَطْيَبُ مِنْهَا، أَمَّا بَحْرُ الْبَسِيطِ وَالطَّوِيلِ فَلَا تَكُونُ فَائِدَةٌ مِنْ تَقْصِيرِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِمَا التَّطْوِيلُ، وَهُمْ يَسْتَخْرِجُونَ الْحُسْنَ مِنَ الْقَبِيحِ أَوِ الْأَحْسَنَ مِنَ الْحَسَنِ وَلَا يَسْتَخْرِجُونَ الْقَبِيحَ مِنَ الْجَمِيلِ، لَا يَسْتَخْرِجُونَ الْقَبِيحَ مِنَ الْجَمِيلِ!
نَعَمْ، فَهَذَا كُلُّهُ سَنَعْرِضُ لَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَنْ طَبِيعَةِ هَذِهِ الْأَوْزَانِ أَوْ هَذِهِ الْعَائِلَةِ مِنَ الْبَسِيطِ، إِذَا صَحَّ أَصْلًا أَنَّ هَذَا الْمَجْزُوءَ مِنْهُ حَازِمٌ الْقَرْطَاجَنِيُّ يَرْفُضُ ذَلِكَ وَيُعِيدُ هَذِهِ الْمَجْزُوءَاتِ وَالَّتِي فِيهَا مُخَلَّعُ الْبَسِيطِ إِلَى الْمُجْتَثِّ.
نَعَمْ، النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَقْطُوعُ الْعَرُوضِ وَالضَّرْبِ وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِمُخَلَّعِ الْبَسِيطِ، وَحَوْلَ هَذَا النَّوْعِ جَرَى الْكَلَامُ وَالْجِدَالُ، حَوْلَ هَذَا النَّوْعِ جَرَى الْكَلَامُ وَالْجِدَالُ. شَاهِدُهُ فِي الْعَرُوضِ الْبَيْتُ الَّذِي لَمْ يُنْسَبْ؛ مَا هَيْجَ الشَّوْقَ مِنْ أَطْلَالِ؟ أَضْحَتْ قَفَارًا كوَحْيِ الْوَاحِي؛ مَا هَيْجَشْ (مُسْتَفْعِلْ) مَا هَيْجَ شَوْقَ مِنْ (فَاعِلْ) أَطْلَالِ (مُسْتَفْعِلْ) أَضْحَتْ قَفَا (أَضْحَتْ قَفَا مُسْتَفْعِلْ) رَنْكَ وَحْ (رَنْ كُوحْ فَاعِلْ) يَلْ وَاحِي (مُسْتَفْعِلْ) مَقْطُوعُ الْعَرُوضِ وَالضَّرْبِ، هَذَا يَدْخُلُهُ الْخَبْنُ وَيَلْزَمُهُ فَيَكُونُ هَذَا الْمَعْرُوفَ بِمُخَلَّعِ الْبَسِيطِ وَهَذَا.
المخلع هو الذي جرت به عناية الشعراء وجرى في كلام العروضيين، ومنه قصيدة الأعشى الثالثة بعد الخمسين في الديوان. وجاءت العروض في هذه القصيدة مخبون: متفعل، وحينئذ يلتزم الخبن في العروض والضرب على طول القصيدة. نطلع إطلاعاً على ديوان الأعشى وننظر في هذه القصيدة؛ هي في ديوان الأعشى القصيدة الثالثة بعد الخمسين، طبعا تعرفون قلت منهجنا في هذه السلسلة أننا نطلع على القصائد ونقرأ منها القصيدة كاملة أو نقرا أجزاء منها وهكذا.
هذه القصيدة: ألم تروا؟ وقع هنا في أولها ماذا؟ وقع في أولها الخبن في مستفعل صارت متفعل، يقول وقال فيما كان بينه وبين بني جحدر: ألم تروا أرماً وعاداً؟ ماذا وقع في وعاد؟ وقع الخبن، وعاد أصلها مستفعل قطعت صارت مستفعل، كبنت صارت متفعل متفعل. إذاً مخلع البسيط: مستفعل فاعل متفعل مستفعل فاعل متفعل. هذا انتهاك كالذي تدخل على الرجز، ولهذا سيقول كما سنرى الآن الدكتور عبد الله الطيب في المرشد: ليس فرق بينه وبين الرجز إلا هذا التحريف في التفعيلة الوسطى.
نعم، لو نظرنا إلى ما يدخل على الرجز من الانتهاكات والتصرفات هذا كأنه منه، ولهذا ربما يظنه البعض أو يراه البعض من الرجز أصلاً، والقرطاجني قال هذا من المجتث كما سنرى، وبعضهم قال هذا من المنسرح، وفي الأخير ستعلمون أن هذا الوزن مهجور ميت أصلاً وساقط. ونحن نتكلم على كلام ثمين لأحد الباحثين من بغداد ونحن نتكلم عن معلقة عبيد، لأنك سترى أنه وزن ما كاد ينضج أو ما لبث بعد أن نضج إلا وانزوى وهجر؛ ربما لما كان هكذا قصيراً وكذا وزحمته بحور أخرى كانت أحسن منه بقيت واندثرت، والعرب تختار أجود أعارضه أو أجود التراكيب: ألم تروا أرماً وعادا أو دابة الليل والنهار بادوا فلمّا أن تادوا قفا على آثارهم قدار رأيتم وقبلهم متفعل وقبلهم غاله المنايا تسما ولم ينجه الحذار وحلّ بالحي من جديس يوم من الشر مستطار
وهذه القصيدة للأعشى من هذا النوع، وهي عند الأعشى ناضجة إلى حد ومستقرة، ليست كما عند عبيد بن الأبرص، وإن كان طور نضوج هذا البحر لم يكن على هذه الصورة.
ناتي الآن إلى الجدل الواقع في معلقة عبيد بن الأبرص، فأقول: هذا البحر المخلع البسيط هو الذي تنسب إليه معلقة عبيد الأبرص، وذلك على رأي أكثر الدارسين أنها من مجزوء البسيط مقطوع العروض مقطوع الضرب، المخبون متفعل متفعل أصلها مستفعل قطع صار مستفعل خبن صار متفعل. ولكن يبقى الخلل واقعاً في القصيدة على قلة، وقع فيها من الأبيات 15 بيتاً على الصورة الماضية؛ صحيحة العروض مقطوعة الضرب، 15 بيتاً جاءت صحيحة العروض مقطوعة الضرب.
ونحن نعرف أن هذا المخلع ينبغي أن يكون مقطوع العروض والضرب، وليس صحيح العروض مقطوع الضرب، هذا نوع آخر من مجزوء البسيط فلم يأتِ على هذه الصورة مقطوع العروض والضرب التي هي شرط هذا البحر في مستقره العروضي، ووقع منها 19 بيتاً على صورة المخلع، 19 بيتاً فقط على صورة المخلع. ثم هناك تفصيلات أخرى أوضحها بالإحصاء، هناك تفصيلات أخرى أوضحها بالإحصاء الدكتور الباحث عبد المنعم أحمد صالح، عبد المنعم أحمد صالح الدكتور بكلية الشريعة ببغداد، وذلك في مقاله له منشورة بعنوان: خلل عبيد في وزن القصيد. هذه المقالة موجودة في الإنترنت مصورة بصيغة بي دي إف لأنها تقريباً بحث في مجلة أو نحو ذلك.
نعم، خلل عبيد في وزن القصيد؛ انتهى فيها أيها الأخوه إلى الخلاصات التالية: انتهى إلى أن الخلل والمخالفات العروضية حصلت في ستة أعشار القصيدة، في 60% من القصيدة، وكان أكثرها في العروض لا في الضرب، وهذه نقطة مهمة ركزوا عليها وتأملوها. كان أكثر هذه المخالفات في العروض لا في الضرب؛ لأن الأشطر الثانية كلها تقريبا كان على مخلع البسيط، الأشطر الثانية في القصيدة اطردت على مخلع البسيط. فهذا أول هذه الخلاصات التي انتبه إليها أو لخصها الدكتور عبد المنعم أحمد صالح في بحثه.
الخلاصة الثانية: أن عبيد بن الأبرص لم يكن يجهل هذا النوع، وإلا ما اطردت معه الأشطر الثانية على هذا الوزن، لكن يرى الدكتور أن صورة هذا الوزن لم تكن قد استقرت بعد على هيئتها المقررة عند العروضيين منذ عصر الخليل بن أحمد، لم تكن هذه الصورة قد استقرت بعد. وعبيد بن الأبرص شاعر قديم، شاعر قديم أقدم من الأعشى الذي وجدنا القصيدة عنده مضطردة سليمة؛ عبيد بن الأبرص شاعر أقدم من الأعشى بقطعة ليست قليلة في إذا ما نظرنا إلى كل ما نعرفه عن فترة الجاهلية، فهذا شاعر قديم. فلم تكن صورة الوزن المستقرة عند الخليل قد استقرت بعد في زمان عبيد بن الأبرص، فكان الوزن كان في طور تشكله. وعلى هذا قبل الناس القصيدة وأجازوها، وكان هذا الوزن في طور من أطواره كان يقبل فيه التغيير والتقلُّب في الأشطر الأولى دون الثانية.
وأنا اقول هنا ربما يؤيد كلام الدكتور أننا نرى بالفعل في الأوزان المستقرة، لا سيما في المجزوء منها، أنه يتسامح في الحشو وفي العروض ما لا يتسامح في الضرب، يتسامح في الحشو وفي العروض ما لا يتسامح في الضرب. وأقول أيضاً: وهذا لائق بوزن وقع فيه الخلاف الشديد هل هو من البسيط أم من المنسرح أم هو من المجتث أم هو بحر مستقل بذاته وهكذا. فالذي يظهر لي وأطمئن إليه، لأن أخاكم عقيلاً كان يسالني ويلح في قضية عبيد بن الأبرص وأنا يعني أهتبل هذا الموضع من العروض للكلام فيها تطبيقاً، بدلاً من أن يكون كلاماً مستقلاً فيها لا ننطلق فيه من العروض نفسه، تطبيق سنلاحظ أن القصيدة جاءت كما يرى، كما خلص إلى ذلك الدكتور عبد المنعم، أن القصيدة اطردت أشطارها الثانية على مخلع البسيط، أما الأولى فمرة جاءت التفعيلة صحيحة ومرة جاءت كذا ومرة جاءت على المخلع، المهم اطردت ولم تسلم، ولهذا البعض جعلها كما رأينا التبريزي يجعلها من المجتث والأكثر رأينا الأكثرين يجعلونها من المخلع.
وفي الأخير هي لا تطرد حتى على المخلع، وهناك خلل وقع. لكن أقول: هذا الخلل لا يمس شاعرية شاعر فحل كعبيد بن الأبرص؛ لأن هذه القصيدة خرجت على طور تشكل وزن ما كان قد استقر بعد، وكان له نوع استقرار في الجاهلية يشهد لذلك ما وجدناه عند الأعشى على قلة أيضاً لهذا البحر أو هذه الأوزان عندهم.
وناتي الآن إلى الحديث عن طبيعة بحر البسيط، ناتي إلى الحديث عن طبيعة بحر البسيط ونبدأ بما قاله حازم القرطاجني في ذلك، وهذا في كتابه منهاج البلغاء، في كتابه منهاج البلغاء في الصفحة 213 يقول حازم القرطاجني: الطويل والبسيط عارضان فاقا الأعاريب في الشرف والحسن وكثره وجوه التناسب وحسن الوضع. الطويل والبسيط عروضاً فاقا الأعاريب في الشرف والحسن وكثره وجوه التناسب وحسن الوضع، فإذا ازيل عنهما بعض أجزائهما اه انتبهوا، فإذا ازيل عنهما بعض أجزائهما ذهب الوضع الذي به حسن التركيب وتناهى في التناسب، فلم يوجد لمقصرهما... لذلك وغيرهما من الأعاريب قد يوجد في مقصراتها ما يكون أطيب منه. وغيرهما من الأعاريب قد يكون في مقصراتها، المقصرات يعني ما قصر منه المجزوءات، ما يكون أطيب منه. فلما كانت مقصرات الطويل والبسيط تنحط عن درجة الوزن التام في ذلك انحطاطاً متفاوتاً، كان لإهمال تلك المقصرات وجه من النظر؛ إذ كانت الأوزان التامة كالآباء وهذه المقصرات المقتضبة كالابناء، وإذا لم يلد الكريم كريماً كان أحسن له ألا يلد، وإذا لم يلد الكريم كريماً كان أحسن له أن يلد. لكن الناس قد الوزن الذي صلح عندنا أن يكون ضرباً ثانيأ من المجتث إلى البسيط فلنساهَم في ذلك. وحكم مخلع البسيط الذي تجيء نهاياته على مثال مفعول هذا الحكم الذي هو مستفعل مقطوع، وكلاهما صالح أن ينسب إلى المجتث.
فالخلاصة حازم القرطاجني يرى أن الطويل والبسيط إنما وضعا على قصد من كثرة وجوه التناسب وحسن الوضع، وهذا يجعل تقصيره خلاف الغاية منهما ولذلك لا يرى مقصرات لا للطويل ولا للبسيط. وأما هذه التي تنسب للبسيط من المقصرات التي هي ما يسمى بمجزوء المخلع هذه التي درسناها اليوم يقول: هذه صالح أن تنسب إلى المجتث، فليست هي من البسيط ولم تتولد من البسيط باجتزائه أو تقصيره. هذا ما قاله حازم القرطاجني، وهذا كلام مهم وخطير؛ لأنني أرى كثيراً من المعاصرين معرضاً عنه على ما فيه من رد هذه الأوزان إلى قضايا البلاغة، كما بنى كتابه هذا على ذلك. ولما نقرا إن شاء الله وتعالى ندرس القرطاجني هذا سيكون له فكر آخر وستنفتح لكم فاق أخرى في دراسة البلاغة غير البلاغة التقريرية التي لا يتناول فيها العروض في ضمنها وإنما يتناول تناولاً مستقلاً.
وقد أجرى القرطاجني كما قرأنا من قبل، أجرى القرطاجني قانون البلاغة على العروضيين وقال: هم بحاجه إليه وليست البلاغة بحاجة إلى تقرير ما قرروه، وقال إن هذه العروض، هذه البحور والأوزان تخضع لقانون التلاؤم البلاغي، وهذا كلام خطير ومهم ولا يمكننا أن نتجاوزه دون تمحيص ودراسة ونظر طويل.
ننتقل الآن إلى كلام الدكتور عبد الله الطيب، ونبدأ بالكلام عن مجزوءات البسيط والمخلع لننتهي منها، ثم نفرغ إلى هذه الجلالة في البسيط المعروف بالبسيط التام. في الصفحة 76 من كتاب المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، طبعا القديمة الأولى، القديمة جداً، في الصفحة 76 يقول: والبسيط الثالث وزن قديم مهجور، يعني هذا المجزوء، والقديم الثالث وزن قديم مهجور، وهو عبارة عن وزن البسيط محذوفة منه التفعيلة الأخيرة من كل شطر، وهو عبارة عن وزن البسيط محذوفة منه التفعيلة الأخيرة من كل شطر. ويقول: وقد مات هذا الوزن في العهد الإسلامي وهجره المحدثون إلى عصرنا هذا؛ يعني هذا الوزن لم يكمل نضوجه، لم يكمل قبوله. وقد مات هذا الوزن في العهد الإسلامي وهجره المحدثون إلى عصرنا هذا، وقد ندت آذانهم عن نغمة وصار الاتيان به مستقيماً منتظماً شيئاً عسيراً عليهم.
وفي الحق أنه وزن بدوي قريب من الرجز، لا يختلف عنه إلا في تحريف في النغمة الوسطى، هذا هو الذي لاحظناه أول ما انتقلنا من البسيط التام إلى هذه الأوزان المجزوءة. قال: وفي الحق أنه وزن بدوي قريب من الرجز لا يختلف عنه إلا في تحريف في النغمة الوسطى. ثم يقول: إنه... يقول ومع أن هذا الوزن قد مات في الفصيح منذ العهد العباسي فإنه لا يزال يستعمل في اللهجة السودانية الدارجه. الدكتور عبد الله الطيب الذي نقرا كتابه المرشد سوداني، يقول: فإنه لا يزال يستعمل في اللهجة السودانية الدارجة مع إسقاط الإعراب. ثم يقول: فهذا يدلك على بداوتنا السودانية كالمجزوء من الكان وكان والكان وكان، محرف عن البسيط، وقد ذكره العروضيون ونبهوا على أنه استعمل في بغداد ولا يزال يستعمل في البلاد العربية، ولم يذكروا هذا الوزن السوداني، ولم يذكروا هذا الوزن السوداني المجزوء عنه.
ولا يعقل أن يكون السودانيون اخترعوا هذا الوزن بالسودان؛ لأن كل أوزانهم لها مشابه من الأعاريب المعروفة. والارجح أن الأذواق الحضارية البغدادية التي كرهت مثل وزن المرقش في صحاها وآثرت البسيط، كرهت هذا الوزن السوداني في عاميتها وآثرت الكان وكان، واحتفظ البدو بهذا الوزن وعنهم وصل إلى السودان؛ إذ أكثر عرب السودان بدو، إذ أكثر عرب السودان بدو رحلوا في القرن الحادي عشر الميلادي أو قبله بضور إلى وادي النيل عن طريق السويس والبحر الأحمر، يعني عندنا في مصر. وتكلم طبعا كما رايتم عن هجرة هذه الأوزان ثم تكلم عن مخلع البسيط في الصفحة 101 يقول: وزن ذكره ابن الرومي في قوله كذا. ثم يقول: وموسيقى هذا الوزن بسيطة فطرية، وهي مزيج من نغمة هلا هلا هيا ونغمة إن تقبلوا نعانق (يعني هذا مما يرتجز ويرتجف الكلام). قال: وفيه نوع من اضطراب وحجلان بين الخفة والثقل، وقد كرهته أذواق المتأخرين إلا قليلاً؛ لأنه فيما يبدو نغم بداوة يصلح للشدو وما إليه، ولا يستقيم عليه ما يطلبه الذوق الحضري المعقد من أنواع الغناء.
ومما يؤيد هذا الفرض أن هذا الوزن بعينه موجود بين قبائل الشياقية والرباطاب هكذا في شمال السودان؛ منه قول بشير رباطابي يصف القطار إلى آخره. ثم يقول: وفي هذا الوزن على اضطرابه وبداوته رنة شجية، وفي كلمتي امرئ القيس عيناك دمعهما أو شال كان شابيهما سجال (طبعا هذا ليس امرأ القيس الذي لنا ينسب إليه هذا لكن ليس له)، قال: وعبيد بن الأبرص: أقفْرٌ من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب ما يؤيد ذلك؛ أي أنه بحر له على اضطرابه وبداوته رنة شجية.
ننتقل عن المخلع البسيط الذي يزعم أنه مجزوء أو أحد صور المجزوء من البسيط، قال ما يؤيد ذلك، وعلى هذا يكون ابن الرومي قد أخطأ بصياغته هجاءه كذا كذا فيه، اللهم إلا إلى آخره. فهذا يا إخوة شأن المجزوء أو ما عرف بالمجزوء، وشأن ما عرف بالمخلع، مخلع البسيط. وننتهي من كل هذا حول هذه المجزوءات التي يعني ربما أميل إلى حازم القرطاجني في أنها ليست من البسيط لعلته القوية في ذلك، وهي أن هذه البحور بنيت على التركيب وكثرة الاختلاف والتنوع وكذا، والعرب ذوقهم لا يسمح أن يجتزأ منها، وإنما هي أقرب إلى صور كانت من الرجز، البحور القصيرة اضطربت فلم تستمر لهم.
فالله تعالى أعلم، ننتقل إلى الكلام عن البسيط، الذي هو البسيط التام بنوعيه: مخبون الضرب ومقطوع الضرب. ويبدأ الكلام في صفحة 414؛ يقول: البسيط كما قدمنا أخ الطويل في الجلالة والروعة، إلا أن الطويل أعدل مزاجاً منه، ويقصر بالبسيط أن فيه بقية من استفعال الرجز ذات دندنة تمنع نغمه أن يكون خالص الاختفاء وراء كلام الشاعر، وكامل النزول منه بمنزلة الجو الموسيقي الذي يكون من الشعر كإطار من الصورة، تذكرون كلامنا في الرمل. يريد أن البسيط له نغمة قوية تستقل عن النظم وتوازي ولا تتماهى معه بالتمام لقوة ظهورها، وهذا يشبه -كما قلت- ما قلناه في الرجز في الرمل؛ أن يكون لهذا الوزن موسيقى توازي الكلام، لكن ليس إلى الحد الرمل، ما زال بحراً جليلاً، وهذا ما يجعله أخاً للطويل في عناية العرب.
ثم يقول: ولا يكاد روح البسيط يخلو من أحد النقيضين: العنف أو اللين، وتكاد صبغته على وجه الإجمال تكون إنشائية إذا افترضنا في الطويل صبغة خبرية. ركزوا في هذا؛ لأن من هذا الأساس سيتبدأ يبني طبيعة بحر البسيط وما يشمله من أنماط المعاني. قال: وتكاد صبغته على وجه الإجمال تكون إنشائية إذا افترضنا في الطويل صبغة خبرية. يعني إذا قلنا الطويل فيه صبغة خبرية، فصبغة ليس إلزاماً استغراق صبغة، فإنشاء البسيط صبغته إنشائية.
ثم يقول: وبما أن الوصف والقصص مما يغلب فيهما جانب الخبر على الإنشاء، فإن البسيط يتطلب منهما أنواعاً خاصة وإلا فإنهما لا يستقيم فيه ولا يصلحان له. الوصف والقصص يغلب فيهما الخبر على الإنشاء، أن تقول: حصل كذا وحصل كذا. البسيط يتطلب من هذه الأنواع من القصص -من هذه الأنواع الخبرية؛ الوصف والقصص- أنواعاً خاصة، فإذا لم تأتِ هذه الأنواع الخاصة، كان الوصف والقصص لا يستقيم مع البسيط ولا يصلحان فيه.
ويقول في صفحة 416: والقصص الذي يستقيم في البسيط هو ما يكون فيه لون من عنف أو لين. ثم يقول في صفحة 419: ومن نوع القصص الذي يصلح فيه البسيط ما ينزل منزلة الفخر ويذهب به مذهب الخطب الطنانة من أوصاف الملاحم. من ذلك كلمة الأخطل: خف القطين فراحوا منك أو بكروا * وأعجلتهم نوا في صرفها غيروا. هذه قصيدة من أفحل الشعر الإسلامي، من عيون عيون من تيجان الشعر الإسلامي، ولم يقدر جرير على الأخطل فيها. هذه من مواطن انتصار الأخطل على جرير: خف القطين فراحوا منك أو بكروا * وأعجلتهم نوا في صرفها غيروا. قال هذا في صفحة 421.
هذا، والوصف وهو أخو القصص، لا يلائم البسيط إلا إذا صحبه روح قوي من حنين أو ألم أو عاطفة جلية. فإن كانت العاطفة التي وراء الوصف من النوع الهادئ المتأمل، فقل أن يصلح البسيط لذلك. قال مستشهدا على هذا -على فساد التأمل أو عدم لياقة التأمل بالبسيط-: وكفى شاهدا على ما أقول كلمة ذي الرمة الطويلة: ما بال عينك منها الماء ينسكب * كأنَّه من كُلْم فريَّةٍ سَرِبُوا.
قال الدكتور عبد الله الطيب معترضا على إعجاب ذي الرمة بهذه القصيدة واعتبارها أحسن شعره قال: وضلالا كان يعدها ذو الرمة أميرة شعره. ضلالا -يعني- هو يعترض على ذي الرمة أنه يعتبرها أميرة شعره. قال: وضلالا كان يعدها ذو الرمة أميرة شعره، فالرجل قد كان ذا مزاج متمهل متأمل، وكان الخبر أغلب في مذهبه من الإنشاء، والطويل أشبه به من البسيط. يعني الدكتور عبد الله الطيب يقول لذي الرمة: الطويل أقرب إلى روحك، أقرب إلى مزاجك المتمهل المتأمل، فما أتيت به في هذه القصيدة لا يتناغم مع نغمها، لا يلتئم مع نغمها. هذا نحن نقف فيه على الطريقة والمذهب، لا على المحتوى والتطبيق. هذا يحتاج منا إلى تأمل وإلى نظر وكذا، لكن أقول الفكرة -يعني الفكرة- نقف على الفكرة.
ثم قال في صفحة 423: البسيط شديد الصلاحية للتعبير عن معاني العنف والتعبير عن معاني الرقة. يقول: البسيط شديد الصلاحية للتعبير عن معاني العنف والتعبير عن معاني الرقة. خذ مثلاً قصيدتي البحتري والمهلبية في رثاء المتوكل إلى آخره. ثم بعد أن استفاض في الكلام عن القصيدتين تكلم عن مراثي البسيط قال: ومن تامل مراثي البسيط المشهورة كائية أعشى باهلة المعروفة، ولامية جرير في ابنه سوادة، وكائية الخنساء، وكبسيطيات الاندلسيين في بكاء ديارهم، وكبسيطيات ابن عبد السلام في اخت سيف الدولة، قال: من تامل هذه المرثيات جميعا وجدها إما تذهب مذهب السخط على القدر، وإما مذهب التجلد، وإما مذهب الجزع والضعف أمام المصيبة. والله لو التقى البسيط مع الرثاء تكون الفجيعه.
يفتكلم عن المدائح في البسيط يقول: واذا تركنا الرثاء ونظرنا في مدائح البسيط وجدناها كلها تعمد إلى التفخيم وتحم حم الخطابه. ثم يقول في صفحة 431: ولاحساس الشعراء بما في رنه البسيط من ملائمه للعنف وبما بمج من الكلام الصارخ الجهير تجدهم فيه قد اكثروا من قصائد التحريض والعتاب والهجاء المقرعة الناس والقصائد الجياد الطنانه التي وردت في هذا المعنى اكثر مما جاء من نظائرها في غيره واقوى. ما اجود القصائد التي في كوكبت في اكثرها على كلام الدكتور الطيب التي جاءت على بحر البسيط؛ قال: قصائد التحريض والعتاب والهجاء المقرعة. مختارات ابن الشجري، نعم، هذه قصيدته العينيه التي حذر بها ابلغ ايادا وخلل في سراتهم: اني ارى الراي ان لم يعص قد نصع، إلى آخره، يا لهف نفسي. نعم.
ثم يقول في الصفحة 432: ومن تامل شعر المتنبي وجد اعنف ما قاله في البسيط. هذه طبعا معلومه تدونها في جلده ديوان المتنبي. ومن تامل شعر المتنبي وجد اعنف ما قاله في البسيط. ثم يتكلم عن مذهب البسيط في الرقه ويقول: والحقيقه ان رقه البسيط في صفحه 434 يقول: والحقيقه ان رقه البسيط من النوع الباكي، فهي تظهر في باب الرثاء كما في رائيه الخنساء ولاميه جرير في سواده، وتظهر في كل ما يغلب عليه عنصر الحنين والتحسر على الماضي. فالبكاء على الاوطان المسلوبه يدخل في هذا القبيل، وقد المعنا لك عن ذلك عندما اشرنا الى مراث الاندلسيين.
أما مرابط الغزل في البسيط، اذا كان ممزوجا بلوعه الاسى والذكرى يقول -انتبهوا الى هذا-: واحسن ما يجيء الغزل في البسيط اذا كان ممزوجا بلوعه الاسى والذكرى. ثم يقول في اخر الصفحه: فاذا فهمنا هذا السر من اسرار النسيب علمنا انه يحتاج الى نوع من الرقه غير ما نجده في شعر عمر بن ابي ربيعه، وغير ما نجده في شعر جميل والعذرية. البسيط لا يليق مع المتفجر أو مع المتحزبين من العذريين، ولا يليق مع طريقه الغزل خلاص.
لماذا؟ هؤلاء لماذا تنكبوا البسيط؟ يقول: لانهم كانوا يتحدثون عن واقع حاضر من الغرام ينعمون به أو يشقون -يعني الغزلي يشقى؟ معذرة ينعم، والعذري يشقى-. انظروا هنا في عقل الدكتور عبد الله الطيب فريق بين الغزل والعذر، وان قيل في كلاهما في كليهما نسيب، وانا دائما افرق اقول: الشعر العذري شيء، والغزل شيء. لا تقل في الجميع غزل، ولا تقل شعر غزل عذري أو غزل مكشوف. الغزل غزل واحد، والعذري عذري. طيب وهذا الاخر المكشوف ليس غزلا وليس عذريا، هذا افحام الشعر لكن ليس عذريا وليس غزل وليس هذا موضع الكلام في هذا.
لكن انظروا عبد الله الطيب يفرق بين الاثنين لما وقال: ينعمون به أو يشقون. لماذا لا يصلح معهم البسيط؟ لانهم يتحدثون عن واقع حاضر وهو قال فوق في الصفحه في النصف الاول: واحسن ما يجيء الغزل في البسيط اذا كان ممزوجا بلوعه الاسى والذكرى. يعني ليس بان ينعم في الحاضر، ولذلك قال في الاخير: عمر بن ابي ربيعه في غزره لا يصلح، راجل بيلعب ويستمتع ويتغزل في الحبيبه لا يصلح معه البسيط، اين لوعه الاسى والذكرى؟
ثم يقول: هذه فائده ايضا قالها عن عينيه ابن زريق -قد نختلف معه، قد نتفق- يقول عن كلمه ابن زريق العينيه استودع التي هي لا تعذليه، وهي وان كان في بعض متنها وهي جيده غايه الجوده في جملتها. ثم يقول صفحه 439: وبحسب هذا القدر من الاستشهاد على ما في البسيط من الصلاحيه لتقبل العنيف والرقيق الباكي من الكلام، واحسب السر في صلاحيته لهذين النقيضين هو أن نغمه يتطلب -هذه الخلاصه هو أن نغمه يتطلعن بقطع النظر يعني هي في في العنيف ام في الرقيق- العنيف الشديد في الفخر والخطابه ام في الرقيق الباكي العله واحده.
يقول: ان نغمه يتطلب عاطفة قوية. هذا هو، نريد عاطفة قوية، كانت في العنيف كانت في الرقيق، ليس هذا ما يهم. ان نغمه يتطلب عاطفه قويه ايا كان نوعها، يعبر عنها الشاعر تعبيرا خطابيا جهينا، ويلزم مع ذلك جانب الجلاله والرفعه -ها، هذا هو- يظل جليلا رفيعا وان ظهر نغمه. وهاتان الصفتان -يعني الجلاله والرفعه- هما اللتان تجمعان بينه وبين الطويل.
ثم يقول في حال المعاصرين مع هذا البحر: هذا والبسيط بحر معرض عنه بين معاصرين، لا يكاد ينظم فيه الا من يدعون باصحاب المدرسه القديمه، وهذا امر يثير الاسف لان وزن هذا البحر جميل لا يستاهل الاهمال -لا يستحق الاهمال، لان وزن هذا البحر جميل لا يستاهل الاهمال- ان لم يتح له مكان الصداره وفي نغمه ايسا للكلام القوي والعواطف الحره. وقد اكثر منه المرحوم شوقي من بين طبقات المعاصرين الاولى، ولكن معظم نظمه -هذه ايضا معلومه توضع في جلد الديوان شوقي أو الشوقيات- ولكن معظم نظمه فيه من الضرب المتوسط، بما في ذلك نونيته التي جار بها ابن زيدون: يا نائح الطلح، أشباه عوادينا * نشجى لواديك أم نأسى لواديكا؟ قال: وهي طويله جدا، شوف هذا يا اخوه لتعلموا أن كلام المتخصصين في القصائد شيء وكلام العامه شيء. قال: وهي طويله جدا، وقد اشتط فيها في محاكاه ابن زيدون فقصر ذلك به عن غايه الاجاده. نعم، قال ذلك بان المجاري ينبغي ان يكون له كلام من عند نفسه فيجارى ويباري، اما ان يتكلف الوزن والقافيه وما يتبع ذلك من وشي البيان والبديع ثم يعمد الى معاني النموذج الذي احتذاء فيسل فليس بمجاراة، انما هو تكلف وصناعه.
وشوقي وقع في هذا بالمناسبة كثيرا، وانا تحدثت في زياراتي للكويت مع استاذي الوالد الدكتور سعد مصلوح، قلت له: الاحظ أن شوقي يقع كثيرا في شعره الذي يطلب منه في المناسبات والذي يعارض به. فكانه وافقني في ذلك وقال: شعره الذي يبدا هو يكون اجود.
ثم قال في صفحه 441: وافضل الذين تعاطوا هذا البحر من شعراء العصر المتقدمين هو محمود سامي البارودي بلا ادنى ريب، وله فيه روائع خالده. مره اخرى وهذه ايضا تدونها في جلده ديوان البارودي كما تدون التي قبلها في جلده ديوان شوقي، والتي قبلها في جلده ديوان المتنبي. هذه فوائد تقفون عليها تنفعكم اذا اردتم الشاعر دراسته. قال: وافضل الذين تعاطوا هذا البحر من شعراء العصر المتقدمين -متقدمين يعني في المستوى- هو محمود سامي البارودي بلا ادنى ريب وله فيه روائع خالده.
ثم يقول: ولم تجئ في الشعر العصري قصيده من هذا النفس العالي بعد موت البارودي الا اشياء نادره. قال: ولم تجئ في الشعر العصري قصيده من هذا النفس العالي بعد موت البارودي الا اشياء نادره. وحسبنا هذا في الكلام عن بحر البسيط من حيث العروض ومن حيث الطبيعة، وانتم أيها الشعراء بقي لكم أن تعالجوا ذلك في صدوركم وفي أنفسكم، مستعينين بهذا العلم النظري موظفين إياه في طبيعتكم وقريحتكم.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد