دخولتسجيل الدخول

سيرة الرسول ﷺ "سيرة ابن هشام" | الرباط العلمي | المجلس السادس الجزء الأول

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من التعليق على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، السيرة التي اختصرها ابن هشام من سيرة ابن إسحاق. قد وصلنا إلى غزوة بني المصطلق بالمريسيع في شعبان في سنة ست من الهجرة، وهي من الغزوات التي وقعت فيها أحداث خطيرة في المجتمع المسلم.

قال ابن إسحاق: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد جمادى الآخرة ورجب، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وعن محمد بن يحيى بن حبان، كل قال حدثني بعض حديث بني المصطلق، قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا. وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليهم. وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كنانة، يقال له هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو فقتله خطأ.

فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء، وردت وارده الناس، ومع عمر بن الخطاب أجير لهم من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود، يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني، حليف بني عوف من الخزرج، على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين.

فغضب عبد الله بن أبي بن سلول، وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حدث، فقال: أقد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك. أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم.

وسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك عند فراغ رسول الله من عدوه، فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب. فقال: مر عباد بن بشر فليقتله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟ لا، ولكن أذن بالرحيل».

والنبي عليه الصلاة والسلام وصله الخبر من خلال زيد بن أرقم أن عبد الله بن أبي قال هذا الكلام في حق المهاجرين. والنبي عليه الصلاة والسلام ينظر دائماً للأمور بنظرة سياسية أيضاً، أنه لا يقال إن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه. وهذه حكمة عامة، أنه أنت لا تعترض على بعض تصرفات الساسة وأنت جالس بعيد عنهم مسافات فلكية، لا تعرف كيف نظرته للموضوع وكيف المشهد عنده. لكن النبي عليه الصلاة والسلام تصرف التصرف الصحيح، وأمر بالرحيل ليشغل الناس حتى ينسوا الموضوع.

قال ابن إسحاق: فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار، لقيه أسيد بن حضير فحيّاه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو ما بلغ ما قال صاحبكم؟». قال: أي صاحب يا رسول الله؟ قال: «عبد الله بن أبي». قال: وما قال؟ قال: «زعم أنه إن رجع إلى مدينته ليخرجن الأعز منها الأذل». قال: فأنت يا رسول الله والله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارفق به، فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكاً.

ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياماً. وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي. ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له بقعاء.

فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تخافوها، فإنما هبت لموت عظيم عظماء الكفار». فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن تابوت، أحد بني قينقاع وكان عظيماً من عظماء اليهود وكهفاً للمنافقين، مات في ذلك اليوم. ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ومن كان على مثل أمره. فلما نزلت، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال: «هذا الذي أوفى الله بأذنه». ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8]. فصدق الله زيد بن أرقم، أنه فعلاً عبد الله بن أبي قالها، وليس كما زعم أنه ما قالها.

وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان من أمر أبيه، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلاً فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، والله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمره بغيري فيقتله فلا تدعني نفسي حتى أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلاً مؤمناً بكافر فادخل النار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».

وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنوف، لو أمرتها اليوم أن تقتله لقتلته». قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري.

وقدم مقياس بن صبابة من مكة مسلماً فيما يظهر، فقال: يا رسول الله، جئتك مسلماً وجئتك أطلب دية أخي قُتل خطأ، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية أخيه هشام بن صبابة، فقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير، ثم عاد على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتداً وقال شعراً.

وكان شعار المسلمين في يوم بني المصطلق: «يا منصور، أمت أمت». وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس، وقتل علي بن أبي طالب رضوان الله عليه منهم رجلين، مالكاً وابنه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منهم سبياً كثيراً، ففشا قسمه في المسلمين، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثني بإسناده عن عائشة قالت: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسها. وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها. قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت.

فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخفَ عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: «فهل لك في خير من ذلك؟». قالت: ما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك». قالت: نعم يا رسول الله. قال: «قد فعلت».

وخرج الخبر للناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا ما بأيديهم، فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها. وحدثني يزيد بن رومان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط.

ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره أن القوم قد هموا بقتله ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى هم رسول الله ﷺ بأن يغزوهم. فبينما هم على ذلك، قدم وفدهم على رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، وخرجنا إليه لنكرمه ونؤدي إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعاً، فبلغنا أنه زعم لرسول الله ﷺ أنه إن خرجنا إليه نقتله، ووالله ما جئنا لذلك. فأنزل الله تعالى، وفعلاً كانوا صادقين في هذا، نعم.

فأنزل الله تعالى فيه وفيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: 6-7] إلى آخر الآية. وقد أقبل رسول الله ﷺ من سفره ذلك، ما حدثني من لا أتهم عن الزهري عن عائشة، حتى إذا كان قريباً من المدينة وكانت معه عائشة في سفره ذلك، قال فيها أهل الإفك ما قالوا.

نعم، هنا لما أصبح قريباً من المدينة وقعت حادثة الإفك الشهيرة، نعم. قال خبر الإفك في غزوة بني المصطلق من سنة ست. قال ابن إسحاق: حدثنا الزهري عن علقمة بن وقاص، وعن سعيد بن المسيب، وعن ابن زبير، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال كل قد حدثني بعض هذا الحديث، بعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدثني القوم.

قال محمد بن إسحاق: وحدثني أحمد بن عباد عن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة عن نفسها حين قال في أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثه عن أهو جميعاً، قال يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع.

قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه، فكما كان يصنع، فخرج سهمي فخرجت معه، فخرج بي رسول الله ﷺ. قالت: وكان إذ ذاك إنما يأكلن العلق، لم يهيجهم اللحم فيثقلن، وكنت -يعني ايش كان وزنها خفيف عائشة الله يرضى عنها، كان وزن خفيف-.

قالت: وكنت إذا رحل لي بعيري جلست فيه، ثم يأتي القوم الذين يرحلون لي ويحملونني، فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به. هكذا كانت العادة أن في ناس معينين النبي عليه الصلاة والسلام يوظفهم لقيادة عائشة، فهم يظنون أن عائشة جوا الهودج، بيشدوا الرحل بيشدوا الهودج، بيضبطوا الأمور من الخارج، بيرفعوا الجمل وبيمشوا، هكذا هو المعتاد.

قالت: فلما فرغ رسول الله ﷺ من سفره ذلك، وجه قافلاً حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل فبات به بعض الليل، ثم أذن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي، وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار، فلما فرغت، جزع ظفار هذه منطقة في اليمن يعني كان لها عقد من هذه المنطقة.

قالت: فرجعت إلى المكان الذي ذهبت إليه فالتمسته حتى وجدته، وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون لي البعير وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به. فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع مجيب، وقد انطلق الناس. فرجعت إلى العسكر وما في أحد يعني ما في من داع ولا مجيب، رجعت عائشة إلى مكان المعسكر لم تجد أحداً.

قالت: فتلففت بجلبابي ثم طلعت في مكاني، وعرفت أن لو قد افتقدت لرجع إلي، فجلست مكانها، وقالت أكيد رح يرجعوا لي، أول ما يفقدني النبي عليه الصلاة والسلام سيرجعون يأخذونني. قالت: فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي، وقد كان تخلف عن العسكر بعد حاجته، فلم يبت، فلما رأى سوادي أقبل حتى يقف علي، وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما راني قبل الحجاب زي ما قلنا الآية، يعني صفوان كان يراها ولما يدخل على بيت النبي ﷺ قبل ما يؤمر بالحجاب والستر لزوجات النبي ﷺ، فعرف أنه هي، الهيئة هذه هيئة عائشة، يعني هو يعرفها.

قالت: فلما راني قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله ﷺ»، وأنا متلففة في ثيابي، قال: ما خلفك يرحمك الله؟ قالت: فما كلمته، ثم قرب البعير، فقال: اركبي، واستأخر عني، قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس. فوالله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتج العسكر، والله ما أعلم بشيء من ذلك، ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أني اشتكيت شكوى شديدة.

لا، طيب عائشة ما وصلها الخبر أنه بدأ الناس يدخلوا في عرضها، وصلت المدينة صابها مرض شديد، حمى شديدة. قالت: لا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبوي، لا يذكران لي منه قليلاً ولا كثيراً. يعني حتى النبي ﷺ وأبواها بلغهم أن الناس تكلمت في عرض عائشة، نعم.

قالت: إلا أني قد أنكرت من رسول الله ﷺ بعض لطفه بي، يعني الشيء الوحيد الذي شعرته اختلاف شوي في لطف النبي ﷺ معي. قالت: كنت إذا اشتكيت راحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك، فأنكرت ذلك منه. كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني، قال ابن هشام: وهي أم رومان واسمها زينب بنت عبد دهمانة أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك، قالت: حتى وجدت في نفسي، قلت: يا رسول الله حين رأيت ما رأيت من جفائه لي، لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني؟ قال: لا عليك.

قالت: فانتقلت إلى أمي، ولا أعلم بشيء مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوماً عرباً لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، إنما كنا نذهب إلى فسح المدينة، وإنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن. طبيعة النساء في المدينة لما يرى ما كان في هناك حمامات داخل البيوت زي ما حكينا، كانت المرأة إذا بدها تقضي حاجتها في دورات المياه تستنى الليل فتخرج إلى أطراف المدينة أو مناطق معينة تقضي حاجتها في البراز ثم تعود إلى بيتها.

قالت: وإنما كان إخراجنا كل ليلة في حوائجهن، فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة أبي رهم، خالة ابن المطلب بن عبد مناف، وكانت أمها، قالت: فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطح. ومسطح لقب واسمه عوف، قالت: قلت ابنها؟ دعت على ابنها هي المرأة أم مسطح، ايش قالت لما تعثرت؟ الله ياخذ خذك يا مسطح، يعني بهذا المعنى فعائشة بتقول لها ليش تشتمينه؟ قالت: بئس لعمر الله ما قلت لرجل مهاجري قد شهد بدراً، رجل مهاجري وشهد بدراً، نعم. قالت: أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك. قالت: قلت: أوقد كان هذا؟ قالت: نعم والله لقد كان، قالت: فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت، فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي، قالت: قلت لأمي: يغفر الله، استغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً؟ قالت: أي بنية، خفضي عليك الشأن، فوالله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها. يعني هذا الكلام شغل ضرائر وشغل غيرة، وإن شاء الله الأمور بتكون نعم.

قالت: وقد قام رسول الله ﷺ في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس، ما بال رجال يؤذونني في أهلي، ويقولون عليهم غير الحق، والله ما علمت منهم إلا خيراً، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيراً»، اللي هو صفوان بن معطل، نعم. قال: «وما يدخل بيت من بيوته إلا وهو معي». قالت: كان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج، مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند هي الفتنة، تولاها المنافقون، لكن أخطأ فيها بعض الصحابة، وخاض فيها مثل مسطح ومثل حمنة بنت جحش، اللي هي أخت زينب بنت جحش.

قالت: ولم تكن من نسائه امرأة تناصيني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها الله تعالى بدينها، فلم تقل إلا خيراً. زينب بنت جحش نفسها مع أنها تسامي عائشة وتنافسها، لكنها رأت تقية ما خاضت، نعم. قالت: أما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها، فشقيت ذلك. فلما قال رسول الله ﷺ تلك المقالة، قال أسيد بن حضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك، فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. قالت: فقام سعد بن عبادة، وكان قبل ذلك يرى رجلاً صالحاً، فقال: كذبت لعمر الله، لا تضرب أعناقهم. سعد بن عبادة رجل صالح في خير ومن الصحابة العظام، لكن تبقى قضية سبحان الله القبلية، القبلية يعني حتى تعرف أنه إذا كان النبي ﷺ بينهم وبين أظهرهم والوحي ينزل ومع ذلك تبقى النفوس فيها شح على القبيلة، فأنت ماذا تفرض في الناس اليوم؟ هذا يعطيك سعد بن عبادة أحد المؤمنين الكرام ومع ذلك يبقى في شح القبيلة ويبقى عنده هي الإشكالات التي أحياناً بصير فيها نوع من الحزازية.

قال: أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنه من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا. قال أسيد: كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت: تتثاور الناس حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر، ونزل رسول الله ﷺ فدخل علي. قالت: فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما، فما أسامة فأثنى خيراً وقال ثم قال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وهذا الكذب والباطل. وأما علي فإنه قال: يا رسول الله، إن النساء كثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجارية فإنها ستصدقك. من هنا صار هناك من اللحظة بدأت العلاقة بين عائشة وعلي بن أبي طالب تتوتر، خلص ظلت متوترة إلى أن قبض، أنه عائشة شعرت أن علي بن أبي طالب يعرض أنه يا رسول الله طلقها وتزوج غيرها وخلص يعني بتقطع باب الشر، نعم.

قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة ليسألها، قالت: فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضرباً شديداً ويقول: اصدقي يا رسول الله ﷺ. قالت: فتقول: والله ما أعلم إلا خيراً. وما كنت أعيب على عائشة شيئاً إلا أني كنت أعجن، لكن هنا جيد في قضية أنه -أقرأ الحاشية رقم اثنين: انفرد ابن إسحاق في ذكر ضرب علي لها وهذا خبر شاذ-، وهذا جيد الكلام، أنه يعني مقام علي رضي الله عنه أسمى أنه يضرب امرأة ما غلطت، يعني أنت بس من باب أنك تحرص عليها في الصدق تضربها، فهذا يستبعد من فعل علي رضي الله عنه، نعم.

قالت: وما كنت أعيب على عائشة شيئاً إلا أني كنت أعجن عجيني، فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله. يعني أكثر شيء وجدته عيب في عائشة أنها فتاة صغيرة، بعجن عجينة أنا بقول لها دير بالك على العجينة، تحط رأسها وتنام، بتيجي الشاة تأكل العجينة وبتروح، يعني أمر منزلي بسيط، نعم.

قالت: ثم دخل علي رسول الله ﷺ وعندي أبواي وعندي امرأة من الأنصار، وأنا أبكي وهي تبكي معي، فجلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا عائشة، إنه قد كان ما بلغك من قول الناس، فاتقي الله، وإن كنت قد قارفت سوءاً مما يقول الناس فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده». قالت: فوالله ما هو إلا أن قال لي ذلك فجف دمعي حتى ما أحس منه شيئاً. قالت: وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله ﷺ.

فلم يتكلم، قالت: ويم الله إني كنت أحقر في نفسي، وأصغر شأناً من أن ينزل فيّ قرآن يقرأ به في المساجد ويصلى به، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في نومه شيئاً يكذب الله به عني لما يعلم من براءتي، أو يخبر خبراً. فأما القرآن ينزل فيّ، فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك.

قالت: فلما لم أره يتكلم، قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله ﷺ؟ فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه. قالت: والله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام. فلما استعجم عليّ استعبرت فبكيت، ثم قلت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبداً، والله إني لأعلم ولئن أقررت بما يقول الناس، والله يعلم أني منه بريئة، لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني. قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].

قالت: والله ما برح رسول الله ﷺ في مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجي بثوبه، ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه. فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فوالله ما فزعت ولا باليت، وقد عرفت أني بريئة وأن الله غير ظالمي. وأما أبواي، فوالذي نفس عائشة بيده، ما سري عن رسول الله ﷺ حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي من الله تحقيق لما قال الناس.

قالت: ثم سري عن رسول الله ﷺ، فجلس وإنه ليتحدر منه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول: «أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك». قالت: قلت: بحمد الله. قال: ثم خرج الناس فخاطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليهم من القرآن في ذلك. قالت: فما أمر بمِسطح بن أثاثة، وحسّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضربوا حدهم.

وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك.

فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل الفاحشة ما قال من أهل الإفك، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11]، وذلك حسان بن ثابت وأصحابه الذين قالوا ما قالوا.

قالت: فلما نزل هذا في عائشة وفي من قال لها ما قال، قال أبو بكر: كان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً، ولا أنفعه بنفع أبداً بعد الذي قال لعائشة وأدخل علينا. فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22]. فقال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.

ثم إن صفوان بن المعطل اعترض حسان بن ثابت بالسيف حين بلغه ما كان يقول فيه، وقد كان حسان قال شعراً مع ذلك يعرض بابن المعطل فيه وبمن أسلم إلى العرب من مضر. فأعترضه ابن المعطل فضربه بالسيف، ثم قال كما حدثني يعقوب بن عتبة: تلقّ ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هُجيت لست بشاعرِ

وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن ثابت بن قيس بن شماس واثب على صفوان بن المعطل حين ضرب حسان، فجمع يديه إلى عنقه بحبل، ثم انطلق به لدار بني حارث بن الخزرج، فلقي عبد الله بن رواحة، فقال: ما هذا؟ قال: ما أعجبك، ضرب حسان بالسيف! والله ما أراه إلا قد قتله. وقال عبد الله بن رواحة: هل علم رسول الله ﷺ بشيء مما صنعت؟ قال: لا والله. قال: لقد اجترأت، أطلق الرجل. فأطلقه، ثم أتى الرسول ﷺ فذكر ذلك له، فدعا حسان وصفوان بن المعطل. قال ابن المعطل: يا رسول الله، آذاني وهجاني، فأحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله ﷺ لحسان: «يا حسان، أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام؟ ثم قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك». قال: هي لك.

وحدثني محمد بن إبراهيم أن رسول الله ﷺ أعطاه عوضاً منها بيرحاء، وهي قصر بني حُديلة اليوم بالمدينة، وكانت مالاً لأبي طلحة بن سهل تصدق بها إلى رسول الله، فأعطاها رسول الله حسان في ضربته، وأعطاه سيرين أمّه، وهي قبطية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان. وكانت عائشة تقول: لقد سُئل ابن المعطل فوجدوه رجلاً حَصُوراً، ما يأتي النساء، كما قُتل بعد ذلك شهيداً.

ثم قام رسول الله ﷺ بالمدينة شهر رمضان، وخرج في ذي القعدة معتمراً لا يريد حرباً، واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله. واستنفر العرب ومن حوله من أهل بوادي من الأعراب، فخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب. وخرج رسول الله ﷺ بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ومعظماً له.

حدثني محمد بن ثابري عن الزبير عن مِصوَر بن مَخرَمة ومروان بن الحكم أنهما حدّثاه قالا: خرج الرسول عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكنا سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر. قال زهري: وخرج الرسول ﷺ حتى إذا كان بأبي عُتيبة لقيه بِشر بن سفيان الكعبي، قال: يا رسول الله، هذه قريش سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العُوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النمور، وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموها إلى كُراع الغميم.

فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة». ثم قال: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟».

حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من أسلم قال: أنا يا رسول الله، فسلك بهم طريقاً وعراً أجر بين الجبال، فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين، أفضوا إلى أرض سهلة عند قُطع الوادي، فقال رسول الله ﷺ للناس: «قولوا نستغفر الله ونتوب إليه»، فقالوا ذلك. فقال: «والله إنها للحِطّة التي عرضت على بني إسرائيل».

فأمر رسول الله الناس فقال: «اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض»، في طريق تخرجه على ثنية المُرار، مهبط الحديبية من أسفل مكة. فسلك الجيش ذلك الطريق، فلما رأت خيل قريش قَتَرة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش. وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا سلك في ثنية المُرار بركت ناقته. قالوا: خلأت. قال: «ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها». ثم قال للناس: «انزلوا». قيل له: يا رسول الله، ما بالوادي ماء، نزل عليه! فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل في قليب من تلك القُلُب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن.

«إني رأيت الناس يحمدونك، يثنون خيرًا ويمجدونك». قال الزهري في حديثه: فلما اطمأن رسول الله ﷺ أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فكلموه وسألوه ما الذي جاء به، فأخبرهم أنه لم يأتِ يريد حربًا، وأنه إنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته. ثم قال لهم لاحوا مما قال لبديل بن ورقاء، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تعجزون عن محمد، إن محمدًا لم يأتِ قتالًا، إنما جاء زائرًا لهذا البيت.

فاتهموهم وجبهوهم، وقالوا: وإن كان جاء ولا يريد قتالًا فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدًا، ولا تحدثوا بذلك عند العرب؛ ما بدنا العرب تحكي أن محمدًا ﷺ دخل مكة غصبًا عن قريش. قال الزهري: وكانت خزاعة أعيبة رسول الله ﷺ، مسلم ومشرك، ومعنى "أعيبته" أي الفزعة، أي موالين له، فزعته صادقين معه، ينصحون له، لا يخفون عليه شيئًا كان به بمكة. فبديل بن ورقاء هو خزاعي هنا، وغيره من بعض خزاعة الذين كانوا في مكة كانوا صادقين مع النبي ﷺ.

قال: ثم بعثه إليهم مكرز بن حفص بن الأخي، فلما رأى الرسول مقبلاً، قال: هذا الوفد الثاني للمفاوضات، وكان في قيادته مكرز بن حفص. فقال عليه الصلاة والسلام -أول ما شافه النبي، وعنده فراسة عليه الصلاة والسلام وخبرة في الرجال-: «هذا رجل غادر».

فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ وكلمه، قال له رسول الله ﷺ نحو ما قال لبديل، فأصحاب بديل رجعوا إلى قريش فأخبروهم بما قال له رسول الله ﷺ لما بعثوا إليه الحليث بن علقمة، وكان يومئذ سيد الأحابيش، وعرفنا قبائل الأحابيش، وهي قبائل تحالفت فيما بينها. الحليث بن علقمة هو الوفد الثالث، وهو أحد بني حارث بن عبد مناة بن كنانة.

فلما رآه قال: إن هذا من قوم يتألهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه، فقال: هذا قوم قالوا هذا رجل عنده دين النبي ﷺ، فاستغل هذه النقطة، فقال: ابعثوا الإبل أمامه، خليه يشوف الهدي والبدن فيتقي الله ويقول لك لا حرام، هذول جماعة جايين يعتمروا. قال: الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. وقد أكل أوباره، يعني كأن علامات التعب بدأت تظهر عليه لأن مكة لم تكن مسموحة له بعد، فلعل هذا يرقق قلبه.

رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لمقامه، فقال لهم ذلك، فقالوا له: اجلس، فإنما أنت عربي أعجم. فرجع إلى قريش وقال لهم: أنا بقول لكم دخلوهم، وكفار قريش قالوا: اجلس، أنت رجل أعرابي بتعرف.

قال أبو إسحاق: حدثنا عبد الله بن بكر، فحدثني عبد الله بن أبي بكر عن الحليث، فغضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عقدناكم، أيُصد عن بيت الله من جاء معظمًا له؟ والذي نفس محمد بيده، لا تخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! فقالوا له: مَهْ كُفَّ عنا يا حليث حتى نأخذ أنفسنا ما نرضى به.

قال الزهري في حديثه: ثم بعثه إلى رسول الله عروة بن مسعود الثقفي، قال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثوه إلى محمد إذا جاءكم من التعريف وسوء اللفظ، قد عرفتم أنكم واردون، وإني ولد عروة، وليس بعروة بنت عبد الشمس، وقد سمعت بالذي أنبأكم، فجمعت مطاعني من قومي ثم جئتكم حتى أسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا متهم.

فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد، أجمعت أصحابك بالناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معك، ثم جئت بهم إلى بيضتك، يعني إلى مجتمعك، أنه في النهاية مكة هي مجتمعه الأصلي. قال: قد لبسوا جلد النمور يعاهدون الله، لا تدخلها عليهم أبدًا، ويم الله لك لأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا.

قال أبو بكر الصديق -خلف رسول الله- هو ماذا يقول له؟ يقول له: أصحابك بكره بينكشفوا عنك وبيتركوك يا محمد ﷺ. هنا أبو بكر غضب فقال: «مَهْ»! قال: نحن ننكشف؟ قال: «مَهْ»! مسبًّا، اقرأوا معي هذا الكلام. قال: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة». قال: «أما والله لولا يد كانت لك عندي لكففت بها، ولكن هذه بها». قال: والله لولا أنه لك معروف عندي، لكان سبني كما شتمتني بهذه الكلمة. ثم جعل يقول: «ولكن هذه بهذه»، يعني خلص ما رح أرد عليك بسبب المعروف الذي عملته لي أيام الجاهلية.

ثم جعل يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديث، أي لابس خوذته وسلاحه ودرعه. فجعل يقرب يده إذا تناول لحية رسول الله ﷺ، فيقول المغيرة: «اكفف يدك عن وجه رسول الله ﷺ قبل أن لا تصل إليك». فيقول عروة: «ويحك! ما أفظك وأغلظك!». فتبسم رسول الله ﷺ، فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أخي المغير بن شعبة». قال: أي غدر! وهل غاسلت سواءك إلا بالأمس؟

نسيت بعض التفاصيل أنه كأنه قتل رجلاً أو قتل مجموعة، وبعدين راح يسلم، فقال له: «أنت يا مغيرة، أنت تذكر شو الجريمة اللي عملتها بعدين رحت تسلم؟».

قال ابن هشام: أراد عروة بقوله هذا أن مغيرة قبل الإسلام قتل ثلاثة عشر رجلاً من بني مالك من ثقيف؛ هذه هي فتهايج الحيان من ثقيف، بنو مالك رهط المقتولين والأحلاف رهط المغيرة، فودى عروة المقتولين ثلاث عشرة دية، فعروة هو اللي عالج الموضوع نفسه سبحان الله.

قال: وأصلح ذلك الأمر. قال ابن إسحاق، قال الزهري: فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو مما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأتِ يريد حربه، فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع أصحابه. وأقصد بالأصحاب هنا المفاوضين السابقين؛ زي ما أجاب المفاوضين السابقين أجاب عروة أنه أنا جاي عمرة من الجحر.

قال: فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يبصق بساق إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. ابن مسعود تعجب من حب الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ إذا بصق النبي صلى الله عليه وسلم بساق، الشاطر في الصحابة اللي بيمسك البصاق ويضعه ويتبرك به، وإذا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم خلص منه، الصحابي الأشطر هو اللي بياخذ الوضوء ويتبرك به. عروة قال: هؤلاء العلاقة مش علاقة زعيم، علاقة مختلفة تماماً.

قال: فرجع إلى قريش فقال: «يا معشر قريش، إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجشي في ملكه، والله وإني والله ما رأيت ملكاً في قوم قط مثل محمد في أصحابه، قد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً، فراجعوا رأيكم».

قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه إلى قريش من مكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب، ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء به، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله، فمنعته الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض من لا أتهم عن كريب مولى ابن عباس أن قريشاً كانوا بعثوا أربعين رجلاً، منهم أو خمسين رجلاً، وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبوا لهم من أصحابه أحداً، فأخذوا أخذاً، فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفى عنهم وخلى سبيلهم، فقد كان رموا في عسكر الرسول بالحجارة والنبل.

ثم دعى عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش، فقال: «يا رسول الله، إني أخاف قريشاً عن نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي لها وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز منها، أعز بها مني: عثمان بن عفان».

قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان بعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأتِ لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته. فخرج عثمان إلى مكة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص قبل أن يدخل مكة، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان: «إن شأنك أن تطوف بالبيت»، فقال: «ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم».

واحتبسته قريش، عندها بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قُتل، أو سجنته تقريباً. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله حين بلغه أن عثمان قد قُتل، لنهضن حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة.

وكان الناس يقولون: بيعة على الموت، وكان جابر يقول: إن رسول الله لم يبايع على الموت، ولكن بيعنا على أن لا نفر. فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد المسلمين حضرها، إلا الجد بن قيس.

قلت لكم البارحة إن الموضوع متقارب، قال: إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر بن عبد الله يقول: «والله كأني أنظر إليه لاصقاً بإبط جمله، قد ضبأ إليه يستتر بها من الناس». كل من كان معه صلى الله عليه وسلم بايعوا بيعة الرضوان إلا أحد المنافقين اسمه الجد بن قيس، لم يبايع بيعة الرضوان وتخبأ خلف جمله حتى لا يبين، قال جابر: «شفته أنا لاصق في إبط جمله».

ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الذي ذكر أن عثمان قد قُتل، أو أن عثمان باطل، أي عثمان لم يُقتل. قال ابن هشام: قد ذكر وكيع عن إسماعيل أبي خالد الشعبي أن أول من بايع النبي بيعة الرضوان أبو سفيان الأسدي. وحدثني من أثق به عن ابن أبي مريكة عن ابن عمر أن رسول الله بايع على عثمان وضرب بإحدى يديه على الأخرى.

قال ابن إسحاق عن الزهري: ثم بعثت قريش سهيل بن عمر أخا بني عامر بن الإي، وهذا الأخير هو المفاوض الأخير الذي سهل معه الأمر، وقالوا له: «ائتِ محمداً فصالحه، ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامة هذا، فوالله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً».

فأتاه سهيل بن عمر، فلما رآه رسول الله مقبلاً قال: «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل». فلما انتهى سهيل بن عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام وتراجع، ثم جرى بينهم الصلح، فلما التم الأمر ولم يبقَ...

«ألا الكتاب»، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله ﷺ؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلى من أعطى الدين في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله.

ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أولسنا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلى من أعطى الدين في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني. فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة الكلام الذي تكلمت به حين رجوت أن يكون خيرًا.

ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله ﷺ: «اكتب باسمك اللهم»، فكتبها. ثم قال: «اكتب هذا: ما صلح لي محمد رسول الله». فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله ﷺ: «اكتب هذا: ما صلح لي محمد بن عبد الله».

سهيل بن عمرو اصطلح على وضع الحرب عن الناس سنين يئمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه ما أتى محمد من قريش بغير وليه رده عليه، ومن جاء قريشًا ممن مع محمد لم يرد عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا سلال ولا أغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش. خزاعة دخلت في عهد النبي ﷺ، وبنو بكر دخلت في عهد قريش، وهذا مهم جدا أن نعرفه.

قال: «إنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها عنك، فدخلتها بأصحابك، فقمت بها ثلاثة معك، السلاح الراكب، السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها». السنة الجاية بتيجي تعمل عمرة القضاء، بيكون معك فقط السلاح الراكب، بتكون السيوف في أغمادها، لا تدخل بغير السيوف.

فبين رسول الله ﷺ يكتب الكتابة هو وسهيل بن عمرو، إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في النعلين، قد انفلت إلى رسول الله ﷺ. وقد كان أصحاب رسول الله حين خرجوا هم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع، لم تحتمل عليه رسول الله في نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون.

فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ التلبية، ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت. فجاء -يعني خلصنا العهد- لجت القضية يعني خلصنا العهد قبل ما يجي أبو جندل، بالتالي أبو جندل داخل في شروط المعاهدة، لن يذهب عندك، وأبو جندل ابنه وكان مسلما يحاول الفرار إلى المدينة.

فجعل ينتره بتلبيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بصوته: «معشر المسلمين، أرد إلى المشركين يفتنوني في ديني!». فزاد ذلك الناس إلى ما بهم. فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل، اصبر واحتسب، إن الله جاعل لك ولم معك المستضعفين مخرجًا».

هذا الحقيقة هذا الموقف من المواقف العظيمة جدا في السياسة الشرعية، يتحمل الضرر الخاص من أجل المصلحة العامة. يعني أبو جندل نحن عارفين أنك مؤمن، ولكن سامحنا نحن الآن في ظرف تاريخي ما بنقدر نساعدك، فاصبر وتحتسب. لو كان واحد من المتحمسين اليوم شو بيقول لك: يا أخي شوف كيف سلموا هذا المسلم من المشركين، يا أخي شوف إيش اللي عملوه، الله أكبر، يا أخي مش هذه خيانة؟ إذا محمد ﷺ قال لأبي جندل بدك تتحمل الضرر الخاص، يتحمل.

طيب لو استشهد أبو جندل شهيد في سبيل الله، بس أنا يجب أن أحمي المجتمع المسلم، في النهاية هناك مصلحة كبيرة الآن للمجتمع المسلم، قد يكون ثمنها ممكن هلاك بعض المسلمين، عدم قدرتنا على إغاثة بعض المسلمين، هؤلاء يذهبون شهداء، بس أنا ما بضيع المصلحة العامة من أجل رفع ضرر خاص عن شخص معين، السياسة الشرعية ليست هكذا.

فوثب عمر بن الخطاب مع أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: «اصبر يا أبا جندل، فإنهم مشركون، وإن دمه أح، وإنما دم أحدهم دم كلب». ويدني قائم السيف منه، يقول عمر -طبعًا عمر عم يحط قائم السيف بجنبه علشان أبو جندل يتناول السيف منه ويضرب المشركين- رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فظن الرجل بابيه ونفذ، ظن الرجل يعني أبو جندل قال: أنا مش رح أوصل إلى أن أقتل أبوي.

فلما فرغ رسول الله ﷺ من الكتابة، أشهد على الصلح رجالًا من المسلمين ورجالًا من المشركين: أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عبد الرحمن بن عوف، عبد الله بن سهل بن عمرو، سعد بن أبي وقاص، محمود بن مسلمة، مكرز بن حفص -وهو يومئذ مشرك- وعلي بن أبي طالب، وكتب وهو كان كاتب الصحيفة.

وكان رسول الله ﷺ مضطربًا في الحل، وكان يصلي في الحرم. فلما فرغ من صلح قدم إلى هدي فنحره، ثم جلس فيحلق رأسه. وكان ﷺ مضطربًا في الحل، يعني النبي ﷺ كان ضاربًا بيوته، والضرب هنا ضرب البيوت والخيم، كان ضاربًا بيوته، يعني الخيم في منطقة الحل خارج حدود الحرم المكي، ولكنه كان يصلي داخل حد الحرم؛ لأن الحديبية هي إحدى مناطق حدود الحرم المكي، التي يعرفها الناس مثل الجعرانة والتنعيم، الحديبية هذه هي أصلاً على حدود الحرم المكي بالضبط. فالحديبية هي على الخط، فهو كان حاط الخيم في الحل بس يصلي داخل حد الحرم، وهذا قد يفهم منه أن الصلاة في الحرم المكي كلها تضاعف حتى لو في غير المسجد الحرام. قال كثير من العلماء إن الصلاة...

داخل الحرم المكي دائماً بـ 100,000، ولو لم تكن داخل المسجد الحرام، لو كنت في الفندق، في كذا بـ 100,000. وقد يفهم من هذا حرص النبي ﷺ على صلاته.

قال: وكان الذي حلقه فيما بلغني في ذلك اليوم خراش بن أمية بن فضل الخزاعي، فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد نحر وحلق وتواثبوا ينحرون ويحلقون، قال إسحاق حدثني بإسناده عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون. فقال رسول الله ﷺ: «يرحم الله المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلقين»، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: «والمقصرين». قالوا: يا رسول الله فيما ظاهرت الترحيم للمحلقين والمقصرين؟ قال: «لِمَ شِكُوا».

قال بإسناد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أهدى عام الحديبية في هداياه جملاً، في رأسه برة من فضة، يغيظ بها المشركين. قال الزهري في حديثه: ثم انصرف رسول الله ﷺ وجه ذلك قافلاً حتى إذا كان مكة في المدينة نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 1-2].

ثم كانت القصة فيها وفي أصحابه حتى انتهى إلى ذكر البيعة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10].

بالصفحة السابقة لما قالوا: يا رسول الله، فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين؟ أولاً ما معنى ظاهرت الترحيم؟ يعني ضاعفت الترحم على المحلقين: اللهم ارحم المحلقين، اللهم ارحم المحلقين، اللهم ارحم المحلقين. قال: «إنهم لم يشكوا». ماذا يعني أنهم لم يشكوا؟ يقصد أن الصحابة الذين قصروا كانوا متأملين، لعلنا ندخل مكة هذا العام فنرجع مرة ثانية نحلق. أما الصحابة الذين حلقوا، فكأنهم قالوا: يا رسول الله، خلص، الذي تريده نحن نحلق، وليس مشكلة لو لم ندخل مكة. كأن الذين لم يحلقوا في ذاك العام واقتصروا على التقصير كان عندهم نوع من عدم الارتياح التام، وكانوا مطامعين لعل وعسى ندخل، أما الذين حلقوا فقد فعلوا كما وجه النبي ﷺ مطمئنين تماماً للقرار.

قال: ثم ذكر من تخلف عنهم الأعرابي، هؤلاء الأوائل شاكوا. قال: ثم ذكر من تخلف عنهم الأعرابي، ثم قال حين استنفرهم للخروج معه فأبوا عليه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُنَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾، ثم القصة عن خبرهم حتى انتهى إلى قوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: 15]. ثم القصة عن ما عرض عليهم من الجهاد القومي والبأس الشديد.

قال ابن إسحاق بإسناده عن عباس، قال: قال ابن إسحاق عن الزهري إنه قال: "أولو البأس الشديد حنيفة مع الكذاب". ستُدعون إلى قوم بأس شديد، ستُدعون إلى مقاتلة مسيلمة الكذاب مع بني حنيفة، وهذا يكون بعد وفاة النبي ﷺ.

قال: ثم قال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 18-20]. وعدكم الله مغانم كثيرة أن تأخذونها، فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً، وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديراً.

ثم ذكر محبسه وكفه إياهم عن القتال بعد الظفر منهم، يعني النفر الذين أصاب منهم وكفهم عنه، ثم قال الذين هم الخمسون أو الستون الذين اعتقلهم، قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾. هؤلاء الذين زهمت هذه الآية.

قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾، أي بلغ، و"معكوفاً" يعني محبوساً خارج الحرم، محبوساً أن يدخل وأن يتقدم إلى الكعبة.

قال ابن إسحاق: و﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، والمعرة هي الغرم؛ أن تصيبوا منهم معرة بغير علم فتخرجوا ديته، فأما الإثم فلم يخشاه عليهم. قال ابن هشام: بلغني عن مجاهد قال: ونزلت هذه الآية في الوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل وأشباههم.

المراد أن الله يقول: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات مقيمين في مكة وأصحاب قد لا تنتبهون لهم، فإذا دخلتم مكة وقاتلتم، ممكن يؤدي هذا إلى قتل بعض المسلمين وبعض المسلمات، لولا أن هناك مسلمين ومسلمات مستضعفين في مكة أخشى أن يموتوا لأغريتكم بقتالهم. يعني الله يقول للنبي ﷺ، لماذا الله عز وجل أمر نبيه بالصلح ولم يأمره بالقتال؟ هنا خشية أن المسلمين يندفعوا في القتال داخل مكة فيقتل رجال مستضعفون ما زالوا في مكة ونساء مستضعفات والمسلمون ليس عارفين أنهم مسلمون، فيدفع المسلمون الدية.

ولكن لاحظ ماذا قال: ﴿فَتُخْرِجُوا دِيَتَهُمْ﴾، أما الإثم فلم يخشَ عليهم. أي إذا قتل مسلماً وهو لا يعلم أنه مسلم فليس عليه إثم، ولكن عليه الدية. هذه فيها فائدة حكمية؛ أن المسلم الذي يقيم بين أظهر المشركين، إذا كان معذوراً عند الله -إن شاء الله ربه بعذره- ولكن أنا كقائد مسلم معي جيشي غزوت هذا البلد الكافر وقتلت الذين فيه وكانوا مسلمين وأنا لا أعرف أنهم مسلمين، فأنا ليس علي إثم، ولكن علي دفع الدية. فإذا قال لك أنا مستضعف ما عرفت أهاجر، إن شاء الله ربنا يبعثك على نيتك، ولكن لا تحملوني فوق طاقتي.

أما حالة كونه معكوفاً، فلن يبلغ محله. خليني أرجع للآية، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾، يعني يمكن نقول إن "صدوكم" و"الهدى" معطوفان على بعض، "صدوكم" أنتم كأشخاص، و"الهدى" معطوف عليه، فبالتالي ينصب، "صدوكم" و"الهدى" حالة كونه معكوفاً لن يبلغ محله.

قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ...﴾

كفروا في قلوبهم الحمية، حمية الجاهلية. سهيل بن عمر حين حمي أن يكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وأن «محمد رسول الله»، ثم قال: «فأنزل». هذه حمية الجاهلية، عدم الاعتراف بالرسالة.

ثم قال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمُ﴾، والكلمة هي التقوى، وكانوا حقاً بها وأهلها، أي التوحيد. فالسكينة هي الطمأنينة، وأن لا يستفزوا من هذا الموقف. وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لعلي: «امحها»، هي السكينة والهدوء وعدم الاستفزاز، هذه من الله.

قال: شهادة أن لا إله إلا الله، محمد عبده ورسوله، ثم قال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾. فعلم ما لم تعلموا، أي لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رأى أنه سيدخل مكة آمناً لا يخاف، يقول: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾، فعلم من ذلك ما لم تعلموا.

﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، صلح الحديبية. قال الزهري: «فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه». إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة وضعت الحرب، ومن الناس كلم بعضهم بعضاً والتقوا فتفاوضوا، وفي الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد بالإسلام إلا وعقل شيئاً فدخل فيه. فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر.

قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله خرج الحديبية في عام 6 هـ، وفي عام 8 هـ، ثم خرج عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عام 8 هـ، في 10000، ما جرى عليه أمر القوم من المستضعفين. قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية، وكان ممن حُبس بمكة.

وقصة أبي بصير وكيف نظر الاستراتيجية للنبي عليه الصلاة والسلام الموفقة. قال: فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، والآخر شريق، وإلى رسول الله بعث رجلاً من بني عامر ومعهم مولى لهم، فقدم على رسول الله ﷺ بكتاب الأزهر والأخنس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد أُعطينا، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمعك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً».

إذن أبو بصير جاء من مكة يريد أن يسلم بناءً على شروط صلح الحديبية، ولا يصلح أن يأذن له النبي عليه الصلاة والسلام بدخول المدينة. قال: يا رسول الله، أتردني؟ فقال له: «يا أبا بصير، ربنا سيجعل لك فرجاً ومخرجاً، بس اطلع من المدينة أنا لا أستطيع أن أستقبلك الآن». قال: أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ قال: «يا أبا بصير، انطلق، فإن الله سيجعل لك مع من معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً».

قال: انطلق معهما، حتى إذا كان في الطريق جلس مع صاحبيه، قال أبو بصير لصاحبيه: «أنتما من بني عامر؟» قالا: «نعم». قال: «انظر إليه»، قال: "أظن شئت". الآن أبو بصير تم تسليمه للمبعوثين، مكة بعثت المبعوثين للنبي عليه الصلاة والسلام فسلّموا أبا بصير. انظر إلى الموقف وانظر إسقاطات هذه المسألة على واقعك المعاصر؛ النبي عليه الصلاة والسلام سلم رجلاً من المسلمين للمشركين بناءً على شروط المعاهدات الموجودة.

قال: فاستلم له أبو بصير، ثم أبو بصير هو مروح مع الاثنين كأنهما في طريق من المدينة إلى مكة، جلسوا تحت ظل شجرة. أبو بصير مسعر حرب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. قال المكي الذي معه: «بالله ورجيني سيفك»، كأنه سيف ممتاز، قال له: «أوه، والله سيفي كذا»، وقال له: «ناولني إياه بس أتفاهم معك». قال: فاستلم أبو بصير، ثم علا به فحتى قتله، وخرج المولى سريعاً حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد النبوي.

هرب وهو يقول: «يا رسول الله، أبو بصير سيذبحني!». جاء مباشرة إلى المدينة يطلب الفزع من النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعاً، قال: «إن هذا الرجل قد رأى فزعاً». النبي عليه الصلاة والسلام شاف الرجل داخلاً عليه ومذعوراً في عينه.

قال: فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَيْحَك، ما لك؟» قال: «قتل صاحبكم صاحبي». فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحاً بالسيف، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، وفيت ذمتك، وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أُفتن فيه أو يعبث به». فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «ويل مِشْعَر حرب! لو كان معه رجال».

هذا مسعر حرب، هذا رجل حرب مش رجل، ثم قال: «لو كان معه رجال»، وهذا تلميح من النبي عليه الصلاة والسلام أنه حاول أن يكون معك ناس، لكن اخرج من المدينة، اذهب إلى البحر واعمل لك ثكنة عسكرية ودبر حالك مع من معك من المسلمين المستضعفين.

قال: ثم خرج أبو بصير حتى نزل العيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر، طريق قريش التي كانوا يأخذون بها إلى الشام. وبلغ المسلمين الذين كانوا محتبسين بمكة قول رسول الله: «ويل أمهم، مشعر حرب! لو كان معه رجال». عرفوا الرسالة، عرفوا أن الرسالة المطلوبة منهم هي ذلك.

فخرجوا إلى أبي بصير، فصار كل المستضعفين في مكة الذين يريدون الخروج إلى العيص، صارت ثكنة عسكرية هناك بقيادة أبي بصير. فاجتمع إليه قريب من 70 رجلاً منهم، فكانوا قد ضيقوا على قريش؛ ما في قافلة رايحة أو جاية إلا اسطوا عليها، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر بهم إلا اقتطعوها. حتى كتبت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحثه بأرحامها أن يؤويهم، فلا حاجة لهم بهم. فأواهم رسول الله، فقد قريش. بعثت قريش للنبي عليه الصلاة والسلام هذا الشرط: نحن مستغنون عنه في صلح الحديبية، خذ أبا بصير وكل الذين معه وحطهم عندك في المدينة خلينا نخلص من هذه القصة.

قال ابن هشام: أبو بصير ثقفي. قال ابن إسحاق:

فلما بلغ سه بن عمر قتل أبي بصير صاحبهم العامري، أسند ظهر الكعبة ثم قال: «والله لا أؤخر ظهري عن الكعبة حتى يودى هذا الرجل». فقال أبو سفيان بن حرب: «والله إن هذا لهو السفه، والله لا يودى»، فقيل في ذلك شعر.

كانوا يريدون أن يُدفع دية الذي قتله أبو بصير، وسفيان قال له ما رح تأخذ. وهاجر إلى رسول الله ﷺ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط في تلك المدة، فخرج أخواها عمارة والوليد بن عقبة حتى قدما على رسول الله ﷺ يسألانه أن يردها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش في الحديبية، فلم يفعل؛ أبى الله ذلك.

قال ابن إسحاق: عن عروة بن الزبير قال: دخلت عليه وهو يكتب كتابا إلى ابن أبي هنيدة صاحب الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ فَإِذَا عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: 10].

قال ابن هشام: «عِصَم» عصمة، وهي الحبل والسبب. وقال: «وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَنَسْأَلُ مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ يَحْكُمُ اللَّهُ بِهِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ». فكتب عروة بن الزبير إليه أن رسول الله ﷺ كان صالح قريش على الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء إلى رسول الله ﷺ أبى الله أن يردن إلى المشركين، إذ هن امتحن بمحنة الإسلام، فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام.

هذا في خلاف بين المؤرخين؛ هل صلح الحديبية أصلا كان يشمل النساء بأن تُرد، أم أنه كان خاصا بالرجال فقط؟ البعض قال: لا، هو كان يشمل رد الرجال والنساء، لكن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك باستثناء النساء، وأن النساء لا يردهن. وإن كان يظهر لي عموما -والله أعلم- الأول؛ أنه لم يكن مشمولا فيه النساء، وأن العبارة ما كانت تشملهم على التفصيل.

سأل شيخنا: هل ورد قول بأنه ممكن تكون هذه الحادثة وقعت بعد أن تنازلت قريش عن الشرط؟ هذا قول آخر؛ إذا كان بهذا، لأنهم الآن جاؤوا يطالبون بهن.

فلما جاء دخل عليه وهو يكتب كتابا إلى أبي هنيدة جايين يطالبوا بهن. ليس معنى تنازل عن الشرط أنهم قالوا: هؤلاء الذين يريدون الذهاب إليك فليذهبوا إليك، هذه الصيغة تحتمل أنهم قالوا: اللي بده يذهب لك يذهب لك، وأنهم لا يريدون الرجوع مرة أخرى؛ فموضوع أبو بصير ممكن يتكرر، وهم قالوا: خذ الرجال إليك ما نريد إياهم، لكن يبقى النقاش: هل النساء كن مشمولات أم لا؟ لكن الله سبحانه أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك بأن يقول لقريش: النساء سأستثنيهم.

قال: فعرفوا أنهن إنما جئن رغبة في الإسلام، وأمر برد صدقاتهن إليهن، إن حبسوا عنهم. أمر الله أن المسلمين يدفعوا إلى مشركي مكة المهر الذي دفعوه على النساء المسلمات. يعني أنتم يا مسلمين تدفعوا لكفار مكة المهر الذي دفعوه على النساء المسلمات؛ هي امرأة جاءت تاركة زوجها.

إذا كانت امرأة ستأتي من مكة إلى المدينة، نحن كمسلمين ندفع لزوجها المهر، وإذا كانت امرأة بالعكس تريد أن ترتد وتذهب من المدينة إلى مكة، نحن سنرجعها من المدينة إلى مكة، فأنتم يا كفار قريش مطالبون بدفع صداق النساء. لأن بعض الصحابة في تلك الفترة، مثل عمر بن الخطاب، كان عندهم نساء مشركات، فكان المطلوب إرجاع هؤلاء النساء إلى مكة لأزواجهن وعائلاتهن، فكان أهل مكة مطالبين بدفع المهر للرجال المسلمين مقابل هؤلاء الزوجات المشركات اللواتي أرجعناهن لكم، ونحن في المقابل كمسلمين ندفع لكفار قريش النساء المسلمات اللواتي يردن إلينا؛ فهي عملية تبادلية.

قال: فأمسك رسول الله ﷺ النساء ورد الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل عما حبس من صدقات النساء. فأمسك النبي ﷺ النساء ورد الرجال، يعني كان النساء لا يخضعن لصلح الحديبية، أما الرجال فكانوا هم الخاضعين لشروط الصلح.

قال: «ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله ﷺ النساء كما رد الرجال». ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يرد لهن صداقا، وكان كذلك يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.

هذا رأي ابن إسحاق؛ أنه لولا أن الله استثنى النساء وأمر النبي ﷺ باستثنائهم، لكان النبي عليه الصلاة والسلام مضطرا أن يرد النساء كما كان يرد الرجال. ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يرد لهن صداقا. أي أن الله سبحانه وتعالى استثنى النساء من صلح الحديبية، وقال النبي ﷺ لا ترجعوهن، لأنهم كانوا خاضعين للعهد وداخلين ضمن المعاهدة فعليا، مقابل أننا سنمسك النساء عندنا، يا كفار قريش سندفع لكم المال، المهر الذي دفعتموه على الزواج من هؤلاء. ولو كانوا مشمولين ابتداء أصلا في العهد، لكان النبي عليه الصلاة والسلام يستقبل أي امرأة تأتي ولا يدفع لزوجها المهر. يرى ابن إسحاق أن دفع المهر لزوجها المشرك إنما هو مقابل استثنائها من العهد؛ أي نحن سنستثنيها، وبما أن الاستثناء منا، فسنعوضكم ماليا مقابلها. فالتعويض المالي هو مقابل استثنائها من العهد.

قال ابن إسحاق: ولما سُئل الزهري عن هذه الآية وقول الله فيها: ﴿وَإِن فَاتَكُمُ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 24]، فقال: يقول إن فات أحدًا منكم أهله إلى الكفار ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل الذي يأخذون منكم، فعوضوهم من فيء أصبتُموه.

فلما نزلت هذه الآية، كان المطلوب، مش حكينا المسلمين بيدفعوا للكفار المهر والكفار بيدفعوا للمسلمين المهر؟ طيب لو فرضًا راحت من المسلمين زوجته للكافرة، راحت لمكة، بس ما في امرأة من مكة جاءت عندنا، فالآن شو رح يصير؟ رح يصير أنه في واحد مسلم راحت زوجته لمكة وما في رجل من مكة جاءت زوجته إلينا، فيقول: ﴿وَإِن فَاتَكُمُ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. فعوضوا هؤلاء الرجال المسلمين الذين ذهبت زوجاتهم للكفار، عوضوهم عن المهر الذي دفعوه من الفيء: ﴿فَعَوِّضُوا هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.

لأنه نحن قلنا متى الكفار ملزمون بأن يدفعوا لنا المهر مقابل أنه نحن ندفع المهر؟ يعني واحدة مقابل واحدة، هيك باختصار، إذا واحدة راحت هناك وواحدة جاءت هنا، مهر مقابل مهر. طيب إذا واحدة راحت للكفار بس في واحدة جاءت للمسلمين، طيب ما في مهر مقابل مهر، بالتالي هذا المسلم زوجته راحت ولم يتم تعويضه، فما العوض؟ من الفيء، من غنيمة أصبتُموه.

قال: فلما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ...﴾ إلى قول الله عز وجل: ﴿...وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ بِعِصَامِ الْكُفْرِ﴾ [الممتحنة: 10]. قال: كان مما طُلِّق؛ عمر بن الخطاب طلق امرأته قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان قبل ما يسلم، كان معاوية لسه مش مسلم، يعني عمر كان عنده امرأة مشركة اسمها قريبة، وفعلاً تم عمر رفع يده عنها وأرجعوها إلى مكة، وفي مكة تزوجها معاوية وهما على شركهما.

وقال: وأم كلثوم بنت جرو، أيضًا كان عمر متزوج امرأة مشركة اسمها أم كلثوم، فلما طلقها تزوجها رجل من أهل مكة اسمه أبو جهل، وهما المرأة والرجل على شركهما.

قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة أن بعض من كان مع رسول الله ﷺ قال له لما قدم المدينة: ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكة آمنة؟ قال: «بلى»، قال: أفقلت لكم من عام هذا؟ قالوا: لا، قال: «أفهو كما قال لي جبريل؟».

نبدأ الآن بذكر غزوة خيبر. بسم الله. قال: ذكر المسير إلى خيبر في المحرم سنة السابعة. قال محمد بن إسحاق: لما قام رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، وملّى تلك الحجة للمشركين، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر.

قال ابن هشام: استعمل على المدينة معاوية بن عبد الله الليثي، ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم الحارث التيمي عن أبي هيثم بن نصر بن داهر الأسلمي، أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع، وهو عم سلمة بن عمرو بن الأكوع، وكان اسم الأكوع سنانًا: «انزل يا ابن الأكوع فخذ لنا من هناتك».

قال: فأنزل يرتجز برسول الله ﷺ، فقال: والله لو... خذ لنا من هناتك فقال: والله لولا الله ما تهدينا ولا تصدقنا ولا نصلي أنا إذا قوموا أنبغوا علينا وإن أراد فتنة أبينا أنزل سكينة علينا وثبت الأقدام الآخرين.

فقال رسول الله ﷺ: «يرحمك ربك». فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله الشهادة، يعني وجبت والله النبي عليه الصلاة والسلام إذا قال لرجل الله يرحمك، إيش معناها؟ أنه رح يستشهد. قال عمر: وجبت يا رسول الله، قال: «يا رسول الله لو أمتعتنا به ينشد لنا»، قال: خيبر شهيد.

قال: وكان قُتل فيما بلغني بسيف ورجع عليه، ويقاتل كلمة شديدة فمات. اللي صار هو أن هذا الرجل ضرب رجلًا يهوديًا بالسيف، فالسيف بالغلط رجع عليه وضرب في جسده، وكانت ضربة قاتلة، فمات منه. فكان المسلمون قد شكوا فيه وقالوا: إنما قتله سلاحه، حتى سأل ابن أخيه سلمة بن عمرو بن الأكوع رسول الله ﷺ عن ذلك، أخبره بقول الناس، فقال رسول الله ﷺ: «إنه لشهيد»، فصلى عليه وصلى عليه المسلمون. طبعًا هنا الصحابة شكوا هل هذا يعتبر شهيدًا ولا لا؟ النبي ﷺ أخبر أنه حتى ولو مات بسلاحه بالخطأ يعتبر شهيدًا، لكنه ليس الشهيد الذي لا يصلى عليه، هو شهيد بس يصلى عليه، لأن الشهيد الذي لا يصلى عليه هو شهيد المعركة الذي يقتله الكفار.

قال ابن إسحاق: وحدثني ملاثهم عن عطاء بن أبي مروان الإسلامي، عن أبيه، عن أبي معتب بن عمر، أن رسول الله ﷺ أنما أشرف على خيبر، قال للأصحاب -عنهم قيفة- ثم قال: «اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، فإن نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، اقدموا بسم الله». وكان يقولها لكل قرية، هذا دعاء دخول القرية.

قال ابن إسحاق: وحدثني ملاثهم عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قومًا لم يغر عليهم حتى يصبح، فإذا سمع أذانًا أمسك، وإذا لم يسمع أذنًا، عرف أنهم مسلمون، فلا يغزو القرية إذا لم يسمع أذان فجر من القرية، عرف أنهم ما زالوا على الكفر.

قال: فبات رسول الله ﷺ حتى إذا أصبح لم يسمع أذانًا، فركب وركبنا معه، فركبت خلف أبي طلحة، وعنا قدمي لتمس قدم رسول الله ﷺ. واستقبلنا عمال خيبر، غدونا قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا يهود خيبر ما كانوا عارفين شو اللي عم يصير، طالعين هذا الصبح كل واحد ماسك طورية أو مسحاة، ما كأنهم أهل زرع، كانوا طالعين لمزارعهم خارج حصون خيبر، هذا ماسك طورية وهذا ماسك المشرفة. فلما رأوا رسول الله ﷺ والجيش قالوا: محمد والخميس معه.

صاروا يصرخون: محمد والخميس، محمد والخميس، عليه الصلاة والسلام، الخميس اللي هو الجيش، فصاروا ينذرون قومهم. قال: ﴿فَأَدْبَرُوا هُرَابًا﴾. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر! خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء الصباح المنذرون».

قال ابن إسحاق: حدثنا هارون، عن حميد، عن نسب مثله، قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عصر فبني له في مست، ثم على الصحابة، ثم أخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الربيجيع، فنزل بينه وبين غطفان يحول بينه وبين أن يمد أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما رأت غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيبر جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا اليهود.

قال: حتى إذا ساروا منقلة سمعوا خلفهم في أموالهم وأهلهم حسا، ظنوا أن القوم قد خالفوهم، فرجعوا إلى أقايبهم فأقاموا في أهلهم وأموالهم وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر. وتدنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال يأخذها مالاً مالاً، ويفتح الحصون حصناً حصناً، فكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن مسلم، ألقيت عليه رحم منه فقتلته، ثم القموص بن أبي الحقيق، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني أبي الحقيق أولاده.

قال: وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا، منهن صفية بنت حي بن أخطب، التي ستصبح زوجته إن شاء الله، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وبنت عم لها، فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه. وكان بن خليفة الكلبي قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية، فلما اصفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها.

وفشت السبايا من خيبر في المسلمين، وأكل المسلمون لحم الحمر من حمرها، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهى الناس عن أمور سماها لهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عمر بن ضمرة الفزاري، عن عبد الله بن أبي سليط، عن أبيه قال: أتانا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأنسية، والقدور تفور بها، كانوا لسه يطبخوا فيها، أحرم النبي صلى الله عليه وسلم أكل الحمر الأنسية فأداروا القدور.

وحدثنا عبد الله بن أبي نجيه عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يومئذ عن أربع: عن إتيان الحبال من النساء، وعن أكل حمار الأهلية، وعن أكل كل ذي ناب من السبع، وعن بيع المغانم. والحبال من النساء يعني الأمة إذا كانت الأمة حاملاً لا يجوز وطؤها.

قال ابن إسحاق: وحدثني سلام بن كركره، عن عمرو بن دينار، عن جابر -ولم يشهد جابر خيبر- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل.

وحدثني يزيد بن أبي الحبيب، ذكر قرية المغربي، وقالوا لها الجربة، هذه حكينا عنها امبارح، جربة وحكى الشيخ عمر في تونس، هي على حدود تونس، قرية هي في طرابلس القديمة، طرابلس القديمة تشمل تونس القديمة، لما يقول إنها في طرابلس أنت طرابلس اليوم في ليبيا، بس هي طرابلس القديمة تشمل هذه المنطقة.

قال: فتح قرية من قرى المغربي قال: الجربة، فقام فيها خطيباً فقال: «أيها الناس، إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينا يوم خيبر». فقال: «لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره»، ان يتي حبال من السبا، أن يسقي ماءه زرع غيره، شوف الكناية الجميلة، أنه ما بصير تسقي زرع غيرك، المراد أنه ما بصير تطأ حامل حتى تضع حملها، كأنك إذا وطئتها تسقي بمنيك زرعاً زرعه غيرك في رحمها.

«ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبا حتى يستبرئها، ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنماً حتى يقسم، ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من شيء في المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوباً من المسلمين حتى إذا أخلقه ورده فيه».

قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن عبد الله بن قصيط، أنه حدث عن عبادة بن الصامت قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب والعين، وتبر الفضة بورق العين، وقال: «ابتاعوا تبر الذهب بالورق العين، وتبر الفضة بالذهب العين».

قال ابن إسحاق: ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتادنى الحصون والأموال. فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض من أسلم، أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله يا رسول الله، لقد جهدنا ما بأيدينا من شيء. (طبعاً هنا نهانا يوم خيبر أن نبيع أو نبتاع تبر الذهب بالذهب العين، التبر هو الذي غير مسبوك، والذهب العين اللي هو المسبوك عبارة عن دراهم ودنانير، لكن هنا الذي يظهر أن هذا إذا كان في تفاضل ما يصير الذهب بالذهب أو الجهل بالتساوي، كذلك يعني علمنا بالتفاضل أو جهلنا التساوي في كل الحالتين لا يجوز مبادلة الذهب، أما إذا علم التساوي في المعيار الشرعي بين التبر والعين، يعني بين المضروب وغير المضروب، ما في مشكلة).

قال: إن بني سهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله يا رسول الله، لقد جهدنا ما بأيدينا من شيء، فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً يعطيهم إياه، فقال: «اللهم إنك قد عرفت حالهم، وإن ليس بهم قوة، وإن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه»، ففتح لهم أعظم حصونها عنهم غنى، وأكثرها طعاماً وبذخاً. فغدا الناس، فتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ بخيبر، حصن كان أكثر طعماً وذكاءً منه.

قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصون ومن أموال ما حاز، انتهوا إلى حصيهم الوطيح والسلالم.

اجتمع اليهود في آخر حصنين: الوطيح والسلالم. قال: وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحه، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضعة عشر ليلة. قال ابن هشام: إنه كان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم خيبر «يا منصور».

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل أخو بني حارثة، عن جابر بن عبد الله قال: خرج مرحب يهودي من حصنهم، قد جمع سلاحه ويرتجز ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب *** شطّ سلاح بطل مجرب أطعن أحيانا وأطعن أحيانا *** إذ إذا وثب أقبل تهزب

ويقول: «من يبارز؟»، فجابه كعب بن مالك، فقال: قد علمت خيبر أني كعب *** مفرّج الغمات جريء صلب إذا شبت الحرب وثار حرب *** مع حسان كالعقيق عضب نطاحكم حتى يذل الصعب *** لنعطين الجزاء أو نفي النهب بـكف ماض ليس فيه عتب

قال ابن هشام: أنشد أبو زيد الأنصاري قالب بن حمير. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن سهل عن جابر بن عبد الله قال: قال محمد بن مسلمة: «أنا له يا رسول الله، أنا والله الموتور الثائر، وقتل أخيه بالأمس». فقال محمد بن مسلمة: «من قتل أخاه بالأمس؟»، قال: محمود أخوه، فقال: «يا رسول الله، إني أريد أن أخرج له، لأن هذا قتل أخي البارحة، فأنا الموتور الثائر الذي عندي ثأر». فقال: «قم إليه، اللهم أعنه عليه».

قال: فلما دنا أحدهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عمرية من شجر العشر، شجر العشر من أشجار البادية. فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، فكلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما -وهم متخبيون وعم يضربون في الشجرة كل واحد من جهة- فوصلت بينهما كالرجل القائم، ما فيها ولا غصن، قد ما ضربوها قطعوا كل أغصانه، فظلت مجرد عمود، هي الفاصلة بين محمد بن مسلمة واليهودي. ثم حمل مرحب على محمد فضربه، فتقاه بالدرقة، فوقع سيفه فيها فعضت به، فأمسكته الدرقة التي هي الترس، وضرب محمد بن مسلمة اليهودي فقتله.

قال ابن إسحاق: ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر ويقول: «من يبارز؟»، فزعم هشام بن عروة أن ابن العوام خرج إلى ياسر، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: «يقتل ابني يا رسول الله»، فقال: «بل ابنك يقتله إن شاء الله». فخرج الزبير والتقى فقتله الزبير. فحدثنا هشام بن عروة أن الزبير كان إذا قيل له: «والله إن كان سيفك يومئذ لصالماً»، قال: «والله ما كان صارماً، ولكني أكرهته».

قال ابن إسحاق: وذكر بإسناده عن سلمة بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل فرجع ولم يُفتح وقد جهد، ثم بعث الغد عمر بن الخطاب فقاتل ثم رجع ولم يُفتح وقد جهد. فقال رسول الله ﷺ: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار».

قال يقول سلمة: فدعا رسول الله ﷺ علياً -رضوان الله عليه- وهو أرمد، فتفل في عينيه ثم قال: «خذ هذه الراية، فانصب بها حتى يفتح الله عليك». قال يقول سلمة: فخرج بها ينحر، هرول هرولة، وأنا خلفه ونتبع أثره، حتى ركز رايته في ردم من حجارة تحت الحصن، فأطلع إليه يهودي من رأس الحصن فقال: «من أنت؟»، قال: «أنا علي بن أبي طالب»، قال يقول اليهودي: «علويتم وما أنزل على موسى!». فما رجع حتى فتح الله على يديه.

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن حسن عن بعض أهله عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ قال: خرج علي حين بعثه رسول الله ﷺ، فلما دان من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطاح ترسه من يده، فتناول باباً كان عند الحصن فترس به عن نفسه، فلم يزل في يده ويقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ. فلقد رأيتني في نفر سبعة معي، أنا ثامنهم، نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلب. والله أعلم ماذا صحت، هي القصة أن علياً حمل باب الحصن بدلاً من الترس.

قال ابن إسحاق: وحدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن بعض رجال بني سلمة عن أبي اليسر، عن كعب بن عمر، قال: إن لمع رسول الله ﷺ بخيبر ذات عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن نحاصرهم، فقال رسول الله ﷺ: «من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟». قال أبو اليسر يقول: فقلت: «أنا يا رسول الله»، قال: «افعل».

قال: خرجت أشد مثل الظليم -والظليم هو ذكر النعامة- خرجت أركض كذكر النعامة. فلما نظر أبو اليسر إليّ قال: «اللهم أمتعنا به». فأدركت الغنم وقد دخل أولها الحصن، فأخذت شاتين من أواخرها، فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت بهما أشد كأنه ليس معي شيء، حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ، فذبحوهما فأكلهما. فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله ﷺ، فإذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال: «أمتعوا بي»، حتى كنت من آخرهم. إن النبي ﷺ دعا: «اللهم أمتعهم به»، فعاش طويلاً، أكثر من أكثر الصحابة طول عمر، أبو اليسر.

قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسول الله ﷺ القموص، حصن بني أبي الحقيق، أتي رسول الله ﷺ بصفية بنت حيي بن أخطب وباخرى معها...

بلال الذي جاء بهما على قتل من قتلت يهود، فلما رأتهما التي مع صفية تصاحت وصكت وجهها وحثت وحتىت التراب على رأسها. بلال كان ماسك صفية والثانية اليهودية عم يسوقهم مع السبي، اليهودية اللي ماشية مع صفية رأت قتلى اليهود ممددين يمينًا، فصاحت ولولت: «إن هؤلاء رجالات قومي»، فقال لها بلال: «نعم».

فلما رآها رسول الله ﷺ قال: «اغربوا عني هذه الشيطانة»، وأمر بصفية. فهزت بعدوها عن الشيطانة بتصرخ، وأمر بصفية فهيزت خلفها وألقى عليها رداءه، فعرف المسلمون أن رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه. فقال رسول الله ﷺ لبلال: «ما بلغني حين رأى بتلك اليهود امرأة انزعت منك الرحمة يا بلال؟ حين تمر بأمرأتين على قتل رجالهما!». الخطأ بلال أنه الأصل يا بلال ما سلكت فيهم الطريق اللي فيه قتلى، شوف رحمة النبي ﷺ.

وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرًا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: «ما هذا إلا أنك تمنين ملك الحجاز محمدًا». هذا قبل ما تصير كل قصة خيبر، هي شافت رؤيا أنه في قمر وقع في حجرها، فقال لها زوجها -وهو شاطر في تقييد الرؤى-: «الظاهر أنك عقلك وذهنك أنك تريدين أن تتزوجي محمدًا ﷺ، إنه القمر». دلالة الرجل العظيم دائماً في تفسير الرؤيا؛ إذا رأى الإنسان أو رأت المرأة قمرًا، دلالته رجل عظيم، فإذا وقع في حجرك فمعناه قد يكون زواج به أو شيء من ذلك.

فلطم وجهها زوجها حتى خضر عينها، وهي مسكينة تقول رؤيا رأتها. أُتي بها رسول الله ﷺ وبها أثر منه، يعني لما رأى النبي ﷺ صفية رأى في عينها خضرة، وهذه الكف التي ضربها زوجها، فسألها فأخبرته هذا الخبر.

وأُتي رسول الله ﷺ بكنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله عنه فجحد أن يكون يعلم مكانه. فأتى رسول الله ﷺ برجل من بني النضير، لما طلعوا من المدينة باتجاه خيبر مع حيي بن أخطب وجماعتهم، كان معهم كنز خبؤوه داخل خيبر. فالنبي ﷺ عارف بموضوع هذا الكنز، أنه في خزينة لليهود في خيبر، فدعا كنانة بن الربيع وهو المسؤول عن هذا الكنز، قال له: «أنت المسؤول عن هذا الكنز، خبرنا أين دفنتم هذا الكنز؟»، فجحد أن يكون يعلم مكانه وقال: «لا، أنا لا أعرف عنه شيئًا».

فأتى رسول الله ﷺ برجل من يهود، فقال له: «إني رأيت كأن كنزًا يطيف بهذه الخربة كل غداء»، فقال رسول الله ﷺ لکنانة: «لو أراك إن وجدناه عندك أقتلك؟»، قال: «نعم». الآن النبي ﷺ شاف واحد من اليهود ثاني، قال له: «تعال، أين الكنز؟»، قال له: «أنا أشوف كنانة في مكان معين في خيبر بظل كل يوم يروح ويجي عليه»، قال له: «خلص، شكله هو».

رجع النبي ﷺ لکنانة، قال له: «إذا طلعنا الكنز من أرضك نقتلك؟»، قال: «نعم، اقتلني إذا لقيته». فأمر رسول الله ﷺ بالحفر، فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤدي، فأمر به رسول الله ﷺ زبير بن العوام. وجدوا بعض الأشياء في أرضه، لكن النبي ﷺ يعرف أن كمية الكنز أكبر من هيك، قال له: «يا كنانة اعترف أين الكنز؟»، رفض. فالحل الآن أن يسلمه الزبير بن العوام حتى يعترف.

فأمر به أن يعذبه حتى يستأصل ما عنده، فكان الزبير يعذبه بالزند في صدره حتى أشرف على نفسه. ثم دفعه رسول الله ﷺ إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه.

وحصر رسول الله ﷺ أهل خيبر في حصنهم الوطية والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن لهم دماءهم، ورضوا آخر شيء أن ينزلوا على الصلح، ففعل. وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها، الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم، إلا ما كان من ذيك الحصنين.

فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يسيرهم ويحقن دماءهم. أهل فدك هي قرية بجانب خيبر وفيها يهود، لما عرفوا أنه يهود خيبر نزلوا على الصلح وسلموا، قالوا لا ننتظر قدومه إلينا، نسلم للصلح ونتنازل عن فدك، أن يسيرهم ويحل دماءهم ويخل لهم الأموال، ففعل. وكان فيمن مشى بين رسول الله ﷺ وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود، الذي مشى من أجل تقرير الصلح.

فلما نزل أهل خيبر على ذلك، سألوا رسول الله ﷺ أن يعاملهم في الأموال على النصف. فقالوا: «ما رأيك أن نكون عمالًا لك في مزارع خيبر؟»، خيبر أراضي زراعية ضخمة، قالوا له: «ما رأيك أن نكون عمالًا لك في هذه المزارع، نظل موجودين في الأرض لك، بس نحن نكون عمالًا عندك، كل نهاية سنة المحصول نصفه لك ونصفه لنا»، أنتم لستم فاضيين لخيبر وبدكم مزارعين وما رح تستطيعوا الآن تعمروها، خلونا نحن نعمرها. النبي ﷺ وافق على هذا العرض لأنه فعلاً كان منطقيًا، لكن قال لهم: «تبقون فيها إلا إذا رأيت أن أخرجكم، إذا رأيت أن أخرجكم أخرجكم، ما لكم عندي». فوافقوا.

«وسلم أن يعملهم الأموال على النصف، وقالوا: نحن أعلم بها منكم، وأعمر لها، فصالحهم رسول الله ﷺ على النصف، قال: على أن إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم». فصالحوا أهل فدك على مثل ذلك، فكانت فيئًا بين المسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله ﷺ؛ لأنها فُتحت لم يوجف عليها المسلمون بخير ولا ركاب.

فلما اطمأن رسول الله ﷺ، أهدت له زينب بنت الحارث امرأة مسلم بن مشكم شاة مشوية، وهنا سمى النبي ﷺ في خيبر امرأة اليهودية سلام مشكم زينب، عملت شاة مشوية ووضعت فيها السم. فسألت: أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ تناول ذراعًا فأكل منها مضغة، فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معروف، فأخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ، أما بشر فأساغها، وأما رسول الله ﷺ فلفظها ثم قال: «إن هذا العظم لا يخبرني أنه مسموم». ثم دعاها فاعترفت، فقال: «ما لك على ذلك؟» قالت: بلغت من قومي ما لم يعنِ، أنت قتلت رجالات قومي لذلك أردت إثارتهم. فقالت: فقلت إن كان ملكًا استترت منه، وإن كان نبيًا فسيخبر. فتجاوز عنها رسول الله ﷺ، ومات بشر من الأكلة التي أكلها، فقيل إنه اقتص منها بعد أن مات بشر.

قال ابن إسحاق: وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلم قال: كان رسول الله ﷺ وقد قال في مرضي الذي توفي فيها، ودخلت أم بشر بنت البراء بن معروف تعوده، قالت: «يا أم بشر، إن هذا لآوان وجدت انقطاع أبهر من الأكلة التي أكلت مع أخيك». وانقطاع الأبهر هو الشريان الرئيس المغذي للقلب. فإن المسلمين ليرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدًا مع ما أكرمه الله به من هذا. واستشهد النبي ﷺ وقتله اليهود بناء على هذا الكلام.

قال: ونبدأ من ذكر وادي القرى، ووادي القرى أيضًا منطقة، يقول هو وادٍ يبدأ من جنوب مدينة العلا التي تبدأ قرابة 300 كيلو شمال غرب المدينة، ثم يسير 150، وهذا أيضًا ليس بعيدًا عن خيبر. قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادي القرى، فحصر أهل ليالٍ، ثم انصرف راجعًا إلى المدينة.

قال ابن إسحاق: وحدثني ثور بن زيد عن سالم المولى عبد الله بن مطيع عن أبي هريرة قال: فلما انصرفنا مع رسول الله ﷺ عن خيبر إلى وادي القرى نزلنا بها أصيلاً مع مغرب الشمس، والأصيل جمع أصيل، يعني عند وقت الغروب. ومع رسول الله ﷺ غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي، قال ابن هشام: جذام أخو لخم. قال: فوالله إنه ليضع رحل رسول الله ﷺ إذا أتاه سهم غرب فأصاب، فقتل الغلام؛ كان يصلح رحل النبي ﷺ ويضبط له أمتعته إذا سهم غرب، فقتله.

فقلنا: هنيئًا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «إن شملته أُحرِق عليه في النار». هذا الغلام كان سارقًا من الغنيمة، فقال إن هذه الشملة -يعني العباءة التي غلها- يعذب بها في قبره. فسمعه رجل من أصحاب النبي ﷺ فأتاه فقال: يا رسول الله، أصبت شراكين لنعلين، شراكين زي حبلين يربطان بهما النعل، يعني شيء تافه، فقال: «يُقدّ لك مثلهما من النار». حتى هذا القدر اليسير يؤخذ منك من النار.

قال ابن إسحاق: وحدثني منتهِم عن عبد الله بن غفل المزني قال: أصبت من خيبر جراب شحم، فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي، فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها، فأخذ بناحيته قال: هلم هذا حتى نقسمه بين المسلمين، قلت: لا والله لا أعطيك، فجعل يجاذبني الجراب، فرآنا رسول الله ﷺ ونحن نصنع ذلك، فتبسم ضاحكًا: «تقاتلون على شوية دهن؟». ثم قال لصاحب المغانم: «لا بأس، خلِّ بينه وبين جِرابه»، فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه. وهذا يدل على ما أشار إليه ابن حزم؛ أنه إذا لقيت في المعركة طعامًا وشرابًا للعدو، فهذا لا يحسن من الغنيمة، هذا ما في داعي تحطه مع الغنيمة، تستطيع أن تأكله.

قال ابن إسحاق: ولما عرس رسول الله ﷺ بصفية بخيبر أو ببعض الطريق -وكانت التي عرس يعني بنى بها وتزوجها- وكانت التي جملتها لرسول الله ﷺ ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم ابنة أبي الحارث أم أنس بن مالك، فبات بها رسول الله ﷺ في قبة. وبات أبو أيوب خالد بن زيد أخو بني النجار متوشحًا سيفه يحرس رسول الله ﷺ ويطيف بالقبة حتى أصبح رسول الله ﷺ. فلما رأى مكانه قال: «مالك يا أبا أيوب؟» قال: يا رسول الله، خفت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها، وكانت حديثة عهدًا بكفر، فخفتها عليك. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني».

قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري عن سعيد بن المسيب قال: لما انصرف رسول الله ﷺ من خيبر فكان ببعض الطريق، قال من آخر الليل: ما رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام؟ قال بلال: أنا يا رسول الله أحفظه عليك، فنزل رسول الله ﷺ ونزل الناس فناموا، وقام بلال يصلي، فصلى ما شاء الله، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه، فغلبته عينه فنام، فلم يوقظهم إلا مس الشمس، وكان رسول الله ﷺ أول أصحابه هبوبًا.

فقال: «ماذا صنعت بنا يا بلال؟» قال: «يا رسول الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك»، قال: «صدقت». ثم اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كثير، ثم نوضأ وتوضأ الناس، ثم أبر بلالاً فأقام الصلاة، فأقام الصلاة فصلى بالناس، فلما سلم أقبل على الناس فقال: «إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]».

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد أعطى ابن لقيط العبسي حين فتح خيبر ما بها من دجاج أو دجا، وكان فتح خيبر في سفر، وذكر قصيدة. قال ابن إسحاق: وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء من نساء المسلمين، فردخ لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفيء، ولم يضرب لهن بسهم، ردخ يعني أهداهن؛ لأن المرأة ليس لها سهم من الغنيمة.

قال ابن إسحاق: حدثني سليمان بن سحيم، عن أمية بنت أبي الصلت، عن امرأة من بني غفار قد سماها لي، قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله، قرنا، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا وهو يسير إلى خيبر فلنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال: «على بركة الله». قالنا معه، وكانت كنت جارية حائضاً، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحلي.

قالت: فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وأنا أخOne، ونزلت على حقيبة رحلي وإذا بها دم مني، يعني حاضت. قالت: وكانت أول حيضة لها، إذا هي ما كانت بالغة، يعني بنت عمرها نحكي اثني عشر أو ثلاثة عشر سنة، أو تسعة، ممكن ثمانية، الله أعلم، كانت بنت صغيرة. النبي صلى الله عليه وسلم ركبها وراءه على الرحل، ما كانت بالغة، فسبحان الله، بلغت على رحل النبي صلى الله عليه وسلم ونزل منها حيض أول حيضة.

قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: «ما لك؟ لعلك نفستِ؟» قالت: نعم. قال: «فطهري من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فطهرِي فيه ملحاً، ثم اغسلي به ما أصاب الحق من الدم، ثم عودي لمركبك». قال لها: عودي لمركبك، يعني لم يمنعها.

قالت: فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، ردخ لنا من الفيء، وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبداً. قالت: فكانت في عنقها حتى ماتت، ثم أوصت أن تدفن معها، قالت: وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحاً، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت.

قال ابن إسحاق: وهذه تسمية من استشهد بخيبر من المسلمين؛ من قريش: بن ثميم من بني أمية بن عبد شمس بن حثيم بن ربيعة بن عكثم. وقال: وثقيف: بن عمر ورفاعة بن مسروح. ومن بني أسد: عبد الله بن الحبيب. وقال ابن هشام: من بني سعد بن ليثم من الأنصار: بشر بن البراء بن معرور، مات من الشاة التي سمى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضيل بن النعمان. ومن بني زريق: مسعود بن سعد. ومن الأوس: ثم من بني عبد الأشهل: محمود بن مسلمة. ومن بني عمر بن أوف: أبو ضياح بن ثابت بن النعمان، والحارث بن حاطب، وعروة بن مرة، وأوس بن الفائد، وأنيف بن حبيب، وثابت بن أثمن. من بني غفار: عمارة بن عقبة، رُمي بسهم، ومن أسلم: عامر بن الأكوع، والأسود الراعي، وكان اسمه أسلم. قال ابن هشام: الأسود الراعي من أهل خيبر.

ومن استشهد بأهل خيبر فيما ذكر، ذكر ابن هشام: الزهري من بني زهرة: مسعود بن ربيعة. ومن الأنصار: من بني عمر بن عوف: أوس بن قتادة. قال: أمر الأسود الراعي في حديث خيبر. قال ابن إسحاق: وكان من حديث الأسود الراعي فيما بلغني أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم له كان فيها أجير لرجل من يهود، فقال: يا رسول الله، عرض الإسلام عليه، فعرضه عليه فأسلم. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحداً أن يدعاه إلى الإسلام ويعرضه عليه، لا يحقر حتى لو كان راعياً يدعوه إلى الإسلام.

قال: فلما أسلم قال: يا رسول الله، إني كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: «اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها». قال: أضرب في وجوهها؟ قال: «نعم، سترجع وحدها إلى ربها». فقام الأسود فأخذ حفنة من الحصباء فرمى بها في وجوهها، يعني ارمِ أي شيء في وجهها، مش أنك تضربها كفاً، وقال لها: ارجعي إلى صاحبك، والله لترجعن. وخرجت مجتمعة، كان سائقاً يسوقها وحدها حتى دخلت حصن اليهود، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله فاستشهد، وما صلى صلاة قط.

سبحان الله، أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع عليه سِجْل، يعني وضعوا عليه شيئاً يسترون جثته، فتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم ونفر من أصحابه، ثم عرض عنه، فقال: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ فقال: «إن معه الآن زوجتيه من الحور العين». قال ابن إسحاق: وأخبرنا عبد الله بن أبي نجيح أنه ذكر له أن الشهيد إذا ما أصيب، تدلت له زوجته من الحور العين عليه، تنفضان التراب عن وجهه، تقولان: ترب الله وجه من تربك، وقتل من قتلك.

قال ابن إسحاق: فلما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن لاط السلمي ثم البهزي، فقال: يا رسول الله، إن لي بمكة مالاً عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة، وكانت عنده، ومنها معرض بن الحجاج ومال متفرق في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله. فأذن له، قال: فإنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول، قال: «قل». يعني يا رسول الله، أنا مضطر لأن هو الآن سيدخل مكة ومكة الآن في يد المشركين، فيريد أن يستنقذ هذا المال، فيحاول يا رسول الله أن يظهر أنني لست على الإسلام أو أنني متراجع، فإذن لي بأن أتكلم بهذا الكلام، قال: «قل».

يتكلم عن أن يعرض. قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة، وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يتسمعون للأخبار ويسألون عن أمر رسول الله ﷺ، يعني مخابرات وعيون وجواسيس.

قال: وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ريفاً ومناعة ورجالاً، فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان. فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاطة. قال: ألم يكن عليماً بإسلامه؟ قال: والله لخبر. قالوا: أخبرنا يا أبا محمد، أفإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود وريف الحجاز؟ قال: قلت قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر أن القاطع يقصدون -والعياذ بالله- النبي ﷺ، أنه القاطع، هكذا يعتبرونه.

قال: فالتبطوا بجنبنا ناقته يقولون: إيه إيه يا حجاج. قال: قلت هزم هزيمة لم تسمع بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلاً لم تسمعوا بمثله قط، وسر محمد أسرهم، وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلوه بين أظهرهم. قالوا: يا أصحاب خيبر، خلصوا على الجيش الإسلامي وأسروا محمداً ﷺ. وقالوا برضه: مش نحن رح نقتله، رح نرسله لمكة حتى مكة هي التي تقتله.

قال: فقاموا وصاحب مكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنتظرون قتله بين أظهركم. قال: قلت أعينوني على جمع مالي بمكة على غرمائي، فإني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فضل محمد وأصحابه قبل أن يسبق التجار إلى ما هناك. قال: إيش بده يضحك عليهم؟ قال: بس المهم الآن ساعدوني خليني أجمع مصاريه اللي في مكة، لأني أنا لازم أرجع بسرعة على خيبر حتى ألحق فلول المتبقية من محمد ﷺ وأصحابه، وبده يحصل أمواله ويروح. هم مساكين هذول تبعون مكة.

قال ابن إسحاق: فلما قال فقاموا فجمعوا مالي أحث جمع سمعت به. قال: يعني قالوا هذا جمعوا له أمواله في وقت سريع، وجئت صاحبتي التي هي زوجته التي كانت في مكة المشركة، فقلت مالي -وقد كان لي عندها مال- الموضوع لعلي ألحق بخيبر، فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبق للتجار، يعني خيبر الآن مفتوحة للتجارة بعد هلاك محمد ﷺ وجنده أو أسره.

فلما سمع العباس الخبر وجاءه عني، أخبر حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار. العباس لسه في مكة، قال: اقف بجنبي. فقال: يا حجاج ما هذا الذي العباس بيحكي لي إياه؟ هذا الصحابي، ما هذا الذي جئت به؟ فقلت: هل عندك حفظ لما وضعته عندك؟ قال: اسمع بدي أحكي لك سر بتحفظه؟ قال: نعم. قلت: سوف أستأثر عني حتى ألقاك على خلاء، ارجع حتى أنا وإياك نكون في منطقة فاضية أعرف أحكي معك بصوت منخفض، وأنا فاني في جمع مالك كما ترى، فانصرف حتى إذا فرغت من جميع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت الخروج، لقيت العباس فقلت: احفظ علي حديث أبا الفضل فإني أخشى طلب ثلاثة.

ثم قلت: فإني والله لقد تركت ابن أخيك عروساً على بنت ملكهم، صفيّة بنت حيي، ولقد افتتح خيبر وأنتم فيها. قال: طلع محمد ﷺ أي متزوج بنت زعيمهم؟ لا مأسور ولا شيء. قال: ولقد افتتح خيبر، واستحل ما فيها، وصارت خيبر له ولأصحابه. قال له: ما تقول يا حجاج؟ ترى أهل مكة كلهم مصدقين أنه محمد ﷺ هُزم. قلت: إي والله، فاكتم عني، ولقد أسلمت كمان، وما جئت إلا لأخذ مالي فرقاً أن أغلب علي. فإذا مضت ثلاثة أيام قال له: بعد ثلاثة أيام بتحكي لهم أنه ضحك عليكم الحجاج، فأظهر أمرك، فهو والله على ما قلت.

حتى إذا كان اليوم الثالث، لبس العباس حلة له وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة. فلما رآه أهل مكة قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التجلد لحري المصيبة. قالوا: أ العباس؟ أنت ستنتظر أنه محمد ﷺ سيأتي أسيراً؟ مش مشكلة مصيبة صابتكم، هم مفكرين أن العباس خايف وزعلان هسه أنه بعد أيام سيؤتى بالنبي ﷺ أسيراً.

قال: كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر، وترك عروساً على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه. قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، قال: هو اللي خبركم قبل ثلاثة أيام. قال: ولقد دخل عليكم مسلماً فأخذ ماله، فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه. قالوا: يا عباد الله، إن فلت عدو الله! أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن. ولم ينشب أن جاءهم الخبر بذلك، جاءهم الخبر بانتصار المسلمين.

قال: ذكر مقاسم خيبر وأموالها. قال ابن إسحاق: وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشق والنط والكتيبة، فكانت الشق هذه ثلاث حصون: حصن اسمه الشق، وحصن اسمه النط، وحصن اسمه الكتيبة. فكانت الشق والنط وزعت غنيمة على الجيش الإسلامي، وكانت الكتيبة هي خمس الله ولرسوله إلى آخره. أما الأخرى وهي السلالم والنطاح، فهذه فتحت صلحاً لم تفتح عنوة فليست غنيمة.

قال: وكانت الكتيبة خمس الله وسهم النبي ﷺ وسهم ذي القربى واليتامى والمساكين وطعم أزواج النبي ﷺ وطعم رجال مشوا بين رسول الله ﷺ وبين أهل فك بالصلح، يعني أعطاهم منها النبي ﷺ. قال: منهم محيصة بن مسعود، أعطاه رسول الله ﷺ منها ثلاثين وسقاً من شعير وثلاث وسقاً من تمر. قال: وقسمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد خيبر، خيبر كانت غنيمة فقط لأهل الحديبية، لم يسمح النبي ﷺ لغير أهل الحديبية أن يشارك في خيبر. ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقسم له رسول الله ﷺ كسهمه من حضره، يعني خيبر جابر شهد الحديبية لكن لم يستطع الخروج لخيبر، فالنبي ﷺ أعطاه من سهمها لأنه كان معذوراً. كان واديها وادي السرير ووادي خاص.

وهما اللذان قسمت عليهما خيبر؛ وكانت ناطات والشق، 18 سهماً؛ ناطات من ذلك خمسة أسهم، والشق 13 سهماً. وقسمت الشق ونطاط على 1000 سهم و800 سهم. وكانت عدة الذين قسمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله ﷺ 1800 سهم برجالهم وخيلهم؛ الرجال 1400 والخيل 200، على قاعدة أن الخيل سهمين والرجل سهم، فتطلع كم الأسهم؟ 1800. هو يقول لك كانوا 1400 رجل، والرجل يأخذ سهماً، وكان معهم 200 خيل، والخيل بسهمين، إذا هي 400، فإذا كانت كلها 1800.

قال: فكان لكل سهم رأس، جمع إليه 100 رجل؛ فكان 18 سهماً جمع. قال ابن هشام: في يوم خيبر عرب رسول الله ﷺ العربية من الخيل والهجن. قال ابن إسحاق: وكان علي بن أبي طالب رأساً، وزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعاصم عدي أخو بني العجلان، وسهم الحارث بن الخزرج، وسهم نائم، وسهم بني بياضة، وسهم بني عبيد، وسهم بني حرام من بني سلمة، وعبيد السهام.

قال ابن هشام: الآن الـ 1800 وزعت على 18 سهماً جمع، وكأنه يقول هنا إنه كانت هي نفسها الـ 1800 قسمت على مئات؛ الخلاصة 1800، كل 18 عبارة عن مجموعة، هي الـ 18 لـ 100 رجل على شكل وحدات واضحة.

قال ابن هشام: إنما قيل له «عبيد السهام» لما اشترى من سهام يوم خيبر، وهو عبيد بن أوس عهد بني حارثه بن خزرج، ابن الحارث بن الخزرج. قال ابن إسحاق: وسهم سعيدة، وسهم غفال، وأسلم، وسهم النجار، وسهم حارثه، وسهم أوس. فكان أول سهم خرج من خيبر ناطات، سهم الزبير بن العوام، وهو الخوع، وتابعه سهم بني بياضة، ثم كان الثالث سهماً لبني أسيد، ثم كان الرابع سهماً لبني الحارث بن خزرج، ثم كان الخامس سهماً لـ «نائم» لبني خزرج.

ثم هبطوا إلى الشق، فكان أول سهم خرج منه أسامة بن عاصم بن عدي، ومعه كان سهم رسول الله ﷺ، ثم سهم عبد الرحمن بن عوف، ثم سهم سعد، ثم سهم النجار، ثم سهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم سهم طلحة بن عبيد الله، ثم سهم غفار وأسلم، ثم سهم عمر بن الخطاب، ثم سهم بني عبيد، ثم سهم حارثه، ثم سهم عبيد السهام، ثم سهم أوس وسهم اللفيف. جمعت إليه جهينة من حضر خيبر من سائر العرب، وكان حذوه سهم رسول الله ﷺ الذي أصابه في سهم عاصم من عدي.

ثم قسم رسول الله ﷺ الكتيبة، وأواد وخاص بين قرابته وبين نسائه وبين رجال المسلمين ونسائه، فأعطاهم منه. فقسم رسول الله ﷺ لفاطمة بنته 200 وسق، ولعلي بن أبي طالب 100 وسق، ولأسامة بن زيد 250 وسقاً، ولعائشة 200 وسق، ولأبي بكر بن أبي قحافة 100 وسق، ولعقيل بن أبي طالب 100 وسق، ولبني جعفر 50 وسقاً، ولربيعة بن الحارث 100 وسق، وللصلت بن مخرمة وابنيه 100 وسق، للصلت منها 40 وسقاً، ولأبي نبخة 50 وسقاً، وبركانة بن عبد يزيد 50 وسقاً، ولقيس بن مخرمة 30 وسقاً، ولابن القاسم المخرمة 40 وسقاً، ولبنات عبيدة بن الحارث؛ وابنة الحسين بن الحارث 100 وسق، ولابني عبيد بن عبد يزيد 60 وسقاً، ولابن أوس بن مخرمة 30 وسقاً، ولمسح بن أثاثة وابن إلياس 50 وسقاً، ولأم ضميثة 40 وسقاً، ولنعيم وهند 30 وسقاً، ولبحيلة بنت الحارث 30 وسقاً، وعجيل بن عبد اليزيد 30 وسقاً، ولأمن الحكم 30 وسقاً، والجمانة بنت أبي طالب 30 وسقاً، وابن الأرقم 50 وسقاً، ولعبد الرحمن بن أبي بكر 40 وسقاً، ولحم بنت جحش 30 وسقاً، والزبير 40 وسقاً، ولضباعة بنت الزبير 40 وسقاً، ولابن أبي خنيس 30 وسقاً، ولأم طالب 40 وسقاً، ولأبي نظرة 20 وسقاً، وميلة الكلبية 50 وسقاً، ولعبد الله بن وهب وابنيه 90 وسقاً، منها لابنيه 40 وسقاً، ولأم حبيب بنت جحش 30 وسقاً، ولملكو ابن عبده 30 وسقاً، ولنسائه صلى الله عليه وسلم 700 وسق.

بسم الله الرحمن الرحيم، ذكر ما أعطى محمد رسول الله ﷺ نساءه من قمح خيبر، وسُمّ لهن 100 وسق، ولفاطمة بنت رسول الله ﷺ 85 وسقاً، ولأسامة بن زيد 40 وسقاً، وللمقداد بن الأسود 15 وسقاً، ولأم خمسة أوسق. فشهد عثمان بن عفان وعباس وكتب.

قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن صبغة بن عثمان قال: لم يوصِ رسول الله ﷺ عند موته إلا بثلاث: أوصى بالرهويين بجاد، وأوصى بالداليين بجاد، وأوصى بالسبائيين بجاد، وأوصى بالأشعريين بجاد، وأوصى بتنفيذ بعث أسامة بن زيد بن حارثة ولا يترك بجياد العرب ديناً، وأوصى بفدك في أمر خيبر.

الوسق تقريباً 120 كيلو؛ يعني ما معنى وسق؟ حتى الإخوة يفهموا، كل سنة 120 كيلو من هذا التمر، إذا كانت الأرض تطلع تمراً، عموماً هذا معنى الوسق. أعطى 30 وسقاً، والوسق عبارة عن 120، يعني كمية التمر بالنسبة لهم كانت مثل الرز اليوم، أنت لما تحكي لشخص لك 120 تمر في السنة، كأنك تقول له هي مونة السنة، هي طعامه من الرئيس. هي 122.2 بالضبط.

قال: أوصى للرهويين بجاد 100 وسق من خيبر، وللداليين بجاد 100 وسق من خيبر، وللسبائيين بجاد 100 وسق من خيبر، وللأشعريين بجاد 100 وسق من خيبر. فلما فرغ رسول الله ﷺ من خيبر قذف الله الرب...

في قلوب أهل فدك حين بلغهم ما أوقع الله بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول الله ﷺ يصالحونه على النص من فدك، فقدمت إليه طصلهم بخيبر، أو بالطريق، أو بعد ما قدم المدينة قبل ذلك. فكانت فدك لرسول الله ﷺ خالصة له؛ لأنه لم يوجف عليها بخير ولا ركاب.

قالت سمية: النفر الذين أوصى لهم رسول الله ﷺ من خيبر هم بنو الدار بن هان بن حبيب. قال ابن نسمة: بنو لخم الذين ساروا إلى رسول الله ﷺ من الشام: تميم بن أوس، ونعيم بن أوس أخوه، وزيد بن قيس، وعرافة بن مالك، وسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن. قال ابن هشام: وعزة بنت ابن مالك، وأخوهم مروان بن مالك. وقال ابن هشام: مروان بن مالك، وقال إسحاق: وفاق بن نعمان، وجبلة بن مالك، وأبو هند، وأبو هند ابن بر، وكان أخوه الطيب بن بر، فسمه رسول الله ﷺ عبد الله.

فكان رسول الله ﷺ -كما حدثني عبد الله بن أبي بكر- يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خالصًا بين المسلمين واليهود، فيخرص عليهم. فإذا قالوا تعدى علينا، قال: «إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا».

كان مسؤولًا عن كل سنة يروح يتابع موضوع المخرجات الزراعية ويقسمها، وهو عبد الله بن رواحة؛ لأنه أنت تعرفون الآن خيبر، العمل فيها يهود، النص سيكون للمسلمين والنص سيكون لليهود على العقل، وبده يصير يفرز. كان عبد الله بن رواحة هو المسؤول السنوي إلى أن استشهد في غزوة مؤتة رحمه الله.

قال: فإذا قالوا تعدى علينا، قال: «إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا». فتقول اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض! وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عامًا واحدًا ثم أصيب بالمؤتة رحمه الله. فكان جبار بن صخر بن أمية بن خنساء هو الذي يخلص عليهم بعد عبد الله بن رواحة، فقامت اليهود على ذلك، لا يرمي بهم المسلمون بأسًا في معاملتهم حتى عادوا في عهد رسول الله ﷺ على عبد الله بن سهل أخِ بني حارثة فقتلوه، فأتهمهم رسول الله ﷺ والمسلمون عليه.

قال ابن إسحاق: فحدثني زكريا عن سهل بن أبي حثمة، وحدثني أيضًا بشار بن أبي يسار بن حريثة عن سهل بن أبي حثمة، قال: أصيب عبد الله بن سهل بخيبر، وكان خرج إليها في أصحابه ليمتمر منها تمرة، فوجد في عين قد كسرت عنقه ثم طرح فيها. فأخذوه فغيبوه، ثم قدم إلى رسول الله ﷺ فذكروا له شأنه.

تقدم إليه أخوه عبد الرحمن ومعه ابن عمه حويص ومحيصة، ابن مسعود هذا مر معنا امبارح في سنن الدارمي التي فيها القسامة. وكان عبد الرحمن من أحدثهم سنًا، كان هو الأصغر، فقال النبي ﷺ -وكان هو صاحب الدم لأنه أخوه هو الذي قتل وكان ذا قدم في القوم يعني له مكانة- فلما تكلم قبل ابن عمه، قال له النبي ﷺ: «الكبر»، الكبر الأصل الذي يبدأ به الكلام، أكبر القوم مش أصغرهم، كان هو. وفي رواية يقال: كبر كبر، وفي رواية مالك بن أنس. فسكت عبد الرحمن وتكلم حويص ومحيصة، ثم تكلم هو بعد.

فذكروا لرسول الله ﷺ قتل صاحبهم الذي هو عبد الله بن سهل، فقال ﷺ: «أتسمون قاتلكم؟» أي تعينون رجلًا معينًا من اليهود هو الذي قتل، ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا التي هي القسامة؟ فأسمه لكم. قالوا: يا رسول الله، ما كنا لنحلف على ما لا نعلم، نحن ما شفنا من الذي قتله. فقال: «أفاحلف بالله خمسين يمينًا ما قتلوه اليهود ولا يعلمون له قاتلًا، ثم يبرؤون من دمه؟». قالوا: يا رسول الله، ما كنا لنقبل أيمان اليهود، فما هم فيه من الكفر أعظم من أن يحلفوا على إثم.

فالنبي ﷺ كما قلنا دفع الدية من عنده من بيت مال المسلمين هدية وتكريمًا لهم. قال سهل بن أبي حثمة: «فوالله ما أنسى بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوجها». بتذكر أنه سهل بن أبي حثمة راوي الحديث، أنه كان من القبيلة، جاءتني ناقة حمراء ضربتني منها.

قال ابن إسحاق وحدثني محمد بن إبراهيم، حديث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد، قال محمد بن إبراهيم: وأيم الله ما كان سهل بأكثر علمًا منه، ولكنه كان أسن منه. إنه قال له: والله ما هكذا كان شأنه، ولكن سهلًا أوهم. فقال رسول الله ﷺ يحلف سهل بن أبي حثمة، إيش يقول؟ حدثني محمد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن بجيد، قال محمد بن إبراهيم: وأيم الله ما كان سهل بن أبي حثمة بأكثر علمًا بهذه الواقعة من عبد الرحمن بن بجيد، ولكن سهل بن أبي حثمة كان أسن من عبد الرحمن بن بجيد.

طيب، عبد الرحمن بن بجيد كيف روى القصة؟ ما رواها مثل سهل بن أبي حثمة، قال: والله ما كان هكذا شأنه، ولكن سهلًا أوهم، سهل بن أبي حثمة أخطأ في بعض تفاصيل القصة. ما قال رسول الله ﷺ للحويص ومحيصة وجماعتهم: احلفوا على ما لا علم لكم به، ولكن كتب إلى يهود خيبر حين كلمته الأنصار، قال: حين كلمته الأنصار أنه قد وجد قتيل بين أبياتكم، فكتبوا إليه يحلفون بالله ما...

فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون قاتل، ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده.

قال ابن إسحاق: سألت ابن شهاب: كيف كان إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخلهم حين أعطاهم النخلة على خرجها، أبت ذلك لهم حتى قبض أم أعطاهم إياها لضرورة من غير ذلك؟ فأخبرني ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال، وكانت خيبر مما أفاء الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، خمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد اقتتال، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم، أقركم على ما أقركم الله. فقبلوا فكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها ويعدل عليهم في الخرص.

ولما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم على المعاملة التي عملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي، ثم أقرهم عمر صدرًا من إمارته. ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: «لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان». ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل يهود فقال: إن الله قد أذن في إجلائكم، فقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان»، فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأتني به أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليتجهز للجلاء. فأجل عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله.

وهذا معنى هل أبقت النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أم أعطاهم إياها ضرورة؟ يعني هل كان دفع خيبر على البت والقطع قطع شيء مستمر يعني عقد ملزم، ولا كان لضرورة وحاجة وأنه قال: إذا أنا يعني قررت أن أخرجكم أخرجكم؟ عرفنا أنه لم يعطيهم إياها على الجزم والقطع، وإنما أعطاهم إياها على أنه أنا محتاجكم الآن، متى ما أحتاج خلص ما بدي ياكم بسفركم وأجلكم، وفعلا تم إجلائهم في زمن عمر.

قال ابن إسحاق: ثنا نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر قال: خرجت أنا والزبير والمقداد بن الأسود إلى أموالنا بخيبر نتعاها، فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا، قال: فعدي علي تحت الليل وأنا نائم على فراش ففدعت يداي من مرفقي. فلما أصبحت استصرخ علي صاحبي فأتياني فسألاني: من صنع هذا بك؟ فقلت: لا أدري. قال: فأصلح من يدي، ثم قدم بي على عمر فقال: هذا عمل يهود. ثم قام في الناس خطيبًا فقال: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أن نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعت يداه كما قد بلغكم مع عدوتهم على الأنصاري قبله، لا نشك أنهم يقصدون بالأنصاري عبد الله بن سهل أنهم برضه قتلوا عبد الله بن سهل، يعني هذول اليهود عم بيغدروا فينا، أول شيء قتلوا عبد الله بن سهل وعملوا حاله ما قتلوه، وهي عبد الله بن عمر ففدعت يداه، فلا نشك أنهم أصحابه ليس هناك عدو غيرهم، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به فإني مخرج اليهود. خلص أخبرهم أنه اليهود لازم نطلعهم لا يمكن أن نتعايش معهم، فأخرجهم.

قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن مكنف أخى بني الحارث، قال: لما أخرج عمر يهود بن خيبر ركب في المهاجرين والأنصار، وخرج معه جبار بن صخر، جبار بن صخر الذي هو كان يخرج عليهم وكان خارص المدينة وحاسبهم، وبزيد بن ثابت، فهما قسم خيبر على أهله على أصل جماعة السماني التي كانت عليها، وكان ما قسَمَهُ؛ لأنه الآن إحنا كانت خيبر بالنص صحيح نصها لليهود ونصها للنبي عليه الصلاة والسلام كإنتاج، الآن بمجرد ما تم إتمام العقد النص الثاني سيرد على نفس الجيش أنه هو الجيش نحن أعطيناهم نص الطعام راح يكون للجيش الفاتح ونصه راح يكون لليهود، الآن النص تبع اليهود بده يرجع للفاتحين.

ولو كان ما قسم عمر بن الخطاب من وادي القرى لعثمان بن عفان خطر، ولعبد الرحمن بن عوف خطر، ولعمر بن أبي سلمة خطر، ولعمر بن أبي ربيعة خطر، ولعمر بن سراقة خطر، ولأشيم خطر. قال ابن هشام: يقال لأسلم ولبني جعفر خطر، ولمقيب خطر، ولعبد الله بن أرقم خطر. وعبد الله وعبيد الله خطرَان، عبد الله بن جحش خطر، ولابن بكير خطر، ولمعتمر الخطر، ولزيد بن ثابت الخطر بن كابن الخطر، ولمعاذ بن عفراء الخطر، ولأبي طلحة حسن خطر، ولجبار بن صخر وجابر بن عبد الله بن رئاب خطر، ولمالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله بن عمر خطر، ولابن حضير خطر، ولابن سعد بن معاذ خطر، ولسلمة بن سلامة خطر، ولعبد الرحمن بن ثابت أو أبي شريك خطر، ولأبي عبس بن جبر خطر، ولمحمد سمت خطر العبادة بن طارق خطر.

قال ابن هشام: قال لقتادة: قال ابن إسحاق ولجبر بن عتيك النصف خطر، ونه الحارث بن قيس نصف خطر، وابن خزمة والضحاك خطر، فهذا ما بلغنا من أمر خيبر وادي القرى ومقامهما. قال ابن هشام: الخطر النصيب. قال: أخطر لي فلان خطرًا.

قال ابن هشام: وذكر سفيان بن عيينة عن أفلح عن الشعبي أن جعفر بن أبي طالب قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه وقال: «ما أدري بأيهما أنا أسر؟ بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟». قال: ذكر قدوم جعفر من الحبشة وحديث المهاجرين إلى الحبشة.

قال ابن إسحاق: كان من أقام بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري فاحملهم في سفينتين فقدم بهم عليه وهو بخيبر بعد الحديبية. إذا تم بسفينتين عمر بن أمية الضمري طلب من النجاشي إرجاع الصحابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقدم الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر المهاجرون حبشة قدموه وهو بخيبر.

قال: من بني هاشم بن عبد مناف جعفر بن أبي طالب مع امرأته أسماء بنت عميس وابنه عبد الله بن جعفر (قتل جعفر بمؤتة من أرض شام أميرًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم)، رجل من بني عبد الشمس بن عبد مناف خالد بن سعيد بن العاص معه امرأته أمينة بنت خلف (قال ابن هشام: ويقال همينة بنت خلف) وابناه سعيد بن خالد وأمة بن خالد ولدتهما بأرض الحبشة (قتل خالد بمرج الصفر في خلافة أبي بكر بأرض الشام، وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص معه امرأة فاطمة بنت صفوان بن أمية هلكت بأرض الحبشة، قتل عمر باجنادين من أرض الشام في خلافة أبي بكر)، وفي معركه أجنادين المشهوره ذكر أشعار لعمرو بن سعيد يقول أبو سعيد ولعمرو بن خالد.

قال: ومن بني أبي فاطمة خازن عمر بن الخطاب على بيت مال المسلمين وكان إلى آل سعيد بن العاص، وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس حليفه، وآل عتبة بن ربيعة بن عبد الشمس أربعة نفر من يسد بن عبد العزة الأسود بن نوفل، ومن بني عبد الدار بن قصي جهم بن قيس معه ابناه عمرو بن جهم وخزيمه بن جهم وكانت معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود هلكت بأرض الحبشة، وبناه لها رجل.

قال: من بني زهرة بن كلاب عامر بن أبي وقاص وعتبة بن مسعود، رجلان من بني تيم من ابن كعب الحارث بن خالد وكانت معه امرأته ريطة بنت الحارث هلكت بأرض الحبشة (يعني هو كان أرض الحبشة معه زوجته بس زوجته توفت).

ومن بني جمح بن عمرو بن صخيص بن كعب عثمان بن ربيعة بن أهبان رجل، ومن بني سامر بن عمر بن خصيص بن كعب محْمية بن الجزع حليف لهم من بني زبيد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعله على خمس المسلمين رجل من بني أدي بن كعب، اليوم إذا بتروح أنت على إريتريا اللي هي الحبشة فعليًا إريتريا إذا بتروح عليها تجد بعض قبور الصحابه هناك معروفة يعني هناك قبور للصحابه الذين أتوا إلى اليوم معروف.

وقال: ومن بني عدي بن كعب معمر بن عبد الله، ومن بني عامر بني أبو حاطب بن عمرو بن عبد الشمس ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد الشمس معه امرأة عمرة بنت السعدي ابن وخدان بن عبد شمس رجلان، ومن بين الحارث بن فهل بن مالك الحارث بن عبد قيس بن وقد كان حمل معهم في سفنتين نساء من نساء من من هلك هنالك من المسلمين، هؤلاء الذين حمل النجاشي مع عمرو بن أمية في السفينتين، فجميع من قدم في السفينتين 16 رجلًا.

وكان من هجر إلى أرض الحبشة ولم يقدم إلا بعد بدر ولم يحمل النجاشي في السفينتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدما بعد ذلك، وهلك بأرض الحبشة من مهاجرات الحبشة من بني أمية بن عبد الشمس عبيد الله بن جحش، قال معه امرأة أم حبيبة وابنته حبيبة بنت عبيد وبها كانت تكنى أم حبيبة بنت أبي سفيان وكان اسمها رمله، خرج مع المسلمين وخرج مع المسلمين مهاجرة فلما قدم أرض الحبشة تنصر بها وفارق الإسلام مات هنالك نصرانية، فخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأته من بعده أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب.

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن زبير عن عروة قال: خرج عبيد الله بن جحش مع المسلمين مسلمًا فلما قدم أرض الحبشة تنصر، قال: فكان إذا مر بالمسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقحنا وصاصاتم، أي قد أبصرنا أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر ولم تبصروا بعد، وذلك أن ولد الكلب إذا إذا أراد أن يفتح عينيه النظر صاصا قبل ذلك، يضرب ذلك له ولهم مثلا أي أنا قد فتحنا أعيننا فابصرنا ولم تفتحوا عيونكم فتبصروا أنتم تلتمسون ذلك.

طبعا تقريبا رصدت حول أكثر من 14 عالم تكلم عن ردة عبيد الله بن جحش، أي أظن رواية عن ابن شهاب الزهري تذكر أنه مات دون أن يرتد، بعض إخواننا المعاصرين مشايخ المشهورين يعني في كتابه السير البعض يقول بالتالي لا يجوز رواية الآثار أن عبيد الله بن جحش ارتد لأنها قصة ثبتت بأسانيد مرسله وهناك سند واحد أصح عن ابن شهاب أو شيء أنه مات دون أن تذكر الردة.

لكن الحقيقة يعني لما يكون كبار مؤرخين كابن إسحاق وابن هشام وابن عبد البر وابن حجر وغيرهم من كبار المؤرخين المشهورين أنهم أصلًا كتبوا كلهم ينقل هذه الرواية القصة ويثبتونها في كتبهم، أي هذا يجعلك أن لا تعتبر أن من ينقل هذه القصة يخطئ، يعني هو يعتبر أنه هذا حرام أن ينقل أن صحابي ارتد وهو لم يرتد، هؤلاء العلماء الكبار اللي نقلوا هذه القصة هل يفعلون حرامًا؟ هل يتجرؤون على مقام الصحابة؟ أم هناك فلسفة في أسانيد السير تختلف عن أسانيد الأحاديث؟ وهذا قيد قضية أن السير لا يطلب فيها في الإسناد ما يطلب في الحديث النبوي.

بالتالي فقط أقول هذا لأني وجدت بعض المشايخ يعني أحد أحدهم الفاضل يعني ذكر أسماء شدد في هذا واعتبر أن الذي يروي هذه القصة قصة أنه يعني يقع في عرض الصحابة وأن عبيد الله بن جحش في النهاية قصة ردته قصة مروية بالأسانيد المرسلة فيها شيء من الانقطاع. لكن طب اتفاق جماهير المحققين على روايتها تعطي في النهاية أن هذه قصة إذا ما كان كذلك، هو ليس لن يحاسب لأننا نرويها، إذا كان لم يكن كذلك ما عندنا مشكلة، لكن جل من روى السير نقل هذه القصة والواقعة مجرد روايتها ليس استنقاصًا من الصحابة والله أعلم.

قال ابن إسحاق: قيس بن عبد الله ورجل من بني أسد بن خزيمة أبو أمية بنت قيس التي كانت مع أم حبيبة امرأة بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بحرب كان ري عبيد الله بن.

جحش أم حبيبة بنت أبي سفيان، فخرج بهما معهما حين هاجر إلى أرض الحبشة رجلان: بن أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة، قتل يوم حنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيداً، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد هلك بأرض الحبشة رجلان، ومن عبد الدار بن قصي: أبو الرومي بن عمير بن هاشم، وفراس بن النضر بن الحارث بن كل.

قال: رجلان من بني زهرة بن كلاب: منهم المطلب بن أزهر، معه امرأته رملة بنت أبي عوف، هلك بأرض الحبشة، ولدت له هنالك عبد الله بن المطلب، فكان يقال إن كان لأول رجل ورث أباه في الإسلام. رجل من بني تيم بن مرة بن كعب بن لؤي: عمرو بن عثمان بن عمر بن كعب، قتل بالققادسية مع سعد بن أبي وقاص.

رجل من بني مخزوم: يقظة بن مرة بن كعب، هبار بن سفيان بن عبد الأسد، قتل بأجنادين من أرض الشام في خلافة أبي بكر، أخوه عبد الله بن سفيان قتل عمل يرموك بالشام في خلافة عمر بن الخطاب، يشك فيه أقتل أم لا، وهشام بن أبي حذيفة بن المغيرة ثلاثة نفر.

ومن بني جمح بن عمرو بن صيص بن كعب: حاطم بن حارث بن معمر بن حبيب، ومعه امرأته ابنة المجلل، هلك حاطم هلاكاً مسلماً، قدمت امرأته ابنة وهي أمهما إحدى السفينتين. وأخوه حطاب، حطاب بن الحارث معه امرأة فاكهة بنت يسار، هلكوا عليك مسلماً، قدمت امرأته فاكهة في إحدى السفينتين. وسفيان بن معمر بن الحارث وابنه جنادة وجابر، وأمهما معهما حسنة أخوهما لأمهما شرحبيل بن حسنة، وهلك سفيان وهلك أبناه جنادة وجابر في خلافة عمر بن الخطاب ستة نفر.

ومن بني سامر بن عمرو: عبد الله بن الحارث، قال الشاعر: هلك بأرض الحبشة، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي، وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي قتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر، وعبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي وهو الرسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، والحارث بن الحارث، ومعمر بن الحارث، وبشر بن الحارث، وأخ له من أمه من بني تميم يقال له سعيد بن عمر قتل أجنادين في خلافة أبي بكر، وسعيد بن الحارث قتل عمل اليرموك في خلافة عمر، وسائب بن الحارث بن قيس جرح بالطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل يوم فحل في خلافة عمر، ويقال قتل يوم خيبر يشك فيه. عمير بن رئاب قتل بعين التمر مع خالد بن الوليد من صرفهم اليمامة في خلافة أبي بكر، أحد عشر رجلاً من بني عدي بن كعب بن لؤي: عروة بن عبد العزى بن حرثان هلك بأرض الحبشة، وعدي بن نضلة هلك بأرض الحبشة.

قال: وقد كان مع عدي ابنه النعمان بن عدي، فقدم النعمان مع من قدم من المسلمين من أرض الحبشة فبقي حتى كانت خلافة عمر، فاستعمله على ميسان من أرض البصرة فقال أبياتاً من الشعر. فلما بلغت أبياته عمر قال: نعم والله إن ذلك ليسوءني، فمن لقيه فليخبره أني قد عزلته. قال: وعزل فلما قدم عليه اعتذر إليه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما صنعت شيئاً من بلغ أني قلته قط، ولكني كنت امراً شاعراً وجدت فضلاَ من قول فقلت فيما يقول الشعراء. فقال له عمر: وتيب والله لا تعمل لي على عمل ما بقيت وقد قلت ما قلت.

فمن بني عامر بن لؤي: سليط بن عمرو، قال: وهو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة رجل. ومن بني الحارث بن فهر بن مالك: عثمان بن عبد غنم بن زهير، وسعد بن عبد قيس، قال: وعياض بن زهير. فجميع من تخلف عن بدر ولم يقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ومن قدم بعد ذلك، ومن لم يحمل النجاشي وفي السفينتين أربعة وثلاثون رجلاً، وهذه تسمية جملة من هلك منهم.

أما عمر بن الخطاب فعزله عن الشام. وكان فيها الأبيات وهو ايش يقول في الأبيات: ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بميسان يسقى في زجاج وحنتم؟ إذا شئت غنتني دهاقين قرية وراقصة تجذو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا في الجوسخ المتهدم

فعمر بن الخطاب ما عجبه أن أحد أمرائه يتكلم بهذه اللغة، يعني نحن وين قاعدين؟ نحن حانة ولا مش حانة؟ فلذلك عمر عزله، قال له: لا بعد هذه الأبيات اللي حكيتها وأنك قاعد. فقال له يعني يا أمير المؤمنين أنا أنا شاعر لا كنت قاعد في حالي ولا كنت بعمل عمل شي بس اجتني لحظة فراغ قلت بحكي هالابيات الشعرية. قالوا حتى مع ذلك الأصل أن أميري لا يصدر منه مثل هذه الأشعار اللي فيها التعريض بالشرب والنساء وما شابه ذلك. نعم، قال لعل أمير المؤمنين يسوء وقال عمر: نعم والله إن ذلك ليسوء، فلقيه فيخبره أني قد عزلته.

قال: وهذه تسمية جملة من هلك منهم من أبناء بأرض حبشة من بني عبد الشمس بن عبد مناف: عبيد الله بن جحش ومات نصرانياً، ومن بني أسد بن عبد العزى: عمرو بن أمية، بني جمعة: حاطم بن الحارث وأخوه حطاب بن الحارث، وبن سامر بن صعيص بن كعب: عبد الله بن الحارث، ومن بني عدي بن كعب: عروة بن عبد العزى وعدي بن نضلة، ومن أبنائهم من بني تيم بن مرة: موسى بن الحارث.

قال: وجميع من هاجر إلى أرض الحبشة من النساء من قدم منهن ومن هلك هنالك ست عشرة امرأة سوى بناتهن التي ولدن هنالك. ومن قدم منهن ومن هلك هنالك ومن خرج به معهن حين خرجن من قريش: من بني هاشم رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بني أمية أم حبيبة ومعها ابنتها حبيبة، ومن بني مخزوم أم سلمة قدمت معها بزينب ابنتها من أبي سلمة ولدتها هناك، ومن بني تيم بن مرة ريطة بنت الحارث هلكت بالطريق، بنتان لها كانت دادهما هنالك عائشة بنت الحارث وزينب بنت الحارث هلكنا جميعاً وأخوه موسى بن الحارث من ماء شربوه بالطريق، وقدمت بنت لها ولدتها هنالك فلم يبق من ولدها غيرها يقال لها فاطمة، ومن بني سهم بن عمرو رملة بنت أبي عوف بن صبيرة، ومن بني عدي بن كعب ليلى بنت أبي حثمة بن غانم، ومن بني عامر بن لؤي سودة بنت زمعة وسهلة بنت سهيل وابنة المجلل وعمرة بنت السعدي بن وخدان وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو.

ومن غرائب العرب: أسماء بنت عميس بن النعمان وفاطمة بنت صفوان بن أمية وفاكهة بنت يسار وبركة بنت يسار وحسنة أم شرحبيل بن حسنة. ايش يعني من غرائب العرب؟ يعني يقصد كأنه ليس من القرشيين، يعني من الأناس الفرد المفردين يعني من هنا وهناك. أسماء بنت عميس وهي زوجة جعفر لما تزوج أبو بكر سيدة جليلة خثعمية كانت فاطمة بنت كنانية، فاكهة بنت يسار وبركة بنت يسار حسنة اللي هي أم شرحبيل.

طيب، وهذه تسمية من ولده من أبنائهم بأرض الحبشة: عبد الله بن جعفر، من ولد في أرض الحبشة من أبناء الصحابة؟ عبد الله بن جعفر، محمد بن أبي حذيفة، سعيد بن خالد بن سعيد، أخته أمينة بنت خالد من بني مخزوم، زينب بنت أبي سلمة أيضاً، عبد الله بن المطلب بن أزهر، موسى بن الحارث. عبد الله بن جعفر ومحمد بن أبي حذيفة وسعيد بن خالد وعبد الله بن المطلب وموسى بن الحارث. ومن النساء خمس: أمينة بنت خالد اللي مرت معنا، زينب بنت أبي سلمة لأنه أبو سلمة وأم سلمة كانوا هاجروا الحبشة فولدوا زينب هناك، وعائشة وزينب وفاطمة بنات الحارث بن خالد.

طيب، عمرة القضاء في ذو القعدة سنة سبع. قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بن خيبر أقام بها شهر ربيع، وجماديين، ورجباً، وشعبان، ورمضان، وشوال، فيبعث فيما بين ذلك من غزاة سراياه صلى الله عليه وسلم، ثم خرج في القعدة من العام الذي صده فيه المشركون معتمراً عمرة القضاء مكان عمرته. لا، عمرة القضاء هي العمرة التي كانت بديلاً عن صلح الحديبية وتم الاتفاق عليها مع كفار مكة في الصلح.

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عويفة بن الأضبط الديلي، ويقال لها عمرة القصاص أيضاً تسمى. قال: لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في من الشهر الحرام في من سنة الست، فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة السبع. فبلغنا عن ابن عباس أنه قال: فانزل الله في ذلك: ﴿وَٱلْحُرُمَاتِ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194].

قال ابن إسحاق: معه المسلمون لما كان صد معه في عمرة تلك وهي سنة السبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش أن محمد وأصحابه عليه الصلاه والسلام في عسرة وجهاد، فأهل مكة ذهبوا إلى الجبال.

قال ابن إسحاق: حدثني ملأتهم عن ابن عباس قال: صفوا لنا عند دار الندوه لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد أطبع بردا. أمر بالإطباع ليري المشركين قوة، من هنا جاءت سنة الإطباع. قال: وأخرج عضده اليمنى ثم قال: «رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة». ثم سلم الركن، وخرج يهرول، يهرول أصحابه حتى الرمل بين الحجرين، كان لكنه هناك رملوا للركن اليماني وأذن لهم أن يمشوا من الركن اليماني للحجر الأسود؛ لأنه هي المنطقة كانت مخفية كفار قريش ما بيشوفوا الصحابه وما بيمشوا فيها.

قال: وهرول أصحاب حتى إذا رأى وراء البيت منهم واستلم الركن اليماني وراء البيت اللي هو بين الركن اليماني والأسود. ومشوا حتى يستلم الركن الأسود، ثم هرولوا كذلك ثلاثة أطواف ومشوا سائرها. فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنع أهل هذا الحي من قريش الذي بلغه عنهم، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها مضت، فمضت السنة. يعني كان الناس يظنون أن هذه فعلت فقط لعمره القضاء الرمل والإطباع وليس سنة، فلما كررها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع الرمل والإطباع عرف أنها سنة عامة.

قال وقال ابن إسحاق: حدثنا عبد الله، الآن سيذكر عبد الله بن رواحة خاطب يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا، فكل الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله أعرف حق الله في قبوله نحن قتلناكم على تأويله كما قتلناكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

قال ابن هشام: إن نحن قتلناكم على تأويله إلى آخر الأبيات لابن ياسر في غير هذا اليوم. والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين، والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقتل على التاويل. وأنا أفق معهم؛ لأنه هذه الآيات تصلح لأن تكون لمقاتلة الخوارج، الصحابة قاتلوا الخوارج على تأويل القرآن كما قاتلوا الكفار على تنزيل القرآن. أنت لما تقاتل شخص على تأويل القرآن شو يعني؟ يعني هو رجل بدو يفهم القرآن على كيفه ويفسره على كيفه زي ما يعملوا الخوارج، فهؤلاء من قاتلهم الصحابة على تأويله. ولذلك هذه الأبيات فعلا يشك أن تكون لعبد الله بن رواحة، ابن رواحة أصلاً ما أدرك الخوارج استشهد بعد قليل في غزوة مؤتة.

قال: قال ابن إسحاق حدثنا أبناء المصاحف عبد الله بن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح، مجاهد أبي الحجاج عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سنة. نعم، ميمونة بنت الحارث تزوجها وهو عائد من عمرة القضاء، طبعا قال ابن عباس أنه تزوج وهو حرام والصحيح أنه تزوج وهو حلال بعد أن انتهى من عمرة القضاء وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب. ولكن هذه القصة طبعا التفاصيل قال ابن هشام: وكانت جعلت أمرها إلى اختها أم الفضل، وكانت أم الفضل تحت العباس، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وأصدقها أربعمائة درهم.

قال ابن إسحاق: فقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في عمرة القضاء ثلاثة أيام، فاتاه حويطب بن عبد العزى باصنا في اليوم الثالث وهو أحد زعامات مكة، وكانت قريش قد وكلته باخراج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فقالوا إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا يا محمد عليه الصلاه والسلام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وما عليكم لو تركتموني فاعرست بين أظهركم وصنعت لكم طعاماً فحضرتموه؟» يعني وهذه لغة يعني يستفز عدوهم تمام. فقال: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا، ما بدنا تعملوا لنا طعام.

فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى يأتي بميمونة؛ أنه لسه هو بنى بميمونة في رحلة العودة، حتى أتى بها سرف فبنى بها النبي صلى الله عليه وسلم هناك في خيمة. ثم صرف النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة في ذي الحجة. قال ابن هشام: فانزل الله عز وجل فيما حدثني أبو عبيدة: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ﴾.

ذكر غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة، ومقتل جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة. قال ابن إسحاق: فأقام بها بقية ذي الحجة، وبلّ تلك الحجة المشركون. ما زالت مكة تحت أيدي المشركين. قال: والمحرم وصَفَراً وشَهري ربيع، وبُعِثَ في جمادى الأولى بعثاً إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة. قال بإسناده عن عروة بن الزبير قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثاً إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس».

قال فتجهز الناس، ثم تهيؤوا للخروج وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم، ودّع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلّموا عليهم. وهذه كانت أول غزوة باتجاه الروم. قال فلما ودّع عبد الله بن رواحة من ودّع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكى. فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ قال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عز وجل يذكر فيها النار، ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ [مريم: 71]، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود. أي إذا وردت الصراط هل أصدر، هل أنتقل للجنة أم أسقط في النار؟ الخوف من الله سبحانه.

فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردّكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة: لكنني أسأل الرحمن مغفرةً، وضربة ذات فَرغٍ تقذف الزبدَ، أو طعنةً بيدي حَرّان مُجهِزَةٍ بحربة تنفذ الأشاديدَ المتلّهب. حتى يُقال إذا مرّوا على جدثي: أرشد الله من غازٍ وقد رشد.

قال ابن إسحاق: ثم إن القوم تهيؤوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودّعه ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسنٍ تثبيت موسى ونَصراً كالذي نصروا. إني تفرست فيك الخير نافلةً، الله يعلم أني ثابت البصر. أنت الرسول فمن يحرم نوافله، والوجه منه فقد أزرى به القدر.

قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعهم، حتى إذا ودّعهم وانصرف عنهم، قال عبد الله بن رواحة: خَلِّ السلامَ عن امرئ ودّعته في النخل، في النخل خير مُشَيَّعٍ وخليل. ثم مضوا حتى نزلوا مَعَانَ من أرض الشام. ومؤتة من أعمالها.

قال: فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مَآبَ من أرض البلقاء في مئة ألف من الروم. وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مئة ألف منهم، عليهم رجل من بلي، ثم أحد أشراسة يقال لها مالك بن زافلة. فلما بلغ ذلك مئة ألف من الروم ومئة ألف من قبائل العرب الموالية للروم في مواجهة المسلمين، أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم. عدد ضخم جداً، الصحابة ثلاثة آلاف مقابل مئتي ألف. وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له.

فشجّع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإاما شهادة. فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة. فمضى الناس، فقال عبد الله بن رواحة إلى آخر الأبيات التي يقولها.

قال ابن إسحاق: ثم مضى الناس، فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة في حجره -ربّاه في حجره قد يكون هو عبد الله بن رواحة تزوج أُمّ زيد بن أرقم ممكن- فخرج به في سفره ذلك مردفاً على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلةً إذ سمعته وهو ينشد: أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء، فشانك أنعم وخلاك ذمٌّ، ولا أرجع إلى أهلي ورائي وجاء المسلمون وغادروني بأرض الشام مُشتهي الثواء. وردّك كل ذي نسب قريب إلى الرحمن منقطع عن الرخاء، هنالك لا أبالي طلع بَعْلٍ ولا نخلٍ أسافلها رُواء.

فلما سمعتهن منه بكيت، قال فخفقني بالدرّة -ضربني عبد الله بن رواحة بالعصا- قال: ما عليك يا لُكَعُ يا لئيم أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل؟ هو إيش بيقول؟ هو بيقول: أنا طلعت وما بدي أرجع، هذه خلاصة ما يقوله في الأبيات هي أنه أنا رايح للشهادة وترجع أنت مكاني وترجع عالجمل لأهله. وبيقول له: أنا أبستشهد أنت خذ الجمل وارجع فيه. ثم قال عبد الله في بعد سفره وهو يرتجز: يا زيد زيدَ اليَعْمُلاتِ الذُّبُّلِ، تطاول الليل وهُديت فانزلي. قال ابن إسحاق: ومضى الناس.

حتى إذا كانوا بدُخُومِ البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء وقالوا لها مشارف، ثم دنا عدوُّه، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها فتعبّأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عُذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له عباية بن مالك.

قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس فاقتتللوا، فقاتل زيد بن حارثة برآية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم. شاط يعني هلك. ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى إذا أَلْحَمَهُ القتالُ اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل. فكان نزل عن فرسه ثم قاتل القوم حتى قتل. فكان جعفر أول رجل من المسلمين عُقِر في الإسلام. قال عقر يعني عَقَرَ فرسَه قبل أن يستشهد.

قال بإسناده عن عبّاد قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مُرّة بن عوف، وكانت في تلك الغزوة غزوة مؤتة، قال: والله لكأنّي أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل حتى قتل وهو يقول: يا حبذا الجنة واقترابها، طيبةً وبارداً شرابها، والروم روم قد دنا عذابها، كافرةً بعيدةً أنسابها، عليَّ إذ لاقيتها ضرابها.

قال ابن هشام بإسناده: إن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه وابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين.

قال ابن إسحاق بإسناده عن عَبّاد قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مُرّة بن عوف قال: فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الرايةَ ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعد تراده ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنّه لتنزلنَّ أو لتكرهنَّ، أن أجلب الناس وشدَّ الرنّة، ما لي أراك تكرهين الجنة؟ قد طالما قد كنت مطميئنةً، هل أنت إلا نطفةٌ في شَنَّة؟

ولذلك لحظة القتل مش لحظة سهلة، يعني أن يقرر الإنسان انهاء وجوده في الدنيا، خلص يعرف أنه سيموت. يعني عبد الله بن رواحة هو اللي شجع الجيش وهو اللي بيعطي القصائد طول الطريق، بس لما صارت الرايه في إيده وعارف أنه المستهدف، يعني الموضوع أبدا مش سهل، هذا انتقال من عالم إلى عالم. وقال أيضاً: يا نفس إلا تقتلي تموتي، هذا حمام الموت قد صليتِ، وما تمنيت فقد أُعطيتِ، إن تفْعَلي فعلهما هُديتِ -يريد صاحبيه زيداً وجعفرا- ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شُدَّ بهذا صلبَك، فإنك قد لقيت أيامك هذه ما لقيت. فأخذه من يده ثم انتهس منه نَهْسَة، ثم سمع الحُطْمَةَ في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا؟! ثم القاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم فقتل حتى قتل.

سمع الحُطْمَةَ يعني سمع مواجهة في منطقة من مناطق الجيش بين المسلمين. قال ثم أخذ الراية ثابت بن أَقْرَم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فأصلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية تدافع القوم وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس. استطاع أن ينسحب بالجيش، بس طبعا في تفاصيل طويلة للمعركة كيف استطاع أن ينسحب الجيش.

قال ابن إسحاق: قبلما أصيب القوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني: «أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيداً، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيداً». ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون. ثم قال: «ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيداً». ثم قال: «لقد رُفع لي في الجنة -فيما يرى النائم- على سُرُر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة زَوراً عن سريري صاحبيه». فقلت: ممَّ هذا؟ فقيل لي: مضيا وتَرَدَّدَ عبد الله بعد التردد ثم مضى. حسبت الهُنيْهةَ. قال بإسناده هنيهة حسبت يعني تخيل هذا التردد جعله أنزل مرتبة من زيد بن حارثة وجعفر، طيب هذا اللي بيتردد مثل حالاتنا هنيئات إيش بده يكون وضعه؟

قال بإسناده عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه، دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تبغتُ أربعين مناً -قال ابن هشام: ويروى أربعين مَنيئةً- وعجنت عجينَي وغسلت بنيَّ ودهنتهم ونظفتهم. قالت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتيني ببني جعفر». قال: فاتيته بهم فشمّهم وذرفت عيناه. فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن ج- مش عارفة إنه زوجها استشهد، دخل عليها وهي مش عارفة إنه زوجها استشهد-. قال: «نعم، أصيب هذا اليوم». استشهد. فقمت أصيح -فقدت صوابها، زوج والزوج له مكانة-. واجتمع عليّ النساء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: «لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم». يعني اصنعوا لهم طعاماً وطعموهم وديربالكم عليهم، ومن هنا أتت سنة أنه الذي يصنع الطعام ليس أهل الميت، الناس تصنع الطعام لأهل الميت.

قال بإسناده عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن. قالت: فدخل عليه رجل فقال: يا رسول الله، إن النساء عَنَّيْننا وفتنّنا. قال: «فارجع إليهن فاسكتهن». قالت: فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك. النساء بصرخوا وبيبكوا. قال خلاص رجعهم يسكتوا، ما حدا يصرخ ويبكي. قالت قال: تقول: ربما ضرّ تكلف أهله. قالت: فقال: «فاذهب فاسكتهن، فإن أبين فاحث في أفواههن التراب». قالت: فقلت في نفسي: أبعدك الله! فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك. يعني هذا الصحابي عائشة انزعجت منه أنه خلص يعني النساء بيبكوا، لا تيجي تشكيهم للنبي عليه الصلاة والسلام خليهم يبكوا. فذهب ثم رجع فقال يا رسول الله النساء لسه بيبكوا. طيب تقول عائشة: وربما ضرَّ التكلفُ أهله. شايفين هذا الكلام يعني هي الكلمة عجيبة من عائشة، إيش يعني ربما ضر تكلف أهله؟ إنه أنت هذا الصحابي عائشة شافت أنه إيش؟ يريد مثالية مش مطلوبة في هذا المقام، هو كل شوي رايح على النبي عليه الصلاة والسلام يا رسول الله بيبكوا، عائشة بتقول خلص يا زلمه خليهم يبكوا أنت ليش بتروح وبتيجي من أجل أن يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ قرار حاسم فيهن، فعائشة بتقول أحياناً المثالية تضر، ضرّ مش صحيح هذا التصرف يعني. وهذا من فهم عائشة أنها عائشة امرأة واعية، هذا تكلف منك أن تطالب النساء، واحدة زوجها ميت شو تتوقع منها؟ بدها تبكي ممكن يرفعوا الصوت شوي كذا، الله سبحانه وتعالى أهم مش إنه ما يكون في منكرات ظاهرة، أما مجرد بكائها عياطها ويكون نساء معها بيبكوا معها أحياناً هذا بينفس شوي عن المشاعر. وربما عجبتني يعني ربما ضرّ تكلف أهله، ما تكون مثالي في لحظة مش لحظة مثالية لا يطالب فيها الإنسان بالمثالية. قالت: فقلت في نفسي أبعدك الله، فوالله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت:

راجع النبي عليه الصلاة والسلام قال: خلص اذهب سكتهم، وإذا ما ردوا عليك فاحثوا في أفواههم التراب. وهو عارف أنه ما راح يقدر يحط التراب في أفواه النساء. فقالت عائشة: أبعدك الله يا رجل، فوالله لا أنت تركت نفسك ولا أنت مطيع النبي عليه الصلاة والسلام. رح تقدر تحط التراب في فمهن؟ مش راح تحط التراب. فيعني خلص مشي، قالت: وعرفت أنه لا يقدر على أن يحثي في أفواههن التراب. قال ابن إسحاق: وكان وقد كان قطبة بن قتادة العذري، الذي كان على ميمنة المسلمين، قد حمل على مالك بن زافلة فقتله. وذكر أبيات قال بقية: حمل على مالك بن زافلة، اللي هو أحد رجالات العرب اللي بيقاتلوا مع الروم. قال بقية أمر غزاة زيد وجعفر.

قال ابن إسحاق: وقد كانت كاهنة من حدث حين سمعت بجيش رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا، قد قالت لقومها من حدث وقومها بطن يقال لهم بنو غنم: أنذركم قوما خزرا ينظرون شزرا، رأي ويقدون الخيل تترى ويهرقون. ترى قومها من بني لخم، وبني لخم وقفوا مع الروم. هذه الكاهنة من بني لخم ووقف قومها مع الروم، فهي تنذرهم الصحابة. نعم. قال: فأخذوا بقولها واعتزلوا من بني لخم. فلم تزل بعد أثرى حدث. نعم، فلم تزل بعد أثرى حدث. الكثرة أي أكثر مالا وعه يعني حدث هي الأكثر عددا وعدة. نعم. قال: وكان لا حدث قبيلة. حدث اسم الفخذ اسم الفخذ حدث نعم.

قال: وكان الذين صلوا الحرب يومئذ بنو ثبة، بطن من حدث، فلم يزالوا قليلا بعد. قال: فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلة. قال باسناده عن عروة بن الزبير قال: لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون. قال ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، واعطوني ابن جعفر. فأتي بعبد الله بن جعفر فأخذه فعمله بين يديه. يعني النبي عليه الصلاة والسلام جاي يستقبل الجيش. يستقبل الجيش والصبيان كلهم طالعين يستقبلوا آباءهم راجعين من المعركة إلا أولاد جعفر، والدهم استشهد. فالنبي عليه الصلاة والسلام لاحظ هذا الملحظ. نعم.

قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليسوا بالفرار ولكنه بالكرار إن شاء الله». قال باسناده قال عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالت أم سلمة: رأت سلمة بن هشام بن العاص، المغيرة: مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرار فررتم في سبيل الله! حتى قعد في بيته فما يخرج. تربية الصحابي أنت على الجهاد نعم.

قال ابن إسحاق: وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس المسحر اليعمري يعتذر بما صنع يومئذ وصنع الناس ذكر أبيه. قال: فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم وحاجزوا وكرهوا الموت، وحقق انحياز خالد بمامَنعه. قال ابن هشام: وأما الزهري فقال فيما بلغني عنه أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم وكان عليهم حتى قفل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وكان مما بكي به أصحاب مؤتة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: حسان بن ثابت ذكر الأبيات. وذكر أبيات كعب بن مالك. هنا بدأ الصحابه يرثون شهداء مؤتة من الصحابة الكرام نعم.

قال: وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة. قال من قريش ثم من بني هاشم: جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وزيد زيد بن حارثة رحمه الله. قال: ومن بني عدي بن كعب: مسعود بن الأسود، ومن بني مالك بن حسن: وهب بن سعد. ومن الأنصار ثم من بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة وعباد بن قيس، ومن بني غنم: مالك الحارث بن نعمان. قال ومن بني مازن بنجار: سراقة بن عمرو. قال ابن هشام: وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكر ابن شهاب من مازن بن نجار: أبو كليب وجابر بن عمرو بن زيد. قال: وهما لأب وأم. قال ومن بني مالك بن أفصى: عمرو وعامر بن سعد بن الحارث. قال ابن هشام: ويقال أبو كلاب وجابر بن عمرو.

قال: ذكر الأسباب الموجبة المسيرة إلى مكة وذكر فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان. قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثته إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجب، ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة تعادت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتيرة. نعم، هنا بدأت قضية فتح مكة، وكان أن بني بكر الذين دخلوا في حلف قريش قتلوا أناسا من بني خزاعة الذين دخلوا في حلف النبي عليه الصلاة والسلام عند مكة في مكان يقال له الوتير. نعم.

وكان الذي هجم ما بين بني بكر وخزاعة أن رجلا بن الحضرمي واسمه مالك بن عباد، وحالف الحضرمي يومئذ إلى الأسود بن رزم خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عادوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله. فعدت بنو بكر على في قصة قديمة أن بني خزاعة قاتلين رجل اسمه مالك بن عباد. قال: فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه. فعدت خزاعة بنو بكر راحت قتلت رجل من خزاعة ثأرا له. نعم. قال: فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزم الديلي. فعدت خزاعة -طبعا هذا كله في الجاهلية قبل البعثة- فعدت خزاعة على رجل من بني الأسود الديلي، وهم منخر بن كنانة. نعم.

قال: وهم منخر بني كنانة وأشرافهم سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفه عند أنصاب الحرم. قال ابن إسحاق: وحدثني رجل من بني الديل قال: كان بنو الأسود بن رزم يودون في الجاهلية ديتين ديتين ونودى ديه دية لفضلهم فينا. قال ابن إسحاق: فبين بني بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به. نجا الإسلام يعني الثأر توقف بين القبيلتين. نعم.

قال: فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط لهم -كما حدث الزهري عن عروة بن الزبير عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيرهم ممن علمائنا- أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهده فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: فلما كانت الهدنة تنبه بنديل بكر من بكر من بني بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأرا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم بني الأسود بن رزم، فخرج نوفل بن معاويه الديلي في بني الديل، وهو يومئذ قائدهم، وليس كل بني بكر تابعا، حتى بيت خزاعة. بعض ليس كل بني بكر تابعا لكنه في النهاية بعضهم تابعة. نعم. قال: حتى بيت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم، أصابوا منهم رجلا وتحاوزوا واقتتلوا، ورفدت بني بكر قريش بالسلاح. مين اللي ساعد بني بكر على هي العملية؟ قريش، وهذه خيانه من قريش. نعم.

قال: وقتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم الهك الهك. خزاعه وصلت دخلت جوا الحرم لتحمي نفسها. فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر -يعني لنوفل بن معاوية لسيدهم في هي الغارة-: يا نوفل، ترى الجماعة دخلوا الحرم الهك الهك يعني دير بالك. فهنا قال كلمة تدلك على أن الدين عنده ركيك قال: لا إله والعياذ بالله وبيحكي عن حاله بس أن الضمير جعله للغائب حتى ابن هشام ما ينسب الضمير له ويقول: لا إله بده يحكي لي بس يقال له تمام يا بني بكر أصيبوا ثاركم، فلعمري أنكم لتسرقون في الحرم -يعني أنتم هسه جايين تعملوا حالكم علي هيك بتقول لهم متدينين على أنتم روحوا أقضوا ثائركم أنتم بتسرقوا في الحرم أفلا تصيبون ثاركم فيه؟ نعم.

وقد أصابوا منهم وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلا يقال له منبه، وكان منبه رجلا مفؤودا خرج وهو خرج هو ورجل من قومه يقال له تميم بن مفؤودا يعني ضعيف القلب. نعم. فقال له منبه: يا تميم، جب بنفسك، فاما أنا فوالله إنّي لميت قتلوني أو تركوني، لقد أنبت فؤادي. وانطلق تميم فأفلت. قال له: أنا رح أموت رح أموت سواء قتلوني ولا ما قتلوني، يا بموت من السيف يا بموت من الخوف، أنت روح شوف لك شغله ثانية. نعم.

قال: وأدركوا منبها فقتلوه، فلما دخلت خزاعة مكة تلجأوا إلى دار بديل بن ورقاء ودار مولى لهم يقال له رافع. فقال تميم بن أسد يعتذر من فراره عن منبه ذكر الأبيات. قال ابن إسحاق: وقال الأخزر بن لعط الديلي فيما كان بين كنانة وخزاعة في تلك الحرب وذكر الأبيات. قال: فأجابه بديل بن عبد مناة بن سليمة بن عمرو بن الأجب، وكان يقال له بديل بن أصرم، وذكر الأبيات. قال: وذكر حسان بن ثابت أيضا أبيات.

قال ابن إسحاق: فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة وأصابوا منهما أصابوا ونقضوا ما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهد والميثاق فيما استحلوا من خزاعة وكانوا في عقده وعهده، خرج عمرو بن سالم الخزاعي. عمرو بن سالم الخزاعي أحد رجالاتهم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم الذين يخبروا الخبر، تفضلعه كانت مسلمة منهم مسلمون ومنهم مشركون، منهم مسلمون ومنهم مشركون. نعم.

قال: حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهري الناس وقال: يا ربي إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الاتلادا، قد كنتم ولدا فكنا والدا، ثم تأسلمنا فلم ننزع يدا، فانصر هداك الله نصرا اعتدا، وادعوا عباد الله ياتوا مددا، فيهم رسول الله قد تجرد. كنتم ولدا وكنا والدا لأنه إحدى عبد مناف كانت زوجته خزاعية، فاحنا أصلا بقول: احنا آبائكم أنتم يا محمد عليه الصلاة والسلام بمنزلة أولادنا. نعم.

فيهم رسول الله قد تجرد إن سيم خسفا وجهه تريبد، فيلق كالبحر يجري مزبدا، إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك الموكدا، وجعلوا لي في كداء رصدا، وزعموا أن لست أدعو أحدا، وهم أذل وأقل عددا، هم بيتون بالوتير هجدا، وقتلوا ركعا وسجدا. بالوتير اللي هو الماء الذي تم عليه قتلهم اسمه الوتير، يقول: قتلون وقد أسلمنا شايف وقتلونا ركعا وسجدا، هذا يدل على أنهم كان فيهم إسلام. نعم.

قال ابن هشام: ويروى أيضا فصر هداك الله نصرا أيدا، ويرى أيضا نحن ولدناك فكنت ولدا. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو بن سالم». قال جملة واحدة النبي عليه الصلاة والسلام: نصرت يا عمرو بن سالم، خلص وصلت الرسالة. نعم. قال: ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل هو السحاب النبي عليه الصلاة والسلام راى في السماء سحاب فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب اللي هم خزاعة هنا.

ثم خرج بذيل بن رقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني ومظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم صرفوا راجعين إلى مكة. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: «كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم». ليش العقد ويزيد في المت؟ النبي عليه الصلاة والسلام يعرف شخصية أبو سفيان قال: استنوا شوي رح يجي الآن أبو سفيان مشان يعني يعتذر ويزيد ويؤكد العقد ويحاول يصلح الخطأ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لن يقبل. نعم.

قال: ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن أبو أبا سفيان بن حرب بعسفان، قال: قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيد في المدة وقدره راهبوا الذي صنعوا. فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقة قال: من أين أقبلت يا أبا ديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سيرت في خزاعته سيرت في خزاعته في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال يعني أبو سفيان رجل ذكي قال: يا بديل، أنت من وين أجتدي؟ بده يحاول يخبي الموضوع أنه ما راح على النبي عليه الصلاة والسلام: كنت طالع مع خزاعة على الساحل يعني طالعين نعمل شغلة. نعم. قال: أوما جئت محمدا عليه الصلاة والسلام؟ قال: لا. قال فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لأن كان جاء المدينة لقد علف بها النواة. نفس الفكرة اللي عملها في يوم بدر بيروح على روث الحيوان بفتته إذا شاف نوى يعرف أنها من نواة بدر مدينة. قال: فأتى مبرك رحلته فأخذ من بعيرها ففتته قال فررا فيه النواة فقال: أحلف بالله لقد جاء أبو بديل محمدا الصلاة والسلام. قال: ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخل على

على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش المدينة متخفياً، وذهب مباشرة إلى بيت أم حبيبة ابنته زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، طوته عنه. فقال: يا بنية، ما أدرتِ عني؟ رفعت الفراش من تحته. قال: ما أدرتِ رغبتي به عن هذا الفراش أم رغبتِ به عني؟ يعني أنا مش عارف هو لأنه شايفه إني أنا أعلى من إني أجلس عليه، ولا لأنه هو أطهر من إني أنا أقعد عليه. قال: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر.

قال: ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به. قال: ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها. فقال: يا علي، إنك أمس القوم بي رحماً، واني قد جئتك في حاجة فلا ترجعنّي قد كما جئت خائباً، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد عليه الصلاة والسلام، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذاك أن يجير بين الناس، كان يعني عمره أربع سنين، هو ولد في السنة الثالثة من الهجرة، فالآن نحن بنحكي عن أي سنة، يعني ست سبع سنين مش أكثر منها. قالت: هذا لسا طفل صغير لا يؤمن ولا يجير. وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني. قال: والله، أبو سفيان بيقول يا علي انصحني ايش أسوي؟ قال: والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك شيئاً، ولكنك سيد بني كنانة فقم فاجر بين الناس ثم الحق بأرضك. قال: أترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال: لا والله ما أظنه ولكني لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق.

يعني كأني أنا خلص، يعني كأنه نوع من ايش. لا، يعني شو يعني قد أجرت بين الناس؟ يعني كأنه بده يقول إنه أنا خلص، يعني أنا بالنسبة لي بقول إنه لازم ما يصير مشكلة، إنه لازم نتصالح بينا ويجير بعضنا بعضاً، وما نخلي هذا الموضوع يفلت. كيف أقول لك، يعني ما تخلي الأمور تخرج عن السيطرة. كيف اليوم ايش بقول لك؟ لازم مثلاً المفاوضات بعد ما تكون، يعني ما بدنا نهدم اتفاق وقف الإ、طالق النار، ما بدنا نهدم الاتفاق، وأجرت بين الناس. طبعا هو حكاها هيك، هو عارف إن علي بن أبي طالب ضمن لك إنه حدا يسمع منك، بس احكيها.

قال: فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته فوالله ما رد علي شيئاً، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيراً، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى العدو. قال ابن هشام: أعدى العدو. قال ابن إسحاق: ثم أتيت علياً فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئاً أم لا. قال: وبما أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت. قالوا: فهل أجاز ذلك محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: ويلك، والله إن زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنك ما قلت. يعني أنت رحت حكيت قدام الناس أنا بدي وقف إطلاق النار يبقى مستمر، قال له النبي عليه الصلاة والسلام وافق؟ قال له: لا. قال: ما استفدنا شيئاً، يعني أنت شو حكيت كلمة ورحت؟ قالوا: لا والله ما وجدت غير ذلك، هذا اللي طلع معي شو أسوي؟

قال: وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه. فدخل أبو بكر على ابنته عائشة وهي تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي بنية، أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهز. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري. ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد، جدي وتهيئي. وقال: في هاي الغزوة كان صريح النبي عليه الصلاة والسلام لم يورّي، قال سنذهب إلى مكة حتى خلص، يعني يعرفوا إنه الموضوع مش أي شيء آخر. وقال: ﴿اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا﴾. فتجهز الناس.

قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن أبي زينب، قال: لما أجمع النبي صلى الله عليه وسلم السير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لي غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشاً. يعني جعل لها جعلاً، يعني هدية أو مكافأة، جعالة على أن تبلغ الكتاب لقريش. طبعا حاطب صحابي جليل، لكنه أخطأ هذا الخطأ التاريخي، وهي تعتبر بالمفهوم المعاصر خيانة للدولة؛ أن أنت بلغ العدو أخبار النبي عليه الصلاة والسلام، ورح نعرف السبب اللي خلى حاطب الله يرضى عنه يقع في هذا الخطأ.

قال: فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به. حطته في شعرها وعملت عليه ضفاير وعملت شهرة زي الكعكة ولا شيء ومشت. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم. قال: فخرجا حتى أدركاها بالخليقة، خليقة بني أبي أحمد، فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجد شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. قال: فلما رأت الجد منه قالت: أعرض. قال: أبعد وجهك، خليني أنا أرفع وجهك. قالت: فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ قال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة. قال: أنا يا رسول الله أنا مش قرشي أصيل، يعني أنا مش من قريش فعلياً. قال: لي بين أظهره ولد وأهل، وأنا ولا أولادي وأهلي ما زالوا مقيمين في مكة. قال: فصنعتهم عليهم. فصنعتهم، حبيت أعمل معروف مع قريش لحتى إذا صار شيء بينك وبينهم ما يقتلوا أولادي، يقولوا والله حاطب عمل معنا. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني لأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فانزل الله الآيات التي في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1] إلى آخر القصة.

قال ابن إسحاق بإسناده عن عبد الله بن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حسين الغفاري. قال: وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر. أفطر وإن كان في شهر رمضان لأنه في معركة. قال ابن إسحاق: ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم، وبعضهم يقول ألف سليم وألف مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام. وأوعب مع النبي صلى الله عليه وسلم التعبئة العسكرية الكاملة من المهاجرين والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد.

فلما نزل النبي عليه الصلاة والسلام مر الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو فاعل، خرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقة، خرجوا يتحسسون الأخبار وينظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به. وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الطريق، العباس خرج الآن من مكة إلى المدينة مسلما أو مهاجرا، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق والتحق بالجيش الإسلامي. قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجراً بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راضٍ على سقايته. يعني النبي عليه الصلاة والسلام العباس كان مقيماً على السقاية، شو هو؟ كان مسؤول الحج، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راضٍ لأنه مش زعلان. هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يعرف باسلامه ابتداءً وترك هناك لمصلحة أم أن النبي عليه الصلاة والسلام عذره لعذر من الأعذار؟

قال ابن إسحاق: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقال: يا رسول الله، ابن عمك وابن عمتك وص. أبو سفيان هذا مين؟ هذا أبو سفيان بن الحارث، هذا ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام، هذا مش أبو سفيان بن حرب. وهذا أبو سفيان بن الحارث كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويهجوه، ثم أسلم فحسن إسلامه وأصبح من فرسان الإسلام، وهو الذي ثبت يوم حنين ومسك ناقة النبي أو فرس النبي عليه الصلاة والسلام. قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، عرضي كان يهجوه، فهو الذي قال لي بمكة ما قال. فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بنيّه، فقال: والله ليأذنن لي أو لأخذن بيد بنيّ هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فاسلما.

وانشد شعراً، أبو سفيان بن الحارث أنشد شعراً اعتذر إليه، اعتذر إلى النبي عليه الصلاة والسلام عما كان ماضى منه فقال: لعمرك إني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد لك المدلج الحيران أظلم ليله فذا أوان حين أهدى وأهتدي هداني هاد غير نفسي ونالني مع الله من طردت كل مطرد قال: هداني اللي أنا طردته كل مطرد. طبعا النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: أنت طردتني، يعني سيجيبه: أصدى جاهلاً عن محمد عليه الصلاة والسلام، وأدع وإن لم أنسب من محمد؟ هما هم من لم يقلق بهواهم، وإن كان ذا رأي يلم ويفندي. أريد لأرضيهم، ولست بلائط مع القوم ما لم أهد في كل مقعد. فقل لثقيف: لا أُريد قتالها، وقل لثقيف: تلك غيري أُوعدي. فما كنت في الجيش الذي نال عامراً، وما عن جرى لساني ولا يدي. قبائل جاءت من بلاد بعيدة، نزائع جاءت من سهام وسرد.

قال ابن هشام: ويرى ودلني عن الحق من طردت كل مطرد. قال ابن إسحاق: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ونالني مع الله من طردت كل مطرد، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: أنت طردتني كل مطرد. يعني أنت أطردتني أنت، يعني كأنك لا تسوى أنك تطردني.

قال: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، قال العباس بن عبد المطلب: قلت: وصباح قريش! والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء فخرجت.

فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت كأنه موضع معين يعني يعرفونه نعم. والعباس كان حريصاً أنه لعله يجد أحد رجال مكة يأخذه إلى النبي عليه الصلاة والسلام يكتب أماناً بين أهل مكة وبين النبي عليه الصلاة والسلام.

قال لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبره بمكان النبي صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوا. خلاص يعني ما صار فيها حاجة طيب قال فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة. قال فوالله إنِّي لأَسير عليها والتلتمس ما خرجت له، هذا بالليل كان ماشي عليها العباس نعم.

قال إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول سمع بالليل صوت أبي سفيان وبديل بن ورقاء بيحكوا مع بعض وأبو سفيان يقول لبديل أيوه قال ما رأيت كاللَّيلة نيراناً قط ولا عسكراً. قال يقول بديل هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. بديل بن ورقاء إيش بقول له هذه خزاعة بديل هو خزاعي أصلاً بورقاء ما هو من خزاعة قال هذه خزاعة الظاهر حمشتها الحرب يعني ناويه أن تحرق اليابس والأخضر هيجتها نعم.

قال يقول أبو سفيان خزاعة أذل أقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها. قال خزاعة ما هي نيران أكثر من خزاعة نعم. قال فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة. فعرف صوتي فقال أبو الفضل قال قلت نعم قال ما لك فداك أبي وأمي. قال ويحك قال قلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس وأصبح قريش والله قال فما الحيلة فداك أبي وأمي.

قال قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. قال فركب خلفي ورجع صاحباه. قال فجئت به، كلما مرت نار من نيران المسلمين قالوا من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا عم رسول الله على بغلته. حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على العجز عمر قال من هذا وقام فانتبه أنه وراء أبو سفيان نعم.

قال فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيعة الرجل البطيء عمر بده يسبق مشان يحكي يا رسول الله بدي أقتله، والعباس بده يسبق مشان يأمنه فصار سباق مين يسبق هل الذي سيقتل أو يؤمن.

قال وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة الرجل البطيء يعني بفرق يسير كان بين وصول يعني أنا سبقته بس بفرق يسير مش فرق كبير نعم. قال فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم. نزل مباشر قال فاقتحمته يعني نزول السريع نزلت مباشرة وبركض مشان أدخل قبل ما يأتي عمر، فدخلت على النبي عليه الصلاة والسلام ودخل عليه عمر بعد ذلك بدقائق.

فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكنك الله منه بغير عقد ولا عهد، يعني ما في له أمان بدنا نقتله يعني هذا معنى بغير عقد ولا عهد لأنه لو له أمان ما بصير يقتل فهو مبسوط عمر أنّه الآن فرصتنا أن ننهي هذا الرجل. قال فدعني فلأضرب عنقه. قلت يا رسول الله فالعباس بقول يا رسول الله أنا قد أجرته.

ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه ليلة دون رجل. فلما أكثر عمر في شأنه قال قلت مهلاً يا عمر فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنهم رجال بني عبد مناف. قال فقال مهلاً يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من اسلام الخطاب لو أسلم.

وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأأتني به». قال فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما راه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله». قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئاً بعد. قال: «ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن». يعني أبو سفيان بقول والله أنا مقتنع بكلامك لو كان في مع الله إله آخر لاغنى عنا طول هذه الحروب فعلاً لا يوجد إلا إله واحد هو الله سبحانه طيب.

قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما والله فإن هذه في نفسي منها حتى الآن شيء. قال أما محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام قال هذه لساته مش مقتنع فيها عند النبي عليه الصلاة والسلام ماذا فعل به. فقال له العباس ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال فشهد شهادة الحق فأسلم.

فشهد شهادة الحق فأسلم لكن النبي عليه الصلاة والسلام عارف أنه أسلم إلى الآن لسه في قلبه فيه شيء لكنه قال لك خليني أسلم حتى ما أقتل، فأسلم لذلك النبي عليه الصلاة والسلام انظر كيف سيفعل من أجل تثبيت الإسلام في قلبه الآن شوف ماذا سيفعل به نعم.

قال العباس قلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئاً قال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو. أعطيه هيك شيء يتميز زلمه بحب يتميز فقال نعم أعلنوا في مكة من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، خذ هذا التميز نعم. قال ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن. فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها».

النبي عليه الصلاة والسلام حتى يثبت الإسلام في قلب أبي سفيان قال يا عباس احبس أبا سفيان على خطم الجبل عند رأس الوادي حيث ستمر الجيوش أمامه ليرى كتائب الجيش الإسلامي كتيبة كتيبة ليعرف أن هذا لا يكون إلا لنبي فيزداد يقيناً أنني رسول الله نعم.

قال فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه، ومرت القبائل على حبسته يعني أوْقفته مش معنى أنه ضروري يكون يعني ساجنه نعم. قال كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه؟ فأقول سليم فيقول ما لي ولسليم؟ ثم تمر القبيلة فيقول يا عباس من هؤلاء؟ فأقول مزينة فيقول ما لي ولمزينة؟ حتى نفذت القبائل ما تمر قبيلة إلا سالني عنها، فإذا أخبرته بهم قال ما لي ولبني فلان؟ حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء.

قال ابن هشام وإنما قيل لها الخضراء لكثره الحديد وظهوره فيه. وماذا سميت الكتيبة الخضراء؟ لكثرة الحديد وظهوره، والحديد في أزمتهم كان يكون فيه نوع من الخضرة ما بيكون لونه بلون هذا الصافي اللي أنتم شايفينه أمامنا، لا الحديد بيكون طبعاً مع حروب مع صدأ مع عوامل كثيرة بتخليهم فيها نوع من الخضرة نعم.

قال ابن إسحاق فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قلت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار قال ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً. حصل المقصود هذا اللي بدها يصلي النبي عليه الصلاة والسلام له أنه هذا لنبي، هذا لا يكون إلا لنبي بهذه المدة القصيرة وبهذا العز والشرف نعم.

قال قلت يا أبا سفيان إنها النبوة. إنها النبوة قال فنعم إذاً أي والله إنك صدقت إنها نبوة نعم. قال قلت انجي إلى قومك حتى إذا جاءوا صرخ العباس ترك أبا سفيان قالوا يلا روح لقومك وخبرهم نعم. حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد صلى الله عليه وسلم قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه زوجته فأخذت بشاربه وقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس، الحميت اللي هو قالت زق السمن الدسم يعني الناصح السمين الأحمس يعني شديد اللحم شبهته بالزق لضخامته وسمنه يعني نوع من التهكم به قال قبح من طلعة قوم. قال ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فانه ما تردوا عليها هذه امرأة مسكينة والله ما هي عارفة شو اللي شفته نعم.

قال فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا قاتلك الله وما تغني عنا دارك؟ قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، ما حدا دخل بيته دخل رأوا على الدور وعلى المساجد نعم.

قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على ذي طوى قرية قبيل مكة يعني على أبواب مكة نعم. قال وقف على راحلته معتجراً بشقة برد حبرة حمراء. نعم يعني معتجراً يعني معتماً، وإن رسول الله صلى الله عليه لا يضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى إن عثنونه لا يكاد يمس واسطه الرحل.

نعم قال ما معنى أن عثنونه ليصيب واسطه الرحل؟ يعني كان يطاطئ رأسه صلى الله عليه وسلم، وأنا قلت لكم قديماً الجمال كان يكون عليها رحل والرحل له خشبة أمامية وخشبة خلفية ويكون الراكب في المنتصف، فعثنونه يعني لحيته من شدة تواضعه لله لتصيب الخشبة الأمامية للرحل طيب.

قال فأسرفت به عليه فقال أبنيه ماذا ترين؟ قالت أرى سواداً مجتمعاً. قال تلك الخيل. قال وأرى رجلاً يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلاً ومدبراً. قال أبنيه ذلك الوازع يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها. ثم قالت قد والله انتشر السواد. قالت فقال قد والله إذا دفعت الخيل فأسرعي بي إلى بيتي. فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته.

قالت وفي عنق الجارية طوق من ورق، فتلقاها رجل فيقطعه من عنقها. قالت فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هل تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا أتيه فيه؟» قال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت. قالت فأجلسه بين يديه ثم حطره ثم قال له أسلم، فاسلم.

قالت فدخل به أبو بكر وكان رأسه ثغامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا من شعره». ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته وقال أنشد الله والإسلام طوق أختي فلم يجب أحد. قالت فقال يعني طوق أختي مش واحد من الصحابه شكله نزع، ايش قلنا في الصفحة الماضية؟ نزع منها القلادة الفضية فهي تقول أنا بدي طوق أختي يعني بدي القلادة نعم.

قال فقال أي أخية احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل. قال ابن إسحاق بإسناده عن قال وحدثني عبد الله بن أبي سهل عليه مشان نقعد ندور على القلادة نعم. قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه بذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كُدىً وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وامر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء.

قال ابن إسحاق فزعم بعض أهل العلم أن سعداً حين وجه داخلاً قال اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. هذه جملة خاطئة قالها سعد بن عبادة أنها ستستحل حرمة الكعبة، وهذه جملة خاطئة ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام سيعالج الموقف نعم.

قال اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل من المهاجرين، قال ابن هشام هو عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله أسمع ما قال سعد بن عبادة؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «أدركه فأخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها». قال ابن إسحاق وقد

حدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم، وسليم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من قبائل العرب. وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضربت هنالك قبته.

قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن بكر، أن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا. وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد السلاح قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم قال: إن يقبل اليوم فما لي علة، هذا سلاح كامل وآلة، وذو غرارين سريع السلة.

ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل وعكرمة. فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد، ناوشوهم شيئا من قتال، وقتل كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرمة حليف بني منقذ وكان في خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه فسلكا طريقا غير طريقه فقتل جميعا. قتل خنيس بن خالد من قبل كرز بن جابر، فجعله كرز بن جابر بين رجليه ثم قاتل عنه حتى قتل وهو يرتجز ويقول: قد علمت صفراء من بني فهر نقية الوجه نقية الصدر، لأضربن اليوم عن أبي صخر، أبي الصخر اللي هو نفسه خنيس اللي تحت رجليه قال، رح أقاتل بالنيابه عنه ثم مات هو.

وكان خنيس يكنى أبا صخر، قال خنيس بن خالد من خزاعه. قال وحدثنا تخيلوا برضه هذا من خزاعه بس بقاتل في مكه قاعد يعني عم قاتل مع اهل مكه قاتل النبي عليه الصلاه والسلام. قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبو بكر قال: وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء من خيل خالد، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا.

فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامراته: اغلقي علي بابي. قالت: فاينما كنت تقول؟ قال: انك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة، واستقبلتهم بالسيوف المسلمة يقطعن. مين حماس يقول؟ قال ابن اسحاق: حدثنا عبد الله بن ابي نجيح وأصيب من جهينة سلمة، وأصيب من المشركين ناس. فخرج حماس، مين حماس؟ حماس اللي كان بجهز الحديد مش رجل من بني بكر اللي قبل شوي قالت له مرته انت شو بتعمل؟ قال بجهز الحديد مشان نقاتل في محمد عليه الصلاه والسلام. قالت له مرته: والله ما شايف انه يعني هذا رح ينفع. قال: ان شاء الله رح اخليك سبيه عندهم، والله لاني لارجو أن أخدمك، عفوا رح أخليه رح أخلي ناس منهم يكونوا سبايا عندك رح أورجيك رح أجيب لك سبايا. فلما شاف الحق هذا الرجال، فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامراته: اغلقي علينا الباب. قالت: أينما كنت تقول على أساس بدك تخدمني بعضهم وتجيب لي سبايا منهم؟ فقال: اسمعي يا مرا والله لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالموت، واستقبلتهم بالسيوف المسلمة اقطعن كل ساعد وجمجمه ضربا، فلا تسمعوا إلا غمغمة لهم نهيت لهم نهيت خلفنا وهممه، لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة، يعني لو شفت اللي شفته عرفت الحق نعم.

قال ابن هشام: انشدني بعض أهل العلم شعر كالموتمة وتروى لرعاش الهذلي. قال: وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وحنين والطائف: شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج يا بني عبد الله، وشعار الأوس يا بني عبيد الله.

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة. قال منهم: ابن سعد أخو بني عامر بن لؤي، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه قد كان أسلم وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فارتد مشركا راجعا إلى قريش، ففر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه للرضاعة فغيابه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن يطمئن الناس وأهل مكة، اللي هو هذا الصحابي عبد الله بن أبي السرح صح قائد معركة ذات الصواري لاحقا، كان من كتاب الوحي ارتد، النبي عليه الصلاه والسلام أهدر دمه، وعثمان أمنه ثم اقرأ القصة نعم.

قال: فاستأمن له، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلا ثم قال: نعم. فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله من أصحابه: لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال الرجل من الأنصاري: فهلا أمت إلي يا رسول الله؟ قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة، يعني النبي عليه الصلاه والسلام ما أحب ابتداء أن يعطيه الأمان كان ينتظر لعل أحد الصحابه يقتله، ما أحد من الصحابي فهمه هذا. قال الصحابه: وقالوا يا رسول الله واشترت إلينا بس بعينك لكنه اقتله قتلنا. قال النبي عليه الصلاه والسلام: لا تكون له خائنة، ما كان نبيا أن تكون له خائنة الأعين ولا يقتل بالإشارة نعم.

قال: ثم أسلم بعده فولاه عمر بن الخطاب بعض أعماله، ثم ولاه عثمان بن عفان بعد عمر. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خطل رجل من بني تيم بن غالب، وإنما أمر بقتله أنه كان مسلما فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان معه مولى له يخدومه وكان مسلما، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعاد عليه فقتله ثم ارتد مشركا. وكانت له قينتان فرتنى وصاحبتها واحدة اسمها فرتن وواحدة ثانيه، وكانت تهجان النبي عليه الصلاه والسلام نعم.

قال: فامر بقتلهما معه. قال: والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي وكان ممن يؤذيه بمكة. قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطلب حمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد بهما المدينة، فنخس بهما الحويرث بن نقيذ فرمى بهما إلى الأرض. قال ابن إسحاق يعني وهم مهاجرات نخس جملهما فسقط، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يثار لابنتيه على الذي أراد أن يعتدي على فامر بقتله.

قال ومقياس بن صبابة، وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لقتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مشركا. قال: وسارة مولاة لبعض بني عبد المطلب، وبعكرمة بن أبي جهل وكانت ساره ممن يؤذيه بمكة. فأما عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فاستأمنتل ه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، مرته أسلمت قالت يا رسول الله أمن لي عكرمة. وفعلأ أمن لها عكرمة نعم.

قال: فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم. وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي اشتريا في دمه. وأما مقياس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه، فقالت أخت مقياس في قتله: لعن عم لي لقد أخذى نميلة رهطه، يعني أنه لما قتل رجل منهم وفجع ضياف الشتاء بمقياسه، لأنه مقياس يعني كان كريم وكان دائما ثمال للناس اللي بيجوا بفصل الشتاء يطلبون الحوائج، فلله عينا من رأى مثل مقياس إذا النفسا أصبت لم تخرسي نعم.

قال وأما قينة ابن خطل فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فأمنها. وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا في زمن عمر بن الخطاب الأبطح فقتلها. وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب. قال ابن إسحاق: قال بإسنادي، يعني رجل طلع عليها بالفرس الظاهر بالخطأ فقتلها طيب.

قال بإسنادي أن أم هاني ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم، وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي. قالت: فدخل علي بن أبي طالب اخي فقال: والله لأقتلنهما. فأغلقت عليهما بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة فوجدته يغتسل من جفنة أن فيها لأثر العجين وفاطمة ابنتته تستره بثوب، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ثم انصرف إلي فقال: مرحبا وأهلا يا أم هاني ما جاء بك؟ فاخبرته خبر رجلين وخبر علي فقال: قد أجرنا من أجرت وأمنا من آمنت فلا يقتلنهما. قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية بن المغيرة.

قال ابن إسحاق بإسناد عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة واطمأنت الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبه وقد استكف له الناس في المسجد. قال ابن إسحاق: حمامة من عيدان يعني حمامة كتمثال معموله كتمثال من أعواد خشب أو شيء من ذلك نعم.

قال: وقد استكف له الناس في مكة في المسجد. قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، إلا وقتيل الخطأ شبه العمد والسوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها». يا أحيانا الواحد حاول يتفهم من الأشياء اللي بحاول أتفهمها، يعني لماذا بعض الأحكام تقال في هذا الموطن؟ يعني لماذا التركيز على موضوع شبه العمد مثلا؟ لماذا لم يذكر مثلا أحكام أخرى؟ هذه من الأمور التي تحتاج إلى تدبر أحيانا نعم. شيخنا ممكن العرب مثلا كانت تعرف الخطا والعمد فقط؟ هسه ممكن بس أنا أقص، يعني هل هذا الموعد الآن أنت في بداية فتح، يعني المتوقع الآن رح يعطي خطبة يعني قوية جدا عن الفتح وانتصار الإسلام وعن رفع الله عز وجل لهذا الدين، وعلى العودة إلى مكة بعد سنوات من العناء، فالتركيز على خطب التركيز على هذه القضايا ما ما الهدف منه؟ هذا اللي بحاول الإنسان يتدبر نعم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب». ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ [الحجرات: 13] الآيات كلها. ثم قال: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: «فاذهبوا وأنتم الطلقاء».

قال: ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين عثمان بن طلحة؟» السقاية كانت في العباس وعلي وهؤط والمطلبين فعم علي بده الحجابة، قال يا رسول الله الحجابة اللي هي ايش مفتاح الكعبة تنظيفها، يا رسول اجمع لنا مع فضل شرف السقاية شرف حجابة الكعبة.

قال: نادى عثمان بن طلحة الذي أخذ منه المفتاح؛ قال: «هذا اليوم يرد فيه الأمانات، أين عثمان بن طلحة؟» فدعي له، فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء».

قال ابن هشام: ذكر سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليَّ، إنما أعطيكم ما ترزؤون -لا ما ترزؤون، الأولى ترزؤون- لا ما ترزؤون».

أشوف هنا ماذا يقول: أعطيتكموه لأنكم تغرمون فيها، ولم أعطكم البيت، أي أنهم بأخذه يأخذون من هديته. طب خلينا نَفكر فيها. كمُل.

قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مصوراً في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: «قاتلهم الله! جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام؟ ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]». ثم أمر بتلك الصور كلها فمطست.

قال ابن هشام: وحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة ومعه بلال، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلف بلال، فدخل عبد الله بن عمر على بلال فسأله: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولم يسأله كم صلى. فكان ابن عمر إذا دخل البيت مشى قبل وجهه، وجعل الباب قبل ظهره حتى يكون بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع ثم يصلي، يتوخى بذلك الموضع الذي قال له بلال.

قال ابن هشام: وحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة. فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيْداً أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه -عتاب بن أسيد كان شاباً، والنبي صلى الله عليه وسلم سيوليه على مكة، سيصبح هو أمير مكة بعد الفتح نعم- فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه محق لتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى. خلص، أبو سفيان عرف الدرس، قال: مش راح أحكي ولا شيء، أي شيء بنحكيه هون بكون وصل للنبي عليه الصلاة والسلام.

قال: فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قد علمت الذي قلتم». ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول!

قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي سندر الأسلمي عن رجل من قومه قال: كان معنا رجل يقال له أحمر باساً، وكان رجلاً شجاعاً، وكان إذا نام غطّ غطيطاً منكراً لا يخفى مكانه. فكان إذا بات في حيّ بات معتزِزاً، فإذا بيت الحي صرخ: يا أحمر! فيثور مثل الأسد لا يقوم لسبيله شيء. فأقبل غَزِيّ من هذيل يريدون حاضرة، حتى إذا دانوا من الحاضرة قال ابن الأثوغ الهذلي: لا تعجلوا عليّ حتى أنظر؛ فإن كان في الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم، فإن له غطيطاً لا يخفى. قال: فاستمع، فلما سمع غطيطه مشى إليه حتى وضع السيف في صدره، ثم تحمل عليه حتى قتله، ثم أغاروا على الحاضر، فصرخوا: يا أحمر! ولا أحمر لهم.

قال: فلما كان عام الفتح وكان الغد من يوم الفتح، أتى ابن الأثوغ الهذلي حتى دخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس وهو على شركه، فرأته خزاعة فعرفوه، فأحاطوا به وهو إلى جنب جدار من جدر مكة يقولون: أنت قاتل أحمر؟ قال: نعم، أنا قاتل أحمر، فما...؟ إذ أقبل خراش بن أمية مشتملاً على سيف فقال: هكذا عن الرجل، والله ما نظن إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه. فلما تفرجنا عنه حمل عليه فطعنه بالسيف في بطنه. فوالله لكاني أنظر إليه وحشواته تسير من بطنه، وإن عيناه لترترقان في رأسه ويقول: أقد فعلتموها يا معشر خزاعة؟ حتى أنجعف، فوقع.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر القتل، لقد قتلتم قتيلاً».

قال ابن إسحاق: باسناد عن سعيد بن المسيب قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال: «إن خراشاً لَقَدْ تآلى»، يعيبه بذلك.

قال ابن إسحاق: باسناد عن أبي شريح الخزاعي قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير جئته فقلت له: يا هذا، إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عادت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً فقال: «يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً، ولا يعضد فيها شجرة، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد يكون بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضباً على أهلها، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد منكم الغائب. فمن قال لكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل فيها، فقولوا إن الله قد أحل لرسوله ولم يحللها لكم. يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر القتل، إن نفع! لقد قتلتم قتيلاً لأدينه، فمن قتل بعد مقام هذا فأهله بخير النظرين: إن شاءوا فدم قاتلهم، وإن شاءوا فعقله». ثم ودي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة.

فقال عمرو لأبي شريح: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك، أنها لا تمنع سافك دم، ولا خالع طاعة، ولا مانع جزية. فقال أبو شريح: إن كنت شاهداً وكنت غائباً، ولقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا، وقد أبلغتك فأنت وشأنك.

قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتيل ودّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جُنَيْب بن الأكوع، قتلته بنو كعب، فوداه بمئة ناقة.

طيب، بس دقيقة، رجوعاً لقوله إنما، صفحة 78: إنما أعطيكم ما ترزؤون لا ما ترزقون. يقول الشراح: إنما أعطيكم شيئاً -إيش هو؟ إيش؟- أنه مأذون، قال هو شيء يعنيكم، السقاية. يعني يؤخذ منكم بالتش، ولا يعطيكم. ترزقون لي الحجامة أو الحجابة. يعني هو يقصد، أحسنت، ويقصد: إنما أعطيكم ما ترزقون، يعني الشيء اللي أنتم بتدفعوا فيه، مش الشيء اللي أنتم رح تكسبوا فيه، لأنه الفخر ما بيكون في الشيء اللي فيه كسب، الفخر بيكون في الشيء اللي أنت بتدفعه. يقول: إنما أعطيكم ما ترزقون، يعني ما يكون أنتم تدفعون فيه للناس، لا ما ترزقون، مش الشغلة اللي أنتم بتترزقوا فيها من الناس. هذا معنى الجملة نعم.

قال ابن هشام: وبلغني أن أول قتل ودّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جُنَيْدب بن الأكوع قتله بنو كعب فوداه بمئة ناقة.

قال ابن هشام: وبلغني عن يحيى بن سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو، وقد أحدثت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتى أخبره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله! المحيا محياكم، والممات مماتكم».

قال ابن هشام: باسناد عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]. فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزعي في ذلك: وفي الأصنام معتبر وعلم لمن يرجو الثواب أو العقاب.

قال ابن هشام: وحدثني أن فضالة بن عمير بن ملوح الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح. فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضالة؟» قال: نعم، فضالة يا رسول الله. قال: «ماذا كنت تحدث به نفسك؟» قال: لا شيء، كنت أذكر الله. قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: «استغفر الله». ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه.

قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أحدث إليها فقالت: هلم إلى الحديث. فقلت: لا -يعني كان عنده صديقة يعني بعد... قال: تعال نسولف أنا وياك. قال: بعث فضالة يقول: قالت هلم إلى الحديث. فقلت: لا، يأبى عليك الله والإسلام! أوما رأيت محمداً وقبيله بالفتح يوم تكسر الأصنام؟ لرايت دين الله أضحى بيناً، والشرك يغشى وجهه الإظلام.

قال ابن إسحاق: باسناد عن عروة بن الزبير قال: خرج صفوان بن أمية يريد جُدّة ليركب منها إلى اليمن. فقال عمير بن وهب: يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هرباً منك ليقذف نفسه في البحر، فأمنه، فصلِّ... صلِّ صلى الله عليه قال: «هو آمن». قال: يا رسول الله، فاعطني آية يعرف بها أمانك. فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة. فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر فقال: يا صفوان، في ذاك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به. قال: ويلك، اغرب عني فلا تكلمني! قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي، أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس، ابن عمك عزك شرفك، ومُلكك مُلكك. قال: إني أخاف على نفسي. قال: هو أحلم من ذلك وأكرم. فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك قد أمنتك. قال: «صدق». قال: فاجعل... فاجعلني فيه بالخيار شهرين. قال: «أنت بالخيار أشهر»، خليني أفكر... «فكر شهرين في الموضوع». قال: «بل معك أربعة أشهر تفكر» نعم.

قال ابن هشام: وحدثني رجل من قريش من اهل العلم أن صفوان قال لعمير: ويحك اغرب عني فلا تكلمني فإنك كذاب، لما كان صنع به وقد ذكرناه في آخر حديث يوم بدر.

قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام وفاختة بنت الوليد -وكانت فاختة عند صفوان بن أمية، وأم حكيم عند عكرمة بن أبي جهل- أسلمتا. فأما أم حكيم ف...

طبعا هو لماذا قال لعمير انك كذاب؟ قصة... تذكر اذكر قصته مع عمير بن وهب لما كانوا جالسون بعد بدر وعمير قال لصفوان: والله كذا... صفوان قال له: روح اقتل محمد عليه الصلاة والسلام وأنا بضمن لك أهلك ومالك. فصفوان مش ناسيها، لما راح عمير وأسلم فصفوان قال له: إوعك اشوفك هسه؛ لأنه أنت رحت أسلمت وتركتني لم تقتل محمد عليه الصلاة والسلام نعم.

قال: فأما أم حكيم فاستأمنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لعكرمة فأمنه، فلحقت به باليمن فجاءت به، فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهما على النكاح الأول.

قال ابن إسحاق قال: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن عن ابن حسان بن ثابت قال: رمى حسان بن الزباره وهو بنجران ببيت واحد ما زاده عليه.

طيب سيذكر مجموعة قصائد قيلت في فتح مكة.

طيب قال صفحة 92: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، من بني سليم سبعمائة، ويقول بعضهم ألف، ومن بني غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، وMزينة ألف وثلاثة نفر، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف عرب من تميم وقيس وأسد. وكان مقيل من الشعر: أذات الاصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلا... إلى آخر ما قاله حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه.

طيب قال وبلغني عن الزهري أنه قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يطين الخيل بالخمر تبسم إلى أبي بكر.

قال ابن إسحاق صفحة 98: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساءه... قال ابن إسحاق وقال حسان بن زنيم الديلي يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان قال فيهم عمرو بن عم بن سليم الخزاعي، ذكر القصيدة. قال فأجاب بديل بن أبي منافي بن أم أصرم، ذكر قصيدة.

قال إسلام عباس بن مرداس: قال ابن هشام: وكان إسلام عباس بن مرداس فيما حدثني بعض أهل العلم بالشعر وحديثه: أنه كان لأبيه مرداس وثن يعبده، وهو حجر كان يقال له ضمار. فلما حضر مرداس قال لعباس -لما حضر يعني كان يحتضر-: أي بني، اعبد ضماراً بوصية ابن عباس أن يعبد ضماراً، فإنه ينفعك ويضرك.

قال: فبينا عباس يوماً عند ضمار إذ سمع من جوف ضماري منادياً يقول: قل للقبائل من سليم كلها أودى ضمار وعاش أهل المسجد، أن أودى ضمار هلك ضمار وعاش أهل المسجد، يقصد...

قال ابن إسحاق: وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله عز وجل، ولم يأمره بقتال، وكان ممن بعث خالد بن الوليد وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعياً. قال: ولم يبعثه مقاتلاً، فوطئ بني جذيمة فأصاب منهم. قال ابن هشام: وقال عباس بن مرداس السلمي في ذلك:

فإن تكن قد أمرت في القوم خالدا وقدمت، فانه قد تقدم بجند هداه الله، فأنت أميره نصيب به في الحق من كان أظلما.

قال ابن هشام: وهذان البيتان في قصيدة له في حديث يوم حنين سأذكرهما إن شاء الله في موضعهما. مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة من كنانة ومسير علي رضوان الله عليه لتلافي خطأ خالد. قال ابن إسحاق بإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعياً ولم يبعثه مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب سليم بن منصور ومدلج بن مرة، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة، فلما رأوا القوم أخذوا السلاح فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا.

قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة -كان الناس يقصد يعني أهل مكة قريش نعم- قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحضم: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا الأسار، وما بعد الأسار إلا ضرب الاعناق، والله لا أضع سلاحي أبداً. قال: فاخذه الرجال من قومه فقالوا: يا جحضم أتريد أن تسفك ديمنا؟! أنا إن الناس قد أسلموا ووضعوا الحرب وأمن الناس، فلم يزلوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد.

قال ابن إسحاق بإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي قال: فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. هنا أخطأ خالد كتفهم وبعدين قتل منهم من قتل. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد». قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه حدث عن إبراهيم بن جعفر المحمدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طبعا هناك رواية أخرى للقصة أن خالد بن الوليد دعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يسلموا أن يقولوا أشهد أن لا إله إلا الله، فقالوا: صبانا صبانا، فكروا أنه هيك بيدخلوا في الإسلام، فلما خالد شافهم قالوا صبانا بدل ما أسلمنا ظننا أنهم مثلاً بيتهكموا أو غير صادقين، فجعل خالد يقتل ويأسر كما عندكم في الحاشية هذه قصة مشهوره نعم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت كأنّي لقمت لقمة من حيس فالتذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها، فأدخل عليّ يده فنزعها». فقال أبو بكر: يا رسول الله، هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض فتبعث علياً فيسهله.

قال ابن هشام: وحدثني أنه فلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل أنكر عليه أحد؟» فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعه فنهامه خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فراجعه فاشتدت مراجعتهما. فقال عمر بن الخطاب: أما الأول يا رسول الله فابني عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة.

قال ابن إسحاق بإسناده عن جعفر محمد بن علي قال: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: «يا علي، اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك». فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء وما أصيب من الأموال، حتى إنه لا يدي.

النبي عليه الصلاة والسلام دفع الدية لهذه القبيلة لأنه القتل كان خطأ نعم. قال: حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلاب. قال: حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال فقال لهم علي رضوان الله عليه حين فرغ منهم: هل بقي لكم دم أو مال لم يودَ؟ قالوا: لا. قال: فاني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا تعلمون ولا تعلمون، ففعل ثم رجع. يعني خذوا هذا المال زيادة إذا كان شيء انكسر أو أداه خالد بالخطأ هذا المال الزائد برضه جبر له.

قال ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: «أصبت وأحسنت». ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن وليد» ثلاث مرات. قال ابن إسحاق: وقد قال بعض من يعذر خالدا إنه قال: ما قتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام.

قال ابن هشام: قال أبو عمرو المدني: لما آتاهم خالد قالوا صبانا صبانا. قال ابن إسحاق: وقد كان جحضم قال لهم حين وضعوا السلاح وراى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة ضاع الضراب! قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. وقد كان يعني صار يلومهم: إيش قلت لكم لا تسلموا؟ اللي هو سيدهم هذا وهذا الرجل السيد: ضاع الضراب! يعني هي بيقتل فينا وأنتم قلتم لي سلم سلاحك هي الآن عم يقتل فينا خالد، فبقول لهم أنتم ضيعتونا نعم.

قال: وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف فيما بلغني كلام في ذلك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام! فقال: إنما ثأرت بأبيك! فقال عبد الرحمن: كذبت! قد قتلت قاتل أبي، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة. يعني تعمل إنه أنت بتفزع لي أو أنت عم تتأثار قاعد لأقارب قتلوا لك عند هذه القبيله نعم.

قال: حتى كان بينهما شر فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مهلاً يا خالد، عنك أصحابي! فوالله لو كان أحدكم مثل أحد ذهباً ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوه رجل من أصحابي ولا روحته».

وكان الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد ششم قد خرجوا تجاراً إلى اليمن ومع عفان ابنه عثمان ومع عوف ابنه عبد الرحمن، فلما أقبلوا حملوا مال رجل من بني جذيمة بن عامر كان هلك باليمن إلى ورثته، فدعاهم رجل منهم يقول له خالد بن هشام: ولقيهم بأرض بني جذيمة قبل أن يصلوا إلى أهل الميت فأبوا عليه، فقتلهم بمن معه من قومه على المال ليأخذوه وقاتلوه، فقتل عوف بن عبد عوف والفاكه بن المغيرة ونجا عفان بن أبي العاص وابنه عثمان، وأصابوا مال الفاكه بن المغيرة ومال عوف بن عبد عوف فأطلقوا به، وقتل عبد الرحمن بن عوف خالد بن هشام قاتل أبيه.

فهَمَّت قريش بغزو بني جذيمة، فقالت بنو جذيمة: ما كان مصاب أصحابكم عن ملا منا، إنما عاد عليهم قوم بجهاله فاصابوهم ولم نعلم فنحن نعقل لكم ما كان قبلنا من دم أو مال، فقبلت قريش يعني ندفع الدية نعم. قال: ووضعوا الحرب، وذكر أبيات ذكروا أبيات الناس رثت بني جذيمة منهم وجذب منهم طيب.

قال ابن إسحاق باسناده عن الزهري عن ابن أبي حدرد الأسلمي قال: كنت يومئذ في خيل خالد بن وليد، فقال لي فتى من بني جذيمة وهو في سني وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة -برمة ربطت يداه إلى عنقه وقيدت- قال: ونسبه مجتمعان غير بعيد منه: يا فتى، فقلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائد إلى هؤلاء النسوة حتى أقضي إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنع بي ما بدا لكم؟ قال: قلت: والله ليسير ما طلبت، فأخذت برمته فقدته حتى وقف عليهن فقال: أسلمي حبيش على نكد من العيش.

قال ابن إسحاق وحدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري عن ابن أبي حدرد الأسلمي قالت: وانتفحيت سبعا وعش وترا وثمانيا تترا. قال: ثم انصرفت به فضربت عنقه. قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبي سنبلة الأسلمي عن الشيخ منهم عمن كان حضر منهم قالوا: فقامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده. يعني هذا الشاب كان يحب فتاه في النساء، فالآن هو شاب من بني جذيمة الآن معتقل وعارف أنه راح يقتل، فقال لابن أبي حدرد -كان ابن أبي حدرد شاباً- قال: يا ابن أبي حدرد تقدر بس تفكني أو أروح عند هؤلاء النسوة بدي أحكي كم بيت شعر وارجع؟ قال له: بفكك.

فقال أقوال الشعر في الصفحة السابقة:

أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم بحيلة أو ألفيتكم بالخوانق، ألم يكوا أهلاً أن ينول عاشق تكلف إدلاج السرى والودائق، فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معاً أثيبي بود قبل.

تكلف إيش إدلاج السرى والودائق؟ يعني كان يجيكم في الصباح وفي المساء نعم.

أثيبي بود قبل إحدى الصفائق نعم. أثيبي يعني قبل ما تيجي المصائب نعم. أثيبي بود قبل أن تشحط النوى، ويا بنت الناس اعملي لي وصال قبل ما تشحط -يعني هو كأن هذه المرأة الفتاة التي يحبها مش لينة معه كثير فيقول لها: إني راح أموت اعطيني ود اعطيني وجه اعطيني محبة قبل أن يحصل ما يحصل- فيقول: أثيبي بود زي ما أنا تعبت من أنك قبل أن تشحط النوى قبل أن نموت نعم. وين الأمير بالحبيب المفارق؟ فإني لا فإني لم أضيع سر أمانة ولا راق عني عنك ولا راق عني عيني عنك بعدك رائق، دائماً مفكر فيك نعم. سوى ما نال العشيرة شاغل عن الود إلا أن يكون التوامق، ما في شيء أعجبني قال: ولا راق عيني عنك بعدك رائق، يعني أنت أجمل فتاة شفتها، قال: سوى أن ما نادى العشيرة شاغل -أنا الآن شاف الوضع وكيف صرنا طيب- عن الود إلا أن يكون التوامق نعم، اللي هو الحب هذا اللي بقدر أعبر لك عنه طيب.

قال بإسنادي عن ابن أبي حدرد الأسلمي قالت: وانتفحيت سبعاً وعشراً وتراً وثمانياً تتراً. قال: ثم انصرفت به فضربت عنقه. قال ابن إسحاق: فحدثني أبو فراس بن أبي سنبلة الأسلمي عن الشيخ منهم عمن كان حضرها منهم قالوا: فقالت هي الفتاه: قالت له: وانتفحيت سبعاً وعشراً وتراً وثمانياً تتراً. يعني هذه هي تقول شيء معين رقم معين يعني لكن حييت سبعاً وعشراً هي الفاصلة في مكانها ولا مش في مكانها وتراً يعني سبعاً وعشراً وتراً وثمانية تترا متتابعة. المهم ضربت عنقه وقال ابن إسحاق: وحدثت عمن كان حضر منهم، قالت: فقامت إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده، ماتت هي عليه طيب. قال رجل من بني جذيمة أيضاً أشعار أخرى.

قال مسير خالد لهدم العزة. قال: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن وليد إلى العزة، وكانت بنخلة وكانت بيتاً يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، فلما سمع صاحبها السلمي بمسير خالد إليها علق عليها سيفه وأسند في الجبل الذي هي فيه وهو يقول: يا عُزَّ شدي شدة.

أسند يعني طلع على الجبل وهرب وقال: يا عز شدي شدة لا شوالها على خالد، ألقي القناع وشمري داف. يا عزه إن لم تقتل المرأة خالداً فبوئي بإثم عاجل أو تنصري، شوفي لك شغلة ثانية يعني نعم. قال: فلما انتهى إليها خالد هدمها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق بإسناده عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاه. قال ابن إسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان. قال يوم حنين في سنة ثمان بعد الفتح. قال إسحاق: ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وما فتح الله عليه من مكة جمعها مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه من هوازن. تكمل إن شاء الله بعد الصلاة. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي.