استبداد قوم من خزاعة دون كنانة بولاية البيت. قال ابن إسحاق: ثم إن غبشان من خزاعة ولوا البيت دونك بني بكر بن عبد مناة، وكان الذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني. وقريش إذذاك حلول وسهب وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة، فوليت خزاعة البيت ويتوارثون ذلك كابراً كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب عمرو الخزاعي.
قال: تزوج قصي بن كلاب حبا بنت حليل. ثم إن قصي بن كلاب خطب إلى حليل بن حبشية ابنته حبا، رغب فيه حليل فزوجه، فولدت له عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبد. إذا حليل وهو آخر ملوك بني خزاعة في مكه زوج ابنته حبا لقصي بن كلاب، فقصي أنجب منها أربعة منهم عبد مناف جد النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: فلما انتشر ولد قصي وكثر ماله وعظم شرفه، هلك حليل، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة بأمر مكة من خزاعة وبني بكر، وأن قريش فرات إسماعيل بن إبراهيم وصريح ولاده. فكلم رجال من قريش وبني كنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة فأجابوه. وكان ربيعة بن حرام بن عذرة بن سعد بن زيد قد قدم مكة بعد هلك كلاب فتزوج فاطمة بنت سعد بن سيل، وزهرة يومئذ رجل وقصي فطيم، فاحتملها إلى بلاده فحملت قصي معها، وأقام زهرة ولدت لربيعة رزاحاً. فلما بلغ قصي وصار رجلاً -زهرة هو أخو قصي طبعا، لأنه قلنا كلاب جاب اثنين قصي وزهرة-.
قال: أقام بها، فلما أجاب وقوموا إلى ما دعاهم إليه، كتب إلى أخيه من أُمّه رزاح بن ربيعة يدعوه إلى النصرة والقيام معه. خرج رزاح بن ربيعة ومعه إخوته حن بن ربيعة ومحمود بن ربيعة وجلهمه بن ربيعة، وهم لغير فاطمة في من تبعهم القضاعة في حاج العرب، وهم مجمعون لنصر قصي. وخزاعة تزعم أن حليلاً بن حبشية أوصى بذلك قصياً وأمره به حين انتشر له من ابنته من ما انتشر، وقال: أنت أولى بالكعبة وبالقيام عليها وبأمر مكة من خزاعة. فعند ذلك طلب قصي ما طلب، ولم أسمع ذلك من غيرهم، فالله أعلم أكان ذلك.
قال: ما كان إليه الغوث بن مر من الإجازة للناس بالحج. وكان الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة، والده من وولده من بعده، كان يقال له ولوالده صوفة. وإنما ولي ذلك الغوث بن مر أن أَمّه كانت امرأة من جرهم -يعني هو كان المسؤول عن الحج، ما معنى الإجازة؟ يعني كانه أمير موسم الحج، هو الذي ينزل الناس من عرفة إلى مزدلفه-.
قال: وإنما ولي ذلك الغوث بن مر أن أَمّه كانت امرأة من جرهم، وكانت لا تلد، فنذرت لله إن هي ولدت رجلاً أن تتصدق به على الكعبة عبداً لها يخدمها ويقوم عليها، فولدت الغوث -كما تصدقت أُم مريم بمريم للبيت بابنها للبيت البيت المقدس-.
قال: فكان يقوم على الكعبة في الدهر الأول مع أخواله من جرهم، فولي الإجازة بالناس من عرفة لمكان الذي كان به من الكعبة ولدهم من بعده حتى انقرضوا، فقال مر بن أد في نذير أمه: اني جعلت اني جعلت ربي من من بنيه ربيصة بمكة الآلية فبارك لي بها إليه واجعلهم لي من صالح البرية
-الآلية هي الحلف واليمين-. وكان الغوث بن زعم إذا دفع بالناس قال: اللهم إني تابع تباعة، إن كان إثم فعلى قضاعة. قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد، قال: كانت صوفة تفعل بالناس من عرفة وتجز بهم إذا نفروا من منى؛ إذا كان يوم النفر أتوا لرمي الجمار، والرجل من صوفة يرمي للناس لا يرمون حتى يرمي. فكان ذو الحاجات متعجلون يأتونه فيقولون له: قم فارمي حتى نرميه معك. فيقول: لا والله حتى تميل الشمس. فيظل ذو الحاجات الذين يحبون التعجل يرمونه بالحجارة، يستعجلونه بذلك، ويقولون له: ويلك قم فارمي. فيبى عليهم، حتى إذا مالت الشمس -الناس بترميه بالحجارة، قوم خلصنا خلينا نرمي الجمرة ونروح لهذا الرجل-.
قال ابن إسحاق: فاذا فرغوا من رمي الجمار وأرادوا النفرة، أخذت صوفة جانبي العقبة فحبسوا الناس وقالوا: أجيذي صوفة، فلم يجيز أحد من الناس حتى يمر. فاذا نفذت صوفة ومضت، خلّي سبيل الناس فانطلقوا -صوفة اللي منهم هذا الغوث، وهو الغوث من بني صوفة وهو المسؤول عن قضية إدارة موسم الحج، كما قلنا بيروح مع الناس بخليهم يرموا، بينتقل بهم من مكان إلى مكان حتى ينهوا المشاعر-.
قال: فكانوا كذلك حتى انقرضوا، فوارثهم ذلك من بعدهم بالقعد بنو سعد بن زيد بن مناة بن تميم. وكان من بني سعد في آل صفوان بن الحارث بن شجنة، وقال ابن هشام: صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. قال ابن إسحاق: فكان صفوان هو الذي يجيز للناس من الحج من عرفة ثم بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام كريم بن صفوان، وقال مغراء السعدي: لا يبرح الناس ما حجوا بمعرفهم حتى يقال أُجيز آل صفوان
قال ابن هشام: هذا آل صفوان هم اللي كانوا مسؤولين بعد ذلك عن موسم الحج، يعني بعد آل صوفة انتقل الأمر في إدارة موسم الحج إلى آل صفوان.
قال: ما كانت عليه عدوان من إفاضة المزدلفة. وأما قول ذي الأصبع العدواني، واسمه حرثان بن عمرو: عذير الحي من عدوان كانوا حية الأرض، بغى بعضهم ظلماً فلم يبيات -وهذه الابيات بعضها راح أصیر أتجاوزها لحتى نُنجز، في أبيات قصيدة للحارث بن عمرو-.
قال: وهذه الأبيات في قضية اللهف، لأن الإفاضة من المزدلفة كانت في عدوان فيما حدثني زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق، يتوارثون ذلك كابراً عن كابر حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو سيارة عميلة بن الأعزل، فيه يقول شاعر من العرب: نحن دفعنا عن أبي سيارة وعن بني فزاره
إلى آخره. وكان أبو سيارة يدفع بالناس إلى على أتان له، فلذلك يقول حماره.
قال أمر عامر بن ضرب بن عامر بن أياد بن يشكر بن عدوان بن عدوان. قال ابن إسحاق: وقومه حكم يقضي -يعني عامر بن ظرب العدواني، وكانت العرب لا يكون بينها نائرة ولا عطلة في قضاء إلا أسندوا ذلك إليه، ثم رضوا بما قضى فيه-. فاختصم إليه في بعض ما كانوا يختلفون فيه في رجل خنثى له مال الرجل وله مال المرأة تجعله له -يعني له العضو الذكري والعضو الأنثوي، اختصم إلى هذا الرجل في رجل خنثى-.
قالوا: نخليه رجل ولا امرأة؟ قال: ولم ياتوه بأمر كان أعظمين، فقال: حتى أنظر في أمركم، فوالله ما نزل به مثله، هذا هذه منكم يا مشار العرب -هذا الرجل أول مرة بتيجي عليه قضية خنثى، مع قال لك والله أعلم شو بدي أساوي-.
قال: فاستأخر عنه فبات ليلته سائراً يقلب ساهراً يقلب أمره وينظر في شأنه لا يتوجه له منه وجه. وكانت له جارية قالوا لها سخيلة، هي ترعى عليه غنماً، فكان يعاتبها إذا سرحت فيقول: صبحت والله يا سخيل، وإذا راحت عليه قال: مسيت والله يا سخيل -يا سخيل هذا من باب الترخيم يعني يا سخيلة-.
قال: وذلك أنها كانت تؤخر السرحة حتى يسبقها بعض الناس، وتأخر الإراحة حتى يسبقها بعض الناس. فلما رات سهره وقلة أقراره على فراشه قالت: مالك لا أبى لك، ما عراك في ليلتك هذه؟ قال: ويلك دعيني، أمر ليس من شأنك. ثم عادت له بمثل قولها، فقال في نفسه: عسى أن تأتي مما أنا فيه بفرج. قال: ويحك، اختصم إلي في ميراث خنثى، أجعله رجلاً أو امرأة؟ فوالله ما أدري ما أصنع وما يتوجه لي فيه وجه. قال: قالت: سبحان الله لا أباً لك، اتبع القضاء المبال! اقعده انظر من أين يبول؛ إذا كان يبول من العضو الذكري خليه ذكر، وإذا كان يبول من العضو الأنثوي خليه أنثى، اتبع القضاء المبال -يعني من المكان اللي ببول منه أحكم فيه-.
قال: مسي سخيل بعدها أو صبحي فرجت فرجتها والله. ثم خرج على الناس أصبح، فقضى بالذي أشارت به عليه.
قال غلَب قصي بن كلاب على أمر مكة وجْمَة أمر قريش ومعونة قضاعة له. قال ابن إسحاق: فلما كان ذلك العام، فعلت صوفة كما كانت تفعل، وقد عرفت ذلك لها العرب هو دين في أنفسهم في عهد جرهم وخزاعة وولايتهم. فآتاهم قصي بن كلاب من معه من قومه من قريش ومن كنانة وقضاعة عند العقبة فقال: لا، نحن أولى بهذا منكم. فقاتلوه، فاقتتل الناس قتالاً شديداً -إذاً الآن قصي بن كلاب بده يقاتل بني صوفة، لأنه بني صوفة كما قلنا الآن نرجع لهم هم اللي كانوا مسؤولين عن إدارة موسم الحج-. فقال: لا نحن أولى بهذا منكم -طبعا هي لا هذه زائدة للتأكيد، يعني لا نحن أولى بهذا منكم، هذه مش نافية، هذه لا للتأكيد، يعني نحن أولى بإدارة موسم الحج منكم يا بني صوفة-. فاقتتل الناس قتالاً شديداً.
ثم انهزمت صوفة وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم من ذلك، والحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن قصي، وعرفوا أنه سيمنعهم كما منع الصوفة، وأنه سيحول بينه وبين الكعبة وأمر مكة. فلما حازوا عنه باداهم وأجمع لحربهم، وخرجته خزاعة وبنو بكر عرفوا أن قصي بن كلاب ناوي يعمل انقلاب عسكري في مكة لما قاتل بني صوفة؛ قال هذا بلش ببني صوفة ما رح يوقف، رح يعمل انقلاب عسكري وينهينا جميعاً. فبنو خزاعة وبنو بكر تحالفوا مع بعضهم البعض، وفعلاً بدأ قصي بن كلاب أيضاً يقاتلهم.
قال: ثم إنهم تدعوا إلى الصلح وإلى أن يحكم بينهم رجلاً من العرب، فحكموا يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فقضى بينهم أن قصياً أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة -حكموا رجل، رجل حكم لقصي أنه أولى بالكعبة من خزاعة-.
قال: وأن كل يوم أصابه قصي من خزاعة وبني مكة موضوع يشدخه تحت قدميه، وما أصابت خزاعة وبني بكر -يعني ما في عليه يدفع الدية، أي واحد قتلته يا قصي ما تدفعش في الحكم، يعني أي واحد قتلته يا قصي أنت خلاص يعني اعتبره هدر ما عليك تدفع الدية-. وأن ما أصابت خزاعة وابن بكر من قريش ومن كنانة وقضاعة فعليهم يدفعوا الدية، وأن يخلى بين قصي وبين مكة والكعبة.
فسمي عمر بن عوف يومئذ الشداخ لما شدخ من الدماء وضع منها. قال ابن هشام: ويقال الشداخ -أصبح لقب الشداخ هذا يعمر-. قال ابن هشام: ويقال الشداخ بفتح الشين.
قال ابن إسحاق: فولي قصي البيت وأمر مكة، وجمع قومهم من منازلهم إلى مكة وتملك على قومهم أهل مكة فملكوه، إلا أنه قد أقر العرب ما كانوا عليه، وذلك أنه كان يرى ديناً في نفسه لا ينبغي تغييره، فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومُرَة بن عوف على ما كانوا عليه حتى جاء الإسلام، فأدّم الله تعالى به ذلك كله. فكان قصي بن كلاب ما تجاوز هذا الحد، فأقر كل واحد على عاداته وتقاليده -يعني آل صفوان خلاهم مسؤولين على موسم الحج، بعدين النساة على خلاهم يلعبوا في الأشهر الحرم زي ما بدهم، أبقى العادات والتقاليد كما هي-.
فكان قصي أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكاً أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فهذا شرف مكة كلها. وقطع مكة رَباعاً بين قومه فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة التي أصبحوا عليها، ويزعم الناس أن قريش أنهابوا قطع شجر الحرم في منازلهم فقطعه قصي بيده وأعوانه، فسمته قريش مجمعاً لما جمع من أمرها، وتماوت بأمره، فما تنكح امرأة ولا يزوج رجل، قريش يسورون في أمر نزل بهم ولا يقودون لحرب قوم من غيرهم إلا في داره، يقيده لهم بعض ولده، وما تدرع جارية إذا بلغت أن تدرع من قريش إلا في داره، يشق عليها فيها درع عليها فيها درع ها، ثم تدرع، ثم ينطلق بها إلى أهلها. فكان أمره في قومه من قريش في حياته من بعد موت كالدين المتبع لا يعمل بغيره، واتخذ إلى نفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها.
قال ابن هشام: وقال شاعر قصي لامر كان يدعى مجمعا؛ به جمع الله القبائل من فهر. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الملك بن راشد عن أبيه قال: سمعت سائب بن خباب صاحب المقصورة يحدث أنه سمع رجلا يحدث عمر بن الخطاب وهو خليفة حديث قصي بن كلاب وما جمع من أمر قومه، وإخراجه خزاعة وبني بكر من مكة، وولاية البيت، وأمر مكة، فلم يرد ذلك عليه ولم ينكره.
قال ابن إسحاق: ولما فرغ قصي من حربه انصرف أخوه رزاح بن ربيعة إلى بلاده بما معه من قومه. قال رزاح في إجابة قصي قصيدةً -طبعا ذكر قصيدة طويلة مش موضوعنا-. وقال ثعلبة بن عبد الله القضاعي أيضا في قضية قصي بن كلاب وكيف أتم الله له النصر، وقال كذلك قصي بن كلاب قصيدة.
فلما استقر رزاح بن ربيعة في بلاده نشره الله تعالى ونشر حنا، فهما قبيلة عذرة اليوم. وقد كان بين رزاح بن ربيعة حين قدم بلاده وبين نهد بن زيد وحوتكة بن أسلم وما بطنان من قضاعة شيء، فأخافه حتى ألحق باليمن وجلّ من بلاد قضاعة، فهم اليوم باليمن. فقال قصي بن كلاب وكان يحب حنا -هذا مين هو حنا؟ هو أخوه كأنّه، لأنه قبل قليل لما ذكر أولا إخوانه من أمه- يا رب مش ذكر اللي فزعوا له؟ طيب يعني هذا أظنه أخوه نعم أخو رزاح، فهما قبيلة عذرة اليوم يعني قبيلة عذرة الموجودة إلى يومنا هذا هم من أولاد رزاح وحن.
قال فقال قصي بن كلاب وكان يحب قضاعة ونمائها واجتماعها ببلادها؛ لما بينه وبين رزاح من الرحم، ولبلائهم عنده إذا أجابوه إذا دعاهم إلى نصرة، وكرمها ما صنع بهم رزاح، إلى آخر ما قال ابن هشام. وهذه الأبيات لزهير بن جلال الكلبي.
قال ابن إسحاق: فلما كبر قصي ورقّ أمه، وكان عبد الدار أبكره، وكان عبد مناف قد شرف في زمان أبيه وذهب كل مذهب، وعبد العُزّى أو عبد؛ قال قصي لعبد الدار: أما والله يا بني لألحقنك بالقوم وإن كانوا قد شرفوا عليك؛ لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له. يعني قصي حكينا عنده أربعة أولاد: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبد؛ هذول الثلاث ضبطت أمورهم وامتلكوا الشرف في مكة بس عبد الدار هو أكبرهم ما كانت ضابطة معه الأمور، فأبوه قال له: لألحقنك بإخوانك وأرفعن منزلتك. فجعل ماذا؟ قال: لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له. فأصبحت حجابة الكعبة في يد من؟ في يد عبد الدار ومن أولاده.
قال: ولا يقلقريش لواء للحرب إلا أنت بيدك. واصبح أيضا لواء الحرب في مين؟ في عبد الدار، ولذلك هي بتفيدك كمان في غزوة بدر، أحد قريش من كان يحمل لواها في المعارك؟ بنو عبد الدار، إنه هذا قصي بن كلاب أعطاه لابن عبد الدار منذ القدم.
قال: ولا يشرب الرجل من مكة إلا من سقايتك. فأعطاه السقاية. ولا كل أحد من أهل الموسم طعام إلا من طعامك. ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في ذلك. فأعطاه دار الندوة التي لا تقضي قريش أمرا إلا فيها، وأعطاه الحجابة واللواء والسقاية والرفادة.
وكانت الرفادة خرجا تخرج قريش؛ فالحجابة هي مسؤولية الكعبة، واللواء هو في الحروب، والسقاية هي سقاية الماء، والرفادة هي إطعام الطعام. كل هذه الأربعة أعطاها قصي لبن عبد الدار.
ولو كانت الرفادة خرجا تخرج قريش في كل موسم أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به طعام للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد. وذلك أن قصي فرضوا على قريش، فقال لهم حين أمر بها: يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، الحاج ضيف الله وزوار بيته، وما حق الضيف بالكرامة! فجعل لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم. ففعلوا، فكانوا يخرجون لذلك في كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليهم فيصنعوه طعاما للناس أيام منى. فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه، حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطاعم الذي يصنعه السلطان كل عام بمنّ للناس حتى ينقضي الحج.
قال ابن إسحاق: حدثني بهذا من أمر قصي بن كلاب وما قال لعبد الدار فيما دفع إليه مما كان بيده، أبي إسحاق بن يسار، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، قال: سمعت يقول ذلك لرجل من عبد الدار يقال له نبيه بن وهب بن عامر بن أكنمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. قال الحسن: فجعل إليه قصي كلما كان بيده من أمر قومه، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه.
قال ذكر ما جرى من اختلاف قريش بعد قصي وحلف المطيبين. قال ابن إسحاق: ثم إن قصي بن كلاب هلك، فأقام أمراً في قومه بنوه من بعده، فخطط مكة رباعا بعد الذي كان قطع لقومه بها، فكانوا يعطونها في قومهم وفي غيرهم من حلفائهم ويبيعونها. فأقامت على ذلك قريش معهم ليس بينهم اختلاف ولا تنازع.
ثم إن بني عبد مناف بن قصي -عبد شمس، وهاشما، والمطلب، ونوفلا- اجمعوا أن يأخذوا ما بايدي بني عبد الدار بن قصي من مكان قوله. إذا عبد مناف بن قصي مر معنا انه عبد مناف أنجب مجموعة أربعة أولاد صحيح اللي هن مين؟ هاشم، والمطلب، وعبد الع... هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس، هؤلاء أولاد عبد مناف أجمعوا أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار؛ إنه قصي مش رفع عبد الدار وأعطاه الحجابة والرفادة؟ أولاد عبد مناف مش عاجبهم هي القضية، وبدأ الخلاف بين أولاد العم.
قال: بما كان قصي جعل إلى عبد الدار من الحجابة واللواء والسقاية والرفادة، وراء أنهم أولى بذلك منهم لشرفهم عليهم ولفضلهم في قومهم. وتفرقت في ذلك قريش، فكانت طائفة مع بني عبد مناف على رأيهم يرون أنهم أحق به من بني عبد الدار مكان في قوم مكان، وطائفة مع بني عبد الدار يرون أنه لا ينزع منهم مكان قصي جعل إليهم.
فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس بن عبد المناف، وذلك أنه كان أسن بني عبد المناف. وكان صاحب أمر بني عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد المناف بن عبد الدار. فكان بنو أسود بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن نضر مع بني عبد المناف. وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص، وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار. إذا صار في استقراء في مكة ناس مع عبد مناف ومع أولاد عبد مناف، وناس مع أولاد عبد الدار.
ولمّا خرجت عمرو بن لحيّ ومحارب بن فهر، فلم يكونوا مع واحد من الفريقين. وفي ناس طلعت قالت: إحن لسنا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.
قال: فأخذ كل قوم على أمرهم، حلفاً مؤكداً على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً بل ما بلّ بحر صوفة. هذه يعني هي من العبارات التي تدل على الأبديات، يعني كيف ما مشت العيس إلى الكعبة ما فينا رمق؟ ما بلّ بحر صوفة يعني هذا إلى الابد.
قال: فأخرج بني عبد الدار جفنة مملوءة طيبا، فيزعمون أن بعض نساء بني عبد الدار أخرجتها لهم فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها فتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفائهم ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكداً على أنفسهم، فسموا المطيبين. فهؤلاء هذا يسمى حلف المطيبين، طلعوا لهم جفنة ووضعوا أيديهم فيها هم عبد مناف وأحلافهم أنه أنا للموت مع بعضنا البعض.
قال: وتعاقد بنو عبد الدار وتعاهدوا وحلفائهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على ألا يتخاذل ولا يسلم بعضهم بعضا، فسموا الأحلاف. كيف اليوم عندك حلف شماء الأطلسي وحلف نيتو؟ تقول عندك حلفين، نفس الشيء صار فيك حلفين: حلف المطيبين جماعة عبد مناف وأحلافهم، وحلف اسمه الأحلاف هذول بنو عبد الدار وأحلافهم. هيك صارت مكة منقسمة.
قال: ثم سند بين القبائل ولز بعضها ببعض، فعُبّئت بنو عبد مناف لبني سهم، وعُبّئت بنو أسد لبني عبد الدار، وعُبّئت زهرة لبني جمح، وعُبّئت بنو تيم لبني مخزوم، وعُبّئت بنو الحارث بن فهر لبني عدي بن كعب. وقالوا: لتغني كل قبيلة من أسند إليها. فبين الناس على ذلك قد أجمعوا إلى الحرب؛ إذ تداعوا إلى الصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا ورضي كل واحد من الفريق بذلك، وتحجّ حبر مصالحة، وقرروا أن يقتسموا، وعبد مناف ياخذوا بعض الامور وبني عبد الدار تبقى بايديهم بعض الامور.
قال: وثبت كل قوم مع من حالفوا، فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله تعالى بالإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة». الإسلام أقرّ هذا التقسيم على ما هو عليه.
قال ابن هشام: وأما حلف الفضول فحدثني زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق قال: تداعت قبائل بنو قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي لشرفه وسنّه. فكان حلفهم عنده: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة. فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائل الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد إليه مظلمته. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. وهذا حلف النبي صلى الله عليه وسلم امتدحه لأنه يقوم على نصرة المظلومين.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بإسناده، قال صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت».
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي الليثي، عن محمد بن إبراهيم بإسناده أنّه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان -والوليد يومئذ أمير المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان- منازعة في مال كان بينهما بذي المروة. فكان الوليد تحامل على الحسين رضي الله عنه في حقه لسلطان، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لأخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لأدعون بحلف الفضول.
قال: فقال عبد الله بن الزبير وهو عند الوليد حين قال الحسين ما قال: وانا أحلف بالله لإن دعى به لأخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي. والمقصود بهذه القصة إثبات أن حلف الفضول كان معروفاً عند الصحابه، ولذلك كانوا يتذكرونه ويستحضرونه في مثل هذه المواقف.
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة الهادي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: قدم محمد بن جبير بن مطعم عن ابن نوفل بن عبد المناف، وكان محمد بن جبير أعلم قريش على هذا الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان حين قتل ابن الزبير واجتمع الناس على عبد الملك. قال: فلما دخل عليه قال: يا أبا سعيد، ألم نكن نحن وأنتم -يعني بني عبد شمس بن عبد المناف وبني نوفل بن عبد المناف- الفضول؟ قال: أنتم أعلم. قال عبد الملك: لا تخبرني يا أبا سعيد بالحق من ذلك. قال: لا والله لقد خرجنا نحن وأنتم منه. قال: صدقت.
قال ثم خبر الفضول. قال ابن إسحاق: عليه الرفادة والسقاية هاشم بن عبد المناف، وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفارا قلّ ما يقيم من مكة، وكان مقلاً ذا ولد، وكان هاشم موسراً. فكان فيما يزعمون إذا حضر الحج وقام في قريش فقال: معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته، وأنه يأتيكم في هذا الموسم زوار الله وحجاج بيته وهم ضيف الله، وأحفظ الضيف بالكرامة ضيفه؛ فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم طعاما أيامكم هذه التي لا بد لهم من الإقامة لها، فانه والله لو كان مالي يسع لذلك ما كلفْتُكُموه. فيخرجون لذلك خرجا من أموالهم لكل امرئ بقدر ما عنده، فيصنع للحجاج طعاماً حتى يصدرون.
من هنا سمي هاشم أو لقب بهاشم، لأنه كان يهشم الثريد للحجاج وأهل مكة.
قال وكان هاشم فيما يزعمون أول من سن الرحلتين لقريش، من رحلة الشتاء والصيف. أول من سن رحلة الشتاء والصيف هاشم نعم. قال وإنما كان اسمه عمراً، فما سمي هاشماً إلا بهشمه الخبز بمكة لقومه. فقال شاعر قريش من بعض الأعراب: عمرو الذي هشم الثريد لقومه... قوم بمكة مسنت عجافي. سنت إليه الرحلتان كلاهما... سفر الشتاء ورحلة الأصياف. قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بشعر من أهل الحجاز قوله: قوم بمكة مسنت عجافي.
قال ابن إسحاق: ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة من أرض الشام تاجراً، فولي السقاية... هاشم مات في مدينة غزة سبحان الله نعم. قال فولي السقاية والرفادة من بعده المطلب بن عبد مناف، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف في القوم بفضل، وكانت قريش إنما تسميه الف... بعد أن مات هاشم أخوه المطلب تولى السقاية والرفادة، وكان ذا شرف ضيف.
وقال وكان هاشم بن عبد مناف قدم المدينة فتزوج سلمى بنت عمر أحد بني عدي بن النجار، وكانت قبله عند أحيحة بن الجلاح بن الحريش. قال: مر معنا أن هاشم تزوج امرأة من أهل المدينة من بني النجار نعم. قال ابن جحجب بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، فولدت له عمراً، أو أحيحة، وكانت لا تنكح رجال شرفها في قومها حتى يشرطوا لها أن أمرها بيدها، إذا كرهت رجلاً فارقته.
هذه المرأة كانت إذا تزوجت قد تقول الطلاق بيدي مش بييدك أنت كرجل تمام وتأثر بالحركة النسوية تمام، فكان الأمر موضوع عندها، بتقول بتزوجني حياك الله تزوجني عاد الأمر عندك نعم. قال فولدت لهاشم بن عبد المطلب فسمته شيبة، فتركها هاشم عندها حتى كان وصيفاً، ثم خرج إليها. فهي التي ولدت إذن شيبة الحمد، اللي هو عبد المطلب نعم.
قال ثم خرج إليه عمه المطلب ليقبضه فيلحقه ببلده وقومه، فقالت له سلمى: لست بمرسله. حكينا هاشم مات في غزة، وكان ابنه عبد المطلب وين؟ في المدينة مع أمه. فالمطلب اللي هو أخو هاشم راح من مكة على المدينة حتى يحضر ابن أخوه، ويعني ويكون معهم في مكة، فأمه واضح أنها قوية هذه سلمى قالت: لا أنا ما برجعه معك على مكة طيب.
قال فقال له المطلب: إني غير منصرف حتى أخرج به معي، إن ابن اخي قد بلغ وهو غريب في غير قومه، ونحن أهل بيت شرف في قومنا، وكثيراً من أمرهم وقومه عشيرته وبلده خير له من الإقامة في غيرهم أو كما قال. وقال شبة عبد المطلب فيما يزعمون: لست بمفارقها إلا أن تأذن لي، فأذنت ل... شيبة الحمد واقف مع أمه طيب. قال فأذنت له ودفعته إليه، فاحتمله فدخل به... آخر شيء وافقت المرأة ودفعت طيب.
قال مرتفعة معه على بعيره، فقالت قريش: عبد المطلب... ابتغى بها، فسمى شيبة. دخل المطلب مكة ورأى شيبة الحمد، الناس شو فكرت شيبة الحمد؟ مش عارفينه. قالوا: هذا عبد اشتراه المطلب، عبد المطلب. الناس فكرت إن المطلب شاري عبد، قالوا: هذا عبد المطلب. من هنا راحت عليه، أصبح شيبة الحمد اسمه إيش؟ عبد المطلب. فهنا العبد مش بمعنى الخضوع، لا، العبد بمعنى الرقيق نعم، عبد المطلب أي رقيقه وإن لم يكن هو عبد حقيقة نعم.
قال: ويحكم، إنما هو ابن أخي هاشم، هاشم قدمت به لدلهم يعني آه. قال فمهرك المطلب بردمان من أرض اليمن، فقال رجل من العرب يبكي: لقد ضمي الحجي بعد المطلب... بعد الجفان والشراب المنتعب. وقال مطرود بن كعب بن عرفطة أحد بني ساعدة بن كعب بن عمرو بن يحى الخزعي يبكي المطلب... بني عبد مناف جميعاً إلى آخر، وكان اسمه عبد مناف المغيرة. وكان أول بني عبد مناف هلك هاشم بغزة من أرض الشام، ثم عبد شمس بمكة، ثم المطلب بردمان من أرض اليمن، ثم نوفل... إذن أولاد عبد مناف أول واحد فيهم مات هاشم، بعدين عبد شمس مات في مكة طبيعي، ثم المطلب مات في اليمن، ثم نوفل مات في العراق. كل واحد مات في جهة سبحان الله طيب.
والفخر لمطرود فيما يزعمون: لقد قلت فأحسنْت ولو كان أفحل مما هو كان أحسن فقال: انظروني ليالي إلى آخر ما قال ما شاء الله. قال ابن هشام: الفخر الفجر العطاء، قال أبو شي... قال ابن إسحاق: ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة. قال ثم ولي عبد المطلب بن هاشم السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقام للناس وأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون قبله لقومه من أمرهم، وشرف في قومه شرفاً لم يبلغ أحد من آبائه، وحبه قومه وعظّموا خطره فيهم.
قال ذكر حفر زمزم وما جر من الخلف فيها. ثم إن عبد المطلب بينما هو نائم في الحجر إذ أتي، فأمر الله بحفر زمزم. أتي يعني شاف رؤيا في المنام نعم. وكان أول ما ابتدئ به عبد المطلب من حفرها، كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن مرز بن عبد الله اليزني عن عبد الله بن زرير الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفره، فقال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال لي: احفر طيبة. قال قلت: وما طيبة؟ ثم قال: ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مرجعي فنمت فيه، فجاءني فقال لي: احفر برة. قال قلت: وما برة؟ قال: ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مرجعي فنمت فيه، فجاء فقال: احفر المضنونة. قال قلت: وما المضنونة؟ ثم ذهب عني. فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر زمزم. قال قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف أبدا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعظم عند قرية النمل.
لا تنزف يعني لا ينقضي ماؤها نعم. قال فلما بين له شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق، غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، ليس له يومئذ ولد غيره فحفر. فلما بدو لعبد المطلب الطي كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك... الطي اللي هو حجارة البئر وصل إلى منطقة البئر الحجارة أن احنا قلنا جرهم ردمت بئر زمزم قبل ما تطلع فعبد المطلب رجع كشف البئر مرة أخرى نعم.
قال فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقام إليه فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل... يعني بدك تشاركنا معك نعم. وأن لنا فيها حقاً فأشركنا معك فيها. قال: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. فقالوا له: فأنصفنا، فإنا تاركوك حتى نخاصمك فيها. قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بني سعد، بني سعد بن هجيم قال نعم. وقال: وكانت بأشراف الشام.
فذهبوا إلى هذه الكاهنة، وكانت على تخوم الشام نعم. قال فركب عبد المطلب معه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، وقال: والارض إذ ذاك مفاوز... مفاوز صحراء واسعة نعم. قال فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام ففني ماء عبد المطلب واصحابه فظمئوا حتى أوقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معه من قبائل قريش فأبوا عليهم، وقالوا: إنا بمفازه ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم يتخوف على نفسه وأصحابه، قال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا إلا تبعاً لرايك فمرنا بما شئت.
قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه مما بكم الآن من قوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثموا... يعني احفروا قبوركم من الآن سبحان الله طيب. قال: ثم يكون حتى يكون آخركم رجلاً واحداً، وضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً. قالوا: نعم ما أمرت به، فأقام كل رجل منهم فحفر حفرته لنفسه، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً.
ثم إن عبد المطلب... ضيعة رجل واحد يعني لو واحد ما اندفن أهون من أنه الكل ما يندفن، احفروا قبوركم اللي بيموت بنحطه في الحفرة وبنسكر عليه، آخر واحد مش راح يلاقي حدا يدفنه بس مش مشكلة يعني واحد ما يندفن ولا الكل ما يندفن هيك وجهة نظر عبد المطلب نعم.
قال ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ونبتغي لأنفسنا العجز، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد. فارتحلوا فارتحلوا، حتى إذا فرغوا ما معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى رحله فركبها، فلما بعثت به فجرت من تحت خفها عين ماء عذب. الله هذه يعني توفيق من الله. حرك ناقة عبد المطلب انفجرت ماء من تحت ناقة عبد المطلب، كانت هي علامة أنه هو أحق بزمزم نعم.
قال ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا واحتمنوا وأسقيتهم، ثم دعا قبائل من قريش فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله. فاشربوا واستقوا، فجاءوا فشربوا واستقوا. ثم قال: قد والله قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخصمك في زمزم أبداً، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشداً. فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكهنة، وخلوا بينه وبينها.
قال ابن إسحاق: فهذا الذي بلغني من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في زمزم. وقد سمعت من الحديث عن عبد المطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم... فخرج عبد المطلب... فخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال: أتعلمون أني قد أمرت أن أحفر زمزم؟ قالوا: فهل بين لك أين هي؟ قال: لا. قالوا: فارجع إلى مرجعك الذي رايت فيه ما رأيت، فإن يكن حقاً من الله يبين لك، وإن يكن من الشيطان فلا يعود إليك.
فرجع عبد المطلب إلى مرجع فنام فيه، فأتي فقيل له: احفر زمزم، إنك إن حفرتها لم تندم، وهي ترة أبيك الأعظم، لا تنزف أبداً ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل لم يقسم، ينذر فيها ناذر لمنعم، تكون ميراثاً عقداً محكماً، ليست كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم. قال ابن هشام: هذا الكلام والكلام الذي قبله في حديث في حفر زمزم من قوله: لا تنزف أبداً ولا تذم إلى قول: عند قرية النمل، عندنا سجع وليس بشعر.
قال ابن إسحاق: وزعم أنه حين قيل له ذلك قال: وأين قيل له؟ عند قرية النمل حيث ينقل الغراب غداً، فالله أعلم أي ذلك كان. قال فقعد عبد المطلب معه ابنه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل، فوجد الغراب ينقض عندها بين الوثنين إساف ونائلة، اللذين كانت قريش تنصب عنده ذبائحها. فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش حين رأوا جده، فقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما.
فقال عبد المطلب لابنه الحارث: ذد عني حتى أحفر... يعني اصرفهم عني حتى أنهي من الحفر نعم. قال فوالله أمضين لما أمرت به. فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه، فلم يحفر إلا يسيراً حتى بدا له الطي، فكبر وعرف أنه قد صدق. فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان دفنتهم جرهم فيها حين خرجت من مكة، وجدت فيها أسيافاً قلعية وأدرعاً.
فقالت له قريش: يا عبد المطلب، لنا معك في هذا شرك وحق. قال: لا، ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم، نضرب عليها بالقداح. قال: وكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج قدحاه على شيء كان له، ومن تخلف قدحه فلا شيء له. قالوا: أنصفت. فجعل القدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوا صاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل، وهبل صنم في جوف الكعبة وأعظم أصنامهم، والذي يعني أبو سفيان بن حرب يوم أحد حين قال: اعل هبل أي ظهر دينك.
وقام عبد المطلب يدعو الله عز وجل، وضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودان على الأسياف والأدرع لعبد المطلب، وتخلف قدح قريش... ما زبطتش مع قريش طيب. قال فضرب عبد المطلب الأسياف باباً للكعبة، وضرب في الباب الغزالين من ذهب، فكان أول ذهب حليت به الكعبة فيما يزعمون.
ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج. قال ذكر بئر قبائل قريش بمكة. قال ابن هشام: وكانت قريش قبل حفر زمزم قد احتفرت آباراً بمكة فيما حدثني زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق: قال حفر عبد شمس بن عبد مناف الطوى، وهي البئر التي بمكة عند البيضاء دار محمد بن يوسف، وحفر هاشم بن عبد مناف بذر، وهي البئر التي عند المستندر خطم الخندمة على فم شعب أبي طالب. وزعم أنه قال حين حفرها: لاجعلنها بلاغاً للناس. قال ابن هشام: قال الشاعر: سق الله أمواهاً أعرف مكانها... جراباً وملكوماً وبذر والغمرة قال.
ابن إسحاق وحفر سجلة وهي بئر المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف التي يسقون عليها اليوم. تزعم بنو نوفل أن المطعم ابتاعها من أسد بن هاشم، وتزعم بنو هاشم أنه وهبها له حين ظهرت زمزم، فاستغنوا بها عن تلك الآبار. وحفر أمية بن عبد شمس لنفسه، وحفرت بنو أسد بن عبد العزى شفية وهيز بني أسد.
هي كلها أسماء آبار تم حفرها في مكة، لأنك في النهاية بدك مي حتى تسقي أهل مكة. قال: وهي بئر خلف بنهاب، وحفرت من أسامة الغمرة وهي بئر بني سهم. وكانت آبار حفائر خارجة من مكة قديماً من عهد مرة بن كعب وكلاب بن مرة وكبراء قريش الأوائل منها يشربون، وهي ضمو بئر مرة بن كعب، وخم بئر بني كلاب بن مرة، والحفر. وقال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي. قال ابن هشام: هو أبو جه. قال ابن هشام: وهذا بيت في قصيدة له.
قال ابن إسحاق: فعفت زمزم على البئار التي كانت قبلها يسقي عليها الحاج، وانصرف الناس إليها لمكانهم من المسجد الحرام سواها. يعني كأن كل هاي الآبار اللي كانت قريش حافريتها لما طلعت بئر زمزم غطت عليها، يعني كيفها اخذت الجو بئر زمزم لما حفرها عبد المطلب أصبحت هي البئر الرئيسية في مكة وأخذت الأجواء عن الآبار الأخرى. ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وافتخرت بها بنو عبد مناف خاصة، يعني لها شرف، وافتخرت بها عبد مناف على قريش كلهم.
فقال مسافر بن أبي عمرو. قال ابن هشام: هذه الأبيات في قصيدة له. قال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم أخو بني عدي بن كعب بن لؤي. وقال ابن هشام يعني عبد المطلب بن هاشم هذا بيتان في قضية الحذيفة في كثير أشعار يذكرها لا تهمنا.
ذكر نذر عبد المطلب ذبح ولده. قال ابن إسحاق: وكان عبد المطلب بن هاشم فيما يزعمون والله أعلم قد نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لإن ولد له عشرة نفر ثم بلغ معهم حتى يمنعوه لينحرن أحدهم لله عند الكعبة. الآن عبد المطلب كان عنده بس عبد الحارث، ولما صار الخلاف بينه وبين قريش على الزمزم شعر أنه في عنده فزعة ما عندي إلا ابن واحد، فدعا الله أنني يا رب إذا رزقتني عشرة من الولد يفزعون لي أنني سانحر أحدهم عند الكعبة.
قال: فلما توافى بنوه عشرة وعرفت، فعلا الله رزقه عشرة. قال: جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله تعالى بذلك فاطعوه وقالوا كيف نصنع؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قدحاً ثم يكتب في اسمه ثم أتوني. ففعلوا ثم أتوه فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة، وكان هبل على بئر في جوف الكعبة، وكانت تلك البئر وهي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة، وكان عنده هبل أقداح سبع.
قديماً كان جوف الكعبة فيه بئر، وهذا البئر كان يوضع فيه الذهب والأموال وفيه كنز الكعبة. إذا سمعتم في الأحاديث النبوية شيء اسمه كنز الكعبة؛ داخل الكعبة كان في بئر فيه كنز، وقيل إن هذا الكنز يخرج في آخر الزمان.
قال: وكل قدح منها فيه كتاب؛ قدح فيه العقل إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله. وقدح الدية، طبعا هنا ما معنى العقل؟ الدية. وقدح فيه للامر إذا أرادوه يضرب فيه في القداح، فإذا خرج قدح نعم به، وقدح فيه لا إذا أرادوا أمر ضربوا فيه بالقداح فإذا خرج ذلك القدح لم يفعل ذلك الأمر، وقدح فيه منكم، وقدح فيه ملصق، وقدح فيه من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا يحفر الماء ضربوا القداح فيها، ذلك القدح حيث ما خرج عملوا به.
وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاماً، أو ينكحوا نكاحاً، أو يدفنوا ميتاً، أو شكوا في نسب أحدهم، ذهبوا به إلى هبل وبدرهم وجزور فأعطوها صاحب القداح التي يضرب بها، ثم قضبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا: يا إلهنا هذا فلان ابن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخذ الحق فيه، ثم يقولون: يا صاحب القداح اضرب. فإن خرج عليه منكم كان منهم وسيطاً، وإن خرج عليه من غيركم كان حليفاً، وإن خرج عليه ملصق كان على منزلته فيهم لا نسب له ولا حلف، وإن خرج فيه شيء مما سوى هذا مما يعملون به عملوا به. وإن خرج لا أخروه عامة ذلك حتى يأتون به مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح.
فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، فأعطاه كل رجل منهم قدحاً والذي فيه اسمه، وكان عبد الله بن عبد المطلب أصغر بني أبيه، وكان هو والزبير وأبو طالب وفاطمة بنت عمرو بن عائش بن عبد بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر. قال ابن هشام: عائش بن عمران بن مخزوم.
قال ابن إسحاق: وكان عبد الله بن زعيم وأحب ولد عبد المطلب إليه، وكان عبد المطلب يرى أن السهم إذا أخطاه فقد أشوى. وهو أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أخذ صاحب القداح القداح ليضرب بها وأم عبد المطلب عنده بل يدعو الله، ثم ضرب صاحب القداح فخرج القدح على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وأخذ الشفرة ثم أقبل به إلى إساف ونائلة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبح. فقالت له قريش منوه: والله لا تذبح أبداً حتى تعذر فيه، فإن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه، فما بقوا الناس على هذا.
وقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم يقضى وكان عبد الله ابن اخت القوم: والله لا تذبح أبداً حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه. وقالت له قريش بنوه: لا تفعل، وانطلق به إلى الحجاز فإن به عرافة لها تابع فسلها، ثم انت على رأس أمرك، فإن أمرتك بذبحه. قال: وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى قدموا المدينة فوجدوها فيما يزعمون بخيبر وجدوا هذه السابعة التابعة.
والعرافة في خيبر. ولاحظ فكرة العرافات والكاهنات والكهان، العرب كانت ثقتهم فيهم عالية للأسف.
قال: فركبوا حتى جاؤوها فسألوها، وقص عليها عبد المطلب خبره وخبر ابنه وما أراد به ونذرهم فيه. فقالت لهم: ارجعوا عني اليوم حتى يأتي تابعة فأنسأله. فرجعوا من عندها، فلما خرجوا عنها قام عبد المطلب يدعو الله.
ثم غدوا عليها، فقال لهم: قد جاء. فقالت لهم: قد جاءني الخبر، وكم الدية فيكم؟ قالوا: عشر من الإبل، كانت كذلك. قالت: فرجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
فخرجوا حتى قدم صاحبكم اللي هو عبد الله. قال: فرخرجوا حتى قدم مكة، فلما أجمعوا ذلك من الأمر قام عبد المطلب يدعو الله. ثم قربوا عبد الله وعشرة من الإبل وعبد المطلب عند هبل يدعو الله.
ثم ضربوا، فخرجت القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل فبلغت الإبل عشرين، وقام عبد المطلب يدعو الله. ثم ضربوا، فخرجت القدح على عبد الله، فزادوا عشرا من الإبل فبلغت الإبل ثلاثين، وقام عبد المطلب يدعو الله.
ثم ضربوا، فخرجت القدح على عبد الله، فزاد عشرا من الإبل فبلغت الإبل أربعين. ثم قام عبد المطلب يدعو الله، ثم ضربوا فخرج الفتح لعبد الله، فزاد عشرا من الإبل فبلغت الإبل خمسين. وقام المطلب يدعو الله -لأنه وصل قديش؟- فزاد عشرا فبلغت الإبل ثمانين.
إلى أن بلغ مئة، فبلغت الإبل مئة في منتصف الصفحة، وقام عبد الله يدعو الله هنا، ثم ضربوا الحمد لله. فخرجت القداح على الإبل عند المئة، طلعت على الإبل نعم.
قال: فقالت قريش من حضر قد انتهى، أرضى ربك يا عبد المطلب. فزعموا أن عبد المطلب قال: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات. فضربوا على عبد الله وعلى الإبل وقام عبد المطلب يدعو الله، فخرج القدح على الإبل، ثم عاد ثانية وعبد المطلب قائم يدعو الله فضربه، فخرج القدح على الإبل، ثم عاد الثالثة وعبد المطلب قائم يدعو الله فضربه، فخرج القدح على الإبل، فنحرت ثم تركت لا يصد عنها انسان ولا يمنع -يعني سمحوا لكل الفقراء ياكلوا من الإبل-.
قال وقال ابن هشام: وبين أضعاف هذا الحديث رجل ولم يصحح عندنا عن أحد من أهل العلم بالشعر. قال ذكر المرأة المتعرضة لنكاح عبد الله بن عبد المطلب: قال ابن إسحاق ثم انصرف عبد المطلب آخذ بيده عبد الله، فمر به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وهي أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وهي عند الكعبة، فقالت حين نظرت إلى وجهه: أين تذهب يا عبد الله؟ قال: مع أبي. قالت: لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع علي الآن.
هذه مرت مع القصة في بعض الآثار أنه هي طلبت منه أن يطأها الآن، هذه المرأة تعرضت لعبد الله وقالت له: أعطيك أنا... أنت قديش أبوك فداك؟ قال لها: مئة من الإبل. قالت له: طب أنا بعطيك مئة من الإبل وقع علي.
الآن ممكن تكون هي تريد تقع علي بالحلال، يعني حتى لا تحتمل العبارة ما لا تحتمل، يعني هل تريد الزنا هي؟ يعني هي أخت ورقة بن نوفل، هذه قالوا: هذه أخت ورقة بن نوفل، قالت له: ققع علي الآن. ممكن هي تقصد أنه تزوجني الآن. واحد قال إنه سيأتي أنه هي رأت في وجهه نوراً وهو قادم، فلذلك طلبت منه أن يجامعها الآن، لكن قد يكون مقصودها الجماع بالحلال، يعني تزوجنا الآن وقع علي. فقال: أنا مع أبي ولا استطيع خلافه، يعني أبوي صعب يزوجني.
قال: فخرج بها عبد المطلب حتى أتى به وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، ويومئذ سيد بني زهرة سناً وشرفاً، فزوجه ابنة آمنة. من توابه عبد المطلب خرج بابنه عبد الله إلى وهب، ووهب كما قلنا من بني زهرة بن كلاب، فزوجه ابنة آمنة.
قال: وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً وموضعاً، وهي لبرة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. يريد أن برة هي آمنة، برة هي آمنة بنت وهب. قال: وبرة لا حبيب.
النقطة بعدها ها هنا، وكثير يذكر الأنساب إلى آخرها، فزعموا المهم. قال: فزعموا أنه دخل عليها حين أملك مكانة فوقع عليها، يعني هذه كأنها كانت عادة عندهم أن الواحد بيتزوج المرأة وفي أرضها يجامعها، مش زي حال العقد بعدين العرس بعد شهرين، لا، زعموا أن عبد الله تزوج آمنة وفي أرضها وطئها، فهمتم أنه دخل عليها حين أملكها مكانة فوقع عليها أي جامعها، فحملت بالنبي صلى الله عليه وسلم.
قال: ثم خرج من بيتها فمر على المرأة التي كانت عند الكعبة وعرضت عليه. فقال لها: مالك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت إلي بالأمس؟ قالت له: فارقك النور الذي كان معك بالأمس، فليس لي بك اليوم حاجة، وقد كانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل أنه كائن في هذه الأمة نبي.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبي إسحاق بن يسار أنه حدث أن عبد الله إنما دخل على امرأة كانت له معاملة بنت وهب، وقد عمل في طين الله وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه فأبطت عليه لما رأت به من أثر الطين، فخرج من عندها فتوضأ وغسل ما كان به من ذلك بالطين، ثم أخرج عامداً إلى آمنة، فمر بها فدعت إلى نفسها فأبى عليها وعمد إلى آمنة فدخل عليها فأصابها، فحملت بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم مر بامرأته تلك فقال لها: هل لك؟ قالت: لا، مررت بي وبين عينيك غرة فدعوتك فأبيت، فدخلت على آمنة فذهبت بها. قال ابن إسحاق: فزعم أن امرأته تلك كانت تحدث أنه مر بها وبين عينيه مثل غرة الفرس، قالت: فدعوته فرجوت أن تكون تلك بي فأبى علي ودخل على آمنة فأصابها، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم أوسط قومه نسباً وأعظم شرفاً من قبل أبيه وأمه. قال ذكر ما قيل لآمنة عند حملها برسول.
صلى الله عليه وسلم.
طبعا على هذه القصة يكون عبد الله تزوج.
امرأة قبل آمنة، صحيح؟ على السيناريو السابق هذا أن عبد الله إنما دخل على امرأة له كانت مع آمنة بنت وهب، إذًا هو كان عنده امرأة قبل آمنة، وهو مروح من شغله عبد الله دخل على هذه المرأة، وكان عامل في طين، بجوز كان بيشتغل في فرشه ولا في شيء عامله، وبه آثار من الطين، فدعاها إلى نفسه، قال لامرأته الأولى: أريد الجماع أو شيء، فأبطأت عليه وكرهت ذلك لما رأت عليه من آثار الطين.
فخرج من عندها وتوضأ، غسل حاله وتنظف، وراح على البيت الثاني عند آمنة، بده يروح على بيت الزوجة الثانية حتى عند آمنة، فمر بها، أي فدعته، في الطريق، وهو من بيت مرته الأولى إلى بيت مرته الثانية، جاءت هذه أخت ورقة بن نوفل وعرضت نفسه عليها، أو عرضت نفسها عليه، عفوًا. فهذه طريقة أخرى للسياق والقصة، مش أنه أصلًا ما كان متزوج آمنة وبعدين تزوج آمنة، ولاحظوا أن كل قصة بطريقة مختلفة. المهم.
قالوا: يزعمون فيما يتحدث. نعم. لا، لا، تعرضت له امرأة في الطريق، ما، وهو منتقل من بيت زوجته الأولى إلى بيت زوجته الثانية.
قال: يزعمون فيما يتحدث الناس، والله أعلم، أن آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا... قصدك أنه اللي تعرضت له في القصة الثانية زوجته الأولى؟
ثم مر بامرأته تلك فقال لها: هل لك؟ قالت: لا، مررت بي وبين عينيك غرة فدعوتك فأبيت، ودخلت على آمنة فذهبت بها. ممكن فعلًا القصة الثانية ظاهرها أن التي تعرضت له هي زوجته الأولى، بعد ما غسل حاله وتنظف تعرضت له، مش امرأة في الطريق. ممكن هذه، فعلًا السياق يدل على هذا.
قال: فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدًا. وهذا المراد أنها رأت رؤيا في المنام، آمنة بنت وهب رأت رؤيا في المنام، نعم، ولذلك سمي محمدًا؛ لأن آمنة رأت رؤيا في المنام تطلب منها أن تسميه محمدًا صلى الله عليه وسلم. نعم.
قال: ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام. قال: ثم لم يلبث عبد الله بن عبد المطلب، أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن هلك، وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به. هذا هو المشهور، أن والده مات وهو محمول به صلى الله عليه وسلم.
قال: ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاعه. قال ابن هشام: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، عام الفيل. قال ابن إسحاق: وحدثني المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، فنحن لدان. لدان هم اللذان ولدا في نفس العام، يقال: هؤلاء لدان، يعني: ولدا في نفس السنة. نعم.
قال ابن إسحاق: وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف بإسناده عن حسان بن ثابت، قال: والله إني لغلام يفاع ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل كل ما سمعت، إذ سمعت يهودياً يصرخ على أطمه بيثرب: يا معشر اليهود، يا معشر اليهود، حتى إذا استمعوا إليه، قالوا... الأطم هو زي العمارة يعني البيت. نعم، قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به.
قال ابن إسحاق: فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فقلت له: ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؟ فقال: ابن ستين سنة، وقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبع سنين. قال ابن إسحاق: فحسان بن ثابت عاش مدة طويلة، يعني عاش مئتين وعشرين سنة، قضي ستين في الجاهلية وستين في الإسلام.
قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى جده عبد المطلب هنا يقول: فسميها حسان ما سمع ابن سبع سنين، تمام يعني سبع سنين، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، يعني كم... قال شيخ إنه... نعم، أنه قدم المدينة عمره 53 و... لا أنا أقصد إذا حسان سمع اليهودي في يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان عمر حسان سبع سنين، إذا النبي صلى الله عليه وسلم متى بعث؟ على الأربعين، فعند البعثة كم كان عمر حسان؟ سبع وأربعون، إذاً هو أسلم على بداية الستين حسان بن ثابت.
نعم، قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه صلى الله عليه وسلم، أرسلت إلى جده عبد المطلب أنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه، فأتاه فنظر إليه، وحدثته بما رأيت حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرت به أن تسميه، فيزعمون أن عبد المطلب أخذه فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها.
والتمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وطبعاً قال ابن هشام المراضع، وفي كتاب الله عز وجل في قصة موسى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ [القصص: 12]. قال ابن إسحاق: فاسترضع له امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها حليمة بنت أبي ذؤيب. وأبو ذؤيب عبد الله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن زامر بن ناصرة بن قصيت بنصر بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، واسم أبيه واسم أبيه الذي أرضعه صلى الله عليه.
كان ابن هشام يقول: المراضع أولى من كلمة الرضعاء، هل تجمع على رضع ولا على مراضع؟ احنا نقول مرضعات، مرضعات ومراضع، بس هنا في جاء في رواية ابن إسحاق الرضعاء هذا جمع يعني آخر، لذلك ابن هشام ايش يقول؟ المراضع هو التعبير القراني حرمنا عليه الآية، ايش يقول الذي قال ابن هشام؟ لاحظ السهيلي عندكم في الحاشية في روض الأنف في تعليق ايش يقول: الذي قال ابن هشام ظاهر؛ لأن المراضع هي جمع مرضع، والرضعاء جمع ايش؟ رضيع، فاططلاق الرضعاء على الرضيع أولى من إطلاق الرضاع على المرضعات، هذا كلام السهيلي. جميل نعم، قال: ولكن لرواية ابن إسحاق مخرج من وجهين، أقرأ واحدكم فقط من...
باب الفائدة. قال ابن إسحاق:
وقال اسم أبيه الذي أرضعه صلى الله عليه وسلم: حارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن قصية بن نصر بن سعد بن بكر بن هوازن. قال ابن هشام: ويقال هلال بن ناصرة. قال ابن إسحاق: وإخوته من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، وجدامة بنت الحارث، وهي الشيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به، الشيماء التي جاءته بعد معركة حنين.
قال وهم لحليمة بنت أبي ذؤيب بن عبد الله، عبد الله بن الحارث أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكروا أن الشيماء كانت تحضنه مع أمه إذا كان عندهم. قال ابن إسحاق: وحدثني جهم بن أبي جهم مولى الحارث بن أحاط الجمحي عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أو عن من حدثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية أم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أضعته تحدث أن خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير توضع في نسوة من بني سعد بن بكر التمسنا الرضعاء، قالت: وفي سنة شهباء لم تبق شيئا، قال: الشهباء يعني الجذباء.
قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارف لنا والله ما ترب بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع مع صبيي الذي معي من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في الشارب ما يغذيه -قال ابن هشام: إنه يقال يغذيه، ولكننا كنا نرجو الغيث والفرج- فخرجت على أتاني تلك، فلقد أدمت بالركب حتى أشق ذلك عليهم، ضعف أدمت يعني تأخرت بهم، كل القافلة ماشية وأنا متأخرة.
قال: حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم! وما عسى أن تصنع أمه وجده؟ فكنا نكره لذلك. فلما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما أجمعنا الانطلاقة قلت لصاحبي -يعني لزوجها-: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم أخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعل عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.
قالت: فذهبت إليه فأخذته وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته ورجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل علي عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا بها حافل -حافل يعني مليئة باللبن- قال: وشربت وشربت معه حتى انتهينا ريا وشبعنا، تبات بخير ليلة.
قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نَسَمة مباركة. قالت: قلت والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر على شيء من حمورهم، حتى إن صاحبي ليقولن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحكِ اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول له: بلى والله إنها لهي هي. فيقولون: والله إن لها لشأناً.
قالت: ثم قدمنا منازل من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً، فننحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في قط في طري، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم أسروا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب! فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً لبناً.
قال: فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته -وفصلته، لأن الرضاع مدة سنتين وبعده الفصال، وحمله وفصاله ثلاثون شهراً- قال: وكان يشب شباباً لا تشبه غلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً -يعني كان نموه أسرع وجسده أكثر نمواً من نمو أقرانه، جفراً يعني غلاماً قوياً-.
قالت: فقدمنا به على أمه ونحن أحرس شيء على مكثه فينا لما كنا نرى من بركته، وكلمنا أمه وقلت لها: لو تركت بني عندي حتى يغلظ فإني أخشى عليه وباء مكة. قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا -يعني حالياً طبعا هي تحاول إغراء آمنة أنه خليه وحرام ولساته خليه عندنا منطقة صحية-.
قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد ما أقدمنا به بأشهر مع أخيه في بهم لنا -يعني هو وأخوه النبي عليه الصلاة والسلام جالسين في بهم يعني مع شوية عنزات وشويه غنمات- قال: إذ جاء أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما سِطاه.
قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائماً مُنتقَعاً وجهه -مُنتقعاً وجهه- قالت: فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا: مالك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو. قالت: فرجعنا به إلى خبائنا.
قالت: وقال لأبيه: يا حليمة، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فالحقيه بأهله قبل أن يدرك ذلك به. قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟ قالت: فقلت: قد بلغ الله بابني وقضيت الذي علي وتخوفت الأحداث عليه، فأديته إليك كما تحبين.
قالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك! قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها. قالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟ قالت: قلت: نعم. قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبني لشأناً، أفلا أخبرك خبره؟ قالت: قلت: بلى. قالت: رأيت حين حملت به أني خرج مني نور أضاء لي قصور بصري من أرض الشام، فما حملت به قط أخف علي ولا أيسر منه، وقع حين ولدته وإنّه لواقٍ يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.
قال ابن إسحاق: وحدثني ثور بن يزيد عن بعض أهل العلم ولا أُحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا له: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: نعم
أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي
حين حملت بي، أنه خرج منها نور أضاء لها الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر. فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرى أباما لنا، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض مطست من ذهب من ملوه ثلجا، فأخذاني فشق بطني، ثم استخرج قلبي فشقه فاستخرج منه علقة سوداء فطرحاها، ثم غسل قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه. قال: ثم قال أحدهما لصاحبه: زنته بعشرة من أمته. فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زن بمائة من أمتي. فوزنني بهم فوزنتهم. قال: ثم قال: زن بألف من أمتي. فوزنني بهم فوزنتهم. قال: فدعه. فقال: دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنها.
قال ابن إسحاق: وقال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبي إلا وقد رأى الغنم. قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: أنا أعربكم، أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر. قال ابن إسحاق: وزعم الناس فيما يتحدثون -والله أعلم- أن أمه السعدية لما قدمت به، المراد بأنا أعربكم أي أفصحكم نعم.
قال: إن أمه السعدية قدمت به مكة أضل لما قدمت به مكة أضلها في الناس وهي مقبله به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده فاتت بعث فاتت عبد المطلب فقال له: أني قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بعالم مكة أضلني فوالله ما أدري أينه. فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده، يزعمون أنه وجده ورقة بن نوفل ابن أسد ورجل آخر من قريش، فأتى به عبد المطلب فقال: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب فجعله على عنقه وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه آمنة.
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن مما هاج أمه السعدية على رده إلى أمه مع ما ذكرت لامي مما أخبرتها عنه، أن نفرا من الحبشة نصارى راوه معها حين رجعت به بعد فطامه فنظروا إليه وسألوه عنه وقلبوه، ثم قالوا لها: لنأخذن هذا الغلام فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا، فإن هذا غلام كان له شأن نحن نعرف أمره. فزعم الذي حدثني أنها لم تكد تنفلت به منهم، يعني كاد أن يذهبوا به وياخذوه من يد حليمة طيب.
قال وفات آمنة وحال رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بعدها. قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاوة الله وحفظه، وينبته الله نباتا حسنا لم يرد به من كرامته. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت أمه أميرة بنت وهب. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أم رسول الله آمنة توفيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به على أخوالهم من بني عدي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة به إلى مكة.
قال ابن هشام: أم عبد المطلب بن هاشم سلمى بنت عمر النجارية، فهذه الخؤولة التي ذكر ابن إسحاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم. قال ابن إسحاق: وكان مره معنى أن هاشم تزوج سلم النجارية اللي كانت حكينا متأثرة بالفكر النسوي تمام يعني حتى ظلها حافظها أحيانا بدك تعمل لك ربط طيب.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة فكان بنوه يجلسون حول فراش ذلك حتى يخرج إليهم لا يخرج لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ياتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أمامه ليأخره عنه، فيقول عبد المطلب إذا راى ذلك منهم: دعني والله إن له لشأنا. ثم يجلس معه عليه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين هلك عبد المطلب بن هاشم، وذلك بعد الفيل بثمان سنين.
قال وفات عبد المطلب وما رثي به من الشعر. قال ابن إسحاق: حدثني عباس بن عبد الله بن معبد ابن عباس عن بعض أهله أن عبد المطلب توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثمان سنين. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن سعيد بن المسيب أن عبد المطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته وكنا ست نسوة صفية وبره وعكة ومحكيم البيضاء وميمهث وأرى، فقال لهن: أبكين علي حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت.
قال ابن هشام: ولم أرى أحد من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر إلا أنه لما رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب كتبناه. فذكر الآن ماذا قالت صفية في رثاء والدها، وماذا قالت بره، وماذا قالت عاتكة، وماذا قالت أم حكيم، وماذا قالت أميمة في رثاء والدها، وماذا قالت أروى في رثاء والدها طيب. قال ابن إسحاق: فزعي أن محمد بن سعيد بن المسيب أنه أشار برأسه أنه كان كلما سمع عبد المطلب ابنه له ترثيه أشار برأسه وقد أصمت أن هكذا فابكيني اه والله أنت شعرك جميل وأنت شعرك جميل وأنت شعرك جميل طيب شيخ صفحه.
قال ابن إسحاق: فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولي زمزمه وسقاية عليها بعده العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ من أحدث إخوته سنه. قال ابن إسحاق: فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهي بيده، فقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم له على ما مضى من ولاياته فهي إلى آل العباس حتى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كانت السقاية للعباس وأولاده نعم قال إلى هذا اليوم.
قال كفاله أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبد المطلب معه أبي طالب، وكان عبد المطلب فيما يزعمون يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا طالب أخوان لأب وأم أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائد بن عبد. إذا الأخ الشقيق لعبد الله هو أبو طالب، باقي إخوانه الذكور هم ليسوا من نفس الأم، لذلك كانت الكفالة له طيب.
قال ابن إسحاق: فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده، فكان اليه ومن معه. قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أن رجلا من لهب -قال ابن هشام: لهب من أزد شنوءة- كان عائفا، فكان إذا قدم مكة أتاه رجالا من قريش بغلمانهم ينظر إليها، هو الذي يعني يسجر بالطير قالوا يعني عنده هذه نوع من انواع التكافحن خلينا نقول نعم.
فأتى به أبو طالب وهو غلام مع من يأتيه، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شغله عن شيء، فلما فرغ قال: الغلام علي به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه، فجعل يقول: ويلكم ردوا علي هذا الكاهن. انشغل عن النبي عليه الصلاة والسلام بعدين صحصح الكاهن قال: وين الغلام اللي كان موجود الآن؟ قالوا: خلص اخذناه. فأبو طالب لما شاف الكاهن حريص على النبي عليه الصلاة والسلام يشوفه أخفاه ما أحب أن ينظر إليه مرة أخرى. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه يعني خاف أبو طالب أن هذا الكاهن يؤذيه، فجعل يقول: ويلكم ردوا علي الغلام الذي رأيته آنفا فوالله ليكونن له شأن. وانطلق به أبو طالب.
ثم إن أبو طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام، فلم تتهيا للرحيل أو أجمع المسير ضب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون. ضب به يعني تمسك في عمه أنه يا عمي خذني معك لا تتركني وحدي في مكة. قال: فقال له أبو طالب: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا يفارقه أبدا. وكما قال فخرج به معه، فلما نزل ركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرة في صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها في مزعموم، يعني هذه صومعة دائما بيكون فيها راهب لم يزل فيها راهب يخلف فيه راهب في تلك الصومعة بالتحديد نعم.
فلما نزل على ذلك العام بحيرة وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شيء راه وفي صومعته يزعمون أنهم راى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صومعته في الركب حين أقبل غمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبة منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصلت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها. تهصلت يعني مالت عليه نعم.
فلما رأى ذلك بحيرة نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فانا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم: والله يا بحيرة إن لك لشأنا اليوم ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا فما شانك اليوم؟ قال له بحيرة: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعama فتاكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة. فلما نظر بحيرة في القوم لم يرى الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامه. قالوا له يا بحيرة: ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام أحدث القوم سنا فتخلف في رحال. فقال: لا تفعلوا دعوه فليحضر هذا الطعام معكم.
فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى أن كان للؤمن بنا أن يتخلف بنا ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا! ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رأى بحيرة جعله يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ قوم من طعام وتفرقوا قام إليه بحيرة فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرة ذلك لانه سمع قومه يحلفون بها. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما. فقال له بحيرة: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فقال له: سلني عما بدا لك. فجعل يساله عن أشياء من حاله، عن نومه وهيئاته وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ويوافق ذلك ما عند بحيرة من صفته. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفه على موضعه من صفته التي عنده. قال ابن هشام: وكان مثل أثر المحجم. قال ابن إسحاق: فلما قال، يعني خاتم النبوة مثل أثر المحجم وهو هي غدة لحمية، هو عبارة عن غدة لحمية ناتئة نعم.
قال ابن إسحاق: فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرة: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال: فانه ابن اخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبل به. قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن راوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فانه لابن أخيك هذا شان عظيم، فاسر به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدم مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
فزعموا فيما روى الناس أن زريرا وتماما وداليسا وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا راوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما راى بحيرة في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب، فأرادوه فردهم عنه بحيرة وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم إن اجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه، ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه.
فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلاه الله يحفظه ويحوط من أقذار الجاهليه لما يريد به من كرامته ورسالته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته، أنه قال: «لقد رأيتني في غلمان قريش تنقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، لكلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر، إذ لكمني لاكمة ما أراها إلا لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك».
قال: فأخذت فشددت عليه، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بينهم. الصغار زمان كانوا في مكة يرفع إزاره حتى لو انكشفت عورته، فالنبي عليه الصلاة والسلام كشاب صغير إن كان يريد أن يفعل مثلهم، فلكم لكمة لا يعرف من أين أتت عورتك، فقال: أصبحت أنقل الحجارة بدون ما أكشف عورتي. نعم.
قال حرب الفجار، قال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، في محدثي أبو عبيدة النحوي عن أبي عمر بن العلاء، هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان. وكان الذي هاجه أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أجار لطيمة للنعمان بن المنذر، فقال له البراض بن قيس أحد بني ضمرة.
اللطيمة ما هي؟ اللطيمة هي الإبل، أجار لطيمة الإبل تحمل زي قافلة، يعني خلينا نقول تحمل تجارة. طيب، قال: أجار لطيمة للنعمان بن منذر، فقال له البراض بن قيس أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. ومعنى أنه أجار لطيمة هنا، ايش يقول؟ إنه منع القبائل من التعرض لهذه القافلة التي للنعمان بن المنذر، فقال له البراض بن قيس: أتجيرها على كنانة؟ يعني تمنعها من بني كنانة؟ قال: نعم. قال عروة الرحال: نعم، وعلى الخلق أجمعين، برضه يعني مش بس على بني كنانة. فخرج فيها عروة الرحال، يعني زي كأنه خارج حماية لها، حماية لهي القافلة تبعت النعمان بن المنذر زعيم المناذرة، وخرج البراض يطلب غفلته، البراض بده ياخذ هي القافلة وعروة الرحال بده يحميها.
طيب، حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعارية، غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فذلك سمي الفجار. قالوا هذه ذكر أبيات. غفل عروة الرحال عن القافلة فوثب عليها البراض فقتله، قتل مين؟ عروة الرحال، وفي الأشهر الحرم! مصيبة، عمل مصيبة! فولعت حرب بين بني كنانة وبين بني قيس عيلان، عروة الرحال من هوازن، وهوازن من قيس عيلان، في المقابل البراض بن قيس من كنانة، طبعا قاد البراض قصيدته، وقال لبيد بن ربيعه الشاعر المعروف قصيدته.
فاتى آت قريشاً هذا المهم، نعم. قال: فأتى آت قريشاً فقال إن البراض قد قتل عروة في الشهر الحرام بعكاظ، فارتحلوا هوازن ولا تشعرون، ثم بلغهم الخبر فاتبعوه فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم فاقتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم فامسكت عنهم هوازن. ثم التقوا بعد هذا اليوم، فارتحلوا إذاً، قريش ارتحلت من سوق عكاظ، هوازن لا تشعر أن قريش تحركت، ثم بلغ هوازن الخبر أنه تم قتل صاحبكم عروة الرحال، فهوازن مباشرة هجمت على قريش، فاتبعوهم فأدركوا قريشاً قبل أن تدخل قريش إلى الحرم، قبل أن تصل قريش إلى داخل الحرم.
فاقتتروا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم، فالآن فأمسكت عنهم هوازن، لأنه هوازن عندها يعني احترام للحرم، ثم التقوا بعد هذا اليوم أياماً والقوم متساندون، كل قوم لهم جماعتهم. قال: على كل قبيل من قريش رئيس منهم، وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم. وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت أنبل على أعمامي»، أنبل يعني أعطيهم فيها السهام حتى يرموا فيها. نعم.
قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة. طبعا هنا فسرها: كنت أنبل على أعمامي أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها، يعني كأنه العدو لما كان يرمي، هو كانه يرجع يعطي السهام التي يرمي بها العدو لأعمامه حتى هم يرموا بها، هذا الذي يظهر لي.
قال ابن إسحاق: هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، وإنما سمي يوم الفجار. الآن على الرواية الأولى كان عمره أربع عشرة، على الرواية قال ابن إسحاق هنا كان عمره ابن عشرين سنة. نعم، قال: يوم الفجار بما استحل به.
قال: بما استحل هذان الحييان، كنانة وقيس عيلان، فيهم من المحارم بينهم، وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس، فكان الظفر في أول النهار لقريش وكنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كان ظفر لكنانة على قيس. قال ابن هشام: وحديث الفجار أطول مما ذكرت، وإنما منع من استقصائه قطعه، وحديثها سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم مش موضوعنا يعني. نعم.
قال نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة. قال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس وعشرين سنة، تزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزي بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فيما حدثني غير واحد من أهل العلم عن أبي عمر المدني.
قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قوماً تجاراً. فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجراً، وتطعيها أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة. فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معها غلامها ميسرة حتى قدم الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبة من صومعة راهب من الرهبان.
فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال له ميسرة: هذا الرجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. ثم بعث بلسلعته إلى التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلاً إلى مكة مكت ومعه ميسرة. فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس ويسير على بعيره. فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به أضعف أو قريب، وحدثها. أضعف يعني جاء بربح مضاعف.
قال: وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه. وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع أراد الله تعالى بها من كرامته، فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها، بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك وسنتك في قومك وأمانتك. سنتك يعني أنك من أوسطهم أي من أحسنهم وأعدلهم. نعم.
قال: وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك. ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسباً. يعني أفضل، نعم. قال: أكثرهن مالاً، كل قومها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدر عليه. يعني زعماء قريش كانوا يرغبون بالزواج منها بس ما كانت تقبل.
بعدين ذكر النسب، ثم ذكر نسب سيدتنا خديجة ومن أمها، فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم طرح ذلك على أعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها.
طيب، قال ابن هشام: وأصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين بكرة، وكانت أول امرأة تزوجها، ولم يتزوج عليها غيضها حتى ماتت خديجة بنت خويلد بن أسد وهو ايش؟ أبوه طيب.
قال ابن إسحاق: كم كان المهر؟ كم أعطاها مهر؟ عشرين بكرة، عشرين ناقة فتية. نعم.
قال ابن إسحاق: فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم القاسم. وكل أولاد النبي صلى الله عليه وسلم منها إلا إبراهيم فانه كان من مارية القبطية. نعم.
قال: إلا إبراهيم القاسم به كان يكنى صلى الله عليه وسلم، والطاهرة والطيب وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. الطاهر والطيب بتعرف في خلاف شديد هل هما شخصان ولا هم نفس الشخص اللي هو عبد الله ولقبه بالطاهر والطيب، الله أعلم طيب.
قال ابن هشام: أكبر بنيه القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر، وأكبر بناته رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. قال ابن إسحاق: فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا في الجاهلية، وأاما بناته فكلهن أدركنا الإسلام فاسلمن وهاجرنه معه صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: وأما إبراهيم فأمه مارية. حدثنا عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة قال: أم إبراهيم مارية سرية النبي صلى الله عليه وسلم التي سرية يعني أمه كانت للنبي عليه الصلاة والسلام أهداها له المقوقس.
قال: من حف من كورة أنصنا. هذه قلنا منطقة في الصعيد، في صعيد مصر حكيناها في الدرس الماضي. طيب.
قال ابن إسحاق: وقد كانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي وكان ابن عمها، وكان نصرانياً قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس، ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه. فقال ورقة: لئن كان هذا حقاً يا خديجة إن محمداً لنبي هذه الأمة، قد عرفت أنه كان لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه. أو كما قال حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش في وضع الحجر.
فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول: حتى متى؟ يعني ينتظر بعثة هذا النبي. فقال ورقة قصيدة وهو ينتظر بعثة النبي. طيب.
قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها، وإنما كانت رُضْماً فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفراً تسقيفها أنه يعملوا لها سقف كأنها ما كان لها سقف. فأرادوا أن يبنوا لها سقفاً. نعم.
قال: وذلك أن نفراً سرقوا كنزاً للكعبة، وإنما كان يكون في بئر. آه، إذاً ليش بدهم يبنوا سقف؟ نحن قلنا جدران الكعبة كان جواها بئر، وكان هذا البئر يحط فيه ذهب وحلي، فشكله بعض الناس من العرب دخلوا من فوق جدران الكعبة ودخلوا البئر وسرقوا شيئاً من الذهب. نعم.
قال: وكان الذي وجد عنده الكنز الدويك، مولى لبني مليح بن عمرو بن خزاعة، فقطعت قريش يده، وتزعم قريش أن الذين سرقوا وضعوه عند دويك. قال: وكان البحر قد رمى بسفينة إلى الجدة لرجل من تجار الروم فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان من مكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر. إذاً هم استغلوا أنه في سفينة لرجل رومي وقفت على ساحل جدة أو رماها البحر على ساحل جدة، وكانت خشب هي السفينة ممتاز، فكفار قريش عندهم نجار في مكة قالوا له: شو رايك ناخذ هذا الخشب تبع السفينة ونعمل منه سقف للكعبة؟ نعم.
قالت: وكانت حية يومئذ تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يُهدى لها كل يوم، فتتشرق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا أحزات وكشت وفتحت فاها، وكانوا يهابونها. فبينا هي يوماً تشرق على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائراً فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية. فلما أجمع أمرهم في هدم وبنيانها، قام أبو وهب بن عبد بن عائد بن عبد بن عبد بن عمران بن مخزوم. قال ابن هشام: عائد بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجراً فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا قريش معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً، لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس. والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبد الله بن صفوان هذا أعطاك نسبة كاملة أنه راى ابناً لجعدة بن هبيرة يطوف بالبيت فسأل عنه، فقيل: هذا ابن لجعدة بن هبيرة، فقال عبد الله بن صفوان عند ذلك: جد هذا -يعني أبا وهب الذي أخذ حجراً من الكعبة حين اجتمعت قريش لهدمها فوثب من يده الحجر والله أعلم حتى رجع إلى موضعه- فقال عند ذلك: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيباً، مال حلال، لا تدخلوا فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس. طيب.
قال: وأبو وهب خال أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شريفا، ثم إن قريشاً تجزأت الكعبة، كل قبيلة من قريش أو فخذ مسؤولة عن بناء جزء من الكعبة، هذا معنى تجزأت الكعبة. طيب.
قال: فكان أساس الباب باب لبني عبد مناف.
فمنطقة الباب كان المسؤول عن بني عبد الدار بناها، وبنو زهرة بن كلاب.
قال: والركن اليمني لبن مخزوم قبيلة بني قريش ينضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم بن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي. وكان شق الهجرة لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، ولبني جر.
قال: وهو الحطيم. قال: ثم إن الناس هدموها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أمداكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام عليها ويقول: اللهم لم الترا. قال ابن هشام: وقالوا: لم نزغ، اللهم أنا لا نريد، لم نزغ، يعني: يا رب نحن بدنا الخير، نحن ما بدنا نؤذي الكعبة، نعم.
قال: ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس في تلك الليلة، وقالوا: إن ننظر؛ إذا الوليد بن المغيرة صار فيه شيء، صار ما صار في شيء، معناته نحن بنكمل مع، طيب.
قال: فأصبح الوليد منيعاً غادياً على عمله فهدمه، وهدم الناس معه حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم عليه السلام، أفضى إلى حجارة خضر كالأسنة أخذ بعضها بعضاً. قال ابن إسحاق: حدثني بعض من يرى الحديث، أن رجلاً من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك حجر تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس. قال: انتهوا، يعني عرفوا أنه ما بيصير نتجاوز هذا الخط، نعم. تنقضت مكة، يعني كأنه اهتزت مكة؛ لأن هذه أسس إبراهيم عليه السلام ما حدا يسمح له أن يعبث بها، نعم.
قال ابن إسحاق: وحدثت أن قريشاً وجدوا في الركن كتاباً بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو: أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت بكة، يعني صاحبها، طيب.
قال: خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها. قال ابن هشام: أخشباها جبلاه، أخشب جبلاه مكة، نعم، جبل أبي قبيس وجبل آخر، طيب.
قال: مبارك لأهلها في الماء واللبن. قال ابن إسحاق: وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتاباً فيه: مكة مكة الله الحرام ياتيها رزقها من ثلاثة السبل، لا يحلها أول من أهلها. قال ابن إسحاق: وزعم ليث بن أبي سليمان أنهم وجدوا حجراً في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة، إن كان ما ذكر حقاً مكتوباً فيه: من يزرع خيراً يحصد، وأنكم تعملون السيئات وتجزون الحسنات، ألا كما لا يتسل شوك العلب.
قال ابن إسحاق: ثم إن القبيلة من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع حدة، ثم بنوها حتى بلغ البنيان وموضع الركن فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تهاوزوا تحالفوا عدلوا.
تهاوزوا، يعني قريش دائماً في مشاكل: يلا بدنا نحط الحجر، يلا جيبوا سلاح يا شباب خلينا نتقاتل حتى نشوف مين بدو يحط الحجر، كل ما في شغلة صغيرة كبيرة بتصير في مشكلة، طيب. والشرف سبحان الله دائماً الناس بتحب الشرف، بتحب السيادة، بتحب الرئاسة، هكذا النفوس، لذلك الإسلام يعني يصحح هذه القيم، يعني يعطيك ما هو الشرف الذي يقاتل عليه، ما هي القيم الصحيحة؟ مش كل مشكلة صغيرة بدنا نطلب الشرف فيها نتقاتل، نعم.
فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب من الأيرين على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسة، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد وتشاوبوا وتناصفوا، وزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلها، قال: يا معشر قريش، يجعل بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه. ففعلوا. فكان أول اقتراحاتهم غريبة شوي يعني مين يحكم؟ خلص أول واحد يدخل من الباب. طبعا هذه هداية من الله، لكن أنت شوف طريقة التفكير وطريقة التعامل مع الوقائع، طيب.
فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد. فلما إليهم أخبروا الخبر. قال صلى الله عليه وسلم: «هلم إلي ثوباً». فأتي به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بنحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً». ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ثم بنى عليه.
وكانت قريش تسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي الوحي الأمين. فلما يفرغوا من البنيان وبنوه على ما أرادوا، قال زبير بن عبد المطلّب ذكر الأبيات. قال ابن إسحاق، قال ابن هشام: وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر ذراعاً، وكانت تكسى قباطي، ثم كسيت البرود، أول من كساها قباطي يقول هنا: ثياب رقاق بيض تصنع في مصر، طيب.
قال أمر الحمس. قال ابن إسحاق: أول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف الثقفي في زمن يزيد بن معاويه، طيب.
أمر الحمس، الحمس هم القرشيون، كانوا يلقبون بالحمس لتشددهم في الدين. قال ابن إسحاق: وقد كان قريش -لا أدري قبل الفيل أم بعدها- ابتدعت أمر الحمس رأياً رأوه، أرادوا فقالوا: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت وقاطنو مكة وساكنوها، وليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلنا ولا تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئاً من الحل كما تعظمون الحرم؛ بأنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظموا من الحل ما مثل ما عظموا من الحرم. فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها.
فقريش كانت في الحج لا تقف على عرفة، حدها تقف عند وين؟ عند مزدلفة، بتقول: نحن بنوقف عند مزدلفة ولا نقف إلا في مشاعر تكون ضمن حدود الحرم، أما أن نكون مثل العرب نذهب إلى عرفة ما بزبط؛ لأن عرفة خارج حدود الحرم المكي، طيب.
ويرون النساء العرب أن يقفوا عليها ويفضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم، فليس ينبغي لنا أن نخرج من حرمه ولا نعظم غيرها كما نعظمها، نحن الحمس والحمس أهل الحرم. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من ساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم، وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك. قال: كنانة وخزاعة أدخلوا أنفسهم مع قريش بهذا الشعار أنهم حمس.
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة النحوي أن بني عمرو بن صعصعة، أن بني عامر بن صعصعة بن معاوية أبي بكر بن هوازن دخلوا معهم في ذلك، وأنشد لعمرو بن معد يكرب: عباس لو كانت جيادنا بتثليث ما ناصيت بعد الأهاَمسا قال ابن هشام: ما ناصيت، أي: ما أخذت بنواصي الأهامس، يعني: ما ساويتهم في المنزلة.
قال: يعني بالأهامس بني عامر بن صعصعة، وعباس بن مرداس السلمي، وكان أغار على بني زبيد بتثليث، وهذا البيت في قصيدة لعمر: شهدت لقيط بن زراره الدارمين في يوم جبيلة أقدم إليك أنها بنو عبس معشر الجلة المعشر الجلة في القوم الحمس؛ لأن بني عبس كانوا يوم جبيلة حلفاء في بني عامر بن صعصعة، وكانوا يوم جبيلة يوماً كان بين بني حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وبين بني عامر بن صعصعة، فكان الظفر فيه لبني عامر بن صعصعة إلى بني حنظلة، وقتل يومئذ لقيط بن زراره بن عدس، وأسر حاجب بن زراره بن عدس، وانهزم عمرو بن عدس بن زيد بن عبد الله بن أنس بن مالك بن حنظلة.
ففيها يقول جرير الفرزدق: كأنك لم تشهد لقيطاً وحاجباً وعمر بن عمرو إذ دعوا لآل دارم هذا، هذا كله استطراد لبيان أن بني عامر بن صعصعة أيضاً عدوا من الحمس بدليل أنهم ذكروا في الأشعار بهذا الوصف: عباس لو كانت جيادنا بتثليث ما ناصيت بعد الأهامسا المقصود بالأهامس هنا بني عامر بن صعصعة الذين دخلوا معهم في معبد المهم، نعم.
قال: ثم التقوا يوم ذي نجب فكان الظفر لحنظلة على بني عامر، وقتل يومئذ حسان بن معاوية الكندي وهو ابن كبشة يزيد من الصاقين الكلابي، وانهزم طفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب أبو عامر بن طفيل. فيرزق منهن إذ نجا طفيل بن مالك على قرزل رجل ركوض الهزائم ونحن ضربنا هامة بن خويلد أن يزيد على أمة فراخ الجواز إلى آخر الأبيات. وحديث يوم جبيلة ويوم ذي نجب أطول مما ذكرت، وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت في حديث الفجار أنه هذا مش موضوعنا، أنه نعرف بعض الإشكالات بين القبائل العربية، طيب.
قال ابن إسحاق: ثم ابتدعوا في نرجع لقريش. ثم ابتدعت قريش في ذلك أموراً لم تكن لهم، يعني قريش ما وقفت في الابتداع عند فكرة الحمس وأنه نحن ما بنطلع على عرفة ونحن نبقى في مزدلفة، زادوا على ذلك.
قالوا مثلاً: حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن تقط الأقط، ولا يسلا السمن وهم حرم، ولا يدخل بيتاً ولا. الأقط اللي هو الجميد تمام، ايش يعني تاقط الأقط؟ يعني أن يصنعوا الأقط الجميد، وهو شيء يصنع من اللبن، طيب. ولا يسلا السمن، أي لا يذيب الزبد ويصيره سمناً، نعم.
قال: ولا يدخل بيتاً من شعر ولا يستظل إليه، إنه يعني لا يجوز لهم أن يصنعوا الأقط ولا يذيبوا وهم في أثناء الاحرام المراد أثناء فترة الاحرام ما بصير نعمل ها الأشياء، طيب.
قال: ثم ولا يدخلوا بيتاً من شعر في أثناء إحرامهم، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم اللي هو الجلد ما كانوا حرماً، طيب.
قال: ثم رفعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحل إلى الحرم إذا جاؤوا حجاجاً وعماراً، لا يطوف ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في هذه الحمس، فإن لم يجدوا منها شيئاً طافوا بالبيت عراة.
آه، وقالت قريش: وبرضه والناس اللي بيجوا من بره من غير الحمس ما بصير يأكلوا من طعامهم الشخصي، ولا يلبسوا ملابسهم؛ لأن هي ملابس عصوا فيها الله سبحانه، فأي واحد عربي بدو يدخل مكة حاجا أو معتمراً ياكل من طعامنا ويلبس من لباسه. طيب، إذا ما عنده مصاري يشتري لباسكم، يطوف عرياناً رجلاً أو امرأة، نعم.
قال: الطاف، طواف عراة، أي قال: فإن تكرم منه متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب أحمس، فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو لا أحد غيره أبداً، كانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى، فحملوا.
قال: فإذا تكرم منه متكرم يعني تنزه وترفع عن الطواف عرياناً رجل أو امرأة، ولم يجد ثياب أحمس، طاف في ثيابه الشخصية التي جاء بها من الحل، لكنك بعد ما تطوف بها تلقيها إذا فرغت من طوافك، طيب. ثم فتسمى هذه الثياب التي يلقونها ايش؟ اللقى، يعني قبل ما تطلع من مكة بدك تكون ألقيت هذا الثوب، فاصبح اسمه هذه الثياب اللقى يعني الثوب الملقى.
طيب، فحملوا على ذلك العرب، ألزموهم قريش، ألزمت العرب بهذه القوانين الجديدة.
قال: فدنت به، وقفوا على عرفات، أفاضوا منها، وطافوا بالبيت عراة، أما الرجال فيطوفون عراة، وأاما النساء فتضع إداهن ثيابها كلها إلا درعاً مفرجا عليها ثم تطوف فيه. فقالت امرأة من العرب: وكذلك تطوف البيت اليوم يبدو بعضها أكله وما بد منه، فلا أحل من طاف منهم.
قال: وأما النساء فتضع إداهن ثيابها كلها، تخلع كل ثيابها إلا درعاً مفرجا يعني مشققا عليها، الدرع هو زي الدشداش يعني زي العباية وبتكون مشققة وباقي ثيابها بدها تخلعها، وهذه الدرع المفرج يبدو منه سواتها وعورتها، ما هو درع مفرج أصلاً يعني مقطع، نعم.
قال: من طاف منهم في ثيابه التي جاء فيها من الحل ألقاها فلم ينتفع بها هو لا غيره. فقال قائل من العرب يذكر شيئاً تراكم من ثيابه فلا يخربه وهو يحبه، كفى حزن كري عليه وكانه لقم بين أيدي الطائفين حريمه. يعني هذا الرجل كان عنده ثوب اضطر أنه يلقيه من اللقى وكان يحب هذا الثوب، فكان كل شوي بيروح بشوفه ويبكي عليه أنه خلوني أتخلى عنه غصباً عني، نعم.
قال يقول: لا يمس. فكانوا كذلك حتى بعث الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم، فانزل عليه حين أحكم له دينه وشرع له سنن حجه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]. يعني قريشاً والناس العرب رفعهم في سنة الحج إلى عرفات والوقوف عليها، ثم أفيض، يعني يا قريش من حيث أفاض الناس يعني العرب، يعني عليكم أن تصعدوا إلى عرفة ولا تبقوا عند مزدلفة، طيب.
قال: وأنزل عليه صلى الله عليه وسلم فيما كان حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت حين طافوا عراة، وحرموا ما جاؤوا به من. نعم، أنزل الله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
استروا عورتكم عند كل مسجد.
فوضع الله أمر الحمس، وما كانت قريش ابتدعت منه على الناس، يعني الإسلام أبطل هذه العادات الجاهلية. قال ابن إسحاق في ذكر إسناداً عن جبير بن مطعم: لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه الوحي وانه لواقف على بعير له بعرفات مع الناس من بين قومه حتى يدفع معهم منها. ايش يعني؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل أن يبعثه الله نبياً، قبل الأربعين. النبي صلى الله عليه وسلم كان يحج ولم يكن يفعل كما كانت تفعل قريش يقف عند مزدلفة بل كان يصعد مع العرب إلى عرفات، فهذا معنى قولي أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه، يعني قبل أن يبعث، حج مع الناس ولا يفعل كما تفعل قريش أن تقف في مزدلفة، بل يصعد لعرفات.
خلصنا أمر حدوث الرجوم وإنذار الكهان. كيف أنذر الكهان بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن إسحاق: أمر حدث الرجوم من ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: وكانت الأحبار من اليهود والنصارى والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه. أما الأحبار من يهود ورهبان نصارى فعما وجدوا في كتبه من صفته وصفة الزمان وما كان معهم من بيان في أمرهم فيه، أما الكهان العرب فأتتهم شبيه الشياطين من الجن فيما تسترق من السمع، إذ كانت هي وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف من النجوم، وكان الكهان والكاهن لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره، فلا تلقي العرب ذلك في هباله حتى بعثه الله عز وجل وقعت تلك الأمور التي كان يذكرونها فاعرفوها.
فلما تقرب أمر الرسول عليه السلام، حجز الله وبعثه حجوز الشياطين عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد لسماع السمع فيها، فرميت بالنجوم فعرفت الجن أن ذلك حدث من أمر الله في العباد. يقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين بعثه يقص عليه خبر الجن إذ حجبوا عن سمعه فاعرفوا ما عرفوا ما أنكروا ما أنكروا من ذلك حين رأوا ما رأوا: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا * وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا ولدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: 1-9].
فلما سمعت الجن القرآن قال: عرفت أنها إنما منعت من السماء قبل ذلك لئلا يشكل الوحي لئلا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيلبس عليها الأرض ما جاءه من الله فيه لوقوع الحجة وقطع الشبهة، فآمنوا وصدقوا ثم ولوا إلى قومهم منذرين قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ موسى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: 30].
وكان قول الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6]، أنه كان رجل من العرب من قريش وغيرهم إذا سافر فنزل وادياً الأرض يبيت فيه قال: أعوذ بالعزيز هذا الوادي من الجن من شر ما فيه. قال ابن هشام: الرهق الطغيان والسفه. قال: قال ابن العجاج: إذ تستبيلي الهيامة المراهقة، وهذا بيت الجزل. والرهق أيضاً طلبك شيء حتى تدنوا منه فتأخذها ولا تأخذه. وقال وأيضاً مصدر لقول الرجل للرجل: رهقت الإثم والعسر الذي أرهقتني، رهق شدة حملت الإثم والعسر الذي حملتني حمل شدة في كتاب الله عز وجل: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: 80] ايش يعني يرهقها؟ أن يحملهما طغياناً وكفراً. ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: 73] يعني ايش؟ لا تحملني. فالإرهاق يأتي بمعنى التحميل، هذا هو الذي قال ابن إسحاق.
قال ابن إسحاق: حدثني عقوب بن المغيرة بن اخنس أن أول عربي فزع للرمي بالنجوم الرمي هذا حي ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجل يقال هو عمرو بن أمية أحد بني علاج. يعني العرب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأشهر بدأت ترى أن الشهب تنزل بكثرة، وأول من لاحظ هذا قبيل الثقيف، لاحظت أن الشهب عم تنزل من السماء بكثرة قبل أشهر من بعثه النبي عليه الصلاة والسلام، فذهبوا إلى رجل منهم يقال لعمرو بن أمية. وكان أدهى العرب وأنكرها رأياً.
فقالوا، قال: يا عمرو ما حدث في السماء من قذف هذه النجوم؟ قال: بلا فانظروه، إذا كانت معالم النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر وتعرف بها المياه من صفاء لما يصلح الناس في معيشهم هي التي يرمى بها فوالله طي الدنيا وهلاك خير فيها، وإن كانت نجوم أخرى وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد فهذا لأمر أراد الله بهذا الخلق فما هو؟
وما هو يعني الله أعلمه، يعني هو يقول لهم شوفوا إذا كانت النجوم اللي عم تنزل هو النجم القطبي الشمالي والأنجم الأساسية معناته اقرأوا على الدنيا السلام راحت، أما إذا كانت نجوم أخرى معناته في شيء أراده الله بس أنا مش قادر يعني أعرف ما هو بالضبط.
يعني الله أعلم أنه يعني أبعدهم رأي، يعني في عنده بعد نظر، نعم يأتي بالأفكار الغريبة.
وقال ابن إسحاق وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن ابن عباس عن نفسه والنصارى إنسان قال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به؟ قالوا: يا نبي الله كنا نقول إحنا رأينا يرمى بها مات ملك، ولد مولود، مات مولود. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك، ولكن الله تبارك وتعالى كان إذا خاض في خلقه أمراً سمعوا من العرش فسبحوا، فسبح فسبح من تحتهم بتسبيح، فسبح من تحت ذلك فلا زال تسبيحه يهبط حتى ينتهي السماء الدنيا ويسبحوا، ثم يقول بعض مما سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا. سبح فيقول: لا، بل هو فوق مما سبحه. فيقول ذلك حتى ينتهي إلى حَمَلَة العرش. فقال لهم: مما سبحتم؟ فيقول: قضى الله عز وجل في خلق كذا وكذا للأمر الذي كان، فيهبط به الخبر من السماء إلى السماء حتى ينتهي السماء الدنيا فيتحدث به فتسرق شياطين بالسمع على توهم واختلاف فيما يتبعه الكهان من أهل الأرض فيحدث به فيخطئ ويصيب، فتحدث به الكهان فيصيب بعضهم ويخطئ بعض. من الله عز وجل حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة.
قال إسحاق: حدثنا عمرو بن أبي جعفر بإسناد حديث بمثل حديث هاشم عنه، قال: قال ابن إسحاق: حدثني بعض أن رأت من بني سهم يقال لها الغيطلة كانت كاهنة في الجل جاءها صاحبها ليل ليالي فيقض. صاحبها يعني تابعها جنها. قال: فانقض تحتها ثم قال: أَدْرِ أَدْرِ يَوْمَ سَقَطَ تحتها. قال: يوم عقل نحق قريش نحن بلغ ذلك ما يريد. ثم جاء ثم جلدة أخرى فانقض تحتها فثم قال: شَعُوبُ مَا شَعُوبُ تُصْرَعُ فِيهِ كَعْبٌ لِجَنُوبِ. فلما بلغ ذلك قريش قالوا: ماذا تريد؟ أن هذا الأمر كائن فانظروا ما هو، فلم فلم يعرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب فعرفوا أنه كان الذي جاء به أصحاب التقال بن شام. قال: الغيط من بني مره بعد، فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد فعرفوا ما هو قادم لهم.
قال ابن إسحاق: حدثني علي بن نافع بن الجرشي أن جنباً بطن من اليمن كان كاهناً في الجاهلية، فلما ذكر متشف العرب قالت له جنب: انظر لنا ما في هذا الرجل. واجتمعوا له في أسفل جبلة، فنزل عليه حين طلعت الشمس وقف لهم قائمة متكئاً على قوس فرفع رأس السماء طويلاً ثم جعل ينزو. فقال: أيها الناس. ينزو يعني ايش؟ قال: يقفز. قال: إن الله كان محمد الصفاء وطهر قلبه وحشاه ومكثه فيكم أيها الناس قليل، ثم أسند في جوله راجع من حيث جاء. قال: أصحاب حدث حدهم عن عبد الله بن كعب مولى عثمان عفان أنه حدث أنه حدث عمر عن عمر بن الخطاب بينما هو جالس في الناس في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم إذ قال رجل عربي داخل داخل المسجد يريد عمر بن الخطاب. فلما نظر إليه عمر وقال: أن رجلاً على شركه ما فرقه بعد أو لقد كان كاهناً في الجاهلية، فسلم عليه.
عمر من بعيد شافه قال: هذا رجل يا مشرك يا أو كاهن. قال: إن هذا الرجل الداخل عليكم الآن لعلى شرك أو لقد كان كاهناً. فصل عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر: هل أسلمت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. فاذا الآن ما بقي إلا الاحتمال الثاني، قال: أنت كنت كاهناً في الجاهلية؟ فقال رجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين لقد خلت في يعني والله كعرفت أني أنا فعلاً كنت في الجاهلية أمارس الكهانة، خلت في يعني عندك فراسة.
لا، يعني عمر كأن بخبرته بفراسته لما دخل الرجل قال: هذا رجل شكله شكل الكهان، يعني ما له علاقة بالكهان ولو قديماً. يعني قال: واستقبلتني بأمر عمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما وليت. قال عمر: اللهم غفراً، إنه أنت ما بصير أنك حكمت علي قدام الناس أنه أنا هذا مشرك أو كاهن، فأنت لما حكيت هيك شوي استعجلت علي، أنا كنت كاهن بس هسه تركته قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام ونعتقو حتى أكرمنا الله بالإسلام. قال: نعم والله أمير المؤمنين لقد كنت كاهناً في الجاهلية. قال: فأخبرني ما جاءك به صاحبك؟ عمر بده يقول له خبرني صاحبك اللي هو الجن تاعك في الجاهلية، هل أعطاك معلومة عن النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يبعث؟ قال: جاءني قبيل الإسلام بشهر أو شيعي أو شيعة يعني قل يعني قريب منه شيعة يعني قريب من شهر، فقال: ألم ترى إلى الجن وإبلاسها؟ هي إبلاسها يعني الإحباط اللي عندها وأياسها من دينها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها.
قال هشام: هذا كلام سجع وليس بشعر. قال: طبعا دائماً معروف إخواني الكهان هم سادة السجع في الجاهلية، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يلوم من يسجع كثيراً ويقول: سجع كسجع الكهان. الكهان كان طريقة خطابهم للناس دائماً عبارة عن جمل مسجوعة على ميزان معين.
قال ابن إسحاق: قال عبد الله قال عبد الله بن كعب فقال عمر عند ذلك: حدث الناس والله إني عند وثن من أوثان الجاهلية في قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلاً فنظر انتظر قسمة ليقسم لنا منه إن سمعت من جوف العجل صوت ما سمعت صوتي، أقدم أنفذ منه وذلك قبيل اسم شهر أو شيعي يقول: يا ذارح أمر نجيح رجل يصيح لا يقول لا إله إلا الله. قال ابن هشام: رجل يصيح بلسان فصيح يقول: آل الله وأشهدني بعض أهل العلم بالشعر عجبت الجن وبلاسه وشد من جوف العجل هذا رجل ذبح عجل وكان عمر بن الخطاب والقرشيين مستنيين أنه ايش أنه يوزع عليهم ليشيلهم ولا شغله. قال: فسمعنا صوتاً من جوف العجل المذبوح وكانه في هذا العجل جواته جن قال: يعني لهم انتبهوا أن هناك شيء سيحصل وهذا يدل على أنه في قبيل مبعثه كثر صراخ الجن والكهان بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم واسترقوا السمع من السمع.
قال ابن إسحاق: هذا ما بلغنا عن كُهَّانِ العرب إنذار يهوداً برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: حدثنا عس بن عمر القتادة عن رجال من قومه قالوا: إن اند عن الإسلام مع رحمة الله وهداه لما لما كنا نسمع من رجال يهود كنا أهل شرك بأصحاب الأوثان وكانوا أهل كتاب وعندهم ليس عن عندهم علم ليس عنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شهور.
تعرف الأوس والخزرج كان بينهم وبين اليهود دائماً في المدينة ايش؟ مشاكل وحروب، بس كانوا اليهود دائماً يستطيلون عليهم أنه سيخرج نبي وسنقَاتِلُه نقاتلكم يعني.
قال: فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا إنه قد قارب الزمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه وقت عدم، فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منه. فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى وعرفنا ما كانوا يتوعدون به فبادرناها إليه فآمنا به وكفروا به، ففينا الخرج آمنوا والكوت كفروا، ولما جاءهم عرفوا كفروا به. قال ابن هشام: يستفتحون يعني يستنصرون ويستفتحون أيضاً تعلم يعني يتحاكمون ربنا افتح بيننا يعني احكم بيننا.
قال ابن إسحاق بإسناده. قال بإسناده عن سلمة بن سلامة بن وقشة وكان سلمة من أصحاب بدر قال: كان لنا جار من اليهود بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يوماً بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل. قال سلمة يومئذ أحدث من فيه سناً علي بردة لي مضطجع فيها بثني أهلي فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة النار فقال قال.
فقال ذلك إلى قوم من أهل الشرك أصحاب ثان ولا لا يرون أن بعثاً كان بعد موت، فقالوا له: يحك فلان، أترى هذا كان أن الناس يبعثون يبعثون بموتهم إلى دار فيها الجنة والنار يجزون فيها بأعمال؟ قال: نعم، والذي يحلف به، ولو أن لي بحظه تلك النار أعظم أعظم تنور في الدار يحمونه يدخلونه إياه فيطينونه عليه أن ينجو من تلك النار غدا.
فقالوا له: يحك يا فلان، فما آية ذلك؟ قال: نبي مبعوث من.
قال: يعني لو أن الشخص يود الشخص لو أن كان في الدنيا تنور من نار يدخل فيه مقابل ألا يدخل في نار جهنم، قال: ولو أن له بحظه من تلك النار يوم القيامة أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه، يعني لو تدخلوني في تنور الدنيا ويشوى وتسكروا عليه وأموت أسهل من أن أدخل نار جهنم يوم القيامة.
فهكذا اليهود، اليهود كانوا معرفة بالجنة والنار بينما الأوس والخزرج كانوا يعني ما يؤمنون أن هناك بعث ولا جنة ولا نار، فكانوا يتعجبون من كلام اليهود ويقولون: إيش بولفوا هذول الجماعة؟ سبحان الله ما بعث محمد صلى العصر آمن به الأوس والخزرج وكفرت به اليهود.
نعم، قال: نبي نبي أبو عثمان بنحو البلاد وشربه إلى مكة اليمن، قال: ومتى وراه؟ قال: فضل ومن حديث السنة، قال: سغم عمره ويدرك، قال: سلمته فوالله ما ما ذهب ليل النهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم هو حي بين ظهرنا فمنا به وكفر وكفر به بغي حسد.
هذا الشيخ اللي كان وعظنا من اليهود هو هو نفسه كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم واحنا آمنا بالنبي عليه الصلاة والسلام، قال: فقلت له يا يحك يا فلان، أستبالذي يعني يوم أعطيتنا خطبة عصماء وقلت ما قلت؟ قال: بلى ولكن ليس به مش هذا هو الرسول اللي كنت بحكي لكم عنه.
قال ابن إسحاق: قال وأحدث عاصم عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني ق قال لي: هل تدري عما كان الإسلام ثعلبة بن سعيبة وأسيد بن سعيبة وأسد بن عبيد نفر من من هدل أخوة بني قريضة كانوا معه في جليت ثم كانوا يسدوا في الإسلام، نفر من هدل قبيلة.
أصبحوا محسوبين على بني قريضة، فكانوا محسوبين يهود، هؤلاء الثلاث محسوبين كانوا على اليهود، طيب؟ قال: قلت له قال: فان رجل من يهود أهل الشام يقال له ابن الهيبان قدمنا قبل الإسلام بسنين فحل بيننا، والله ما رأيت رجلاً قط يصلي الخمس أفضل منه فقام عندنا، فكان إذا قحط عنا مطل قلنا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستقنا فيقول: لا والله حتى تقدم بين مخرج صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاع الدين من شعير، قال: فنخرجها ثم يخرج من إلى ظاهر حرتنا فيستقها لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقه، وفعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث، قال: ثم حضرت وفات عندنا، فلما عرف أن ميت قال: عشر يهود ما ت ما ترونه وأخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع، قال: فقلنا أنت على.
أنا يا يهود، لماذا تركت الشام اللي فيها الخمر والدنيا والرغد واتيت إلى يثرب اللي كلها بؤس جوع؟ ايش أخرجني؟ فقلنا أنت أعلم.
قال: فإاني إنما قدمت هذه البلدة أتتوقف خروج نبي قد أظل زمانه، أتتوقف يعني أترقب، قال: هذه البلدة مهاجر فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فانه يبعث بسفك الدماء يعني يبعث بالحرب والقتال وسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعنكم ذلك منه.
فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريضة قال هؤلاء الفتية الثلاث وكانوا شبانًا: يا بني قريضة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا: لا ليس به، قالوا: بلى والله إنه بصفته، فنزلوا فاسلموا فأحرزوا دماءهم، هؤلاء الثلاث أحرزوا دماءهم وأما الباقون فقتلوا، طيب؟ نعم.
نعم، هذا الرجل الذي يظهر إذا كان صادقاً بينه وبين الله أنه يعتبر ممن مات على التوحيد قبل أن يلقى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا كثير في آخر رهبان اليهود وآخر رهبان النصارى، نعم.
قال أمر سلمان الفارسي، قال إسحاق: وحدثنا عاصم بن عمر بن قتادة عن الأنصار عن محمود عن ابن عباس قال حديث سلمان الفارسي من فيه قصة لأم سلمان الفارسي نقراها سريعاً، نعم.
قال: كنت رجلاً فارسياً من أسبان في قرية، قال لها جي، وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق دهقان عن المسؤول عن القرية، نعم.
قال: المز به حب حتى بسني في بيته كما تحس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطب النار التي يقدها لا يتركها تخب ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل بها، فشغل في بنيان لقومه في بنيان له ياما، قال: يا بني، إنك قد شئت في بنيان هذا اليوم عن ضيعت فذ إليها فاطلعها ولم أرني فيها ببعض ما يريد، ثم قال: ولا تحتبس عني لأنك إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري وشغ شغلتني يعني كل شي.
قال أبوه بحبه كثير، أبوه كان بيحبه كثير ولا تأخر على البيت، طيب؟ قال: فخرجت أريد ضيعته التي بعثني بها، فمررت بكنيسة من نصارى فسمعت أصوات فيها ومصلون، كنت لا أدري ما أمر الناس حبس، هو رايح سلمان في الطريق شاف كنيسة للنصارى فشاف أن حال النصارى أحسن من حال المجوس، نعم.
قال: فلما استخلت دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلما رايتهم عجبتني صلاتهم وغبت في أمرهم، قال: وقلت هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما بلحتم حتى غضبت الشمس وتركت ضاعة أبي فلم أتيها كما قلت لهم أين أصديت؟ قالوا: الشمس رجعت إلى بي وقد بعث في طلبي وشغلتش شغلت وشغلته عن عملي، هو قال لي ما تأخرت، رحت أنا تأخرت، طيب؟ قال: فلما جئته قال: أي أنا كنت؟ قال: ألم أكن عهدت عليك ما عهدت؟ قال: قلت يا أبت مرضت بين ناس في الكنيسة له فعجبني مريت دينهم والله ما زدت عندهم حتى غربت الشمس، قال: يا بني ليس في ذلك الدين خير، دينك باك خير لك خير منه، قال: قلت له: كلا والله إنه الخير من ديننا، فقال: فخافني فجعل في رجلي قيضاً ثم حبسني في بيته، قال: وبعثت إلى النصارى فقلت لهم هذا قد إذا قدم عليكم من الشام فأخبروني، فقال: فقدم عليه مرك من الشام تجار من النصارى فأخبروني به، فقلت لهم إذا قضوا أحواجه ما أرد رجعت فأذن به، قال: لما أردت ف أخبرني فقلت الحديث مرجي ثم خرجت معهم حتى شام، فلما قدمتها قلت هذا من الأفضل من أفضل هذا الدين علماً، قالوا أسقف في الكنيسة قد جت، فقلت له: إنني إني قد غبت في هذا الدين وحب أن أكون معك خذ أخدمك في الكنيسة وتعالى منك وأصلي معك، قال: ادخل فتخت معه، قال: فكان الرجل سوء يمر بصدقة يرغبهم فيها، فاذا جمعوا له شيئاً منها تنزه لنفسه ولم يعطيه مساكين حتى جمع سبع ق من ذهب من ذهب وأرق، قال: وأبغضته بغضاً شديداً لما رايته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى يدفنونه، فقلت لهم إن هذا كان رجع سوء يمر صدق يرغبكم فيها فيتجمون فيها.
اكتشف أنه هذا الراهب رجل نصاب كان بيأخذ المصاري على أنه هو يعني بدها الخير وأنه ما كان يكنزها، ففضحه وكشفه عند موته، طيب؟ قال: اكتنز عن نفسه ولم يعطسكين من شي، فقال فقال: وما يعلمك بذلك؟ قال: قلت لهم: أنا أدلك على كَنزه، قال: فدل عليه، قال: فرأيتم موضعه فاستخرجوا سبع قلاماً وتذهب الورقة، قال: فلما راوها قالوا: والله لا ندفنه أبداً، قال: فصلوه رجو بالحجاره وجاء قالوا: والله لا ندفنه فصلبوه ورجموه بالحجارة، نعم.
قال: جاء رجل أخرج على مكانه، قال سلمان: فمرت رجلاً صلخمسه أرى أنه أفضل منه أسد في الدنيا.
انتقل سلمان لرجل آخر من الرهبان بس كان رجل نظيف، نعم.
قال: ولا أذب ليل ونهار منه، فقال: فحبت حبا لم أحب شيئاً لم أحبه شيئاً قبله، قال: فأقمت معه زماناً ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت قد كنت معك فحببتك وحب أحبه شيئاً قبلك، وقد حضرتك كما ترى من أمر الله، فإلى من توصي بي وبمورين؟ قال: يا ابني، والله ما أعلم اليوم أحداً على ما كنت عليه، قد هلك الناس وبدلوا ويترفوا أكثر ما كان عليه أن رجاً بالموصل فهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به، قال: فلما مات وغيب الحق بصاحب الموصل، قلت: يا فلان، إن فلاناً أوصاني عند موته الحق بك أخيراً أنك على أمله، ف قال فقال فقال فقال لي أخيم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على صاحبه لم يلبث أن مات، فلما حضرته قلت له: يا فلان، إن فلان إن فلان أوصى بيك وامرني بالحقوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى في من تصي وبما تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلم رجلاً على على مثل ما كن عليه إلا رجلاً بين نصيبين، ونصيبين هي في تركيا جنوب تركيا، نعم.
قال: فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرتها أخبري خبري وما أمرني به صاحبه، فقال: فقم عندي فقمت عنده فجته على أمر صاحبيه وفقم على خير رجل، فوالله ما بث أن نزل به الموت نزل به الموت، فلما حضر قلت له: يا فلان، إن فلاناً كان أوصى بي إلى فلان لما أوصى بي فلان إليك فلا توصي به وبما تأمرني؟ قال: يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا على أمرنا أمرك تاتيه إلا رجلاً بعمورية من أرض من أرض م أنه على مثل ما نحن عليه في عمورية أي في جنوب يعني في تركيا أيضاً.
قال: فحببت فاتفن على أمرنا، قال: فما تغيب الحق بصحب العمريه فخذها خبري، فقال: أقم عندي فقمت عند أخير رجل على أصحابه وامرهم، قالت: حتى كانت لي بقرات وغنيمة، قال: ثم نزل به أمر الله تعالى، فلما حضر قلت له: يا فلان، إنني كنت مع فلان فوصى به لفلان ثم أوصى به لفلان ثم أوصى به فلان إليك فلما توصي بهم تبني قبله والله ما أعلمه أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس أمورك بها تديه، ولكن قد قد ظل زمان نبيا هو مبعوثه بدين إبراهيم يخرج من بالارض العربي وهاجر إلى أرض بين حرتين بينما نخل به علامات لا تخفى يأكل هديه ولا يكون صدقة بينك في خاتم النبوه فست أن تلحق بتلك بدا تفعل.
قال: ثم تغيب وكث عمري ما شاء الله، فما مر بيفر من كلب تجار قبيلة كلب تجار، نعم.
قال: فقلت لهم أحملوني إلى أرض العربي وأعطيكم بقراتي هذه وغنيتي هذه، قال: نعم فأعطيكموها حلين معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني يبعون من رجل عوا أعطاهم البقرات خانوه طلبوا عليه باعوه لرجل يهودي على أنه عبد.
قال: فكنت عنده ورايتخرجت أن يكون البلد الذي وصف لصاحبه ولم يحق في نفسه، فبين أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من قريض من المدينة ففتاعني منه فاحتمني إلى المدينتهي، فوالله ما هو إلا وادي القرى طبعا هو مش المدينة، قال: سبحان الله وانا في وادي القرى هذا عند هذا اليهودي اجا يهودي من بني قريضة اشتراني من ابن عمه وأخذني لا يثرب، نعم.
قال: فعرفتها بصفه صاحبي فقمت بها وأب وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ثم فقام مكة ما أقام لا أسمع له بذكر ما مع شغل رق ثم هاجر إلى المدينة، والله إن في راس عذق لسيدي أعلم به أعلم له فيه بعض العمل وسيدي جالس من تحته قبل ابن عمر له حت حتى وقف عليه، فقال: يا فلان، قاتل الله بني قيلة، والله بني قيلة اللي هم الأوس والخزرج، نعم.
والله أنه الآن مجتمع مجتمع البقباء على الرجل عن مكة اليوم يزعون أنه نبي، قال ابن هشام: قيلا بنت كاه بن عذره بن سعد بن زيد بن ليث بن سود بن اسم بن الحافق قضعة أم الأوس أم الأوس خز قال عنه.
وهذا كأنه نوع طبعا من الذم أنك تقول بني قيلة بدل ما تناديهم باسم أبيهم تناديهم باسم أمهم، نعم.
قال ابن إسحاق باسنادي عن سلمان قال: فلما سمعتها اخذتني العروى، قال ابن شام: العرودة من البرض والانتفاض حتى ظنتني أني ساسقط على سيدي، فنزلت على النخلتي فجعلت أقول ابن عمي هذاك ما تقول ما تقول، فغضب سيدي فلقمي لكمة شديدة ثم قال: مالك ولهذا اق سلمان الفارسي نزل هبط قال له شو بتحكي؟ فسيده اليهودي ضربه لكمة وقال له: اشتغل في شغلك أنت ما لك علاقة بالكلام اللي بيني وبين.
قال: فقلت لا شيء إنما أرادت استفته عما قال، قال: وقد كان عندي شيء قد جمعته فلماات أخذته ثم به إلى رسول، لما جاء الليل سلمان الفارسي تسلل وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، نعم.
قال: فدخلت عليه فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح أصحابك غرباء ذو حاجة وهذا الشيء كان عندي صدقتي فراتكم حق به من غيركم، فقال فقلت اليه، قال فقال صل عليه وسلم هو سلمان جاي يفحص علامات لأنه عرفوا العلامات من خلال الرهبان اللي كان عندهم.
أول علامة أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
فرأى، فقال: فقال أصحابه: كل. وأمسك فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي: هذا واحدة. ثم صرفت عنه فجمعته شيئاً وتحولت وتحولت الصيد، ثم جئت به فقلت: قلت له: إني قد رأيتك لا تأكل صدقة، وهذه هدية أكرمتك بها. قال: فأكل صلى الله عليه وسلم منها، وأمر أصحابه فأكل معه. فقال: فقلت في نفسي: هاتين الثنتان.
ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة جنازة رجل من أصحابه عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه، ثم سرت أنظر إلى ظهري هل أرى الخاتم الذي وصف لي لصاحبي. فلما أن استدبرته عرف أني استثبت في شيء وصف لي، فألقى رداءه عن ظهري، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فكببت عليه أقبله وأبكي. قال لي الرسول صلى الله عليه وسلم: تحول. فتحولت فجلست بين، تحول يعني اقعد قدامي أسمع منك نعم. قال: فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس، فأعجب صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه.
ثم شغل سلمان الرقة حتى فاته مع الرسول بدر أحد. قال سلمان: ثم قال لي: كاتِب يا سلمان. فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخسة أحبيها. كاتب يعني اشتري حريتك وادفع مصاري. نعم. قال: أحبيها له بالفقير بأربعين وقية. قال: من أصحابه: أعينوا أخاكم. فأعانوني بالنخل: رجل بثلاثين ودية، ورجل بعشرين ودية، ورجل بخمسة عشر، ورجل عشر، يعين الرجل بقدر عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية. فقال صلى الله عليه وسلم: اذهب إلى فاحفر لها. ودية فسائل النخل الصغيرة ثلاثمائة فسيلة نخل. نعم. قال: فإذا فرغت فأتني أكن أنا أضعها بيدي. قال: فقفرتها عني أصحابه حتى إذا فرغت جئته وأخبرته، فخرج معي إليها معي، فجعلنا نقرب إليه الودية ووضع بيده حتى فرغنا. النبي صلى الله عليه وسلم زرع كل هذه النخلات بيده. نعم. قال: والذي نفس المال بيده ما ماتت منها ودية واحدة. قال: فديت النخيل، بقي علي المال، فسول بمثل بيضة الدجاج من ذهب من بعض المعادن. فقال: ما فعل فارسيه ومكاتب؟ قال: فدعيت له، فقال: خذ هذه فأدها من معك. أعطاه أيضاً بيضة يعني مثل بيضة الدجاجة بس من الذهب، هذه يعني بعث بها علي بن أبي طالب من اليمن. نعم. قال: قلت: هذه لرسول مما عليه؟ فقال: خذها، إن في رسول أرسلها بعض. قال: فخذتها فوزنت بها له، فوزنت لهم منها، والذي نفس بيده أربعون وقية فأوفيتهم حقهم منها، وأعتق سلمان. فشهدت مع خندق حرا، ثم لم يفتني معهم مشهد.
قال إسحاق: وحدثني إيزي بن الحبيب عن رجيس عن سلمان أنه قال: لما قلت تق من الذعية يا رسول الله، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقله على لسانه ثم قال: خذها فأوف منها، فأخذتها فأوفيت منها حقهم كله أربعين.
قال ابن إسحاق: حديث عاصم بن عمر قتادة قال: حدثني من لاته عن عمر بن مروان قال: حدثت عن سماسيين أنه قال: إنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن حين أخبر الخبرة أن صحبي قاله: ائت كذا وكذا منطق الشام، فإن بها رجلين بين غيضتين، يخرج في كل سنة بهذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزاً، يعترضه ذوو الأسقام، فلا يدعو لأحد منهم إلا شوفي. فسأله عن هذا الدين الذي تبتغي فيخبرك عنه. قال: ما خرجت حتى جئت حيث وصف لي، وجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك، حيث خرج تلك ليه مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى، فغاشية الناس مرضاهم، لا يدعون المريض أنشوه وغلبون في وأغلبون عليه. فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخلها إلا. الغيضة هي زي الغابة اللي فيها شجر كثيف. نعم. قال: فتناولته، فقال: من هذا؟ هو التفت إليه فقال: قلت: رحمك الله أخبرنا عن حنيفي دين إبراهيم. قال: إنك لتسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم، قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم، فآته فيحملك عليه. قال: ثم دخل.
قال فقال رسول الله سلمان: إن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم.
قال أمر النفل الأربعة المتفرقين عن عبادة الأوثان في ضرب الأديان. قال إسحاق: واجتمعت قريش يوم في عنهم عند صنم من أصنام هذه قضية أنك يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم كما قالكم الحديث ضعيف جداً بهذه الطريقة. نعم. قال: عند صم له الأصنام هم كانوا يعذبون ويحرون يعكون يكون عنده يدرون به، وكان ذلك عيدا لهم في كل يوم في كل سنة يوما. فخلص منهم أربعة نفر نجية. ثم قال بعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض. قالوا: أجل. وهم: ورق بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قراق بن نوفل. هذا اختار النصرانية وكان موحدا. طيب. وعض الله بن جحد الا بنعمر بن صمرة بن عمر بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة، وكانت أمه أميمة أميمة بنت عبد المطلب، وعثمان بن حيهث بن أسد بن عبد العز بن قيمة بن جحش، هو الذي مات فيما ينقل، مات في الحبشة وقد ارتد آخر شيء. نعم. وزيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن عبد الله بن خرط بن حزاح. زيد بن عمرو هذا والد الصحابي الجليل سعيد بن زيد أحد العشر المباشرين، والده أحد الحنفاء، ومات وحاول أن يلحق النبي صلى الله عليه وسلم وما لاحقه، لكن الذي يظهر أنه كان يعني النبي صلى الله عليه وسلم ترحم عليه وأخبر أنه مات على ملة إبراهيم. نعم.
قال فقال بعض بعض: تعلم والله ما قومكم على شيء، قد أخطوا دين إبراهيم، ما حجر يطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، يا قومس أنفسكم، إنكم والله ما على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون أحفيد إبراهيم. استحكم في النصرية واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علما من أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن جحش فقام على ما هو عليه من التباس حتى أسلم، ثم المسلمين الحبشة معهم امرأته حبيبة بنت أبي سفيان مسلم وكان زوج حبيبة رضي الله عنها قبل ما يموت على النص. قال: فلما قدم الحبشة تنصر وفارق الإسلام حتى هلك هنالك نصرانيا، نسأل الله السلامة. نعم.
قال ابن إسحاق: حديث محمد بن جعفر بن زبير قال: كان عبيد الله بن جحش حين نص يمر بأصحاب وسلم هم هنالك من أرض الحبشة يقول فق فقحنا و وصاصاتم أي أبصارنا، وأنتم تتمسون البصر ولم تبصروا بعد. وذلك سبحان الله بعد ما كان يبحث عن الدين وجاءوا الإسلام وأسلم وراح على الحبشة تنصر، ولما تنصر في الحبشة أصبح يظن نفسه أنه إيش أنه هو على صح، وكان يمر بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الحبشة ويقول لهم: أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر. يعني لساتكم مقيمين على دين محمد صلى الله عليه وسلم، صحصحوا يا جماعة. قال: وذلك أن ولدك إذا أراد أن يفتح عينيه النظر لينظر، وقوله فقح فتح عينيه.
قال إسحاق: وخلف وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بعده عن امرأته حبيبة بنت بن سفيان بحر. قال: حدث محمد بن علي بن حسين أن صلى الله عليه وسلم بعث فيها إلى نجية عمرو بن عمي فخطبها عليه نجية فزوجه إياها، وصدقها عن رسول 400 دينار. فقال محمد علي: ما نراه عبد الملك بنان وقف صداق النساء على 400 دينار إلا عن ذلك، وكان الذي أملكه الرسول الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص. قال إسحاق: وأما عثمان وليها وليها كان من خالد بن سعيد بن العاصيل أنه كان ابن عمها أو ابن عمها شيء من كده، فكان خالد بن سعيد هو مولاها، ولكن المشهور أن الذي دفع مهرها ليس النبي عليه الصلاة والسلام، المشهور الذي دفع مهر أم حبيب النجاشي، وأنه دفع 4000 درهم. طيب.
قال حق عثمان بن حوارث قدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده بنشام. وعثمان، أما عثمان بن الحبيرث أحد قدم على قيصر فتنصر وحشرت منزله طيب. قام شام عثمان بن حوارث عند قيس حديث منعني من ذكره ما ذكر من الحديث. قال إسحاق: نعم وأصدقها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 400 دينار صمام 400 دينار إذا كنا الدينار ب 10 يطلع يساوي 4000 درهم فضي. نعم.
قال قائم ق زد عم فوقف في النصرانيه فرقدين قوم فاعتزل أوثان الميته قدام تذبح على الأوثان ونهى على قتل موده. قال: أعبد رب إبراهيم وبعد قومه بعيبه ما هم عليه.
قال مصحق: حديثش معرو عن أبيه عن أمه أسماء بنت أبي بكر قال: قد زيد بن عمر الفيل شيخا كبيرا مسد ظهر الكعبة وهو يقول: يا معشر قيشن زيد بن عمر بيده، ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيره. ثم يقول: والله اللهم لو أني أعلم أي الوجه أحب إليك عبدتك به، ولكن أعلمه. ثم يسجد على راحته، هو مش عارف كيف يعبد زيد بن عمرو بن زيد. طيب.
قال ابن إسحاق: وحدثت أن ابن سعيد بن زيد بن عمر في وعمر بن الخطاب سعيد بن زيد طيب. قال لس استغفر زيد بن عمر؟ قال: نعم يبعث أمه وحده. قال: فقال زيد بن عمر في فراقين قومي أشعارا. قال قال ابن هشام و طبعا الأشعار هذه نتجاوزها. طيب.
قال قال ابن إسحاق: وكان زيد بن عمر قد أجمع الخروج من مكة ليضرب في الأرض يطلب حيفدين إبراهيم، فكانت صفية بنت الحضرمية كلما راته قد تهيا الخروج وإراده أذن به خطاب نفيل، فكان خطاب نفيل عمه وأخاه لأمه، وكان يعاتبه على فلاق الدين قومه، كان خطاب وقد وكل صفيه به فقال إذ وقال: إذ رأيتني فده بامر فاذنيني به. وذلك شعرا. قالوا: وكان خطاب قد أذى زيدا حتى أخرجه حتى أخرجه إلى على مكة فنازل حرام مقابل مكة. خطاب والد عمر بن الخطاب كان يؤذي زيد والد سعيد بن زيد وينكر عليه أنه يرفض عبادة الأصنام. نعم.
قال وكر به خطاب شباب من شباب قريش وسام وكان يسلط عليه شباب قريش يضربونه يؤذونه. نعم. قال فقال له ما تك يدخل مكه فكان يدخلها إلا سم فاذا علموا به ذلك ا اذنوا به الخطاب فاخرجوه واذ كره ان يفسد عليه دينهم وان يتابعه احد منهم على فراقه فقال يعظم حرمته منهم استحل من قومه اني محرم لاحله وان بيتي اوسط المحله عند صفاء ليس بذ المظله ثم خرج طلب ابراهيم شيخ سوين أنت شو بتقرا صفحة 261.
ثم خرج يطلب دين ابراهيم صحيح. طيب. قال ثم خرج يطلب دين ابراهيم وسره الرحمن الرحبار حتى بلغ الموصله والزيطه كلها ثم اقبل بفجال الش الجزيرة الفراتية والمراد هنا الجزيرة الفراتية. طيب. حدثتها راهب بميفعه من الارض بارض البقاء ينتهي اليها علم اهل صيف يزعمون فساله عن حنيفيه ابراهيم قال زيد بن عمرو وصل للعراق وصار يسال الرهبان هناك عفوا الاحبار يعني هل تعرفون الدين فساله عن الحنيفيه دين ابراهيم. طيب. فقال انك قال انك ل تطلب ما انت بواج من يحي اليوم ولكن قد ظلك يخرج من بلادك التي خرج منها يبعث بدي ابراهيم حنيفيه فلق بها فنبعثه الان فهذا زمانه وقد كان شام اليهوديه نصيت فلم يرضى منهم شيئا وقد كان شامه يعني اطلع شامه يعني اطلع على اليهودية والنصرانية فلم يرضى شيئا منهما زيد بن عمرو فخرج سريعا حين نقول له يريد يريد مكة حتى إذا توسط بلاد لخم قتلوه قتل زيد بن عمرو في بين أظهر هذه القبيلة.
طبعا ورقة بن نوفل رثاه في قصيدة. قال ابن هشام: ويروى هذا لأمية بن أبي الصلت.
صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإنجيل. قال ابن إسحاق: قال ابن إسحاق وقد كان في مبالغ عما كان وضع عيسى بن مريم عليه السلام فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهليل منصفة الرسول مما أثبت يوحى الناس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل من أحد عيسى مريم في الرسول وسلم إليهم أنه قال: من أبغضني فقد فقد أبغض الرب، ولو لاني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنع قبله ما كانتهم خطيئة، لكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزونني أيضاً للربي، ولكن لا بد من أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أنهم بغضوني مجاناً أي باطلة، فلو قد جاء المنحمن المنحمن الذي يرسله الله إليكم من عند ربي روح القدس اللي هو الرسول. نعم. قال: هذا الذي من عند ربي خرج فهو شهيد علي، وأنتم وأنتم أيضاً لأنكم قديم كنتم معي، هذا قلت لكم لكي ما ت لكي ما لا تشكوا. فلمنحملنا بسرينه محمد وسلم بالرم سميت البرقليس اسم النبي عليه الصلاه والسلام بالسريانية هذا المن حمنا، وأما اسمه بالرومية البرقليطس.
طبي. قال ذكر ما اخذ الله عجل لسه من ميثاق الانبياء صل صلى الله عليهم اجمعين. قال حدثنا ابو محمد عبد الملك بن هشام قال حدثنا عبد الله بن زياد البكي عن محمد اسحاق المطلبي قال فلما بلغ محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 40 سنه بعث الله العالمين وكفت الناس وقال الله قد اخذ الميثاق قد اخذ الميثاق على كل نبي بعثه قبل بالايمان وتضيق له ونص له على من خلف وقد علم يؤد ذلك كل من امن به وصدقهم فادوا من ذلك ما كان فادوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه يقول الله عز وجل لمحمد
صلى الله عليه وسلم، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81]. فأخذ الميثاق عليهم جميعاً بالتصديق به والنصر له ممن خلفه، وأدوا ذلك إلى من آمن به وصدقهم من أهل هذين الكتابين.
ما ابتدئ به النبي صلى الله عليه وسلم في النبوة من الرؤية الصادقة، قال ابن إسحاق: وذكر الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة عباده به الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح مباشرة تتحقق اليوم الثاني.
حبب الله إليه الخلاء، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلوا وحده، يسمع الحجر والشجر. قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال المصحاب: حدث عبد الملك بن عبد الله بن سفيان، عن عبد العلاء بن جريدة الثقفي -وكان واعية- عن بعض أهل العلم: أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أراده الله بكرامته وابتداء النبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت. كان النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً قبيل البعثة بأشهر، إذا خرج ليقضي حاجته، يبعد في شعاب مكة ويدخل في بطون أوديتها، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال الحجر والشجر: السلام عليك يا رسول الله. فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله، عن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة. فمكث النبي صلى الله عليه وسلم كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل بما دعاه الله من كرامة الله وبحراء في شهر رمضان، ابتداء نزول جبريل.
قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان بإسناده عن عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير: حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل؟ فقال عبيد وأنا حاضر -أي يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس-: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهراً، كل سنة كان النبي عليه الصلاة والسلام يذهب إلى حراء شهر اعتكاف، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية، يعني من تعبدات قريش أنه كان الرجل يعتزل الناس شهراً. والتحنث التبرر.
قال ابن إسحاق: وقال أبو طالب، المهم، قال ابن شهاب: تقول العرب التحنث، والتحنث يريدون الحنيفية، فيبدلون الفاء من الثاء: تحنف وتحنث، كما قالوا جدث وجدف، يريدون الأجداث، الجدث والجدف بمعنى القبر. وهذا البيت، قال ابن هشام المهم، قال ابن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان قال عبيد: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين على غار حراء. فإذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعاً أو ما شاء الله، ثم يرجع إلى بيته.
حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها، وذلك شهر رمضان، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرم الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل من عند الله. قال صلى الله عليه وسلم: فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج -يعني زي لحاف أو شيء يغطى به- معه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغطني -وفي روايات فغطني بالطاء- حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغطني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال: فغطني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ماذا أقرأ؟ -فإذا أقول هذا اتقاءً منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي-. قال: هو أول مرة قال ما أقرأ، في الثانية قال ما أقرأ، في المرة الثالثة قال: ماذا أقرأ؟ لماذا قال في الثالثة ماذا أقرأ؟ خاف أنه يرجع يغطّه المرة الثالثة. فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].
قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتاباً. طبعاً ظاهر هذه العبارة أنه كان نائماً، وهذه إحدى الروايات التي تذكر ذلك، لكن الصحيح أنه كان مستيقظاً صلى الله عليه وسلم ولم تكن مجرد رؤيا منام.
قالت: إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتاً من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله. قال: فرفعت رأسي للسماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صافٍ قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه، فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفاً، ما أتقدم وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلاً في طلبي، فبلغوا مكة ورجعوا إليّ في مكانه صلى الله عليه وسلم من هول شكل جبريل، جبريل غطى السماء تماماً.
قال: ثم صرف عني وانصرفت راجعاً إلى أهلي حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفاً إليها، قالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلاً في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ. ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر ابن عم، واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها به الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع. فقال ورقة بن نوفل: قدوس قدوس، والذي نفس ورقة بيده، إن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي يأتي موسى، والله إنه لنبي هذه الأمة، قولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله فأخبرته.
قال ابن إسحاق: فلما قضى رسول الله جواره انصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، وورقة بن نوفل يستقبله، فقال: يا ابن أخي، ما رأيت وسمعت؟ فقال له. فقال ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، قد جاءك الناموس الأكبر، ولا تكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصراً يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله.
قال ابن إسحاق: وحدث إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير، أنه حدث عن خديجة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم. فقالت: فإذا جاءك فأخبرني. فجاءه جبريل كما كان يصنع، قال: يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني. قالت: قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى. قال: فقام رسول الله فجلس عليها، وقالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى. قال: فتحول فقعد على فخذي اليمنى. قالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحول فاجلس في حجري. قال: فتحول فجلس في حجرها. ثم قالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحسري، فألقت خمارها والرسول صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت: يا ابن عم، اثبت واصبر وأبشر، فوالله إنه لملك وما هو بشيطان.
قال ابن إسحاق: قد حدثت هذا الحديث عبد الله بن حسن، فقال: سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث هذا الحديث عن خديجة، إلا أنها سمعتها تقول: إنها أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين جسدها، فذهب عند ذلك جبريل. وقيل: إن جبريل لم يغادر عندما كشفت عن رأسها، بل لما أدخلت رأس النبي صلى الله عليه وسلم في درعها، يعني أدخلته وهي زوجته، أدخلت رأسه داخل ثوبها، غادر جبريل. قال: فقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا لملك، وما هو بشيطان.
ابتداء تنزيل القرآن، قال ابن إسحاق: فإن الشيطان لا يدخل في العورات، أما الملائكة تبتعد عن العورات. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]. هذه الآيات التي تدل على أن بداية الوحي كانت في شهر رمضان. قال ابن إسحاق: حدث أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين أن الرسول صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون ببدر يوم الجمعة، صبيحة سبع عشرة من رمضان، قال ابن إسحاق: يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.
قال ابن إسحاق: ثم استعمل الوحي الرسول عليه السلام وهو مؤمن بالله مصدق بما جاءه منه، وقد قبله بقبوله وتحمل ما حمله وعرض عليه العباد وسخطهم، نبوة أثقال ومؤونة لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة من الرسل بعون الله وتوفيقه، لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاءوا به عن الله. فمضى رسول الله على أمر الله على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى.
إسلام خديجة بنت خويلد، وآمنت خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله، وآزرته على أمره، فكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء منه، فخفف الله بذلك عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يسمع شيئاً يكرهه من رد عليه وتكذيب له في ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها. كانت امرأة صابرة قوية تقية، نعم المرأة للرجل الداعي هذه خديجة رضي الله عنها، كان كلما شعر بالهم والحزن يرجع إليها، يجد الأنس، تثبته، تخفف عليه، تصدقه، تهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى.
قال ابن إسحاق: قال صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب». والقصب هي اللؤلؤة المجوفة. قال ابن هشام: وحدثني من ثقة أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ على خديجة السلام من ربها. فقال صلى الله عليه وسلم: يا خديجة، هذا جبريل يقرئك السلام من ربك. فقالت خديجة: الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام.
فترة الوحي، يعني انقطاع الوحي بعد هذا النزول، جاءت فترة انقطاع في الوحي لمدة. قال ابن إسحاق: ثم فتر الوحي عن الرسول صلى الله عليه وسلم فترة من ذلك، حتى شق عليه وأحزنه، فجاءه جبريل بسورة الضحى، يقسم له ربه وهو الذي أكرمه بما أكرمه به. اختلفوا هل فترة الوحي كانت أياماً، شهوراً، يعني البعض أوصلها حتى لفترة سنوات، سنة وسنة وشوي، والمشهور أنها والله أعلم ربما تكون عدة أيام أو عدة شهور.
قال يقسم له ربه الذي أكرمه بما أكرمه به: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 1-3]. يقول: ما صرمك فتركك وما أبغضك منذ أحبك. ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾ [الضحى: 4]، أي ما عندي من مرجعك لي خير لك مما عجلت لك من كرامتك في الدنيا. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5]، فلج في الدنيا والثبات في الآخرة.
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ [الضحى: 6-8]. يعرفه ما ابتدأه من كرامة في عاجل أمره، ومنه عليه في يتمه وعيلته وضلالته واستنقاذه له ورحمته. قال ابن هشام: سجا، سكن. أنا سألت الشاهد على كلمة الشاهد وكلمة العائل، يذكر شواهد من اللغة العربية، وهذا البيت في قصيدة، اللي هو العائل أيضاً الذي يعول العيال، والعائل أيضاً الخائف، ذلك أدنى أن تعول، أي لا تعول في كتاب الله، أي لا تجور. والعائل أيضاً يطلق على الشيء المثقل المعيي، يقول الرجل عالني هذا الأمر، بمعنى أثقلني، كما قال الفلاس: إذا ما الأمر في الحدثان عال.
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 9-10]، أي لا تكن جباراً ولا متكبراً ولا فحاشاً فضلاً على الضعفاء عباد الله. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، أي بما جاءك الله من نعمته وكرامته من النبوة وهو الإسلام، يعني واما بنعمة ربك فحدث، يعني ادعُ للإسلام، أن نعمة الله هنا الإسلام، هذا قول كثير من المحققين، وهذا أيضاً ظاهر كلام ابن هشام، أن عليك أن تدعو إلى الله، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، ادعُ إلى الإسلام.
ابتداء فرض الصلاة، وافترضت الصلاة، وافترض عليه الصلاة، وصلى صلى الله عليه وسلم، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. قال ابن إسحاق: وحدث وهب بن كيسان عن عائشة قالت: افترضت الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما افترضت ركعتين ركعتين، كل صلاة، قبل الإسراء والمعراج فرض على النبي صلى الله عليه وسلم في بداية أمره الصلاة ركعتان في الصباح وركعتان في المساء. فقالت: ثم إن الله تعالى أتمها في الحضر أربعاً، وأقرها في السفر على فرضها الأول ركعتين. الله عز وجل لما ارتحل إلى المدينة، الصلاة طبعاً خمس صلوات وأصبحت الظهر والعصر والعشاء أربعاً.
أهل العلم: إن الصلاة حين افترضت على رسول الله ﷺ، أتاه جبريل وهو بمكة، فغمز بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين، فتوضأ جبريل ورسول الله ﷺ ينظر، يريه كيف طهور الصلاة، ثم توضأ رسول الله ﷺ كما رأى جبريل توضأ، ثم قام به جبريل وصلى به وصلى بصلاته، ثم انصرف جبريل، فجاء رسول الله ﷺ خديجة فتوضأ لها ليريها كيف طهور الصلاة كما رآها من جبريل، فتوضأت كما توضأ لها الرسول ﷺ، ثم صلى بها رسول الله ﷺ كما صلى به جبريل، فصلى الوضوء للصلاة شرع من البداية، ولم يصلِّ صلاة بدون وضوء.
قال الحق بسنده عن ابن عباس قال: لما افترضت الصلاة على الرسول ﷺ، جاءه جبريل عليه السلام فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله. هذا لما افترضت الصلوات الخمس.
قال: ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى به عشاء الآخرة حين ذهب الشفق. هذا كله في سنة 11 من البعثة. قال: ثم صلى به الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى به الظهر من الغد حين كان ظله مثله، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلى به العشاء الآخرة حين ثلث الليل الأول، ثم صلى به الصبح مسفراً غير مشرق، ثم قال: يا محمد، الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك الأمس. قال: ذكر أن علي... يعني وقت الصلاة بين هذين الوقتين.
ذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أول من أسلم من الذكور. قال ابن إسحاق: ثم كان أول ذكر من الناس أسلم وصلى وصدق بما جاءه من الله تعالى علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم رضوان الله عليه، ويومئذ ابن عشر سنين، وكان من نعم الله على علي بن أبي طالب أنه كان في حجر رسول الله ﷺ قبل الإسلام. نعم، علي بن أبي طالب ربي في حجر النبي ﷺ.
وقصة تربيته في حجره؛ قال ابن إسحاق: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، وما صنع الله له وأراده به من خير، أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله ﷺ للعباس عمه، وكان من أيسر بني هاشم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، قد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف عن عياله، آخذ من بنيه رجلاً، وتأخذ رجلاً فنكفهما عنا. قال العباس: كفهما عنا... يعني خلاص إحنا نصرف عليهم لأنه أبو طالب افتقر.
فانطلق حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال لهما أبو طالب: إذا تركتم لي عقيلاً فاصنعوا ما شئتم. ما أبو طالب كان يحب ابنه عقيلاً، قال: خلوا لي عقيلاً وخذوا أي واحد غير عقيل. قالوا: عقيل طالب، فأخذ الرسول ﷺ علياً فضمه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمه إليه، فالعباس أخذ جعفر بن أبي طالب، والنبي ﷺ أخذ علياً. فلم يزل علي مع الرسول حتى بعثه الله، فاتبعه علي وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.
قال ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفياً من عمه أبي طالب ومن جميع أعمامه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسينا رجع، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يصليان، فقام يوماً من الأيام أبو طالب فمسك النبي ﷺ وعلياً وهما يصليان في بطحاء مكة أو حولها، فقال للرسول ﷺ: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: يعني هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبانا إبراهيم أو كما قال ﷺ، بعثني الله به رسولاً للعباد، وأنت يا عمي أحق من بذلت له نصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه. وكما قال، فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت.
وذكر أنه قال لعلي: أي بني، ما هذا الدين؟ قال: يا أبتِ، آمنت برسول الله وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته. فزعم أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير، فالزمه.
إسلام زيد بن حارثة: قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن مري القيس الكلبية، مولى رسول الله ﷺ، فكان أول ذكر أسلم وصلى بعد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكان حكيم بن حزام بن خويلد وهو ابن عم خديجة وابن أختها، قدم بشقيق فيه زيد بن حارثة ووصيف، فدخلت عليه عمة خديجة هو ابن أخيها، ابن أخيها لخديجة، فقال لها: اختاري يا عمة أي هؤلاء شئت فهو لك. فاختارت زيداً فأخذته، فخديجة هي التي أولاً اشترت زيداً ليكون عبداً لها، ثم رآه النبي ﷺ عندها فاستوهبه منها، قال: أعطيني يا هدية أريده، فوهبته له، فأعتقه النبي ﷺ وتبناه قبل أن يحرم التبني، وكان أبوه حارثة قد جزع جزعاً شديداً لأنه هو أبوه الآن مش عارف وين ابنه، وذكر القصيدة المشهورة، ثم قدم عليه وهو عند النبي ﷺ، فالنبي ﷺ قال لزيد: إن شئت فأقم عندي، وإن شئت بعثتك مع أبيك. فقال: بل أقيم عندك، فلم يزل عند النبي ﷺ حتى بعثه الله، فصدقه فأسلم وصلى معه. فلما أنزل الله عز وجل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5]، عاد إلى زيد بن حارثة.
إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ أبو بكر أول من أسلم من الرجال. قال ابن إسحاق: ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة، اسمه عتيق، واسم أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن زيد. قيل: اسم أبي بكر عتيق، وقيل غير ذلك، قيل اسمه عبد الله، واختلف في اسمه، لكن هنا ابن هشام يقول اسم أبي بكر الصديق عتيق. واسم أبي بكر عبد الله، ولقب بعتيق لحسن وجهه وعتقه، يعني الشيء الحسن العرب تسميه عتيق.
قال: وكان أبو بكر رجلاً مؤلفاً لقومه محباً سهلاً، وكان من أنساب قريش، وعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر. وكان رجلاً مؤلفاً لقومه يعني يحسن العشرة، والناس تحب أن تتعامل معه. قال: وكان رجلاً تاجراً ذا خلق معروف، كان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعائه فيما بلغ عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلم على يديه أكثر العشرة المبشرين بالجنة، عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص واسمه مالك، وطلحة بن عبيد الله.
فجاء بهم إلى الرسول ﷺ حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا، فكان الرسول ﷺ يقول فيما بلغني: ما دعوت أحداً للإسلام إلا كانت عنده فيه كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان أبا بكر بن أبي قحافة ما عكم عنه حين ذكرته له وما تلكأ. قال ابن هشام: قوله عكم تلبث، ما عكم يعني ما تلبث، ما فكر أبو بكر مباشرة دخل في الإسلام.
قال ابن إسحاق: فكان الذين سبقوا إلى الإسلام من الناس فصلوا وصدقوا الرسول ﷺ، وصدقوا بما جاءه من الله، ثم أسلم أبو عبيدة بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة إلى آخره، وأرقم بن أبي الأرقم، واسم أبي الأرقم عبد مناف بن أسد وكان أسد يكنى أبا جندب، وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة. أسلم عثمان بن مظعون وأسلم معه أيضاً أخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون، وأسلم عبيد بن الحارث وهذا الذي استشهد في المبارزة يوم بدر، وسعيد بن زيد، وامرأته فاطمة بنت عمر بن الخطاب أسلمت أيضاً.
وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة، تمام، لكن هنا في إشكال أن ابن إسحاق ذكر عائشة أنها من أوائل من أسلمت، لكن الصواب أن عائشة لم تكن ولدت، لأن عائشة لما هاجرت إلى المدينة كان عمرها تسع سنوات، إذا هي لا يمكن أن تكون ولدت إلا بعد البعثه بقرابة 4 أو 5 سنوات، والنبي ﷺ عقد عليها في مكة وعمرها سبع سنوات، ودخل بها في المدينة وعمرها تسع سنوات، إذا هي ولدت في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة، فلم تكن إذاً من أوائل من أسلم في أول ثلاث سنوات، فذكرها هنا قيل إنه وهم فيه ابن إسحاق.
وخباب بن الأرت من بني زهرة، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود بن الحارث، ومسعود بن ربيعة بن عمرو بن سعد بن عبد العزى. قال ابن هشام: القارة لقب، ولهم يقال: قد أنصف القارة من رماها، وكانوا قوماً رماة. وسليط بن عمرو بن عبد شمس، وعياش بن أبي ربيعة، وامرأته أسماء بنت سلامة، وخنيس بن حذافة بن قيس، وعامر بن ربيعة حليف الخطاب، وعبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد بن جحش، وجعفر بن أبي طالب وامرأته أسماء بنت عميس، وحاطب بن الحارث وامرأته فاطمة بنت المجلل وأخوه حطاب بن الحارث أيضاً وامرأته فكيهة بنت يسار، ومعمر بن الحارث، والسائب بن عثمان بن مظعون، والمطلب بن أزهر وامرأته رملة بنت أبي عوف، والنحام واسمه نعيم بن عبد الله بن أسيد. قال ابن هشام: هو نعيم بن عبد الله بن أسيد، ذكر إسناده أن ما سمي النحام أن رسول الله ﷺ قال: لقد سمعت نحمة نعيم في الجنة.
وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، وعامر بن فهيرة أيضاً من السابقين، وهو مولى لأبي بكر. خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد، وحاطب بن عبد شمس بن عبد ود، وأبو حذيفة واسمه مهشم، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف حليف بني عدي بن كعب، قال ابن هشام: جاءت به أهله فباعوه من الخطاب بن نفيل فتبناه، فلما أنزل الله ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قال: أنا واقد بن عبد الله. وخالد بن عمرو بن عقيل.
قال ابن إسحاق: وعمار بن ياسر حليف لبني مخزوم من بني يقظة. قال ابن هشام: عمار بن ياسر عنسي من مذحج. قال ابن إسحاق: وصهيب بن سنان أحد نمر بن قاسط حليفه لبني تيم بن مرة. قال ابن هشام: نمر بن قاسط بن هنب. قال: ويقال صهيب مولى عبد الله بن جدعان.
قال: مولى عبد الله بن جدعان، وذكر بعض من ذكر أنه من نمر بن قاسط أنه كان أسيراً في الروم، اشتري منهم، وجاء الحديث عن النبي ﷺ: صهيب سابق الروم. قال ابن إسحاق: ثم دخل الناس ورسول الله ﷺ من رجاله، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، فمنّ الله عز وجل على رسوله أن يصدع بما جاءه منه، أن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه.
وكان بين من أخفى رسول الله ﷺ أمره، واستسر به، إلى أن أمره الله بإظهاره ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه، ثم قال الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: 94-96]. قال ابن هشام: اصدع: افرق بين الحق والباطل.
قال ابن إسحاق: وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا في الشعاب، واستخفوا بصلاتهم عن قومهم، فبينما سعد بن وقاص في نفر من أصحاب الرسول في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فأنكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى تقاتلوا، فضرب سعد بن وقاص يومئذ رجلاً من المشركين بلحي بعير فشجه، فكان أول دم أريق في الإسلام.
قال: فلما بدأ رسول الله ﷺ قومه بالإسلام، وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم، فلما فعل ذلك أعظموه، وأنكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام. فهم قريش يستخفون، وحدب على الرسول ﷺ عمه أبو طالب، ومنعه وقام دونه.
قال مشركو قريش عن أبي طالب في أمر رسول الله ﷺ: فمضى الرسول على أمر الله مظهراً لأمره، لا يرعوي شيئاً عنه. فلما رأت قريش أن الرسول ﷺ لا يرعوي عن شيء، أنكروا عليه، يعني لا يتراجع وثابت على موقفه.
قال من فراقهم وعيب آلهتهم رأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه، فحدب علي يعني مال إليه. قال: مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد شمس بن عبد مناف، وأبو سفيان بن صخر بن حرب، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل.
قال ابن إسحاق: فمشى منهم من مشى، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا؛ فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى النبي ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه.
ثم شري الأمر أي ازدادت ضراوة المعركة داخل مكة حتى تباعد الرجال، واختلفت الآراء، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر النبي ﷺ بينها، فتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضاً عليه.
مشى رجال من قريش إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتفه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. وكما قالوه ثم انصرفوا عنه، فأعظم أبو طالب قوله وقومه وعدوتهم له، ولبني الرسول ﷺ وخذلانهم.
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة أنه حدث أن قريشاً حين قال أبو طالب هذا المقال، بعث إلى رسول الله ﷺ، فقال له: يا ابن أخي، قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا للذي كانوا قد قالوا له، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني ولا تحمل نفسك ما لا تطيق.
فظن النبي ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأن عمه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته، فقال رسول الله ﷺ: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته». ثم استعبر رسول الله ﷺ، أي جاءته العبرة فبكى، ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي. فأقبل عليه النبي ﷺ، فقال: اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت؛ فوالله لا أسلمك لشيء أبداً.
قال: فمشى ناس من قريش إلى أبي طالب مرة ثالثة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة، أفتى فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل. قال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أربيه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما يكون أبداً.
فقال المطعم بن عدي: والله يا أبا طالب قد أنصفتك قومك، وجهدوا على تخلص ما، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئاً. قال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك.
فحمي الأمر، وحميت الحرب، وتنابد القوم، وباد بعضهم بعضاً، وقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي، وبمن خذله من بني عبد مناف، ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم.
قال ابن إسحاق: ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه، وأثبتت كل قبيلة على من فيه من المسلمين، يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشاً ما يصنع في بني هاشم، ومنع الرسول، وقام دونه، فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوه لما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب عدو الله من العون. فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جده معه، حدب عليهم، وجعل يمدحهم، ويذكر قيمهم، ويذكر فضل رسول الله فيهم، ومكانته فيهم، ليشد لهم رأيهم، وليحدبوا معه على أمره، فقال في شأن له.
تحيل الوليد بن المغيرة فيما يسم به من القرآن: اجتمع إليه نفر قريش وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً. قالوا: فقل لنا رأياً نسويه. قال: بل أنتم قولوا. قالوا: نقول كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قال: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد عرفنا الجنون فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قال: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه.
قال الوليد: ولقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، ولقد سحرت سحرهم فما هو بنفسه ولا عقده. قال: فقولوا ساحر. قالوا: والله إن لقوله لحلاوة، وإن لأصله لعذق، وإن لفرعه لجناة. قالوا: فما أنتم بقرين من هذا بشيء، إلا عرفتم أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه ذلك، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا أمره. فأنزل الله تعالى وعيداً شديداً للوليد بن المغيرة: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا...﴾ إلى آخر الآيات.
ثم أدبر واستكبر، فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 24-25]. وأنزل الله في النفر الذين كانوا معه يصنفون القول في النبي ﷺ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]، أي أصنافاً، كل واحد يحلل القرآن بشيء، عضين مأخوذ من العضة، أي فرقوه، وليس دين الله بالمعضى أي بالمفرق.
قال ابن إسحاق: فجعل أولئك النفر يقولون ذلك، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها. فلما خشى أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانته منها، وتودد فيها إلى أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك، أنه لن يسلم النبي ﷺ ولا تاركه لشيء أبداً حتى يهلك دونه.
فقال: ولما رأيت القوم قد حدبوا فيهم، وقد قطعوا كل العرى والوسائل، وقد صارحونا بالعداوة والأذى، وقد طاوعوا أمر العدو المزايل، وقد حالفوا قوماً علينا أظنة يعضون غيظاً خلفنا بالأنامل، صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة، وأبيض عضب من تراث المقاول، وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي.
وأمسكت من أثوابه بالوصائل، قياماً مع المستقبلين رتاجَه، رتاجَ البيت، وهي حلقةٌ لدى حيث يقضي حلفَه كلُّ نافر، وحيث ينيخ الأشعرون ركابَهم بمفضى السيول من أساف ونائل، وموسمُه الأعضادُ أو قَطَرٌ أو قصراتُ رأتْها مخيسةً بين السديس وبازلِ، ترى الودعَ فيها والرخامَ وزينةً بأعناقها معقودةً كالعثاكِ. ويسف الإبل، الآن أعوذ برب الناس من كل طاعن علينا بسوء أو مُلحٍّ بباطلِه، ومن كاشحٍ يسعى لنا بمعيبةٍ، ومن مُلحقٍ في الدين ما لم نُحاورِ، وثورٍ ومن أرسى ثبيراً مكانَه، وراقٍ ليرقى في حراء ونازلِ، وبالبيت حقِّ البيت من بطن مكةٍ، وبالله إن الله ليس بغافلِ، وبالحجر المسودِّ إذ يمسحونه إذا اكتنفوه بالضحى والأصائلِ، وموطئ إبراهيم في الصخرة رطبةً، وموطئ إبراهيم اللي هي مقام إبراهيم على قدميه حافياً غير ناعلِ، وأشواطٍ بين المروتين إلى الصفا، وما فيهما من صورة وتماثيل، ومن حُجَّ بيتَ الله من كل راكبٍ، ومن كل ذي نذرٍ ومن كل راجلِ، وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له إلى مفضى الشراج القوابل.
إلى آخر الأبيات، طبعاً طويلة ما شاء الله، قصيدة يذكر فيها كيف أنه استنجد بالكعبة وبالبيت وبالحرم. ما شاء الله قصيدة، يعني هاكم، حتى قال ابن هشام: هذا ما صح لي من قصيدة أبي طالب، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها، أنها يعني لا يمكن يكون، لأنه عادة العرب ما تتكلم بأشعار طويلة إلا المعلقات، أشعار قصيرة عادة العرب مقطوعاتها، ولذلك أكثر هذا الشعر يكون في العادة منحولاً، يعني ليس فعلاً من كلام أبي طالب. طيب، قال ابن هشام وحدثني من أحب، طيب.
قال: أقحط أهل المدينة، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا ذلك، فصعد المنبر فاستسقى، فما لبث أن جاء، فمن أن جاء من المطر ما أتاه أهل الضواحي فيشكون منه غرقاً، قال: «اللهم حوالينا ولا علينا»، فانجاب السحاب عن على المدينة فصار حواليها كالإكليل. فقال: لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لسرّه، لسرّه؛ لأنه ايش هي في القصيدة لما امتدح النبي صلى الله عليه وسلم: وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه، ثمالُ اليتامى، أي هو ملجأ لليتامى، عصمة للأرامل، أنه يساعد النساء، نعم. أها يلا، المهم قال ابن هشام: وقوله وشبرقاً، والغياطل، وأبو سفيان بن حرب، ومطعم بن عدي، وزهير بن أبي أمية. طيب، قال إسحاق: وسيدنا وبكر عتابنا، سيد ابن أبي العيس، هنا يعني هو يذكر أسماء وردت في القصيدة فهو يشرحها لك، يعني هنا ابن هشام تبعاً لابن إسحاق يذكر بعض الأسماء التي وردت في القصيدة الطويلة لأبي طالب. طيب، قال فلما انتشر (آخر صفحة 324 نرجع للسيرة)، فلما انتشر أمر النبي صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان، ذكر بالمدينة، وصل الاسم، شيء طبيعي أنه سيصل اسمه إلى يثرب، وبدأت الناس في يثرب تتسمع بوجود شيء خرج في مكة. طيب، قال: ولم يكن حي العرب أعلم بما رسول وسلم حين ذكر أو قبل أن يذكر من هذا الحي من الأوس والخزرج، أوس الخزرج مع اليهود وبيسمعوا فيه، نعم.
قال: وذلك لما كانوا يسمعون أحبار اليهود، وكانوا حنفاء معهم في ولادهم، فلما وقع ذكر المدينة وتحدث فيه بين قريش فيه من الاختلاف، قال أبو قيس بن الأسلت أخو بني واقف، قال ابن هشام: نسب ابن إسحاق أبا قيس هاهنا إلى بني واقف، ونسبه في حديث الفيل إلى خطمة، لأن العرب قد تنسب الرجل إلى أخي جده الذي هو أشهر منه. قال ابن هشام: حدثنا أبو عبيدة بنحوي أن حكيم عبد الغفار من ولد عينة أخو غفار، وهو غفار بني ونعيلة من ابن ولي بنره بن بكر بن عبد مناة، وقالوا: عتبة بن غزوان السلمي، ومن والد لمازن بن منصور، وسليم بن منصور. قال ابن هشام: فأبو قيس بن الأسلت من بني وائل، وائل واقف وخطمة أخوه بن أوس. قال ابن إسحاق وفال، فقال أبو قيس، وكان يحب قريشاً، وكان مصيره وكانت عنده أروى بنت أسد بن عبد العزى بن قصي، وكان يقيم عندهم سنين بامرأته قصيدة يعظم فيها الحرمة، وأنها قريش عن فيها عن الحرب، ويأمرهم بالكف بعضهم عن بعض، ويذكر فضلهم وأحلامهم، ويأمرهم بالكف عن رسول الله، ويذكرهم بلاء الله عندهم، وذكر القصيدة بطولها، ما شاء الله، كلها قصائد طويلة. ذكر قال ابن هشام: قال ابن هشام أشد مما قوله: ألم تعلم ما كان في حرب داحس، في حدثنا، يعني بعض القصائد الآن سيشرح ابن هشام بعض الكلمات، فوقعت الحرب بين عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه، وهذان البيتان المهم. وقال قيس وهذا البيت في أبيات الله، وقال الحارث بن سهيل: تركت على الهباءة غير فخر، قال ابن هشام: يقال أرسل قيس داحساً والغبراء، وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء، ذكر قصة داحس والغبراء وكيف بدأت القصيدة. قال ابن هشام: وأما قوله حرب حاطب فيعني حاطب بن الحارث، المهم. قال ابن إسحاق بعديها. طيب الصفحة اللي بعدها.
قال ابن إسحاق: من قريش شد أمرهم بالشقاء الذي أصابهم في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم وما أسمع منهم، فأغرقوا برسول الله سفهاً، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، والرسول صلى الله عليه وسلم مظهر لأمر الله لا يستخفي به، مبادٍ لهم بما يكرهون من عيبهم زال أوثانهم وفراقه إياهم على كفرهم. قال إسحاق: فحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يذرونه من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرفهم يوماً في الحجر، فذكر، فقالوا: ما مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، فخفف أحلامنا، وشتمنا، وعبدنا، وفرق جماعتنا، وسبّتنا، قد صبرنا منه على أمر عظيم، كما قالوا. فبينهم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم، فمر بهم طائفاً بالبيت، فلما مر بهم غمزه بعض القول، فقال فعل ذلك، فجرّ رسول الله فما مضى، فمرّ، يعني أصبحوا يستهزئون ويغمز بعضهم لبعض، نعم. قال: فعلك وجه الرسول في مضى، فمر به تغمزه في مثلها، فصه في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً، فغمزه في مثلها فوقف ثم قال: اسمعوني يا معشر قريش، أما والذي نفس بيده لقد جئتكم بالذبح. قال: فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كان على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفاه بأحسن ما يجد من قول، حتى أنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، والله ما كنت جهولاً، حتى قال، فانصرف الرسول صلى الله عليه وسلم.
حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم: ذكرتم ما بلغ منكم وبلغ عنه، حتى إذا بادأكم تكرهون تركتموه، بينهم على ذلك، فثبوا إليه وأثبته رجل واحد، فأعطبه يقول: أنت الذي تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم؟ فقول: نعم، أنا لقول ذلك. قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجال ذلك، فقام، قال: فقام أبو بكر دونه وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلاً يقول ربي، فصرف عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشاً نال منه قط. قال ابن إسحاق: حدثني بعض آل أم كلثوم بنت أبي بكر أنها قالت: لقد رجع أبو بكر يومئذ وقد صدعوا فرق رأسه مما جبذوه بيده، وكان رجلاً كثير شعر. قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج فلم يلقَ أحداً من الناس إلا كذبه، هذا حر ولا عبد، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله، فتدثر من شدة ما أصابه، فأنزل عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: 1].
طيب خلص أطيك، إذاً أن أشد ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من قريش أنه خرج يوماً فلم يلقَ أحداً من الناس إلا كذبه وآذاه، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله فتدثر من شدة ما أصابه، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، لكن هذا الحديث ضعيف؛ لأن المشهور أن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ نزلت متى؟ بعد فتور الوحي، عندما أمره الله سبحانه وتعالى أن يأمر بالدعوة وأن يجهر بها أو أن يبدأ بها، يعني عفواً أن يبدأ بدأ بالدعوة، قال ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فنزل ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ بهذا السبب ضعيف المنكر، كما قال عندكم المحشي.
إسلام حمزة: قال ابن إسحاق: حدثني رجل من أسلم وكان واعيةً أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه واشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه وتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومولاة لعبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة في مسكن لها تسمع ذلك، كانت تسمع المشهد كيف أن أبا جهل يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويشتمه، نعم. ثم صرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحاً قوسه راجعاً من قناصة، الله، وكان حمزة كان طالع رحلة صيد راجع من الصيد، فمرت على، فمر على هذه المرأة، نعم، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على نادٍ من قريش إلا وقف وسلم وحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة. فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد صلى الله عليه وسلم آنفاً من أبي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج، أراد الله أن يكون هذا سبب إسلام حمزة، نعم، قال: فخرج يسعى لم يقف على أحد، معيداً لأبي جهل إذا لقيه وأن يقع به، فمتحلف يعني لأبي جهل أنه يمسكه، نعم.
فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجَّه منكراً، ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دينه، أقول ما يقول، فرد ذلك علي إن استطعت. رد يلا، رد علي يا أبا جهل، افعل فيَّ كما فعلت بك. فقامت رجال بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سباً قبيحاً. وتم حمزة على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله. فلما أسلم حمزة، عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عزَّ وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
قول عتبة بن ربيعة في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيداً، قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيَّها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون. قريش بلش موقفها يضعف فصاروا بدهم يوصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لحل دبلوماسي، نعم. قالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع. قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه؛ فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، أو كما قال له. يعني أحياناً التابع -الجن- بيغلب على الإنسان، هو فكر أن القضية قطع عفاريت وجن، نعم. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ شوف النبي عليه الصلاه والسلام بكل هدوء، بكل تؤدة، بكل حتى احترام، يا أبا الوليد؛ كنية تشريف وتكريم حتى لو كان كافراً؛ فالاحتراميات والأدبيات مطلوبهم، قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: افعل، قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾.
﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: 3-5]. ثم مضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه، فلما سمع عتبة منه أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه. جلس عتبة هكذا يسمع.
ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى سجدة منها فسجد، ثم قال: «قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك».
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر هو على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
قال ابن إسحاق: ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين. ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة، كما حدثني بعض أهل العلم بإسناد عن عبد الله بن عباس قال: اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد ﷺ فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم. فجاءهم رسول الله ﷺ سريعًا وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمه فيه بداء، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم.
فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك؛ لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب به شرفًا فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان لهذا الذي يأتيك رائيًا تراه قد غلب عليك -وكانوا يسمون التابعة من الجن رائيًا- فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل علي كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم».
قالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئًا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدًا، ولا أقل ماءً، ولا أشد عيشًا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق لنا فيها أنهارًا كأنهار الشام، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسأله عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولًا كما تقول.
فقال لهم صلوات الله عليه: «ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم».
قالوا: فإن لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، سل ربك أن يبعث معك ملكًا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لنا جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم.
فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم».
قالوا: فأسقط السماء علينا كِسَفًا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لا نؤمن لك. فقال ﷺ: «ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ما شاء».
قالوا: يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك بما هو صانع في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ما جئتنا به؟ إنه قد بلغنا أنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا. فقد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلًا.
فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ قام عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمته، فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل. والله لا أؤمن بك أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سلمًا ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، ويم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ.
وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسفًا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه. فلما قام عنهم رسول الله ﷺ قال أبو جهل: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فاصنع ما بدا لك.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله ﷺ بمكة وقبلته إلى الشام، فكان إذا صلى بين الركن اليماني والحجر الأسود جعل الكعبة بينه وبين الشام. فقام رسول الله ﷺ يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينظرون، فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا منتقعًا لونه مرعوبًا، قد يبست يده على حجره حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش.
قالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال: «ذلك جبريل عليه السلام، لو دنا لأخذه».
فلما قال لهم ذلك أبو جهل، قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فقال: يا معشر قريش، إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلامًا حدثًا، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثًا، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به، قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر، قد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم كاهن، لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم شاعر، لا والله ما هو بشاعر، لقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها، هزجه ورجزه، وقلتم مجنون، لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه. يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم.
وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله ﷺ وينصب له العداوة، وكان إذا قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ مجلسًا فذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلموا فأنا أحدّثكم أحسن من حديثه، ثم يحدّثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني؟ وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله. قال ابن إسحاق: فكان ابن عباس يقول فيما بلغني: نزل فيه ثماني آيات من القرآن، قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: 15]، وكل ما ذكر فيه الأساطير فهو نسبة إلى النضر بن الحارث، هو الذي كان يقول عن القرآن إنه أساطير الأولين وأباطيلهم وخرافاتهم.
فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث، بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد وصفاته، وأخبراهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله، وقالا لهم: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.
جئناكم لتخبرون عن صاحبنا هذا، فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجب. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هي؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.
فأقبل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد عليه الصلاة والسلام، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أشياء أمرونا بها، فإن أخبركم عنها فهو نبي، وإن لم يفعل فهو رجل متقول.
فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب، مع رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم عنه غدا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبركم غدا، ولم يقل إن شاء الله. فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل، حتى أرجف أهل مكة وقالوا: الرجل لن يجيبنا. وهذا يدل إخواني أن الأمور عند الله سبحانه وتعالى ليست كما نحب دائما ونشتهي؛ فلو أنت في هذا المقام ستقول: لماذا الله سبحانه وتعالى ما أسعف نبيه من البداية مع أنه كان صلى الله عليه وسلم في موقف صعب وهو رسول الله ويريد أن ينصر دين الله؟ ليعلمنا الله أن المبادئ والعقائد والأفكار الصحيحة أهم من أن يؤمن فلان أو يؤمن فلان؛ يعني فلان آمن ما آمن هذا هو خسران، هذا الدين منصور منصور، أهم شيء أن ينصر بالطريقة الصحيحة وبالمنهج الصحيح، لأن بعض الناس همه فقط الانتصار وأن يكسب حتى ولو كان على حساب تضييع وتمييع بعض العقائد والأفكار. الله سبحانه وتعالى منع جبريل أن ينزل خمسة عشر يوما حتى يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول إن شاء الله.
البعض بجوز ينظر يقول: يا شيخ يعني هي قضية كبيرة هي؟ نعم في المفاهيم الإلهية هذا الموضوع مهم وخطير، لأنه عقيدة، هذا الموضوع لا يجوز التهاون به، وأن الإنسان يستسهل أنه خلص متى شاء يفعل متى شاء لا يفعل، الإنسان كل أمر متعلق بمشيئة الله ويجب أن يسند الأمر إلى الله.
وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف والروح. قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين جاءه: لقد احتبست عني يا جبريل حتى سئت ظنا. فقال له جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64].
افتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عليه من ذلك، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، أنك رسول مني، أي تحقيق لما سألوا عنه من نبوتك، ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا﴾ [الكهف: 1-2] أي معتدلا لا اختلاف فيه، ﴿لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: 2] أي عاجل عقوبته في الدنيا، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 2-3] أي دار الخلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرك وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال.
﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: 4] يعني قريشا في قولهم: إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله، ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: 5] أي لقولهم إن الملائكة بنات الله، ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا * فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 5-6] أي لا تهلك نفسك أسفا وحزنا عليهم، لا يريدون الإسلام هذا شأنهم. قال ابن هشام: باخع نفسك أي مهلك نفسك، فيما حدثني أبو عبيدة قال ذو الرمة: ألا أيها الباخع، يعني المهلك.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 7-8] أي الأرض وما عليها فان وزائل، وإن المرجع إلي فأجزي كلا بعمله، فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها. قال ابن هشام: الصعيد الأرض وجمعه صعد، قال ذو الرمة يصف ظبيا صغيرا: كأنه بالضحى ترمي الصعيد به. وهذا بيت في قصيدة، الصعيد أيضا يطلق على الطريق، وقد جاء إياكم القعود على الصعودات أي الطرق. والجرز هي الأرض التي لا تنبت شيئا قاحلة، وجمعها أجراز، ويقال سنة جروز وسنون أجراز، وهي التي لا يكون فيها مطار ويكون فيها جدوبة ويبس وشدة، قال ذو الرمة يصف إبلا: طوى النحز والأجراز ما في بطونها.
ثم قال ابن إسحاق: ثم استقبل قصة الخبر عن أصحاب الفتية، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: 9] أي قد كان من آياتي فيما وضعت على العباد من حججي ما هو أعجب من ذلك، يعني هل تعتقد أن قصة أصحاب الكهف هي أعجب القصص؟ كان ما في أمر الله ما هو أعجب من حال أصحاب الكهف. قال ابن هشام: والرقيم المذكور في القصة هو الكتاب الذي رقم بخبر أمرهم وجمعه رقوم، قال العجاج: ومستقره المصحف المرقم.
قال ابن إسحاق في تعليقه على قوله تعالى ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ إلى آخر الآية: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: 14] أي لم يشركوا بي كما أشركتم، أي أن هؤلاء الفتية لم يشركوا بي كما أشركت قريش. قال ابن هشام: والشطط هو الغلو ومجاوزة الحق.
ثم قوله تعالى: ﴿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: 15] أي حجة بالغة. كما ذكر الآيات، قال ابن هشام: التزاور عن كهفهم ذات اليمين يعني تميل، وهو من الزور، وقال امرؤ القيس: وإني زعيم إن رجعت مملكا، بسير ترى منه الفرانق أزورا، أي مائلا.
ثم ﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: 17] أي تجاوزهم وتتركهم عن شمالها، وذكر شاهدا من كلام ذي الرمة على معنى تقرض، إلى ذي الرمة يقرضن أي يملن ويتنحين، والفجوة هي السعة وجمعه الفجاء. ﴿ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف: 17] أي في الحجة على من عرف ذلك من أمورهم من أهل الكتاب، يعني هذه القصة قصة أصحاب الكهف من آيات الله، أي من حجج الله على من عرف ذلك من أمور من أهل الكتاب ممن أمر هؤلاء بمسألتك عنهم في صدق نبوتك، بتحقيق الخبر عنهم، مش اليهود قالوا لقريش اسألوه عن هذه؟ هذه من آيات الله ومن حجج الله على اليهود؛ لأن اليهود عارفين بهذه القصة وها أنا أعطيك إياها يا محمد صلى الله عليه وسلم بالتفصيل، فستكون هذه القصة في القرآن حجة عليهم على صدق محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا * وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 17-18]. قال ابن هشام: الوصيد هو باب الكهف، قال العبسي واسمه عبيد بن وهب: ذكر معنى الوصيد، والوصيد أيضا يطلق على فناء البيت وجمعه وصائد وؤصد ووصدان. ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ [الكهف: 18] إلى قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف: 21] وهم أهل السلطان والملك: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ [الكهف: 21].
﴿سَيَقُولُونَ﴾ [الكهف: 22] أي الأحبار من اليهود: ﴿ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ﴾ إلى آخر الآيات، فلا تمار فيهم يعني لا تكابرهم إلا مراء ظاهرا، ولا تستفت فيهم منهم أحدا فإنهم لا علم لهم بذلك. ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: 23] أي لا تقولن لشيء سألوك عنه كما قلت في هذا إني مخبركم غدا، واستثني دائما إيش الاستثناء؟ أن تقول إن شاء الله، ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: 24]، فإنك لا تدري ما أنا صانع في ذلك. ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: 25] إلى آخر الآيات.
وكان الآن بعد أن انتقل لخبر ذي القرنين: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 83-85]. قال: إنه أوتي ما لم يؤت غيره، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها، لا يطأ مشارق ومغاربها الذي كان مكتشفا في زمنه، وليس المراد أنه وصل قالوا إلى كل نقطة في العالم، قال العلماء: وصل إلى مشارق الأرض ومغاربها التي كانت مكتشفة، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق.
قال ابن إسحاق: فحدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما تورثوا من علمه، أن ذا القرنين كان رجل من أهل مصر اسمه مرزبة بن مرزبة اليوناني من ولد... كلها إسرائيليات حقيقة لا يمكن الاعتماد عليها، قال: من ولد يونان بن يافث بن نوح، واسمه الإسكندر. وهو الذي كان ابن تيمية ينتقد أنه يقول قد يكون ذو القرنين ليس الإسكندر المقدوني، إذا كان اسمه إسكندر بكون إسكندر ثاني بس مش الإسكندر المقدوني المعروف بالحكم.
قال ابن إسحاق: وقد حدثني ثور بن زيد قال بإسناده عن خالد بن معدان الكلاعي قال: وكان رجلا قد أدرك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن القرنين فقال: ملك مسح الأرض. المراد قد أدرك هنا يقول في الحاشية المحقق: المراد إدراكه للصحابة وليس إدراكه للنبي عليه الصلاة والسلام؛ فإن خالد بن معدان تابعي، قال: النبي قال عن ذي القرنين ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب، يعني استطاع أن يصل إلى مشارق الأرض ومغاربها بما أعطاه الله من الأسباب، أي من القدرات والممكنة، فاتبع سببا، يعني كان يأخذ بالأسباب ويبني عليها.
وقال خالد: سمع عمر بن الخطاب رجلا يقول يا ذا القرنين، فقال عمر: اللهم غفرا! أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة؟ قال ابن إسحاق: فالله أعلم أي ذلك كان. آه إذا هنا ملك بدها تكون صحيح، لأنه هنا إذا كان هذا تعليق من عمر إذا سيكون أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن القرنين فقال: ملك من الملائكة مسح الأرض من تحتها بالأسباب، ولذلك ينسب إلى خالد أنه قال: سمع عمر رجلا ينادي أخاه فقال له يا ذا القرنين، واحد مسمي مثلا أخوه اسمه ذو القرنين، فقال عمر: اللهم غفرا، أنتم تسميتم بأسماء الأنبياء الآن تطورتوا صرتوا تسموا بأسماء الملائكة، وهذا قد يشير إلى أنه الأفضل عدم تسميتك بأسماء الملائكة، خاصة الأسماء الخاصة بالملائكة، تمام ممكن مثلا زي جبريل أو ما شابه ذلك، لكن إن صح هذا الخبر عن عمر رضي الله عنه.
وقال فيما سألوه عنه من أمر الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. قال ابن إسحاق: وحدثت عن أنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقالت أحبار يهود: يا محمد، رأيت قبلك وما أوتيت من علمي إلا قليلا، إيانا تريد أم قومك؟ قال: كلا. قالوا: فإن كلاكما أنتم والقرشيين كلكم لم تؤتوا من العلم إلا قليلا. قالوا: فإنك تتلو فيما جاءك أن قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها في علم الله قليل، وعندكم في ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه.
قال: فأنزل الله عز وجل عليه ما فيما سألوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: 27]، أي أن التوراة في هذا من علم الله قليل.
قال: وأنزل الله عليه فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ...﴾.
لو شئت لألقيت عليهم الجبال أو قطعت بهم الأرض أو كلمت بهم الموتى، لكان هذا القرآن، نعم، بل لله الأمر جميعاً، أي لا أصنع من ذلك إلا ما شئت. الله يقول: القرآن قادر أن يفعل كل شيء بأمري، لكنني لا أصنع إلا ما أشاء أنا سبحانه.
وأنزل عليه في قولهم: خذ لنفسك ما سألوه أن يأخذ لنفسه، أن يجعل لهم جناناً وقصوراً وكنوزاً، وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ يعني هو يرجع ابن إسحاق يستقرئ الآيات التي تخبر عن ما كانت قريش تطلبه من النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مستمر: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 20]. وأنزل الله عليه فيما قال عبد الله بن أبي أمية، الذي هو ابن عمته كما مر، وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً، إلى آخر الآيات، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.
وقال ابن هشام: والكسف هي القطع من العذاب، واحدتها كسفة، مثل سدرة وسدر، والقبيل يعني مقابلة ومعاينة، أو يأتيهم العذاب قبلاً، وأنشدني أبو عبيدة على هذه الآية، والقبيل جمع قبل وهي الجماعات أيضاً. الآن ويعلق على الآيات ويفسرها. قال ابن هشام: ثم قال ابن إسحاق في صفحة 364: وأنزل الله عليه في قولهم: إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبداً: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: 30].
وأنزل عليه فيما قال أبو جهل وما هم به: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ * كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: 9-15]. قال ابن هشام: لنسفعاً أي لنأخذن ولنجذبن، قوم إذا سمعوا الصراخ رأيتهم من بين ملجم مهرة أو سافعي، والنادي هو المجلس الذي يجتمع فيه القوم: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، وفي كتاب الله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾، وهو الندي أيضاً، قال عبيد بن الأبرص: اذهب إليك فإني من بني أسد، أهل القباب وأهل الجرد والنادي، وفي كتاب الله: ﴿وَأَحْسَنُ نَادِيًا﴾، وجمعه أندية. يقول: فليدع أهل ناديه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي أهل القرية، فهناك كلمة مقدرة: فليدع أهل النادي.
وهذا البيت في قصيدة، وقال الكميت، إن هناك استشهادات كثيرة باللغة العربية، ويقال النادي هم الجلساء، والزبانية هم الغلاظ الشداد، وهم في هذا الموضع خزنة النار، والزبانية أيضاً في الدنيا أعوان الرجل الذين يخدمونه ويعينونه، والواحد زبنية، يعني زبانيه جميله، هي المعلومة ايش مفردها؟ زبنية، قال عبد الله بن الزبعرى: مطاعيم في المقرى، مطاعين في الوغى، زبانية غلب عظام حلومها. زبانية يعني أعوان، نعم، يقول شداد، وهذا البيت في أبيات.
وقال ابن إسحاق: وأنزل عليه فيما عرضوا عليه من أموالهم: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا... فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ: 47]. فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوا من الحق، وعرفوا صدقه فيما حدثهم، وموقع نبوته فيما جاءهم به من علم الغيوب حين سألوه عما سألوه عنه، حال الحسد منهم له بينهم وبين اتباعه وتصديقه، فعتوا عن الله وتركوا أمره عياناً، ولجوا فيما هم عليه من الكفر، فقال قائلهم: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون، أي اجعلوه لغواً وباطلاً واتخذوه هزواً لعلكم تغلبونه بذلك، فإنكم إذا أنظرتموه أو خصمتموه يوماً غلبكم.
فقال أبو جهل يوماً وهو يستهزئ برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق: يا معشر قريش، يزعم محمد أنما جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر، وأنتم الناس عدداً وكثرة! فيعجز كل مئة رجل منكم عن رجل منهم؟ فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: 31] إلى آخر القصة.
فلما قال ذلك بعضهم لبعض، جعلوا إذا جهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن وهو يصلي يتفرقون عنه وأبوا أن يستمعوا له، فكان رجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقاً منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع، وإن خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، فظن الذي يستمع أنهم لا يسمعون شيئاً من قراءته وسمع هو شيئاً دونهم، أصاخ له يستمع منه.
قال بإسناده إن عبد الله بن عباس حدثهم أنما أنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 110] من أجل أولئك؛ ويقول: لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك، ولا تخافت بها فلا يسمعها من يحب أن يسمعها من الكفار، لعلهم يؤمنون ممن يسترق ذلك دونهم، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به.
قال ابن إسحاق: قال بإسناده عن عروة بن الزبير قال: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عبد الله بن مسعود، قال: اجتمع يوماً أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهم؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنهم رجال حبتهم قليلة وجسمك صغير، ما نخلي واحداً من الأشداء لهم فزعة وعشيرة، قال: إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعه قومه، قال: دعوني فإن الله سيمنعني.
قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رافعاً بها صوته، ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: 1-2]. قال: ثم استقبلها يقرؤها، قال: وتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً، قالوا: لا، حسبك، فقد أسمعتهم ما يكرهون.
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أنه حدث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، تخرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم طريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، ثم انصرفوا.
ثم عاد كل رجل منهم إلى مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر وتفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثالثة وأخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر وتفرقوا فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعهد، فتعاهدوا ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد عليه الصلاة والسلام، قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها، قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، مثل هذه؟! والله لن نؤمن به أبداً ولن نصدقه.
قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله قالوا: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: 5]. فأنزل الله عليه في ذلك من قولهم: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] إلى قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46].
أي كيف فهموا توحيدك ربك إن كنت جعلت على قلوبهم أكنة، وفي آذانهم وقراً، وبينك وبينهم حجاباً بزعمهم؟ أي إني لم أفعل، ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الإسراء: 47]. أي ذلك ما تواصوا به من ترك ما بعثتك به إليهم، انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً، أي أخطأ المثل الذي ضربوا لك فلا يصيبون به هدى ولا يعتدل لهم فيه قول.
وقالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: 49]. أي قد جئت تخبرنا أنا سنبعث بعد موتنا إن كنا إذا كنا عظاماً ورفاتاً وذلك ما لا يكون، قل: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: 50-51]، أي الذي خلقكم مما تعرفون، فليس خلقكم من تراب بأعظم ذلك عليه.
قال ابن إسحاق بإسناد عن ابن عباس قال: سألته عن قول الله عز وجل: ﴿أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ما الذي أراد الله به؟ قال: الموت. ثم ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ممن أسلم بالأذى والفتن، قال أبو إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، فواثبت كل... طبعاً على هذا التفسير ما معنى أو خلقاً مما يكبر في صدوركم؟ يعني الموت، المعنى كما في الحاشية عندكم ورجحه الطبري يقول: لو كنتم الموت.
أماتكم الله ثم أحياكم. لو كنتم أنتم الموت، الله عز وجل أماتكم ثم أحياكم، شو ما كنتم الله عز وجل قادر أن يميتكم ثم يحييكم. ورجح الطبري في تفسيره العموم فيها، يعني أي خلق يكون في صدوركم.
قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، ووثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر، ممن استضعفوا منهم، ويفتنونهم عن دينهم. فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم. فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولدًا من مولديهم، وهو بلال بن رباح، وكان عبدًا لهؤلاء. وكان اسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب. وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد.
قال ابن إسحاق: فحدثني ابن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك وهو يقول: أحد، فيقول: أحد، أحد، والله يا بلال! ثم يقبل على أمية بن خلف وهم من يصنع ذلك بهم بني جمح، فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لأتخذن حنانًا. حنانًا أي لأجعلن قبره مكانًا أزوره وأتمسح به، يعني هذا ولي من الأولياء.
قال: حتى مر به أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة يومئذ وهم يصنعون ذلك به، وكان دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية بن خلف: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ فقال: أنت أفسدته، فقلت لأبي بكر: أنت اللي أفسدته وغيرت عقله، يلا اشتره وأعتقه. فقال أبو بكر: أن أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به. قال: قد، المبادلة. قال: هو لك. قال: فأعطاه أبو بكر الصديق غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه. ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم: عامر بن فهيرة، شهد أبو بكر اعتق ستة رقاب من المسلمين المستضعفين، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عبيس، وزنيرة وأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى. فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى وما تنفعني، فرد الله إليها بصرها كرامة لها.
قال: وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهي تقول: والله لا أعتقهما أبدًا. فقال أبو بكر: حل يا أم فلان، فقالت: حل أنت، أفسدتهما، فأعتقهما. قال: فباعهما. قال: بكذا وكذا. قالت: والله لا أعتقهما. فهو قال: استح، تحللي من يمينك. قالت: والله ما بتحلل، أنت اللي أفسدت عقولهم وخليتهم مسلمات، اشترهم وأعتقهم أنت. قال: قد أخذتهما وهما حرتان، ارجعي إليها طحينها. قالت: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما. قال: ومر بجارية بني مؤمل، حي من بني عدي بن كعب، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة. فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتعها فأعتقها.
قال ابن إسحاق: ايش يعني أو نفرغ منه؟ نفرغ منه يعني نوصلها الطحين لوين ما بدها، بس حتى أخلاقيات البنتين إنه خلينا نوصل لها الطحين. صحيح أنت جعلتنا أحرارًا لكن نوصل لها الطحين. أبو بكر قال: وصلوا لها الطحين، مش مشكلة. ولاحظوا هي بعض الأخلاقيات، يعني لا تغيب عنك في المشهد، لها علاقة في الأثر النفسي.
قال ابن إسحاق بإسناده عن عمرو بن عبد الله بن زبير عن بعض أهله قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: يا بني، إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقته، والد سيدنا أبي بكر كان مشركًا لكنه بينصح ابنه، يقول له: أنت تعتق رقابًا ضعيفة، يعني إذا أنت بدك تعتق أعتق رقابًا تفزع لك بكرة أمام قريش. كانت هذه توجيهاته، فكان أبو بكر ماذا يقول له: يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل. قال: فيتحدث أنه ما نزلت هذه الآيات إلا فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ إلى آخر الآيات في سورة الليل: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ [الليل: 5-21]، نزلت في أبي بكر حينما كان يعتق هؤلاء المستضعفين.
قال: وكان ابن مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة. قال: فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول فيما بلغني: صبرا آل ياسر، فموعدكم الجنة. فأما أمه فقتلوها تأبى إلا الإسلام. وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة، أنبه وخزاه فقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنفيلن رأيك، ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرًا قال: والله لنكسدن تجارتك ولنرفقن مالك، وإن كان ضعيفًا ضربه. أو إنه لنفيلن رأيك، إنه ممكن نسفهك أمام الناس أيضًا، يجوز أن يكون مراد ايش أنه نسفهك أمام الناس ونقول عنه هذا بيفهم ايش وتسمعوا منه.
قال بإسناده عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكل المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا لا يضربون أحدهم ويجيعونه، ويعذرون به في ترك دينهم، يعني يكرهونهم به على الكفر. قال: نعم والله، بلغوا به من العذاب ما يكونون معذورين فيه في إظهار الكفر، إن كانوا لا يضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟ الجعل يعني هي زي دويبة، يقول له حتى أحكي عن هذا الصرصور أو هذه النملة أنها إلهك، فيقول: خلص إلهي، بس يعني أبعدوا العذاب عني. من شدة العذاب كانوا يمارسون الضغط النفسي بأشد أساليبه.
انتماؤهم مش لله الأصنام، حتى لما قالوا هذا إلهك من دون الله مش مع الله، مش شرك. يعني إذا كانت العبارة بهي الدقة أنه أحيانا ممكن يكون، لكن المراد يعني زي ما تفضلت، إنه هو ما قلته أصبح انتماؤهم لله، وإن كانوا هم مشركين، يعني الأصل أن قريش يعبدون الله ولكن يعبدون معه الأصنام، لكن لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى توحيد الله وعبادة الإله الواحد الحق، أصبح يعني عندهم نوع من الاستهتار بالإله الحق وعدم اكتراث، حتى وصلوا لمرحلة أنهم يمكن أن يسبوه، ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]، وهذا تستغرب يعني كيف كفار قريش يسبون الله عدوًا بغير علم؟ وأنكم تعبدونهم، يعني أنتم ماشي مشركين بس أنتم تعبدون الله، فكيف يمكن لكفار قريش أن يسبوا الله عدوًا بغير علم؟ إلا أن الحقد والغل يخل الإنسان حتى يترك بعض الحق الذي يؤمن به، لما يجد أن هذا الحق هو الذي يدعو إليه الطرف الآخر، ويشدد على الباطل الذي يريد أن يرفع من شأنه.
قال: فيقول نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده. قال ابن إسحاق: وحدثني زبير بن عكاشة عن ابن عبد الله بن أبي أحمد أنه حدث أن رجال بني مخزوم مشوا إلى هشام بن الوليد حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد، وكانوا قد أجمعوا على أن يأخذوا فتية منهم كانوا قد أسلموا، منهم سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة. قال: فقالوا له، وخشوا شره: إنا قد أردنا أن نعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدين الذي أحدثوه، فإنا نأمن بذلك في غيره. قال: هذا فعليكم به، فعاتبوه وإياكم ونفسه. وأنشأ يقول: فإياكم ونفسه، يعني لا تقتلوه، ألا ليقتلن أخي عياش فيبقى بيننا أبدًا تلاحي. إذا قتلتموه رح نصير بيننا معركة يعني، فتجد الواحد ممكن يسلم أخوه أن يعذب بس ما يرضى أن أخوه يقتل. قال: فأقسم بالله لئن قتلتموه لأقتلن أشرفكم رجلًا. قال: فقالوا: اللهم العن من يغرر بهذا الخبيث، والله لو أصيب في أيدينا لقتل أشرفنا رجلًا. قال: فتركوه ونزعوا عنه، وكان ذلك سبحان الله مما دفع الله به عنه.
ذكر المهاجرة الأولى إلى أرض الحبشة. مع اشتداد العذاب، مع اشتداد المؤنة على الصحابة الكرام بدأت فكرة الهجرة إلى أرض الحبشة. قال ابن إسحاق: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه. فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارًا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة كانت في الإسلام. فكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف قصي: عثمان بن عفان، كان هذا أول من خرج عثمان بن عفان معه رقية بنت النبي عليه الصلاه والسلام، وخرج من بني عبد شمس أبو حذيفة بن عتبة ومعه امرأته سهلة، ولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبي حذيفة، ومن بني أسد خرج الزبير بن العوام، ومن بني عبد الدار خرج مصعب بن عمير، ومن بني زهرة خرج عبد الرحمن بن عوف، ومن بني مخزوم خرج أبو سلمة بن عبد الأسد ومعه زوجته أم سلمة، ومن بني جمح عثمان بن مظعون، ومن بني عدي عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، ومن بني عامر خرج أبو سبرة ويقال بل أبو حاطب، ويقال كان أول من قدمها ووطئت قدمه أرض الحبشة، ومن بني الحارث خرج سهيل بن بيضاء وهو سهيل بن وهب. فكان هؤلاء العشرة هم أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني، وكان عليهم أميرهم عثمان بن مظعون فيما ذكر.
قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بالحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معهم، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه. قال من بني هاشم: جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس، ومن بني أمية أيضًا، قال: ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن جعفر. قال: ومن بني أمية عثمان بن عفان، قال: ومعهم امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، معهم امرأته فاطمة بنت صفوان، قال: وأخوه خالد بن سعيد بن العاص، قال: معه امرأته أمينة بنت خلف، ويقال همينة بنت خلف. قال ابن إسحاق: ولدت له بأرض الحبشة سعيد بن خالد وأمة بنت خالد، وتزوج أمينة بعد ذلك زبير بن عوام، فولدت له عمرو بن الزبير وخالد بن الزبير. قال من حلفاء من بني أسد بن خزيمة: عبد الله بن جحش، أيضًا هاجر معه أخوه عبيد الله الذي قلنا إنه ارتد فيما هو مشهور، قال: معه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وقيس بن عبد الله قال: معه امرأته بركة بنت يسار، ومعيقيب بن أبي فاطمة. قال: سبعة نفر. قال معيقيب من دوس.
قال ابن إسحاق: ومن بني عبد الشمس بن عبد المناف أبو حذيفة بن عتبة، وأبو موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس حليفه آل عتبة ربيعة رجلان. قال ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان. لكن هنا في تعليق، أبو موسى الأشعري ايش علاقته بالموضوع؟ أبو موسى الأشعري من أهل اليمن ما كان أصلًا موجود في كل المشهد. لذلك ذكر ابن إسحاق أبا موسى الأشعري في من هاجر إلى الحبشة وهو متعقب؛ لأن أبا موسى والأشعريين هؤلاء قوم أسلموا فيما بعد ذلك وخرجوا.
سفينة من الحبشة من اليمن باتجاه المدينة النبوية، فالرياح قادتها إلى الحبشة، فنزلوا في الحبشة عند جعفر إلى أن أتوا في العام السابع. فذكر أبو موسى الأشعري هنا ليس بدقيق، ذكر أبو موسى الأشعري هنا ليس بدقيق.
قال: من بني أسد بن عبد العزى بن قصي: الزبير بن العوام بن خويلد، والأسود بن نوفل بن خويلد، ويزيد بن زمعة. قال: وعمرو بن أمية، قال: أربعة نفر. ومن بني عبد بن قصي: طليب بن عمير رجل. ومن بني عبد الدار بن قصي: مصعب بن عمير.
قال: وسويبط بن سعد بن حرملة. قال: وجهم بن قيس بن عبد شرحبيل، قال: معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود، قال: وابناه عمرو بن جهم، وخزيمة بنت جهم، وأبو الروم بن عمير، وفراس بن النضر بن الحارث، قال: خمسة نفر. ومن بني زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن أبي وقاص، والمطلب بن أزهر، قال: معه امرأته رملة بنت أبي عوف بن صبيرة، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن المطلب. ومن حلفائهم من هذيل: عبد الله بن مسعود، قال: وأخوه عتبة بن مسعود. ومن بهراء: المقداد بن عمرو.
قال ابن هشام: يقال هزل بن قيس بن ذر وجد. قال ابن إسحاق: وكان يقال له المقداد بن الأسود بن عبد يغوث بن عبد مناف زهرة؛ وذلك أنه قد تبناه في الجاهلية وحالفه، ستة نفر. ومن بني تيم بن مرة: الحارث بن خالد، قال: معه امرأته ريطة بنت الحارث، ولدت له بأرض الحبشة موسى بن الحارث، وعائشة بنت الحارث، وزينب بنت الحارث، وفاطمة بنت الحارث، وعمرو بن عثمان، قال: رجلان. ومن بني مخزوم بن يقظة: أبو سلمة بن عبد الأسد مع امرأته أم سلمة، قال: ولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أم سلمة، واسم أبي سلمة عبد الله، واسم أم سلمة هند بنت أبي أمية. قال: وشماس بن عثمان، أيضاً شماس اسمه، وقال ابن هشام: اسمه شماس بن عثمان.
يعني هو قال شماس بن عثمان، لابن هشام ايش يقول؟ لا، شماس هذا هو اسمه عثمان، وإنما سمي شماساً لأن شماساً من الشمامسة خدمة مكة في الجاهلية، والشماس هو من رؤوس النصارى الذي يحلق وسط رأسه، فكان جميلاً فعجب الناس من جماله، فقال عتبة بن ربيعة -وكان خال شماس، خال عثمان-: أنا آتيكم بشماس -يعني برجل يحلق وسط رأسه- أحسن منه، فجاء بابن أخته عثمان، فسمي عثمان بن عثمان شماساً فيما ذكره ابن شهاب. قال ابن إسحاق: وهب عمار بن سفيان أيضاً من المهاجرين، وهشام بن أبي حذيفة، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة. ومن حلفائهم أيضاً من هاجر إلى الحبشة: معتب بن عوف.
قال ابن هشام: ويقال حبشية بن سلول، وهو الذي يقال له معتب بن حمراء. قال ابن إسحاق: من بني جمح بن عمرو، قال: عثمان بن مظعون، قال: وابنه سائب بن عثمان، وأخواه قدامة بن مظعون وعبد الله بن مظعون، وهؤلاء كلهم من السابقين الذين هاجروا أيضاً. وحاطب بن الحارث، قال: معه امرأته فاطمة بنت المجلل، قال: وابناهما محمد بن حاطب والحارث بن حاطب، وهما لبنت المجلل، وأخوه حاطب بن الحارث معه امرأته فكيهة بنت يسار. وسفيان بن معمر، قال: معه ابناه جابر بن سفيان وجندة بن سفيان، ومعه امرأته حسنة وهي أمهم، وأخوهما من أمهما شرحبيل بن حسنة أحد الغوث. قال ابن هشام: شرحبيل بن عبد الله أحد الغوث بن مر، يعني من أحفاد الغوث بن مر.
قال ابن إسحاق: وعثمان بن ربيعة، قال: أحد عشر رجلاً. ومن بني سهم بن عمرو، قال: خنيس بن حذافة، قال: وعبد الله بن الحارث، وهشام بن العاص -قال ابن هشام: العاص بن وائل- قال ابن هشام: وقيس بن حذافة، قال: وأبو قيس بن الحارث، وعبد الله بن حذافة، والحارث بن الحارث، ومعمر بن الحارث، وبشر بن الحارث، وأخ له من أمه من بني تميم يقال له سعيد بن عمرو، وسعيد بن الحارث، وسائب بن الحارث، وعمير بن رئاب. ومحمية بن الجز، نعم.
حليف بني عدي بن كعب: معمر بن عبد الله، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة وابنه النعمان بن عدي حليف آل الخطاب، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة. ومن بني عامر أيضاً: أبو سبرة بن أبي رهم ومعه امرأته أم كلثوم بنت سهيل، وعبد الله بن مخرمة، وعبد الله بن سهيل، وسليط بن عمرو، وأخوه السكران بن عمرو، هما وامرأته سودة بنت زمعة التي يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة السكران، ومالك بن زمعة ومعه امرأته عمرة بنت السعدي، وأبو حاطب بن عمرو، وسعد بن خولة حليف لهم، وهذا الذي رثاه النبي صلى الله عليه وسلم أنه مات بمكة، ثمانية نفر من هذه القبيلة أو من هذا الفخذ. وقال ابن هشام: يعني هو من كل عم يذكر أفخاذ قريش وكل فخذ من هذه الأفخاذ كم خرج منه.
قال ابن إسحاق: سعد بن خولة من اليمن أصله. قال ابن إسحاق: ومن بني الحارث خرج أبو عبيدة بن الجراح وهو عامر بن عبد الله، وسهيل بن بيضاء وهو سهيل بن وهب، ولكن أمه غلبت على نسبه، فأصبح ينادى باسم أمه سهيل بن بيضاء وليس باسم أبيه سهيل بن وهب، ونسب إليها وهي دعاء لقب لها واسمها الحقيقي دعد بنت جحدم، وكانت تدعى بالبيضاء. وأيضاً من هذا الفخذ: عمرو بن أبي صرح، وعياض بن زهير ويقال ابن ربيعة بن هلال، وعمرو بن الحارث، وعثمان بن عبد، وسعد بن عبد قيس، والحارث بن عبد قيس. فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم يعني دون النظر في الأطفال الصغار، ثلاثة وثمانين رجلاً، لا إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه، يعني مختلفين هل عمار بن ياسر هاجر للحبشة أو لا.
ذكر ما قيل من الشعر في الهجرة إلى الحبشة، وكان ما قيل من الشعر في الحبشة أن عبد الله بن الحارث بن سعيد حين آمنوا بأرض الحبشة وحملوا جوار النجاشي وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحداً، وقد أحسن النجاشي جوارهم حين نزلوا به: يا راكباً بلّغ عني مغلغلةً من كان يرجو بلاغ الله والدينِ كل امرئ من عباد الله مضطهدٍ ببطن مكة مقهور ومفتونِ إنا وجدنا بلاد الله واسعةً تنجي من الذل والمخزاة والهونِ فلا تقيموا على ذل الحياة وخزيٍ في الممات وغيب غير مأمونِ إنا تبعنا رسول الله واطرحوا قول النبي -يعني قريش- وعالوا في الموازين، أي جاروا: فاجعل عذابك بالقوم الذي بغوا وعائذ بك أن يعلوا فيطغوني يعني هذا يدعو الله سبحانه.
وقال عبد الله بن الحارث أيضاً يذكر نفي قريش إياهم من بلادهم ويعاتب بعض قومه: أبدى كبدي لا أكذبنك قتالهم عليّ وتأباه عليّ أنامري وكيف قتالي معشراً أذوكموا على الحق لا تشربوه بباطري لفّتهم عباد الجن من حر أرضهم فأضحوا على أمر شديد البلابلِ فإن تكو كانت في عدي أمانة أدي ابن سعد عن تقى أو تواصلي فقد كنت أرجو أن ذلك فيكم بحمد الذي لا يُطلى بالجعائلِ وبدلت شبلاً شبل كل خبيثةٍ بذي فجر مأوى الضعاف الأراملِ وذكر قصائد له، فسمي عبد الله بن الحارث رحم الله ببيته الذي قال فيه، سمي بماذا؟ بالمبرق.
قال وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف، قال: وهو ابن عمه، وكان يؤذيه في إسلامه، وكان الصحابة الكرام اللي هاجروا للحبشة تأذوا، يعني غادروا بلادهم وأوطانهم، والإنسان في بلد الغربة بتجيه القريحة الشعرية فبصير يتذكر كان السبب في هجرته والناس اللي آذونا، فمثلاً عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف وهو ابن عمه وكيف كان يؤذيه وكان أمية شريف قومه في ذلك الزمان، فقال: أتيتم بن عمر للذي جاء بغضةً ومن دونه الشرمان والبركع... إلى آخر القصيدة.
المهم الآن ذكروا قصائد إرسال قريش إلى الحبشة في طلب المهاجرين إليها وخيبتهم فيما طلبوا. قال ابن إسحاق: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم هم قد أصابوا بها داراً وقراراً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جليدين إلى النجاشي فيردهم إليهم، وليثنوه في دينهم، ويخرجوهم من دارهم التي اطمأنوا بها وآمنوا بها، فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص -قبل أن يسلم- وجمعوا لهما هدايا للنجاشي ولبطارقته، ثم بعثوهما إليه فيهم.
فقال أبو طالب حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه أبياتاً للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم: ألا ليت شعري كيف في الناي جعفر وعمرو وأعداء العدو الأقاربُ وهل نالت أفعال النجاشي جعفراً وأصحابه أو عاق ذلك شاغبُ تعلم أبيت اللعن أنك ماجدٌ كريم فلا يشقى لديك المجانبُ تعلم -يعني يا أيها النجاشي إياك أن يشقى من يجاورك، المجانب المجاور- اعلم بأن الله زادك بسطةً وأسباب خير كلها بك لازبُ وإنك فيض ذو سجال غزيرةٍ ينال الأعادي نفعها والأقاربُ
قال ابن إسحاق بإسناد عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جليدين، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدماً، كانوا يحبون جلود مكة.
قال ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلا أهدوا له هدية -رشوة نعم- ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هدايا، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت: فخرج حتى قدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفع إليه هديته قبل أن يكلم النجاشي، وقال لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم؛ فإن قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قربا هداياهما إليه فقبلها منهما، ثم كلماه، فقال له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص أن يسمع كلامهم النجاشي، فقالت بطارقته حوله صدقوا -أيها الملك- قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. قال: فغضب النجاشي ثم قال: لا، ها الله إذاً لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم؛ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائناً في ذلك ما هو كائن. فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فسألهم، فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي من الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه.
صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعددت عليه أمور الإسلام. قال: فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك.
قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال النجاشي: فاقرأه علي. قالت: فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾. قالت: فبكى والله النجاشي حتى اخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلى عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلق، فوالله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.
قالت: فلما خرج من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم. قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان ألطف الرجلين فينا-: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم. ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبينا، كائنًا في ذلك ما هو كائن.
قالت: فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ قالت: فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا: نقول هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال. فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضه، قال: والسيوم الآمنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا من ذهب. إني قد آتيت رجلًا منكم.
قال: ردوا الهدية إلى هذين الرجلين، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه. فخرج من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
قالت: فوالله إنا على ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، فوالله ما علمتنا حزنًا قط كان أشد من حزننا عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل. قال: فقال أصحاب رسول الله ﷺ: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قال الزبير بن العوام: أنا. قالوا: فأنت. وكان أصغر القوم. قالت: فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها فخرج إلى الناحية التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: ودعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده.
قالت: فوالله إنا على ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير يسعى، فلوح بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي ومكن له في بلاده. قالت: فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة قط مثلها. ورجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه ومكن له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة.
قال: فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة. قال الزهري: فحدثت عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن أم سلمة، فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فأخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه؟ قلت: لا. قال: فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني: أن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد إلا النجاشي، وكان للنجاشي عم له من صلبه اثنا عشر رجلًا، وكانوا أهل بيته من ملك الحبشة. فقالت الحبشة بينها: إن قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا، وإن لأخيه من صلبه اثني عشر رجلًا، فيتوارث ملكه من بعده. فبقيت الحبشة بعده دهرًا، فعجبوا على أبي النجاشي فقتلوه وملكوا أخاه. فمكثوا على ذلك حينًا، ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال، فغلب على أمر عمه ونزل منه بكل منزلة.
فلما رأت الحبشة ما كان منه، قالت بينها: والله لقد غلب هذا الفتى على أمر عمه، وإنا لنخاف أن يملكه علينا، وإن ملكه علينا ليقتلنا أجمعين، ولقد عرف أننا نحن قتلنا أباه. فمشوا إلى عمه فقالوا: إما أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خفناه على أنفسنا. قال: ويلكم، قتلنا أباه بالأمس وأقتله اليوم؟ قالوا: بل أخرجه من بلادنا. قالت: فخرجوا به إلى السوق فباعوه لرجل من التجار بست مئة درهم، فقذف في السفينة، فانطلق به. حتى إذا كان العشي من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحاب الخريف فخرج عمه يستظل تحتها، فأصابته صاعقة فقتلته.
وفزعت الحبشة إلى ولده، فإذا هو أحمق ليس في ولده خير، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، ومرج على الحبشة أمرهم، قال بعضهم لبعض: تعلموا والله إن ملككم الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم غدوة، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه. قالت: فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه، ثم جاءوا به فعقدوا عليه التاج وأقعدوه على سرير الملك فملكوه. فجاءهم التاجر الذي كانوا باعوه منه فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلمه في ذلك. قالوا: لا نعطيك شيئًا. قال: إذًا والله لأكلمنه. قالوا: فدونك.
فجاءه فجلس بين يديه فقال: أيها الملك، ابتعت غلامًا من قوم بالسوق بستمئة درهم، فأسلموا إلي غلامي وأخذوا دراهمي، حتى إذا سرت بغلامي أدركني، فأخذوا غلامي ومنعوني دراهمي. قالت: فقال لهم النجاشي: لا تعطنه دراهمه أو لا يضعن غلامه يده في يده فليذهبن به حيث شاء. قالوا: بل نعطيه دراهمه. قالت: فذلك، ولذلك يقول: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فأخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيعهم فيه.
قال ابن إسحاق: وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه، قالت: اجتمعت الحبشة، فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا، وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيا لهم سفينة، وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم، فإن هزمتم فامضوا حيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا. ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصفوا له. فقال: يا معشر الحبشة، ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي -ووضع يده على صدره على قبائه-: هو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئًا.
فلما بلغ ذلك النبي ﷺ، ومات النجاشي، صلى عليه واستغفر الله له.
قال ابن إسحاق: ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش، ولم يدركا ما طلبا من أصحاب رسول الله ﷺ، وردهم النجاشي بما يكرهون، وأسلم عمر بن الخطاب، وكان رجلًا ذا شكيمة لا يُرام ما وراء ظهره، امتنع به أصحاب رسول الله ﷺ وبحمزة حتى عزوا قريشًا. فكان عبد الله بن مسعود يقول: ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه. وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إلى الحبشة.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن ربيعة، عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت: إنا والله لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء، أذى لنا وشدة علينا، فقالت: إنه للانطلاق يا أم عبد الله؟ فقلت: نعم والله، لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجًا. قال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه.
فيما أرى خروجنا، قالت: فجاء عامر بحاجته تلك. فقلت: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر آنفاً ورِقَّته حسنة علينا! قال: أطمعت في إسلامه؟ قالت: قلت: نعم. قال: فلا يُسلم الذي رأيت حتى يُسلم حمار الخطاب. قالت: يئساً منه لما يرى. إذاً هذا عامر، إذاً هو أب زوجها، الظاهر أنه زوجها.
إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته كانت قد أسلمت، وأسلم زوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفير، وهم مستخفون بإسلامهم من عمر. وكان نُعيم بن عبد الله النحام، رجل من قومه من بني عدي بن كعب، قد أسلم وكان أيضاً يستخفي بإسلامه فَرَقاً من قومه. وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوماً مُتوشحاً سيفه، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطاً من أصحابه، قد ذُكر له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين من بين الرجال والنساء، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب، في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة.
فلقيه نُعيم بن عبد الله، فقال: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرّق أمر قريش وسبَّ آلهتها فأقتله. فقال له نُعيم: والله لقد غرّتك نفسك من نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمداً على دينه، فأتِهما.
طيب، ما رأيكم بهذا الموقف من النحام؟ حقيقة هذا يمكن أن يُؤخذ منه بعد معين. الآن النحام هذا كان مسلماً، انظر هذا المشهد وكيف يمكن أن يُستثمر في الفضاء الفقهي. النحام رأى عمر بن الخطاب ماسك السيف ورايح على دار الأرقم بن أبي الأرقم، يريد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وخَلَص، يعني رأى الشر في عينيه، فالنحام مسلم مستخفٍ بإسلامه، خشي وقلق، فحاول أن يصرف عمر بن الخطاب، فما عرف يصرف عمر بن الخطاب إلا من خلال كشف ورقة أخته وسعيد بن زيد. أنت يا نحام، أنت عارف شو اللي عملته؟ أنت كشفت موضوع أخت عمر لعمر، وأنه هو يقول له: عمر ارجع لبيتك شوف أختك وختنك أولى بأنك تروح على دار الأرقم.
هل يجوز للمسلم أن يمارس هذه الممارسة؟ أنتم عارفين شو الممارسة اللي عملها، كأنه ضحى بـ... هو مش عارف شو رح يصير طبعاً، لكنه كشف أن فاطمة أسلمت وسعيد أسلم حتى يعدل عمر عن الذهاب إلى دار الأرقم ويذهب إلى أخته وزوجها. هذه ما يُسمى إخواني فقه الموازنات، أنه أنا الآن هذا الرجل رايح، إما أن يقتل الصحابة في دار الأرقم وفيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإما أن أشغله بما هو أخف، يعني لو هلك يبقى أخف هلاكه. فكشف قضية أنه روح على أختك وزوجها، هي ممارسة تحتاج إلى فقه، هل كان النحام عنده خيار آخر ثالث؟ أنا لا أعتقد، هو فكر سريعاً كيف بدي أخلي عمر ما يروح على دار الأرقم ما يعمل جريمته، ما كان عنده مجال النحام إلا أن يوجهه لشيء آخر، هسا في تضحية، في ثمن سيُدفع في ذاك البعد، بس يظل أهون من أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم أو يقتل كبار الصحابة. هذه قضية أنه أنت ممكن يُضحى أحياناً، هي قضية التضحية، هي مسألة مقابل نجاة من بقاؤه أولى وأهم، هذه يمكن أن يُؤخذ لها تطبيقات فقهية في أماكن كثيرة، بس هذه طبعاً تدرس في الأروقة العلمية فقط.
فرجع عمر إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها. فلما سمع حسه، تغيّب خباب في مخدع لهم أو في بيت من البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا: ما سمعت شيئاً. قال: بلى والله، لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، ووطئ بختنه سعيد بن زيد. فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب تكفُّ عن زوجها، فضربها فشجَّها، فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك. ولما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فاستحيا وقال: أعطوني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤونها آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. وكان عمر كاتباً. فلما قال ذلك، قالت له أخته: إنّا نخشاك عليها. قال: لا تخافي، وحلف له بالله ليردنها إذا قرأها عليها. فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي، إنك على شركك، وأنه لا يمسّه إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة فيها طه، فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: «اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فالله الله يا عمر».
فقال له عند ذلك عمر: دلني على محمد حتى آتيه فأسلم. فقال خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه. فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب، قال: فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشح السيف. فقال حمزة بن عبد المطلب: ائذن له، فإن كان جاء يريد خيراً بذلناه له، وإن كان جاء يريد شراً قتلناه بسيفه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن له. فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاه في حُجرته، أخذ بحُجرته أو بمجمع رداءه، ثم جبذ النبي صلى الله عليه وسلم عمر جبذة شديدة، قال: «ما جاء بك ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة». فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأؤمن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله. قال: فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم قد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر، وما أسلم حمزة، وعرفوا أنهما يمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوهم. فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر بن الخطاب حين أسلم.
قال ابن إسحاق: إسلام عمر كان نقطة انتقالية كما يقولون. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر المكي عن أصحاب عطاء بن أبي رباح، روى عن ذلك أن إسلام عمر فيما تحدث به عنه أنه كان يقول: كنت قبل إسلامي وكنت صاحب خمر في الجاهلية، أحبها وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة عند دور عمر بن عبد بن عمران المخزومي. قال: فخرجت ليلة أريد جلسائي في مجلسهم، فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحداً. قال: فقلت لو أني جئت فلاناً الخمّار وكان بمكة يبيع الخمر، لعلّي أجد عنده خمراً فأشرب منها. قال: فخرجت فجئته فلم أجده. قال: فقلت لو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعاً أو سبعين، فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام، فكان مصلاه بين الركنين، الركن الأسود والركن اليماني. قال: فقلت حين رأيت: والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول. قال: فقلت: لئن دنوت منه أستمع منه لأعننَّ.
فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها، فجعلت أمشي رويداً، والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته، مستقبله، ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة. فلما سمعت القرآن رَقَّ له قلبي فبكيت، ودخلني الإسلام، ولم أزل قائماً في مكاني ذلك حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، ثم انصرف وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين وكانت هي طريقه، حتى يجزع المسعى، ثم يسلك بين دار العباس وبين دار ابن أزهر، ثم على دار الأخنس، حتى يدخل بيته، وكان مسكنه صلى الله عليه وسلم في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية بن أبي سفيان.
قال عمر: تبعته حتى إذا دخل بين دار العباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حِسّي عرفني، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أني إنما تبعته لأؤذيه، فهمني ثم قال: «ما جاء بك؟» قلت: جئت لأؤمن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله. قال: فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «قد هداك الله يا عمر»، ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته. قال ابن إسحاق: والله أعلم، ذلك كان قبل إسلام عمر، يعني هذه قصة أخرى أو سيناريو آخر لإسلام عمر بن الخطاب، وإن كانت القصة الأولى أشهر.
قال ابن إسحاق: وحدثنا نافع عن ابن عمر قال: لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحي. قال: فغدا عليه، وعمر بده يفزع الآن أهل مكة على إسلامه، قال: جيبوا لي أكثر واحد بيفشي السر في مكة، قالوا في واحد اسمه جميل بن معمر، هذا عبارة عن بئر، فغدا عليه، فقال عبد الله بن عمر: وغدوت أتبع أثره وأنظر ماذا يفعل، وأنا غلام أعقله كل ما رأيت. حتى جاء فقال له: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد؟ قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر، واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إن ابن الخطاب قد صبأ! قال يقول عمر من خلفي: كذب، ولكني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله.
قال: فثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم. وطلح، فقعد، فقاموا على رأسه ويقول: افعلوا ما بدا لكم، فإني أحلف بالله لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا! قال: فبينهم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص مُوَشّى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فَمَهْ؟ قال: رجل اختار لنفسه أمراً، فماذا تريدون؟ أترون بني عدي...
بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبكم من بني عدي بن كعب.
قال: فوالله هكذا عن الرجل، ابعدوا عنه، هكذا عن الرجل؛ خلص ابعدوا عنه لا تضربوه، فوالله لكانما كانوا ثوباً، كانوا هم كلهم فوقه مرة واحدة راحوا خلص وتركوا عمر في حالي. قال عبد الله بن عمر: فقلت لأبي بعد أن هاجر المدينة: يا أبتِ، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: ذاك العاص بن وائل السهمي. سبحان الله، أحياناً والله إن الله يؤيد هذا الدين برجل فاجر، يعني أنت تكون في ورطة، رجل كافر بسخره أنه يبعد عنك الناس.
قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أنه قال: يا أبتِ، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ قال: يا بني ذاك العاص بن وائل. قال إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث عن بعض أهل عمر أو بعض أهله قال: عمر لما أسلمت تلك الليلة، مات على الكفر.
قال: تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأقر أني قد أسلمت، قال: قلت أبو جهل، وكان عمر لحنتمة بنت هاشم بن المغيرة، قال: فأقبلت حين أصبحت، فضربت عليه بابه، قال: فخرج إلي أبو جهل فقال: مرحباً وأهلاً يا ابن أختي، ما جاء بك؟ قال: قلت جئت أخبرك أني قد آمنت بالله وبرسله محمد، وصدقت بما جاء به. قال: فضرب الباب في وجهه وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به.
قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم.
فلما اجتمعوا على ذلك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم. وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة، ويقال النضر بن الحارث، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليه فشُل بعض أصابعه.
قال ابن إسحاق: فلما فعلت ذلك قريش، حازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا إليه. وخرج من بني هاشم أبو لهب، المخذول الوحيد الذي خرج؛ أبو لهب انتمى لقريش وخرج من بني هاشم تبرأ منهم. قال ابن إسحاق: حدثني حسين فظاهرهم، يعني فعاون قريشاً على أقاربه، أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشاً، فقال: يا ابنة عتبة، هل نصرت أبا العزة وفارقت من فارقهما؟ قالت: نعم، فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة. وأبو لهب مات كافراً، وهند بنت عتبة أسلمت فأصبحت صحابية. سبحان الله.
كان أبا لهب بتحس أنه كان دنيئاً لدرجة بده يشتري رضا كفار قريش، أنه خلص رضيت عني يا قريش أني تركت أهلي وتبرأت منهم مشانكم، فهند قالت له: اه خلص أنت أديت اللي عليك وزيادة. فمات هذا الدنيء كافراً، وهند التي كان يخطب ودها وودت، أسلمت رضي الله عنها، شوف هكذا الدنيا يا إخوان.
قال ابن إسحاق: وحدثني أنه كان يقول في بعض ما يقول: يا دين محمد الأشياء لا أراها، يزعم أنها كان بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك؟ ثم ينفخ في يديه ويقول: تباً لكما، وما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]. قال ابن هشام: تبت خسارة وتب الخسارة.
قال ابن إسحاق: فلما اجتمعت على ذلك، صنع الذي صنعه. قال أبو طالب في هذه المقاطعة التي حصلت أبيات كثيرة. المهم فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً حتى جهدوا؛ تعب الصحابة بنو هاشم وبنو المطلب تعباً شديداً، لا يصل إليهم شيء من الطعام والشراب إلا سراً مستخفياً به من أراد أن يصلهم من القرشيين.
وقد كان أبو جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، ومعه غلام يحمل قمحاً يريد أن يوصله حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، مع أن حكيم كان لسه مشرك وهي عند النبي صلى الله عليه وسلم ومعه في الشعب. فتعلق به أبو جهل وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة. فجاء أبو البختري بن هشام فقال: ما لك وله؟ قال: أحمل الطعام إلى بني هاشم. فقال له أبو البختري: طعام كان لعمته عنده، أبعثت إليه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خلِّ سبيل الرجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه، يعني صار مشكلة، فأخذ له أبو البختري لحي بعير فضربه به فشجَّه، ووطئه وطئاً شديداً.
حمزة بن عبد المطلب من بعيد يشوف المشهد، يعني أبو البختري وأبو جهل من رجالات قريش وعم بيضربوا بعض، سبحان الله. وهم يكرهون أن يبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتوا بهم، يعني صح أبو البختري عم بتضارب مع أبو جهل بس الاثنين حريصين أنه ما حدا يشوف هي المضاربة حتى ما يشمت فيهم الصحابة.
رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، ما زال يدعو قومه ليلاً ونهاراً وسراً وجهراً، مبادياً بأمر الله لا يتقي فيه أحداً من الناس، فجعلت قريش حين منعه الله منها، وقام عمه وقومه من بني المطلب دونه، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا به من البطش به، يهمزونه ويستهزئون به ويخاصمونه.
والقرآن ينزل في قريش بأحداثهم وفي من نصب لعداوته منهم، من سُمي لنا ومنهم من نزل فيه القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار، فكان من سُمي لنا ممن نزل فيه القرآن خصوصاً: أولاً أبو لهب نزل فيه آيات واضحة منه عمه أبو لهب وامرأته أم جميل نزل فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. وكانت فيما بلغني تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن هشام: الجيد هو العلق، والمسد هو شجر يدق كما يدق الكتان فتفتل منه الحبال، فالمسد هو الحبل.
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن أم جميل حمالة الحطب حين سمعت ما نزل فيها وفي زوجها، أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فهر من حجارة، الفهر يعني حجر ملء الكف، ما وقفت عليهما أخذ الله بصرها فلم ترَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ترى إلا أبا بكر فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربته بهذا الفهر، أما والله إني لشاعرة: مذمماً عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا. تسمي النبي صلى الله عليه وسلم مذمماً بدل محمد، ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أراكَ؟ قال: ما رأتني، لقد أخذ الله بصري عنها.
قال ابن إسحاق: وكانت قريش إنما تسمي النبي صلى الله عليه وسلم مذمماً ثم يسبونه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا تعجبون لما يصرف الله عني من أذى قريش؟ يسبون ويهجون مذمماً وأنا محمد. يعني أنا مش مذمم. تعاملوا مع الموضوع ببساطة عليه الصلاة والسلام.
أيضاً ممن ذكر ذمه في القرآن أمية بن خلف، وهو الذي نزلت فيه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]، نزلت في أمية بن خلف الذي جمع مالاً وعدده. وواضح أن أمية بن خلف رجل مادي بحت، يعني حتى لمرحلة أنه تخلى عن بلال بمجرد أن أعطاه أبو بكر غلاماً آخر، مش إنسان صاحب مبدأ. قال ابن هشام: الهمزة الذي يشتم الرجل عليه ويكسر عينه عليه ويغمز به، واللمزة الذي يعيب الناس سراً ويؤذيهم، هذا الفرق بين الهمزة واللمزة.
أيضاً مما نزل فيه القرآن العاص بن وائل الذي قال فيه عمر: جزاه الله خيراً، كان خباب بن الأرت صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قيناً، يعني صنائعي في مكة يعمل السيوف، وكان قد باع من العاص بن وائل سيوفاً، فكان خباب بده دين، فجاء يتقاضاه فقال له: يا خباب، أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت عليه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم؟ قال خباب: بلى. قال: فأنذرني إلى يوم القيامة، بستهزئ العاص إلى يوم القيامة يا خباب، حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك منها حقك، فوالله لا تكون أنت وأصحابك يا خباب أثر عند الله مني ولا أعظم حظاً. فأنزل الله فيه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: 77-78].
أيضاً ما نزل في القرآن في أبي جهل بن هشام، قال سبحانه وتعالى، ولقي أبو جهل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبد، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108]. فذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم كف عن سب آلهتهم. ولاحظ هذا أثر مهم هنا، حقيقة أنه بعض الشباب لما تناقش في هذه القضية بيجي بيقول لك: يا أخي النبي عليه الصلاة والسلام كان يشتم آلهة المشركين شو المشكلة أننا نجهر بالحق ولو شتمنا؟ لا هذه القضية نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها؛ يعني هو كان يفعل هذا في بداية الأمر ثم نُسخ ذلك وأمر ألا يسب آلهة المشركين. هذه قضية مهمة؛ أنه بعض الشباب ممكن يستدل بقضية أنه خلينا نهاجم الكفار حتى ولو، وهذا لأنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يسب آلهتهم في مرحلة معينة، فلما كانت تؤدي إلى المفاسد الأعلى فيما بعد، أمر بعدم سب أصنامهم.
أيضاً النضر بن الحارث، وهذا ذكرنا أنه كان يقول: والله يا محمد ما محمد بأحسن حديثاً مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتبها كما كتبتها، فأنزل الله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]، وأيضاً: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم: 15]، وقال: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [الجاثية: 7-8]، فهذه كلها نزلت في النضر بن الحارث. قال ابن هشام: الأفاك الكذاب.
جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معه في المجلس، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفهمه، ثم تلى عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَٰؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ۖ وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: 98-100]. قال ابن هشام: حصب جهنم كل ما أوقدت به.
ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عبد الله بن الزبعرى السهمي حتى جلس، فقال أبو الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفاً وما قعد، وقد زعم ابن عبد المطلب أننا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فاسألوا محمداً، أكل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد عيسى بن مريم. فأُعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى ورأوا أنه قد احتج، قالوا: ها شايفين ابن الزبعرى غلب.
محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. إذاً عيسى سيدخل النار والعزير سيدخل النار؛ لأن محمداً صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم.
فقال صلى الله عليه وسلم: «كل من أحب أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته». فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كل من أحب أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبد. فالآية ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] هي خاصة بمن عُبد وهو راضٍ. وأما عيسى والعزير فلم يعبُدا وهما راضيان.
فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]. فعيسى والعزير ومن عُبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله؛ هؤلاء لا يدخلون في حصب جهنم، وإنما من سبقت لهم من الحسنى.
ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] إلى آخر الآيات. ونزل فيما ذكر من أمر عيسى أنه يُعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حُجة ابن الزبعرى وأنه استطاع أن يغلب القرآن، قال الله في معاتبتهم على هذا الحمق: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57]، وفي قراءة أخرى ﴿يَصُدُّونَ﴾، أي يصدون عن أمرك بذلك.
ثم ذكر عيسى فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: 59-61]، وفي قراءة ﴿لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي ما وُضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلاً على علم الساعة. ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: 61].
نقف اليوم عند هذا القدر ونكمل في الدرس القادم. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل