قال ابن إسحاق: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ظفرتم به من رجال اليهود فاقتلوه». فوثب محيصة بن مسعود.
قال ابن هشام: وقالوا: محيصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن أعدى.
قال ابن السنين: قال ابن هشام، وقال ابن سبينة: رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم. ومحيصة صحابي، وله أخ اسمه حويصة، ومحيصة الذي يظهر أنه هو الأصغر، فأراد أن ينفذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم باغتيال رجالات اليهود فقتل تاجراً من تجار اليهود. فأخوه الكبير حويصة كان مشركاً في ذلك الوقت -أسلم لاحقاً- فضرب أخاه الصغير وقال: كيف تقتل هذا اليهودي وهذا اليهودي ترى الذي يعني لحم كتافك منه ومن عورتهم؟ قال له: كم من شحم في بطنك من ماله؟ يعني لحم كتافك منه وساعدنا وكذا وكذا.
قال: فجعل يقول: أي عدو الله، اقتلته؟ والله لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك. قال: فوالله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك، يقصد النبي عليه الصلاة والسلام. نعم. قال: أو قال لا فو الله إن كان الأول إسلاماً.
حويصة استغرب رد أخوه الصغير، كيف يحكي معي بهذه الطريقة؟ ما كان زمان، فعرف أن هذه قوة الإسلام، وأن في شيئاً يتغير في النفوس. نعم. قال: والله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم، والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها. وقال: والله إن ديناً بلغ بك هذا لعجب! فاسلم حويصة. قال ابن إسحاق: حدثني هذا الحديث مولى لابن حارثة عن ابن محيصة عن أبيه محيصة.
قال محيصة الشاعر، قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة عن أبي عمر المدني، قال: لما ظفر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريضة أخذ منهم نحو من أربعمائة رجل من يهود، وكان الحلفاء الأوس على الخزرج، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تضرب عناقهم، فجعلت الخزرج تضرب عناقهم ويسرون ذلك. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخزرج ووجوههم مستبشرة، هنا نظر إلى الأوس فلم ير ذلك فيهم، فظن أن الأوس كان حلفاؤهم بني قريضة. نعم.
قال: ونظر الأوس فلم ير ذلك فيهم، فظن أن ذلك الحلف الذي بين الأوس وبين بني قريضة، ولم يكن بقي من قريضة إلا اثنا عشر رجلاً، فدفع من الأوس فدفع إلى كل رجلين من أوس رجل من بني قريضة، وقال: يضرب فلان وليذف فلان. قال: فكان ممن دفع إليهم كعب بن يهوذا، وكان عظيماً في بني قريضة، فدفعوا إلى محيصة بن مسعود وإلى أبي بردة بن نيار، وأبو بردة بن نيار الذي رخص له رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يذبح جذعاً في الماعز في الأضحى من الماعز في الأضحى، مر معنا في سنن الدارمي البارحة أبو بردة بن نيار. نعم.
قال: وقال ليضربه محيصة وليذف عليه أبو بردة، فضربه محيصة ضربة لم تقطع، فدفف أبو ذف -يعني يجهز عليه-، يعني محيصة يضرب وأبو بردة يكمل. نعم. قال: فقال حويصة -وكان كافراً- لأخيه محيصة: اقتلت كعب بن يهوذا؟ قال: نعم. فقال حويصة: أما والله لرب شحم قد نبت في بطنك من ماله، إنك للئيم! فقال له محيصة: لقد أمرني بقتل من لو أمر بقتلك لقتلتك. فعجب من قولي، ثم ذهب عنه متعجباً. فذكر أنه جعل يقظ من الليل فعجب من قول أخيه محيصة، حتى أصبح ويقول: والله إن هذا لدين! ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم. فقال محيصة في ذلك أبياتاً قد كتبناها.
ولكن الحقيقة قتل النبي صلى الله عليه وسلم لرجالات بني قريضة متى كان؟ كان في الأحزاب، يعني ذكرها قبل غزوة أحد يدل على أن هذه القصة متى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل اليهود تماماً وأجلائهم كلهم من المدينة؟ إذا كان فعلاً كما قال ابن هشام في بني قريضة لأنهم آخر من أجلاهم، فهذه القصة الأصل أن لا تذكر هنا، وإنما تذكر بعد غزوة الأحزاب، الأصل تذكر بعد غزوة أحد. نعم.
قال ابن إسحاق: وكانت إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه من بحران جمادى الآخرة ورجب وشعبان وشهر رمضان، وغزاته قريش غزوة أحد في شوال سنة ثلاث. قال: أمر غزوة أحد. قال: وكان من حديث أحد كما حدثني محمد بن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحسين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيره عن من علمائنا كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كله فيما سخوت من هذا الحديث عن يوم أحد.
قالوا، أو من قاله منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب، ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا سر قريش، إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك ثارنا بما أصاب منا، ففعلوا.
قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدَُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36]. فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العلم بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل التهامة.
قال: وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وكان فقيراً ذا عيال وحاجة وكان في الأسارى، فقال: يا رسول الله، إن لي فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها فمنّ عليّ، صلى الله عليك. فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك فاخرج معنا. فقال: إن محمداً قد منّ عليّ فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بل أفعال فأعنا بنفسك فلك الله علي، فلك الله علي إن رجعت أن أغنيك وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصاب ما أصابهن من عسر ويسر. خرج أبو عزة في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول. فابو عزه خان العهد اللي بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام وعاد يحرض عليه. نعم.
قال: خرج مسافر بن عبد مناف وهب بن حذافة بن جمجمة إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله. قال: دع. سبحان الله، طبعا سيأتي معنا أن أبو عزة سيقتل في غزوة أحد، وصفوان بن أمية اللي حرضه رح يكون أحد الصحابه الكرام! شوف الدنيا كيف، يعني دائماً لا تتبع لأحد، ما حدا يحرضك على الباطل ويقول لك تعال معي. اللي حرضه ربنا كتب له الهداية، وهو لأنه أجر عقله لغيره مات كافراً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله. نعم.
قال: ودعا جبير بن مطعم غلاماً له حبشياً قالوا وحشياً، يقذف بحربة له قذف حبش، قل ما يخطئ بها، فقال له: اخرج مع الناس، فإن أنت قتلت حمزة محمد بعمي طعيمة بن عدي فانت عتيق. هذا مهم نفهم هاي المسألة لأنه يصير فيها خلط، الصحيح أن الذي أمر وحشي بن حرب بقتل حمزة مش هند كما يتصور الأفلام. في الرسالة كأنه قديماً كانوا يصوروا لك أن الذي أمر قتل حمزة وحشي، الذي أمر بقتل حمزة جبير بن مطعم هو الذي أمر وحشيا أن يقتل حمزة بعمه طعيمة الذي قتله حمزة في غزوة بدر. نعم.
قال: لكن هند نعم جاءت إلى جثة حمزة وروي أنها لاكت كبداً أو شيئاً، لكن هي ليست التي بعثت وحشيا ليقتل حمزة كما يظن. نعم.
قال: خرجت قريش بحدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة. وخرج ما وجدها، وجدها يعني سلطانها وقدرتها. نعم.
قال: بالظعن والالتماس الحفظة وألا يفروا. فخرج أبو سفيان بن حرب وهو قائد الناس معه بهند بنت عتبه، معه زوجته هند بنت عتبه -طبعاً كلهم هذول أسلموا-. نعم.
قال: وخرج عكرمة بأم حكيم، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد، وخرج سفيان صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود. قال ابن هشام: قال رقية، قال ابن إسحاق: وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه، وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلافة بنت سعد. قال وهي أم بني طلحة مسافع والجلاس والكلاب، قتلوا يومئذ هم وأبوهم. وخرجت خناس بنت مالك قال مع ابنها أبي عزيز بن عمير وهي أم مصعب بن عمير، وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء الحارث بن عبد مناة بن كنانة. وكانت هند بنت عتبه كلما مرت بوحشي أو مر بها قالت: ويها أبا دسمة، اشف واشتفِ. وكان وحشياً يُثنى بأبي دسمة.
فاقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً ورأيت في ذباب سيف ثلمة، ورأيت أني ادخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة. هذه الرؤية اللي شرحناها البارحة في سنن الدارمي في باب الرؤيا: إني قد رأيت والله خيراً، رأيت بقراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، وهذا الثلم هو أنه يستشهد رجل من أقاربه، وكان استشهد حمزة، ورأيت أني ادخلت يدي في درع حصينة وأنها المدينة. طيب.
قال ابن هشام وحدثنا بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت بقراً لي تذبح. وفي هذه الرواية: رأيت بقراً لي تذبح، وهذه أولها بأن أحد إن بعض أصحابه سيستشهد عليه الصلاة والسلام. قال: وأما الثلم والذي في ذباب سيف فهو رجل من أهل بيته يقتل.
قال ابن إسحاق: فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها. نعم، النبي عليه الصلاة والسلام اقترح على الصحابة أن يقاتل داخل المدينة وألا يخرج منها بناءً على الرؤية، لكن الصحابة أصروا على الخروج خارج المدينة باتجاه أحد. نعم.
قال: وكان رأي عبد الله بن أبي بن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى رأيه في ذلك ألا يخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين ممن أكرام الخروج لأن عدد المشركين كثير فعسكرياً كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصحيح أن يقاتلوا قتال شوارع زي ما يسموها اليوم داخل أزقة المدينة مش يقاتلوا في منطقة مفتوحة. نعم.
قال: فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بشهادته يوم أحد وغيره ممن فاته بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أن جَبُنَّا عنهم وضعفنا. فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله، أقم بالمدينة، لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا.
فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم -الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم- حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة. وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمر أحد بني النجار، صلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج عليهم.
وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله ولم يكن لنا ذلك. فلما خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، استكرهناك ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه.
قال ابن هشام: إنه استعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس.
قال ابن إسحاق: حتى إذا كانوا بشوط بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري على من نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس! فرجع بمن اتبعه. انخذل يعني انشق. نعم.
قال: فرجع بمن اتبعهم من قومه من أهل النفاق والريب. واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول يا قوم.
يذكركم الله، لا تخذلوا قومكم ونبيكم. عندما حذروا من عدوهم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكننا نرى أن يكون قتال. قال: فلما استعصوا عليه، أبوا إلا الانصراف عنهم؛ قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
قال ابن هشام: وذكر غير زيادة عن محمد بن إسحاق عن الزهري، أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: لا حاجة لنا فيهم. قال زياد: حدثني محمد بن إسحاق، قال ابن إسحاق: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة، فذب رسل بدان به، فأصاب كلاب سيف فاستله. قال ابن هشام: إنه قال كلاب سيف؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكان يحب الفأل ولا يتاطأ، صاحب السيف-: شم سيفك فإني أرى السيوف ستسل اليوم.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب، أي من قرب، من طريق لا يمر بنا عليهم؟ فقال أبو خثمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا رسول الله. فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم، حتى سلك في مال لمربع بن قيضي، وكان رجلا منافقا ضرير البصر. فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معهم المسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب، ويقول: إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي.
وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك. فابتدر القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقتلوه، فهذا الأعمى، أعمى القلب أعمى البصر. وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجه.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب في أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره واسكره إلى أحد، وقال: لا يقتلنا أحد حتى نأذن بالقتال. وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة، من قناة للمسلمين؛ فقال رجل من أصحابنا: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال، أتراى زروع بني قيلة، ولما نضارب؟ وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبعمائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، قال: وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا. فقال: أنضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتون من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتي من قبلك.
وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين درعين؛ وظاهر بين درعين، يعني لبس درعا فوق درع، لبس درعين على صدره نعم. قال: ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير اخي بني عبد الدار. قال ابن هشام: وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سمرة بن جندب الفزاري ورافع بن خديج أخي بني حارثة، هما ابنا خمس عشرة سنة؛ يعني سمح لهم المشاركة في المعركة وكان شبين خص صغيرين نعم.
قال: فلما أجاز رافعا قيل له يا رسول الله، فقيل له يا رسول الله إن رافعا رام، فاجازه. فلما أجاز رام فاجازه، فلما أجاز رافعا قيل له يا رسول الله فإن سمرة يصرع رافعا، فاجازه. ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت أحد بني مالك بن النجار والبراء بن عازم أحد بني حارثة وعمر بن حزم أحد بني مالك بن النجار وأسيد بن الظهيل أحد بني حارثة، ثم أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة؛ إذا ردهم في المعركة لأنهم كانوا أربعة عشر، وجاز لهم المشاركة في الخندق لأنهم صاروا خمسة عشر نعم.
قال ابن اسحاق: وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مئة فارس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعده، فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن تضرب به العدو حتى ينحني. قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم بعصابه له حمراء فاعتصب بها، علم الناس أنه سيقاتل؛ كان عنده عصابه حمراء بيليفها على راسه، عرفوا الناس أنه داخل مت نعم.
قال: فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج عصابته تلك فعصب بها راسه، ثم جعل يتبختر بين الصفين. قال ابن إسحاق: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن نعمان أحد بني ضبيعة، وقد كان خرج حين خرج إلى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسين غلاما من الأوس، وبعض الناس كان يقول كانوا خمسة عشر رجلا، وكان يعد قريشا أنه إن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان. لما التقى الناس، كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر. فقالوا: فلان انع؛ هذا أبو عامر الراهب الفاسق الذي بنى مسجد، أو بني له مسجد الضرار نعم.
قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية الراهب، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق. فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر. ثم قاتلهم قتالا شديدا، ثم راضخهم بالحجاره، صار حتى رماهم بالحجارة في المعركة نعم.
قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار، يحرضهم بذلك على قتال بني عبد الدار -نن عرفنا أن اللواء كان في الغزوات قريش مع مين مع بني عبد الدار، حتى من أيام الجاهلية كانوا حملة اللواء، كما مر معنا أول الكتاب نعم-. قال: وقد قال عيا بن عبد الدار: أنكم قد وليتم لوائنا يوم بدر فأصابنا ما قد رايتم، إنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فاما أن تكفونا لوائنا واما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكم. فآموا به وتواعدوه وقالوا -بني عبد الدار غضبوا من كلام أبو سفيان، شو قصدك يعني؟ يعني قصدك يوم بدر نحن ما حملنا اللواء مثل الناس، فكان تصير مشكلة بين أبو سفيان وبين بني عبد الدار على اللواء، فقالوا نحن نسلم اليك لوائنا ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع، وذلك ما أراد أبو سفيان، أنه ايش أبو سفيان كان بده يستفزهم مشان يقاتلوا على اللواء قتال شديد نعم-.
قال: فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قامت هند بنت عتبه في النسوة التي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم. فقالت هند فيما تقول: ويه بني عبد الدار، ويه حماة الأدبار، ضربا بكل بتار. وتقول: إن تقبل نعانق ونفرش النمارق، أو تدبر نفارق فراق غير وامق.
وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أمِتْ أمِتْ، فيما قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقتل أبو دجانه حتى أمعن في الناس. قال ابن هشام: حدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش، وقد قمت إليه سألته إياه قبله فأعطاه إياه وتركني والله لأنظرن ما يصنع. فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها. فخرج وهو يقول -قال ابن هشام قال قال-: فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله.
وكان في المشركين رجل لا يدعو لنا جريحا إلا ذف؛ فجعل كل واحد منهما يدني من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلف ضربتين، ضرب المشرك أبا دجانه فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه -درقته يعني بالترس اللي كان مع أبو دجانه نعم-. قال: وضربه أبو دجانه فقتله، ثم رايته قد حمل السيف على مفرق رأس هند، هند بنت عتبه، ثم عدل السيف عنها. قال الزبير: فقلت الله ورسوله أعلم -نعم يعني كان دجانه بده يقتل هند بنت عتبه، لكن لما شافها امرأة أحجم-.
قال ابن إسحاق: وقال أبو دجانه: رأيت إنسانا يحمش الناس حمشا شديدا فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم به -هذا نفسه أبو دجانه أخبر نعم-.
قتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أخات ابن عبد الشراحيل بن هاشم وكان أحد النفر -طب ما معنى يحمش الناس؟ يعني كانت هند تحمس المشركين على القتال، يحمش يعني يشجع الناس على القتال، يشجع المشركين نعم-. قال: وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني وكان يكنى بأبي نيار، فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة -مقطعة البذور، كانت أمه ختانة في مكة، فحمزة بيستهزئ فيه بيقول تعال يا ابن الختانة نعم-. قال: وكانت أمه أم أنمار مولاته شريف بن عمر بن وهب الثقفي. قال ابن هشام: شريق أبو الأخنس بن شريق. قال: وكانت ختانة بمكة.
فلما التقيا ضربه حمزة فقتله، وقال: وقال وحشي غلام جبير بن مطعم: والله إني أنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه، ما يليق شيئا مثل الجمل الأورق -يعني مثل الجمل الضخم كان حمزة نعم-. قال: إذ تقدمني إليه سباع فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البذور. فضربه ضربة فكانما أخطأ رأسه، وأهزت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه، فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، فأقبل نحوه فغلب -وحشي هز حربته ثم رماها فوقعت في ثنته لحمزه ما بين السرة والعانه نعم-. قال: فوقعت في ثنته حتى خرج من بين رجليه، فأقبل نحوي فغلب فوقع، وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر، ولم تكن لي بشيء حاجة غيره -وحشي بيقول أنا جاي بس أغتال حمزة وأروح، مانيش جاي أعمل شيء نعم-.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة بن حارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمر بن أمية الضمري، قال: خرجت أنا وعبي عبيد الله بن عدي بن الخيار أخو بني نوفل بن عبد مناف، معوية بن أبي سفيان، فادربنا مع الناس. قال: فلما قفلنا بمررنا بحمص، وكان وحشي مولى جبير قد سكنها وأقام بها. فلما قدمناها قال لي عبيد الله بن عدي: هل لك في أن ناتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة، كيف قتله؟ قال: قلت -قال قلت له إن شئت، قال: فرجنا نسأل- وحشي أسلم متأخرا وسكن الشام، بتعرف الشباب الصغار بيكونوا داين بدهم يسمعوا قصص الأجداد بتعرف كيف، خلينا نروح عند وحشي نزوره في حمص ونسأله شو قصته مع حمزة وكيف قتله نعم.
قال: فقال لنا رجل ونحن نسأل عنه: إنكم كما ستجدانه بفناء داره، وهو رجل قد غلبت عليه الخمر، فإن تجداه صاحيا تجد رجلا عربيا وتجد عنده بعض ما تريدان، وتصيب عنده ما شئتما من حديث لا تسألنه عنه، وإن تجدا به بعض ما يكون به فانصرف عنه ودعاه. قال: خرجنا نمشي حتى جعله، فإذا هو بفناء داره على تنفسه له، واذا شيخ كبير مثل البغاث -قال ابن هشام: مثل بغاثه ويضرب من الطير- وإذا هو صاح باس به. فلما انتهينا إليه سلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عدي فقال: فقال ابن لعدي بن الخيار أنت؟ قال: نعم. قال: أما والله ما رايتك منذ ناولتك أمه أمك السعدية التي أرضعتك بذى طوى، فاني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك فأخذتك بعرضتك، فلمعت لي قدماك حين رفعتك إليها، والله ما هو إلا أن وقفت وقفت علي فعرفتهما.
قال: فججلست إليه فجعلنا فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتلك حمزة -عرضتك بتعرفوا الكوفية، الكوفلية بيسموها تبعت الطفل، مش الطفل صغير بيكون في كوفلية، قال: أنا قديما كانوا يضعوا هي بيسموها العرضة يعني الكوفلية اللي بينحط فيها ايش، يقول والله أدركتك بايش ايش- والله ما رايتك مذولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى، فاني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك بعرضتك، يعني أعطيتك إياها بالكوفلية، من زمان ما شفتك بقوله وحشي ابن حرب وين أنت غبت نعم.
قال: فج -قال: فأما أني ساحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني عن ذلك- كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طائعمة بن عدي قد أصيب يوم بدر. فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق. قال: فخرجت مع الناس، وكنت رجلا حبشيا أقذفه بالحربة قذف الحبشة، قال: فلم أخطئ بها شيئا، فلم التقى الناس
وخلصت أنظر حمزة وأتبصره حتى رأيت في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدًا ما يقومون شيء، فواللّه إني لأتهيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني، إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فلما رأى حمزة قال له: هلم إلي يا ابن مقطعات الوبور.
قال: فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال: وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه، فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب، وتركتها حتى مات. ثم أتيت فأخذت حربتي ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة، إنما قتلته لأعتق. فلما قدمت مكة أعتقلت، ثم أقمْت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة إلى الطائف فكنت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت: الحق بالشام أو اليمن أو ببعض البلاد.
والله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك! والله ما يقتل أحدا من الناس دخل في دينه وتشهد شهادته. فلما قال لي ذلك خرجت معه حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يروعني إلا قائم على رأسه: أتشهد شهادة الحق؟ فلما راني قال: وحشي؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة.
قال: فحدثتك كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال: ويحك غيب عني وجهك فلا أيرينك. قال: فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى أقبضه الله. وهذا بعد نفسي، يعني النبي عليه الصلاة والسلام مش قادر يضع عينيه في عيني وحشي. ماشي، إسلام وحشي صحيح، الله يرضى عنه صحابي يعني وحشي، لكن في بعد نفسي في قضية أنه أنا لا أستطيع أن أرى قاتل عمي، فقال له حاول أنه ما أراك قدر المستطاع.
قال: فلما أخرج المسلمون إلى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما في يده السيف وما أعرفه، فتهيات له وتهيا له رجل من أنصاري من الناحية الأخرى كلا أنا يريده. فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه ووقعت فيه، وشد عليه الأنصاري فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله؛ فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قتلت شر الناس.
نعم، وحشي يعني حتى يكفر عن خطيئته شارك في قتل مسيلمة الكذاب، نفس الشيء رمى بالحربة على مسيلمة الكذاب فقتله فبيقول يعني إذا أنا اللي كنت قتلته لأنه في واحد ثاني شاركه في قتل مسيلمة، إذا أنا كنت قتلته يعني إن شاء الله أنها بتشيل.
ذكر ابن إسحاق بإسناد يعني عن ابن عمر وكان قد شهد اليمامة قال: سمعت يومئذ صارخا يقول: قتله العبد الأسود. قال ابن هشام: فبلغا أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان، فكان عمر بن الخطاب يقول: قد علمت أن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة. يعني كأنه ابتلي بشرب الخمر حتى بعد إسلامه، الله أعلم بما لكن يعني هذه يروى في السير أن وحشيا حتى بعد إسلامه ابتلي بإيش؟ بشرب الخمر، فقال عمر: هذه بلية قتل حمزة. يعني كأنه يريد، كأن عمر يقول: أن الله ابتلاه بسبب قتله لحمزة أنه يبقى يشرب الخمر ويجلد، حتى يكون هذا عقو، يعني نوع من البلاء له مقابل والله أعلم، لا يوجد عندي حديث صحيح في إثباته.
قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي، ويظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا. فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب، وقتل علي بن أبي طالب برجاله من المسلمين.
قال ابن هشام: حدثني مسلمة بن علقمة المازني قال: استحر القتال يوم أحد، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار، وأرسل إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أن تقدم الراية. تقدم علي فقال: أنا أبو القصم، ويقال أبو الفصم فيما قال ابن هشام مثل ندادة أبو سعد بن أبي طلحة فهو صاحب لواء المشركين. أن هل لك يا أبا قصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم. فبرز بين الصفين فاختلف ضربتين، فضربه علي فصرعه، ثم صرف عنه ولم يجز عليه.
فقال له أصحابه: أفلا أجزت عليه؟ فقال: إنه استقبل قبلتي بعورته فعطفتني عنه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله. قال: ويقال إن أبا سعد بن أبي طلحة خرج بين الصفين فنادى: أنا قاسم، من يبارز؟ مرارا فلم يخرج إليه أحد. فقال: يا أصحاب محمد! زعمتم أن قتلاكم في الجنة وأن قتلانا في النار، كذبتم! ولو تعلمون ذلك حقا لخرجتم إلينا. فخرج إليه علي بن أبي طالب فاختلف ضربتين فضربه علي فقتله.
قال ابن إسحاق: قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعد بن أبي وقاص، وقتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح... يعني سعد بن أبي وقاص هو اللي قتل سعد بن أبي طلحة أحد حملة الرايات من قريش.
قال: وقتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتل مسافع بن طلحة وأخاه الجلاس بن طلحة كلاهما يضجره سهما، فيأتي أمه سلافة فيضع راسه في حجرها، فتقول: يا بني ما أصيب... لا، هي به عليها القصة؛ لأنه سيكون لها آثار بعد غزوة أحد. عاصم بن ثابت قتل مين؟ قتل مسافع وأخاه الجلاس، وأمهم كانت حاضرة في المعركة بتشاهد فحث صهم في كل واحد منهم. فلما قتل الجلاس رجع -طبعا لم يمت الجلاس مباشرة- رجع لأمه في آخر المعركة أمه كانت في الخلف، رجع وفيه رمق، فوضع رأسه في حجر أمه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فامه قالت له: يا بني مين قتلك؟ فقال لها عاصم.
قال: سمعت رجلا يقول: خذها وأنا ابن أبي الأقلح. وأنا ابن أبي الأقلح اللي هو عاصم بن أبي الأقلح.
قال: فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر، وكان عاصم قد عاهد أن لا يمس مشركا أبدا ولا يمسه. فسلافة هذه عاهدت أن تشرب في رأس عاصم الخمر، وسنعرف بعد ذلك سرية بئر الرجيع وماذا حصل فيها مع عاصم بن ثابت.
قال: وقال عثمان بن أبي طلحة يومئذ ويحمل لواء المشركين: أن على أهل اللواء حقا أن يغضبوا الصعدات أو تندقا. فقتله حمزة بن عبد المطلب، والتقى حنظله بن أبي عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة راه شداد بن الأسود وهو ابن شعوب. حنظلة بن أبي عامر يعني هذه غير حنظلة في جيش المسلمين، وأبوه أبو عامر الراهب الفاسق هو اللي كان في جيش المشركين، اللي طبعا حنظلة غسيل الملائكة حنظلة كاد أن يقتل أبو سفيان. حنظلة خلص على أبا سفيان وكاد أن يقتله، مين اللي فزع لأبو سفيان؟ شداد، فضربه شداد فقتله، قتل حنظلة واستشهد حنظلة الله يرضى عنه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صاحبكم» يعني حنظلة «تغسله الملائكة». فسالوا أهله ما شأنه؟ سئلت صاحبته عنه فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتف. يعني كان حنظلة يعاشر زوجه وكان جنبا لسه ما لحق يغتسل، ولا داعي الجهاد ينادي: يا خيل الله اركبي! فحنظلة خرج ولم يغتسل، فغسلته الملائكة.
قال ابن هشام: إنه يقال الهائعة، والهائعة الصيحة التي فيها الفزع. قال ابن هشام: وجاء في الحديث: «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه إذا سمع هيعة تنطار إليها».
قال أبو سفيان حينما نجاه الله سبحانه وتعالى... فأجابه حسان بن ثابت. قال ابن إسحاق: وكان ابن شعوب شداد بن شعوب يذكر يده عند أبي سفيان، هذا شداد اللي فزع لأبو سفيان كان كل ما شاف أبو سفيان بيذكره بيقول له: بتذكر لما حميتك من حنظلة اللي كان رح يقتلك؟ فيما دفع عنه يقول: ولولا دفاعي يا ابن حرب ومشهدي لألفيت يوم النعف غير مجيبي
لألفيت للقيناك يوم المعركة ميت على الأرض. ولولا مكر المهر بالنعف قرقرت ضباع عليه أو ضراء كليبة، يعني لو أني ما دافعت عنك لكان هسا أنت ميت.
قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم معهم، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر، وكانت الهزيمة لا شك فيها. قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عبد الله بن الزبير عن الزبير أنه قال: والله لقد رايتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هواروات ما دون أخذهن قليل ولا كثير. زبير بيقول: لما انتصر المسلمون في بداية المعركة هند وصويحباتها من النساء هربات، كل واحدة مشامرة عن رجلها وتهرب، يعني لو شدينا حيلنا يقول زبير: سبيناهم، لكن هنا حصل الخطا التاريخي.
قال: إذ مالت الرماه إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من خلفنا. والرماة مالوا إلى العسكر لجمع الغنائم، يعني مالوا إلى عسكر المشركين نزلوا عن الجبل ومالوا من أجل جمع الغنائم، فانكشفت ظهور المسلمين من وراء خالفوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فأتينا من خلفنا وصرخ صارخ: ألا إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل! فانكفأنا، التفينا للخلف، فلما انكفأنا وانكفا علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم. قيل إن المسلمين قتلوا سبعة من بني عبد الدار من حملة اللواء، مع أنه حملة اللواء شو قالوا لأبو سفيان؟ والله لترين الصحابة خلصوا على كل حملة اللواء، سبعة من بني عبد الدار قتلوا واللواء ساقط على الأرض خلص، لكن يعني في المعركة الشبه كانت محسومة لصالح المسلمين لكن معصية واحدة قلبت الموازين.
قال ابن هشام: الصارخ العقبة، يعني الشيطان. هذه بعض القصص التي تروى الله أعلم بصحتها، أن الذي قال: قتلنا محمدا عليه الصلاة والسلام هذا شيطان تمام اسمه أزب العقبة، هيك اسم الشيطان.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به، وكان اللواء مع صواب غلام لبني أبي طلحة الحبشي وكان آخر من أخذهم منه فقاتل به حتى قطعت يده ثم برك عليه فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه، ويقول: اللهم هل أعذرت؟ فقال حسان بن ثابت...
قال ابن إسحاق: انكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم المسلمين بشهادة حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدث بالحجاره حتى وقع لشقه، فأصيب رباعيته، وشج في وجهه وكلمت شفته، وكان الذي أصابه عتبه بن أبي وقاص.
قال ابن إسحاق: حدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال... عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، عتبة كان مع جيش المشركين. طبعا في غزوة بدر استشهد عمير بن أبي وقاص، وسعد بن أبي وقاص مسلمين، لكن عتبه بن أبي وقاص أخوهم كان مع المشركين.
قال: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج في وجهه، فجعل دمه يسيل على وجهه وجعل يمسح الدم وهو يقول: «كيف أفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهم يدعون إلى ربهم؟» فانزل الله عز وجل عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]. ليس لك، قد يفلحوا. شوف حتى عتاب الله لنبيه لما قال: كيف يفلح من أدمى وجه نبيه؟ أنزل الله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، أنت داع إلى الله، وفعلا أكثر هؤلاء أسلموا بعد ذلك، أبو سفيان أسلم، صفوان بن أمية أسلم، خالد بن الوليد أسلم.
قال ابن هشام بإسناد عن أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فيكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته.
فوقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسولون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه طلحه بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أزدرده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مس دمي دمي لم تصبه النار».
قال ابن هشام: وذكر عبد العزيز بن محمد الدراوردي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله». وذكر عبد العزيز بن محمد بإسناده عن أبي بكر الصديق أن أبا عبيدة بن الجراح نزع إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عليه وسلم فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، فكان ساقط الثنيتين. قال جميلة: بس الفائدة هي عبد الله بن شهاب الزهري شج النبي صلى الله عليه وسلم في جبهته. يقول هنا في الحاشية: يقول ابن عبد البر هو جد الإام الجليل ابن شهاب الزهري. يقول: وكان جد ابن شهاب الزهري شهد أحداً مع المشركين ثم أسلم بعد ذلك ومات بمكة؛ يعني الجد ابن شهاب الزهري جرح النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشيه القوم: «من رجل يشري لنا نفسه؟» كما حدثني حسين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن عمر. فقال: فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار، وبعض الناس يقول إنما هو عمارة بن يزيد بن سكن، فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدنوه مني». فادنوه منه، فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية. وهذه امرأة قوية، هذه من نساء الأنصار القويات.
هذا ذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري أنه سمع سعدى بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة فقلت لها: يا خالة، أخبريني خبرك. فقالت: خرجت أول النهار وأنظر ما يصنع الناس معي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله. خبر إيش عملتي يوم أحد؟ نعم. قالت: فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أصحابه، والدولة والريح للمسلمين؛ يعني كان النصر في البداية، الدولة والريح يعني نصر للمسلمين ابتداءً. قال: فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إليه. فرايت على عاتقها جرحاً أجوف له غور، فقلت: من أصابك بهذا؟ فقالت: ابن قمئة أقمها الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا. فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضربني هذه الضربه، ولقد على ذلك ضربتُه ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان. قال ابن إسحاق: وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره ومنحنى عليه حتى كثر فيه النبل؛ جعل نفسه كالترس على النبي عليه الصلاة والسلام فكانت الرماح والسهام تقع في ظهر أبي دجانة.
قال: ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: فلقد رأيتُه يناولني النبل وهو يقول: «ارمِ فداك أبي وأمي»، حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول: «ارمِ به». ما له نصل، أي ما حديدة مدببة في بدايته، يعني كيف مجرد حديدة بدون حديدة في البداية. قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده. وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده فكانت أحسن عينيه. السية طبعا هي الطرف الأعلى والأسفل، يعني القوس له طرفان يربط بهما الوتر، مش أنت عندك الوتر الآن بدك تربطه على القوس بده يكون طرف علوي وطرف سفلي تربط فيه الوتر؟ فهو الطرف العلوي والسفلي.
قال ابن إسحاق: وحدثني قاسم بن عبد الرحمن بن رافع بن عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فاموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، وبه سمي أنس بن مالك. قال: فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا من أنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة، فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنان. لماذا سميت أم أنس؟ تأساً بعمه أنس بن النضر.
تمام. قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن عبد الرحمن بن عوف أصيب فيه يومئذ فهُتِم وجرح عشرين جراحه أو أكثر، أصابه بعضها في رجله فعرج. قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمه وقول الناس: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري، كعب بن مالك. كعب بن مالك أول من عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل. قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، المغفر هي الخوذة على الراส. قال: فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنصت. قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله. أنصت، يعني اسكت؛ لأنه ما في داعي، بلاش يجي المشركين يهجموا علينا.
قال: فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضوان الله عليهم، والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين. فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجوت. فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه». فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم فيما ذكر لي: فما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشُّعراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها. قال ابن هشام: الشَّعراء ذباب له لدغ. ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مراراً. قال ابن هشام: تدأدأ يقول: تقلب عن فرسه فجعل يتدهرج.
قال ابن إسحاق: وكان أبي بن خلف كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يا محمد، إن عندي العوذ فرساً أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أنا أقتلك إن شاء الله». فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشاً غير كبير. يعني أبي بن خلف من أيام مكة بيحكي للنبي صلى الله عليه وسلم: عندي فرس اسمه العوذ، هذا الفرس أنا أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة، أري أن أقتلك عليه في المستقبل. شوف يعني أبي بن خلف جعل مشروع وقتل النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا له: قتلني والله محمد. قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك من باس. قال: إنه قد قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قادمون به إلى مكة. مع أنه كان جرح صغير، قالوا في رقبته جرح صغير مات من الخوف.
قال ثابت طيب. قال: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب. علي الله يرضى عنه راح جاء عبى ترسه، كان معه ترس من جلد راح عباه مي. قال: فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد له ريحاً فعافه. النبي صلى الله عليه وسلم شم الماء رائحة عفنة فعافه. قال: وغسل عن وجهه دماً وصب على رأسه وهو يقول: «أشد غضب الله على من دم وجه نبيه». قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن كيسان عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول: والله ما حرصت على قتل رجل قط حرصي على قتل عتبه بن أبي وقاص. أخوه كان حريصاً يقتل أخاه عتبة! تخيل كيف الإسلام. قال: وإن كان ما علمت لسيء الخلق مبغضاً في قومه، ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتد غضب الله على من دم وجه رسوله».
قال ابن إسحاق: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب معه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت خيل من قريش الجبل. قال ابن هشام: وكانت على تلك الخيل خالد بن الوليد. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا». فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر بين درعين. فلما ذهب إليه كان بدنه صار جسمه ثقيلاً ولابس درعين، فعملية صعوده رح تكون صعبة عليه الصلاة والسلام. قال: فلما ذهب لينهض صلى الله عليه وسلم لم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فانهض به حتى استوى عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن زبير عن أبيه عن عبد الله بن زبير عن الزبير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول: «أوجب طلحة حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع». قال ابن هشام: بلغني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الدرجة المبنية في الشعب.
قال ابن هشام: وذكر عمر مولى غفرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قعوداً من الجراحة التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعوداً. قال ابن إسحاق: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنقى دون الأعاصي. وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، رفع حصين بن جابر هو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش في الآطام من النساء والصبيان. فقال أحدهما لصاحبه: الآطام يعني في الحصون. قال: وما شيخان خبيرا لا أبا لك! ما ننتظر؟ فوالله ما بقي لواحد منا من عمره إلا ضمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد أفلا ناخذ أسيافنا؟ إنما نحن هامة اليوم ولا بكره، خلينا ناخذ أسيافنا. ثم نلتحق بالمعركة. قال: أفلا ناخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله؟
هم كانوا في المدينة، ما خرجوا إلى المعركة، كان في المدينة في الحصون التي فيها النساء والصبيان، يعني زي حراس عليهم. قال: فأخذ أسيافهما ثم خرج حتى دخل في الناس ولم يعلن بهما. فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حصين بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه. فقال حذيفة: أبي. قالوا: والله ما عرفناه. وصدقوا قال حذيفة: والله ما عرفناه؛ يعني والله ما عرفناه أنه أبوك، أنه في المعركة لما يدخل الحابل بالنابل أنت ممكن تقتل واحد مسلم بالغلط. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فقتل أبو حذيفة بن اليمان بالخطأ. قال: فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه، فتصدق حذيفة بديته عن النبي صلى الله عليه وسلم. أراد أنه يدفع دية والده، لكن حذيفة فقال: يا رسول الله أنا مسامحهم؛ لأن المسلمين قتلوا بالخطأ مع العجقة في أثناء المعركة. قال: فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني كبر في عين حذيفة.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رجلاً منهم كان يدعى حاطب بن أمية بن رافع، وكان له ابن يقال له يزيد بن حاطب، أصابته جراحة يوم أحد فأتي به إلى دار قومه وبالموت فاجتمع إليه أهل الدار، فجعل المسلمون يقولون من الرجال والنساء: أبشر يا ابن حاطب بالجنة. وكان حاطب شيخاً قد عسا في الجاهلية، فنجم يومئذ نفاقه فقال: بأي شيء تبشرونه؟ أَبِجَنَّةٍ من حرمل غررتم الله هذا غلاماً من نفسه؟ عسا في الجاهلية مرت معنا كثير؛ يعني يَبِس على الجاهلية.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتي لا يدرى ممن هو يقال له قزمان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر له: «إنه لمن أهل النار». قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتلاً شديداً، فقاتل مع المسلمين لكنه كان منافقاً. قال: فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا باس، فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر. فجعل رجال المسلمين يقولون له: والله لقد أبلِيتَ.
اليوم يا قزمان فابشر قال بماذا ابشر بماذا ابشر فوالله إن قاتلت إلا عن حساب قومي ولولا ذاك ما قاتلت. قال فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهماً من كنانته فقتل به نفسه. قال ابن إسحاق: وكان ممن قتل يوم أحد المخيريق، وكان أحد بني ثعلبة بن الفطيون. قال فلما كان يوم أحد قال: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت. فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلغنا مخيريق خير يهود».
قال ابن إسحاق: وكان الحارث بن سويد بن الصامت منافقاً، قال فخرج يوم أحد مع المسلمين، فلما التقى الناس عدا على المجد بن زياد البلوي وقيس بن زيد أخوي بني ضبيعة فقتلهما، ثم لحق بمكة. عدا على رجلين من المسلمين، وهذه مرت معنا قصته أنه هو بده فقط يثار ويقتل هذين ثم التحق بجيش المشركين نعم. قال: ثم لحق بمكة بقريش وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون قد أمر عمر بن الخطاب بقتله إن هو ظفر به فأتاه، فكان بمكة ثم بعث إلى أخيه الجلاس بن سويد يطلب التوبة ليرجع إلى قومه، فانزل الله تعالى فيما فيه فيما بلغني عن ابن عباس: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقَّّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 86] إلى آخر القصة.
قال ابن هشام: حدثني من أثق به من أهل العلم أن الحارث بن سويد قتل المجدل بن إياد بن ذياد ولم يقتل قيس بن زيد، والدليل على ذلك أن ابن إسحاق لم يذكره في قتل أحد، مما قتل مجدلاً؛ لأن مجدلاً كان قتل أباه سويداً في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب. قال: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه إذ خرج الحارث بن سويد من بعض حوائط المدينة وعليه ثوبان مضرجان، أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فضرب عنقه، ويقال بعض الأنصار.
قال ابن إسحاق: قتل سويد بن الصامت معاذ بن عفراء غيلة في غير حرب، فرماه أبو سُمّ فقتلاه قبل يوم بُعاث. قال ابن إسحاق: وحدثني الحسين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد عن أبي هريرة قال: كان أبو هريرة يقول حدثوني عن رجل - سُبَيْدَة بن الصامت اللي هو الحارث بن سويد نعم - قال فإذا لم يعرفوا الناس سألوه من هو فيقول: أصيضم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت بن وقش.
قال الحسين: فقلت لمحمود بن لبيد كيف كان شأن الأصيْرِم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة. قال: فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذ هم به، فقالوا: والله إن هذا الأصيْرِم، ما جاء به؟ لقد تركناه إنه لمنكر لهذا الحديث. سألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدهب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة - حدب يعني فزعة نعم - آمنت بالله وبرسوله وأسلت، ثم أخذت سيف فغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني. ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه لمن أهل الجنة».
قال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عن الشيخ من بني سليمة أن عمرو بن الجموح كان رجلاً أعرج شديد العرج، وكان له بنون مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد. فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله قد عذرك. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنت فقد أعذرك الله فلا جهاد عليك». وقال لبنيه: «ما عليكم أن تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة». فخرج معه فقتل يوم أحد.
قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة كما حدثني صالح بن كيسان والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خُدُماً وقلائد، وأتت خُدُمها وقلائدها وقرطتها وحشياً غلام جُبَير بن مطعم - اه فهند أكرمت جبير بن وحشي على قتله لحمزة - وبقرت عن كبد حمزة فلاكت - نعم بقرت عن كبد حمزة ومضغتها فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها - ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت: نحن جزيناكم بيوم بدرِ والحرب بعد الحرب ذات سَعْرِ ما كان عن عُتْبَة لي من صَبْرِ ولا أخي وعَمِّ بَكْرِ - يعني لأنه يقتل كل أقاربها يوم بدر - شفيت نفسي وقضيت نذري شفيت وحشي غليل صدري فشكر وحشي علي عمري حتى تلمَّ أعظمي في قبري
فأجابتها هند بنت أثاثة: خزيتِ في بدرٍ وبعد بدرِ يا بنت وقّاع عظيم الكُفرِ
إلى آخر الأبيات.
قال ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان أنه حدث أن عمر بن الخطاب قال لحسان بن ثابت: يا ابن الفريعة - قال ابن هشام: الفريعة بنت خالد بن خنيس، وقالوا خنبش بن حارثة -: لو سمعت ما تقول هند ورأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا وتذكر ما صنعت بحمزة! قال له حسان: والله إني لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على رأس فارع - يعني أطُماً - فقلت: والله إن هذا لسلاح، ما هي بسلاح العرب، وكأنها إنما تهوي إلى حمزة ولا أدري. قال: لكن أسمعني بعض قوله أكفيكمها. قال ماجد عمر بعض ما قالت، فقال حسان بن ثابت: أُشيرت لك وكان عادتها لؤماً إذا أُشيرت مع الكفر - قال ابن هشام: هذا البيت من أبيات في أبيات له تركناها، أبيات أيضاً له على الدال وأبيات أخرى على الذال - لأنه فقال له حسان: والله إني لأنظر إلى الحربة تهوي وأنا على رأس فارع - يعني أطماً - كأنه حسان ما كان مشاركاً في غزوة أحد لكنه كان على الأطم، على حصن أو مكان مرتفع في المدينة يشاهد وحشياً من حرب وهو يجهز الحربة. الآن أنتم بتعرفوا جبل منطقة أحد هي مش بعيدة عن المدينة، لكن أنا لا أعرف وين هذا المكان الذي كان عليه حسان، يعني هل كان في مكان أو بناء مرتفع خارج المدينة قريب من أحد؟ المهم هو يقول: إنني رايت وحشياً وهو يمسك حربته ويرميها تجاه حمزة، لكن وحشياً هو من الحبشة، فلذلك ايش يقول هنا؟ قال: والله إن هذا لسلاح، ما هي بسلاح العرب. يعني هي الحرب العرب لا تحسن الرمي فيها، فوحشي لماذا يحسن الرمي بالحربه؟ لأنه مش عربي، وحشي من الحبشة والحبشة هم الذين كانوا يتقنون الرمي بالحربة. الحربة عبارة عن رمح صغير ترميه فيقع في مقتل، العرب مش سلاحها، العرب ترمي إما بالرماح أو ترمي بالسيوف، ما بتعرف الرمي بالحربة الصغيرة نعم.
قال وقال ابن إسحاق: وقد كان الحُلَيْس بن زَبّان أخو بني الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، قد مر بأبي سفيان وهو يضرب في شق حمزة بن عبد المطلب بزُجِّ الرمح ويقول: ذُقْ عَقَقْ. فقال الحليس: يا ملك - كان يضرب في شطق حمزة في يعني بعد أن استشهد حمزة أصبح يدق أو يضرب في وجهه، الشَّطَق هذان الشَّطَقان طيب - فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحماً؟ قال: فقال: ويحْكَ اكْتُمها عني فإنها كانت زلة. فالحليس - يعني ماشي كان مشركاً بس ما عجبه أن هذا الرجل يعبث بجثة حمزة - فقال: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحماً، أي لحماً يعني وهو ميت وهو جثة، ما بيصير واحد يعبث بالجثة يعني حتى المشركين كان عندهم نوع من القيم، دعك من موقف هند يعني عموماً أو بعضهم، لذلك حتى أبو سفيان سيقول: يا محمد إن أوجد مثله في أصحابك لم آمر بها ولكنني لم أرتضيها. فكفار قريش بشكل عام كان عندهم مروءات حتى في الحرب نعم.
قال ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنْ أَنْعِمْتِ فَعَالُ، إن الحرب سجالٌ، يوم بيوم بدرٍ، اعْلُ هُبَلُ، أي ظهر دينك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قم يا عمر فأجب فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار». فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له أبو سفيان: هلم إلي يا عمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: «ائتِه». فعال ايش هي فعال؟ يقصد الأزلام التي كانوا يستقسمون بها في الجاهلية، يعني كأنهم استقسموا بالأزلام قبل أن يخرجوا إلى أحد، وانه الأزلام حكت لهم امشوا وفعلا انتصروا، فيقول: أنعمت فعال، يعني الأزلام صدقتنا لما حكت لنا توجهوا للمعركة نعم.
قال فجاء فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر، أقتلنا محمداً؟ قال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن. قال: أنت أصدقني من ابن قَمِئَة وأبرّ لقول ابن قَمِئَة لهم: إنّي قتلت محمداً - قال ابن هشام: واسم ابن قمئة عبد الله -. قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مُثْلَةٌ، والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت وما أمرت، قال: إن مُثْلَ بالجثث نعم.
قال ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر للعام القابل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه: «قل: نعم هو بيننا وبينكم موعد». ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال: «اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده». الآن النبي عليه الصلاة والسلام بقي شاكاً هل أبو سفيان راح يرجع لمكة ولا ناوي يكمل ويدخل المدينة ويستأصل بقي من بقي فيها؟ فقالوا: انظر، إذا ركبوا الإبل معناته رايحين على مكة بده يمشوا على راح، إذا ركبوا الخيل وساقوا الإبل جنبهم معناتها هذول رايحين على المدينة نعم.
قال: فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة، وفرغ الناس لقتلاهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازيني أخو بني النجار -: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع في الأحياء هو أم في الأموات؟». فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد. قال: فنظر فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق، فقال: فقلت له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وقل له إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خيراً ما جزى نبيّاً عن أمته. وسعد يقول لكم لأنه لاصبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف. ثم قال: ثم لم أبرح حتى مات. قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره. قال ابن هشام: حدثني أبو بكر الزبيري قال: إن رجلاً دخل على أبي بكر الصديق بنت لثاد بن الربيع جاريه صغيرة على صدره يرشفها ويقبلها، فقال له رجل: من هذه؟ قال: هذه بنت رجل خير مني، سعد بن الربيع كان من النقباء يوم العقبة وشهد بدرا واستشهد يوم أحد.
قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغ أن يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبد ومثل به فجدع أذنه. فحدثني محمد بن جعفر بن زبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى: «لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم». فلما رأى صفية - من هي صفية؟ أخت حمزة بن عبد المطلب نعم - قال فلما رأى رسول فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قال: والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر ليمثلن بهم مُثْلةً لم يمثلها أحد من العرب. قال ابن هشام: ولما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة قال: «لن أُصاب بمثلك أبداً، ما وقفت موقفا قط أغيظ إلي من هذا». ثم قال: «جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في أهل السماوات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله». كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد إخوة من الرضاعة، أرضعتهم مولاة لأبي لهب. قال ابن إسحاق: وحدثني وريدة بن سفيان بن
وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس أن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 126-127]، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصبر، ونهى عن المُثْلة. فلم يُمثَّل به ولم يُبقر، نعم.
قال ابن إسحاق: حدثني حميد الطويل عن سمرة بن جندب قال: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه حتى يأمرنا بالصدقة وينهانا عن المُثلة. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسُجي ببردة، ثم صلى عليه، فكبر سبع تكبيرات، ثم أُتي بالقتلى فيوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة. والصواب أنه لم يصلِّ على الشهداء، وأن هذا الحديث ضعيف.
قال ابن إسحاق: وقد أقبلت فيما بلغني صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: ألقِها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها. وصفية أخت حمزة هي أم الزبير بن العوام زي ما مر معنا. قال: فقال لها: يا أمة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي. قالت: ولما؟ وقد بلغني أنه قد مُثِّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبنَّ ولأصبرنَّ إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: خلِّ سبيلها. فأتته، فنظرت إليه، فصَلَّت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا فزعم لي آل عبد الله بن جحش وكان لأميمة بنت عبد المطلب حمزة وخاله، وقد كان مُثِّل به كما مُثِّل بحمزة إلا أنه لم يُبقر عن كبده. يعني عبد الله بن جحش من أمه أميمة بنت عبد المطلب أيضاً أخت صفية، نعم، فحمزة هو خال عبد الله بن جحش، نعم. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفنه مع حمزة في قبره، ولم أسمع ذلك إلا عن أهله. قال ابن إسحاق: وقد احتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: ادفنوهم حيث صُرعوا. صُرعوا أي حيث استشهدوا، فالشهيد يدفن في أرض المعركة ولا تنقل جثته، نعم.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن ثابت بن صُعير العذري حليف بني زهرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على القتلى قال: أنا شهيد على هؤلاء، إن ما من جريح يُجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لونه دم، والريح ريح مسك. انظروا أكثر هؤلاء جمعاً للقرآن، فجعلوه أمام أصحابه في القبر، وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر. وحدثني عمي موسى بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «ما من جريح يُجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمى، اللون لون دم، والريح ريح مسك».
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن شيخ من بني سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ حين أمر بدفن القتلى: انظروا إلى عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيَيْن في الدنيا، فاجعلوهما في قبر واحد. يعني كانوا أصحاباً، ادفنوهما مع بعض، نعم.
قال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً للمدينة، فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي، فلما لقيت الناس نُعي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نُعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت. فقال صلى الله عليه وسلم: إن زوج المرأة منها لمكان. سبحان الله، بعد ما تتزوج المرأة بتصير علاقتها بزوجها أعلى من علاقتها بأبيها وأخيها، فقد الزوج بالنسبة للمرأة أصعب من فقد الأخ والأب، نعم.
قال لما رأى من تثبتها عند أخيها قال صلى الله عليه وسلم: «إن زوج المرأة منها لمكان». لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها، ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدور من دور الأنصار من بني عبد الأشهل وظفر، فسمع بكاء النوائح على قتلاهم، فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له. فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بني عبد الأشهل أمرا نساءهم أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم النبي صلى الله عليه وسلم. تحزمن يعني يلبسن ملابسهن، ثم يذهبن فيبكين على عم النبي صلى الله عليه وسلم جبراً لخاطر النبي عليه الصلاة والسلام، نعم.
قال ابن إسحاق: حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيفة عن بعض رجال بني عبد الأشهل قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب مسجده يبكين عليه، فقال: ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتن بأنفسكن. قال ابن هشام: آسيتن بأنفسكن يعني عملتن الواجب، والله يعطيكم العافية، نعم. ونهي يومئذ عن النوح.
قال حدثني أبو عبيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع البكاء قال: رحم الله الأنصار، فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة، مروهن فلينصرفن. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد، فلما نُعوا قال لها: قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشاروا لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جَلَل. جَلَل بمعنى هينة، وليست جَلَل تأتي بمعنى الهين، نعم.
قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، ناول سيفه ابنته فاطمة، فقالت: اغسلي عن هذا دمه يا بنية، فوالله لقد صدقني القوم. وناولها علي بن أبي طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقني اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة. قال ابن هشام: وكان يقال لسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو الفقار.
قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا.
قال ابن إسحاق: وكان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الأحد، ست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، فأذن مؤذنه: ألا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر معنا اليوم. تكلمنا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خَلَّفني على أخوات لي سبعاً، وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك. فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه. وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو وليبلغهم أنه خرج.
جابر بن عبد الله خرج في حمراء الأسد لأن تخلفه عن أحد كان لعذر، نعم. قال: إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو وليبلغهم أنه خرج في طالبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم ينههم عن عدوهم. قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان قد شهد أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: شهدت أحداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا وأخ لي، ورجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي، أو قال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما لنا منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنت أيسر جرحاً منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. شوط يعني بحمل مسافة وبمشي مسافة، نعم.
قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن هشام: يعني 15 كيلو تقريباً. قال ابن إسحاق: فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. وقد مر به كما حدثني عبد الله بن أبي بكر معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نص، يعني قبيلة خزاعة بشكل عام كانت متعاطفة مع النبي صلى الله عليه وسلم مش مع قريش، خاصة أنها يعني قريش هي اللي طلعت خزاعة من مكة فظلت خزاعة تكره قريش في بينهم مناكفات، نعم. قال فصفقهم معه، لا يخفون عنه شيئاً كان بها، نعم، حتى في صلح الحديبية خزاعة دخلت في حلف من؟ في حلف النبي عليه الصلاة والسلام، نعم.
قال ومعبد يومئذ مشرك: يا محمد، والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله عفاك فيهم. ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرنَّ على بقيتهم فلنفضغنَّ منهم. فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقاً. قد يعني معبد الخزاعي خدم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الخدمة خوف أبا سفيان، نعم. قال: في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقاً، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم، شيء لم أرَ مثله قط. قال: ويلك، ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكَرَّة عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإني أنهاك عن ذلك. يعني ما أرى أنك سترتحل من هنا إلا ونواصي خيل جيش محمد صلى الله عليه وسلم على بابك، نعم. قال: والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتاً من شعر.
قال: ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. الميرة يعني تجارة، نعم. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة؟ أبو سفيان مش قليل، أبو سفيان برضه بده يزبط، فشاف ركب رايحين على المدينة، قال مين أنتم؟ قالوا رايحين المدينة يعني نتاجر، قال بدي أعطيكم رسالة تبلغوها لمحمد صلى الله عليه وسلم. شو هي الرسالة؟ قال: أحمل لكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتموها، قال: إي، وصلوا إليه الرسالة، وأنا بكرة إن شاء الله بعطيكم زبيب بوديكم فيه على سوق عكاظ. نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أن قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فما يعني أبو سفيان بده يرسل تخويف، أخبر محمد صلى الله عليه وسلم أنه نحن جايين نستأصلهم، بده يعمل تخويف للصحابة، نعم. قال: فمر ركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [آل عمران: 173]. مَن هم الناس؟ في هذا الموضع هم عبد القيس، الذين قال لهم الناس: إن الناس أبا سفيان وجنده قد جمعوا لكم، فشوا فزادهم إيماناً وقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة، أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة ليستأصلوا -كما زعموا- بقية أصحاب رسول الله ﷺ، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف: «لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا، وقد خشين أن يكون لهم قتال». حربوا يعني غضبوا الآن. فرجعوا، فقال النبي ﷺ وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم بالرجعة: «والذي نفس بيدي، لقد سومت لهم حجارة، لو صبحوا بها لكانوا كأمسي الذاهب».
قال أبو عبيدة: وأخذ أن الله سبحانه لو أتوا هنا لأرسل عليهم حجارة من سجيل كما أنزل على إبراهيم. وقال أبو عبيدة: وأخذ رسول الله ﷺ في وجه ذلك قبل رجعه إلى المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وهو جد عبد الملك بن مروان، وكان رسول الله ﷺ أسره ببدر ثم منّ عليه، فقال: يا رسول الله أقلني، فقال رسول الله ﷺ: «لا والله، لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمداً مرتين». أضربوا عنقه يا زبير، فضرب عنقه، هذا أبو عزة الشاعر.
قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال له رسول الله ﷺ: «إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين»، يضرب عنقه عاصم المثبت، فضرب عنقه، الله عنه، قتله عاصم.
قال ابن هشام: وقال إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله ﷺ، فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قُتل، فأقام بعد ثلاث وتوارى، فبعثهما النبي ﷺ وقال: «إنكم ستجدونه بموضع كذا وكذا»، فوجده فاقتلاه.
قال ابن إسحاق: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وكان عبد الله بن أبي بن سلول -كما حدثني ابن شامل الزهري- له مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر شرفاً له في نفسه وفي قومه، وكان فيهم شريفان، إذا جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: «أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به، فانصروه وأعزروه وأسمعوا له وأطيعوا»، ثم يجلس.
حتى إذا صنع عبد الله بن أبي يطلب عطاءهم بخطبة يوم الجمعة، يقول: «يا جماعة، النبي عليه الصلاة والسلام عندكم، أفزعوه وانصروا له»، وهو منافق يريد أن يظهر أنه مع المسلمين. حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع بالناس، قام ففعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بعد غزوة أحد، قام في يوم جمعة يريد أن ينصح الناس بنصرة النبي ﷺ، فقالوا له بعد ما رحت بثلث الجيش: «عم تحكي لنا عن نصرة النبي عليه الصلاة والسلام؟ اجلس يا عدو الله!».
قال: وقالوا: «اجلس يا عدو الله، لستدلك بأهل وقد صنعت ما صنعت»، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: «والله لكانما قلت بجِرًا إن قمت أشدد أمره»، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد، فقال: «مالك؟»، قال: «قمت أشدد أمره»، فوثب عليه رجال من أصحابه يجذبونه ويعنفونه، لكانما قلت بجِرًا إن قمت أشدد أمره. قال: «ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله»، قال: «والله ما ابتغي أن يستغفر لي»، قال: «استغفر الله العظيم».
قال ابن إسحاق: وكان يوم أحد يوم بلاء ومصيبة وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحن به المنافقين؛ ممن كان يظهر الإيمان بلسانه ويستخفي بالكفر في قلبه، ويوماً أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة منهم.
بسم الله، ذكر ما نزل في أحد من القرآن. قال ابن إسحاق: فكان مما أنزل الله تبارك وتعالى في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك ومعاتبة من عاتب منهم. يقول الله تبارك وتعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 121]. قال ابن هشام: «تبوئ المؤمنين» أي تتخذ لهم مقاعد ومنازل. ﴿إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]. والطائفتان بنو سليم من جوشم بن الخزرج وبنو حارثة، كادت أن تتبع عبد الله بن أبي وتنافق.
وقال: ﴿وَهُمَا الْجَنَاحَانِ﴾، يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي المدافع عنهما ما همّتا به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما عن غير شك في دينهما، فتولى دفع ذلك عنهما برحمته وعائده وعائدته حتى سلمتا من وهونهما وضعفهما والتحقتا بنبيهما ﷺ. قال ابن هشام: حدثني رجل من الأسد من أهل العلم قال: قالت الطائفتان: «ما نحن إلا إن هممنا بما هممنا لتولى الله إيانا في ذلك».
قال ابن إسحاق: يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أصبحوا في المستقبل يقولون: الحمد لله إن هممنا بالفشل، لماذا؟ لأن الله امتدحنا فقال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، قالوا يعني صح نحن غلطنا، بس كان إيجابياً أن الله امتدحنا، أيش تريد أفضل من أن الله يثبت أنه وليّك؟ أي من كان به ضعف من المؤمنين فليتوكل عليّ وليستعن بي أعنه على أمره وأدافع عنه حتى أبلغه، وأقويه على نيته. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]. أي فاتقوني فإن ذلك شكر نعمتي. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَقِلَّةٌ وَأَضْعَفُ قُوَّةً ۚ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ [آل عمران: 124-125]. بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتُوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، أي أن تصبروا لعدوي وتطيعوا أمري ويأتُوكم من وجههم، هذا أمدكم بخمسة آلاف ملائكة مسومين. قال ابن هشام: مسومين معلمين، بلغنا عن الحسن البصري أنه قال: معلمين، يعني عليهم علامة، عليهم عصبات، اعلموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصفوف بيض.
أو علامة على الخيول، قال: «اعلموا وضعوا علامة على خيولهم ونواصيها». قال: فإما ابن إسحاق فقال: كان سيماهم يوم بدر عمائم بيضًا. وهذا الرأي الآخر أنه كما قلت، عمائم على عليهم أنفسهم الملائكة.
قال: والسيما العلامة، وفي كتاب الله عز وجل: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]، أي علاماتهم. وبلغنا عن الحسن البصري أنه قال: «إنها ليست من حجارة الدنيا، وإنها من حجارة العذاب».
المصومة أيضًا تأتي بمعنى المرعية، وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8]، ونقول مثلاً: الغنم السائمة، أي المرعية التي ترعى، إبل سائمة. قال تعالى: ﴿شَرَاهُ لِتَسِيخُوا بِهِ﴾ أي ترعون دوابكم.
قال: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأنفال: 10]. أي ما سميت لكم من جنود ملائكتي إلا بشرى لكم لتطمئن قلوبكم بما أعرف من ضعفكم، وما النصر إلا من عندي لسلطاني وقدرتي، وذلك أن العز والحكم لي لا لأحد من خلقي. ثم قال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [الأنفال: 11]، أي ليقطع طرفًا من المشركين بقتل ينتقم به منهم، أو يردهم خائبين، أي ويرجع من بقي منهم خائبًا لم ينال شيئًا مما كانوا يأملون. قال ابن هشام: «يكبتهم يغمهم أشد الغم ويمنعهم ما أرادوا»، وقال: «يكبتهم أيضًا يصرعهم لوجوههم».
قال ابن إسحاق، ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيْهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]، أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي فإن شئت فعلت، أو أعذبهم بذنوبهم فإنهم ظالمون، أي قد استوجبوا ذلك بمعصيتي، والله غفور رحيم، يغفر الذنب ويرحم العباد على ما فيهم.
ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130]، أي لا تأكلوا في الإسلام إذ هداكم الله به ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره مما لا يحل لكم في دينكم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]، أي فاطيعوا الله لعلكم تنجون مما حذركم الله من عذابه وتدركون ما رغبكم الله فيه من ثوابه. ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131]، أي التي جعلت دارًا لمن كفر.
ثم قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132]، معاتبة للذين عصوا رسوله ﷺ حين أمرهم بما أمرهم به في ذلك اليوم وفي غيره. ثم قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، أي دارًا لمن أطاعني وأطاع رسوله. ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]، أي وذلك هو الإحسان، وأنا أحب من عمل به.
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]. أي إن أتوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم بمعصية ذكرها الله ونهاهم عنها وما حرم عليهم، فاستغفروه لها وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو، ولم يصروا على ما فعلوا، أي لم يقيموا على معصية كفعل من أشرك بي فيما غلو به في كفرهم وهم يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري. ﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 135]، أي ثواب المطيعين.
ثم استقبل ذكر المصيبة التي نزلت بهم، والبلاء الذي أصابهم، والتمحيص لما كان فيهم واتخاذه شهداء منهم، فقال تعزية لهم وتعريفًا لهم فيما صنعوا وفيما هو صانع بهم: ﴿وَدَخَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ۖ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137]، أي قد مضت مني وقائع نقمة في أهل تكذيب لرسلي وشرك به، كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدينة، فرأوا مثلات قد مضت مني فيهم، ولمن هو على مثل ما هم عليه من ذلك مني، فإني أمليت لهم، أي لا يظنوا أن نقمة انقطعت، وللدولة التي أدلت أيديهم بها عليكم لنبتليكم بذلك لنعلم ما عندكم.
ثم قال: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138]، أي هذا تفسير للناس إن قبلوا الهدى، وهدى وموعظة أي نور وأدب للمتقين أي لمن أطاعني وعرف أمري. ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]، أي لا تضعفوا ولا تبتئسوا على ما أصابكم وأنتم الأعلون، أي لكم تكون العاقبة والظهور إن كنتم مؤمنين، أي إن كنتم صدقتم نبيًا بما جاءكم به عني. ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۗ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 140]. أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين وليكرم من أكرم من أهل الإيمان والشهادة. والله لا يحب الظالمين أي المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم الطاعة وقلوبهم مصرة على المعصية.
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 141]، أي ليختبر الذين آمنوا حتى يخلصهم بالبلاء الذي نزل بهم وكيف صبرهم ويقينهم، ويمحق الكافرين بأن يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستثيرون به.
ثم قال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]، أي حسبتم أن تدخلوا الجنة فتصيبوا من ثواب الكرامة ولم أختبركم بالشدة وأبتليكم بالمكاره حتى أعلم أصدق ذلك منكم الإيمان به والصبر على ما أصابكم فيه. ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الشَّهَادَةَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوُا الْعَدُوَّ﴾ [آل عمران: 143]، يعني الذين استنهضوا رسول الله ﷺ إلى خروج وجه بهم إلى عدوهم لما فاتهم من حضور اليوم الذي كان قبله ببدر ورغبة في الشهادة التي فاتتهم بها، يقول فقد رأيتموه وأنتم تنظرون أي الموتى بالسيوف في أيدي الرجال، قد خُلي بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم ثم صُدوا عنكم.
قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]. أي لقول الناس قُتل محمد ﷺ وانهزامهم عند ذلك وانصرافهم عن عدوهم: أفإن مات أو قتل رجعتم عن دينكم كفارًا كما كنتم وتركتم جهاد عدوكم وكتاب الله وما خلف نبيه ﷺ من دينه معكم وعندكم، وقد بين لكم فيما جاءكم به عني أنه ميت من فارقكم. ومن ينقلب على عقبيه أي يرجع عن دينه فلن يضر الله شيئًا، ليس ينقص ذلك عز الله ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته، وسيجزي الله الشاكرين أي من أطاع وعمل بأمره. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: 145]، أي إن لمحمد.
صلى الله عليه وسلم، إذا أذن الله في ذلك كان. ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [النساء: 130]؛ أي من كان منكم يريد الدنيا ليست له رغبة في الآخرة نؤتيه منها ما قسم له من رزق ولا يعدوه فيها، وليس له في الآخرة من حظ. ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ موعد به مع ما يجري عليه من رزقه في دنياه، وذلك جزاء الشاكرين، أي المتقين.
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: 146]، وفي القراءة: قاتل، نعم، أي وكأين من نبي أصحابه القتل معه ربيون كثير، أي جماعة، فما وهنوا لفقد نبيهم، وما ضافوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابه من الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك صبر، والله يحب الصابرين. ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِذْ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 147].
قال ابن هشام: و"ربيون" ربي، وقولهم الرباب لولد عبد مناف، عفوا لولد عبد مناف؛ لأنهم تجمعوا وتحالفوا، من هذا يريدون الجماعات، و"الرباب" ربه، وهي جماعات قداح أو عسي وشبهوها بها. قال ابن إسحاق: فقولوا مثل ما قالوا، واعلموا ذلك بذنوب منكم واستغفروه كما استغفروا، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم، وإذا ارتدوا على أعقابكم راجعين، واسألوه كما سألوا أن يثبت أقدامكم واستنصروا كما استنصروا على القوم الكافرين؛ فكل هذا من قولهم قد كان وقد قتل نبيهم فلم يفعلوا كما فعلتم، فأتاهم الله ثواب الدنيا بالظفر على عدوهم، وحسن ثواب الآخرة وما وعد الله فيها، والله يحب المحسنين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 143]، أي عن عدوكم فتذهب دنياكم وآخرتكم، ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]. فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقًا في قلوبكم فاعتصموا به، ولا تستنصروا بغيره، ولا ترجعوا على عقبكم مرتدين عن دينه. ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي الذي به كنت أنصركم عليهم بما أشركوا بي، ﴿مَا لَمْ أَجْعَل لَّهُم مَّحِيلَةً﴾ أي فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور، عليكم اعتصمتم بي واتبعتم أمري للمصيبة التي أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لأنفسكم خالفتم بها أمري للمعصية وعصيتم بها نبيًا، ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ أي بالقتل، ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ أي الفتح لا شك فيه، ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لقد وفيت لكم بما وعدتكم من النصر على عدوكم إذ تحسونهم بالسيوف، أي القتل بإذني، وتسلي أيديكم عليهم، وكفي أيديها عنكم.
قال ابن هشام: "الحس" الاستئصال، تقول حسست الشيء أي استأصلته بالسيف وغيره. قال ابن إسحاق: حتى إذا فشلتم أي تخذلتم وتنازعتم في الأمر، اختلفتم في أمري أي تركتم أمر نبيكم ومعاهد إليكم، من بعد ما أراكم ما تحبون أي الفتح لا شك فيه، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم، منكم من يريد الدنيا أي الذين أرادوا النهب في الدنيا وترك ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الآخرة، ومنكم من يريد الآخرة أي الذين جاهدوا في الله ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا رغبة فيه رجاء ما عند الله من حسن ثوابه في الآخرة، أي الذين جاهدوا في الدين ولم يخالفوا إلى ما نهوا عنه لعرض من الدنيا، ليختبركم، وذلك ببعض ذنوبكم، ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 134]، أي لئلا يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم، ولكني عدت بفضلي عليكم، وكذلك من الله على المؤمنين أن عاقب ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدبًا وموعظة، فإنه غير مستأصل لكل ما فيه من الحق، حق لهم عليهم بما أصابوا من معصيته رحمة لهم وعائدًا عليهم لما فيه من الإيمان.
ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم وهم يدعون، لا يعطفون عليه لدعائه إياهم، فقال: ﴿إِذْ تَصْعَدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: 153]، فأثابكم غماً بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم، أي كرب بعد كرب، بقتل من قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال قتل نبيكم، فكان ذلك مما يتابع عليكم غماً بغم، قال: لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من ظهوركم على عدوكم بعد أن رأيتموه بأعينكم، ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم حتى فرج ذلك الكرب عنكم، والله خبير بما تعملون.
وكان الذي فرج الله به عنهم ما كانوا فيه من الكرب والغم الذي أصابهم، أن الله عز وجل رد عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيهم، فلما رأوا رسول الله ﷺ حيًا بين أظهرهم، هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم، والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم حين صرف الله القتل عن نبيهم، ثم أنزل عليكم من بعد الغم: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِزْءَ الشَّيْطَانِ وَلِيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [آل عمران: 154]. وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الأمر من شيء؟ ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154].
فأنزل الله النعاس أمنة منه على أهل اليقين به، فهم نيام لا يخافون، وأهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوف القتل، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة، فذكر الله عز وجل تلاومهم وحسرتهم على ما أصابهم، ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَمْ تَحْضُرُوا هَٰذَا الْمَوْتِ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 154]، أي لا يخفى عليه ما في صدورهم مما استخفوا به منكم.
ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: 156]، أي لا تكونوا كالمنافقين الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل الله وضربه في الأرض في طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم.
ذلك حسرة في قلوبهم لقلة اليقين بربهم، والله يحيي ويميت، أن يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته. ثم قال: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]، أي أن الموت لكائن لا بد منه، فموت في سبيل الله أو قتل خير مما يجمعون من الدنيا التي لأجلها يتأخرون عن الجهاد تخوفًا من الموت والقتل، لما جمعوا من زهرة الدنيا وزهادة في الآخرة.
﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾ أي ذلك كان، ﴿إِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي أن إلى الله المرجع، فلا تغرنكم الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه من ثوابه أثر عندكم منها. ثم قالت تبارك وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي لتركوك، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم لينه لهم وصبره عليهم لضعفهم وقلة صبرهم على الغض، لو كانت منه عليهم في كل ما خالفوا عنه مما افترض عليهم من طاعة نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم قال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ أي تجاوز عنهم، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ﴾ من قارف من أهل الإيمان منهم، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي لتريهم أنك تسمع منهم وتستعين بهم، وإن كنت غنيًا عنهم تألفًا لهم بذلك على دينهم.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ أي على أمر جاءك مني وأمر من دينك في جهاد عدوك، لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، ﴿فَامْضِ عَلَىٰ مَا أُمِرْتَ بِهِ﴾ على خلاف من خالفك وموافقة من وافقك، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. إن ينصركم الله فلا غالب لكم من الناس، وإن يخذلكم فما من ذا الذي ينصركم من بعده، أي لا تترك أمري للناس وأرفض الناس إلى أمره، وعلى الله لا على الناس فليتوكل المؤمنون.
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 161]. أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يفعل ذلك يأتي به يوم القيامة، ثم يجزى بكسبه غير مظلوم ولا متعد عليه.
﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا أَحَبَّ النَّاسُ أَوْ سَخِطُوا كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 162]. يقول: فمن كان على طاعة فثوابه الجنة ورضوان من الله، كمن باء بسخط من الله واستوجب سخطه فكان مأواه جهنم، وبئس المصير، سواء المثل فاعرفوا، هم درجات عند الله، والله بصير بما يعملون، لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار، أي أن الله لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته.
ثم قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]. أي لقد منّ الله عليكم يا أهل الإيمان إذ بعث فيكم رسولًا من أنفسكم يتلو عليكم آياته فيما أحدثتم وفيما عملتم، فيعلمكم الخير والشر؛ لتعرفوا الخير فتعملوا به، والشر فتتقوه، ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه فتستكثروا من طاعته، وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته لتتخلصوا بذلك من نقمته وتدرك بذلك ثوابه من جنته، ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ أي في عمياء من الجاهلية، لا يعرفون حسنة ولا يستغفرون من سيئة، صمٌّ عن الخير، عميٌ عن الحق، عميٌ عن الهدى.
ثم ذكر المصيبة التي أصابتهم فقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165]. أي إن كانت أصابتكم مصيبة في إخوانكم بذنوبكم، فقد أصبتم مثليها قبل من عدوكم في اليوم الذي كان قبله ببدر؛ قتلًا وأسرًا، ونسيتم معصيتكم وخلافكم عما أمركم به نبيكم، أنتم أحلتم ذلك بأنفسكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن الله على ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 166]، أي ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوكم فبإذن كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم بعد أن جاءكم نصري وصدقتم وعدي، ليميز بين المؤمنين والمنافقين، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أي ليظهر ما فيهم. وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه الذين رجعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سُرّ إلى عدوه من المشركين بأحد، وقولهم: «لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم ولدفعنا عنكم ولكننا لا نظن أنه يكون قتال»، فأظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم، فيقول الله عز وجل: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُم لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167].
الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم: «لو أطاعونا ما قُتلوا»، ﴿قُلْ فَدَّاعُوا عَن أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 168] أي أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نفقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله حرصًا على بقائه في الدنيا وفرارًا من الموت.
ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم يرغب المؤمنين في الجهاد ويهون عليهم القتل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 169-170]. أي لا تظنن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا، بل أحييتهم فهم عندي يرزقون في روح الجنة وفضلها، مسرورين بما أتاهم الله من فضله على جهادهم، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، أي يسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليهم من جهادهم ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم، قد أذهب الله عنهم الخوف والحزن.
يقول الله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 171] وفاء الموعود وعظيم الثواب. قال ابن إسحاق بإسناد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد على أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا، لزادوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب». فقال الله.
تعالى فأبلغهم عنكم، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات.
قال ابن إسحاق بأسناد عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية».
قال ابن إسحاق بأسناد عن عبد الله بن مسعود أنه سئل عن هؤلاء الآيات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، فقال: أما أنا فقد سألنا عنها، فقيل لنا إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجوف طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قنادل من ذهب في ظل العرش.
فيطلع الله إليهم اطلاعه، فيقول: «يا عبادي ما تشتهون؟» فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة، نأكل منها حيث شئنا. قال: ثم يطلع إليهم مطلعه فيقول: «يا عبادي ما تشتهون؟» فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة، نأكل منها حيث شئنا. قال: ثم يطلع إليهم مطلعه فيقول: «يا عبادي ما تشتهون؟» فيقولون: ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة، نأكل منها حيث شئنا إلا أن نحب أن ترد أرواحنا في أجسادنا، ثم نرد إلى الدنيا فنقاتل فيك حتى نقتل فيك مرة أخرى.
قال ابن إسحاق بأسناده عن جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أبشرك يا جابر؟» قال: قلت: بلى يا نبي الله. قال: «إن أباك حين أصيب بأحد أحياه الله»، ثم قال له: «ما تحب يا عبد الله بن عمر أن أفعل بك؟» قال: أي رب، أحب أن تردني إلى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى.
قال ابن إسحاق بأسناد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفرق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من النهار، وإن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل في سبيل الله فيقتل مرة أخرى».
قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172]. أي الجراح، وهم المؤمنون الذين ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغدا من يوم أحد إلى حمراء الأسد على ما بهم من المراح.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]. والناس الذين قالوا لهم ما قال النفر من عبد القيس، الذين قال لهم أبو سفيان ما قالوا: إن أبا سفيان ومن معه راجعون إليكم.
يقول الله عز وجل: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ۗ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 174]. لما صرف الله عنهم لقاء عدوهم، إنما ذلك الشيطان، أي لأولئك الرهط، ﴿وَمَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ﴾ يخوف أولياءه، أي يرهبكم بأوليائه، ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي المنافقون، ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]. ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي المنافقين. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي فيما يريد أن يبتليكم به لتحذروا ما يدخل عليكم فيه، ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ﴾ أي يعلمه ذلك، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي تراجعوا وتتوبوا، ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 179].
قال ذكر من استشهد بأحد من المهاجرين. قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش؛ فمن بني هاشم بن عبد مناف: حمزة بن عبد المطلب، قتله وحشي غلام جبير بن مطعم. ومن بني أمية بن شمس: عبد الله بن جحش. ومن بني عبد الدار بن قسيم: مصعب بن عمير، قتله ابن الليثي. ومن بني مخزوم: يقال أربعة نفر. ومن الأنصار: ثم من بني عبد الأشهل: عمرو بن معاذ، والحارث بن أنس، وعمارة بن زياد.
قال ابن هشام، وقال ابن إسحاق: وسلمة بن ثابت بن وقش، وعمرو بن ثابت بن وقش، وخزيمة، وقال إن أباهما ثابتاً قتل يومئذ. ورفاعة بن نقش، وحسيل بن جابر وهو أبو حذيفة اليماني، أصابه المسلمون في المعركة ولا يدرون، فتصدق حذيفة بديته على من أصابه. وصيفي بن قيضة، وحباب بن قيضة، وعباد بن سهل، والحارث بن أوس، اثنا عشر رجلاً. ومن أهل راتج: إياس بن أوس، وعبيد بن تيهان، ويقال عتيك بن تيهان، وحبيب بن زيد ثلاثة نفر. ومن بني ظفر: يزيد بن حاطب رجل. ومن بني عمرو بن عوف، ثم من بني ضبيعة بن زيد: أبو سفيان بن الحارث، وحنظلة بن عامر، وهو غسيل الملائكة، قتله شداد بن الأسود.
رجلان، قال ابن هشام: قيس بن زيد ومالك بن أمة. قال ابن إسحاق: ومن بني عبيد بن زيد: أنيس بن قتادة رجل. ومن بني ثعلبة بن عمرو: أبو حية، وهو أخو سعد بن خيثمة لامه. قال ابن هشام: أبو حبة ابن عم عمر. قال ابن إسحاق: وعبد الله بن جبير وهو أمير الرماح رجلان. ومن بني سلم: خيثمة أبو سعد بن خيثمة الرجل، ومن حلفائهم بني عجلان: عبد الله بن سلمة. ومن بني معاوية بن مالك: سبيع بن حاطب، قال ابن هشام، وقال سويبق بن الحارث.
قال ابن إسحاق: من بني النجار، ثم بني سواد بن مالك: عمرو بن قيس، قال ابن هشام: عمرو بن قيس، قال ابن إسحاق: وثابت بن عمرو أربعة نفر، وعامر بن مخلد أربعة نفر. ومن بني مبذول: أبو هبيرة بن الحارث، وعمرو بن مطرف رجلان. ومن بني عمرو بن مالك: أوس بن ثابت، قال ابن هشام: أوس بن ثابت أخو حسن بن ثابت. قال ابن إسحاق: من بني عدي بن نجار: أنس بن النضر رجل، قال ابن هشام: أنس بن النضر عم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن بني مازن بن النجار: قيس بن مخلد، وكيسان عبد الله رجلان. ومن بني دينار بن النجار: سليم بن الحارث، ونعمان بن عبد عمرو رجلان، ومن بني الحارث.
من بني الخزرج: خارجة بن زيد، وسعد بن الربيع، وأوس بن الأرقم، ثلاثة نفر. ومن بني الأبجر: بنو خدرة، ومالك بن سنان، وهو أبو أبي سعيد الخدري؛ قال ابن هشام: اسمه أبو سعيد الخدري سعد، ويقال سنان. وقال ابن إسحاق: سعيد بن سويد وعتبة بن ربيع، ثلاثة نفر. ومن بني سعيدة بن كعب: ثعلبة بن سعد، وثقف بن فروة، رجلان. ومن بني طريف: رهط سعد بن عبادة، عبد الله بن عمرو، وضمرة حليف لهم، رجلان. ومن بني عوف بن الخزرج، ثم بني سالم، ثم بني مالك بن العجلان: نوفل بن عبد الله، وعباس بن عبادة بن نضلة، ونعمان بن مالك بن ثعلبة، والمجذر بن ذياد حليف لهم، وعبادة بن الحشاس؛ دفن نعمان بن مالك والمجذر وعبادة في قبر واحد.
ومن بني الحارث: أفاعة بن عمر، رجل. ومن بني سلمة، ثم بني حرام: عبد الله بن عمرو بن حرام، وعمرو بن الجموح؛ دفنا في قبر واحد، وخلاد بن عمرو بن الجموح، وأبو أيمن مولى عمرو بن الجموح، أربعة نفر. ومن بني سواد بن غنم: سليم بن عمرو، ومولاه عنتر، وسهل بن قيس بن أبي كعب بن القين، ثلاثة نفر. ومن بني زريق بن عامر: ذكوان بن عبد القيس، وعبيد بن المعلى، رجلان؛ قال ابن هشام: عبيد بن المعلى من بني حبيب. قال ابن إسحاق: فجميع من استشهد من المسلمين مع رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار 75 رجلا.
قال ابن هشام: وممن لم يذكر ابن إسحاق من السبعين الشهداء الذين ذكرنا: من الأوس، ثم من بني معاوية بن مالك: مالك بن مالك بن نويلة حليف لهم من مزينة. ومن بني خثمة، واسم خثمة عبد الله بن جشم الحارث بن خرشة من الخزرج: مالك بن إياس. ومن بني عمرو بن مالك: إياس بن عدي. ومن بني سان بن عوف: عمرو بن إياس.
أما من قتل من المشركين، فقد قال إسحاق: وقُتل من المشركين يوم أحد من قريش، ثم بني عبد الدار بن قصير من أصحاب اللواء: طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وأبو سعد بن أبي طلحة قتله سعد بن أبي وقاص، وقال ابن هشام: ويقال قتله علي بن أبي طالب. وقال ابن إسحاق: عثمان بن أبي طلحة قتله حمزة بن عبد المطلب، ومسافع بن طلحة والجلاس بن طلحة قتلهما عاصم وثابت بن الأرقم. وكلاب بن طلحة والحارث بن طلحة قتلهما قزمان حليف لبني الظفر؛ قال ابن هشام: ويقال قتل كلابا عبد الرحمن بن عوف.
وقال ابن إسحاق: أرطأت بن عبد شرحبيل بن هشام قتله حمزة بن عبد المطلب. وأبو يزيد بن عمير قتله قزمان، وصؤاب غلام لهم حبشي قتله قزمان؛ قال ابن هشام: ويقال قتله علي بن أبي طالب، وقال سعد بن أبي وقاص، وقالوا أبو دجانة. وقال ابن إسحاق: والقاصد بن شريح قتله قزمان، 11 رجلا. ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي: عبد الله بن حميد قتله علي بن أبي طالب، رجل. ومن بني زهرة بن كلاب: أبو الحكم بن الأخنس بن شريق حليف لهم قتله علي بن أبي طالب، وسباع بن عبد العزى حليف لهم من خزاعة قتله حمزة بن عبد المطلب، رجلان.
ومن بني مخزوم: هشام بن أمية قتله قزمان، والوليد بن العاص قتله قزمان، وأبو أمية بن أبي حذيفة قتله علي بن أبي طالب، وخليد بن أعلم حليف لهم قتله قزمان، أربعة نفر. ومن بني جمح بن عمرو: عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب، وهو أبو عزة، قتله رسول الله ﷺ صبرا. وأبو بن خلف قتله رسول الله ﷺ صبرا؛ ومعنى صبرا أي ربطه وأمر زبير أو عاصم بن ثابت أن يضرب عنقه. وخالد بن الأعلى حليف له قتله قزمان، أربعة نفر.
ومن بني عامر بن لؤي: عبيدة بن جابر وشيبة بن مالك بن المضرب، قتلهما قزمان، رجلان؛ قال ابن هشام: ويقال قتل عبيدة بن جابر عبد الله بن مسعود. قال ابن إسحاق: فجميع من قتل الله تبارك وتعالى يوم أحد من المشركين 22 رجلا.
الآن سيذكر الأشعار المتعلقة بغزوة أحد. هذه طريقة ابن هشام، أنه بعد كل معركة حاول يجمع الأشعار الواردة في المعركة. نحن اتفقنا أن موضوع الأشعار لم نتطرق إليه هنا لأنه ليس بأهمية، وإنما نريد قراءة السيرة، فبالتالي سنتجاوز موضوع الأشعار، خاصة كما قال ابن هشام إن كثيرا من هذه الأشعار منحولة، أي تكون أصلاً ليست لمن نُسبت إليه، وإنما صنعها الإسلاميون بعد ذلك من أجل إثارة الأمور، وبعضها صحيح. لكن نحن في هذا الملتقى نريد قراءة السيرة فقط.
نأتي إلى ذكر يوم الرجيع، صفحة 195. قال في سنة ثلاث بإسناده، أي السنة الثالثة من الهجرة، بعد أن أنهينا السنة الثانية. قال بإسنادها عن عاصم بن عمر بن قتادة: قال قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل، من عضل والقارة، قال ابن هشام: هذه قبائل.
قال عضو بن القارة من الهون، ابن خزيم بن مديكة، يقال الهون، فقالوا له: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام. فبعث رسول الله ﷺ معهم نفرا ستة من أصحابه، وهم: مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وخالد بن بكير الليثي حليف بني عدي بن كعب، وعاصم بن ثابت بن الأرقم، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق. وأمر رسول الله ﷺ على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي؛ وطبعا في خلاف هل أمر عليه مرثد أم عاصم بن ثابت، فالمشهور أنه عاصم بن ثابت، ولكن بعض المؤرخين قالوا لا، مرثد بن أبي مرثد. هذه سرية عاصم بن ثابت، والمهمة التي سيستشهد فيها عاصم بن ثابت إن شاء الله.
خرجوا مع القوم، وهذا كان قديما مشهورا عند العرب أنه بتتحالف قبيلة مع قبيلة أو فخذ مع فخذ، فيصبح يقول فلان حليف فلان، وهذا مناصر.
قال: فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع مائلين بناحية الحجاج، وصلوا إلى ماء اسمه ماء الرجيع، والماء عند العرب هي البئر أو العيون، وصلوا إلى هذا الماء، وماء الرجيع وهذا البئر وهذه العيون تابعة لقبيلة هذيل.
قال: غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلًا، فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم القوم، وهم الصحابة، إذ تفاجأ الصحابة إذ بالهذليين يحيطون بهم، فأخذوا أسيارهم ليقاتلوا القوم، فالصحابة رفعوا سيوفهم وقالوا سنقاتل.
فقالوا لهم الهذليون، الآن ناضوا الصحابة بعد أن حاطوا بالماء: «إنا والله ما نريد قتلكم، ولكن نريد أن نصيب بكم شيئًا من أهل مكة»، يعني سلمونا حالكم بنبيعكم لأهل مكة وبنأخذ مصاري، بني هذيل يريدون المال، هذا الذي يريدونه.
قال: ولكم عهد الله ميثاقه ألا نقتلكم، فإما مرثد بن أبي مرثد، وخالد بن بكير، وعاصم بن ثابت، فقالوا: «والله لا نقبل من مشرك عهدًا ولا عقدًا أبدًا»، وقالوا أشعارًا في ذلك، وقال عاصم أيضًا أبياتًا، وكان عاصم يكنى أبا سليمان، ثم قاتل القوم حتى قتل وقتل صاحبه.
فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه لسلافة بنت سعد بن شهير، سلافة التي كانت في غزوة أحد، عاصم قتل ابنيها، وذكرت أنها نذرت إذا نجاها الله، أو إذا نالت رأس عاصم، أن تشرب فيه الخمر.
قال: وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: «لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر»، فمنعته الدبر، فما الدبر هنا؟ الدبر هم الزنابير أو النحل، الله سبحانه أرسل نحلًا كثيرًا أحاط برأس عاصم بعد أن قُتل فلم يستطيعوا أن يأخذوا رأسه، وهذه من كرامة عاصم بن ثابت.
قال: فلما حالت بينهم وبينه قالوا: «دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه»، فبعث الله النحل، قالوا: «خلوا حتى يجيء المساء»، ومعروف أن النحل في المساء يذهب إلى خلياته فلا يبقى موجودًا.
قال: فبعث الله الوادي فاحتمل عاصمًا فذهب، فبعث الله الوادي؛ والوادي هنا يعني السيل، فسال الوادي فحمل جثة عاصم، فلا يعرف أين ذهبت.
قال: وكان عاصم قد أعطى الله عهدًا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا تنجسًا، فوفى الله له بعهده وهو ميت، سبحان الله.
قال: فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعت: «يحفظ الله العبد المؤمن»، كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدًا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته، وأما تنجسًا، هل المراد تنجس حسي أم تنجس معنوي؟ الذي يظهر أنه تنجس معنوي، يعني عاصم لا يضع يده في يد مشرك، ولا يمس يد مشرك تنجسًا معنويًا.
قال: وأما زيد بن الدثينة، وخبيب بن عدي، وعبد الله بن طارق، فقد رغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم، ثم خرج الصحابة الثلاثة الباقون، أرادوا أن يكتب الله لهم الحياة فسلموا أنفسهم.
قال: ثم خرجوا إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القيد، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره علي رضي الله عنه بالظهران.
قال: وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثينة، فقدم بهما إلى أمام مكة، قال ابن هشام: فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة، قال ابن إسحاق: فابتاع خبيبًا حجير بن أبي إيهاب التميمي حليف بن نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان أبو إيهاب أخًا للحارث بن عامر لأمه، ليقتله بأبيه، قال ابن هشام: إذ حجير بن أبي إيهاب اشترى خبيب بن عدي حتى يقتله ثأرًا لأبيه الذي قتله الصحابة.
قال ابن هشام: الحارث بن عامر، وأبو إيهاب وأبو إيهاب أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم، ويقال أحد بني عدوس بن زيد بن عبد الله بن دال من بني تميم.
قال ابن إسحاق: وأما زيد بن الدثينة فابتاعه صفوان بن أمية، ابتاعه يعني اشتراه، ليقتله بأبيه أمية بن خلف الذي قتل الصحابة في بدر.
قال: فإما زيد فبعث به صفوان بن أمية مع مولى له يقال له نسطاس إلى التنعيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: «أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدًا ﷺ عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنت في أهلك؟»، قال: «والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي»، قال يقول أبو سفيان: «ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد لمحمدًا»، ثم قتله نسطاس، يرحمه الله.
قال: وأما نسطاس هذا الذي هو مولى صفوان بن أمية، وأما خبيب بن عدي فحدثني قال بإسناده، قال إنه حدث عن ماوية مولاة حجير بن أبي إيهاب، وكانت قد أسلمت، قالت: كان خبيب في بيتي، فلقد اطلعت عليه يومًا وإن في يده لقطف من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، وما أعلم في أرض كف عنب، وما أعلم في أرض الله عنبًا يؤكل عنبًا، يعني مثلما صار مع مريم كيف يأتيها رزقها في غير وقته، وهذا من كرامة الله لخبيب بن عدي.
قال: وبإسناده أنها قالت: قال لي حين حضره القتل: «ابعثي إلي بموسى أتطهر بها للقتل»، يعني أراد أن يأخذ حديدة لينظف العانة، خشي أنه إذا قُتل تنكشف عورته وتظهر شعرة على العانة، فأراد موسى أن ينظف عانته.
قالت: فأعطيت غلامًا من الحي الموسى، فقلت له: «ادخل بها على هذا الرجل في البيت»، قالت فوالله هي المرأة جابت موسًا وأعطته لغلام صغير، قالت: «روح ادخل على هذا الرجل، على خبيب، أعطه الموس يتنظف»، قالت: فوالله ما هو إلا أن ولغ الغلام بها إليه، فقلت: ماذا صنعت؟ أصب والله رجل.
ليس منتبهًا أنه أنا، ما الغلط الذي ارتكبته؟ غلام صغير أعطيه لموسى، أقول له ادخل؟ يدخل جوا، خاف أن خبيب يخلي دروع بشرية؛ هو يخلي الغلام عنده ويضع السكين، ويقول: يا قريش يا تطلقوني يا أقتل الغلام.
قال: أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام، فيكون رجلًا برجل. فلما ناوله الحديث، أخذها من يده ثم قال: لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديث إلي، ثم خلى سبيله. يقول ابن هشام: إن من الأخلاق الرفيعة أنه خبيب ما راح يقتل غلامًا طفلًا صغيرًا.
قال ابن إسحاق: ثم خرجوا بخبيب حتى إذا جاؤوا به التنعيم ليصلبوه. لاحظ أن قريشًا ما كانت تقتل داخل حدود الحرم، ليش طلعوا زيدًا وخبيبًا للتنعيم؟ حتى يقتلوا في الحل ما يقتلوا في حدود الحرم.
قالت: قال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال: «أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعًا من القتل لاستكثرت من الصلاة». قال: فكان خبيب بن عدي أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.
قال: ثم رفعوه على خشبته، فلما أوثقوه قال: «اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا»، ثم قال: «اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تغدر منهم أحدًا»، ثم قتلوه رحمه الله.
قال: فكان معاوية بن أبي سفيان يقول: حضرته يومئذ -فيمن حضره مع أبي سفيان- فلقد رأيته يلقيني إلى الأرض فرقًا من دعوة خبيب. وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعي عليه فاضجع لجنبه زلت عنه؛ هيك كانوا بيحكوا، يعني أن الرجل إذا دعي عليك نام على الأرض على جنبك بتروح الدعوة.
قال ابن إسحاق بإسناده عن عقبة بن الحارث قال: سمعته يقول: ما أنا والله قتلت خبيبًا، لا أنا كنت أصغر من ذلك، ولكن أبا مسرة أخى بني عبد الدر أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله.
قال ابن إسحاق بإسناده: كان عمر بن الخطاب استعمل سعيد بن عامر الجمحي على بعض الشام، فكانت تصيبه غشية وهو بين ظهري القوم، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب. وقيل إن رجلًا أصيب فسأله عمر في قدمه قديمها عليه، فقال: يا سعيد ما هذا الذي يصيبك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما بي من بأس، ولكني كنت ممن حضر خبيب بن عدي حين قتل وسمعت دعوته، فوالله ما خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غشي علي، فزادته عند مر خيرا.
قال ابن هشام: أقام خبيب في أيديهم حتى انقضت أشهر الحرم ثم قتلوه. قال ابن إسحاق: وكان مما نزل من القرآن في تلك السرية -كما حدثني مولى زيد بن ثابت عن عكرمة مولى ابن عباس، أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس- قال ابن عباس: لما أصيبت السرية التي كان فيها مرثد وعاصم بالرجيع، قال رجل من المنافقين: وا هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا! لا هم قعدوا في أهلهم، ولا هم أدو رسالة صاحبهم.
فأنزل الله في ذلك من قول المنافقين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]. أي لما يظهر من الإسلام بلسانه ويشهد الله على ما في قلبه وهو مخالف لما يقول بلسانه، وهو ألد الخصام؛ أي ذو جدال، قال ابن هشام: ألد الذي يشغب فتشتد خصومته وجمعه لَدّ.
﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]. قال ابن إسحاق: أي خرج من عندك سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب عمله ولا يرضاه. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206].
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]. أي قد شروا أنفسهم لله بالجهاد في سبيله والقيام بحقه حتى هلكوا على ذلك، يعني تلك السرية. وقال ابن هشام: يشري نفسه يبيع نفسه، وشروا باعوا.
قال ابن إسحاق: وكان مما قيل في ذلك من الشعر قول خبيب بن عدي حين بلغه أن القوم قد أجمعوا على صلبه. قال ابن هشام: وبعض أهل العلم بشعر ينكرها له، قال:
ألا اقرأ بالله أقرأها .. لقد جُمع الأحزاب حولي واللِّبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمعي .. وكلهم مبد العداوة جاهد علي لأني في وثاق مضيعي .. وقد جمعوا أبناءهم ونسائهم وقربت من جذع طويل .. ممنعي إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي .. فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي .. وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شرو ممزعي .. وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد هملت عيناي من غير مجزعي .. وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذار جحم نار ملفعي .. إنه خايف من جهنم مش من الموت والله ما أرجو إذا مت مسلما .. على أي جنب كان في الله مضجعي فلست من مبد للعدو تخشعا .. ولا يعني أي خوفًا ولا جزعا إني إلى الله مرجعي ..
إلى غير ذلك من الأبيات التي ساقوها عن حسان بن ثابت وعن غيره، والله أعلم بمدى ثبوتها.
قال ابن إسحاق: وكان الذين أجلبوا على خبيب في قتله من قريش: عكرمة بن أبي جهل، وسعيد بن عبد الله، والأخرس بن شريق، وعبيدة بن حكيم، وأمية بن أبي عتبة، وبنو الحضرمي؛ هذول بنو الحضرمي لساتهم مطلب ثرابيهم في سرية عبد الله بن جحش.
نذهب إلى بئر ماعونة في سنة أربعة. قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة، وولي تلك الحجة المشركون والمحرم، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بئر معونة في سفر على رأس أربعة أشهر من أحد. وكان من حديثهم -كما حدثني بإسناده- عن عبد الله بن أبي بن بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
وغيره من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم، ولم يبعد عن الإسلام في شيء غريب.
لما يقول أمر ماعون في سنة أربعة، ولما تكلم عن غزوة، قال: يا محمد عليه الصلاة والسلام، لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أخشى عليهم أهل نجد». قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم. فهذا أبو براء المسمى ملاعب الأسنة قالوا: لو أرسلت ناساً من جماعتك يدعون إلى الإسلام، قال: فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمري. فقالوا: إنا بفزع لك. النبي صلى الله عليه وسلم يقول له أهل نجد أهل غدر، فقال: «إني جار لهم».
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو، ألقبه المعنق ليموت، مع أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين. طبعاً المعنق ليموت هذا لقبه، المنذر بن عمرو يلقب بماذا؟ المعنق ليموت، قال لإسراعه إلى الشهادة، هكذا المعنق يعني المسرع. قال: في أربعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين، منهم الحارث بن الصمة وحرام بن ذحوان، وعروة بن أسماء، ونافع بن ذيل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة، في رجال مسمين من خيار المسلمين.
فساروا حتى نزلوا ببئر ماونة، وهم بين أرض بني عامر وحرة بني سليم، كلا البلدين منها قريب، وهي إلى حرة بني سليم أقرب. فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحام بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عاد على رجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقداً وجواراً. فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم من عذرة ورل وذكوان، فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم.
للأسف تمت الخيانة. قال: فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم رضي الله عنهم، قتل جميع الصحابة إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث من بين القتلى، يعني تم حمله من بين القتلى، فعاش حتى استشهد يوم الخندق.
وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، وسيدنا عمرو بن أمية، هذا رجل قوي جداً، وهذا مثل محمد بن مسلمة، هذا رجل اغتيالات، رجل قوي، ربنا عز وجل معطيه مهارات في العسكرية عالية، كان هو الذي يرعى سرح القوم، يعني القوم قاموا جايين على جمع من الصحابة فأعطوها لعمرو بن أمية، وكان معهم فذهب يرعاها، ولم يكن معهم لما تم قتلهم.
قال ابن هشام: وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري رجل من الأنصار فنجا. قال ابن إسحاق: فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا طير تحوم على العسكر. فهم قاعدون بعيدين قليلاً، كيف عرفوا أنه صارت مصيبة؟ شافوا طيراً أو نسوراً تحوم حول عسكر الصحابة، فعرفوا أنه في دم، تعرف النسور تحوم لما تكون هناك جثث. فقال: «والله إن لهذه الطير لشأناً»، فأقبل لينظر، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة.
فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ما ترى؟ قال: أرى أن الحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قُتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لتخبرني عنه الرجال، ثم قتل القوم حتى قُتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيراً.
هذا الصحابي الأنصاري الله يرضى عنه، وهذا يدل على ماذا؟ على أن الإنسان كقرار شخصي، أنت ترى أنك تريد أن تقاتل المشركين مع أن احتمالية النجاة تقارب الصفر، فهذا يسمى انغماساً، هو داخل في احتمالية نجاة شبه صفر، وهذا كقرار شخصي، الله يتقبله عنده.
أخذوا عمرو بن أمية أسيراً، فلما أخبروهم أنه من مضر، أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه. فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر، قال ابن هشام: ثم من بني كلاب، وذكر أبو عمرو المدني أنه من بني سليم، قال ابن إسحاق: حتى نزل معه في ظل هو فيه، يعني نوع من إهانة، فحرق رأسه. حتى نزل معه في ظل هو فيه، وكان مع العامريين عقد مع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية.
وقد سألهما حين نزل: ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر. فأمهلهما، حتى إذا ناما، عاد عليهما فقتلهما. عمرو بن أمية رآهما نائمين، وعرف أنهما من بني عامر، من القبيلة التي قتلت الصحابة، فلما رآهما نائمين جزهما، رغم أنه طلع لهما أمان، وعمرو بن أمية لا يعرف هذا الكلام. وهو يرى أنه قد أصاب بهما ثأراً من بني عامر فيما أصابه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد قتلت قتيلين لا ينهما»، فلا أنت قتلت قتيلين مكسباً لأن هؤلاء ندفع ديتهما لأن بيننا وبينهم وثيقاً. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً».
قال هذا أبو البراء الذي حثني على أن أبعث هذه السرية، كان النبي ﷺ حزينًا لأنه وافق أبا البراء على هذا. فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب أصحاب رسول الله ﷺ بسببه وجواره.
أبو البراء أيضًا شعر بالإحراج؛ أنه في النهاية لم يستطع حمايتهم، مع أنه هو الذي قال له أرسلهم وهم في جواره. وكان من أصيب عامر بن فهيرة، فحدثني هشام عن عامر بن فهيرة، الصحابي الجليل الذي كان معنا في غار ثور، والذي كان مع أبي بكر في الهجرة، وأصيب واستشهد في هذه السرية.
قال إن عامر بن الطفيل كان يقول حين قُتل أحدهم: «من رجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه»، فقالوا: هو عامر بن فهيرة. فعُمِّر له كرامة عند الله.
وقد حدثني بعض بني جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر، قال وكان جبار ممن حضرها يومئذ مع عامر ثم أسلم، قال: فكان يقول: «إن مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلًا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه، فنظرت إلى سنان الرمح حين خرج من صدره فسمعته يقول: فزت والله! فقلت في نفسي: ما فاز؟ أليس قد قتلت الرجل؟». قال: هذا سألت بعد ذلك عن قوله فقالوا: الشهادة، فقلت: فاز بالعمل لله.
قال ابن إسحاق، وقال حسن بن ثابت يحرض بني أبي براء بن عامر بن الطفيل، ذكر أبياتًا، قال ابن هشام قال ابن إسحاق: وأم البنين الواردة في البيت يا بنت عمرو بن عامر، بنت عمرو بن عامر وهي أم أبي البراء، بني أم البنين ألم يرعكم وأنتم من دواء أهل نجدٍ.
تهكم عامر بأبي براء، عامر لعب في أبي البراء وخان عهده، ليغفره وما خطا كعمدي إلا أبلغ عدد المساعي، فما أحدثت في الحدثان بعدي، أبوك أبو الحروب أبو براء وخالك ماجد.
حسب ابن سعد، قال ابن إسحاق: فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه. قال: ألا أبلغ ربيعة؟ حسان بن ثابت حث هذا الرجل على أن يثأر، قال: ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي.
ربيعة هو ابن أبي البراء، ربيعة بن أبي البراء الذي تم إخفار ذمته، فحسان بن ثابت يتحدث في الأبيات السابقة: «ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي فما أحدثت في الحدثان بعدي»، أي ماذا فعلت؟ أنت لم تفزع لأبيك، وقد تم نقض جوار أبيك، ونقض الجوار عند العرب كبيرة.
حمل ربيعة بن أبي البراء ثأرًا لجوار أبيه على عامر بن الطفيل الذي عمل المذبحة، فطعنه بالرمح فوقع الرمح في فخذه فأخطأ مقتله، ولم يستطع قتله، ولكن عامر بن الطفيل وقع عن فرسه، فقال عامر بن الطفيل: «إن ابت دمي لعمي فلا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيي فيما آتي إليّ».
وقال أنس: قتل يومئذ نافع وكبذب. وقال عبد الله يبكي نافع بن بديل وهو أحد من استشهد. وقال حسان يبكي قتلى بارعونه على قتلا معونة: فاستهل لي بدمع العين سحا.. خير نزري على خير الرسول غدات عليه الصلاة والسلام لاق.. ولاقتهم مناياهم بقدر أصابهم الفناء بعقد قوم.. تخون عقد حبلهم بغدر.. إلى آخر الأبيات.
قضية إجلاء بني النضير في سنة أربعة هجري أيضًا. قال ابن إسحاق: ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر لما قتل العامريان، النبي ﷺ بده يدفع ديتهم. والصحيح أن الذي قتلهم عمرو بن أمية، فرآه النبي ﷺ يذهب إلى بني النضير ويقول: ساعدوني في دفع دية هذين العامريين، لأن هذا هو اتفاق المدينة، يقتضي أن اليهود يشاركون في دفع الديات للجوار الذي كان رسول الله ﷺ قد عقده لهما.
كما حدثني يزيد بن رمان، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: «نعم يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت مما استعنت». بناءً عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لا تجدوا الرجل على مثل حاله هذه.
وكان رسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعدًا، فمن رجل يعلوها على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريح منه؟ فانتذب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي رضوان الله عليهم.
فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة. فلما استلبث النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة فسألوه عن الأمر. كان النبي ﷺ لما راح إلى بني النضير معه مجموعة من الصحابة، ولما غادر المكان سريعًا واتجه باتجاه المدينة، الصحابة الذين في بني النضير لم يعرفوا، فظنوا أن النبي ﷺ في مشوار صغير وسيعود، فلما تأخر النبي ﷺ في الرجوع، تركوا بني النضير ورجعوا إلى المدينة.
قال: فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلًا. فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى أتوا إليه ﷺ، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله ﷺ بتهجيل حربهم وسير إليهم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
ثم سار حتى نزل بهم، قال ابن هشام: وذلك في شهر ربيع الأول فحصرهم ست ليالٍ، ونزل تحريم الخمر. قال ابن إسحاق: فتحصنوا منه.
حُرمت في السنة الرابعة من الهجرة. قال ابن إسحاق: فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوا: يا محمد ﷺ، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنع، فما بال قطع النخل وتحريقها؟
فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 5]. أي هنا الإذن بمعنى الإذن الشرعي وليس الإذن الكوني. المراد به بإذن الله، أي بشرع الله، أن الله أمر بهذا القطع. نعمت بإذن الله في القرآن تأتي أحيانا بمعنى الإذن الشرعي كما قال ابن تيمية، وأحيانا بمعنى الإذن الكوني، يعني بالقضاء والقدر، هنا إذن الله معنى شرعه وأمره.
قال: وقد كان منهم من بني عوف بن الخزرج عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل، وسويد، وداعس؛ قد بعثوا إلى بني النظير أن يثبتوا وتمنعوا، فإن لن نسلمكم، فإن قتلتم قتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم. فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب.
تربص اليهود، صاروا يستنون عبد الله بن أبي يفزع لهم، فتربص اليهود مساعدة عبد الله بن أبي لهم، ما جاء عبد الله بن أبي، وألقى الله الرعب في قلب اليهود. وسألوا النبي ﷺ أن يجريهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلي التي هي السلاح، فلم يجز لهم النبي ﷺ أن يحملوها معهم.
فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، يعني حملوا ما استطاعت الإبل أن تحمله، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن عتبة بابه، يعني كما قال العتبة التي بأعلى الباب، والأسكفة، يعني يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، حتى لو كان يقدر يهدم الجدار والباب يأخذ معه الباب.
فخرجوا إلى خيبر، ثم أجلي يهود بني النظير إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. فكان أشرافهم ممن سار إلى خيبر سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع، وحيي بن أخطب؛ هؤلاء يهود بني النظير الذين راحوا لخيبر. فلما نزلوها دانوا، لأنه هؤلاء أعلى من يهود خيبر؛ خيبر كان فيها يهود، بس بنو النظير في الجزيرة العربية كانوا يعتبرون طبقة عالية، فلما نزل حيي بن أخطب عندهم صار هو الزعيم، مش رجالات خيبر هم الزعماء.
فحدثنا عبد الله بن أبي بكر أنه حدث أنهم استقلوا بالنساء والأبناء والأموال، معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم. بنو النظير وهم طالعين عاملين فرقة موسيقية، طالعين معهم النساء والصبيان، وجايين ويرضون الدفوف والمزامير وهم مغادرين باتجاه خيبر.
وإن فيهم لعمرو صاحبة عروة بن الورد العبسي التي ابتاعوا منها، وكانت إحدى نساء بني غفار بزهاء وفخر ما رؤي مثله من حي من الناس في زمانهم؛ خرجوا من المدينة بكل هذه الحالة من الخيلاء وكأنه شيء عظيم فعلوه.
فلو خلوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، يضعها حيث شاء. ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6]. سورة الحشر ما هي نزلت في تفاصيل هذه الغزوة.
فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين والأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجنه سماك بن خرشة ذُكر فقرًا، فأعطاهما رسول الله من الأنصار، ومع ذلك أعطاهم من أموال بني النظير لفقرهم.
قال: ولم يسلم من بني نظير إلا رجلان، يمين بن عمير، قال أبو سعد بن وهب: أسلما على أموالهما فأحرزاها. قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض أهل يمين أن رسول الله ﷺ قال ليامين: «ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأنه؟» فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش، عمرو بن جحاش الذي كان بده يرمي الصخرة، هذا هو ابن عمه، فقتله فيما يزعمون.
قال: ونزل في بني النظير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم الله به من نقمته، وما سلط عليهم به رسوله ﷺ، وما عمل به فيهم. فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 2-5].
قال ابن هشام: اللينة من الألوان، وهي ما لم تكن برنية ولا عجوة من النخل. يعني اللين كل ما عدا العجوة من النخل، كل نخل غير نخل العجوة يسمى لينا، وهذه مصطلحات تتعلق بأنواع النخل.
قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ۙ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: 6]. أي له خاصة. قال ابن هشام: أوجفتم يعني حركتم وأتعبتم. المر معنا البارحة أن الإيجاف للخيل، والإيضاع للإبل، إذاً بتذكره عند الإمام الدارمي، وهي فائدة أن تقرأ أكثر من كتاب لتجمع الأفكار مع بعضها. وقال الوجيف أيضًا وجيف القلب والكبد وهو الضرب.
قال: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: 7]. قال ابن إسحاق: ما أوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب وفتح بالحرب عنوة، فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. يقول هذا قسم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين على ما وضعه الله عليه. ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا...﴾.
هذا قسم آخر فيما أصيب في الحرب، القسم الأول ما هو الغنيمة، هذا الذي ذكر في سورة الأنفال، أما الفيء فهذا قسم آخر مما تصيبونه في الحرب، فقسمه تختلف عن قسم الغنيمة التي قصصتها عليكم في سورة الأنفال يوم بدر فعلمهم كيف يتم قسمه.
ثم قال تعالى: ﴿النَّافِقُونَ يَقُولُونَ لَإِخْوَانِهِمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ لِيُضِلُّوا الْمُؤْمِنِينَ ۚ وَإِذَا جَاءُوا الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ وَإِنَّمَا كَانُوا يُنَافِقُونَ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: 14-17].
وكان مما قيل في بني النضير من الشعر قول ابن لقيط العبسي، والآن سأذكر أشعاراً قيلت في بني النضير وكيف تم إجلاؤهم. فلان قال فأجابه السّماد اليهودي، وقال كعب في ذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف، فأجابه؛ حتى اليهود في جزيرة العرب كان لهم شعراء، فهنا السّماد اليهودي هذا شاعرهم، كان هو الذي يرد، فالصحابة يحكون شعراً فيهم والسماد اليهودي يرد، وهذا يدلك على أنه ما في زمن من الأزمنة إلا الإعلام حاضر دائماً، وكل زمان له أعلامه.
عباس بن مرداس أيضاً، وقال عباس بن مرداس يمتدح رجال بني النضير، وهذا يكون قاله قبل أن يسلم، فعباس بن مرداس أسلم، فأجابه خوات بن جبير أحد الصحابة الكرام، فأجابه عباس. قال ابن هشام في الصفحة 239: «ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير ثم بني المصطلق». وساذكر حديثهم إن شاء الله في الموضع الذي ذكر ابن إسحاق فيه، قال: «غزا غزوة ذات الرقاع في سنة أربعة».
قال ابن إسحاق: «ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد غزوة بني النضير في شهر ربيع الآخر بعد جمادى، ثم غزا نجداً يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري». فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزو نجد، ونجد هي الرياض وما حولها حالياً، يريد استهداف قبيلة من قبائل غطفان، بني محارب وبني ثعلبة، هذان فخذان من قبيلة غطفان النجدية.
قال ابن هشام: «حتى نزل نخلاً»، وهي غزوة ذات الرقاع. ونخلاً منطقة أيضاً تقع بين المدينة وبين غطفان، وقد قرأت مرة في إحدى الكتب أن هناك عدة مناطق في جزيرة العرب اسمها نخل؛ فهناك منطقة نخل قريبة من مكة، وهناك منطقة نخل شمال المدينة، فكلمة نخل اسم أطلقته العرب على أكثر من منطقة.
وهي غزوة ذات الرقاع، قال ابن إسحاق: إنما قيل لها غزوة ذات الرقاع لأنهم رقعوا في رايتهم، ويقال ذات الرقاع شجرة بذات ذلك الموضع. إما لأنهم رقعوا فيها الرايات لأنها كانت مثقوبة، أو لأن هناك شجرة في ذلك الموقع اسمها الرقاع فسميت المعركة باسمها.
قال إسحاق: «ولقي فيها جمعاً عظيماً من غطفان». وتقارب الناس ولم يكن من حرم، وقد خاف الناس بعضهم بعضاً. وطبعاً البعض قال سُميت ذات الرقاع لأن الصحابة نقبت أقدامهم ولم يجدوا ما يلبسونه، أي تلفت النعال فاضطروا أن يضعوا خرقاً على أقدامهم يمشون بها، فسميت ذات الرقاع باعتبار هذا.
قال: «حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ثم صرف الناس». قال ابن هشام: حدث عبد الله بن جابر بن عبد الله عن صلاة الخوف، قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة ركعتين، ثم طائفة مقبل عدو، فجاؤوا فصلى بهم ركعتين آخرين ثم سلم».
وقال عبد الوارث بإسناده عن جابر قال: «صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فركع بنا جميعاً، ثم سجد الرسول صلى الله عليه وسلم وسجد الصف الأول، فلما رفعوا سجد الذين يلونهم، ثم تأخر الصف الأول وتقدم الصف الآخر حتى قام مقامهم، ثم ركع بهم جميعاً، ثم سجد المسلم وسجد الذين يلونهم معه، فلما رفعوا رؤوسهم سجد آخر ألوفهم، فركع بهم جميعاً وسجد كل واحد منهم بنفسه سجدتين».
وبإسناده عن ابن عمر قال: «يقوم الإمام ويقوم معه طائفة وطائفة مما يلي عدوهم، فيركع بهم الإمام ويسجد بهم ثم يتأخرون، فيكون مما يلدّ ويتقدم الآخرون، فيركع بهم الإمام ركعتين ويسجد بهم، ثم تصلي كل طائفة بنفسها ركعة، فكانت لهم مع الإمام ركعة ركعة ركعة، وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة». وذكرنا في السنن الدارمي أن هناك ست صفات لصلاة الخوف مختلفات كلها تصح.
قال إسحاق: استأذن رجل من بني محارب، قال غورث: «لقي غوث بن لقيط غطفان محارم، ألا أقتلكم محمداً؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجالس سيف رسول الله في حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا، وكان محلى بفضة». قال ابن هشام: «فأخذ وسله ثم جعل يهزه ويهمه، فيكبته الله».
يريد هذا الرجل من بني غطفان أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا محمد أرني سيفك»، فأوهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء فقط لينظر في السيف، فناوله السيف لينظر فيه، فكلما أراد هذا الرجل الغطفاني أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم في شيء يحجزه، كلما جعل يهزه ويهمه بقتل النبي صلى الله عليه وسلم فيكبته الله، أي يمنعه الله، وهذه من صيانة للنبي صلى الله عليه وسلم.
أما الإشكال الآن فهو: متى تاريخ غزوة ذات الرقاع؟ المشكلة التي وقعت هي متى تاريخ غزوة الخندق ومتى تاريخ غزوة ذات الرقاع؟ البعض يرى أن غزوة الخندق كانت قبل ذات الرقاع، وكثير من المؤرخين يرون أن غزوة الخندق كانت في السنة الرابعة وكانت قبل ذات الرقاع، أو أن غزوة الخندق كانت في...
الخامسة، ولكن ذات الرقاع كانت بعد ذلك، مش في السنة الرابعة؛ فالمشكل هنا في التاريخ، وإلا فلو صح أن ذات الرقاع سُليت فيها صلاة الخوف، والخندق جاءت بعدها، وإن النبي ﷺ آخر الصلوات يوم الخندق، إذاً فعلاً لن تكون صلاة الخوف ناسخة لتأخير الصلوات، وسيصبح ذاك الكلام مشكلاً. المشكلة إذاً هي في تحديد التاريخ الصحيح للغزوة.
قال ثم قال: «يا محمد، أما تخافني؟» قال: «لا، وما أخاف منك»، قال: «أما تخافني وفي السيف؟» قال: «لا يمنعني له منك». فما عمد إلى سيف الرسول ﷺ فردّه عليه، فقال أنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 173]، ثم قال: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [النساء: 102].
هذه الآية تُذكر في عدة مواطن، حقيقة أنها سبب نزولها كذا، وسبب نزولها كذا، ويحتاج أن يُنظر -كما يقول ابن تيمية- قد يكون المراد أن هذه الآية مما يدخل تحتها هذا المشهد؛ لأنه يذكر هذه الآية بالتحديد، تُذكر أنها نزلت في أكثر من موطن، أنه كان المسلمون والمشركون هموا أن يقتلوا فالله سبحانه وتعالى عصمهم.
قال وقد بن إسحاق حدثني ابن زبير بن شنان: «أنما أُنزلت في عمر بن جحاش أخي بنظير»، وما به، فهي نفس الآية؛ قيل إنها نزلت في اليهودي الذي أراد أن يلقي الصخرة على النبي ﷺ عمرو بن جحاش، نفس الآية: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾.
قال ابن إسحاق عن جابر بن عبد الله قال: «خرجت مع النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع بالنخل على جمل لي ضعيف، فلما قَفَلْتُ جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله ﷺ فقال: مالك يا جابر؟». قصة الجمل تبع جابر، قصة الجمل اللي كان ضعيف والنبي ﷺ رفصه فصار الجمل قوياً والنبي ﷺ اشتراه منه.
قال: «وجعلت أتخلف حتى أدركت الرسول ﷺ فقال: مالك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله، أبطأ بي جملي هذا، قال: أنخه، قال: فنخثته، وأنا أخلف، ثم قال: أعطني هذه العصمة من يدك أو اقطع لي عصم الشجرة، قال: فعلت، قال: فأخذها رسول الله ﷺ فنخس فنخسة بها نخسات، ثم قال: اركب، فركبت، فخرج ولي بعد الحق بحق يوافق ناقته موافقته».
وتحدثت مع رسول الله ﷺ فقال لي: «أتبيعني جملك هذا يا جابر؟» قال: قلت: «يا رسول الله، بل لأهبه لك»، قال: «لا، ولكن بعينيه»، قال: قلت: «فسمنيه»، قال: «قد أخذته بدرهم»، قال: قلت: «لا»، قال: «إذاً تغبرني يا رسول الله»، قال: «همين»، قال: قلت: «لا»، قال: «فلم يرفع حتى بلغ الأوقية»، قال: فقلت: «فقد رضيت»، قال: «نعم»، قال: قلت: «فهو لك»، وقد قال: «قد أخذته».
قال: قلت: «ثم قال: يا جابر، هل تزوجت بعد؟» قال: قلت: «نعم يا رسول الله»، قال: «ثيباً أم بكراً؟» قال: قلت: «بل ثيباً»، قال: «أفلا جارية تلعبك وتلعبك؟» قال: قلت: «يا رسول الله، إن أبي أصيب يوم أحد وترك لي سبع بنات، فنكحت امرأة جامعة تجمع رؤوسهن وتغم عليهن».
يعني جابر عنده سبع أخوات فصعب يتزوج فتاة بكراً، يا رسول الله، امرأة خبيرة تدير أمور الأخوات السبع اللاتي أنا مسؤول عنهن. قال: «أصبت، إن شاء الله». «أما إني لو قد جئنا صراراً، لأمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها، ويوم ذاك سمعت بنا، فنفضت نمارقها». قالت: قلت: «يا رسول الله، ما لنا من نمارق صرار؟».
يعني لو أننا وصلنا إلى صرار أمرنا بجزور فنحرت ونفضت نمارقها، قال: «إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملاً كيساً». قال: فلما جئنا صراراً، أمرنا بجزور فنحرت وأقمنا عليها، فلما أمسى الرسول ﷺ دخل ودخلنا، قال: فحدثت المرأة حديث تعمل عملاً كيساً. يعني جامعها لعل الله أن يرزقك شيئاً.
قال: فحدثت المرأة الحديث، قال لي الرسول ﷺ: «قالت فدونك، فسمع وطاعة». قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت بها حتى نخت على باب رسول الله ﷺ، ثم جلست في المسجد قريباً منه.
طبعاً هذا، ماذا يريد أن يقول له النبي ﷺ؟ كان من عادته أنه إذا أراد العودة إلى المدينة لا يفاجئ النساء في المدينة بقدوم أزواجهن، وإنما يجلس في منطقة قريبة من المدينة خارج أسوارها، ممكن ينحر له جَزور وينزل الجيش يرتاح ويرسل رسالة لأهل المدينة: «ترى الجيش قادم»، أو يسمع أهل المدينة؛ المرأة بتكون جهزت نفسها لزوجها، فالنبي ﷺ قال له: «إنا إذا وصلنا صراراً سننزل، تذبح لنا غبلاً نأكل، وسمعت بنا»، يعني هي زوجتك ستسمع بنا أننا على أبواب المدينة فرح تجهز لك الفراش.
قال: «يا رسول الله، ما لنا من نمارق؟» يعني أنا ما عندي مخدات في البيت، كان جابر فقيراً، يقول: «يا رسول الله، أنا ما عندي أي وسائد في البيت»، قال: «إنها ستكون»، طبعاً هذا في المستقبل يخبره أن إن شاء الله غداً سيصبح عندك نمارق. المهم قال: «فإذا أنت قدمت يا جابر على البيت، اعمل عملاً كيساً»، خليك شاطر، استغل الفرصة واطلب الولد.
قال: «فحدثت المرأة الحديث، وما قال لي رسول الله ﷺ، قالت: فدونك، فسمع وطاعة». يعني الليلة نسأل مع بعضنا إن شاء الله. قال: «فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى نخت على باب رسول الله ﷺ، ثم جلست في المسجد قريباً منه، وخرج الرسول ﷺ فرأى الجمل فقال: ما هذا؟ قال: هذا جمل جاء به جابر، قال: فان جابر؟ قال: دعيت له، فقال: يا ابن أخي، خذ برأس جمل فهو لك».
النبي ﷺ يعني ما كان يريد أن يأخذ الجمل، قال له: «خذ جملك»، ودعا بلالاً قال: «اذهب بجابر فأعطه ثمن الجمل»، فأعطاه الثمن وأرجع له الجمل، قال: «فأعطاني وزادني شيئاً، فوالله ما زال ينمي عندي هذا المال الذي أعطاني إياه النبي ﷺ ويرعى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا». وهذا يتكلم فيه جابر بعد وفاة النبي ﷺ، يوم الحرة، يوم صار في معركة وللأسف وقعت.
قال ابن إسحاق: «مات جابر يوم الحرة لما هجم يزيد بن معاوية، لما أمر جنوده أن يحاصروا المدينة لاستنفار أهل المدينة رفضوا بيعة يزيد بن أبي سفيان بن أبي معاوية، فبعث من يقتلهم».
عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة القاع من النخل، فصُبّت امرأة رجل من المشركين. فلما انصرف الرسول، أتى زوجها وكان غائباً، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دماً.
النبي ﷺ في المعركة، سبوا امرأة رجل من المشركين، فالرجل ما كان موجوداً، ولما عاد إلى بيته وجد امرأته مسبية، فقال: «والله لأقتلن رجلاً من أصحاب محمد ﷺ». فخرج يدفع أثيمه، فنزل رسول الله ﷺ منزلة، فقال: «من رجل يأكل ليتنا قالب؟».
فانتدب رجل مهاجرين ورجل من الأنصار، فقالا: «نحن يا رسول الله». قال: «فكونا بفم الشعب». الرجلان هما عمار بن ياسر وعباد بن بشر، توليا حراسة الجيش. وكان رسول الله ﷺ وأصحابه قد نزلوا شعباً من الوادي، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر في مقر بن هشام.
فلما أخرج رجلاً إلى فم الشعب، قال: «أيهما تحب أن أكفيك؟ هو أولهم آخره؟». قال: «كفينا أوله». فتبع المهاجري فنام، وقام يصلي. وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيعة القوم، فرماه. فلما رأى هذا الرجل المشرك شخص عباد بن بشر يصلي، عرف أنه ربيعة، أي حارس أو عين.
فرمى بسهم فوضعه فيه، فرمى المشرك بسهم فسقط السهم في عباد بن بشر، فنزعه عباد ووضعه وبقي يصلي ما نقض صلاته. ثم رما بسهم الآخر فوضعه فيه، فنزعه فوضعه وثبت قائماً. ثم عاد له بالثالث فوضعوه، فنزع فوضعه ثم ركع وسجد. ثم أيقظ صاحبه فقال: «اجلس فقد أتيت».
الآن عباد ركع بسرعة وسجد ثم أيقظ عمار بن ياسر، قال له: «قم مكاني فقد أتيت»، يعني أصبت. فوثب فلما رآهما الرجل قد عرف أنه نُذر به فهرب، لأنه انتبه.
فلما رأى المهاجرون ما بين الأنصار من الدماء، قال: «سبحان الله! أفلا أهبتني أول ما رماك؟». قال: «كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطع حتى أنفذها». قال: «فلما تابع عليّ الرمي ركعت». فأذنت له، وقال: «وَيْحَكَ! وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضِيعَ ثَغْراً أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ لَقَطَعْتُ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا».
يعني أنا كنت مستعداً للموت، ليس عندي مشكلة، ولكن لا أقطع السورة، أنا ركعت وسجدت خشية أن يؤتى الثغر من قبلي، وإلا لو كان الموضوع شخصياً لاستشهد ما عندي مشكلة. شوف الدنيا قد ايش هي هينة عند الصحابة، ما عندهم أبعاد كثيرة وتفكير طويل مثلنا. قال ابن هشام: ويقال أنفذها.
قال ابن إسحاق: ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة من غزوة القاع، قام بها بقية الجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب. قال: غزوة بدر الأخرى في شعبان سنة أربع. لاحظوا أن عندنا بدر الأولى، وهذه لم يحصل فيها قتال، وعندنا بدر الحقيقية الكبرى، وعندنا بدر الأخرى؛ ذكرهم ثلاث غزوات، وبدر الأخرى هي القضاء.
قال ابن إسحاق: ثم خرج في شعبان إلى بدر، لم يعادِ أبا سفيان حتى نزل، أنه تواعد مع أبي سفيان أن نلتقي في العام القادم. قال ابن هشام: استعمل على المدينة عبد الله بن أبي بن سلول. فاقام عليه ثمانية ينتظر أبا سفيان.
وخرج أبو سفيان بأهل مكة حتى نزل "مجنة"، من ناحية زهران، بعض الناس يقول قد بلغ عسفان، ثم بدأ الرجوع. قال: «يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه شدراً وتشربون فيه لبناً، وأنعمكم هذا عام جد، إني راجع». فرجعوا، فرجع الناس أهل مكة. الجيش السويق يقولون: «إنما خرجتم تشربون السويقة».
أبو سفيان راح بالجيش مشى قليلاً وكانت السنة صعبة، قال لهم: السنة هي ما يضبط القتال، خلينا نرجع وإن شاء الله نقاتل محمداً ﷺ في عام يكون عام خصباً. فأهل مكة صاروا يمسخرون على أبي سفيان وجيشه: «أنتم بس طلعتوا أكلتوا وشربتوا ورجعتوا ما عملتوا شيء»، فسمي جيش السويق. لاحظ أنه جيش السويق مر معنا أيضاً في غزوة السويق، لما أبو سفيان بعد بدر مباشرة أراد أن يثأر ويغار على سرح المدينة وترك السويق وراءه.
وأقام رسول الله ﷺ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده، فأتاه مخشي بن عمر الضمري، وهو الذي كان ودعه على نظام في غزو، فقال: «يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟». قال: «نعم يا أخ ميا ضمراً، وإن شئت مع ذلك ردنا إليك ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك». قال: «والله يا محمد ما لنا بذلك منك بحاجة».
فأقام الرسول ﷺ ينتظر أبا سفيان، فمر به معبد بن أبي معبد الخزاعي، وقد رأى مكان رسول الله ﷺ ونقته تهوي به، قد نفرت من رفقة محمد، وقال: وقد رأى مكان رسول ﷺ ونقته تهوي به ... قد نفرت من رفقة محمد وعدوه من يثرب كالعنجدي تهوي على دين أبيها الأتل ... قد جعلت ماء قديد موعدي وماء ضجنان لها ضحى الغدي
قال: غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول سنة خمس. قال ابن إسحاق: ثم صرف رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة، وليت تلك الحجة هي سنة أربع من مقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم غزا ﷺ في دومة الجندل. قال ابن هشام: في ربيع الأول استعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري. قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله ﷺ قبل أن يصل إليها ولم يبق كيداً، فقام يقيد سنته.
قال: غزوة الخندق في شوال سنة خمس. وهي إحدى الغزوات الرئيسية في سنة خمس، وهي الغزوة التي تدارسناها في درس سورة الأحزاب. قال: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمسة. فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عرة عن ابن...
الزبير من لا أتهم، عبد الله بن كعب بن مالك، محمد بن كعب القاضي، الزهري، وعاصم بن عمر بن قتاد، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم، كلهم قد اجتمع حديثهم في حديث عن الخندق، وبعضهم حدث ما لا يحدث عن بعض.
قالوا إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق النظري، وحيي بن أخطب النظري، وكرى بن ربيع بن أبي الحقيق النظري، وهوزاء بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النظير ونفر من بني وائل، هم الذين حرضوا الأحزاب على رسول الله ﷺ وخرجوا حتى قدموا على قريش. هؤلاء يهود خيبر، ما عجبهم أنه كيف النبي ﷺ أجلى بني النظير وهم منهم، فراحوا إلى قريش.
قال فدعوة إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: «إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله». قالت لهم قريش: «يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه، نحن محمد أدينا خير أم دينه؟» قالوا: «بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه». فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 51-52]، إلى قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]. ﴿وَآتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ﴾ [النساء: 54-55].
ومن حرض على حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوة إلى حرب رسول الله ﷺ وأخبرهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم. بعد ما طلع اليهود من قريش راحوا على قبيلة غطفان، وأيضًا حرضوهم على قتل النبي ﷺ، فوافقت أيضًا قبيلة غطفان على المشاركة.
قال فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر من بني فزارة، والحارث بن عوف، ومسعر بن رخيلة ممن تابعه من قومه. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وأجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله ﷺ وعمل معه المسلمون فيه، فدبوا فيه ودابوا.
وأبطأ عن رسول الله ﷺ في عمله ذلك رجال منافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله ﷺ ولا إذن. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها، يذكر لذلك رسول الله ﷺ يستأذنه في الخروج لحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتسابًا له.
وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، والشيخ هو ما بده يشتغل، بس بيعمل شيء عشان يبين أنه بيشتغل، يكون له كأسه؛ كما في سورة الأحزاب، ما معنى ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾؟ ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهذا من صفات المنافقين، حتى لا ينفضح، يأتي يحمل طوبتين ثم يذهب، ثم يعود بعد خمس ساعات ليضع طوبتين، هذا حالهم.
فأنزل الله عز وجل في أولئك المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۗ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُونَكَ وَأَنتُمْ فِي شَأْنٍ ۖ فَإِنِ اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 62]. فنزلت هذه الآية في من كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله ﷺ.
ثم قال عز وجل عن المنافقين الذين كانوا يسألون من عمله ويذهبون بغير إذن من النبي ﷺ: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لُوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. "قد" للتحقيق، ومعنى الله يعلم الذين يهربون من الحفر ويلوذون. ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: 64]. قال ابن إسحاق: "من صدق أو كذب ويوم يرجعون إليه فيهم عملوا، والله عليم".
وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين، قال جعيل: سماه الرسول ﷺ عمرًا، فقالوا: سماه من بعد جعيل عمرًا، وكان للبائس يوم ظهرا. فإذا مروا بعمر قالوا: «عمر، قال رسول الله عمرًا»، فإذا مروا بظهر قالوا: «رسول الله عمرًا».
وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني من الله فيها عبرة في تصديق رسوله وتحقيق نبوته. قال فما بلغني أن جابر بن عبد الله كان قد حدث أنها اشتدت عليهم في الخندق كدية، فشكوها إلى رسول الله ﷺ، فدعا بماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله به، ثم ضح ذلك الماء على كديته، فيقول من حضرها: «والذي بعث بالحق، لقد هالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فاسدًا على مسحاب».
وحدثني سعيد بن مينا أنه حدث أن ابنة بشير بن سعد، أخت النعمان، قالت: دعتني أمي عَمرو بنت رواحة، أعطتني حفنة من ثمن في ثوبي ثم قالت: «أي بنية».
وفي صفحة 261 قال ابن إسحاق: وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وهم قاعدون يشتغلون في الخندق، الصحابة يتسلون مع بعضهم، يمازحون بعضهم بعضًا، فكانوا يرتجزون بهذا الرجز، في واحد اسمه جعيل، النبي ﷺ سماه عمرو، فهم رايحون وجايون يحفرون وينزلون، قاعدين ينشدون مع بعض: «سماه من بعد جعيل عمرًا، وكان للبائس يوم ظهرا»، يمازحون معه، فكان كل ما مروا عليه يقولون له هذا البيت: «سماك عمرو، وأنت لنا ظهر».
فكان إذا مروا بعمر، إذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عمر»، وإذا مروا بظهر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ظهرًا». ما كان يقول الشاعر، لكن كان يقول الكلمة الأخيرة من كل شطر، هم يقول سماهم من بعد يجوع عيل لما يحكوا عمره، النبي صلى الله عليه وسلم بيحكوا معه عمره. بتعرفوا هذول لما واحد يحكي شعر بتلاقي الناس بيحكوا معه آخر كلمة في البيت، يعني حالة من الفرفشة زي ما بقولوا، وكان كلما مروا على كلمة ظهر، كان معهم النبي عليه الصلاة والسلام.
قالت: دعتني امرأة أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حفنة تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بني، تذهب إلى أبي وخالي عبد الله بن رواحة بغداء. قالت: فأخذتها ثم انطلقت بها، ثم رددت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي. فقال: «تعال يا بني، ما هذا معك؟». قلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه. قال: «هاته». قال: فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط، ثم دحَّ بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب، ثم قال: «أصرخوا في أهل الخندق!».
إنه لم يذهب إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعل يكرون منه حتى زهد أهل الخندق عنه، وأنه لا يسقط من أطراف الثوب. قال وحدثني سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق، فكانت عندي شاة غير جد سمينة، فقال: «والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال فذهب إلى امرأته فطحنت لي شيئًا من شعير، فصنعت لنا منه خبزًا، وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق، وكنا نعمل فيه نهارنا فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، قلت: يا رسول الله، إني قد صنعت لك شهية كانت عندنا، وصنعنا معها شيئًا من خبز هذا الشعير، أحب أن تنصرف معي إلى منزلي. وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. فلما أنبأت له ذلك قال: «نعم»، ثم أمر صارخًا فصارخ أن ينصرف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون.
كيف يمكن نجمع بين هذا وبينما مر معنا البارحة في سنن الدارمي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دعي إلى وليمة لا يأتي بضيف حتى يستأذن صاحب الوليمة؟ مش هيك مر معنا البارحة؟ النبي صلى الله عليه وسلم دعا الجيش كله، يعني حديث أنه مثلاً خندق هذه حالة استثنائية. أحسنت، إنه هنا النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يصنع معجزة، ثانياً الجيش منهك تماماً، الجيش مش ماكلين، فالآن القواعد ما من قاعدة إلا ولها استثناء.
الأصل أن ما يصير آخذ واحد معي على العزومة إلا أكون أنا استأذنت صاحب العزومة، لكن في الأحوال الاستثنائية الجيش منهك، الكل جائع، وكل واحد كان رابط على بطنه حجرًا أو حجرين، فالنبي صلى الله عليه وسلم الآن في موقف إظهار معجزة وتثبيت الجيش، فتقدمت هذه المصلحة العليا على المصلحة الدنيا وهي مصلحة الاستئذان. فإنه في فقه الشريعة أحياناً أنا أضع قاعدة، لكن تأتي مصلحة أعلى منها معتبرة شرعاً، فممكن أقدمها على المصلحة الخاصة، تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، هكذا القاعدة الفقهية.
أبو الحسن، شيخنا، حتى في هذه الحالة يستأذن المضيف أنه سيتضرر إن جاء أحد مثلاً لا يحبه، أو أحد يزيد فيثقل على الأكل، أما هنا في هذه الحالة فهو الجابر، نفي هذا الضر مش موجود في هذه الحالة، لكن هو ما نفعوا مباشرة، يعني حتى هو قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ورطنا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف هذا.
أي قصدك أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف المال وأن هذا الرجل لن يتضرر ولن يثقل عليه؟ هذه الأمور جميلة، نعم. قال: فأقبل الرسول صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه، فجلس وأخرجناه إليه، فبرك وسمى الله ثم أكل، وتواردها الناس، كلما فرغ قوم قاموا وجاء الناس حتى صدر أهل الخندق عنها.
قال وحدثني سلمان: ضربت في ناحية من الخندق، فغلوت عليّ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان، نزل فأخذ المعول في يده فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب الثالثة فـلمعت تحته برقة أخرى. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا الذي رأيته لمع تحت المعول؟ قال: «أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟». قلت: نعم. قال: «أما الأولى فإن الله قد فتح عليّ بها اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح عليّ بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح عليّ بها المشرق».
وحدثني لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول: فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده، وما بعده، افتتحوا ما بد لكم، والذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من بداية ولا تفتحون يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمداً صلى الله عليه وسلم مفاتحها قبل ذلك.
قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت في مجتمع الأسايل من رومة بين الجرف وزغابة، في مائة ألف من أحشائهم، ومن تبعهم بنو كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقعة إلى جانب بحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، وفي ثلاث آلاف من المسلمين هذا جبل اسمه جبل سلع.
فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم. قال ابن هشام: استعمل مدين وابنه المكتوم، قال ابن إسحاق: أمر بالذري والنساء فجعلوا في الأطام، في الأطام يعني في الحصون. وخرج عدو الله يحيى بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن الأشرف صاحب عقد بني قريظة عهدهم، وقد كان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الله على قومه وعقده على ذلك، سمع حيي بن أخطب هذا الأفعى اليهودي، أراد من بني قريظة أن ينقضوا العهد، فذهب حتى طرق الباب على كعب بن أسد زعيم بني قريظة.
فلما سمع كعب بن أسد حيي بن أخطب، أغلق دونها باب الحصن، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فنادى حيي: «ويحك يا كعب! افتح لي». قال: «ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد احتطت، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا، ألحّ عليك افتح لي أكلمك». قال: «ما أنا بفاعل». قال: «والله إن أغلقت دوني إلا تخوفًا على جشيتك أن آكل معك منها».
ففتح له، قال: «ويحك يا كعب! جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسدتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيار، وبغطفان على قادتها وسدتها حتى أنزلتهم بذنب نقْع، وقد عاهدوني وعقدوني على أن لا يبروني حتى يُقتل محمد».
قال كعب: «جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماءه يرهم». وهذه من أمثال العرب؛ جئتني بجهام قد هراق ماءه، يعني جئتني بسحابة مطرت وراحت، فهي سحابة فارغة لن يخرج منها شيء.
قال: «ويحك يا حيي، فدعني يومًا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً». فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب، حتى سمع هذا المثل العربي «بقي يفتله في الذروة والغارب»، يعني بقي يلح عليه ويناور في الكلام حتى أقنعه، ففتح له باب الحصن، حتى سمح له على أن أعطاه عهدًا من الله وثاقًا، لأن الله جعل قريشًا وغطفان، ولم يصب محمد، أن أدخل معك في حصنك حتى يصيب بني ما أصابك.
فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ. فلما انتهى إلى الرسول ﷺ الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن عمرو، وهو سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دلو الدليم، وهو سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن خزرج، وحسان بن جبير أخو بني عمرو بن عوف، فقال: «انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغكم حول القوم أم لا، إنهم غدروا أم لا».
قال: «فإن كان حقًا فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتئوا في أعضاد الناس». شوف النبي ﷺ كيف يمارس السياسة؛ قال إذا فعلوا كانوا ناقضين العهد، لا تصرخوا أمام الصحابة "يا رسول الله نقضوا العهد" حتى لا يخاف الصحابة، بل "أعطوني إشارة أنه فعلاً خبر نقض العهد صحيح". قال: «وإن كانوا على وفاء فيما بيننا وبينهم، فجروا بالناس حتى يطمئنوا».
فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول الله ﷺ، وقالوا: «ما رسول الله! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد». فشاتمهم سعد بن معاذ وشتموه، فكان رجلًا فيه حدة، فقال له سعد بن عبادة: «دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربع مشتمة»، أي أن اللي بيننا أكبر من المسبات، الآن بيننا حرب.
ثم أقبل سعد ومعهما إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه، ثم قالوا: «عضل والقارة»، أي كغدر عضل والقارة. شوف هذه هي كلمة السر؛ قالوا يا رسول الله عضل والقارة، وهم الذين غدروا في بئر الرجيع، فكان هذا رمزًا إلى أن هناك خيانة.
فأكبر ذلك من أصحابه، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! أبشر يا معشر المسلمين». وعظم عند ذلك البلاء وأشد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير أخو بني عبد محمد: «كان محمد يعدنا أن نأكل كسر قيصر، وها نحن اليوم لا يأمن أحدنا على نفسه أن يذهب إلى الغائط». قال ابن هشام: أخبرني من أثق أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين، واحتج بأنه كان من أهل بدر. قال ابن إسحاق: قد يكون منافقًا وقد يكون مؤمنًا ضعيف الإيمان، هذا احتمال أيضًا.
واحتج بأنه كان من أهل بدر، لأن القاعدة هي: لا نفاق في بدري، وذلك أن كل رجل شهد بدرًا لا نفاق فيهم، بدريون. قال أوس بن القيظي أحد بني حارث بن الحارث: «يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن مال رجال قوم، فإذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة».
فقام رسول الله ﷺ وأقام يقاتلهم بضعة عشر ليلة، قريبا من شهر، لم يكن بينهم حرب إلا الرمية بالنبل والحصار. فلما اشتد على الناس البلاء، بعث كما حدثني عاص بن عمر، عن محمد بن مسلم، عن ابن عبيد الله بن شامسي، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارث المري، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلثي الميثاق على أن يرجع عيينة معهم عنه وعن الصحابة، فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتب الكتاب، ولم تقع شهادة ولا عزيمة صلح إلا المراضة في ذلك.
فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقال له: «يا رسول الله، أمر تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟». قال: «بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد أمتكم على قوس واحدة، وكبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما».
فقال سعد بن معاذ: «يا رسول الله، نحن قد كنا هؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قراء أو بيعة، فأفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك، نعطيهم أموالنا؟ فما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم».
قال النبي ﷺ: «... فمحى ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا، فقام الرسول ﷺ والمسلمون وعدوا ليجهدوا علينا». ولم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس قريش منهم عمرو بن عبد ود بن قيس بن أبي قيس، أخو بني عابر بن علي.
وقال ابن هشام: «وقال عمرو بن عبد قيس»، وقال ابن إسحاق: «وعكرمة بن أبي جهل، وهبيره بن أبي وبه المخزوميان، وضلار بن الخطاب ابن برداس أخو بني محار بن فهر، تلبسوا القتال، ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا: هيا يا بني كنانة الحرب، فستعلمون من الفرسان اليوم»، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا، فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
قال ابن هشام: «قال إن سلمان أشار بها، هي الخندق». ويقال إن سلمان أشار به على رسول الله ﷺ. حدثني بعض أهل العلم: المهاجرون يوم الخندق قالوا: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ: «سلمان منا أهل البيت».
ثم تيمموا مكان الخندق ضيقاً فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع. وخرج علي بن أبي طالب في نفر مع المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة لتقتحم منها خيلهم، وأقبلت فرسان تعنق نحوهم. وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراح فلم يشهد يوم أحد، فما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مكانه، وعمر بن أحد رجالات قريش القوية، وكان يوم بدر نجا، ويوم أحد لم يقتل، فلم يشهد، فخرج يوم الخندق معلماً، أي حاط علامة على نفسه أنه جاي للموت.
قال: ومن يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب. قال له علي: «يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلا إلى إحدى الخلتين إلا أخذتها منه»، قال: أجل. قال له علي: «فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام»، قال: لا حاجة لي بذلك. قال: «فإني أدعوك إلى النزال»، فقال له: «لما يا ابن أخي، والله ما أحب أن أقتلك»، قال له علي: «ولكني والله أحب أن أقتلك». فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتنازل وتجاوز فقتله علي.
إذا الواحد عقر فرسه معناها يا قاتل يا مقتول، عشان هيك بيعمل الحركات. قال له علي: «ولكن»، قال اقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه، فما أقبل عن علي فتنازل وتجاوز فقتله. وخرجت خيل قريش منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقال علي بن أبي طالب في ذلك: «نصر الله حجاره من سفاهة رأيه، ونصرت رب محمد».
قال ابن هشام: ألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمر، فقال حسان: وكان شعار أصحاب النبي ﷺ: بني غريضة حميم لا ينصرون.
قال ابن إسحاق: حدثني أبو ليلى بإسناده أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن، وقالت عائشة: وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فمر سعد وعليه درع له مقلصة حتى قد خرجت منه ذراعه كلها، وفي يده حربته، والدرع هو الذي كما قلنا يلبس، فكانت هذه الدرع تقلصت عنه، يعني ما كانت جيدة.
وقالت عائشة: «فقلت لها يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي»، أنا شايف درع ابنك مش كاملة على جسمه، مش مغطية كل جسمه، ما بتخدمه. وقالت: «وخفت عليه حيث أصاب السهم منه». فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل، ووقع السهم في الأكحل لأن الدرع ما كانت سابغة، فأصيب في مقتل واستشهد في ختام المعركة كما سيأتي.
قال: رماه كما حدثني عاصم: حبان بن قيس، ابن العريقة أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال: «خذها مني وأنا ابن العريقة»، فقال له سعد: «عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجامدهم من قوم أذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة، فاجعل لي شهادة سبحان الله ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة». هذا كان دعاء سعد بن معاذ، وفعلاً حصل ما دعا به.
قال ابن إسحاق: وحدثني ملاتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: ما أصاب سعداً يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي، وهذا قول آخر أنه الذي أصابه هو أبو أسامة الجشمي، والله أعلم في ذلك. وقال ابن هشام: ويقال وما سعد خفاجه ابن عاصم، وهذا قول ثالث.
قال ابن إسحاق بإسناده عن عباد: كان صفية بنت عبد المطلب في فارع، وهو حصن حسان بن ثابت، وكانت صفية بنت عبد المطلب أم الزبير في حصن آخر اسمه حصن فارع، وهذا حصن يملك حسان بن ثابت. قالت: وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصبيان. قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ، وليس ما بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن يصرفوا عنهم إلينا، إن أتانا أتى.
النبي ﷺ مشغول بكفار قريش ويهود بني قريظة، فبدأوا يلعبوا جوا المدينة وما حدا رح يقدر يحمينا الآن منهم. قالت: قلت يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن. وصفية راقبت أنه في يهودي عم بيلف حوالين هذا الحصن فارع، حاول يدخل ليصيب المسلمين في مقتل، فراحت على حسان بن ثابت قالت له: شوف هذا اليهودي. قال: وإن! وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فأنزل إليه فاقتله. فقال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما...
حسان ليس صاحب قتال، حسان شاعر، ومسؤول عن القسم الإعلامي، لكنه ليس فارساً من فرسان المعارك، الله يرضى عنه.
قال: «فلما قال لي ذلك وأمر عنده شيئاً، احتجزته ثم أخذت عموماً صفية، قالت له: أنا بذبر حالي، راحت احتجبت ولبست على نفسها وشدت على وسطها، ثم أخذت عموداً كبيراً خشبياً وجدته، ثم نزلت من الحصن إلى اليهود فضربت اليهود بالعمود حتى قتلته». قوية هي صفية، ما هي امرأة عادية، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، قالت: «يا حسان، انزل إليه فاسلبه؛ روح جيب بضاعة هذا اليهودي، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، عيب أخلع ملابسه عنه، روح أنت اخلع ملابسه»، فقال: «حامل إلي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب».
قال ابن إسحاق: «وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه، وفيهم وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم».
البعض من كتاب السير يقول إن حسان بن ثابت كان فيه جبن، وحقيقة هذا لا يصح؛ السند في أن فيه جبناً ضعيف، والصحابي لا يليق بنقل السيرة أن تنقل بسند ضعيف عن صحابي معروف بالخير والصلاح أنه فيه جبن. قد يكون إنساناً ما يعرف يقاتل، وهذا شيء ربما عادات نشأ عليها، الرجل نشأ شاعراً، ولم ينشأ على القتال. كم منكم يعرف كيف يذبح بقرة؟ ربما الطبائع التي ينشأ عليها الإنسان تؤثر على حياته. فحسان بن ثابت لا نقول إنه كان جباناً وخواراً -والعياذ بالله- كما يزعم البعض ولا يصح أن تنسب هذا إلى صحابي، وإنما نقول ما كان من أهل هذا الشأن؛ أولاً كان كبيراً في السن، عمره 65 أو 70 سنة، وثانياً ما كان من أهل القتال والمعارك، وقد تكون طبيعة تربية نشأ عليها.
قال: ثم إن نعيم بن مسعود، وهذا شخصية مهمة جداً في غزوة الخندق، ابن غطفان، أتى رسول الله ﷺ، وهو أصلاً من غطفان، أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إني قد أسلمت الآن في هذه المعركة، سبحان الله، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، غطفان ما عارف، فمرني بما شئت». فقال النبي ﷺ: «إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت».
وهذه فكرة مهمة في السياسة الشرعية، أنك كمسلم أنت رجل واحد، لن تحمل هم الأمة الإسلامية كلها، اعمل الذي تقدر عليه، هكذا هي الحياة. لن تحمل كل معارك المسلمين اليوم على رأسك وظهرك وتظل جالساً وتقول: «والله يا شيخ ماذا أفعل للإسلام والمسلمين؟». اعمل مثل نعيم بن مسعود: «خذل عنا يا أخي». كيف أخذل عنكم؟ أنا لا أجلس مع ترامب ونتنياهو وأقول لك: «يا أخي اطلب العلم وأفد الناس واعمل مشروعاً دعوياً، اعمل إصلاحاً، اعمل أي شغلة مفيدة»، لا تظل جالساً تتباكى على حال الأمة؛ لو نعيم بن مسعود ظل جالساً يتباكى ما استفاد منه أحد، إنما أنت رجل واحد فخذل عنا، اعمل أي شيء لأمتك.
قال: «فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة». فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديم في الجاهلية، فقال: «يا بني قريظة، قد عرفت ودي إليكم وخاصة ما بيني وبينكم»، قالوا: «صدقت، لست عندنا بمتهم»، فقال لهم: «إن قريشاً وغطفاناً ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، وبه أموالكم وأبناؤكم ونسائكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً وغطفاناً قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظهرتموهم عليهم، وبلدهم وأموالهم ونسائهم بغيركم، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم».
يعني قريش وغطفان إذا انتصروا انتصروا، وإن لم ينتصروا يلحقون ببلادهم، وتظلون أنتم في وجه المدفع وحدكم. قال: «ولا طاقة لكم بهم، إن خلّوا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهوناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً ﷺ حتى تناجزوه». فقالوا: «لقد أشرت بالرأي». إذاً ما كانت نصيحته لقريظة: ارهنوا رجالاً من قريش وغطفان عندكم، جيبوهم عندكم حتى لا تستطيع قريش التراجع. فقالوا: «صدقت».
ثم خرج حتى أتى قريشاً، فقال لأبي سفيان بن حرب: «ما عمر جال قريش، قد عرفت ودي لكم وفراقي محمد ﷺ، فإنه قد بلغني أمر، قد رأيت علي حقاً أن أبلغكم نصحاً لكم، فاكتموا عني»، قالوا: «نفعل»، قال: «تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينه وبين محمد ﷺ، وقد أرسلوا إليه: قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان الرجال من أشرافهم ونعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم؟»، فأرسل إليهم، فأرسل النبي ﷺ، ووافق بني قريظة على هذا العرض: «فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من الرجال فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً».
ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: «يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني»، قالوا: «صدقت، ما أنا عند ما أنت عندنا بمتهم»، قال: «فاكتبوا عني»، قالوا: «ثم»، قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم.
لما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله ﷺ أنه أرسل أبا سفيان بن حرب رؤوس غطفان إلى بني قريظة، وعكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: «إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فغدوا للقتال حتى نناجز محمداً ﷺ»، يعني قريش وغطفان بعثوا لبني قريظة: خلص، لا نريد أن نطيل المعركة، هيا ننزل ونقاتل ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا إليهم قريظة ماخذ بنصيحة نعيم بن مسعود، قالت: «إن اليوم يوم سبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً يغسل أصحاب السبت، فاصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمداً، فإن نخشى أن درستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشبروا إلى بلادكم وتتركون والرجل في بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك». فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بني قريظة، قالت قريش وغطفان: «والله إن الذي...»
حدثكم نعيم بن مسعود لحق فأرسل بني قريظة: «إن والله لا ندفع إليكم رجل واحد من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا». فقالت بني قريظة حين انتهت إليهم الرسل: «إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة تهزوها، وإن كان غير ذلك شافروا إلى بلادهم وخلوا بيننا وبين الرجل». فأرسلوا إلى قريش وغطفان: «إنما والله لا نقاتل معكم حتى تعطون رهلانا». فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم، وبعث الله عليهم بالريح في ليال شاتية، باردة شديدة البرد، فجعلت تكاد قدورهم تطرحهم.
فلما انتهى الأمر إلى النبي ﷺ واختلف من أمرهم وفرق الله جماعتهم، دعا حذيفة بن اليمان، فبعث إليهم النبي ﷺ أرسل حذيفة بن اليمان يتحسس له الأخبار، فبعث إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا. قال ابن إسحاق فحدثني بإسنادي عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيت رسول الله ﷺ وصحبته؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، نفعل ما نستطيع. فقال: والله لو أدركنا ما تركناه.
هذا الرجل يحكي لحذيفة: «والله لو أدركناهم، لو كنا زمن النبي ﷺ ما تركناه يمشي على الأرض ولا حملناه على عناقنا». فقال له حذيفة: الشاب هذا متحمس! والله لو كنا زمن النبي ﷺ، زي هيك بعض الشباب اليوم: «والله لو كنت زمن غزوة بدر، يا أخي أنت لو كنت غزوة بدر خايف تكون مع المشركين».
قال: «والله لو أدركناهم»، فقال له: يا ابن أخي، لقد رأيتنا مع النبي ﷺ بالخندق، وصلى رسول الله ﷺ هوياً من الليل، صلى جزءاً من قيام الليل، ثم التفت إلينا وقال: «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟» ثم يرجع، يشرط له النبي ﷺ الرجعة. حذيفة يريد أن يحكي لهذا الشاب: تتحمس كثيراً، يريد أن يعطيه هذا الموقف بس لكي تفهم أن الأمور ليست حالمة؛ تخيل أنه في ليلة الخندق النبي ﷺ يقول للصحابة: من يذهب ليجيب خبر القوم ويرجع؟ والنبي ﷺ يقول سيرجع، ليس أنه سيموت ويستشهد، قال: يشرط له الرجعة، يعني النبي ﷺ إذا قال هذا صدق، روح يجيب وسيرجع. قال: «أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة».
بعد ذلك، هل هناك إغراء أكثر من هذا؟ «سترجع، ما رح تقتل، ستكون رفيقي في الجنة». قال: فما قام رجل من القوم من شدة الخوف ومن شدة الجوع ومن شدة البرد؛ أبو بكر، عمر، عثمان، الزبير، طلحة، وكل الأسماء الكبيرة موجودة، كلها في خوف وتعب، وأنت تقول إن القضية سهلة! بلى ليس كما تتصور بسهولة.
قال: فدعاني النبي ﷺ، حذيفة أصلاً لم يقل أنا، ولكن النبي ﷺ عينه وخلاص، وإذا عينه فلا مجال. قال: فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني. فقال: «يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئاً حتى تأتينا، ولا تقتل لك واحداً منهم».
قال: فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدراً ولا ناراً ولا بناءً. فقام أبو سفيان فقال: «يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه». قال حذيفة: فأخذت بيد رجل. أبو سفيان ذكي، وأبو سفيان يريد أن يعطي خطة الانسحاب، ولكن قبل أن يحكي الخطة قال: «كل واحد يعرف من الذي بجانبه حتى لا يكون في جواسيس بيننا»، فكل واحد صار يطلع على الذي بجانبه. حذيفة تورط الآن، فمن ذكائه وبديهته لم يخلِّ الذي بجانبه يسأله مباشرة، بل هو الذي سأل جاره: «من أنت؟»، فلي بجانبه قال له: «أنا فلان الفلاني»، قال: آه، خلص، أوهمه أنه معه، فمن يعطيك عنصر المبادرة تتوقع أنه ليس معك، فحذيفة هذه حسن بديهة فيه.
ثم قال أبو سفيان: «يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الفراء والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل». ثم قام إلى جمله، وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث. فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ إليه: «ألا تحدث شيئاً حتى تأتينا»، ثم شئت لقتلته بسهم.
فوثب به على ثلاث، يعني كأن الإبل قامت على ثلاث أرجل، لم تقم على الرجل الرابعة، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، وهذا دلالة عدم استقرار، فالحذيفة يقول: والله إني كنت سأقتل أبا سفيان لولا أن النبي ﷺ قال لي: «لا تحدث بشيء».
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه، قال ابن هشام: المرط ضرب من وشي اليمن، فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وأنا فيه، فلما سلم -طبعاً كانت ليلة برد شديد- فلما رأى حذيفة كان يصلي ﷺ، دخل حذيفة في الكساء حتى ينهي الصلاة. فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين.
قال ابن إسحاق: ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعاً إلى المدينة والمسلمون وضعوا السلاح، قال: غزوة بني قريظة في سنة خمس. قال: فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله ﷺ كما حدثني الزهري، معتجراً بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحل، معتجراً أي لافاً عمامة من استبرق، قال: عليها قطيعة من ديباج. فقال: «أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟» قال: «نعم». فقال جبريل.
فما وضعت الملائكة السلاح، وما رجعت الآن إلا من طلب بالقوم أن الله يأمرك يا محمد ﷺ بالسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله ﷺ مؤذناً فأذن في الناس: «من كان سمعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة». واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام.
قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، فابتدراها الناس، فسار علي بن أبي طالب حتى إذا دان من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ﷺ، فرجع حتى لقي رسول الله ﷺ بالطريق، فقال: «يا رسول الله، لا عليك، ألا تدو من هؤلاء الأخبث؟». قال: «لماذا؟ أظنك سمعت منهم أذى؟». قال: «نعم يا رسول الله». قال: «لو راوني لم يقلوا من ذلك شيئاً».
فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم قال: «يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟». قالوا: «يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً». قالوا: «يا أبا القاسم، لماذا تشتمنا؟ ما كنت جهولاً، نحن لسنا معتادين منك أن تشتمنا يا إخواننا الكرام، أما أنتم فتقعدون تشتمون النبي ﷺ عادي في حصونكم».
ومر رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة، فقال: «هل مر بكم أحد؟». قالوا: «يا رسول الله، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء، عليها رحال عليها قطيفة ديباج». فقال رسول الله ﷺ: «ذلك جبريل، بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم».
ولما أتى رسول الله ﷺ بني قريظة، نزل على بئر من آبارهم من ناحية أموالهم، يقال لها بئر أُنا، وتلاحق به الناس، فأتى رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله ﷺ: «لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة». وتلاحق بهم الناس فاتوا رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله ﷺ: «لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة».
فشغلهم ما لم يكن لهم منه بد في حربهم، وأبوا أن يصلوا لقول رسول الله ﷺ حتى تأتوا بني قريظة، فصلوا العصر. ففي جماعة من الصحابة صلوا العصر بعد العشاء الآخرة، لأن النبي ﷺ قال: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فهموا الحديث على ظاهره، فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسوله ﷺ؛ لأن هذا إحدى دلالات النص المتوقعة، وإن كان كما قال العلماء الذين فهموا الإسراع فقط هم أولى بفهم النص.
فلو حصرهم رسول الله ﷺ ليلة، تم الحصار حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب، وقد كان حي بن أخطب قد دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاءً لكعب بن أسد، يعني حي بن أخطب تورط. فلما أيقنوا بأن النبي ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد زعيم بني قريظة: «يا معشر يهود، قد نزل بكم من أمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً فخذوا إياها شئتم». فقالوا: «ما هي؟». قال: «نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي المرسلين، وأنه الذي تجدون في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم». قالوا: «لا نفارق حكم التوراة أبداً ولا نستبدل به غيره».
والله لقد نصحهم الرجل للأمانة، فقال: «فإذا أبيتم علي هذا، فهلم فلنقتل أبناءنا ونسائنا ثم نخرج إلى محمد ﷺ وأصحابه رجالاً مسلطين بالسيوف، نمسك سيوفنا لم نترك وراءنا ثقلاً نساءً ولا صبياناً نخاف عليهم، حتى يحكم الله بيننا وبينه، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه، وإن نظفر فلنأخذ النساء والأبناء».
قالوا: «نقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعده! بدي واحد يذبح ابنه وزوجته، ما صعبة». قال: «فإن أبيتم علي، فإن الليل ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد ﷺ وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيبه من محمد ﷺ وأصحابه غرة». فقبلوا ذلك وقالوا: «نعم سبتنا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا، إلا من قد علمت ممن قصة أصحاب السبت فأصابه ما لم يخفَ عليك من المسخ».
قال: «ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً؟» يعني أنتم جماعة خلاص زهقت، أعطاهم ثلاث حلول ما رضوا، فقال: «أفيكم خير؟ الواحد ولا يوم فيكم يشعر أنكم رجال أصحاب حزم وأصحاب رأي؟». ثم إنهم بعثوا إلى النبي ﷺ أن يبعث إليهم أبا لبابة، فقد مر معنا بالأمس أبو لبابة وقصته الخطأ الذي ارتكبه، وكانوا هم بني قريظة حلفاء الأوس يستشيرون في أمرهم، فأرسل رسول الله ﷺ إليهم.
فلما رأوه، قام إليه الرجال ووجه إليه النساء والصبيان يبكون، فأبو لبابة صحابي جليل لكنه رق عليهم، وقالوا: «يا أبا لبابة، أتري أن ننزل على حكم محمد ﷺ؟». قال: «نعم»، قال بلسانه، لكن بيده أشار إلى حلقه، فهموا الرسالة أنه سيذبحونه. وطبعاً هنا استخطى نفسه وشعر أنه تجاوز الخط المسموح له، فقال: «فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله».
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأتِ رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد، راح ربط نفسه في المسجد النبوي على عمود، واليوم إذا ذهبت إلى المسجد النبوي في سارية مكتوب عليها «سارية أبي لبابة»، هي موجودة في الروضة، وقال: «لا أبرح من مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله ألا أطا بني قريظة أبداً، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه».
قال ابن هشام: وأنزل الله في أبي لبابة: ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره، وكان قد استبطاهم، كان النبي ﷺ ينتظر أنه يرجع أبو لبابة، وبعثوا إليه. قال: أما لو كان قد جاءني لاستغفرت له، أما إذا فعل ما فعل وربط نفسه بالسارية، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه وتنزل توبته.
قالت أم سلمة: حدثني يزيد بن عبد الله أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة. قالت أم سلمة: فسمعت النبي ﷺ من السحر وهو يضحك، قلت: مما تضحك؟ قال: «أضحك الله سنك، تيب على أبي لبابة». قلت: أفلا أبشر يا رسول الله؟ قال: «بلى إن شئت». فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يُضرب عليه الحجاب، فقالت: يا أبا لبابة أبشر قد تاب الله عليك.
فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون النبي ﷺ هو الذي يطلقني بيده. فلما مر علي خارجًا إلى صلاة الصبح أطلقه ﷺ. قال ابن هشام: أقام أبو لبابة مرتبطًا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة تحله حتى ينزل يصلي، ثم تعود فتربطه بالجذع.
وفيما حدثني بعض أهل العلم، الآية التي نزلت في توبته قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102].
ثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من بني هَدل من بني قريظة، ليسوا من بني قريظة ولا من بني النضير، هذا نوع من اليهود اسمهم يهود بني الهدل، هؤلاء ليسوا من قريظة ولا من النضير، نسبهم فوق ذلك، يعني هم أولاد عمهم لبني قريظة وبني النضير. أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله ﷺ.
وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعد القرظي، فمر بحرس رسول الله ﷺ وعليه محمد ﷺ تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعد. وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله ﷺ وقال: لا أغدر بمحمد أبدًا. فقال محمد بن سلام: عرفه، اللهم لا تحرمني أثرات الكرام، ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يُدرِ أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. فذكر لرسول الله ﷺ شأنه، فقال: «ذاك رجل نجاه الله بوفائه».
وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمه، فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله ﷺ؟ يعني تم ربطه بحبل حين نزلوا فأصبحت رمقاه عنه ولا يدري أين ذهب، فقال ﷺ فيه تلك المقالة، والله أعلم أي ذلك كان.
فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله إنهم موالين دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت. وكان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة قد حصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه، فسألهم، فسألهم إياهم عبد الله بن أبي بن سلول فوَهبهم له. فلما كلمته الأوس، قال رسول الله ﷺ: «ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى. قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ».
وكيف سياسة النبي ﷺ! النبي ﷺ حتى يحافظ على العلاقة بين الأوس والخزرج، هو يعرف أن بني قريظة حلفاء للأوس، فما خلى رجلًا من الخزرج يحكم فيهم، خلى سيد الأوس يحكم فيهم؛ لأنه لو خلى رجلًا من الخزرج سيبقى في نفس الأوس شيء، أنه ليش خلى الخزرج تحكم في بني قريظة مع أنهم حلفاؤنا؟ فخلى رجلًا من الأوس هو الذي يحكم، هو سيدنا سعد بن معاذ.
وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة المرأة التي من أسلم يُقال لها رفيدة في مسجده، كانت تداوي الجرحى، ورفيدة الأسلمية هي الطبيبة التي كانت تعالج الجرحى، وتحتسب نفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكانت امرأة فاضلة كانت تحسب نفسها على خدمة من له ضيعة، يعني الناس المقطوعة كانت تخدم الناس المقطوعة.
قال: وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه سم بالخندق: «اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب». فلما حكم رسول الله ﷺ في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطأوا له وسادة من أدم، وكان رجلًا جسيمًا جميلاً، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك. فطبعًا الأوس لسه في علاقات ودية بينه وبين بني قريظة نوعًا ما، فقالوا: يا سعد خفف في الحكم، أحسن في مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم.
فلما أكثروا عليه قال: «لقد أناشد سعدًا أن لا تأخذه في الله لومة لائم». فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إلى الأوس الذين كانوا ماشين مع سعد، رجعوا قالوا: بني قريظة راحوا فيها.
فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين قال رسول الله ﷺ: «قوموا إلى سيدكم». فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله ﷺ الأنصار، وأما الأنصار فيقولون: قد عَمَّ بها رسول الله ﷺ المسلمين. المهاجرون قالوا: مش نحن المقصودين بأن نقوم إلى سيدنا، أنتم يا أنصار وسيدكم مش سيدنا، فالأنصار قالوا لهم: لا، سعد سيدنا وسيدكم. فاختصموا من المراد.
«بقوموا إلى سيدكم»، هل هو خطاب للمهاجرين والأنصار، ولا للأنصار فقط؟ وهذا استدل بها بعض أهل العلم على جواز القيام عند دخول الرجل المهيب، أو العالم، أو الوالد، أو السلطان؛ يجوز القيام له، بل إن هذا سنة من باب احترامه وتوقيره.
«فقاموا إليه»، فقالوا: «يا أبا عمر، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم»، فقال سعد: «عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت». قال الحكم عندي يا جماعة، أكيد قالوا له: «والله الحكم عندك»، خلص وعلى منها هنا، وحكمي يلزم الجميع، ما أحد بكره يطلع يقول: «لا نحن مش موافقين حكمك». هو سعد يريد أن يتأكد أنه إذا حكمت ما أحد يراجعني، قالوا: «نعم»، بس أنه أحسن فيهم هيك بيحكوا.
قال: «وعلى من ها هنا»، في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ، وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالاً له، فقال رسول الله ﷺ: «نعم». قال سعد: «فإني أحكم فيهم...». كيف وهو معرض عن الرسول ﷺ إجلالاً له؟ يعني كيف الإعراض هنا إجلال؟
وقال: «إن حكمي يسري على كل من ها هنا»، لكن لم ينظر للنبي ﷺ حتى لا يظن أنه هو لا يريد أن يعطي حكماً، بل يريد أن يقول إن الحكم ساري على الجميع، فهو يريد أن يكون أمام النبي ﷺ حكم ساري على الجميع، ويكون النبي ﷺ أمامه، كأنه حكم سار على الجميع، فكان وجهه لغير، كون النبي ﷺ وراءه حتى لا يشير إليه.
قال سعد: «فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء». قال ابن إسحاق بأسناده: قال ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم من فوق سبع أرقعة، فوق سبع سماوات».
المهم، قال ابن هشام: حدثني من أثق من أهل العلم أن علي بن أبي طالب صحب وهم محاصرون بني قريظة، وتقدم هو والزبير، وقالوا: «والله لأذوقن ما ذاق حمزة، أو لأفتحن حصنهم»، فقالوا: «يا محمد، ننزل على حكم سعد». إذاً على هذه الرواية، الذين طلبوا حكم سعد هم بنو قريظة نفسهم. في الرواية السابقة، النبي ﷺ هو الذي اختار سعد مباشرة وأتى به، وهذا يقول لك هل النبي ﷺ هو الذي اختار سعد، أم بنو قريظة هم الذين اختاروا سعداً؟
ثم استنزلوا، فحبسهم النبي ﷺ بالمدينة، تم اعتقالهم جميعاً عند بني قريظة في دار رملة بنت الحدث، وقيل في الحاشية هي رملة بنت الحدث، أي امرأة ظاهرة من بني النجار. ثم خرج النبي ﷺ إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، تم حفر خنادق داخل المدينة، ثم بعث إليهم فأخذ يضرب أعناقهم في تلك الخنادق، الرجال البالغين، يخرج بهم إليه أرسالاً جماعات، وفيهم عدو الله حي بن أخطب وكعب بن أسد، وهم تقريباً كانوا 600 أو 700، والمكثر أكثر، واحد عدهم 800 أو 900.
وقد قال لكعب بن أسد وهو يذهب به إلى النبي ﷺ أرسالاً: «يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟» يعني أين يريدون أن يأخذونا؟ بنو قريظة لسه مش فاهمين. قال كعب: «خلص، واصل معنا هنا»، بعد ما أعطاهم الحلول الثلاث. قال: «أفي كل موت لا تعقلون؟» يعني أنتم لا تفهمون؟ أنا من أول قلت لكم عندكم ثلاث حلول ما رددتم علي، تريدون الحل الرابع؟ هي أجاكم الحل الرابع: «أفي كل موت لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع؟ وإن من ذهب منكم لا يرجع».
مش شايفين أنه كل شوي ينادون، وأن الذي ينادونه ليس مجرد مناداة؟ ما معنى ذلك؟ افهموها لحالكم، يعني أن الذي يذهب إلى الموت، فلم يزل ذلك... استمر هذا الوقت كله قتل حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ. وأُتي بحي بن أخطب عدو الله، وعليه حلة له، فقال ابن هشام: «فقاحية»، وهو ضرب من الوجه، نوع من التطريز، المهم قد شقها عليه من كل ناحية، قدر أن ينمله، حتى لا يسلبها. يعني رجل، شوفوا باله، خائف بعد ما يموت أن هذه العباءة التي عليه تذهب سلباً للمؤمنين، قال: «بخربها قبل أن أموت»، شوف أين ذهنه، يعني لا أريد أن يأخذوا حتى هذه مني، فخربها من عدة مناطق حتى لا تسلب منه.
ثم جُمعت يداه إلى عنقه، فلما نظر إلى النبي ﷺ، هي النظرة الأخيرة كما يقولون، قال: «أما والله ما لمت نفسي في عداوتك». شوف الحقد، ولكنه «من يخذل الله يخذل». حي بن أخطب يعرف أن رسول الله ﷺ صادق، تذكر قصته لما راح مع أخيه، وأنه قال نعم، قال إنه رسول الله، قال له ماذا تفعل؟ قال: عداوته ما حييت. هو عارف، فحبي بن أخطب قال: عارف أنني خذلت الله، فالله خذلني. شوف النفسية اليهودية المريضة، التي تعرف أنها تحارب الله وأنها ستُخذل، ومع ذلك مصر على أمراضها، لذلك حتى اليهود اليوم، نتنياهو وجماعته، هم مجموعة من الأمراض النفسية، هذول جماعة لا حل معهم، لا حل إلا مناجزتهم.
ثم أقبل على الناس وقال: «يا أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر، وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل»، ثم جلس فضربت عنقه.
ثم قال ابن إسحاق: وقد حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عتبة بن الزبير، عن عائشة قالت: هذه قصة مضحكة، هي لم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة. قالت عائشة مستغربة: «والله إنها لعندي»، هذه المرأة دخلوها عند عائشة عشان كمان شوية ينادونها ليذبحوها، قالت: «والله إنها لعندي، تتحدث معي وتضحك ظهراً وبطناً، تقهقه ومبسوطة»، يعني حتى مش ضحك عادي، تضحك ظهراً وبطناً! كيف تضحك وتقلب على ظهرها من الضحك؟ عائشة تقول: هي ماذا بها؟ تضحك وفي موت كمان شوية؟ ورسول الله ﷺ يقتل رجالها في السوق، إذ هتف هاتف باسمها: «أين فلانة؟ الداعي نادى فلانة»، فرفعت قالت: «أنا والله هيني موجودة». قالت عائشة لها: «ويلك، مالك؟ لماذا ينادون على اسمك؟»، قالت: «عشان أُقتل»، تحكي بكل برود.
قالت ولما قال: «عائشة، لماذا يريدون قتلك؟»، قالت: «لحدث أحدثته». يعني الظاهر أنها عندها خيانة. قالت، فانطلق بها فضرب عنقها. فكانت عائشة تقول: «والله ما أنسى عجباً منها، نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل». تخيل أن واحداً يقول لك: «أنت الآن ستعدم»، وتكون مبسوطاً وتأكل مع الشباب وتضحك والأمور طيبة، وقاعد يسألك: «وين رايح؟»، فتقول: «والله رايح يقتلوني». فبعض الناس عجيبة غريبة أحواله.
قال ابن هشام: هي التي طرحت الرحى على خذل بن سويد، هذا أحد الصحابة استشهد. من الذي طرحت عليه الرحى هذه المرأة؟ وقد كان ثابت بن قيس بن شماس. كما ذكر شهاب الزوري: أتى الزبير بن أبي وقاص القرشي، وكان يكني أبا عبد الرحمن، وكان الزبير قد منَّ على ثابت بن قيس الطيف في الجاهلية؛ ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان منَّ عليه يوم بعاث؛ أخذه فجزَّ ناصيته ثم خلى سبيله. فجاءه ثابت وهو شيخ كبير فقال: «يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفني؟»، قال: «لجبل مثلي مثله»، قال: «إني قد أردت أن أجزيَك بيدي بيدك عندي»، قال: «إن الكريم يجزي الكريم».
ثم أتت ثابت بن قيس الشماس النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إن هذا الرجل كان للزبير عليَّ منه». هذا رجل يهودي من بني قريظة، كان معروفاً مع ثابت بن قيس بن شماس أيام الجاهلية، فكأنه ثابت بن قيس يريد أن يذهب ليشفع عند النبي ﷺ حتى لا يُقتل مع السبعين. «يا رسول الله، إن للزبير عليَّ منّة وقد أحببت أن أجزي بها، فهب لي دمه»، فقال النبي ﷺ: «هو لك، خذه».
فأتاه فقال: «إن رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك وقال لي هو لك». فشوف هذا اليهودي غريب؛ قال: «شيخ كبير، لا أهل له ولا مال ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟». أراد أن يُذبح مع قومه، فأتى ثابت النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، هب لي أهلي وولدي»، ابتداءً هو ماذا سيستفيد إذا بقي هو وأهله وولده يُسبون؟ فرجع ثابت على النبي ﷺ قال: «يا رسول الله، أعطه، ممكن تعطيني ولده وأولاده؟»، قال: «هم لك». فأتاه فقال: «قد وهب لي رسول الله ﷺ أهلك وولادك فهم لك». قال: «أهل بيت بالحجاز لا مال لهم»، فماذا سيأخذ؟ هذا اليهودي أخذ راحته، فما بقي فرجع ثابت على النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، ماله، أعطني ماله؟»، قال: «هو لك».
شوف حلم النبي ﷺ، فأتاه ثابت فقال: «قد أعطاني رسول الله ﷺ مالك فهو لك». أي يا ثابت، ما فعل الذي كان وجهه كمرآة صينية يتراءى فيها عذار كعب بن أسد؟ كعب بن أسد زعيم بني قريظة، هذا الرجل لسه مش عارف ظاهر الموضوع. فقال له ثابت: «قُتل»، قال: «فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟»، قال: «قُتل»، قال: «فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا عزال بن سموأل؟»، قال: «قُتل»، قال: «فما فعل المجلسان؟» -وهذا كأنه لقب لبني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة- قال: «ذهبوا قُتلوا».
قال: «فإني أسألك يا ثابت باليد التي عندك إلا ألحقتني بالقوم»، يعني لا خير في الحياة بعد هؤلاء، هكذا يريد أن يحكي له: «أليس أنت تريد أن ترد لي المعروف؟ اقتلني معهم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر». فقتله ثابت دلو ناضح حتى يلقى الأحبة. سيرحل ويلاقيهم إن شاء الله في نار جهنم، ليس مشكلة، هو فقط يريد أن يلقى الأحبة. فقدمه ثابت، قال له: «يا عمي انبطح»، ومعك وضرب عنقه.
قال: فلما بلغ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قوله: «ألقى الأحبة»، قال: «يلقاهم الله في نار جهنم». أريتم؟ لست وحدي من قلت ألقاه في نار جهنم، حتى أبو بكر الصديق قال نعم.
وقال زهير في قِبله: وقابل يتغنى كلما قدرت على العراقي يداه .. قائماً دفقه
وهذا البيت في قصيدة له، وقال ابن هشام وتفسير بيت زهير: "قابل" الذي يتلقى الدلو إذا خرج من البئر، و"الناضح" البعير الذي يُستقى الماء عليه لسقي النخل. وهذه مدة قصيرة جداً، المدة التي أنا أناولك فيها الدلو كم هي؟ ثانيتان، مدة أن تتناول الدلو.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. "أنبت" يعني من ظهرت عانته، وكيف كان يعرف من البالغ ومن غير البالغ من بني قريظة؟ تكشف العورات، فإذا شعر العانة طلع، إذاً هو بالغ فيقتل، إذا كان شعر العانة غير موجود فمعناه أنه غير بالغ فلا يقتل. قال: «وكنت غلاماً فوجدوني لم أنبت فخلوا سبيلي».
قال ابن إسحاق: وحدثني أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صاص، أخو بني عدي بن النجار، قال: إن سلمى بنت قيس بن أم المنذر، وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ، قد صلت معه القبلتين وبايعت بيعة النساء، سألت رفاعة بن زيد السموأل القرظي، وكان رجلاً قد بلغ فآذى بها وكان يعرفهم قبل ذلك، فقالت: «يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، هب لي رفاعة، فإنه زعم أنه سيصلي ويأكل ويحمل الجمل»، قال: «فوهبه لها»، فاستحيته. قال ابن إسحاق: "فاستحيته" يعني حافظت على حياته، فاستحيته يعني حافظت عليه حياً.
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله ﷺ قسم أموال بني قريظة ونسائهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمين: سهم الخيل وسهم الرجال، وأخرج منها الخمس. فكان للفارس ثلاثة أسهم، وللفرس سهمان، وللفارس سهم للرجل من ليس له فرس سهم. وكانت الخيل يوم بني قريظة ستة وثلاثين فرساً، وكان أول وقعة تقسم فيها السهمان، وأخرج منها الخمس على سنتها وما مضى من رسول الله ﷺ. أول مرة تقسم الغنيمة على الأحصنة كانت في بني قريظة، أما قبلها في بدر فما كان في غير ذلك.
فما كان الحكم؟ نازل متى نزل حكم أن للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً؟ في غزوة بني قريظة ومن بعدها أصبح الحكم مستقراً.
قال: ومضت السنة في المغازي، ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأنصاري، أخى بني عبد الأشهل، بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بهم خيلاً وسلاحاً. النبي ﷺ باع بعض السبايا حتى يشتري سلاحاً وخيلاً؛ بالتالي هو يريد أن يقوي الناحية العسكرية للجيش الإسلامي، فبعث باع بعض سباياهم في منطقة نجد واشترى بها خيلاً وسلاحاً للمسلمين.
قال: وقد كان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه من النساء ريحانة بنت عمرو بن حليفة، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفي. إذن ريحانة بنت عمرو هذه كانت عند النبي ﷺ وسرية له يطؤها، وهي التي نزل فيها عند كثير من أهل العلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]. هذه ريحانة هي من سبايا بني قريظة.
قال: وقد كان رسول الله ﷺ عرض عليها أن يتزوجها ويطلب عليها الحجاب، فقالت: «يا رسول الله، بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك». فتركها. وقد جاءها عرض أنها تصبح حرة ويتزوجها، فقالت هي تريد أن تبقى في ملك؛ قالت: «بل تتركني في ملكك»، لا تريد أن تصبح حرة، بل تبقى ملك يمين لك، فهو أخف مؤونة علي وعليك، فتركها. الله أعلم ما كان سبب هذا القرار.
قال: كانت حين سبت قد تعصت بالإسلام وبت إلى اليهودية، فعزلها رسول الله ﷺ ووجد في نفسه لذلك من أمرها، فبينه مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: «إن هذا الثعلبة بن سعيه يبشرني بإسلام ريحانة». ريحانة في البداية ما أسلمت، بعدين أسلمت، الله يرضى عنه جاء فقال: «يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة». وتصرفوا ذلك من أمرها.
وأنزل الله عز وجل في أمر الخندق وأمر بني قريظة من القرآن، القصة في سورة الأحزاب، يذكر فيها ما نزل من البلاء ونعمته عليهم وكفاية إياهم حين فرج ذلك عنهم بعد مقال من قال من أهل النفاق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9]. والجنود قريش وغفار وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل الله عليهم مع الريح الملائكة.
يقول الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * وَالَّذِينَ جَاؤُهُم مِّن فَوْقِهِم بَنُو قُرَيْظَةَ وَالَّذِينَ جَاؤُوهُم مِّنْ أَسْفَلَهُمْ قُرَيْشٌ وَغِطْفَانُ﴾ [الأحزاب: 10-11]. يقول الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 11].
ويقول المنافقون: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]. لقول معتب بن قشير إذ يقول، وما قال: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجَعُوا﴾ [الأحزاب: 13]، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، وما هي بعورة، ﴿وَمَا يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13].
لقول أوس بن قيضين: ﴿وَمَن كَانَ عَلَىٰ رَأْيِهِ مِنْ قَوْمِهِ وَلَوْ دَخَلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: 13]، أي المدينة؛ قال ابن هشام: الأقطار الجوانب، واحدها قطر وهي الأقطار، وواحدها قِطر. قال: فرزق من غنى، فتح الإله لهم به، والخيل مخي على الأقطار، ويروى على الأقتال. وهذا البيت في قصة الله، ثم سئلوا الفتنة، أي الرجوع إلى الشرك، لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً.
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَهْدَ اللَّهِ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: 14]. فهم بنو حارثة، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة، حين هموا بالفشل يوم أحد، ثم عهد الله لا يعد لمثلها، فذكر لهم الله الذي أعطوا من نفسهم ثم قال: ﴿لَن يَنفَعَكُمْ إِن فَارَقْتُمُوهُ إِن كُنتُم صَادِقِينَ﴾ [الأحزاب: 15].
﴿أَوْ يَمُوتَ أَو يُقْتَلَ ۗ وَإِذَا لَمْ تَفْعَلُوا وَلَمْ تَدْرَءُوا سَتُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: 16]. ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً ۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 17]. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 18]. أي إلا دفعاً وتعذيراً. ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي للطمع الذي في أنفسهم، ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَىٰ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي عظام له فرقا منه.
﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ لِّيَسْأَلُوا عَنِ الْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْخَيْرُ مَثْقُولًا عِندَهُمْ﴾ [الأحزاب: 19]. أي سلقوكم باللسان حداداً في القول بما لا تحبون، لأنهم لا يرجون آخره ولا تحملهم حسب؛ فهم يهابون الموت هيبة من لا يرجو ما بعده. قال ابن هشام: سلقوكم أي بالغوا فيكم بالكلام فأحرقوكم، أذوكم؛ تقول العرب خطيب سلاق وخطيب مثلق.
قال ابن إسحاق: يحسبون الأحزاب لم يذهبوا، قريش وغطفان، وأن يأتي الأحزاب، ﴿وَلَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ لَوَجَدُوا فِيهَا لَعَنُوا وَاتَّبَعُوا رِجْزَكُمْ ۚ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 20]. ثم أقبل على المؤمنين فقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21]، أي لئلا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ولا عن مكانه هو به.
ثم ذكر المؤمنين وصدقهم تصديقاً مما وعدهم الله من البلاء يختبرهم به، فقال: ﴿قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22]، أي صبراً على البلاء وتسليماً للقضاء وتصديقاً للحق لما كان الله وعده ورسوله.
ثم قال: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: 23]، أي فأرغ من عمله ورجع إلى ربه، كمن استشهد يوم بدر ويوم أحد؛ قال: قضى نحبه ومات، والنحب النفس. فيما أخبرني أبو عبيدة قال: وجمعه نحوب. وهذا البيت في قصيدة له.
والنحب أيضاً النذر وهو العهد، يقول: «على نذر»، كانت نذرت نذرت أن تقتل فقتله تكبسطام. والنحب أيضاً الخطار والبكاء والحاجة والهمة، وهو الرهان. والنحب أيضاً يقال على الرهان، والنحب أيضاً البكاء النحيب، والنحب أيضاً الحاجة والهمة، تقول: مالي عندهم نحب أي حاجة وهمة، ويذكرون طبعاً الشواهد من الأبيات الشعرية على هذه المعاني. والنحب أيضاً السير الخفيف المري السير شوي.
﴿وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ نعم، ﴿مَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ وَيَنْتَظِرُونَ﴾ ما وعد الله به من نصر وشهادة على ما مضى عليه أصحابه. ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي ما شكوا، ما رددوا في دينهم وما استبدلوا به غيره؛ ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء كان غفوراً رحيماً.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25]. ﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾، أي بني قريظة من صياصي الحصون والأطام التي كانوا فيها.
قال: والصياصي أيضًا؛ الشوك الذي للنساء النساجين فيما أخبرني أبو عبيدة. والصياصي أيضًا القرون؛ لما قال في الأعلى: ﴿قُرُونٌ﴾، قرون الحيوانات، قرون الثيران، وتسمى صياصي. وكذلك يطلق على الشوك الذي للنساجين فيما أخبرني أبو عبيدة. وأشهدني، قال: والصياصي أيضًا التي تكون في أرجل الديكات كأنها قرون الصغار. والصياصي أيضًا الأصول، أخبرني أبو عبيدة عن العرب تقول: جد الله صيصته، أي أصله.
قال ابن إسحاق: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرَّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ فَرِيقًا وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الفتح: 26]. أي قتل الرجال وسبي الذراري والنساء، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها -يعني خيبر- ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الفتح: 27].
قال ابن إسحاق: فلما قضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات. انفجر الجرح بسعد بن معاذ واستشهد، رحمه الله تعالى عليه.
قال: حدثني معاذ بن رفاعة الزرقي، قال: حدثني من شئت من رجال قومي أن جبريل أتى رسول الله ﷺ حين قبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجراً بعمامه من استبرق، فقال: يا محمد، من هذا الميت الذي فُتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ قال: فقام رسول الله ﷺ سريعاً يجر ثوبه إلى سعد فوجده قد مات.
وحدثني عبد الله بن أبي بكر عن أم مرة بنت عبد الرحمن قالت: أقبلت عائشة قافلة من مكة ومعها أسيد بن حضير، فلقيته موت امرأة له فحزن عليها بعض الحزن، فقالت له عائشة: يغفر الله لك أبا يحيى، أتحزن على امرأة وقد أصبت بابن عمك وقد اهتز له العرش؟
حدثني ملاتم عن الحسن البصري قال: كان سعد رجلاً بادناً، فلما حمله الناس وجدوا له خفة، فقال رجال من المنافقين: والله إن كان لبادناً، وما حملنا من جنازة أخف منه! فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «إن له حِمْلَة غيركم، والذي نفسي بيده لقد استبشرت الملائكة بروح سعد واهتز له العرش».
قال ابن إسحاق وحدثني معاذ بن رفاعة عن محمود بن عبد الرحمن بن عمر بن الجموح عن جابر بن عبد الله قال: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله ﷺ، سبح رسول الله ﷺ فسبح الناس معه، ثم كبر فكبر الناس معه، فقالوا: يا رسول الله، مما سبحت؟ فقال: «لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرجه الله عنه».
قال ابن هشام: مجاز هذا الحديث قول عائشة، قال رسول الله ﷺ: «إن القبر لضمه، لو كان أحد منها ناجياً لكان سعد بن معاذ».
قال ابن إسحاق: وي سعد يقول رجل من الأنصار: وما اهتز عرش الله من موتها، لكن سمعنا به إلا لسعد أبي عمر. وقالت أم سعد حين احتمل نعشه وهي تبكيه -قال ابن هشام وهي كبشة بنت رافع-: ويل أم سعد! سعد صرامة وحدا، وسؤدداً ومجداً، وفارساً معدّاً سد به مسد. قال: يقول رسول الله ﷺ: «كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ»، رحمه الله.
قال ابن إسحاق: ولم يستشهد من المسلمين يوم الخندق إلا ستة نفر من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك، وعبد الله بن سهل، ثلاثة نفر. ثم من بني جشم بن الخزرج، ثم من بني سليمة: الطفيل بن نجع، وثعلبة بن عمرو، رجلان. ومن بني النجار، ثم من بني دينار: كعب بن زيد أصابه سهم غرب فقتله.
قال ابن هشام: سهم غرب؛ السهم الذي لا يعرف من أين جاء، دائماً هي عبارة كثير، السهم الذي لا يعرف من أين أتى، مثل قولك لا يعرف مصدر إطلاق النار اليوم مثلاً.
وقال: وقتل المشركين ثلاثة: نفر من بني عبد الدار بن قصي، ونبهم عثمان بن عبيد، قال: أصاب ساماً فمات منه بمكة. قال ابن هشام: هو عثمان بن أمية بن منبه بن عبيد بن السباق.
قال ابن إسحاق: من بني مخزوم يقضى نوفل بن عبد الله بن المغيرة، سألوا رسول الله ﷺ أن يبيعهم جسده، وكان قد اقتحم الخندق فتوّرط فيه فقتل، فغلب المسلمون على جسده، فقال رسول الله ﷺ: «لا حاجة لنا بجسده ولا ثمنه»، فخلى بينهم وبينه. شوف كيف يعني اليوم المقاومة يكون في تبديل جثث، قالوا أعطنا جثة نشتري، ندفع لك مصاري على جثته، قال: لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه.
قال ابن هشام: أعطى رسول الله ﷺ بجسده عشرة آلاف درهم فيما بلغني عن الزهري، وهذا قول آخر؛ أن النبي ﷺ خلاهم يدفعوا على جثته عشرة آلاف درهم. وهذا يمكن يستفاد منه ترى في السياسة الشرعية، إذا صحت هذه الرواية، أن يؤخذ على جثث الأعداء أموال. أعطى النبي، بس ممكن بس اللي فاهمه أنا من السياق الآخر، يعني أنهم أعطوه، يعني ما في قضية أنهم قدموا فقط، ولكن ممكن.
قال ابن إسحاق: من بني عامر بن لؤي، من بني مالك بن حسن، عمرو بن عبد ود، قتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال ابن هشام: حدثني ثقة أنه حدث عن ابن شباب أنه قال: قتل علي بن أبي طالب يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حصن بن عمرو. قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد ود، ويقال عمرو بن عبد.
قال ابن إسحاق: واستشهد يوم بني قريظة من المسلمين، ثم بني الحارث بن الخزرج: خلاد بن سويد بن ثبة بن عمرت، رحمه الله، فشُخّته شُخة شديدة. خلاد بن سويد الذي طرحت عليه الراحة، طرحتها المرأة التي كانت تضحك عند عائشة. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إن له لأجر شهيدين».
ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان من بني أسد بن خزيمة، ورسول الله ﷺ المحاصر من بني قريظة، فدفن في مقبرة بني قريظة التي يدفنون فيها اليوم، وإليه دفنوا موتاهم في الإسلام. ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغني: «لن تغزوا قريشاً بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزون». قال: فلم تغزوا قريشاً بعد ذلك، وكان هو يغزوها حتى فتح الله عليه مكة.
طيب، الآن سيأتي بالأشعار والقصائد التي قيلت. نأتي إلى صفحة ٣٤٣.
قال ابن إسحاق: ولما قضى شأن الخندق، يأمر بني قريظة. كان سلام بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع، من حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن كان سبب في غزوة الأحزاب وتأسيب الأحزاب هذا الرجل سلام بن أبي الحقيق.
قالت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضاً عليه، استأذنت الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر، فأذن لهم. يعني في تنافس بين الأوس والخزرج، الأوس هي التي اغتالت كعب بن الأشرف، فالخزرج تريد شرف الاغتيال، فقالت: يا رسول الله، إذاً لنا نغتال سلام بن أبي الحقيق وكان في خيبر.
قال ابن إسحاق وحدثني مسلم بن شهاب الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: وكان مما صنع الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الأنصار، الأوس والخزرج، كانا يتنافسان على طاعته سبحان الله. قال: لا تصنع الأوس شيئاً فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلاً علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام، فلا ينتهون حتى يوقعوا. ومثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئاً قالت الأوس مثل ذلك، لما أصابت الأوس كعب بن الأشرف بعداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الاغتيال، كعب بن الأشرف، فذكروا، قالوا: ابن أبي الحقيق، ما في غيره وهو بخيبر. فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فأذن لهم. فخرج إليهم الخزرج من بني سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن عدي بن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم.
خرجوا وأمر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة. فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلاً، فلم يدعوا بيتاً في الدار إلا أغلقوه على أهله. وكان في عليه له جذع نخل ينقر في مواضع منه ويجعله كالسلم.
فخرجت إليهم امرأة فقالت: من أنتم؟ قالوا: ناس من العرب نلتمس الميرا، قالت: فكذا ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه. فلما دخلنا عليه أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفاً أن تكون دونه مجاولة، أي حركة تكون بيننا وبينه. فصاحت امرأته فنوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة، يعني الرجل كان لونه أبيض في الظلام فاستطعنا أن نضربه.
ولما صاحت امرأته، جعل رجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكرونه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. فلما ضربنا بأسيافنا، تحمل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه، ويقول: «حسبي، حسبي». وكان عبد الله بن عتيك رجلاً سيئ البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئاً شديداً.
قال ابن هشام: محملناه حتى نأتي به منهم هرباً من عيونهم، فأنبتوا النيران واشتدوا في كل وجه. حتى إذا يئسوا ورجعوا إلى صاحبهم، واكتنفوه وهو يقضي أنفاسه الأخيرة. فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات؟ فقال رجل منا: أنا أذهب أنظر لكم.
فانطلق حتى دخل في الناس، فوجدها ورجال يهود حوله، وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثه وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي وقلت إن ابن عتيك بهذه البلاد، ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه ثم قالت: فاض، واله اليهود، فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي من ذلك.
ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، فأحجمنا عن صاحبنا، فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هاتوا أسيافكم»، فجئناه بها، فنظر إلى سيف عبد الله بن أنيس فقال: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام». أثر الطعام لأنه وضعه في معدته فلما أخرجه في أثر الطعام الذي في المعدة على السيف.
قال حسن بن ثابت ذكر أبيات: (ذكر أبيات عمرو بن العاص رضي الله عنه).
حبيب بن أبي أوس الثقفي قال: حدثني عمرو بن العاص -من فيه، يعني مشافهة- لما انصرفنا من مع الأحزاب، قال عن الخندق: «جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلموا، والله إني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكراً، وإني قد رأيت أمراً فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد».
يعني بدل ما يكون محمد ﷺ هو الذي يدير أمرنا، قال: «وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتيانا منهم إلا خير». قالوا: «إن هذا لراي». قلت: فأجمع ما أهديه له، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدَم. قال: فجمعنا له أدماً كثيراً، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه.
والله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقال -فقلت لأصحابي-: «هذا أمر النبي ﷺ، بعث عمرو بن أمية الضمري، هذا الرجل القوي الشجاع، إلى النجاشي من أجل موضوعين: موضوع كان زواجه من أم حبيبة، والموضوع الآخر موضوع ترتيب أمور الصحابة لحتى يبدأوا بالعودة باتجاه المدينة».
قال: «لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأيت قريشاً أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد». قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: «مرحباً بصديقي، أهديت إلي من بلادك شيئاً؟» قلت: «نعم أيها الملك، قد أهديت إليك أدماً كثيراً». قال: ثم قربت إليه فعجبه واشتهاه.
ثم قلت: «أيها الملك، إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه اقتله فإنه قد أصاب من إسرافنا وخيارنا». قال: فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسر، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقاً منه. ثم قلت له: «أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتك». قال: «تسالوني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله؟» قلت: «أكذاك هو؟» قال: «ويحك يا من أطعني واتبع، فإنه الله لا حق، ولا يظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده». قال: قلت: «أفتبايعني له على الإسلام؟» قال: «نعم»، فبسط يده فبايعته على الإسلام.
ثم خرجت إلى أصحابي وقد حل رأيي عما كان عليه، وكتّبت أصحابي إسلامه، ثم خرجت -وعمرو بن العاص طلع لأصحابه وهم مش عارفين أنه أسلم-. قال: ثم خرجت أمداً إلى رسول الله ﷺ لأسلم، فلقيت خالداً بن الوليد -وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة- فقلت: «أين يا أبا سليمان؟» قال: «والله لقد استقام الميثم، وإن رجل نبي لأذهب».
استقام الميثم، يعني وضحت الطريق يا جماعة. خالد وعمرو بن العاص طالع من مكة باتجاه المدينة، ومصادفة وجد خالد بن الوليد أيضاً طالع من مكة، قال: «وين يا خالد؟» قال: «استقام الميسر»، يعني نشضحك على حالنا، الأمور أصبحت واضحة. قال: «وإن رجل نبي لأذهب». والله أسلم، فحتى متى؟ قال: قلت: «والله ما جئت إلا لأسلم»، قال: «وأنا زيك».
قال: فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، فقلت: «يا رسول الله، إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر». قال فقال رسول الله ﷺ: «يا عمرو، بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها». قال: فبايعته.
"لا أذكر ما تأخر" يعني أنه ليس المقصود "ما تقدم وأتىخر"، يعني في النهاية أنت ستكون مؤمناً، هو قال: "أنا بس سامحونا على ما تقدم ما تأخر"، اللي رح أعمله مستقبلاً ربنا ييسره إن شاء الله. قال ابن هشام: ويقال "فإن الإسلام يمحو ما كان قبله، فإن الهجرة تمحو ما كان قبلها".
قال ابن إسحاق: وحدثني أنا أيضاً من صاحبهم في هذه الرحلة عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، خرج مع خالد وعمرو بن العاص وذهب وأسلم. فقال ابن الزبع الرسامي هنا قصيدة: وكان فتح بني قريضة في ذي القعدة ... وولي تلك الحجة المشركون
لأن مكة ما زالت تحت سيطرة المشركين. طيب، غزوة بني لحيان. قال ابن إسحاق: ثم قام رسول الله ﷺ بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع، فخرج في جمادى الأولى -على رأس ستة أشهر من فتح قريضة- إلى بني لحيان، يطلب من أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحاب... بني لحيان، النبي ﷺ لماذا خرج لهم؟ ليثأر لأصحاب الرجيع ثأراً.
لأصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه، وأظهر أنه أوهمهم أنه يريد الشام ليأتي على بني لحيان. غره طبعاً بني لحيان، هناك بني لحيان، قبيلة الهذليين.
قال فخرج من المدينة واستعمل صلى الله عليه وسلم المدينة ابن أم مكتوم. فيما قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: انسلك على غراب، غراب جبل، غراب هذا اسم طريق كأنه جبل بناحية المدينة على طريقه إلى الشام، ثم على مخيض، ثم جبل آخر، ثم على البتراء، هناك في بتراء كمان، ثم صفق ذات اليسار، فخرج على ين، ثم على صخيرات اليمام، ثم استقام به الطريق على المحجة، يعني على المكان الذي هو يقصده من طريق مكة، فأغذ السير سريعاً حتى نزل على غران، وهي منازل بني لحيان. وغران وادٍ بين أمج وعسوان إلى بلد يقابله وساه، فوجدهم قد حذروه، يعني واضح المعلومة كانت وصلتهم أن النبي عليه الصلاة والسلام جاي لهم، فكان لهم ظاهر جواسيس، فتمنعوا في رؤوس الجبال، تحصنوا في رؤوس الجبال.
قال وفما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخطأه من غرتهم -ما أراد- قال لو أنها بطن عسفان، وأخطأه من غرتهم، يعني وكان يريد يفاجئهم ما ضبطت. قال: لو أننا هبطنا عسفان لرى أهل مكة أن قد جئنا مكة. فخرج في بيت أراكب من أصحابه حتى نزل عسفان، ثم بعث فارسين من أصحابه، النبي عليه الصلاة والسلام قال ما دونا ما كسبناهم، لهؤلاء ما قدر على الأقل خلينا نخوف قريش، فنزل في وادي عسفان حتى يعطي جواسيس قريش معلومات أنه النبي عليه الصلاة والسلام لعله قاصد إلى بلادكم، نوع من التخويف، ثم بعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم، ثم كرى النبي صلى الله عليه وسلم قافلة رجع.
قال فكان جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين وجه راجعاً: «آيبون، تائبون، إن شاء الله لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل والمال».
قال: واحد الحديث عن غزوة بني لحيان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عبد الله بن كعب بن مالك في غزوة بني لحيان، غزوة ذي قرد. قال: ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فلم يقم بها إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في غطفان على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم. عيينة بن حصن هذا من غطفان، هو زعيم غطفان.
قال وفيها رجل من بني غفار وامرأة له، فقتلوا الرجل واحتملوا. أغاروا على مزارع المدينة الخارجية، وكان لقاح -أي جمال- النبي عليه الصلاة وسلم التي فيها اللبن في منطقة اسمها الغابة على قريبة من المدينة، أغاروا عليها، وفيها رجل من بني غفار مع زوجته هي التي ترعاها، فقتلوا الراعي واحتملوا المرأة وسرقوا اللقاح.
قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وعن عبد الله بن كعب بن مالك، كل قد حدث عن غزوة بني لحيان، من بعض الحديث أنه كان أول من نُذر به، أول شخص من الصحابة انتبه للواقعة ولحقهم، العداء الكبير سلمة بن الأكوع، هذا أسرع رجل في الصحابة، يعني أسرع من الأحصنة كما كانوا يقولون.
قال: سلمة بن الأكوع -أسميه غداً- يريد الغابة متفشحاً قوساً ونبلاً، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده، حتى إذا على ثنية الوداع نظر إلى بعض خيولهم، فأشرف في ناحية من سال، ثم صرخ وصباحاً، ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع، حتى صرخ وصباحاً، يعني كأنه طالع لرحلة صيد أو شيء فانتبه للواقعة، فطلع فذاً، ثم خرج يشتد صار يركض على رجليه في آثار القوم، وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم، فجعل يردهم بالنبل ويقول: «إذن رمى خذها، أنا ابن الأكوع، اليوم اليوم، اليوم يوم الرضاعة، اليوم يوم الرضع». يعني اليوم يوم الهلاك، اليوم سأستويكم.
فإذا وجهت الخيل نحو فلحقهم وهو يركض فرماهم بالنبل، فإذا رماهم بالنبل كروا عليه وهو يهرب، فلما يتركوه ويرجعوا، يرجع يحقهم، يعني اشتغل فيهم بهذه الطريقة. قال: فإذا وجهت الخيل نحو انطلق هارباً ثم عرضهم، فإذا كانوا رمى ثم قال: «خذها، وأنا ابن الأكوع، اليوم يوم الرضع». فيقول قائلهم: «أويكعنا هو أول النهار؟».
وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الأكوع، فصرخ بالمدينة: «الفزع الفزع»، فترامت الخيول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أول من انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرسان المقداد بن عمرو، الذي يقال له المقداد من الأسود حليف زهرة، ثم كان أول فارس وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المقداد من الأنصار عباد بن بشر، ثم سعد بن زيد وأسيد بن ظهير، وعكاشة بن محصن، ومحرز بن نضلة، وأبو قتادة الحارث بن عياش أخو بني سلمة، وأبو عياش أخو بني زريق.
فلما اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد، ثم قال: اخرج في طلب القوم حتى تلحق بالناس. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني عن رجال من بني زريق لأبي عياش: «يا أبا عياش، لو أعطيت هذا الفرس رجلاً هو أفرس منك»، فلحق بالقوم. قال أبو عياش: فقلت: يا رسول الله أنا أفرس الناس، وضربت الفرس، فوالله ما جرى بخمسين ذراعاً حتى طرحني. قال: يا رسول الله أنا أفرس الناس، ركب الفرس خمسين ذراعاً ولا هو واقع عن الفرس، فعجبته أن النبي صلى الله عليه وسلم عارف إمكانياته.
قال له: يا أبا عياش، أعطِ الفرس لرجل أقوى منك. طبعاً الصحابي هذا كأنه أخذ على خاطره وسلم، مش شايفني فارس؟ قال: أنا أفرس؛ ما شال خمسين ذراعاً ووقع عن الفرس! قال له: مش قلت لك أعطِ الفرس لواحد خيال؟ فقال: فعجبت أن النبي ﷺ لو أعطيته أفرس منك، وأنا أقول أنا أفرس الناس! يعني النبي عليه الصلاة والسلام متفرس فيه وعارف من شأنه أنه ليس بخيال.
قال: فزعم رجال من بني زريق أن رسول الله ﷺ أعطى فرس أبي معاذ بن ماص، أو عايدة بن ماص بن خيس بن خلد، وكان ثامناً، وبعض الناس يعد سلمه بن الأكوع أحد الثمانية، ويطرح أسيد بن ظهير أخا بني حارثة، والله أعلم، ذلك كان، ولم يكن البعض يضع الأسماء، يطرح هذا الاسم ويضع مكانه اسماً آخر، فالله أعلم.
قالوا: ولم يكن سلمة يومئذ فارساً، يعني سلمة بن الأكوع كان على رجليه يركض، ما كان معه فرس. قال: وقد كان أول من لحق بالقوم على رجليه، فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا. قال ابن إسحاق: وحدثني عاص بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة أخو بني أسد بن خذي، كان المهزن الأخرم يقال له قمير.
إن الفزع لما كان جال فرس لمحمود بن مسلمة في الحائط حين سمع صاهل الخيل، وكان فرساً صنيعاً جاماً، فقال نساء بني عبد الأشهل: حين رأينا الفرس يجول في الحائط بجذع نخل هو مربوط به: يا قمير، هل لك أن تركب هذا الفرس فإنه كما ترى، ثم تلحق برسول الله ﷺ وبالمسلمين؟ قال: نعم، فأعطيناه إياه، فخرج عليه فلم يلبث أن بذ الخيل بجمامه حتى أدرك القوم فوقف لهم بين أيديهم.
قال: بذ الخيل بجمامه أي سبقها بنشاطه. ثم قال: «قفوا يا معشر بني كيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم المهاجرين والأنصار». قال: وحمل عليه رجل منهم فقتله، وجال الفرس ولم يقدروا عليه حتى وقف على أريعة في بني عبد الأشهل، فلم يقتل من المسلمين غيره.
قال ابن هشام: قتل يومئذ من المسلمين مع محرز وقاص بن مجزز المدلجي فيما ذكر غير واحد من أهل العلم. قال ابن إسحاق: وكان اسم الفرس محموداً، قال ابن هشام: وكان اسم الفرس سعد بن زيد، واسم فرس المقداد بعزجة ويقال سبحة، وفرس عكاشة بن محصن ذو اللمة، وفرس أبي قتادة حزوة، وفرس عباد بن بشر لماع، وفرس سيد بن ظهير مسنون، وفرس أبي عياش جلوة. كانت العرب تحب تسمية خيولها وأمتعتها.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض من أثنى عن عبد الله بن كعب بن مالك أن محرزاً إنما كان على فرس عكاشة بن محصن يقال له الجناح، فقتل محرز واستُلب الجناح. قتل هذا الصحابي في هذه الغارة.
قال: ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة الحارث المرعّي بن ربعي أخا بني سلمة، حبيبة بن عيينة بن حسن، وغشاه. سيدنا أبو قتادة كان من الفرسان، لحق واستطاع أن يقتل حبيب بن عيينة بن حسن، ذاك المشرك، وغشاه برده. يعني أبو قتادة عنده فلسفة معينة في السلب؛ فهو عارف أنهم ستة وسبعة وهم يلاحقون، فكان كلما قتل قتيلاً من جماعة، عينه ووضع عليه قطعة له حتى يثبت أن هذا أنا الذي قتلته، ليأخذ سلبه فلا يأخذه صحابي آخر، فقتل أولاً أبو قتادة حبيبة بن عيينة وغشاه برده، بعدين لحق بالناس وأقبلها رسول الله ﷺ في المسلمين.
قال: واستعمل على المدينة من أم مكتوم من هشام، فإذا حبيب مسيج ببرد أبي قتادة استرجع الناس وقالوا: قتل أبو قتادة. النبي ﷺ والمهاجرون والأنصار بدأوا يتحركون من المدينة باتجاه عيينة بن حصن، فشافوا برد أبي قتادة وألقى وتحته جثته، فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. واضح أن أبا قتادة استشهد، فقالوا: قتل أبو قتادة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس بأبي قتادة»، النبي ﷺ فاهم عقله، «ولكنه قتيل لأبي قتادة»، وضع عليه برده لتعرفوا أنه هو صاحبه حتى نعطيه سلبه.
قال: وأدرك عكاشة بن محصن أوباراً وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد، فانتظمها بالرمح فقتلهما جميعاً. عكاشة بن محصن قتل اثنين برمح واحد، انتظمها جميعاً بالرمح فقتلهما بضربة واحدة. واستنقذوا بعض اللقاح، بعض جمال النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالجبل من ذي قرد، ووصل إلى جبل ذي قرد وبه سميت الغزوة، غزوة ذي قرد. وتلاحق به الناس فنزل رسول الله ﷺ به وأقام عليه يوماً وليلة، فقال له سلمة الأكوع: يا رسول الله، لو صرختني في مئة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بعناق القوم. فقال له رسول الله ﷺ: «فيما بلغني أنهم الآن يلغبون في غطفان»، يعني يا سلمة ترى وصلوا لغطفان، وصلوا لقبيلتهم، الآن يلغبون أي يعشون، هم وصلوا بالجمال للقبيلة وهم يتعشون فيها.
قال: فقسم رسول الله ﷺ في أصحابه، في كل رجل جزورته، وأقاموا عليها، ثم رجع رسول الله ﷺ، النبي عليه الصلاة والسلام ذبح مجموعة من الجزر حتى يكلوا الصحابة في هذا اليوم، ثم رجع النبي ﷺ قافلاً حتى قدم المدينة.
قال: وأفلتت امرأة الغفارية على ناقة من إبل رسول الله ﷺ حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر. الآن نحن نمر معنا أنه في بداية المعركة عيينة بن حصن أخذ الجمال، وأخذ معها امرأة الراعي، زوجة الراعي معهم، وهي امرأة من بني غفار، استطاعت أن تفلت هذه الناقة، هذه المرأة استطاعت أن تفلت من قيدها وتركب ناقة النبي ﷺ القصواء وهربت بها باتجاه المدينة. وأفلتت امرأة الغفارية على ناقة النبي ﷺ حتى قدمت عليه فأخبرته الخبر، فلما فرغت قالت: يا رسول الله، بس أنا عندي شغلة، إني كنت نذرت أنحر هذه الناقة إن نجاني الله عليها، فتبسم النبي ﷺ ثم قال: «بئس ما...»
جزيتها إن حملك الله عليها ونجاك بها، ثم تنحرينها. إنه لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا تملكين. إنما هي ناقة من إبلي، هي ناقة للنبي عليه الصلاة والسلام. ارجعي إلى أهلك، الله يسهل عليك على بركة الله.
والحديث عن امرأة الغفاري وما قالت، وما قال النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي الزبير المكي عن حسن البصري. هنا ذكر قصائد قيلت في هذه الغزوة؛ قصائد لحسان ولكعب بن مالك. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل