حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس السبت في رياض الجنة، حيث نتحلق على كتب العلم ولو تباعدت المسافات؛ فيبقى بيننا عهد العلم وميثاقه الغليظ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على طلب العلم، وأن يميتنا ونحن نطلب العلم النافع الذي يقودنا إليه، وألا يحرمنا منه بذنوبنا وخطايانا، إنه سبحانه وتعالى سميع مجيب.
ما زلنا نعيش في كتاب روضة العقلاء، طبعا هذا الكتاب الذي نحن لم نبدأ الآن من أوله، يعني استأنفنا ما كان في الرباط العلمي، وكان المجلس السابق هو أول مجالس الاستئناف. وهذا الكتاب قلت، وهذا النوع من الفنون والعلوم نوع يحتاجه المسلم عموما، وهو أن يعرف الأخلاق والقيم التي يحسن بالعاقل أن يتصف بها وأن يغفلها في تربيته لنفسه وفي تربيته لأبنائه وطلابه وتلاميذه، فإن الإنسان إذا أحسن سياسة الحياة، انجلت عنه كثير من الغموم والهموم.
وإذا أساء سياسة الحياة حتى ولو كان من العلماء، بمعنى أنه جمع من العلم شيئا كثيرا لكنه لا يحسن سياسة الحياة، فانه أضر بنفسه وأضر بإخوانه. فلزوم هذه الأخلاق واتباعها والاهتمام بها كان دأب العلماء الربانيين، ولذلك ابن حبان البستي الذي أشغله بكتابه هذا الكتاب، يعني ليس فراغا أو ما عنده وقت زيادة، قال لك نؤلف مثل هذا الكتاب وإنما لادراك أن مثل هذه العلوم ينبغي أن يصنف فيها وأن يقراها الناس وأن يتفهموها وأن يعيشوا بها، فان فيها صلاح دينهم ودنياهم.
وصلنا مع ابن حبان البستي إلى الباب الحادي والعشرين في قوله: الزجر عن لزوم الحرص للعاقل إذ ارتكابه من شيم الأنوق، قلنا الأنوق بمعنى الأحمق الجاهل. طبعا أيها الكرام اتفقنا مع الإخوة أن يكون السير في هذا الكتاب وأن نركز على الجمل والأفكار تماما، القصائد والأشعار سأتركها للطالب، يعني في العادة تقرا سريعا والطالب لا يفهم كثير منها، تاخذ منا وقتا قد لا نحتاجه حرصا على إتمام الكتاب في أسرع وقت والانتقال إلى كتاب نافع آخر نلتهمه إن شاء الله، فنقتصر على ذكر الفوائد والقواعد العامة التي تحت كل خلق من الأخلاق.
فهذا الخلق طبعا عموما يتكلم فيه عن أن الإنسان العاقل ينبغي ألا يكون حريصا على الدنيا. قال سبحانه وتعالى في وصف الإنسان: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج: 19-21]، منوعا يعني حريصا لا يريد أن يبذل. ثم استثنى سبحانه وتعالى ما الذي يخلص الإنسان من هذه الآفة أن يكون من أهل الإيمان عموما، قال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِم دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: 22-26]. هذه العقائد وهذه العبادات هي التي تعين الإنسان على التخفف من الحرص، قال سبحانه: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128]، النفس ما بتحب تبذل، ما بتحب تقدم، تريد أن تبقى حريصة على ما عندها.
وهنا يبين ابن حبان رحمه الله أن هذا ليس من أخلاق العقلاء، فالإنسان العاقل لا يكون حريصا على الدنيا. طبعا عدم الحرص على الدنيا لا يعني الإهمال والإغفال أيضا وهو في توازن، لا يعني عدم الانتباه والالتفات الذي يضيع الإنسان ويضيع أسرته وعائلته، لكن أيضا يعني عدم التعلق، عدم التشبث إلى غير ذلك من المعاني.
قال رحمه الله تعالى باسناده عن أنس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يهرم ابن أدم وتشب منه اثنتان: الحرص والحسد». نعم يهرم ابن آدم، الإنسان كلما كبر تبقى خصلتان أكثر شبابا، يكبر الإنسان وتبقى فيه خصلتان أكثر شبابا، قال: وتشب منه اثنتان، يعني تشب فيه خصلتان مع أنه بلغ من الكبر عتيا، ما هي الخصلتان التي كلما هرم الإنسان ازدادت هي شبابا فيه؟ قال: الحرص والحسد.
وهنا سبحان الله قضية الحرص، وهذا نجده في كثير من كبار السن الذي كان همه في الدنيا جمع المال، فتجده وهو يكبر وهو يبلغ من الكبر عتيا ووصل للسبعين والثمانين، همه في ماله ومن وكيف يحفظه ومن سيجمعه بعده وكيف يستفيد منه في الحياة. تجد مع أن جل الإنسان في السبعين والثمانين بينه وبين القبر قاب قوسين أو أدنى، ويفكر الإنسان بلقاء الله وماذا أعد الله له وأين نزله، وتجده ولاؤه وهدفه أرصدته البنكية وأمواله ومن سياخذ الميراث ومن سيحرم من الميراث، نسأل الله السلامة والعافية.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: ركب الله جل وعلا في البشر الحرص والرغبة في الدنيا الفانية لئلا تخرب، إذ هي دار الأبرار ومكسب الأتقياء وموضع زاد المؤمنين واستجلاب الميرة للصالحين. ولو تعرى الناس عن الحرص فيها بطلت وخربت، فلم يجد المرء ما يستعين به على فرائض الله فضلا عن اكتساب ما يجدي عليه النفع في الآخرة نفلا، والإفراط في الحرص مذموم.
طبعا هنا الفائدة التي ذكرها هنا المحشي، أن الحديث بروايته المشهورة في صحيح مسلم: يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر، أما باللفظ الذي أخرجه: وتشب منه اثنتان الحرص والحسد، لفظة الحسد هنا ليست هي اللفظة المشهورة في الحديث في مصادر التخريج، وإنما اللفظ الصحيح أو المشهور في مصادر التخريج عند الإمام مسلم: وتشب منه خصلتان الحرص على المال والحرص على العمر فكله حرص.
طبعا هنا سينشد أشعارا في ذم الحرص، ثم قال عن ابن المبارك، قال: سخاء النفس بالعفة عما في أيدي الناس أكبر من سخاء البذل ومروءة، والقناعة أكبر من مروءة الاعطاء. يقول: سخاء النفس بأن تعف عما في أيدي الناس ولا تتشوف إلى ما في أيدي الناس، هذا أكبر في ميزان الأخلاق من سخاء النفس بالبذل، يعني أي الخلقين أكثر اهتماما يجب أن يكون في حياتك أن تبذل أو أن تعود نفسك أن تعف عما عند الناس؟ يقول لك الخلق الذي ينبغي أن تهتم به أكثر هو أن تعلم نفسك ألا تتطلع ولا تتشوف إلى ما في أيدي الناس، وأما سخاء البذل خلق جميل وممتاز يعني لكن ذاك أعلى منه.
كذلك مروءة القناعه هي أتمها، لذلك مروءة القناعة أهم من مروءة العطاء، أنك تعطي هي مروءة لكن الأهم منها أن تتعلم القناعة وأن ترضى بما قسمه الله عز وجل لك.
نعم ركب الله عز وجل في البشر الحرص والرغبة في الدنيا الفانية لئلا تخرب، الان وجود اصل الحرص أصل الغضب أصل الشهوة، وجود اصول هذه الأمور في الإنسان مهمة من جهة ماذا؟ أن يعمر الدنيا، ما الذي يجعل الإنسان يخطط، يفكر، يرسم آمال، يبني مشاريع اقتصادية وما شابه ذلك؟ وجود فكرة الحرص. لذلك نحن قلنا في البداية الحرص ليس المطلوب منك أن تعدمه، المطلوب منك أن تتوازن فيه، لأنك إذا أعدمته هلكت، فلذلك يقول: أصل هذه الفكره مطلوب حتى لا تخرب الحياة الدنيا، وإلا لو فني الحرص تماما في الإنسان لما فكر أحد أن يضع حجرا على حجر، فبالتالي علينا أن نفهم ما هو الجانب المذموم في هذه القضية.
لذلك قال في الختام الفقرة ايش: والإفراط في الحرص مذموم، هي آخر جملة، فالمذموم هو الإفراط في الحرص وليس في أصل الحرص.
قال وعن ابن سيرين قال: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. قال أبو حاتم، ما معنى هذه العبارة؟ طبعا هذه العبارة نسبت إلى أيوب بن أبي تميم السختياني ونسبت إلى ابن سيرين يقول: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. هذه عبارة عاقل، ايش يعني إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون؟ اه مش عارف، إذا ما صار بدك تخلّي الله شيء غيره طيب.
نعم أحسنت، هو ايش يقول؟ إذا لم يكن الشيء الذي تطمح إليه، إذا لم يكن يعني إذا لم يحصل، إذا لم يحصل الشيء الذي تريده، فأرد ما حصل وقدر الله أن يكون، فأرد ما يكون يعني أرضى بما كان بما قدره الله عز وجل حتى تستريح. تمام فأرد، أرد ما يكون يعني ما يقدره الله، فأرد الإرادة الثانية بمعنى الرضا، فيقول: إذا لم يحصل الشيء الذي تريده حتى لا تتعب وتتأسف وتتوجع، أرد ما يكون يعني ايش؟ اقبل بما يكون، ارض بما يكون. وهذا من عدم الحرص على الدنيا، لأنه الحريص هو الذي يجزع إذا لم يحصل ما يريد، وعلامة عدم حرصك أن ترضى بما قدره الله عز وجل لك.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وأفقر الفقراء من كان الحرص عليه أميرا. لأن الحرص سبب لإضاعة الموجود عن مواضعه، والحرص محرمه كما أن الجبن مقتله، ولو لم يكن في الحرص خصله، الحرص محرمه يحرمك من كثير من أبواب الخير، كما أن الجبن مقتله.
ولو لم يكن في الحرص خصلة تذم إلا طول المناقشة بالحساب في القيامة على ما جمع، لكان الواجب على العاقل ترك الإفراط في الحرص، الذي يحرص على جمع المال سيسال يوم القيامة عن كل قرش.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الحرص غير زائد في الرزق، وأهون ما يعاقب الحريص بحرصه أن يمنع الاستمتاع بما عنده من محصوله. نعم يعني هذا في الدنيا، أن الحريص على المال لا يستمتع به. والله إنني وقفت على كثير من الأغنياء، من الأغنياء بمعنى الملايين إخواني، وما زال يعيش في حشف من البيت ويعيش في أماكن أنت نفسك كإنسان يعني راتبك معتدل تقول: يا أخي ايش اللي عايشه في هالقصة هي وفي هذه الحالة مع أنه يملك الملايين؟ لماذا؟ أنا أعرف من طباعه الحرص، يعني هو بخيل باختصار، حرصه على المال نكد عليه حياته، فلا هو ينتقل مثلا إلى بيت هادئ بدلا من زحمة الطرقات وأوجاعها، ويبقى.. طبعا ليس مطلوب طبعا الاسراف والبذل، يعني هو لو كان يفعل ذلك زهدا لقلنا أخذ ثواب الزهد، ولا يفعل ذلك زهدا، ويفعل ذلك بخلا وحرصا، رجل ما بده يعطي ما بده يبذل ويريد يضل يجمع الدينار فوق الدينار ويرى أرصدته في البنك فيسر بها، ثم يجمع وهو لا يستمتع بها. يعني ما دمت أنت حريص على المال يا أخي على الأقل استمتع به.
فماذا يقول ابن حبان؟ وأهون ما يعاقب الحريص بحرصه أن يمنع الاستمتاع، أن يمنع الاستمتاع بما عنده من محصول، أن هو لا يستمتع بما عنده، لماذا؟ أنه فقط يريد أن يخبئ المال، أن يكنز المال، أن يحافظ على المال. وبالتالي فائده المال الحقيقية، وهي أن تشتري به ما تسترضى به الأنفس وما تستطيب به. أنت قد تجد نفسك تشتري أحيانا من الوجبات والمطاعم وأبدا.. يا أخي أنت معك مال، وسع على نفسك وعلى عيالك وعيش حياتك، لا، يخشى أنه يحسب الدجاجة من هناك، خست لنا وجدت للبيت والحجة طبختها وعشرتها، تطلع دينارين، يا أخي أنت بدك تقعد تحسبها كذا؟ هذا ربما الإنسان متوسط الحال يحسب هذه الحسبة منطقي، ما أنت دائما تتكلم بأموال!
وأعود فأقول: هو لو كان يفعل ذلك من باب تربية النفس والتقشف حرصا على الدار الآخرة يمدح في جانب من الجوانب هذا أفهمه، لا، هو يفعل ذلك لأنه بيحسب دينار زياده ولا دينار ناقص، يعني هو مليء، فخوفا على أن يبذل دينازا زائدا يحسب هذه الحسبات، هذا مذموم لأن باعث هذا الخلق الحرص وليس الزهد.
قال: فيتعب في طلب ما لا يدري أيحلقه أم يحول الموت بينه وبينه. ولو لزم الحريص ترك الإفراط فيه واتكل على خالق السماء، لاتحفه المولى جل وعلا بإدراك ما لا يسعى فيه، والظفر بما لو سعى فيه وهو حريص.. وهو حريص عس لتعذر عليه وجوده.
يعني من نعمة الله على الذي يترك الحرص أو الإفراط في الحرص، أنه يحصل أمور لم يسعى لها. يقول: لاتحفه الله بإدراك أرزاق ما سعى لها تجده يحصلها، والظفر بما لو سعى، ويظفر بأشياء لو سعى لها في أثنا حرصه لما حصلها. يعني أتظن أن الحرص يزيد الرزق؟ لا والله، الحرص لا يزيد الرزق، ويقول لك بالعكس: الإنسان الذي تجده أقل حرصا يوفق لأرزاق وأشياء لطيفة ما كانت لتاتي لو كان على عقليته في الحرص.
الإنسان الغير حريص تجد أحيانا يا أخي بيغامر في تجارات، صحيح، يقول لك خلص يعني إذا ربنا رزقنا رزقنا، مش مشكلة إذا خسرنا خسرناها، بيغامر في تجارات ويربحها، لكن الحريص لا، ما بدي اتاجر ما بدي كذا، بخاف أخسر، بظله يفكر هاي العقلية فبتظل رزقك محدود.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الحرص علامة الفقر كما أن البخل لقاح المسكنة، والبخل لقاح الحرص كما أن الحمى. البخل يعني هو الذي يلقح الحرص فيك، مثلا.
حَبُوبُ اللَّقَاحِ، كَأَنَّهُ الْبُخْلُ هُوَ الَّذِي يُبَذِّرُ فِيكَ حَبُوبَ اللَّقَاحِ الَّتِي تُوَلِّدُ الْحِرْصَ، فَبُخْلُكَ هُوَ بَوَّابَةُ حِرْصِكَ نَعَمْ.
قَالَ: كَمَا أَنَّ الْحَمِيَّةَ لِقَاحُ الْجَهْلِ، وَالْمَنْعَ أَخُو الْحِرْصِ، كَمَا أَنَّ الْأَنَفَةَ تَوْأَمُ السَّفَهِ، كَمَا أَنَّ الْحَمِيَّةَ الْعَصَبِيَّةَ لِلْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ أَنَّهُ أَنَا ابْنُ فُلَانٍ وَأَنَا كَذَا هِيَ لِقَاحُ الْجَهْلِ نَعَمْ.
قَالَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: اخْتَصَمَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْقَدَرِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ تَحَاكَمُوا إِلَى عَالِمٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا عَنِ الْقَدَرِ وَقَصِّرْ وَبَيِّنْ لِتَفْهَمَهُ عَنْكَ الْعَوَامُّ. يَعْنِي قَصِّرْ دَرْسَكَ وَبَيِّنْ حَتَّى نَفْهَمَ جَمِيعاً نَعَمْ.
فَقَالَ: حِرْمَانُ عَاقِلٍ وَحَظُّهُ جَاهِلٌ. إِيشْ يَعْنِي؟ أَنَّ الْقَدَرَ لَا يَجْرِي عَلَى الرَّغَبَاتِ وَالْأَهْوَاءِ، فَكَمْ عَاقِلٍ حُرِمَ مَعَ أَنَّهُ عَاقِلٌ وَأَخَذَ بِالْأَسْبَابِ وَكَذَا، وَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ رُزِقَ. بِاخْتِصَارٍ الْقَدَرُ هُوَ التَّسْلِيمُ وَعَدَمُ الِاعْتِرَاضِ، لِأَنَّكَ إِذَا بِدْكَ تُفَكِّرُ فِي الْقَدَرِ يَعْنِي أَنَّهُ مُعَادَلَةٌ رِيَاضِيَّةٌ سَتَقُولُ: الْأَصْلُ فِي الْإِنْسَانِ الذَّكِيِّ الَّذِي مُعَدَّلَاتُهُ مِنْ تِسْعِينَ فَصَاعِداً أَنَّ هَذُولَ يُرْزَقُونَ وَالنَّاسُ الْمُعَدَّلَاتُهُمْ مِنْ خَمْسِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ فِي التَّوْجِيهِيِّ هَذُولَ مَا يُرْزَقُونَ، بِدْكَ تَحْسَبُهَا بِالرِّيَاضِيَّاتِ مُمْكِنْ تُفَكِّرُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَكِنَّ الْقَدَرَ لَيْسَ هَكَذَا، الْقَدَرُ لَا يَجْرِي عَلَى الْأَهْوَاءِ وَلَا يَجْرِي عَلَى الرَّغَبَاتِ وَلَا عَلَى مَا يُرِيدُهُ الْإِنْسَانُ دَوْماً دَوْماً، نَعَمْ قَدْ يُصِيبُ الْقَدَرُ هَوَاكَ وَقَدْ لَا يُصِيبُ، فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا بِاخْتِصَارٍ: الْقَدَرُ أَنْ تَجِدَ عَاقِلاً مَحْرُوماً فَيَرْضَى، وَأَنْ تَجِدَ جَاهِلاً مَرْزُوقاً، وَهَذَا أَصْلاً إِرَادَةٌ تِلْقَائِيّاً تَمَاماً. فَيَقُولُ هُوَ: أَنْ يُحْرَمَ الْعَاقِلُ وَتَجِدَ الْجَاهِلَ مَرْزُوقاً فَتَقُولَ: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا نَعَمْ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا حَظَّ فِي الرَّاحَةِ لِمَنْ أَطَاعَ الْحِرْصَ إِذِ الْحِرْصُ سَائِقُ الْبَلَايَا، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَلَّا يَكُونَ بِالْمُفْرِطِ فِي الْحِرْصِ فِي الدُّنْيَا فَيَكُونَ مَذْمُوماً فِي الدَّارَيْنِ، بَلْ يَكُونَ قَصْدُهُ لِإِقَامَةِ فَرَائِضِ اللَّهِ، وَيَكُونَ لِبُغْيَتِهِ نِهَايَةٌ يَرْجِعُ إِلَيْهَا، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِقَصْدِهِ مِنْهَا نِهَايَةٌ آذَى نَفْسَهُ وَأَتْعَبَ بَدَنَهُ، فَمَنْ كَانَ بِهَذَا النَّعْتِ فَهُوَ مِنَ الْحِرْصِ الَّذِي يُحْمَدُ. قَالَ: وَيَكُونَ لِبُغْيَتِهِ نِهَايَةٌ يَرْجِعُ إِلَيْهَا، يَعْنِي الْحَوَائِجَ وَالْمَطَالِبَ الدُّنْيَوِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَهَا نِهَايَةٌ، يَعْنِي مَا تَكُونُ أَنْتَ فَقَطْ إِنْسَاناً حَرِيصاً تَلْتَهِمُ تَلْتَهِمُ خَلَاصٌ يَكُونُ لَهُ نِهَايَةٌ يَنْتَهِي إِلَيْهَا، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِقَصْدِهِ مِنْهَا نِهَايَةٌ، الَّلي بِضَلُّهُ حَرِيصٌ عَلَى الدُّنْيَا يَمُوتُ ابْنُ آدَمَ أَوْ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ لَتَمَنَّى وَادِياً ثَالِثاً تَمَاماً، وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَلِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ دَرَجَةٌ وَوَادٍ ثَالِثٌ، ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِقَصْدِهِ مِنْهَا نِهَايَةٌ آذَى نَفْسَهُ وَأَتْعَبَ بَدَنَهُ، بِتَتْعَبُ إِذَا بِدْكَ تَضُلُّكَ تَطْلُبُ تَطْلُبُ تَطْلُبُ، فَمَنْ كَانَ بِهَذَا النَّعْتِ فَهُوَ مِنَ الْحِرْصِ الَّذِي يُحْمَدُ نَعَمْ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، يَعْنِي مَنْ كَانَ بِهَذَا النَّعْتِ السَّابِقِ: فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَلَّا يَكُونَ بِالْمُفْرِطِ فِي الْحِرْصِ مِنَ الدُّنْيَا كَانَ بِالنَّعْتِ السَّابِقِ نَعَمْ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ ذَكَرْتُ مَا يُشَاكِلُ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ بِعِلَلِهَا فِي كِتَابِ الثِّقَةِ بِاللَّهِ بِمَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ غُنْيَةٌ مِنَ الْأَبْوَابِ الَّتِي بَوَّبَهَا، هُنَا هُوَ وَضَعَ لَهَا كُتُبَ مُنْفَرِدَةً كَثِيرٌ مِنَ الْأَبْوَابِ الَّتِي بَوَّبَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ صَنَفَ فِيهِ كُتَيْبَاتٍ مُنْفَصِلَةً، فَعَادَةً فِي نِهَايَةِ الْبَابِ يَقُولُ لَكَ: هَذَا الْمَوْضُوعُ أَنَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِي كَذَا، هَذَا الْمَوْضُوعُ أَنَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ كَذَا.
طَيِّبٌ، الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: الزَّجْرُ عَنِ التَّحَاسُدِ وَالْبَغْضَاءِ وَالنَّهْيُ عَنِ التَّنَافُسِ وَالشَّحْنَاءِ. قَالَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَاناً».
نَعَمْ، مِنَ الْأَخْلَاقِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَحَرَّى مُعَالَجَتَهَا فِي نَفْسِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ: التَّحَاسُدُ وَالتَّنَافُسُ عَلَى الدُّنْيَا، وَالْحَسَدُ هُوَ أَنْ يَتَمَنَّى الْإِنْسَانُ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ حَصَلَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ النِّعْمَةِ، لَكِنْ هُوَ نَوْعُ اعْتِرَاضٍ عَلَى قِسْمَةِ اللَّهِ وَعَلَى قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَرَى النِّعْمَةَ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ مِنْ أَسْوَأِ الْأَخْلَاقِ، وَأَوَّلُ كُفْرٍ وَقَعَ فِي الْأَرْضِ بِسَبَبِهَا، فَإِبْلِيسُ إِنَّمَا كَفَرَ بِالْحَسَدِ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ مَا يَسْجُدُ لَهُ صَحِيحٌ، وَابْنُ آدَمَ إِنَّمَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا أَخَاهُ بِالْحَسَدِ، فَأَوَّلُ كُفْرٍ وَقَعَ بِالْحَسَدِ وَأَوَّلُ قَتْلٍ فِي الْأَرْضِ وَقَعَ بِالْحَسَدِ.
الْحَسَدُ مَنْشَأُ كُلِّ خُلُقٍ مَذْمُومٍ، وَلِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكَّزَ عَلَيْهِ وَالْقُرْآنُ أَيْضاً رَكَّزَ عَلَيْهِ، ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 5]، تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَتَعَوَّذُ فِي سُورَةِ الْفَلَقِ، هُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمُورِ الْإِنْسَانُ يُفَكِّرُ أَنْ يَتَعَوَّذَ مِنْهَا لَكِنَّ سُورَةَ الْفَلَقِ رَكَّزَتْ لَكَ عَلَى أَهَمِّ الْأُمُورِ صَحِيحٌ مِنْهَا الْحَسَدُ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَسَدَ يَأْتِي فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ الْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ الَّتِي يَنْبَغِي الْحِرْصُ عَلَى التَّعَوُّذِ مِنْهَا، لَاحِظْ أَنَّكَ قُلْ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 1-2] ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ذَكَرَتْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةً أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَتَعَوَّذَ مِنْهَا لِأَنَّهَا الْأَخْطَرُ، فَقَالَ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 3-5] يَعْنِي هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَ هِيَ الْأَخْطَرُ بِالتَّالِي ذُكِرَتْ هُنَا فِي بِدَايَةِ السُّورَةِ نَعَمْ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ مُجَانَبَةُ الْحَسَدِ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، فَإِنَّ أَهْوَنَ خِصَالِ الْحَسَدِ هُوَ تَرْكُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ نَعَمْ، وَإِرَادَةُ ضِدِّ مَا حَكَمَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لِعِبَادِهِ، ثُمَّ انْطِوَاؤُ الضَّمِيرِ عَلَى إِرَادَةِ زَوَالِ النِّعَمِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: وَالْحَاسِدُ لَا تَهْدَأُ رُوحُهُ وَلَا يَسْكُنُ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَرِيحُ بَدَنُهُ إِلَّا عِنْدَ رُؤْيَةِ زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ أَخِيهِ، فَهُوَ فِي تَعَبٍ كُلَّمَا رَأَى أَخَاهُ الْمُنْعَمَ عَلَيْهِ يُصَابُ بِغَمٍّ، يُصَابُ بِهَمٍّ، مَمْكُودُ الْبَدَنِ وَالْعَقْلِ وَالْفِكْرِ وَالْخَاطِرِ نَعَمْ، وَهَيْهَاتَ أَنْ يُسَاعِدَ الْقَضَاءُ مَا لِلْحُسَّادِ فِي الْأَحْوَاءِ قَضَاءٌ لَنْ يَ، هَيْهَاتَ يَعْنِي بَعِيدٌ، وَلَا نَقُولُ مُسْتَحِيلٌ لَكِنْ نَقُولُ بَعِيدٌ أَنْ يَأْتِيَ الْقَضَاءُ عَلَى مُرَادِ حَاسِدٍ فَتَزُولَ النِّعَمُ بِسَبَبِ أَنَّ حَاسِداً يُرِيدُ أَنْ تَزُولَ.
وَفِي إِسْنَادِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: رَأَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلاً عِنْدَ الْعَرْشِ فَغَبَطَهُ بِمَكَانِهِ فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِعَمَلِهِ؟ يَعْنِي هَذِهِ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ الَّتِي تُرْوَى أَنَّ مُوسَى رَأَى رَجُلاً عِنْدَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ تَمَاماً، طَبْعاً هَلْ هَذِهِ رُؤْيَا رُؤْيَا نَوْمٍ مُمْكِنٌ قَدْ تَكُونُ مَنَاماً مِنْ مَنَامَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنَامَاتُهُمْ حَقٌّ نَعَمْ.
قَالَ: كَانَ لَا يَحْسُدُ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَلَا يَعُقُّ وَالِدَيْهِ، قَالَ: وَكَيْفَ يَعُقُّ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسْتَسِبُّ لَهُمَا حَتَّى يُسَبَّا وَلَا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. طَبْعاً يَعْنِي كَانَ مُوسَى سَأَلَ وَكَيْفَ يَعُقُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَدْ يَجْلِبُ لَهُمَا الْمَسَبَّةَ، يَسْتَسِبُّ لَهُمَا يَعْنِي يَطْلُبُ لَهُمَا الْمَسَبَّةَ، فِي أَوْلَادٍ بِجِيبُوا لِأَبُوهُمُ الْمَسَبَّةَ صَحِيحٌ وَلَا لَا، طَبْعاً هَذَا نَمَطٌ مِنْ حُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَإِلَّا هُنَاكَ أَشْكَالٌ كَثِيرٌ نَعَمْ.
قَالَ وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا مِنْ أَحَدٍ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةٌ إِلَّا وُجِدَتْ لَهُ حَاسِداً، وَلَوْ كَانَ الْمَرْءُ أَقْوَمَ مِنَ الْقَدْحِ لَوُجِدَتْ لَهُ غَامِزاً، وَمَا ضَرَّتْ كَلِمَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهَا حَوَاطِبُ. يَقُولُ: مَا مِنْ أَحَدٍ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةٌ إِلَّا وُجِدَتْ لَهُ حَاسِداً، أَيُّ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّعَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ سَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا، نِعْمَةُ الْجَمَالِ، نِعْمَةُ الْمَالِ، نِعْمَةُ الْعِلْمِ، نِعْمَةُ الْفِكْرِ، أَيُّ نِعْمَةٍ سَتَجِدُ مَنْ يَحْسُدُكَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَرْءُ أَقْوَمَ مِنَ الْقَدْحِ، الْقَدْحُ هُوَ الْعُودُ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهِ بِالْأَزْلَامِ، فَلَوْ كُنْتَ أَنْتَ مُسْتَقِيماً أَقْوَمَ مِنَ الْقَدْحِ فِي اسْتِقَامَتِكَ وَمَا عِنْدَكَشْ أَيُّ أَخْطَاءٍ سَتَجِدُ مَنْ يَغْمِزُ بِكَ تَمَاماً، لَيْسَ يَأْخُذُ الْمَرْءُ مِنْ ضِدٍّ وَإِنْ حَاوَلَ الْعُزْلَةَ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ، مُشْ هِيكَ يَقُولُ ابْنُ الْوَرْدِيِّ، يَعْنِي لَوْ جَلَسْتَ فِي أَعْلَى الْجَبَلِ وَتَرَكْتَ النَّاسَ وَمَا ذَمَمْتَ أَحَداً رَحْ يَطْلُعُ لَكَ وَاحِدٌ بُكْرَةً عَلَى اليوتيوب وَهُنَاكَ رَجُلٌ اعْتَزَلَ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ وَطَيِّبْ يَا أَخِي حَلَّانِ تَرَكَكَ وَتَرَكَ النَّاسَ وَهَذِهِ حَاجَةٌ رَحْ يَطْلُعُ لَكَ وَاحِدٌ، بَرْنَامَجٌ أَرْسِلْهُ فيديوهَاتِ وَيُعَلِّقُ عَلَيْهَا وَمِنْهَا يُعَلِّقُ عَلَى إِيشْ الشَّيْخُ جَالِسٌ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ، هَكَذَا حَالُ النَّاسِ، فَأَنْتَ وَطِّنْ نَفْسَكَ خَلَاصٌ يَعْنِي لَنْ تَسْلَمَ مِنْ أَذَى النَّاسِ سُبْحَانَ اللَّهِ.
قَالَ: وَمَا ضَرَّتْ كَلِمَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهَا حَوَاطِبُ. طَبْعاً هَذِهِ لَهَا أَكْثَرُ يَعْنِي مِنْ نُسْخَةٍ فِي الْمَخْطُوطَاتِ، بَعْضٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ خَوَاطِبُ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ هَذَا بِمَعْنًى صَحِيحٍ وَهِيَ حَوَاطِبُ النَّارِ، يَقُولُ أَحْيَاناً قَدْ تُقَالُ كَلِمَةٌ سَيِّئَةٌ أَوْ نَمِيمَةٌ أَوْ شَيْءٌ لَوْ قِيلَتْ مَا حَدَا انْتَبَهَ لَهَا تَمُوتُ، لَكِنْ لَوْ لُقِّمَتْ حَطَباً لَتَسْتَعِرَ وَتُحْرِقَ بَلَداً وَمُجْتَمَعاً، فَيَقُولُ لَا تَضُرُّ الْكَلِمَةُ السَّيِّئَةُ إِذَا تَغَافَلَ عَنْهَا النَّاسُ وَلَمْ يُلْقِمُوهَا الْحَطَبَ، الْيَوْمَ لِلأسَفِ الْإِشَاعَةُ أَوْ الْخَبَرُ السَّيِّئُ تَجِدُ النَّاسَ عَبْرَ السُّوشِيلْ مِيديا يُلْقِمُونَهَا حَطَباً فَيَحْدُثُ فِتْنَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَمَقْتَلَةٌ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ نَعَمْ، مَوْطِنُ الشَّاهِدِ هِيَ الْجُمْلَةُ الْأُولَى: مَا مِنْ أَحَدٍ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةٌ إِلَّا وُجِدَتْ لَهُ حَاسِداً نَعَمْ.
قَالَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا حَسَدْتُ أَحَداً عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَيْفَ أَحْسُدُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ؟ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَكَيْفَ أَحْسُدُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يَصِيرُ إِلَى النَّارِ؟ بِالتَّالِي يَعْنِي مَا فِي دَاعِي تَحْسُدُ أَحَداً فِي وِجْهَةِ نَظَرِ ابْنِ سِيرِينَ، هَذَا الَّذِي حَسَدْتَهُ مَنْ يَكُونُ؟ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَتَحْسُدُهُ عَلَى إِيشْ هُوَ صَايِرٌ أَصْلاً إِلَى أَعْلَى أَعْلَى شَيْءٍ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ تَحْسُدُهُ عَلَى إِيشْ وَهُوَ سَايِرٌ إِلَى أَسْوَأِ شَيْءٍ؟ فَبِالتَّالِي دَعْهُ مَعَهُ إِلَى قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَإِلَى نِهَايَتِهِ وَمَوْئِلِهِ طَيِّبٌ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْحَسَدُ مِنْ أَخْلَاقِ اللِّئَامِ وَتَرْكُهُ مِنْ أَفْعَالِ الْكِرَامِ، إِخْوَانِي كُلُّ مَا نَقُولُ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ ابْنُ حِبَّانَ صَاحِبُ الْكِتَابِ هُوَ صَاحِبُ الْكِتَابِ نَعَمْ.
قَالَ: وَتَرْكُهُ مِنْ أَفْعَالِ الْكِرَامِ، وَلِكُلِّ حَرِيقٍ مُطْفِئٌ، وَنَارُ الْحَسَدِ لَا تُطْفَأُ، وَمِنَ الْحَسَدِ يَتَوَلَّدُ الْحِقْدُ، وَالْحِقْدُ أَصْلُ الشَّرِّ، وَمَنْ أَضْمَرَ الشَّرَّ فِي قَلْبِهِ أَنْبَتَ لَهُ نَبَاتاً مُرّاً مَذَاقُهُ، نَمَاؤُهُ الْغَيْظُ وَثَمَرَتُهُ النَّدَمُ، قَالَ: وَالْحَسَدُ هُوَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى إِرَادَةِ زَوَالِ النِّعَمِ عَنْ غَيْرِهِ وَحُلُولِهَا فِيهِ، فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْخَيْرَ فِي أَخِيهِ وَتَمَنَّى التَّوْفِيقَ لِمِثْلِهِ أَوْ الظَّفَرَ بِحَالِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُرِيدٍ لِزَوَالِ مَا فِيهِ أَخُوهُ فَلَيْسَ هَذَا بِالْحَسَدِ الَّذِي ذُمَّ وَنُهِيَ عَنْهُ، وَهَذَا يُسَمَّى عَادَةً يُسَمَّى الْغِبْطَةَ نَعَمْ.
قَالَ: وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ الْحَسَدُ إِلَّا لِمَنْ عَظُمَتْ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلَّمَا أَتْحَفَهُ اللَّهُ بِتَرْدَادِ النِّعَمِ ازْدَادَ الْحَاسِدُونَ لَهَا بِالْمَكْرُوهِ وَالنِّقَمِ نَعَمْ.
قَالَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ لِسُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى قَدْمَتِكَ؟ هَذِهِ الْعِبَارَةُ أَظُنُّهَا قَلِقَةً، مَا أَعْرِفُ عِنْدَكَ فِي نُسْخَةِ إِيشْ، عِنْدَكَ فِي نُسْخَةِ دَرْوِيشٍ أَظُنُّهَا إِلَى مَذَمَّتِكَ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَخْطُوطَةِ، يَعْنِي مَا أَكْثَرُ مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيكَ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْعَرَانِينَ تَلَقَّاهَا مَحْسَدَةً، يَعْنِي إِنَّ الْعَرَانِينَ تَلَقَّاهَا مَحْسَدَةً، الْعَرَانِينُ نَاسٌ الْأَشْمَاءُ الْكِبَارُ تَلَقَّاهَا مَحْسَدَةً وَلَنْ تَرَى لِئَامَ النَّاسِ حُسَّاداً نَعَمْ. قَدْمَتِكَ أَنَا يَعْنِي هُوَ يَقُولُ لَهُ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَّا أَنْ تَقَعَ فِيكَ، لِذَلِكَ عِنْدَنَا فِي النُّسْخَةِ هُنَا فِي نُسْخَةِ فَاءْ اثْنَيْنِ وَفَاءْ ثَلَاثَةٍ وَشِينٍ مَذَمَّتِكَ، وَفِي مَصَادِرِ التَّخَيُّرِ مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى قَوْمِكَ، فَكِلَا النُّسْخَتَيْنِ هَذُولِ مَعْقُولَاتٌ، يَعْنِي مَا أَسْرَعَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَذُمُّوا قَوْمَكَ أَوْ مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى مَذَمَّتِكَ، كِلَا الْمَخْطُوطَتَيْنِ هَذُولِ مَعْقُولَاتٌ، أَمَّا مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى قَدْمَتِكَ الْمَدِينَةَ مَشْ مَفْهُومَةٌ يَعْنِي الْكَلَامَ، وَلِذَلِكَ هُوَ يَقُولُ لَهُ بِاخْتِصَارٍ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى أَنْ يَحْسُدُوكَ أَوْ يَقَعُوا فِي قَوْمِكَ، فَقَالَ: إِنَّ الْعَرَانِينَ تَلَقَّاهَا النَّاسُ، الْعَرَانِينُ النَّاسُ الْكِبَارُ الْفَخَامَةُ هِيَ الَّتِي تُحْسَدُ عَادَةً، الَّلي مَا حَدَا يَنْتَبَهُ لَهُمْ فَإِحْنَا نَاسٌ فَخَامٌ عَشَانْ هَيْكَ يَقَعُونَ فِينَا نَعَمْ.
قَالَ وَبِإِسْنَادِهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الطَّالِقَانِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَتَعَلَّمُ فِي الْكِتَابِ كَمَا نَتَعَلَّمُ عِلْمَ أَبَا جَادٍ؛ جَهْلُ نَيْسَابُورِيٍّ، وَبُخْلُ مَرْوَزِيٍّ، وَحَسَدُ هَرَوِيٍّ، وَطَرَمُ بَلْخِيٍّ. تَمَاماً يَعْنِي طَبْعاً يَعْنِي كَمَا نَتَعَلَّمُ الْأَحْرُفَ كَانُوا يُعَلِّمُونَا فِي الْكِتَابِ وَإِحْنَا صِغَارٌ كَمَا نَتَعَلَّمُ أَبَا جَادٍ، طَبْعاً أَبَا جَادٍ اخْتُلِفَ جَادَ، الْبَعْضُ قَالَ هُوَ الطَّرْقُ فِي الرَّمْلِ وَالنَّظَرُ فِي الرَّمْلِ وَالنُّجُومِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُهُ بَعْضُهُمْ لِلأسَفِ وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ أَبَا جَادٍ، لَكِنْ لَا أَدْرِي هَلْ هُوَ قَصَدَ بِأَبِي جَادٍ فِعْلاً الْخَطَّ عَلَى الرَّمْلِ وَالنَّظَرَ فِي النُّجُومِ لِأَنِّي يَعْنِي أَسْتَبْعِدُ هَذَا. الْمَهُمُّ بِاخْتِصَارٍ كُنَّا نَتَعَلَّمُ فِي الْأَبْجَدِيَّاتِ وَإِحْنَا صِغَارٌ أَنَّ جَهْلَ نَيْسَابُورِيَّةَ كَانَ أَقُولُ لَكَ إِحْنَا كُلُّ مَثَلًا مُحَافَظَةٍ فِي عَمَّانَ مَعْرُوفَةٌ بِخُلُقٍ، فَيَقُولُ لَكَ إِذَا أَرَدْتَ بِالْجَهْلِ شُفْ جَهْلَ نَيْسَابُورَ خَلَاصٌ يَقُولُ: فُلَانٌ جَهْلُهُ نَيْسَابُورِيٌّ، وَبُخْلُهُ بُخْلُ إِيشْ مَرْوَزِيٍّ؟ يَعْنِي مَرْوُ مَدِينَةٌ مِنْ مُدُنِ خُرَاسَانَ الْمَشْهُورَةِ، قَالَ: وَحَسَدُ هَرَوِيٍّ مِنْ هَرَاةَ، وَهَرَاةُ أَيْضاً مَدِينَةٌ مِنْ مُدُنِ أَفْغَانِسْتَانَ أَظُنُّ إِلَى الْآنَ، وَطَرَمُ بَلْخِيٍّ يَقُولُ لَكَ وَاحِدٌ أَضْرَمَ، فَيَقُولُ لَكَ طَرَمُ بَلْخِيٍّ نِسْبَةً إِلَى بَلْخَ، وَكَانَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَوْ تَكْثُرُ فِيهِمْ مِثْلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَيَعْنِي هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُعْرَفُ بِالْحَسَدِ، بَعْضُ الْقَبَائِلِ تُعْرَفُ بِالْحَسَدِ يَقُولُ لَكَ حَسَدُ هَرَوِيٍّ، هَذَا يَدُلُّ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لِلأسَفِ بَعْضَ الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ يَكُونُ هَذَا مِنْ طِبَاعِهِمْ، بَعْضُهُمْ تُسْرِعُ فِيهِمُ الْعَيْنُ سُبْحَانَ اللَّهِ، بَعْضُ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ كَانُوا يَتَحَاشَوْنَهَا لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةٌ بِالْعَيْنِ إِذَا وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ رَاكَ انْتَهَيْتَ تَمَاماً، اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَالَ وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: مَا حَسَدْتُ أَحَداً عَلَى دِينٍ وَلَا دُنْيَا، هِيَ نَفْسُ الْفِكْرَةِ السَّابِقَةِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ.
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يُوجَدُ مِنَ الْحَسُودِ أَمَانٌ أَجْدَرُ مِنَ الْبُعْدِ مِنْهُ.
هذا السؤال: طب كيف أنا أتعامل مع الحساد يا شيخ في الحياة؟ ابتعد عنهم قدر المستطاع، قدر المستطاع ابتعد، أبعد عنه، إذا رأيت شخصاً دائماً يتتبع أخبارك المالية والحياتية ونجاحاتك وكذا، ابتعد عنه ولا تجالسه قدر المستطاع؛ طبعا أنه في النهاية ستبقى مع الناس إذا تذهب.
قال: لأنه ما دام مشرفاً على ما خصصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشة وسوء ظن بالله عز وجل. يعني بالتالي ليش أبتعد عن الحاسد؟ حتى لا يكون مشرفاً أو مطلعاً على ما عندك، لا يعرف راتبك، خصوصياتك، نجاحاتك، نعم. قال: إلا وحشة وسوء ظن بالله عز وجل ونماء الحسد فيه؛ فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عليه أحرص منه على تربيته، يعني لا تجعل الحسد ينمو، إذا رأيت رجلاً حاسداً ما تضلك جالس معه والله الحمد لله أبو فلان اللي ربنا رزقنا، أنت هو أصلاً حاسد ومغتاض عليك، فلا تلقمه ناراً ليزداد حسداً، وإنما ابتعد عنه، نعم.
قال: ولا يجد لاماتته دواء أنفع من البعاد، فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك ولا على جناية ظهرت منك، ولكن يحسدك لما ركب فيه من الرضا بالقضاء. سبحان الله، نعم. قال وباسناده، قال: حدثنا حماد عن حميد، قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب. يعقوب أولاده؟ مش حسد يوسف، أخوه يوسف حسد يوسف، نعم. قال: ما أنساك بني يعقوب، لا أب لك، حيث حسدوا يوسف! ولكن عم الحسد في صدرك فإنه لا يضرك ما لم يعدو لسانك وتعمل به يدك. يعني باختصار الإنسان، قد يأتي في المؤمن، المؤمن هل يمكن أن يصدر منه الحسد تجاه إخوانه؟ يقول: يعني في النهاية أبناء الأنبياء وكانوا يعني عموماً من أهل التوحيد أولاد يعقوب عليه السلام ومع ذلك شوف الحسد كيف وأوقعهم في محاولة قتل أخيهم؛ أولاد آدم قابيل وهابيل وهم كانوا مسلمين موحدين ومع ذلك قتل أحدهم أخاه، فقضية أن المؤمن يأتيه في خاطره الحسد لإخوانه، نعم ياتي، لكن ماذا كانت النصيحة من الحسن البصري؟ إذا جاء في خاطرك الحسد، أهم شيء أنه لا يعدو لسانك، لا يظهر على اللسان ولا تتبعه بعمل اليد، وإنما يبقى في القلب وتبقى تجاهده، وتبقى ايش تجاهده، نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل إذا خطر بالبال ضرب من الحسد لأخيه أبلغ الجهد في كتمانه، وترك إبداء ما خطر بالبال، وأكثر ما يوجد الحسد من الأقران أو من تقارب الشكل. نعم، يعني أن تكون عادة الحسد يكون بين الأقران من طلاب العلم أو من العاملين في الساحة الدعوية، صحيح هذا شيء متوقع، واياك انك تكون مثالي، يعني بعض الناس يقول لك يا اخي كيف المشايخ أو العاملين في الساحة الدعوية يصدر منهم الحسد لبعضهم؟ هذا شيخ تكلم عنه الأئمة من القدم ومن يعني ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وغيرهم، هم ذكروا أن ذلك وقع حتى في زمن السلف، في زمن السلف أن يكون فلان حسد فلاناً لما آتاه الله من سعة العلم أو من سعة الطلاب أو من حدة الذكاء أو من حسن الفهم أو من حسن التصنيف، فأنا لا أتي أطالب الدعاة في واقعنا المعاصر بان يكونوا فوق هذا المقدار؛ يعني هو مطلوب أن يجاهدوا أنفسهم طبعا، لكن أقصد في تصوري للواقع الإسلامي لا أتصور حالة تكون أعظم من حال السلف، يعني إذا زمن السلف وهم خيرة الناس بعد الأنبياء ووقع منهم شيء من التحدد والتنافر بسبب الحسد فبالتالي يعني حتى ابن عبد البر رحمه الله عليه في كتابه الانتقاء في مناقب الأئمة الثلاثة، ما تكلم عن أبي حنيفة عليه رحمه الله وتكلم عن وقوع بعض الناس به في أمور، قال: لا يصدقها عاقل! يقول ابن عبد البر يقول: وهذا الرجل كثر حساده! شوف ايش يقول ابن عبد البر يعني ما له واسطة يعني أنه يكون يتكلم على المذهب الحنفي، لكن هو في النهاية رجل منصف يعرف أن أبا حنيفة عليه رحمه الله حدة الذكاء ووفور العقل والباب الذي فتح له فيه من الذكاء في الأقيسة الفقهية لم يكن يوجد عند غيره خاصة من كثير من علماء الحديث، فذاك جانب وهذا جانب.
فكان يقول ابن عبد البر في كثير من الأمور التي نسبت إلى أبي حنيفة عليه رحمه الله، يقول: وهذا كلام لا يمكن أن يكون صدر منه، وإنما الرجل كثر حساده أو كثر من وقع فيه حسداً له. فهذه فكرة موجودة، وهي إحدى الملاحظ التي ينبغي أن تفهم وتلحظ حتى في كلام الأقران، كما عقد أيضاً ابن عبد البر باباً لذلك، لماذا؟ قالوا: كلام الأقران من العلماء يطوى ولا يروى. الإشكالية اللي وقعت بين السيوطي والسخاوي رحمه الله عليهما، كان كلام شديد ومصنفات في بعضهما البعض، وكلاهما من علماء زمانه، فيتفهم هذا، يتفهم. ابن تيمية عليه رحمه الله أحد أبرز أسباب الخصومة حقيقة هو الحسد لوفور عقله، عليك أن تفهم هذا، يعني بعض الخصومة ليس منشأها العقدي، وإنما منشأها حدة الذكاء وقدرات الفهم العالية، فأزري به خصومه عند السلاطين حتى يوقعوا به في السجن إلى غير ذلك، بالتالي أي تميز ستجد له أعداء، مش هناك أعداء النجاح يسمى؟ أي تميز له أعداء بدك تنتبه له، وهذا يولد كثير من الخصومات ومحاولات الاسقاط بشتى الطرق، عرفت ايش كنت بدي أقول فكرة وقضية؟ ايش المطلب يا شيخ عمر؟
المهم يعني هو كان يقول: وأكثر ما يوجد الحسد من الأقران أو من تقارب الشكل؛ يعني طبعا ممكن يعني زي ما قلنا نحن أصحاب حرفة معينة، أصحاب صنعة معينة، أصحاب باب معين من أبواب العلم، فهذا شيء طبيعي أن يوجد فيه الحسد، فيقول: إذا خطر بباله ضرب من الحسد، أنت إذا خطر في بالك أنك تحسد أخاك وجاءك الشيطان، أكتم هذا بل ادفعه بالثناء على أخيك، هذه من الأمور التي تساعد على المعالجة حقيقة، يعني إذا جاءك الشيطان يقول لك ترى فلان أخوك تقدم عليك أو فلان سبقك في ميدان، وبالتالي كنت في مجلس وذكر أخوك أمامك من الأمور هذا لمن يبحث عن معالجة نفسه ولمن لا يرضى عن نفسه أن يكون حسوداً، أن يقول: يا شيخ حاب أهالج هذه الظاهرة، عليك أن تثني على هذا الأخ واذكره بخير حتى تحارب ما في داخلك من شعور الحسد عليه، نعم. قال: لأن الكتّبة لا يحسدها إلا الكتّبة، كما أن الحجَبَة لا يحسدها إلا الحجَبَة. هذا معنى تقارب الشكل، يعني الكتاب مين رح يحسدهم؟ واحد من صنعتهم، من شكلهم؛ الشكل هنا بمعنى الصنعة والحرفه، كذلك الحجبة مين يحسدهم؟ واحد بيشتغل في نفس الكار، ما حدا راح يحسده الدعاة، بيشتغل مثلاً في كار ثاني؛ يعني بيشتغل في كار المقاولات والأعمال، ليه؟ لأنه هو من النهاية صاحب المقاولات رح يحسد صاحب له في نفس الكار نجح، فهو يقول: عادة الحسد يقع في نفس الكار، في نفس المهنة مش في مهن أخرى. نعم أنا مش راح أحسد واحد نجار، يعني مش شغلة النجار، يعني مش رح أكون أقول هذا النجار شاطر لا بدي أحسده على نجارة، تجد في نفسك اندفاع لأنه حسده، ولا هو سيجد في نفسه اندفاع وحسد العالم عموماً أو طالب العلم أو شيء، لا يشعر أن هذا في ميدانه وإن كان قد يحصل أحياناً، قد يحصل، نعم.
قال: ولن يبلغ المرء مرتبة من مراتب هذه الدنيا إلا وجد فيها من يبغضه عليها أو يحسده فيها. والحاسد خصم معand، والحاسد خصم معاند لا يجب للعاقل أن يجعله حكماً عند نائبة تحدث. نعم، إذا أنت وقعت فيك نائبة أو خلاف أو خصومة إياك أن تستشير شخصاً حاسداً؛ لأنه هو لن يحكم بالعدل معك، صحيح، وقع بينه وبين الشيخ عمر خصومة، ما بروح على شخص حاسد أقول: والله احكم بيني وبين الشيخ عمر، ليه؟ لأنه هو ستنى هاي الفرصة على أحر من الجمر، بيقول: تعل أنا اللي رح أحكم لك، وبالتالي بيأذيك، نعم. قال: فانه إن حكم لم يحكم إلا عليك، إلا عليك، نعم، وإن قصد لم يقصد إلا لك. وإن قصد؛ يعني إذا قصد أذية شخص لم يقصد إلا أنت يأذيك؛ لأنه هو حاسد لك، نعم، وإن حرم لم يحرم إلا حظه. وإذا حرم رح يحرمك أنت، رح يحرمك حظك، نعم. وإن أعطى أعطى غيره. وإذا بده يعطي ما رح يعطيك، رح يعطي غيره، نعم. وإن قعد لم يقعد إلا عنه. ايش يعني وان قعد لم يقعد إلا عنه؟ إذا قعد؛ ما معنى قعد عن الشيء؟ تجاهله وأغفله، إذا تجاهل ما رح يتجاهل إلا أنت. قال: وإن نهض لم ينهض إلا إليه. نهض نهض المراد للخصومة والمعاداة، وإذا نهض بده يخاصم أحد لن يخاصمك إلا أنت. قال: وليس للمحسود عنده ذنب إلا النعم التي عنده. يعني طب ما ذنب المحسود وما ما غيرت في حقه؟ ذنبي فقط أن ربنا منعم علي، وهذا طبعا من المدح الذي يشبه الذم، يعني في النهاية أنا ما اخ، يعني هذا بالعكس يؤكد أنه عدم وجود ذنب، نعم. قال: لأنه عدو النعم، فليحذر المرء ما وصفت من أشكاله وأقرانه وجيرانه. يعني عليك تكون حذر من أقرانك، من أشكالك، الناس اللي في نفس موضوعك، في حرفتك، جيرانك، أقاربك، بدك تكون حذر من هذه البيئات، نعم.
قال باسناده: قال رجل لشبيب بن شيبه: إني لأحبك. قال: صدقت. قال: وما علمك؟ قال: لأنك لست بجار ولا ابن عم. لو كنت جار وابن عم رح تحسدني بس لأنك بعيد عني عشان هيك بتحبني، نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل الحازم أن يوطن نفسه على تحمل مقاسات ألم الحسد من الحاسد، وأكثر ما يوجد الحسد من الجيران والأخوان إذا تعروا عن الديانة ولزوم أسباب الصيانة ثم في الاقارب. أكثر ما يوجد الحسد يقول وين أولاً؟ الجيران والأخوان، إخوانك إذا تعروا من الديانة، يعني قلت ديانتهم سيكثر فيهم الحسد، وتعروا من أسباب الصيانة، ما عندهم صون لأنفسهم، فسيسرع فيهم الحسد. قال: بعد ذلك الدرجة الثانية ممن تخاف من حسدها مين؟ قال: ثم الأقارب، عليك أن تخشى من حسده، خاصة أنهم مطلعون في العادة على أمور الشخصية، قال: إذ الأقارب في الحقيقة عقارب، الانس، طيب ايش عندك في نسخة بعدها بالله يا شيخ مشعل؟ مشهق.
كل الفقرة، قال: عصمه الله وحاد به عن أمثالها. يعني هذا قد يكون جملة معترضة دعاء؛ يعني عندك اياها جملة معترضة، أحسنت، لان هي ظاهر أنها هي جملة معترضة، كيف صلى الله عليه وسلم تحطها بين يعني نقطة خطرين؛ عصمك الله يعني من هؤلاء وحادك، ثم الدرجة الثانية من الحساد أهل الصنعة؛ يعني أهل التخصص تاعك الذين لم يسلكوا مسلك ذوي الحجى، الذين هم مش عقلاء ولا راموا محل أولي النهى، فهؤلاء في مجانبة الدين في الأحوال ولزوم ضده في الأعمال؛ يعني قد يكون في خلل في الفقرة، المراد الذين يعني سلكوا مسلك، جانبوا الدين في أحوالهم ولزموا ضده في أعمالهم فهؤلاء الذين يمكن أن يصدر منهم الحسد، نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: بئس الشعار للمرء الحسد، لأنه يورث الكمد ويرث الحزن، وهو داء لا شفاء له، والحاسد إذا رأى باخيه نعمة بهت، وإذا رأى به عثرة شمت، نعم، ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120]، هذا مصداق قوله هنا، نعم.
قال: ودليل ما في الأصل تصحيف، في قلبه، قال: مكمن على وجهه مبين. هذه عندك إياها في نسختك؟ حتى هذه مش عندك طيب، إنه الكتاب في اعتقادك كما قلت في أكثر من فقرة في أكثر من نص يحتاج إلى تحقيق أعلى، يعني هو يقول: ودليل ما في قلبك مكمون سيظهر على وجهك بشكل مبين واضح؛ يقول يعني ودليل ما في الأصل تصحيف في قلبه مكمن على وجهه مبين، وكانه يريد أن يقول إن الحاسد يعني النص أعود فاقول في إشكال لكن كأنه يقول إن الحاسد اللي في قلبه يبان على وجهه، هذه خلاصه الجملة؛ يعني اللي في قلبك مكمن يعني مخبيه أنت في قلبه يا ايها الحاسد، ستجد أنه يظهر على وجهه مبين، كأن هذه جملة مستقلة في قلبه مكمن على وجهه مبين وما رايت حاسداً سالم أحداً، نعم.
قال: والحسد داعية إلى النكد، ألا ترى إبليس حسد آدم فكان حسده نكداً على نفسه، فصار لعيناً بعد ما كان مككيناً، بعد أن كان عند الله مقرباً، نعم. ويسهل على المرء تردي ويسهل على المرء تردي كل ساخط في الدنيا حتى يرضى إلا الحسود، فانه لا يرضيه إلا زوال النعمة التي حسد من أجلها، نعم.
قال وباسناده، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قال بعض الحكماء: ألزم الناس له الكابة أربعة؛ رجل حديد، ورجل حسود، وخليط للأدباء وهو غير أديب، وحكيم محتقر لدى الأقوام. وقال: وأبعد الناس من الدخول في دين الحق والنصيحة لأهله؛ جاهل ورث الضلالة عن أهله، ورأس أهل ملة حظي فيهم بفضل الضلالة، ومعظم للدنيا يرى بهجتها دائماً محبوب. وبعد الناس من الدخول في دين الحق والنصيحة لأهله؛ جاهل ورث الضلالة عن أهله وصار رئيس جماعة صار له جماعته، تمام.
فهذا أبعد الناس عن الدين؛ إنسان صار رئيس جماعة وهو ضال باختصار. والثاني: ومعظم للدنيا يرى بهجتها دائماً محبوباً، ويرى ما رُجِي من خير الدنيا قريباً، وما صرف من شرها بعيداً -مش من خير الآخرة، كلمة الآخرة هنا مش صحيحة-، ومعظم للدنيا يرى بهجتها دائمة محبوبة ويرى ما رُجِي من خيرها.
يعني شوف أن الأشياء اللي في الدنيا خير رح تكون قريبة، والأشياء الشر رح تكون بعيدة وما يدرك أنها تكون بعيدة، فهذا أبعد الناس عن الدين؛ اللي شايف أن الدنيا دائماً ستبتسم في وجهه وأنها سيحصل كل شهواته، فهذا يكون ضعيف الديانة.
والثالث: رجل خالط النساك فانصرف عنهم لحرصه وشرهه، ورام بهم كل مكر وخديعة. طبعا هذا أظنه قد يكون تابعاً للنص السابق؛ يعني هذا احنا موضوع عندنا كأنه منفصل عنه، لا موضوع كأنه منفصل عن النص السابق لكن هو نص واحد.
لأن موطن الشاهد أصلاً: حدثنا ابن عائشة، قال بعض الحكماء: ألزَم الناس له الكآبة أربعة. مين الناس اللي بتلزمهم الكآبة والحزن والكمد؟ رجل حديد، يعني رجل صعب. شو يعني رجل حديد؟ رجل صعب. نعم وهيك يعني أخلاقه صعبة، بتقول لك واحد رجل حديد، يعني أخلاقه صعبة، بيزعلوا كل شيء وبِيتنفر من كل شيء، فهذا ما الكآبة في حياته قائمة.
ورجل حسود، وهذا موطن الشاهد. قال: والثالث: هو خليط للأدباء وهو غير أديب، رجل كل أصحابه أدباء وفهمانين وعقلانين وهو بتلاقيه حزين مش عارف يمتصرف، وكلهم بيعرفوا يتصرفوا وهو ما عنده شيء في هذا الباب.
قال: وحكيم محتقر لدى الأقوام، يعني عالم ازدراه قومه، هذا تجده حزين صحيح. ثم قالوا: أبعد الناس من الدخول، هذا تكملة النص وليس نصاً آخر. نعم الباب الثالث: قال: الحث على مجانبة الغضب لأنه المورد موارد العطب.
زي يتكلم عن قضية أن الإنسان عليه أن يحترز من الغضب كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تغضب». المراد أن لا تظهر عليك آثار الغضب، وإلا في الغضب هي جبلة إنسانية مهمة عليك أن تعرف أين توجها أو أين توجها. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان لا يغضب لنفسه عليه الصلاة والسلام، ولكنه يغضب إذا انتهكت محارم الله. فالغضب لا بد يبقى، لو انتزع أصلاً الغضب من الإنسان لما غار أحد على عرضه، ولما قاتل أحد في سبيل الله، ولما جالد أحد، ولا غضب لحرمات الله إذا انتهكت، ولا ما أمر أحد بالمعروف ولا نهى عن المنكر. فالغضب مطلوب، لكن عليك أن تعرف أين تغضب وأين تظهر آثار الغضب.
نعم، قال بإسناده عن أبي هريرة أو جابر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني شيئاً يا رسول الله أدخل به الجنة ولا تكثر علي لعلي لا أعقل. نعم يعني خليها بس كلمة واحدة يا رسول الله كلمتين حتى ما أنساهم. نعم قال: «لا تغضب».
نعم، قال أبو حاتم رضي الله عنه: أحسن العقلاء من لم يحرد، وأحضر الناس جواباً من لم يغضب، وسرعة الغضب أنكى في العاقل من النار في يبس العوسج. صحيح، أحسن العقلاء من لم يحرد، بتعرف بيحرد يعني هو نوع من الغضب الحرام اللي دائماً ضايل غضبان. وأحضر الناس جواباً؛ متى بتكون أنت سريع البديبة في الجواب؟ إذا لم تغضب. الغضب أثناء المناظرة أو النقاش بيخليك لا ترى أمامك جيداً، فتصبح تجيب أجوبة غير منطقية غير دقيقة، تريد أن تحسن الإجابة في المواقف خاصة في المواقف المستفزة والمواقف مهدئاً ضابطاً لأعصابك تحسن الإجابة في المواقف.
ثم قال: وسرعة الغضب أنكى مثل العاقل من النار في يبس العوسج. العوسج نوع من أنواع الشجر، يقولون النار تهب فيه سريعاً، فيقولون الغضب إذا اسرع فيك أساء إليك أكثر من وأثر فيك أنك يعني أثر أثر فيك أكثر من تأثير النار أو أسرع من تأثير النار في يبس العوسج. قال: لأن من غضب من غضب زايله عقله، الغضب يغطي العقل فقال في لحظة الغضب ما سولت له نفسه. بعض الناس دائماً بيقول لك: يا شيخ أنا طلقت وأنا غضبان، بقول لهم دائماً أكيد ما في حدا بيطلق هو بيكون ضاع بيضحك في حد بيطلق زوجته ومبسوط بيشرب؟ يعني هذا هو الوضع الطبيعي؟ لأن الغضب بيغطي العقل فبتصير تتكلم بكلام لما تنتبه لنفسك ورطت نفسي، صحيح. فالناس عادة في لحظات الغضب تتكلم بما لا ينبغي أن يتكلم به.
قال وباسسناده قال حدثنا وهيب قال: مكتوب في الإنجيل: يا ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك حين حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فلا تنتصر وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. عشان هيك يعني الإنجيل كما ذكر ابن تيمية في الجواب الصحيح يغل فيه جانب ايش؟ الفضل صحيح، مر معنا أن في الإنجيل تكثر النصوص التي فيها الفضل، وفي التوراة الفضل يعني المسامحه. في الإنجيل النصوص أغلبها تقوم على فكرة ايش؟ المسامحه وعدم أخذ الحق وما شابه ذلك والعفو. وفي التوراة بالعكس النصوص يكثر فيها ايش؟ العدل. واما القرآن فهو مهيمناً عليه جاء بكمال العدل مع كمال الفضل. فلذلك دائماً بتقرا في الإنجيل: يا ابن آدم، اعطي خد إذا من ضربك على خد كذا فأعطه خدك كذا. إذا تجد دائماً النصوص التي فيها المسامحة وعدم المؤاخذة بالحق وما شابه ذلك.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: سرعة الغضب من شيم الحمقى، كما أن مجانبته من ذي العقلاء. والغضب بذر الندم، فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر منه على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب، لأنه بتغضب بتعمل شيء بتكره بتندم عليه.
نعم، قال بإسناده قال حدثنا بكار بن محمد قال: كان ابن عون لا يغضب، فاذا أضغبه انسان قال: بارك الله فيك.
قال وباسناده قال حدثنا ضمرة عن أبي سعيد قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة إذا غضب على غلامه قال له: ما أشبهك بمولاك! أنت تعصيني وأنا أعصي الله. يعني لما يغضب بيحكي لمولاه لعبده: ما أشبهك فيه، أنت تعصيني فأغضب عليك، وأنا أعصي الله فيغضب الله علي. شوف كيف بيتذكروا بينتبهوا لهذه القضايا.
نعم، قال: فإذا اشتد غضبه قال: أنت حر لوجه الله. هذا يعني لما يشد غضبه يعتقه، بالتالي لو كنت مكان العبدنا زمان غضبته لأني رح أصير حر.
نعم، قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل إذا ورد عليه شيء بضد ما تهواه نفسه، أن يذكر كثرة عصيانه ربه وتواتر حلم الله عنه، ثم يسكن غضبه، ولا يزري بعقله بل ولا يزري بعقله بالخروج إلى ما لا يليق بالعقلاء في أحوالهم، مع تأمل وفور الثواب في العقب بالاحتمال ونفي في الغضب.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له، لكان الواجب عليه الاحتيال لِمُفارقته بكل سبب. والغضبان لا يعذره أحد في طلاقه ولا عتاقه، ومن الفقهاء من عذر السكران في الطلاق والعتاق، والخلق مجبولون على الغضب والحلم مع السكران عذرنا والغضبان ما عذرناه. طيب يعني كيف أن الغضب يجب أن تحتال على الخلاص.
قال: والخلق مجبولون على الغضب والحلم معاً، فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم، ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل، على أن مفارقته في الأحوال كلها أحمد. وإن كان هذا صعب يعني تقول مفارقته كلها في الأحوال كلها أحمد، هل يستطيع الإنسان أن يفارق الغضب في كل الأحوال كلها؟ المهم أنك تحاول أن تترك آثار الغضب، آثار الغضب، لكن نفس الغضب أظن هذا صعب.
نعم، قال بإسناده قال: عبد الملك بن مروان: إذا لم يغضب الرجل لم يحلم؛ لأن الحليم لا يُعرف إلا عند الغضب. بالتالي أصلاً يعني بقول لك الغضب مهم لأن به تظهر فضيلة الحلم، أنت متى تحلم على شخص؟ إذا غضبت منه فتحلم عليه فيظهر أثر الحلم. ولذلك مثلاً مش دائماً نحن نقول: لماذا الله عز وجل قدر وجود الكفار والفجار في هذه الحياة الدنيا؟ لتظهر آثار أسمائه وصفاته. هذه إحدى الأجوبة التي تقال في مسألة: لماذا وجد الشر؟ يقولون أن الله عز وجل يريد أن تظهر آثار أسمائه وصفاته، فيريد أن يظهر اسمه المنتقم، فحتى يظهر اسمه المنتقم لابد من وجود ايش؟ كفار ينتقم منه. فهو يريد أن تظهر آثار أسمائه مثلاً أنه الله سبحانه وتعالى ناصر للمؤمنين، طيب هو ناصر للمؤمنين يقتضي بوجود كفار يصير حرب لينصر المؤمنين، أليس كذلك؟ فنفس الشيء يعني حتى يوجد الحلم طبيعة الحياة لازم يوجد غضب، ما فيش غضب لن يظهر أصلاً فكرة الحلم لن تظهر.
قال الباب الرابع والشرون: الزجر عن الطمع إلى الناس بمجانبة التذلل والياس. عليك أن هذا الخلق أن أن لا تنظر إلى ما في أيدي الناس. الزجر عن الطمع أن تكون مآدياً يدك إلى الناس متشوفاً إلى ما عندهم من خلال، كيف تسجر هذا الطمع؟ بمجانبة التذلل ألا تتذلل للناس، واليأس مما في أيديهم، واليأس يعني اليأس مما في أيدي الناس وهذا معناه أن أقطع النظر إليه.
نعم، قال بإسناده عن سهل بن سعد قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني عملا إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس».
نعم، قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على هذا شرحناه في الأربعين النووية معروف الحديث.
قال الواجب على العاقل لزوم ترك الطمع إلى الناس كافة بكمال الإياس عنهم، إذ الطمع فيما لا يشك في وجوده من الناس فقر حاضر، فكيف بما أنت شاك في وجوده أو عدمه؟ قال وباسناده عن سعيد: إذا اطمعوا فيما لا يشك في وجوده فقر حاضر.
ايش يعني أن تطمع في شيء مما في أيدي الناس أنت لا تشك أنك ستحصله؟ ركز في العبارة: أن تطمع في شيء أنت لا تشك في وجوده، يعني أنت جازم بوجوده وأنك ستحصله؛ أن تطمع في شيء مما في أيدي الناس أنت جازم بحصوله هذا فقر، فما بالك أنك في أغلب أحوالك تطمع في شيء مما في أيدي الناس أنت شاك أنهم رح يعطوك إياه ولا لا، فهذا فقر على فقر أن تطمع بغير المتيقن حصوله. أنت لو طمعت في المتيقن حصوله أنت ذليت، فما بالك أن تطمع في مال قد يعطيك إياه قد لا يعطيك إياه، ازددت شقوة على شقوة.
نعم، قال بإسناده عن سعيد بن عمارة أنه قال لابنه: يا بني، أظهر اليأس فإنه غنى، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر.
نعم، قال أبو حاتم رضي الله عنه: أشرف المنازل ترك الطمع إلى الناس، إذ لا غنى لذي طمع، وتارك الطمع يجمع به غاية الشرف. فطوبى لمن كان شعار قلبه الورع ولم يعمي بصره الطمع، ومن أحب أن يكون حراً فلا يهوى ما ليس له، لأن الطمع فقر كما أن اليأس غنى، ومن طمع ذل وخضع كما أن من قنع وعف استغنى.
قال وباسناده قال حدثنا محمد بن هاني الطائي قال: بعث أبو الاسود الدؤلي إلى جار له ويقترض منه، فلم يقرضه واعتل عليه وكان حسن الظن به. فقال أبو الأسود:
ولا تشعرن النفس ياسا فانما يعيش بجد حازم وجليد
ولا تطمعن في مال جار لقربه فكل قريب لا ينال بعيد وفوض الى الله الامور فانما تروح بارزاق العباد جدود
جدود يعني الحظوظ يعني كل واحد رح يرزق على حظه على قدره يعني.
قال وباسناده قال سمعت أحمد، هو طبعا يعني يعزي نفسه أبو الأسود الدؤلي يعزي نفسه فقال: ولا تشعرن النفس ياسا فانما يعيش بجد اللي بده يعيش بجد ويبقى قوي ومتماسك في الحياة بده يكون ايش؟ حازم وجليد. تمام يعني قوي، طبعا في بعض النسخ حازم وبليد وبرضه بتزبط، بس شو معنى البليد هنا؟ مش مهتم بالناس إذا ليتغاطى على الناس فهذه أيضاً نسخة تصح، يعني عاجز وجليد، مش زابطة، العاجز كيف بده يعيش بجد ما بتزبط، لكن بدل عاجز حازم، آه حازم شخص حازم هو الذي يعيش بقوه وجليدة أو بليدة على حسب المخطوطات والنسخ في الديوان. فهنا يقول في رواية الديوان: حازم وبليده، عنا في الحاشية مكتوب في رواية الديوان حازم وبليده. البليد هنا مش معناها الأحمق، لا، البليد اللي مش فارقه عنده يعني زي ما بحكوا.
قال وباسناده عن ابن المبارك يقول: الرجاء حبل في قلبك وقيد في رجلك، فاخر. الرجاء معناها الطمع هنا، الرجاء حبل في قلبك رابط قلبك بما عند الناس وقيد في رجلك، فاخرج. الرجاء من قلبك ينفك القيد من رجلك، اخرج الطمع بما عند الناس.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الطمع غدة في قلب المرء له طرفان، أحدهما القيد في رجليه، والآخر طبع على لسانه. فما دامت الغدة قائمة لا تنفك رجلاه ولا ينطق لسانه، فاذا أخرج الطمع من قلبه انفك القيد من رجليه.
وزال الطبع عن لسانه كان لسانك معقود نعم. قال فسعى إلى ما شاء وقال ما أحب ودواء زوال الطمع عن القلب هو رؤية الأشياء من مكونها بدوام الخلوة وترك الناس. هو رؤية الأشياء من مكونها، إيش يعني من مكونها ها؟ نعم.
شيخنا في حقائقها. يعني إذا قلنا من مكنونها؟ نعم هذا في حقائقها، يعني أن ترى الأشياء كما هي عرف دون أن تنظر إليها بأزود مما هي، أو إذا كانت من مكونها فيكون المعنى أن ترى الأشياء من الله، أنه كل شيء من الله هو الذي أوجده، فبالتالي لا تطمع إلى ما عند الناس وتطمع إلى ما عند الله سبحانه وتعالى نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يجتنب الطمع إلى الأصدقاء فإنه مذلة، ويلزم اليأس عن الأعداء. نعم، يعني فلا تطلب لا من صديق ولا من عدو نعم. قال: فإنه منجاة وتركه مهلكة، واليأس هو بذر الراحة والعز، كما أن الطمع هو بذر التعب والذل.
فكم من طامع تعب وذل ولم ينل بغيته، وكم من آيِس استراح وتعزز وقد آتاه ما أمل وما لم يؤمل، سبحان الله. طيب، وأخيراً عن معاوية بن عمار عن أبي جعفر قال: اليأس عما في أيدي الناس عز. ثم قال: أما سمعت قول حاتم الطائي: إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى، إذا عرفته النفس والطمع الفقري.
نعم، يقول: إذا ما عزمت اليأس ألفيته الغنى، إذا أنت يئست مما في أيدي الناس ألفيت نفسك غنيا. ألفيته ووجدت في اليأس الغنى، إذا عرفته النفس والطمع بالعكس تجد أنه الفقر نعم.
قال الباب الخامس: الحث على مجانبة المسألة في الأحوال، ومباينة طلب السؤال بالآمَالَ. وهذا قريب من الباب السابق، يعني هو في التكميلة لنفس الفكرة؛ أنه أن تجانب مسألة الناس في كافة أحوالك وأن تباين السؤال عنهم. طب ومباينة طلب السؤال بالآمَال نعم؟ أن تأمل أن الله عز وجل يحقق لك بغيتك دون الحاجة إلى أن تمد يدك للناس نعم.
قال وباسناده عن زبير بن العوام أو ممكن أن يكون المعنى ومباينة طلب السؤال بالآمَال أن يكون بالآمَال متعلقة بالطلب، يعني وأن تباين وأن تترك طلب السؤال بما تأمل أن يعطيك إياه الناس، فهذا أيضا يمكن أن يصح نعم. قال وباسناده عن زبير بن العوام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيأتي بحزمة حطب فيبيعها خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه».
وهذا من الأمور التي ينبغي أن نربي عليها أنفسنا وأبناءنا إخواني؛ قضية أن الإنسان يكون رجل فهو يتحمل مسؤولية الحياة ولا يبقى عالة على غيره، ويتعفف ولا يمد يديه إلى الناس، لا يتكفف كما يقول، لا يمد كفه. إن علم ابنك وعلم نفسك أن تكون قوياً صلباً، وأن تأتي ولو بشيء من الخضار تبيعه على إشارة مرور أو طريق أو في هذا أفضل من أنك تمد يدك إلى الناس.
حصل مالك وحاجتك بعز الجبين، بعز الجبين والوجه، وإياك أن تكن -وهذا ما يعلمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم- لأن يأخذ أحدكم حبلاً تروح تجيب حبل وترروح على الغابة تحتطب وتجيب حطب، فتبيع الحطب في السوق على كل ما في هذا من الكد والتعب، لكن خير له من أن يسأل الناس ويمد يده: أعطوك هذا، أعطاك وهذا منعك، وهذا نظر إليك بازدراء، بخلاف الذي يجلب ماله بعز الجبين، ما حدا له عليه الكلمة نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل مجانبة المسألة في الأحوال كلها، ولزوم ترك التعرض؛ لأن الأفكار تعرض إلى ما في أيدي الناس نعم. قال: لأن الأفكار في العزم على السؤال يورث المرء مهانة في نفسه. والمجرد أنك تفكر أنك بدك تمد يدك إلى الناس، هذا التفكير يورثك مهانة في النفس نعم. قال: ويحط رتبته عن مرتبته، وينزلك عن مرتبتك ويحطك عن مقامك نعم.
قال: وترك العزم على الأفكار في السؤال يورث المرء عزا في نفسه، والعكس إذا عزمت على أن لا تفكر في مد اليد إلى الناس يعطيك عز في النفس شعور أنك قوي ويرفع درجتك عن مرتبتها طيب.
قال وباسناده قال موسى بن طريف: إن الحاجة لتعرض لي إلى الرجل فيخرج فيخرج من قلبي فأقطع الحاجة من ناحيته، فيرجع عزيزا إلى قلبي، يعني أشعر بالذل إذا شعرت أني محتاج إلى الناس طيب. قال: إن عمر بن الخطاب قال: من سال الناس ليثري ماله فإنما هو رَضْف من النار يلقمه. رَضْف يعني حجارة من النار عم يلقمها في فمه، لما ياخذ أموال الناس فانت عاد استقل أو استكثر ما دامت حجارة من النار انت وما ترضاه لنفسك، استقل من هذه الحجارة أو استكثر منها نعم.
قال وباسناده عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنه أوصى بنيه عند موته: يا بني، إياكم ومسألة الناس فإنها آخر كسب الرجل. يعني هذه ينبغي أن تكون آخر الكسب وليس أول الكسب، بعض الناس أول مشاريعه الاقتصادية شو؟ يمد يده للناس! لا، هذا ليس أول الكسب، هذا يعني إذا أغلقت الدنيا وسدت الأحوال بتفكر تروح لصديق لك تقول له: يا فلان معك ١٠٠ دينار؟ لكنها ليست أول الكسب نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل لا يسأل الناس شيئا فيردوه، ويمكن أن يحمل أيضا المعنى فأنها آخر كسب الرجل على ماذا؟ على أنها أهون كسب الرجل، الآخر هنا بمعنى أنه هذا أهون ما يكسبه الإنسان، فتكون أيضا دلالة على أنها أهون المراتب. طيب قال أبو حاتم: العاقل لا يسأل الناس شيئا فيردوه ولا يحلف في المسألة فيحرموه، ويلزم التعفف والتكرم ولا يطلب الأمر مدبرا ولا يتركه مقبلا؛ لأنه نعم لما تشوف الأمر مدبرا عنك خلص ذاهب عنك خلص اتركه، ولما تراه مقبلا عليك شفت مشروع معين والله مقبل عليك تمسك فيه؛ لأن فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها نعم.
يعني أن تفوتك الحاجة ولا تحصلها مش مشكله، هذا أهون من أني أطلبها من غير أهلها نعم. وأن من سال غير المستحق حاجة حط لنفسه مرتبتين ورفع المسؤول فوق قدره. وأن من سال غير المستحق حاجة حط نفسه مرتبتين، ليش مرتبتين يا مشايخ مش مرتبة واحدة؟ لأنه ما رح ياخذ وبنفس الوقت طلب الواحد ما بيستحق.
أحسنت؛ لأنه أنت أول سالت وهذه مجرد السؤال ممكن ياخذ بس هو مجرد السؤال أنزلك مرتبة، ومن شخص لا يستحق هي نزلت مرة ثانيه كمان. قال باسناده يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول: من سال نذلا حاجة فقد رفعه عن قدره، إي والله.
قال وباسناده قال مطرف بن عبد الله بن الشخير لابن أخيه: يا ابن أخي، إذا كانت لك حاجة إلي فاكتب بها في رقعة، فإني أصون وجهك عن ذل السؤال. شوف العقلاء يعني: يا ابن أخي إذا أنت احتجت لي في يوم من الأيام لا تجي تطلب مني مباشرة وجها لوجه، ابعث لي حاجتك على إيش رسالة واتساب تمام؛ لأنني لا أريد أن أرى وجهك وانت تسالني، لا أريد أرى وجهك أريد أن أصون وجهك عن هذه الحالة نعم.
قال أبو حاتم: أعظم المصائب سوء الخلق، والمسألة من الناس والهم بالسؤال، قال: نصف الهم فكيف المباشرة بالسؤال؟ قال: إنك تهم بالسؤال تمام يعني أن تهم بالسؤال هذا نصف الهم، نصف المشكلة فكيف بمباشرة السؤال وجها لوجه؟ يعني مجرد أنك تفكر أنك تسال الناس هذا لحاله هم أو نصف الهم، مجرد أن تفكر بهذا الموضوع فما بالك أن تباشر هذا الموضوع نعم يزداد همك وقلقك.
ومن عزت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينيه هانت عليه الدنيا، ولا ينبل الرجل حتى يعف مفائد الناس ويتجاوز عما يكون منهم. والسؤال من الإخوان ملال ومن غيرهم ضد النوال، إيش يعني اللي يسال إخوانه من بيملوا منك بعدين، مرة مرتين حتى لو أعز الناس عليك مرة مرتين إذا اعتاد هذا رجل كثير السؤال يملوك، وأما أن تسال من غير الإخوان فهذا ما راح يسألك شيء أصلا هذا ضد النوال لن يعطوك طيب.
قال وباسناده قال حدثنا عبد الله بن سليمان قال: كان أكثم بن صيفي وهذا أحد الحكماء العقلاء يقول: السؤال وإن قل أثمن من النوال وإن جل. نعم قال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للعاقل إيش يعني طبعا هذا الكلام السؤال وإن قل أثمن من النوال وإن جل أمم شو رايكم في معايير البذل، أنو أغلى معنويا السؤال ولا العطاء؟ طبعا هنا الذي اعتقده أنه أثمن من حيث إيش؟ الثقل.
الثقل يعني أيهما أثمن يعني أيهما دفع أكثر؟ السائل دفع من رصيد يعني أخلاقه خلينا نقول أو من رصيد نفسه أكثر مما دفع المعطي مما دفعه من المال. المعطي عم بيعطي مال لكن أنت عم تعطي ماء وجهك، فهمت؟ السائل وإن قل سؤاله عم يبذل ماء وجهه، لكن المعطي وإن أعطى شيئا كبيرا عم يعطي إيش؟ مال معادن ماشي جماعة وتعب فيها بس أنه بكون غني، فأيهما دفع أثمّ من حيث المنطق؟ السائل دفع أكثر من المعطي، شوف كيف هم يفكروا، شوف كيف يفكر العقلاء؛ لأنه أنت دفعت ماء وجهك، هو دفع مال جيبته بس نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: لا يجب للعاقل أن يبذل وجهه لمن يكرم عليه قدره ويعظم عنده خطره، فكيف بمن يهون عليه رده ولا يكرم عليه قدره؟ يعني أنت لا ينبغي أن تبذل وجهك لإنسان بيكرمك وبحبك، فما بالك أن تبذل وجهك لإنسان اصلا لا يراك شيئا نعم.
قال: وأبعد لقاء الموت وأشد منه الحاجة إلى الناس دون السؤال وأشد منه التكلف للسؤال؛ لأن السؤال إذا كان بنجاح الحاجة مقرونا لم يخلو من أن يكون فيه ذل السؤال، وإذا الحاجة لم تقضى كان فيه ذلان موجودان نعم؛ ذل السؤال وذل الرد.
قال باسناده قال سمعت المعرور بن سويد يحدث عن عبد الله قال: إن في طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة، إذا أعطاه حمد غير الذي أعطاه، وإذا منعه ذم غير الذي منعه. قال أبو حاتم رضي الله عنه: لو لم يكن في السؤال خصله تذم إلا وجود التذلل في النفس عند الاهتمام بالسؤال وابدائه، لكان الواجب على العاقل أن لو اضطره الأمر إلى أن يستفي الرمل ويمص النوى أن لا يتعرض للسؤال أبدا ما وجد إليه سبيلا.
سبحان الله, يصطفي الرمل يعني تاكل رمل وتمص نوى النوى اللي هي حب بذره التمر، هذا أفضل من انك تتعرض للسؤال نعم. قال: فاما من دفعه الوقت إلى ذلك، فسأل من يعلم أنه يقضي حاجته، أو ذا سلطان لم يحرج في فعله ذلك. هو يقول لك في النهاية، في النهاية قد يصل الإنسان لمرحله دفعه الوقت، يعني القدر، قدر الله أنه خلص انتهى، الرجل يحتاج لمال قال يعني قدر عليه، دفعته الحياة والجاته ظروف القاهره إلى أن يسأل من يقضي حاجته أو يسأل السلطان، فهذا لا يحرج عليه؛ لأنه في النهاية تحل المسألة في هذه الأحوال من أصابته جائحة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة تحل لهم المسيلة» تمام يا قبيصة حديث قبيصة بن خارق المشهور.
قالوا من رجل أصابته جائحة اجتاحت ماله حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: فقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن استغنى بالله أغناه الله، ومن تعزز بالله لم يفقره» كما أن من اعتز بالعبيد الله نعم.
قال وباسناده عن معمر قال: قال أبو معویه رجل من ولد كعب بن مالك: لقد رايتني أنضح أول النهار وأضرب آخر النهار على بطني بالمعول في المعدن. لقد رايت اني انضح، طبعا كلمة انضح تأتي بمعنى إي استقي وأحمل الماء أول النهار، وفي آخر النهار نهار أيضا برجع بضرب بالمعول في المعدن، كان يشتغل في منجم يعني أو اللي بيشتغل في استخراج المعادن من الأرض إي.
فقال: قلت لقد لقيت مؤنة، يعني أنت فهو يعني معمر يقول لأبي معوية والله أنت بتتعبه تشتغل في النهار بتشتغل في الليل كيف هذول الموظفين اللي في النهار بيشتغل مدرس وبالليل بيشتغل على السيارة الشخصية وكذا يعني بقول لك أنا أول النهار بشتغل أنضح وبتعب وبالليل برضه برجع بشتغل في المعدن فقال: أجل أنا بتعب صحيح في طلب بالرزق، قال: أنا طلبنا الدراهم من أيدي الرجال ومن الحجارة فوجدناها من الحجارة أسهل علينا! أني أطلب رزقي لو بدي أشتغل من النهار لليل وأجيب مالي بعز الوجه أحسن من أن أطلب المال من أيدي الرجال.
طيب الحث على لزوم القناعة نعم. قال الباب السادس والعشرون: الحث على لزوم القناعة بالقلب لأنها ثمرة ما يتولد من اللب. ثمرة ما يتولد من العقل يعني، نعم وهذه أيضا تتم الأبواب؛ لأنه السؤال ما الذي يجعلك تجانب السؤال؟ القناعة، فهذه كلها أبواب إذا بتلاحظوا أنها متقاربة فيما تريد، بقول لك: اترك سؤال الناس والذي يعينك على ترك السؤال هو أن تقنع بما رزقك الله.
الحث على لزوم القناعة، قال صلى الله عليه وسلم نعم عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». قال أبو حاتم رضي الله عنه: قد مكثت برهة من الدهر متوهما أن الأعمش سمع هذا الخبر قال: من ليث بن أبي سليم فدلسه حتى رايت
علي بن المديني حدث بهذا الخبر يعني عن الطفاوي عن الأعمش، قال: حدثني مجاهد، فعلمت حينئذ أن الخبر صحيح لا شك فيه، ولم تر في صحته. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر في هذا الخبر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، فكأنه أمره بالقناعة باليسير من الدنيا؛ إذ الغريب وعابر السبيل لا يقصدان في الغيبة الإكثار من الثروة، بل القناعة إليهما أقرب من الإكثار في الدنيا.
نعم، طبعا هو أولا يذكر القضية، هي حديث أنه في الإسناد السابق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر، فيقول ابن حبان: مكثت زمنا أظن أن الأعمش روى هذا الحديث أو سمعه من ليث وليس من مجاهد، وأنه دلسه ولم يخبر بالحقيقة، حتى رايت بإسناد آخر عن علي بن المديني حدث بنفس هذا الإسناد عن الطفاوي عن الأعمش عن مجاهد -أو قال: حدثني، عفوا، حدثني مجاهد؛ لأنه فوق عين الأعمش عن مجاهد، والعنعنة تقبل التدليس، صحيح- قال: حتى رايت من طريق علي بن المديني أن الأعمش صرح أن مجاهد حدثه، فزال احتمالية التدليس؛ لأن الأعمش في النهاية من كبار المحدثين الثقات، فاذا صرح بالسماع أو أنه حدث، انتهى، ولا يشك في ذا عندئذ أنه دلس.
ومطن الشاهد في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب في البلد أو عابر سبيل». والغريب عابر السبيل لا يهتم بجمع الأموال ولا باكتنازها، بل القناعة إليه أقرب من الإكثار في الدنيا.
نعم، قال باسناده: قال أكثم بن صيفي لابنه: يا بني، من لم يأس على ما فاته ودع بدنه، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه. يا بني، من لم يأس -مش ياس، هذه تحتاج تعديل- يا بني، من لم يأس والمراد ماذا؟ إذا أنت لم تيأس من الشيء الذي يفوت رح تهلك بدنك، صح؟ رح تضلك تفكر فيه ودع بدنه، يعني اتركه، أهلكه، فهو يقول: يا بني، من لم يأس رح يتعب، فأنت إذا فاتك شيء اياس منه حتى ما تتعب، اياس منه خلص يعني اقطع الرجاء، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه، اللي بقنع بما هو فيه تقر عينه.
نعم، قال باسناده عن ابن مسعود قال: أربع قد فرغ منها الخلق، قال الخلق يعني شكلك، والخلق، آيوة، والرزق، والأجل، وليس أحد باكسب من أحد؛ يعني في النهاية كله حتى الكسب وما ستجنيه بقدر الله السابق.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: من أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطرا القناعة، وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضاء والثقة بالقسم، ولو لم يكن في القناعة خصله تحمد إلا الراحة وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل، لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال.
نعم، قال باسناده قال: حدثنا أبو بكر بن محمد بن المنكدر عن أبيه قال: القناعة مال لا ينفد.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يعلم علما أن الأقسام لم توضع على قدر الأخطار، وأن من عدم القناعة لم يزده المال غنى، فتمكن المرء بالمال القليل مع قلة الهم أهنا من الكبير ذي التبعة، والعاقل ينتقم من الحرص بالقنوع كما ينتقم من العدو بالقصاص؛ لأن سبب المانع رزق العاقل هو السبب الجالب رزق الجاهل.
قال باسناده قال: سمعت -لأن سبب المانع رزق العاقل من هو قضاء ثوب القدر من الله عز وجل هو الذي يجلب رزق الجاهل، في النهاية يعني الذي يجلب الرزق للجاهل هو الذي يمنع الرزق من العاقل فانت تشكو من-.
نعم، قال باسناده قال: سمعت ابن المبارك يقول: مروءة القناعة أفضل من مروءة الأعطاء. وهذا قريب ما ذكرناه قبل قليل في أن الذي يعطيه للسائل أثمن من الذي يعطيه الباذل، ليه؟ لانه بالتالي يقول لك ابن المبارك بالتالي مرور القناعة أن تقنع بما عندك ولا تطلب ستكون افضل من مروءة الأعطاء لأن ما تبذله إذا طلبت ما هو ماء وجهك، فإنك مروءة القناعة أثمن من مروءة الأعطاء، وإن كان كلاهما ممتاز يعني.
نعم، قال أبو حاتم رضي الله عنه: القناعة تكون بالقلب، فمن غني قلبه غنيت يداه، ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه، ومن قنع لم يتسخط وعاش آمنا مطمئنا، ومن لم يقنع لم يكن له في الفوائد نهاية لرغبته. والجد والحرمان كأنهما يصطرعان بين العباد، ولقد أحسن الذي يقول: فما كل ما حاز الفتى من تلاده بكيس ولا ما فاته بتوان. والجد هو الحرمان، الجد هو الحظ؛ يعني أن ترزق أو تحرم، قال: كأنهما يصطرعان، فهذا تجده يرزق ولا تجده يحرم، فكأنهما يعني في صراع الرزق مع الحرمان.
نعم، قال: فأجمل إذا طالبت أمرا أنه سيكفيكه جدان يصطرعان.
نعم، قال باسناده قال: حدثنا محمد بن عبيد الله الجشمي المدائني قال: كان يقال: مروءة الصبر عند الحاجة والفاقة بالتعفف والغنى أكثر من مروءة الأعطاء. نفس الفكرة السابقة.
نعم، قال باسناده عن عائشة قالت: من فقه الرجل تركه ما يشتهي. قالوا: فكيف تركه ما يشتهي؟ قالت: لا يتكلف ما ليس عنده فيركبه دين. وما أكثر الناس غير الفقهاء اليوم! صحيح، تجد نص المواطنين في البلد من البنك الإسلامي، ها، تجد يشتهي أشياء فيدفع للبنك فيركبه الدين، شقة بالبنك، إذا سيعكس شقة، ها، معقول يعني نحكي أنها حاجة من الحاجات المطلوبة، لكن بعد ذلك بده يحدث السيارة، بيروح بشتري من البنك سيارة بتظل متداين كمان خمس سبع سنين، بشتري ثلاجة جديدة أحدث، باختصار، الغرب جعل منا سوق استهلاكي ودع للعقل، للأسف العقل المسلم اليوم عقل فقط يشتهي ويطلب ويطلب ويطلب، وبالتالي تجد الإنسان كلما رأى شيئا جديدا طلبه، هاتف حديث، سيارة حديثة، أي زوجة هذه يجدد كمان، أثاث المنزل بده إياه يكون حديث، كل شيء حديث حديث بالتالي سيركبه الدين.
فعائشة تقول: من فقه الرجل، وهذه الكلمات تستهويني وهو أنني أنظر في كلام الأوائل فيعتبرون أن هناك أشياء تدل على فقه الحياة، يعني قال: من فقه الرجل، هنا مش فقه الشريعة مراد أنك تكون حنبلي ولا شافعي، فقه الرجل أنك تكون فاهم الحياة، من فقه الحياة، من من تصرفات العقلاء، الإنسان إخواني الذي يهتم بنمط حياته ويريد أن يعيش حياة جيدة يجب أن يتتبع هذه الكلمات، ما هو فقه الحياة؟ كيف فهم العقلاء فقه الحياة لمن يريد يعيش حياة سوية؟ بتجد الرجل غرق نفسه بالديون ووضع أولاده في أرقى المدارس وفي كذا وكلها بديون وعن طريق البنوك، حتى لو كان عن طريق البنوك الإسلامية تبقى طول عمرك مديون وضلك مهموم وتخشى أنه الدين ما أستطيع أسده، أنقطع، كذا، إعادة جدولة الديون وما شابه ذلك، فيقول: لا يتكلف ما ليس عنده، اللي مش عندك ومش محتاجه لا تتكلفه حتى لا تركبك الديون.
نعم، قال أبو حاتم رضي الله عنه: من نزعته نفسه إلى القنوع ثم حسد الناس على ما في أيديهم، فليس ذلك لقناعة ولا لسخاوة، بل لعجز وفشل.
نعم، قال ومثله كمثل حمار السوء الذي يفرح به، ايش يعني؟ يقول لك: اللي بيجي هيك نفسية القنوع بعد ما قنع يومين ثلاث، إيه، صار يحسد الناس على ما عندهم، يا اخي مش أنت اخترت القنوع ليش بتحسد الناس؟ بتعرف، بعضنا شباب أنا الشيخ خلص قررت أني أكون زاهد في الدنيا وما بدي أفكر بسيارة حديثة، اليوم الثاني صاحبه منزل سيارة حديثة صار يحسده، قول لك: هذا من هذا من أحمق الناس اللي بصير بده يعمل حاله زاهد وقنوع وبده يبلش في هذا المشروع، ثم أول ما يرى أصحابه وأقرانهم في أيديهم شيء، حسد الناس على ما في أيديهم، قال: فليس ذلك لقناعه ولا لسخاوة، إذا بل لعجز وفشل؛ يعني ما دام أنت لا أنت فعليا ما عندك قناعة، لا أنت بدك، يا أخي إذا بدك روح اشتغل، فأحيانا قد تكون القناعة ايش هي؟ شعار الفاشلين، فيقول لك أحيانا القناعة تكون قناع، القناعة قد تكون قناع يتخبا خلفه ويستتر خلفه ايش؟ الفاشل اللي ما بده يشتغل، نايم في الدار أخونا من الصباح للظهر ومن بعد الظهر للعصر، يا ابن حلال روح اشتغل، انا والله شيء قنوع يعني ما، لا، هو أنت عاجز كما قال، قال: بل بل لعجز وفشل، أنت ما بدك تشتغل وما بدك تتعب، فتعبر عن عجزك وفشلك أنه أنا زاهد في الدنيا، وأول ما صديق من أصدقائه تفتح عليه الدنيا ينظر إليه، إذا أنت من أول عاجز وفاشل وما عندك حيل تشتغل، وبالتالي تتدثر بقضية القناعة وأنني زاهد في الدنيا. الزهد لا يعني عدم العمل، الصحابة كانوا يعملون تماما وكانوا يشتغلون، عمر بن الخطاب كان يتناوب مع أحد الأنصار في مزرعة، وأبو بكر رضي الله عنه كان يتاجر، لكن لما كانت تطلب أموالهم للحروب والمعارك يأتي أبو بكر بكل ما عنده وياتي عمر بنص ما عنده، هذه القناعة وهذا هو الزهد، وهذا هو وليس هو ترك عمل كسلا ونوما.
قال ومثله كمثل حمار السوء الذي يفرح إذا خف حمله ويحرن إذا راى العلف يؤثر به ذو القوة والحمل الثقيل. هذا مثله مثل الحمار يقول لك: إذا صاحبه ما عاد يحمله، بس رح، الحمد لله ما عاد يحملني صاحبي، وإذا راى العلف يذهب إلى حمال آخر يشتغل عليه بيزعل. طيب يا اخي ليش بتزعل مش أنت ما بدك يحملوك؟ ما دام ما حملوك معناته ما رح يعرفوك، اللي رح يحصل العلف الجيد هو اللي بينشغل عليه، فبقول لك هكذا حال هذا الإنسان.
قال: فالقانع الكريم اراح قلبه وبدنه، والشري اللئيم أتعب قلبه وجسمه، فالكرام أصبروا نفوسهم واللئام أصبروا أجسادهم؛ لأنهم يتعبون أجسادهم.
نعم، وقد كان مالك بن دينار رأس ماله درهمان، درهم يشتري به ورقة ويكتب فيه مصحفا، ودرهم يشتري به خوصا يسف منه مكتلا. الخوص هو ورق النخل، يسف يسف يعني يقول: السف في الخوص هو أن تنسجها بعضها على بعض، ينسج ورق النخيل الخوص ويعمل منه مكتل، مكتل هي أداة أو زي وعاء للكيل. تمام، بالتالي بقول لك مالك بن دينار كان ايش شغله في الحياة؟ شو كان بيشتغل؟ كان رأس ماله كان رأس ماله دينارين.
نعم، دينار بيشتري فيه ورق، بيكتب فيه مصحف، والظاهر أنه كان يبيعه، ودينار أو عفوا درهم آخر درهم آخر كان يشتري به ورق نخيل بخيطها مع بعضها البعض وبيعمل مقتل ويبيعه. هذا بالتالي هل نام في المنزل مالك بن دينار لأنه زاهد أو لأنه عابد؟ لا، كان يشتغل بس يشتغل برأس مال يعني درهمين فضة، بس هذا رأس ماله.
نعم، ثم لا يقبل من أحد صفراء ولا بيضاء، صفراء ولا بيضاء يعني لا ذهب ولا فضة، يكف به وجهه عن الناس ببيع هذا المصحف أو ببيع هذا المكتل.
نعم، قال باسناده قال: حدثنا محمد بن عمر بن عمر قال: ما كان لمالك... نفس الحديث السابق بعده.
نعم، قال باسناده قال لي جعفر بن سليمان، قال عن عفان بن يسار بن سيار قال لي جعفر بن سليمان: اشتري لي هاونا حتى أقضي لك حاجة. قال: فاشتريته. فقال: ما حاجتك؟ قلت: حاجتي أن تقرا علي علمك. فقال: فكان يقرا علي ويقول: ذللتني ذللتني الهاون، ذللتني الهاون.
إخوان، الهاون هنا مش سلاح، ها، حتى تفكر أنه قذيفة من ستة عشر، لا، الهاون هنا المطرقة، كانوا يطرقون بها تمام، قديما كانوا يطرقون بأشياء مثل تسمى الهاون، قد يقصد ب يعني يضربون به الجوز واللوز واشياء الله أعلم، فهو يعني عفان بن يسار قال لي جعفر بن سليمان أحد العلماء: اشتري لي هاونا وأنا بقضي لك حاجة، تمام، جيب لي انا هذا الهاون عشان اشتغل فيه وأنا بقضي لك حاجة، فاشترى فعفان راح اشترى هاون لهذا العالم، فالعالم قال له: ايش حاجتك؟ قال: أن تقرا علي كل علمك، تورط جعفر بن سليمان، قال: فكان يقرا عليه ويقول: أقول دللتني بهذا الهاون اللي جيبت لي اياه، تمام، يعني بدك أظلني أقرأ كل الكتب مقابل هذا الهاون؟ بس هو خلص تعرف مروءتهم، خلص، أنت مش قلت لي حاجة؟ أنا حاجتي أنك تقرا علي كل الكتب، فكان يقرا علي وطلعت روحه وبيقرا عليه، تمام، يقول: ذللتني الهاون ذللتني الهاون.
طيب، قال باسناده عن محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97] قال: القناعة. شوف فهم السلف للقرآن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. كثير من الناس لما يقول لك: إذا اللي بيعمل صالحات رح تصير حياته طيبة، شو يعني حياة طيبة؟ فلوس وسيارت وكذا وكنوز وتصير مع زوج.. لا، الحياة الطيبة شوف محمد بن كعب القرظي أحد أبرز المفسرين: أن الله يرزقك القناعة فتطيب الحياة. ليس النبي عليه الصلاة والسلام مش كانت حياته طيبة عليه الصلاة والسلام؟ وكان ياتي عليه الشهر والشهرين والثلاث لا يوقد في بيته نار، بالتالي علينا أن نفهم ما معنى الحياة الطيبة؟ الحياة الطيبة أنك راضي مسرور حتى باقل القليل، الله يرزقك الرضا والقناعة، وهذه من اعظم النعم.
طيب، ما يج.. قال الباب الساب.. ما يجب على المرء المسلم الواثق من لزوم التوكل على الخالق الرازق. وهذه تتمة أيضا الأبواب السابقة.
نعم، قال باسناده عن عبد الله بن عمر بن العاصي يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. هذا حديث صحيح مشهور أن الله كتب أو قدر.
المقادير كتبت المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسة آلاف سنة، وهذه تسمى الكتابة الكونيه.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق، إذ التوكل هو نظام الإيمان وقرين التوحيد. نظام الإيمان يعني السلك، التوكل هو سلك الإيمان بدون توكل يفرط الإيمان كما هو يقول وهو قرين التوحيد، نعم فاعبده وتوكل عليه دائماً. الله عز وجل أن يقرب بين التوحيد العبادة والتوكل.
قال: وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، إلى طرد الفقر ووجود الراحة. وما توكل أحد على الله عز وجل من صحة قلبه -أي بقلب صحيح- حتى كان الله جل وعلا بما تضمن من الكفاية أوثق عنده مما حوته يده، إلا لم يكله إلى عباده وأتاه رزقه من حيث لا يحتسب.
طبعا ما معنى حتى كان الله بما تضمن من الكفاية أوثق عنده مما حوته يده؟ يعني هو يعطيك ما معنى صحة القلب؟ هو إيش يقول؟ وما توكل أحد على الله عز وجل من صحة قلبه؟ كيف أنا أتوكل على الله توكلاً صحيحاً؟ أن تصل لدرجة أن يكون الله عندك بما تضمنه لك من الكفاية أوثق مما في يدك الآن، أن يكون ما عند الله أوثق عندك مما في يدك، هذا معنى صحة القلب. إذا وصلت لهذه المرحلة من التوكل، من وصل لهذه المرحلة إلا لم يكله إلى عباده وأتاه رزقه من حيث لا يحتسب. اللي بوصل لهي المرحلة إن ثقته بما عند الله أعلى من ثقته بما في يده.
قال وباسناده، قال: حدثنا رياح القيسي، قال: إن لله -قرأنا عن أبي الدرداء-: أن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله. يعني ترى تخافش يا إنسان، كما أن الأجل بالحق وراك، رزقك الذي قسم لك بالحق وراك لن يفوتك، فتوكل على الحي الذي لا يموت.
قال: إن لله تعالى ملائكة موكلين بأرزاق بني آدم يحملون أرزاقهم على درجاتهم. فأراد أن يفسر ما معنى يحملون أرزاقهم على درجاتهم؟ فقال: ثم قال أيما عبد من عبادي جعل همه هماً واحداً، فضمنوا أهل السماوات والأرضين وبني آدم رزقاً. من جعل الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، جعل الله غناه في قلبه. فهذا معنى أنه جعل همه هماً واحداً: اجعل أهل السماوات والأرضين وبني آدم متكفلين برزقه، خلص يعني رزقه متكفل متضمن انتهى. وأي عبد طلب رزقه أعطوه رزقه حيث أراد، من الجهة التي طلبها، فإذا طلبها من الحلال.
قال: فإن تحرم كاسبه بالعدل فطيبوا له رزقه، وإن تعدى فطيبوا له رزقه، يعني باركوا له في رزقه، هكذا يقال للملائكة.
وإن تعدى إلى الحرام، فاما إذا اخذ رزقه من الحرام، قال: فليأخذ من هواه إلى غاية درجته التي ليس فوقها. فليأخذ من هواه، أي مما يرغب المقدار الذي قسم له، يعني حتى في الحرام ترى لن تأخذ إلا المقدار الذي قسم لك. قال: ثم حولوا بينه وبين سائر الدنيا. اللي بياخذ من الحرام اعطوه ما كتب له، فلا يأخذن من حلالها ولا من حرامها فوق الدرجة التي كتبت له. فالمسكين يظن أنه الحرام رح يعطيه مساحة أكثر من الرزق له، وستاخذ فقط ما كتب لك، وللاسف سجل عليك إثماً، ولو اخذته بالحلال لوجدت البركة والسعادة وكتب لك عند الله خيراً.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: العاقل يعلم أن الأرزاق قد فرغ منها وتضمنها الولي الوفي على أن يوفرها على عباده في وقت حاجتهم إليها، فالاشتغال بالسعي لما تضمن وتكفل ليس من أخلاق أهل الحزم، إلا مع انطواء صحة الضمير على أنه وإن لم يسعى في قصده أتاه رزقه من حيث لا يحتسب. بتكون أنت واثق أنك ولو لم تسعى سياتيك رزقك، طبعا هو مش معنا إني ما أسعى، لكن عليك أن تكون من الثقة أنه لو فرضا فرضا ما سعيت سياتيني رزقي كفكره عقدية، لكن كسعي لا، أنت مطلوب منك تمشي في الرزق.
قال وباسناده، قال: عن هزيل بن شرحبيل، قال: جاء سائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي البيت تمرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هاك، لو لم تأتها لأتتك». خخذها لو أنت ما اجيت هي اجتك، نعم رزقتك.
قال وباسناده، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما اهتممت لرزق قط. قال أبو حاتم رضي الله عنه: ما اهتممت يعني ما اصابني هم، ما اهتممت هنا من الهم.
قال: الواجب على العاقل أن يعلم أن السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يحول بين الحازم وبين مصادفته. قال: فلا يجب أن يحزن العاقل لما يهوى وليس بكائن، ولا لما لا يهوى. أن السبب الذي يدرك به العاجز حاجته هو الذي يحول بين الحازم وبين مصادفته لحاجته، هي نفس الفكرة السابقة، وهو أن الذي يرزق الجاهل هو الذي يمنع العاقل، هو الله سبحانه، بالتالي فلا يجب أن يحزن العاقل لما يهوى ويحب وليس بمقدر له كائن، ولا لما لا يهوى وهو له محاذ كائن، تزعل يعني لأنه في النهاية هذا قضاء الله وقدره. فما كان من هذه الدنيا للمرء آتاه من غير تعب فيه، وما كان عليه -أي وما كان ضدك وسيحصل- لن تستطيع أن تدفعه بقوة، ولا يدرك بالطلب المحروم كما لا يحرم بالقعود المرزوق. هي فكرة أنه شيء مش مكتوب لك لو طلبته ما رح يجيك والعكس بالعكس، شيء مكتوب لك لو لم تسعى ستحصل، لكن أنت مطلوب منك السعي لأنك في النهاية مطلوب منا أن نأخذ بالأسباب.
قال وباسناده يقول: سمعت ييمان البحراني وكان لا يدخر شيئاً، يقول -كان دائما يبذل ما ما بحوشش يعني-: مررت براهب في قاع فلاة من الأرض وأنا جائع في أرض صحراء وأنا جائع، فقلت يا راهب هل عندك من فضل؟ عندك فضل طعام يعني زيادة طعام تطعميني إياها؟
قال: فأدلى إلي زنبيلا فيه فلق من خبز. فنزل له من أعلى المنارة، بتعرفوا الرهبان كان يكون في أعلى، فأنزل إليه من أعلى المنارة مثل الزنبيل مثل الوعاء الجراب، جراباً فيه فلق من خبز فأكلت منها ورميت إليه بالباقي. فقال لي الراهب: تزوده، يعني خذه معك في الطريق أنت في صحراء وقد تنقطع. فقال: الذي أطعمني في هذا الموضع وليس فيه أنسي يطعمني إذا جعت ولا يكون معي شيء. وهذا يدل على يعني أن عبادة البحراني كيف أنه شخص في قمة الثقة بالله سبحانه وتعالى.
قال أبو حاتم: التوكل هو قطع القلب عن العلائق برفض الخلائق، واضافته بالافتقار إلى محول الاحوال. رفض الخلائق يعني أن تتعلق بما في أيدي الناس، هذا معنى رفض الخلائق، واضافته بالافتقار إلى محول الأحوال، أن تفتقر إلى محول الأحوال وهو الله سبحانه وتعالى. وقد يكون المرء موسراً في الدنيا في قمة الغنى مع أموال كثيرة وهو متوكل صادق في توكله، إذا كان العدم والوجود عنده سيان، لا فرق عنده بين هذا وهذا، حتى ولو كان اثنين يشكر عند الوجود ويرضى عند العدم. وقد يكون المرء لا يملك شيئاً من الدنيا بحيلة من الحيل وهي غير متوكل على الله، إذا كان الوجود أحب إليه من العدم، فلا هو في العدم يرضى بحالته، ولا هو عند الوجود يشكر مرتبته.
قال وباسناده، قال وهيب بن الورد: بين أنا أسير في أرض الروم ذات يوم، إذ سمعت هاتفا فوق رأس جبل وهو يقول: يا رب عجبت لمن يعرفك فكيف يرجو أحداً غيرك؟ ثم عاد الثانية فقال: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يستعين على أمره بأحد غيرك؟ ثم عاد الثالثة فقال: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يتعرض لشيء من غضبك برضا غيرك؟
قال: فناديته فقلت: أجنني أم أنسي؟ قال: بل أنسي، أشغل نفسك بما يعنيك.
قال وباسناده، قال: حدثنا نافع بن خالد، قال: دخلنا على رابعة العدوية فذكرنا أسباب رابعة -إحدى العابدات الزاهدات المشهورات- فذكرنا أسباب الرزق فخضنا فيه وهي ساكته، هذه الولية كانت ساكته، ولما فرغنا قالت رابعة: خيبة لمن يدعي حبه ثم يتهمه في رزقه. يعني مفكر في هذا بيجيب مال وهذا ما بيجيب مال وكذا.
وقال أبو حاتم: قد ذكرنا هذا في كتاب التوكل فارجع إليه.
الباب الثامن على ما على المرء من تلقي القضاء بلزوم المحبة والرضا. من أن العاقل عليه أن يرضى بقضاء الله وقدره محبة ورضاء.
قال صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق القلم فقال له: اكتب»، ثم آمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فكل شيء فرغ منه، حتى الدعاء فانه بقدر، حتى الدعاء والرقية وغيرها من الاسباب التي نتعاطاها فإنها من القدر.
قال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يعلم أن الأشياء كلها قد فرغ منها، فمنها ما هو كائن لا محالة يكون، وما لا يكون فلا حيلة في تكوينه للخلق. فإن دفعه الوقت إلى حالة شدة يجب أن يتزر بإزار له طرفان: أحدهما الصبر، والآخر الرضا ليستوفي كمال الذخر بفعله ذلك.
قال: فكم من شدة صعبت وتعذر زوالها على العالم بأسره، ثم فرج عنها المسهل في أقل من، فرج عنها ربنا عز وجل في أقل من، نسال الله أن يفرج هموم جميع المسلمين يا أرحم الراحمين.
قال وباسناده عن أبي إسحاق عن أبي الحجاج الأسدي، قال: سالنا سلمان: ما الإيمان بالقدر؟ قال: إذا علم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطاه لم يكن ليصيبه. أظن سلمان الفارسي إذا لم أخطئ في ذلك.
قال وباسناده، قال: حدثنا محمد بن كثير عن معمر، قال: لما حاصر الحجاج ابن الزبير بمكة، جعلت الحجارة تضرب الحائط، صارت تضرب حائط الكعبة، الحجارة كان يخذ فيها الحجاج بالمنجنيق وتقع الحجارة على حائط المسجد الحرام وحائط الكعبة. فقيل لابن الزبير: إنا لا تأمن عليك يا ابن الزبير أن يصيبك منها حجر. فقال ابن الزبير: خير، هون عليك فإن الأمور بكف الإاله مقاديرها، فليس بايك منه ولا يتاخر عنك ولا يتاخر عنك مأمورها، وإن كنت يعني اعتقد أنه في كسر في البيت أو شيء من ذلك.
قال باسناده، قال: حدثنا سفيان عن مسعر، أن رجلاً ركب البحر فكسر به، وقعت السفينة. قال: فوقع في جزيرة من جزائر البحر فمكث فيها ثلاثة لا يرى أحداً ولا يأكل طعاما ولا يشرب ماء، فأيس من الحياة فتمثل: إذا شاب الغراب أتيت أهلي، وصار القار كاللّبن الحليب. قالت أنه يعني عمرها ما رح تصير. قال: إذا شاب الغراب أتيت أهلي، هل الغراب يشيب؟ لا، فانه يعني قصده أن راحت عليه. وذلك وكذلك الزفت، القار ما هو الزفت، قال: وإذا صار الزفت كاللبن لونه أبيض، إن شاء الله برجع لأهلي. وهذا دلالة أنه آيس آيسا تاما من أن يرجع، رجع إلى أهله فأجابه مجيب فقال: عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب. قال: فنظر فإذا سفينة في البحر فلوح لهم من بعيد، فاتوه فحملوه وأصاب معهم خيراً وجاهل سالم.
قال وباسناده، قال: حدثنا الحماني، قال: لما حدث حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، لما نعم القصة تبدأ من لما حدث شريك.
قال بحديث الأعمش عن سالم عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فاذا خالفوكم فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زرّاعين أشقياء».
يعني هذا الحديث طبعا ضعفه كثير من أهل العلم. استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، يعني ما استقاموا على الشريعة، استقيموا لحكمهم فاستقاموا على الشريعة، فإن خالفوكم خالفوا الشريعة فقاتلوهم، فإن لم تستطيعوا مقاتلتهم فكونوا زرّاعين واشتغلوا بكد أيديكم وجيبوا لحالكم وما تعتمدوا عليهم، يعني اتركوهم في حال لم تستطيعوا المواجهة.
هذا الحديث متى تحدث به شريك؟ في خلافة المهدي. والمهدي العباسي من قريش، قال: فسعي به إلى المهدي -المهدي الخليفة العباسي- قيل له: ترى شريك بحدث بحديث استقيموا لقريش ما استقامت لكم. فقال: جيبوا لي إياه، جيبوا لي شريك اللي بحدث بهذا الحديث، لأنه هو كان يخشى خلفاء بني العباس أن مثل هذه الأحاديث تثور الناس عليهم. فقال: ابعثوا لي بشريك، فأتاه فقال: يا شريك حدثت بهذا الحديث استقيموا لقريش ما استقاموا لكم؟ قال شريك: نعم. قال: عمن رويت؟ عمن سمعت هذا؟ قال: عن الأعمش. قال: ويل له! يعني ويل من الأعمش! يقول المهدي: لو عرفت مكان قبره لأخرجته فأحرقته بالنار.
طبعا أنتم بتعرفوا هذول الجبابرة يعني كان ماشي فيهم إحسان وخير بس فيهم دم، حكام العباس ما كانوا سهلين.
فقلت: إن كان لمأموناً على ما روى. يعني يا مهدي ترى الأعمش هذا أحد من أخرج له السبعة، يعني مش مثله يتكلم فيه، هو يعرف ما يروي الأعمش.
فقال المهدي: يا زنديق لاقتلنك. لحكي له شريك: قلت الزنديق من يشرب الخمر ويسفك.
الدم شريك نفسه قوي الله يرضى عليه، فقال له المهدي: والله لاقتلنك. قلت: أو يكفي الله؟ تحلف يعني! قال: يا ربنا يكfيني شرك، ممكن ما تستطيع تقتلني. قال له: ماشي وأورجيك يعني، قال شريف: فخرجنا من عنده، فاستقبلني الفضل بن الربيع وهو وزيره فقال: يا شريك، ليس لك موضع تهرب إليه، خلاص سيقتلك المهدي. قلت: بلى. قال: فإنه قد أمر بقتلك، وين بدك تهرب؟ قال: فخرجت إلى حبل -أي اسم منطقة الله أعلم بها في العراق- قال: فخرجت يوماً اتحسس الخبر يعني طلعت يوم اتحسس الخبر، يعني أشوف شو الأخبار، يعني المهدي موجود مش موجود، ماذا سيفعل بي المهدي؟
قال: فأقبل ملاح من بغداد، فاستقبله ملاح آخر في البصرة فسأله: في أخبار في بغداد؟ قال: مات أمير المؤمنين المهدي. فقلت له: يا ملاح، قرب قرب، يعني إيش قرب لي سفينتك أو دهرك أو كأنه في نهر دجلة أو شيء يعني، فقرب فركبت ورجعت لبغداد، يقول شريف يعني بده يقول لك في النهاية: من توكل على الله كفاه الله الجبابرة والظالمين، فالمهدي حالف: الله لاقتلنك، ولم يقتل، نعم.
قال بإسناده عن علي بن عثام قال: رُؤي إراهيم بن أدهم متنفط الرجلين، رافعهما على ميل، متنفط، بتعرفوا يا إخواني لما الواحد يشتغل بفاس فترة مش بتصير في فق هيك فقاقيع هنا بلالين على هذا، معنى التنفط يعني يكون في هيك زي حبات أو مياه تجمعت في قدمي، فرفع رجله، بتعرفوا واحد بيقول لك في التنفط بيرفع رجله إذا كانت في الأقدام حتى يعني تنزل السوائل، وهو يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]، يعني في النهاية اشتغل، نعم.
قال وبإسناده عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، من أين أتي هذا الخلق؟ قال: من قلة الرضا. طبعا هو رضا، يعني هو لما كان متنفط يعني اتبع إخواني واحد تنفط رجليه ما بيقدر يمشي، لا، ما بتقدر تمشي أصلاً إذا كانت من القاعة تحت ما بتقدر تمشي، فهو يصبر نفسه، يعني راضي بقضاء الله وقدره ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، نعم.
قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، من أين أوتي هذا الخلق؟ قال: من قلة الرضا عن الله تعالى. قلت: ومن أين أوتوا قلة الرضا عن الله؟ قال: من قلة المعرفة بالله. من أين أتي هذا الخلق؟ طبعا هو يتكلم عن أي خلق؟ في يعني هو إذا في نص سابق بده يكون أو بيتكلم عن أناس يعني لا يصبرون على قضاء الله وقدره، نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: يجب على العاقل إذا كان مبتدئاً أن يلزم عند ورود الشدة عليه سلوك الصبر، فاذا تمكن منه حينئذ يرتقي من درجة الصبر إلى درجة الرضا، نعم، الصبر واجب، أما الرضا فهو مستحب، مش هكذا يقول علماء السلوك؟ فأنت في البداية يقول لك: إذا كنت مبتدئاً يعني في الإيمانيات، لساتك طالب علم مبتدئ في الإيمانيات، الزم نفسك الصبر شوي شوي، تنتقل إلى درجة الرضا، فإن لم يلصق صبراً فللزم التصبر؛ فإنه أول مراتب الرضا، ولو كان الصبر رجل لكان رجلا كريماً، يعني الصبر شيء نفيس، إذ هو بذر الخير وأساس الطاعات، ومر معنا في الأربعين النووية: وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر، هذا أوسع عطاء يمكن أن يعطيك الله إياه هو أن يرزقك هذا الخلق؛ لأن الصبر مفتاح النجاح في كل الأمور الدينية والدنيوية.
رياض الصالحين، نعم مر معنا في رياض، حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت رجلاً من أهل الكتاب أسلم قال: أوحى الله إلى داود: يا داود اصبر على المؤونة حتى تاتيك من اصبر حتى يفرج الله عليه. قال أبو حاتم: الواجب على المرء أن يلبس إزار الصبر عند محنة يدفع إليها إلى أن تزول عنه، لأنه يجد طعم ثمرته عند ورود عاقبته.
نعم، تجد يعني عاقبة الصبر حميدة عندما يأتي الفرج، ولعمري أن هذه مرتبة عالية فاضلة وحالة سنية كاملة، وأكمل من هذه وأجل منها وأفضل منها وأنبلها صبر المرء عند محنته على عشرة من هو دونه إلى أن يفرج الله تلك الغُمَّة، كان الحبان يعني يشير إلى شيء هنا يقول: أعلى أنواع الصبر أو وأكمل من هذا أن تصبر في محنتك، أن الله يبتليك بمعاشرة شخص لابد أن تعاشره إلى أن يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً منه، قال صبر المرء عند محنته، أحياناً تمتحن في سجن ويكون معك في السجن واحد خلقه ضيق، هذه من أعظم المحنة، يصير السجن سجينين تمام. عند محنته على عشرة من هو دونه، على من هو دونه يعني عقله صغير وسئم متعب، إلى أن يفرج الله عز وجل تلك الغمة عليك.
قال وبإسناده عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: لما أمر موسى بخدمة يوشع بن نون طاب نفساً بالموت وقال: يا رب، مئة موته أهون من ذل ساعة. يعني هذا إن صحت القصة يعني هل فعلاً موسى أمر بخدمة يوشع مع أنه يوشع هو خادمه يعني؟ هل أمر الله موسى أن يخدم يوشع؟ فقال موسى: يا رب، مئة موته ولا ذل ساعة في خدمة يوشع بن نون تمام، لكن أعود فأقول هذه من الإسرائيليات التي يعني يستثنى ذكرها، الله أعلم.
طيب، قال وبإسناده يقول: سمعت مُضر أبا سعيد يقول: قال عبد الواحد بن زيد: ما أحسب أن شيئاً من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أشرف ولا أرفع من الرضا، وهو رأس المحبة. قال أبو حاتم رضي الله عنه: الصبر جماع الأمر، ونظام الحزم، ودعامة العقل، وبذر الخير، وحيلة من لا حيلة له، وأول درجته الاهتمام ثم التيقظ.
الاهتمام يعني أن تهتم بتحصيله، يعني كان الصبر درجات، أولها أن تهتم به، ثم التيقظ أن تنتبه لأمره، ثم التثبت، التثبت المراد أنك تثبت نفسك عليه، قال: ثم التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا وهو النهاية في الحالات. يعني كان الصبر بيمر في هذه القاطرة: الاهتمام به، ثم التيقظ له يعني أن تتفطن لأهميته، ثم التثبت بلشت تثبت نفسك عليه، ثم التصبر وكان التصبر أعلى من التثبت، ثم الصبر، ثم الرضا.
طيب، عن ميمون بن مهران، نعم: ما نال عبد شيئاً من جسيم الخير من نبي أو غيره إلا بالصبر، نعم، فالصبر مفتاح الخير كله.
طيب، قال وبإسناده قال: حدثنا حماد بن زيد قال: قال أيوب: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكن. هذه مرت معنا قبل قليل لكن وردت عن أيوب عن مين؟ عن ابن سيرين نعم.
طيب، أما هنا فرواها عن أيوب بن أبي تميمة مباشرة: إذا لم يكن ما تريد خلاص فأرد ما قدره الله. قال حاتم: الصبر على ضروب، الصبر على ضروب ثلاثة: فالصبر عن المعاصي، والصبر على الطاعات، والصبر عند الشدائد والمصائب، وأفضلها الصبر عن المعاصي، قال: فالعاقل يدبر أحواله بتثبت عند الأشياء الثلاثة. قضية أنه أفضل الصبر عن المعاصي هذا في نقاش بين أهل العلم، (بعض يقول الصبر على الطاعة أفضل)، هذه مش مسألة محسومة، يعني قضية أيها أفضل، وقد نقول يعني أحياناً قد تكون متساوية، هذا مثل هذا، وهذا يعود إلى أنه هل جنس المأمورات أعلى من جنس المنهيات أو العكس؟ فالعاقل يدبر أحواله بالتثبت، ثبت حالك عند الأشياء الثلاثة التي ذكرناها، عند الطاعة والمعصية والبلاء، بلزوم الصبر على المراتب التي وصفناها قبل، حتى يرتقي بها إلى درجة الرضا عن الله في حال اليسر واليسر معاً، نسال الله الوصول إلى تلك الدرجة، آمين.
نعم، قال وبإسناده عن معاذة امرأة صلة بن أُشيم قال: لما أتاها نعي زوجها وابنها جاءها النساء، فقالت: إن كنتن جئتن لتهنئنا فأهتلن بما أكرمنا الله به من البلاء وإلا فارجعن. شوف الصبر عند هذه المرأة!
نعم، قال ثابت: وكان صلة يوماً يأكل، إذ أتاه رجل فقال: مات أخوك. قال: هيهات، قد نعي إليّ. قال: نعي إليّ؟ تعال اقعد كل معي، اجلس فكل. قال الرجل: ما سبقني إليك أحد. قال: وكيف يعني أنت عرفت أنه أخوك مات يعني أنا أول واحد جاي أخبّرك أنه أخوك مات؟ فقال: الله نعاه لي، لما قال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. هذا يعطيك، طبعا أنت مش مطلوب منك توصل له الدرجة، سامحني يعني مش مطلوب منك تكون في هَذه الدرجة من هدوء الأعصاب في مثل هذه الأحوال، لكن هو يعطيك نماذج يعني بس المراد أن تاخذ نماذج كيف أن الإنسان لا يجزع، هي هذه الفكرة بس بغض النظر هل هذا مطلوب؟ النبي عليه الصلاة والسلام لما راى الطفل ونفسه تقاقع فاضت عيناه وقال: «هذه رحمة». ليس المطلوب أحياناً أن تكون جليداً لا تهتم، يلا أخوك مات، يلا مش مشكلة يا شباب خلينا نقعد نحكي مع بعض، شو أخباركم؟ يا اخي أخوك مات يا... يعني برجع بعض الناس يفهم هَذه القصص خطأ، بقول: معقول السلف ما كان عندهم مشاعر، ما كان عندهم أحاسيس؟ تمام ولذلك حتى بعض القصص يعني ينظر في إسنادها، ينظر في أحياناً البعض قد يكون المقصد أنه تربوي فقط يعني يقول له: إنه هيّني متجلد، وليس أنه لم يحزن في داخله، فتفهم في سياقها.
طيب، قال باسناده قال حدثنا ابن عائشة قال كتب بعض الحكماء إلى خزيمة على ابن الله يقال له محمد، هذا لا هي قصة طويلة يعني أو أشعار، المهم يقول: كان لنا، سمعت إسحاق بن أحمد القطان البغدادي بتنيس يقول: كان لنا جار ببغداد كنا نسميه طبيب القراء، كان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم، فقال لي: دخلت يوماً على أحمد بن حنبل فإذا هو مغموم مكروب، فقلت: مالك يا أبا عبد الله؟ قال: خير. قلت: ومع الخير؟ قال: امتحنت بتلك المحنة حتى ضربت ثم عالجوني.
ومع الخير يعني أعطيني ماشي خير، خير بس إيش مهموم؟ إيش اللي عندك؟ فقال له: نعم، امتحنت بتلك المحنة حتى ضربت ثم عالجوني وبرأت، إلا أنه بقي في صلبي موضع يوجعني هو أشد علي من ذلك الضرب. قال: أنا بتعرف حنت في فتنه خلق القرآن وجلدت، وبعد أن انتهت الفتنة تم معالجة ظهري، لكن بقي موضع في ظهري في الأسفل يؤلمني وألمه أشد علي من ألم السياط، كان سبب غمي. قلت: كشف لي عن صلبك، خليني أشوف إيش في ظهرك.
طيب، قال: فكشف لي فلم أرَ فيه إلا أثر الضرب فقط. فلما كشف أحمد: لم أرَ فيه إلا علامات الضرب فقط، ما في شيء يعني واضح بين. فقلت: ليس لي بهذا معرفة، ولكن ساستخبر عن هذا. هو طبيب إيش قلنا؟ هو طبيب القراء هذا الرجل، مش هيك أقبوه؟ فكان هو زي الطبيب بس يعني كان يتعهد الصالحين، يتفقد أحوالهم الصحية. قال: أنا والله هذا الموضوع ما بعرف فيه بس رح أسأل لك عنه.
طيب، فقال: فخرجت من عنده حتى أتيت صاحب الحبس، رحت على السجن، راح زار السجن. طيب، وكان بيني وبينه فضل معرفة، كان بيني وبين السجان مسؤول السجن معرفة، نعم. فقلت له: أدخل الحبس في حاجة؟ قال: أدخل. فدخلت وجمعت فتيانهم، جماعة الشباب المسجونين، طبعا شباب مسجونين على قضايا مخدرات وأشياء زي هيك وقضايا عامة يعني، وكان معي دراهم ففرقتها عليهم، خذ يا شباب تعالوا مسجوني خلينا نقعد نحن وياكم، وكان معه دراهم قال: فأعطيتها لهؤلاء الشباب المحبوسين.
طيب، قال: وجعلت أحدثهم حتى... ليش أعطاها إياه؟ عشان يالف قلوبهم، بده يسمع منهم أشياء متعلقة بالجلد. قال: قال حتى أنسوا بي، ثم قلت: من منكم ضرب أكثر؟ قال، قال: مين منكم ضرب أكثر؟ مين أكثر واحد فيكم أكل سياط؟ فأخذوا يتفاخرون، قلت لك الشباب يعني زعران بالمعنى هذا، فأخذوا يتفاخرون، قال له: أنا يا أستاذ ضربت أكثر، ضربوني سياط أكثر من غيره، حتى اتفقوا على واحد منهم أنه أكثرهم ضرباً، اتفقوا: أه والله فلان هو أكثر واحد أكل كتل وأشدهم صبراً.
فقلت له: نعم، أسألك عن شيء؟ فقال: هات. فقلت: شيخ ضعيف ليس صناعته كصناعتكم، يعني ملفه مش ملفكم يعني، في شيخ ضعيف بغض النظر إيش اسمه، هو جلد بس مش على مواضيعكم يعني ليس صناعته كصناعتكم، نعم، ضرب على الجوع وكان جائعاً، وضرب على الجوع للقتل، ضرب ضرباً يراد به قتله سياطاً يسيرة إلا أنه لم يمت، ما قدر أنه يموت وعالجوه وبرئ، إلا أن هناك موضعاً في صلبه يوجعه وجعاً ليس عليه صبر، تعبان منه هذا الشيخ.
فقال هذا الشاب الغلام ضحك. فقلت: مالك؟ قال: الذي عالجه كان حائكاً. قال: هذا اللي عالجه ما بيعرف يعالج، هذا اللي عالجه مش طبيب، حائك خياط هو يعني، إيش بيقول لك؟ تعرف يقول لك: والله اللي صلح هاي السيارة، موسرجي آه، مش ميكانيكي.
قال: الذي عالجه كان حائكاً، واطمئن مش شغلته العلاج. فقلت له: إيش الخبر؟ يعني شو رايك أنت؟ قال: ترك... هو طبعا هو لماذا يسأل هؤلاء؟ إنه هؤلاء الزعران شباب خبرات، يكون دخل السجن وطلع، دخل السجن وطلع، فأكل كتل ومرت عليه مثل هاي الأحوال، فهو عارف شو بتكون المشكلة الصحية لأنه تم المعالجة مسبقاً منها، فقال: هذا الرجل ترك في صلبه قطعه لحم ميتة لم يقطعها، أكيد في تحت الجلد قطعه لحم ميتة بجوز عامله التهاب ولا شيء، لم يتم قطعها. فقلت له: فما الحيلة؟ فقال الشاب: يبط صلبه، افتحوا له ظهره.
وتؤخذ تلك القطعة ويرمى بها وتنتهي الأمور، وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته. هذا التهاب يعني ممكن يكون يصل يقتلك. قال: أيوه.
قال: فخرجت من الحبس، فدخلت على أحمد بن حنبل فوجدته على حالته، فقصصت عليه القصة. قال: ومن يبطه؟ فاحمد بن حنبل سمع الموضوع فين؟ فقال أحمد لهذا الطبيب: من يبطني؟ مين بده يفتح ظهري؟ فقال له أنا. قال: أنت هو طبيب القراء؟ قال: أنا أبطك. قال: وتفعل؟ قلت: نعم.
قال: فقام فدخل البيت ثم خرج وبيده مخدتان وعلى كتفه فوطة، فوضع إحداهما لي والأخرى له. فدخل أحمد جاب مخدتين من جوا البيت رحمه الله عليه، أعطاني مخدة وهو استلقى على مخدة ووضع فوطة على ظهره حتى تبدأ العملية الجراحية. نعم.
قال: ثم قعد عليها وقال: استخر الله. فكشف، شفت الفوطة عن صلبه، وقلت: أرني موضع الوجع. فقال: ضع ضع إصبعك عليه فاني أخبرك به. قال: الآن هو الوجع مش مبين مش هو أول مرة لما كشف قال: حرك إصبعك على ظهري بس تسمع أخ يعني بتعرف أنه يعني أقول لك أنه هذا الوجع. قال: ضع إصبعك عليه فاني أخبرك به.
فوضعت إصبعي وقلت: ها هنا موضع الوجاع؟ ها هنا. قال: ها هنا أحمد الله على العافية. يعني أحمد بيقول: آه هون الوجع، الحمد لله على كل حال. نعم، فقلت: ها هنا؟ قال: ها هنا أحمد الله على العافية. فقلت: ها هنا؟ قال: ها هنا أسأل الله العافية. يعني كأنه حصر مكان الوجع، كأنه عم بيحصر مكان الوجع ليعرف مساحة اللحم قطعة اللحم.
قلت: فعلمت أنه موضع الوجع. قال: فوضعت المبضع عليه. فلما المبضع اللي هو المقص أو المشرط يعني فتح ظهر أحمد. نعم.
قال: فلما أحس بحرارة المبضع، وضع يده على رأسه وجعل يلم يعني وضع يده على واحد عم يفتح ظهرك. نعم. قال: وجعل يقول: اللهم اغفر للمعتصم. مين المعتصم؟ اللي جلده الخليفة. طب مات كان هو. قال: اللهم اغفر للمعتصم. طيب أنت متوقع في هي الحالة طب واحد ثاني يعني على المعتصم على جد المعتصم على ابن المعتصم.
تمام هو لا، أحمد بن حنبل هذا في النهاية أحد العلماء الكبار. قال: اللهم اغفر للمعتصم. ولاحظنا المعتصم معتزلة يقول بخلق القرآن، ومع ذلك لم يكفروا أحمد بعينه، وبقي يدعو له بأيش؟ بالمغفره. تمام.
لاحظ هذا الملحظ العقدي، أنه أحمد هل كفره بعينه؟ لا، لأنه كان يعتقد أن الرجل هذا مقدار فهمه للدين، ولم تقم عليه الحجه مع أن أحمد جادل أمامه، لكن خلص يعني هو أحمد يعتقد أن هذا الرجل م يعني في ناس كانت بتقنعه بهذه الفكرة، فهو لم يكفره بعينه، وهذا ملحظ لمن يكفر العلماء والدعاء والمصلحين من السلف على أقوال اعتقدوها. عرفت؟ ويظن أنه في القرن الع بد يقيم الحجة على العلماء الذين كانوا في القرن الثالث والرابع الهجري.
المهم قال: حتى بطته، يعني استطاع أن يزيل اللحمة فأخذت القطعة الميتة ورميت بها ثم شددت العصابة عليه، وهو لا يزيد على قوله: اللهم اغفر للمعتصم. قال: ثم هدأ أحمد وسكن، ثم قال لي: كأني كنت معلقاً، فأحصرته. يعني كأنه أنا يعني جزاك الله خير، كأنه كنت معلق من شدة الألم، فالآن نزلت دلالة أنه بحمد الله برئ.
قلت: يا أبا عبد الله إن الناس إذا امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم. لنعرف الواحد رح تشتم المعتصم، أنا هيك كنت متوقع، ورايتك تدعو له. قال: إني أفكرت فيما تقول. والله أنا فكرت في كلامك يا أيها الطبيب، وهذا الرجل المعتصم في النهاية هو من العباسيين، والعباسيون أولاد ابن أولاد عم النبي صلى الله عليه وسلم، ولاد عمهم بيقولوا. قال: فكرهت أن ألقى النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة، وهو مني في حل. أنا مسامح المعتصم. شوف الأخلاق والققيم، طبعا بغض النظر عن يعني مثلاً قصص يعني تروى في كتب الآداب والأخلاق والقيم وما شابه ذلك، لكن أحياناً تحتاج نبحث في صحة السند. نعم.
قال الباب التاسع والعشرون: الحث على لزوم العفو عن الإخوان والصفح عما يكون من زلل الخلان. قال بإسناده عن أبي هريرة قال: أتى رجل فقال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، ويسيئون إلي وأحسن إليهم، ويجلون علي وأحلم عنهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لإن كنت كما فكأنما تسفهم المل». تسفهم أي تذر في وجوههم أو تلقي في وجيههم المل. والمل هو الرماد، رماد الحار. تمام. يعني كيف بقول لك أنت ترمي في وجهه هذا الشيء، أنت لما تصله وهو يقطعك كأنك بتحرجه. صحيح، قال لك إن كنت كما تقول، إذا كان الموضوع فعلا فكانما تسفهم المل أي تلقمهم أو ترمي عليهم الرماد الحار، ولا يزال من الله معك ظهير أي ناصر، ما زلت على ذلك. نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: الواجب على العاقل توطين النفس على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج بمجازاة الإساءة، إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الاحسان. إذا أحد أساء إليك، أفضل شيء أن تجازي إساءته بالإحسان: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [فصلت: 34]. ولا سيما لنماء الإساءة وتهيجها أشد من استعمال مثله. نعم.
قال بإسناده عن الحسن في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]. قال: ينادي مناد يوم القيامة: ايش يعني ولا سبب لنماء الإساءة أشد من استعمال مثله؟ أنه إذا أنت قابلت الإساءة بالإساءة بتهيج أكثر وأكثر وما بينتهي الموضوع، فأنت دائماً اختصر. عن الحسن في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾. نعم.
قال: ينادي مناد يوم القيامة: من كان له على الله أجر فليقم، فيقوم من عفى في الدنيا. نعم. إنه قال: على الله مش هيك في الآية؟ فيقول المفسرون: ينادي منادي يوم القيامة: من الذي أجره على الله؟ فيأتي من صدقت عليه هذه الآية: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾، خلص هذا أجره على الله سبحانه وتعالى.
قال بإسناده عن يونس بن ميسرة بن حلبس قال: ثلاثة يحبهم، من كره سوءاً يأتيه إلى أخيه وصاحبه فذلك قمن أن يستحيي الله منه. ومن كان قمن يعني جدير، نعم، أن يستحي الله منه عندك آه نعم في نسخة أن يستحي من الله، ولكن يعني ممكن نقول أن يستحي الله. ومن كان ذا رفعة من الناس فتواضع لله، فذلك الذي عرف عظمة الله فيخاف مقت. ومن كان عفوه قريبا من إساءته فذلك الذي تقوم به الدنيا.
إيش يعني من كان عفوه قريباً من إساءته وذلك الذي تقوم به الدنيا؟ أحسنت، يعني الذي يعفو بعد الإساءة إليه سريعا فذلك الذي يعني تنعدل به أحوال الدنيا. ومن كان عفوه قريباً من إساءته، فذلك هسه إساءته هل معناتها الإساءة له، فيكون المعنى فمن كان عفوه قريباً من الإساءة التي وجهت إليه فيعفو قريباً عمن أساء إليه، فهذا الذي تقوم به الدنيا يعني تصلح به الدنيا، يعني هذا الإنسان الذي تصلح به الحياة، الإنسان الذي بعض الناس لا يعفو عمن أساء إليه إلا بعد سنين، لا تصلح الحياة بهذا، ولكن الذي يعفو قريباً ويغض الطرف ويتجاهل عن إخوانه فهذا الذي تصلح به الحياة.
قال أبو حاتم: من أراد الثواب الجزيل، واستهان الود الأصيل، وتوقع الذكر الجميل، فليتحمل من ورود ثقل الردى، ويتجرع مرارة مخالفة الهوى باستعمال السنة التي ذكرناها في الصلة عند القطع، والاعطاء عند المنع، والحلم عند الجهل، والعفو عند الظلم؛ لأنه من أفضل أخلاق أهل الدين والدنيا. نعم، يعني عليك أن تخالف هواك. عليك أن تخالف هواك في موضوع العلاقات، فإذا أساء لك شخص تصله، وإذا قطعك تعـطيه، إذا منعك وتحلم عليه، إذا جهل عليه ومعناها والحلم عند الجهل الجهل، ومعناها الشتم والسب هذا معنى الجهل في هذه الأماكن، والعفو عند الظلم لأن من أفضل أخلاق الدين.
وقال أيوب السختياني نعم: لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عنهم. وقال بإسناده عن رجل قال: سمعت عمر بن عبدالعزيز يقول: أحب الأمور إلى الله تعالى ثلاثة: العفو في القدرة، والقصد في الجدة، والرفق في العبادة. القصد في الجدة، في الجدة يعني في الهمة، لما تكون عندك همة تكون معتدل ما تبالغ. والرفق في العبادة، وما رفق أحد باحد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة.
وكتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي: أنك أعز ما تكون أحوج ما تكون إلى الله، فإذا تعززت بالله فاعفو، فإنك به تعز واليه ترجع. معقول هذا كلام الحجاج؟ تمام. كتب في حد عنده نسخه أخرى يا جماعه؟ كتب الحجاج إلى عبد الملك، الا أن يكون حجاج آخر، وليس الحجاج بنسف الثقفي يعني. أنك مثلا كان عبد الملك بده يعاقبه. والله تعزز الله فاعفو هذا الحجص. نعم، الحجاج بن يوسف.
لا مكتوب بس مكتوب الحجاج، أنه أحياناً قد يكون بعضهم الحجاج بن أرطاة أو شيء من ذلك من علماء الحديث أو شيء نعم. يكون في قلب من عبد الملك للحجاج أصلاً. إيش هو؟ قد يكون في قلب في أصلاً من عبد الملك للحجاج. يعني عبد الملك قالب على الحجاج، فالحجاج ممكن يعني لكن أصاح شوي. نعم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: فالواجب على العاقل لزوم الصفح عند ورود الإساءة عليه من العالم بأسرهم، رجاء عفو الله جل وعلا عن جناياته التي ارتكبها في سلف أيامه؛ لأن صاحب الصفح إنما يتكلف الصفح باثار الجزاء، وصاحب العقاب وإن انتقم كان إلى الندم أقرب. فأما من له أخ يوده، فإنه يحتمل عنه الدهر كله زلاته.
قال قال بإسناده: قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: احتمل لأخيك إلى سبعين زلة. قيل له: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: لأن الأخ الذي آخيته في الله ليس يزل سبعين زلة. فضيل بن عياض يقول: احتمل لأخيك سبعين غلط، بيغلطوا معك. قال: كيف يعني احتمل سبعين غلط؟ قال: إنه إذا كان أخ يا اخي مستحيل يغلط معك سبعين غلط، أنت حط السبعين يعني الأعلى درجة؛ لأنه إذا هو أخوك مستحيل يغلط سبعين غلطة معك في الحياة، يعني إذا بيغلط معك أكثر من سبعين، معناتها هذا مش اختتم لأخيك الذي بيغلط فوق السبعين هذا معناتها في مشكلة بينك وبينه يعني مش قادرين تتفاهموا طيب.
قال بإسناده قال: حدثنا ابن أبجره قال: حدثني أبي قال: أقبل الشعبي يوماً، فاذا هو برجلين من قومه من وراء جدار قصير. قال: فاستمع عليهما، فاذا هما يقعان فيه. فاذا هما يشتمان. الشعبي سمع اثنين من وراء السور عم يشتمانه. الشعبي سمع اثنان خلف الجدار يقعان في الشعبي ويشتمان ويستنقصانه حتى أكثر. فلما أطال والشعبي بيسمع بيسمع بيسمع، قال أشرف عليهما الشعبي من فوق السور، فقال: هنيئاً مريئاً غير داء مخامر إن شاء الله عافية ما في داء مخامر لعزة من أعرا لعزتي من يمكن أقصده لعزة نعم لعزة من أعراضنا ما استحلتي.
هنيئاً مريئاً غير داء مخامل لعزة، يعني يقول يعني هذا شعر أخذه من كلام سابق لعزة من كثير عزة يقول: لعزة من أعراضنا ما استحلت، خلص يعني خذوا من أعراضي ما شئتم. فلما رأوا كيف هو عفى عنهم هذا العفو عفو عن الزلات، قال: والله يا أبا عمر لا نقع فيك بعد، يعني فعلاً أخلاقك أعلى، نحن صارنا ساعتين نحش فيك وكذا، أنت بتقول أنا أحليت عرضي لكم.
قال بإسناده قال: الفضيل بن عياض: من طلب أخاً بلا عيب بقي بلا أخ. نعم، لماذا الإنسان يجب عليه أن يتحلى بهذا الخلق وهو العفو عن أخطاء الإخوان؟ لأنه كما قال النابغة: أي الرجال المهذب؟ ما في أخ لك إلا سيخطئ. من طلب أخاً بلا عيب، بدك أخ لا يخطئ أبدا فهذا سيبقى بلا أخ، ليه؟ لأنه لن يجد أخ بدون عيوب أبداً. طيب.
وقال أبو حاتم: أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة، وأجل الناس مرتبة من صد الجهل بالحلم، وما الفضل إلا لمن يحسن إلى من أساء إليه، فأما مجازاة الإحسان إحساناً فهو المساواة في الأخلاق، ولربما استعملها البهائم في الأوقات. ولو لم يكن قال أن تجازي الاحسان بالإحسان هذه مساواة مش تميز يعني واحد احسن اليك تحسن إليه شيء طبيعي وين الكمال؟ أنه واحد أساء لك تحسن إليه، هذا هو الفضل. أن أحسن إلى من أحسن إليه هذا شيء طبيعي، لكن أن تحسن إلى من أساء إليك، هذا الرفعة، هذا التميز. نعم.
قال: ولو لم يكن في الصفح وترك الإساءة خصلة دحمت إلا راحة النفس ووداع القلب، لكان الواجب على العاقل ألا يكدر وقته بالدخول في أخلاق البهائم بالمجازاة على الإساءة إساءة، ومن جازى بالإساءة إساءة فهو المسيء وإن لم يكن بادئاً. قال وباسناده قال: سمعت هلال بن العلاء الباهلي يقول: جعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة، فهو المسيء يعني فهو مسيء، من جازى بالإساءة إساءة ف في النهاية أنت اسمه اسمك مسيء، حتى ولو لم تكن أنت البادئ. نعم.
قال يقول: وجعلت على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة ألا أكافئ أحداً بسوء، وذهبت إلى هذه الأبيات. المهم. قال بإسناد قال: قال لقمان لابنه: يا بني، كذب من قال إن الشر يطفأ بالشر، فإن كان صادقاً فليوقد ناراً إلى جنب نار، ولينظر هل تطفئ إحداهما الأخرى، وإلا فإن الخير يطفئ الشر كما يطفئ.
الماء والنار. وقال ابن السماك: لمن يجفو؟ فقل: لمن يصفو؛ لين، يعني: كن لينا مع من يجفوك؛ لأنه قل أن يصفو أحد لك في هذه الدنيا. وقال لقمان لابنه: أي بني، أي شيء أقل؟ وأي شيء أكثر؟ وأي شيء أحلى؟ وأي شيء أبرد؟ وأي شيء آنس؟ وأي شيء أوحش؟ وأي شيء أقرب؟ وأي شيء أبعد؟ أعطى هذه الأسئلة، فقال ابنه: أما أقل شيء فاليقين، اليقين قليل في الناس، واما أكثر شيء فالشك، الناس تكثر الشك، وأما أي شيء أحلى فروح الله بين العباد يتحابون بها، الأرواح جنود مجندة، وأما أي شيء أبرد فعفو الله عن عباده، وعفو الناس بعضهم عن بعض، وهذا موطن الشاهد. وأما أي شيء آنس حبيبك إذا أغلقت عليك وعليه باب واحد.
تمام، قد تكون هذه الزوجة، وقد تكون شيئا آخر يعني. وأما أي شيء أوحش فالجسد إذا مات، فليس شيء أوحش منه، وأما أي شيء أقرب فالآخرة من الدنيا، وأما أي شيء أبعد فالدنيا من الآخرة. قال أبو حاتم: نعم، العاقل يحسن عند الجفوة، ويغضي عند المجازاه عليها بمثلها، وقد قيل: إن من لم يغضب من الجفوة لم يشكر النعمة، وهو عندي -والله أعلم- غضب لا يخرجه إلى المعاصي، ولا إلى الانتقام من الجافي، كأنه في نفسه يعلم محل الجفوة فيه كما يعقل ورود نعمة عليه. وما أقبح قدرة اللئيم! إذا، إنما لم يغضب من الجفاء ولم يشكر النعمة، إيش يعني؟ الأصل أنه إذا أخوك جفاك تزعل، تمام؟ وتظهر أن شيئا من الغضب؛ لأنه هذا يدل على أنك أنت فاهم نعمة الوصال فغضبت عند عدم وجودها، لكن اللي ما بيزعل إذا أخوه جفاه يعني معناته أصلا في مشكلة؛ لأنه أنت لما زعلت لأن أخوك جفاك معناه أنت مش مهتم أصلا بوصاله، فلذلك لم تغضب عند جفوته.
ويقول لك هنا: الغضب مطلوب، لكن ليس غضبا طبعا يخرج إلى المعاصي وتنتقم، وإنما غضب يخرج إلى العتاب والاستفسار والاهتمام، تمام. طيب، قال: ومن أساء سمعا أساء أجابة، ومن أتى المكروه إلى أحد فبنفسه بدأ؛ لأن الشر تبدو صغاراً ثم تعود كباراً. نعم، قال: وباسناده قال: سمعت إسماعيل بن عبيد الله يقول لبنيه: يا بني، أكرموا من أكرمكم وإن كان عبدا حبشيا، وأهينوا من أهانكم وإن كان رجلا قرشيا. قال أبو حاتم رضي الله عنه: هذا الذي قاله إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير، فاما من ارتفع عن حد الجهل، أو اتضع عن حد العقلاء، فالاغضاء عن مثله في الاوقات أحمد مخافه...
الان هو يعطيك وجهة نظر ثانية، أن إسماعيل بن عبيد الله نصح أبناءه: إيش، أهينوا من أهانكم؟ طب هذا خلاف اللي نحن أصلناه في الفصل، اللي نحن أصلناه أنه الإنسان يتغاضى، فيقول ابن حبان: هذا الذي نصح به إسماعيل بن عبيد الله أولاده، إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير، أما من ارتفع عن حد الجهال، أو نزل قليلا عن حد العقلاء، فالاغضاء عن مثله في الأوقات أحمد مخافة... إيش؟ الازدياد منه؛ لأن تصبر المرء على حرارة الجفاء ومرارتها أولى من الانتقام بما يستجلب عليه ما هو أحر منه وأمر مما مضى؛ لأن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من الإبر، وأمر من الصبر.
طيب، بس هنا يعني قال: إن استعمله العاقل في الأحوال كلها مع الجاهل فلا ضير، فاما من ارتفع حد العقلاء فالاغضاء عن مثله في الأوقات أحمد مخافه الازدياد منه. نعم، يقصد في مرتبة متوسطة ما بين الجاهل والعاقل. طيب، فمن ارتفع عن حد الجهال، أو اتضع حد العقلاء، طيب، يعني هذه المرتبة المتوسطة لا تعاديه، طيب، بس هو ايش يقول بعدها: مخافة الازدياد منه؛ لأن تصبر المرء عن حرارة الجفاء ومرارتها أولى من الانتقام مما يستجلب عليه ما هو أحر؛ يعني كأن هذا المتوسط إذا أنت عاديته أهنته بيعرف كيف يرد لك الصاع صاعين ممكن، بخلاف الجاهل الاحمق المغفل فهذا إذا أنت خلص بيسكت وبيروح. هو إيش يريد أن يقول؟ يريد أن يقول: أهنه من يهينك إذا كان جاهل أحمق ما بيعرف يدين نفسه؛ لأنه هذا إذا أهانك فانت هششته يعني كششته وطردته وأهنته خلص ما بيعرف هو جاهل فما بيرجع وبيترك. تمام، ولذلك أظن هي مرت معنا أساس الدرس الماضي قضية أنه في هناك أناس إذا شددت عليه قال مرت معنا أظن إذا أحمق إذا شددت عليه خلص يعني يحترمك مشكون بيحترمك، فهذا الجاهل بقول لك: تعال إذا أهانك أهن حتى يحترمك، أما الإنسان المتوسط في العقل لا يعرف من وين تقتل الأمور ممكن إذا أنت قابلت إهانته بإهانة يرجع يحتال ليهينه مرة أخرى، فتبقى معه في كمد وفي حلقة مفرغة لا تنتهي الأمور بينكم، فمثل هذا الإغضاء عنه أفضل، هذا الذي قصده والله أعلم.
وعن ابن عمر في هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو من أخلاق الناس؛ يعني خذ من أخلاق الناس ما عفا لك، إيش يعني ما عفا لك؟ يعني لا تطالب الناس بالمثاليات وبالأخلاق الكاملة، أرضى من الناس اللي بتقدموه، يعني أرضى منهم ولا تطالبهم بالادبيات الكاملة؛ فلان ليش ما عملت معي هيك، فلان ليش ما تصرفت معي، إذا بدك تتبع الناس ليش ما قاموا بمحاسن الأخلاق في كل موقف رح تتعب. الباب الثامن، ما يعرف به وصف الكريم ويميز بينه وبين نعت اللئيم.
نعم، قال بإسناده عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله، أي الناس أكرم؟ قال: «أكرمهم عند الله أتقاهم». أتقاهم؟ قال: ليس عن هذا نسالك. قال: فعن معادن العرب تسالونني؟ قالوا: نعم. قال: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا». قال أبو حاتم رضي الله عنه: أكرم الناس من اتقى الله، والكريم التقي، والتقوى هي العزم على إيثار المأمورات والانزجار عن جميع المحظورات، فمن صحح عزمه على هاتين الخصلتين فهو التقي الذي يستحق اسم الكرم، ومن تعرى عن استعمالهما أو إيهما أو شعبة من شعبها فقد نقص من كرمه بقدر ما نقص من التقوى.
قال زيد بن ثابت: ثلاث خصال لا تجتمع إلا في كريم: حسن المحضر، واحتمال الزلة، وقله الملالة، لا يمل إخوانه بسؤالهم والطلب منهم. قال أبو حاتم: الكريم ولا يكون حقودا، ولا حسودا، ولا شامتا، ولا باغيا، ولا ساهيا، ولا لاهيا، ولا فاجرا، ولا فخورا، ولا كاذبا، ولا ملولا، ولا يقطع ألفة، ولا يؤذي إخوانه، ولا يضيع الحفاظ. إيش ولا يضيع الحفاظ؟ يعني يتحفظ في كلامه في أفعاله، لا يتكلم بأي شيء يأتي على باله، يتحفظ، ولا يجفو في الوداد، يعطي من لا يرجو، ويؤمن من لا يخاف، ويعفو عن قدرة، ويصل عن قطيعة؛ يعني يعطي من لا يرجو عطاه.
قال وبإسناده عن إبراهيم بن شكلة قال: إن لكل شيء حياة وموتا، وإن مما يحييني الكرم ومواصلة الكرماء، وإن مما يميتني اللؤم ومعاشرة... نعم. قال أبو حاتم: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف، والكريم يجل الكرام ولا يهين اللئام، ولا يؤذي العاقل، ولا يمازح الأحمق، ولا يعاشر الفاجر، مؤثرا إخوانه على نفسه، باذلا لهم ما ملك، إذا اطلع على رغبة من أخ لم يدع مكافاتها، واذا عرف منه موده لم ينظر... إذا اطلع على رغبة من أخ إذا شاف أخوه طمعان في شيء منه يعطيه، نعم. واذا عرف منه موده، نعم، لم ينظر في قلق العداوة، واذا أعطاه من نفسه الإخاء لم يقطعه بشيء من الأشياء.
نعم، وذكر قصيدة بعد ذلك: رأيت سحبان بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز يتسايران يتماشيان في أرض الروم، فأبال أحدهما دابته؛ يعني أحدهما أراد أن يبيل دابته، دابته تريد أن تبول، قال: فامسك عليه الآخر حتى لحقه، إيش يعني؟ الواقف يستنى حتى بقي واقفا بعيدا حتى تبول الدابة، شوف كيف الكرام يعني بيتصرفوا مع بعضهم البعض، مش شو يبول؟ لا، قال: فأبال أحدهما دابته، أنت متخيل شخص يبتعد عنك حتى دابتك تبول مش أنت تبول؟ نعم.
قال لي الشعبي، سمعت الأعمش يقول: قال لي الشعبي: إن كرام الناس أسرعهم مودة وأبطؤهم عداوة، اللي مودته سريعة وعداوته -لا يتخذ قرار العداوة من أول هفوة- قال: مثل الكوب من الفضة يبطئ الانكسار، يعني جامد المادة تبعته، الكوليتي تاعته ممتازة جدا من الرحمن، ويسرع الانجبار؛ يعني إذا وضعت عليه مادة لاصقة بينجبر سريعا، وإن لئام الناس هم أبطؤهم مودة -صعب انك توده- وأسرعهم عداوة -وبيتركك على أي غلط- هذا مثل الكوب من الفخار، سريع الانكسار وصعب وبطيء الانجبار.
قال أبو حاتم: الكريم من أعطاه شكره، ومن منعه عذره، ومن قطعه وصله، ومن وصله فضله، ومن سأله أعطاه، ومن لم يسأله ابتداه بالعطاء، وإن استضعف أحدا رحمه، وإن استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه -ما بحب أنه يستضعف، وإذا استضعفه أحد رأى الموت أكرم له منه- واللئيم بضد ما وصفنا من الخصال كلها.
أيضا ماذا يقول؟ كان إبراهيم بن أدهم كريم النفس، يخالط الناس بأخلاقهم، إيش يعني يخالط الناس بأخلاقهم؟ ها، فكرة كثير ممتازة، أنه يتعامل مع الناس على قدر عقولهم، يعني هؤلاء ناس حشيمين يتعامل معهم بالحشمة، هذول ناس بحبوا المزح يتعامل معهم بالمزح، هذول ناس من الزهد بعامل معهم بالزهد، بشوف كل مجتمع يخالطه فيتعامل معهم على قدر عقولهم، يخالط الناس بأخلاقهم وياكل معهم -لاحظوا- قال: فربما اتخذ لهم الشواء والجواذبات والخبيص؛ يعني هذا كأنه انواع من الأطعمة ربما اتخذ لهم أطعمة فخمة مع أنه إبراهيم بن أدهم إمام الزهاد؛ إذا كان يخالط مين العمال اللي بحب هذا النوع من الأكل، قال: وربما خلى هو وأصحابه الذين يانس بهم فيتصارعون؛ يعني مع الشباب قاعدين أصحاب، هذا ينط فوق هذا، هذا بمزح معه، وهذا يتصارع مع أصدقائه، لأنه هذه علاقة، وكان يعمل عمل رجلين، همته في العمل همة رجلين في الشغل، وكان إذا صار إلى نفسه وجلس وحده أكل عجينا، يأكل أقل شيء يجده في البيت، مع أنه هناك يأكل شواء، لكن إذا كان مع نفسه خلص يعني يتعامل مع نفسه بما يربيها، فيعرف أن يضع لكل موطن الأخلاق التي تناسبه والعشرة التي تناسبها، وهذا حقيقة مهم، فأنت لما تكون في الرحلة ليس أنت لما تكون في درس علم، ليس أنت لما تكون مع زوجتك وأبنائك في البيت، كل ناس لهم معشر خاص بهم.
قال أبو حاتم: نعم، اجمع أهل التجارب للدهر، وأهل الفضل في الدين، والراغبون في الجميل على أن أفضل ما اقتنى الرجل لنفسه في الدنيا، وأجل ما يدخل له في العقبى هو لزوم الكرم ومعاشرة الكرام؛ لأن الكرم يحسن الذكر، ويشرف القدر، وهو طباع ركبها الله في بني آدم، فمن الناس من يكون أكرما من أبيه، وربما كان الابن أكرم من أبيه، وربما كان المملوك أكرم من مولاه، ورب مولى أكرم من مملوكه.
طيب، سمعت أبي أيضا حدثنا أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبيه يقول: ما من أحد إلا وله توبة إلا سيء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا وقع في أشر منه، نسال الله العافية. قال أبو حاتم: الكريم إلا وله توبة، إلا يعني تصلح له توبة، يعني هو شخص يمكن أن يتوب، إلا سيء الخلق أنه إذا تاب تجده يقع في ذنب أسوأ. وقال أبو حاتم: نعم، الكريم محمود الأثر في الدنيا، مرضي العمل في العقبى، يحبه القريب والقاصي، ويألفه المتسخط والراضي، يفارقه الأعداء واللئام، ويصحبه العقلاء والكرام. وما رايت شيئا أكثر عملا من نقص كرم الكريم من الفقر، سواء كان ذلك بالقلب أو بالموجود. في نقص من الفقر نعم. قال وبإسناده عن أبي... سواء كان... فقر القلب، سواء كان ذلك بالقلب يعني افتقار القلب أن نقول قلبك فقير، أو افتقار بالموجود وهو أن تفتقر بالمال، نعم. قال وبإسناده عن أبي جحيفة قال: جالس الكبراء، وخالطوا الحكماء، وسائلوا العلماء. نعم.
قال: باب الحديث الزاجر عن قبول قول الوشام، وذكر ما جاء في ذم السعاة. إياك من الوشاة والنميمة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام». وفي حديث حذيفة بن اليمان: «لا يدخل الجنة فتّان»، وفي رواية: قدّات. وقال أبو حاتم: الواجب على الناس كافة مجانبة الأفكار في السبب الذي يؤدي إلى البغضاء والمشاحنة بين الناس، إياك أن تفكر كيف تولد البغضاء والمشاحنة، والسعي فيما يفرق جمعهم ويبدد شملهم، فالعاقل لا يخوض في الأفكار فيما ذكرنا، ما في عاقل يفكر كيف يفسد بين الناس، كيف يخرب العلاقات، ولا يقبل هذا العاقل سعاية الواشي بحيلة من الحيل، لعلمه بما يرتكب الواشي من الإثم في العقبى بفعله ذلك، الواشي اللي هو النمام.
قال سليمان بن داود لابنه: يا بني، إياك والنميمة، فإنها أحد من السيف. ولما تعجل موسى بن عمران إلى ربه راى رجلا تحت العرش فغبطه بمكانه، فسأل ربه أن يخبره باسمه فقال: لكني أخبرك من عمله بثلاث خصال؛ كان لا يحسد -هذا مرة مع أظن الأثر- ولا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ومر معنا هذا سابقا. وسمعت عربية توصي ابنا لها فقالت: عليك بحفظ السر، وإياك والنميمة، فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها، ولا جماعة إلا بددتها، ولا ضغينة إلا أوقدتها. ثم لابد.
لمن عرف بها ونسب إلى مقارفتها؛ هذا الشخص ما علينا أن نحترس من مجالسته، وأن توثق بمودته، وأن يزهد في معاشرته ومواصلته.
وحدثنا علي بن محمد المدائني قال: وشا واشٍ بعبد الله بن همام إلى زياد، زياد أمير العراق زياد بن أبيه، قال: فبعث زياد إلى ابن همام تعال، فجاء فأدخل الرجل بيتاً، فقال له زياد -ادخل الرجل، مين الرجل؟ النمام- ادخل حجرة من الحجر حتى يخبيه، وأخذ زياد يخاطب ابن همام فقال له: يا ابن همام بلغني أنك هجوتني، فقال له: كلا أصلحك الله ما فعلت وما أنت لذلك أهل، قال: فإن هذا أخبرني -أخرج الرجل- قال: ها اطلع يا فلان، قال: فإن هذا أخبرني، وأخرج الرجل من الغرفة.
فأطرق ابن همام هنيهةً ثم أقبل على الرجل اللي وشى فيه فقال: و라이언트 امرؤ إما أتمنتك خالياً فخنت، وإما قلت قولا بلا علم، هذا الذكاء في معالجة الموقف، فانت من الأمر الذي كان بيننا بمنزلة بين الخيانة والإثم، يعني أنت شوف يا فلان يا أنت رجل أنا أتمنتك شيء وأنت وشيت به وهذه خيانه، وإما قلت عني للامير شيء لم أفعله وهذا إثم. فالآن أمير أعجب بهذا الجواب لأنه فضحه، قالوا يعني هذا الرجل يا خاين يا كذاب، كيف تقرب يا أيها الأمير رجلاً خائناً أو كذاباً؟ فأعجب الأمير بجوابه وأدناه وأقصى هذا الساعي النمام ولم يقبل منه بعد ذلك شيئاً.
وسمعت حجين بن المثنى يقول: سعى رجل بالليث بن سعد -ليث بن سعد فقيه محدث مصر وفقيهاً- سعى رجل بالليث بن سعد إلى والي مصر، سعى يعني نم هذا بيحكي عنك في المجالس مخابرات كان يعني باختصار، فبعث إليه فدعاه، فبعث إليه فيش؟ فدعاه والي، فلما دخل عليه قال له: يا أبا الحارث إن هذا أبلغني أنك حكيت كذا وكذا، فقال له الليث: سله أصلح الله الأمير عما أبلغك، أهو شيء تمناه عليه -نفس الفكرة السابقة- أو فخاننا فيه فما ينبغي لك أن تقبل مجالسة خائن يا أيها الأمير، أو شيء كذب علينا فيه فما ينبغي لك أن تقبل من كاذب تمام؟ فقال الوالي: صدق يا أبا الحارث، يا ريت الناس تفهم هذا الفقه بس، كان خلصنا من زماننا.
طيب مش الحال ماشي، قال عن أبي إبراهيم بن أبي عبلة قال: كنت جالساً مع أم الدرداء فاتاها آتٍ فقال: يا أم الدرداء إن رجلاً نال منك عند عبد الملك بن مروان، فقالت: نؤبر بما ليس فينا، يعني تذكر فينا أشياء ليست فينا، فطالما زكينا بما ليس فينا، مش مشكلة الناس بتزكينا في أشياء نحن ما بنعملها يا اخي لو ذكروا كم شغله نحن ما عملناها من الغلط يعني هذه بتروح روح هذه الله يفرن، شوف الفهم.
قال أبو حاتم رضي الله عنه: واجب على العاقل لزوم الإغضاء عما ينقل عما ينقل الوشاة، وصرف جميعها إلى الاحسان، وترك الخروج إلى ما لا يليق بأهل العقل، مع ترك الأفكار فيما يجري بالعقل؛ لأن من وشى بالشيء إلى إنسان بعينه يكون قصده إلى المخبر أكثر من قصده إلى المخبر به، لمشافهته إياه بالشيء الذي يشق عليه علمه وسماعه.
والواجب على العاقل لزوم الإغضاء عما ينقل الوشاة، ايش يعني؟ يعني إذا الوشاة قالوا لك ترى الشيخ الداعية الفلاني بيحكي فيك، تعرف شيخ في تلاميذ للشيخ الفلاني حكوا عنك إن فيك كذا وكذا، هذه بتعرفوا ما أكثرها للاسف بين الشباب وطلاب العلم وفي الجماعات الإسلامية وغيرها، فبيقول لك إذا واحد نقل إليك إنه في فلان بيحكي عنك ايش ما ايش تعمل؟ انسها وصرف جميعها إلى الإحسان، لزوم الإغضاء عما ينقل الوشاة وأن تصرف جميع أقواله من الإحسان، وترك الخروج، أوكع تقول آه حكى عني طب بلغه أنه أنا بحكي عنه كذا وكذا، إياك تزرب عقلك ونلاقيك اليوم الثاني عامل قصة وكذا وأنه في حدا بحكي عني طمنّنا، قال لك وتدخل في دوامه قيل وقال وتصبح مثل النساء.
قال: لأن من وشى بالشيء إلى إنسان بعينه يكون قصده إلى المخبر أكثر من قصده إلى المخبر به، ايش يعني؟ له يقترب من الشخص هذا أكثر من يهيمون الكلام، يقترب ما يهيم الكلام نفسه؟ أحسنت، يعني هو يريد أن يقول لك هو مش همه نفس الكلام، لا هو قصده أن تقع العداوة بين المخبر والمخبر به، يعني هو مش مهتم بنفس الكلام، المخبر به مش موضوعه، هو موضوعه ايش أنت نفسك أن يتم إسقاطك.
قال: لمشافته إياه بالشيء الذي يشق عليه علمه وسماعه، يعني أنا هون كيف بدي أعرف إنه في داعية في مكان آخر وفي حكي عني؟ مش أعرف، فانت بيكون هذا الواشي هدفه إنه ايش يصل إلي أنا ويعطيني الكلام اللي أنا صعب أعرفه بنفسي لأني أنا ما أجالس الطرف الآخر، أو قد تكون بينك وبينه خصومة أو منازعة أو من جماعة أخرى فرضا أليس كذلك؟ فهو هدفه إنه يصير في نزاع بغض النظر شو الكلام الذي تم نقله، يعني الكلام نفسه مش هو أكثر تركيزه.
قال: لمشافته إياه بالشيء الذي يشق عليه، ولقد أحسن والو الذي يقول، بعدين ثم قال: سمعت العباس بن ميمون يقول: شيع المأمون الحسن بن سهل ذا الوزارتين، فلما بلغ نهاية المشيع -يعني المكان، شيع يعني مشى معه كأنه بده ينتقل كان من مكان إلى مكان- فلما بلغ نهاية المشية قال له المأمون: يا حسن، الكادة؟ قال: نعم يا أمير المأمون، هذا الخليفة ابن هارون الرشيد، قال: نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك ما لا استطيع إدراكه إلا بك، ايش يعني؟ لا تتقلب عليهم، وهذا كان اللي يخافوه من الحكام، قال: أوغ قلبك يتغير علي في يوم من الأيام، لأن هذا الموضوع القلوب يعني أنا لن استطيع إدراكها إلا بك، إذا قلبك تغير رح يعني سيكون في مهلكة، قال: تحفظ علي من قلبك، أنك تحفظ قلبك وما يتغير علي.
واحد قال لك ذو الوزارتين فعل، واحد قال لك حكى، يعني انتبه لما تصلك من أخبار، ويكون بيني وبين قول كثير عزة: وكوني على الواشين لداء شقوب، كما أنا للواشي لدك شغوب، يعني الشغوب هو اللي بيعمل مشاكل، يعني كن يا أيها المأمون على الواشين اللي بينقلوا لك الكلام عني يعني شديد وشغوب وأعمل لهم مشاكل واطردهم، كما أنا نفس الشيء أي واحد راح يخبرني عنك شيء أنا ساكون قوي وصلب ولن أقبل منهم، فانا واياك بدنا نحافظ على هذا العهد؛ لأن كثيراً من الحكام قتلوا وزرائهم وقتلوا ما كان يعمل معهم أنه هذا فلان حكى عنك انك عملت في الوزراء؛ لأن في أسرار بتكون عادة في عمل المهم.
وعن يحيى بن أبي كثير قال: الذي يعمله النمام في ساعة لا يعمله الساحر في شهر من الإفساد سبحان الله.
طيب وحدثنا حماد بن سلمة قال: باع رجل من رجل غلاماً له وقال: أبرأ إليك من النميمية فاشتراه على ذلك، فجاء إلى مولاته فقال لها إن زوجك ليس يحبك وفي رجل اشترى من رجل عبده قصة طريفه ومحزنة في نفس الوقت، رجل اشترى من رجل ايش عبدا عبدا، وقال: أبرأ إليك من النميمة، يعني اشترط عليك أن يكون العبد مش نمام، قال له: تمام فاشتراه على ذلك اشترط أن يكون العبد مش نمام فعلا عكس ما اشترط تماماً، قال فجاء فراح هذا الرجل أخذ هذا العبد وصار هذا العبد ببيته، فجاء العبد إلى مين؟ إلى زوجة السيد فقال لها: إن زوجك ليس يحبك وهو يتسرى عليك، يعني في عنده أمة يطأها بالعقل في مكان آخر ومتزوج عليك وحدة ثانية، أفريدين أن يعطف عليك؟ بدك إياه يكون حنون عليك؟ هو ترى هذا الرجل يعني يعني غير صادق معك، قالت: نعم أريده أن يعطف علي فماذا أفعل؟ يعني بدك إياه بدي هل تريدين أن يصبح يحبك؟ قالت: نعم شو أسوي؟ قال: خذي موسى فاحلقي به شعرات من باطن لحيته أثناء نومه، يعني خذي بالموس شعرات من باطن لحيته وبخريه بها، زي كان بدي اعمل لها عمل يعني بتعرفي العمل مشان يقرب الزوج من زوجته، وأضع أنا زوجة مغفلة وجاء إلى الرجل والزوج زيها فقال: إن امرأتك تبغي وتصادق عامله علاقات محرمة من وراك وهي قاتلتك حتى تشبع عشقها أفريدين أن يبين لك ذلك؟ بدك تتاكد أني أنا صادق؟ قال: تناوم لها اعمل حالك نايم فإنها ستجيء بموس لتخلق به شعرات من تحتها، طبعا الموس هو اللي قال العملية لتحلق به الشعر، ففعلا تناوم لها فجاءت المرأة المسكينة جاي تبع الموس مشان تاخذ الشعرات مشان يصير أحبها وفكر زوجها أنها جاي تذبحه كما قال له العبد، فأخذه فأخذ الرجل زوجته فقتلها، فأخذه أولياء الزوجة فقتلوه، فانتهت العائلة، وهذا العبد اللي طلع على الشرط تمام مش نمام.
قال أبو حاتم: هذا وأمثاله من ثمرة النميمة؛ لأنها تهتك الأستار، وتفشي الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع الود، وتجدد العداوة، وتبدد الجماعة، وتهيج الحقد، وتزيد الصد. فمن وشي إليه عن أخ كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة إن كانت، وقبول العذر إذا اعتذر.
يعني طيب الآن وصلتني معلومة يقينية تأكدت منها أنه في أخ الي عاتبني أو قال عني شيء، نعم بس دقيقة أخلص، قال: وترك الإكثار من العتب، قال: كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة إن كانت، وقبول العذر إذا اعتذر، وترك الإكثار من العتب مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ، وعلى الصبر عند الضياع، وعلى المعاتبة عند الإساءة. طبعا هنا يعني لاحظ أنه أتى بشيء آخر قال: فمن وشي إليه عن أخ، بلغني أن أخي يقول في كذا وكذا، هل أترك الموضوع تماماً تماماً؟ ظاهر كلامي هنا قال: كان الواجب عليه معاتبته على الهفوة معاتبة مين الوالي ولا أخوه اللي نقل عنه أنه يقول فيه؟ وظاهراً يقول عن أخيه، ولكن أخوك إذا اعتذر لك أنه والله أنا سامحني قلت عنك في مجلس، أه والله كذا وكذا وأنا عارف أنه وصلك الكلام وأنا أعتذر، خلاص سامحه.
وترك الإكثار من العتب؛ أن كثرة العتب تزيد تزيد المفسدة، مع توطين النفس على الشكر عند الحفاظ، يعني إذا رأيته يتحفظ من ذكرك لا يذكرك إلا بخير تشكره على ذلك، وعلى الصبر عند الضياع، وإذا رأيته يعني بضيع يعني ونازل فيك وكذا ولم يص يعني ووجدته مع أنك نصحته لا ينتصح، خلاص تصبر، وعلى المعاتبة عند الإساءة.
وعتب ابن الزبير على معاويه بن أبي سفيان في شيء، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين اسمع أبياتاً أعاتبك فيها، قال: هاتِ، فانشده: لعمرك ما أدري واني لاوجل، على أين تعد المنية أولا، واني على أشياء منك تريبني كثيراً لذو صفح على ذاك مجمل، أنا مسامحك على كثير أخطاء طلعت منك يا معاوية، إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته على طرف الهجران، لو كان يعقي إذا أنت ما سامحت أخوك راح يهجرك.
فقال له معاوية: لقد شعرت بعدي يا أبا بكر! صاير شاعر ابن الزبير من وين؟ ما شاء الله تقول هذه، ما كان مشهور بالشعر كثير، قال: لقد شعرت بعدي؟ المهم شوي ولا داخل مين؟ داخل أحد الشعراء الكبار، قال: فدخل عليه معن بن أوس المزني، دخل على معاوية فقال له معاوية: هل أحدثت بعدنا شيئاً في قصيدة أنت قلتها زمان ما شفناك، اعطينا قصيدة أنت قلتها؟ قال: نعم قلت قصيدة، قال: ما هي؟ فعاد نفس الأبيات: لعمرك ما أدري واني لاوجل، على أين تعد المنية أولا واني...
فهنا معاوية غضب على ابن الزبير قال: أه! ابن الزبير عبر حاله هو قائل القصيدة السابقة، وطلعت القصيدة من كلام مين؟ من كلام معن بن أوس! وابن الزبير أوهم معاوية أنه هو صاحب القصيدة مع أنه ليس هو صاحب القصيدة، مش قال: أشعرت بعد يا أبا بكر؟ فابن الزبير قال: أه والله صرت شاعر، فقال له معاوية: تعال! قال: عليّ بابن الزبير، كان ابن الزبير مش موجود، فقال: أليس هذا لك فيما زعمت؟ ايش هي الأبيات أنت بتحكي إنها لك لعمرك ما أدري واني لأوجل قال: أنا ألفت المعنى، وهو ألف القوافي، قال: المعنى لي بس هو معن هو ألف القافية وحط الألفاظ فقط، بعدين هو أصلاً ذئري، شو يعني ذئري؟ يعني يعني أرضعتني أم زوجته وهو بعد ضئري، يعني أصلاً زوجة معن أرضعتني فهو مرضعتي، وبالتالي مهما قال من شيء أعتبر أنا قلته، يعني لأنه أبوي من الرضاع وبالتالي أي شيء بقوله اعتبرني أنا اللي قلته فضحك معاوية، وقال: وكان معن بن أوس أيضاً مسترضعاً في مزينة.
نعم، قال وهناك أبيات ثم ذكر قال أبو حاتم: يجب على العاقل ألا يقصر في معاتبة أخيه على زلته، بل يعاتب على الزلة، لم يكن بخاف للخلة كما قلنا، يعني ما بينفع أن أخوك يخطئ يخطئ وأنت لا تعاتب، العتاب دليل المحبة، يقول: العتاب دليل المحبة، قال: ومن أعتب لم يذنب، كما أن من اغتفر لم يعاقب.
وظاهر من اغتفر لم يعاقب أظنها اللي طلب المغفرة لا يعاقب، نعم، اللي طلب المغفرة لا يعاقب، عفوا ومن أعتب ايش يعني من أعتب؟ يعني من طلب العتبة، يعني من طلب المسامحة كأنه لم يذنب خلاص كأنه ما غلط، وكما أن من اغتفر نعم من اغتفر من طلب الغفرة هنا أو طلب الغفرة لم يعاقب خلاص. وظاهر العتاب خير من مكتوم الحقد، يعني أنت ماشي ممكن ما تعاتب أخوك.
بس تضلها في قلبك صح؟ بعض الشباب بقول لك لا أنا ما بعاتب، مش أخوي! بس بتضلها في قلبه حاقد عليه؛ لا، بقول لك عاتبه، وصفوا القلوب بينكم أفضل من انك تخليها في قلبك. قال أبو حاتم: لا يجب على العاقل أن يناقش على تصحيح الأعتاب بالإكثار، يعني لما أنت بتعاتب برضه لا تكثر من العتاب مخافة أن يعود المعاتب إلى ما عتب عليه، إذا بتضلك تعاتب تعاتب تعاتب بيرجع يذكرك؛ لأن من عاتب على كل ذنب أخاه فحقيق أن يمله أخاه ويقلاه ويزهق منك، وإن من سوء الأدب كثرة العتاب كما أن من أعظم الجفاء ترك العتاب، ها ترك العتاب من أعظم الجفاء، لذلك المعاتبة دليل المحبة أيها الكرام.
ولذلك لما عاتب الله نبيه في عبس وتولى، قالوا المعاتبة دليل المحبة وأن هذا معاتبة المحب لحبيبه. ثم أخيراً قال أبو حاتم -طبعاً قال علي بن أبي طالب: لا تكثر العتاب- لكن لاحظوا أن العتاب له ميزان؛ كثرة مفسدة، فإن كثرة العتاب تورث الضغينة والبغضاء، وكثرته من سوء الأدب.
وأخيراً قال أبو حاتم: قد ذكرت ما يشاكل هذه الحكايات في كتاب مراعاة الأحوال، نكتفي اليوم بهذا القدر، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، حياكم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل