الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمَعين. أما بعد، فقد تكلمنا في الحلقة الماضية عن غزوة مؤتة، وعن معظم ما في غزوة مؤتة من الأحداث، وأن المسلمين انتصروا فيها، وذكرنا من الدلائل على انتصارهم أن من ذلك أن هناك سلب، يعني سلب القاتل، وذكرنا أن عوف بن مالك الصحابي رضي الله تعالى عنه ذكر قصة أنه خرج في مؤتة ومعه رجل مددي، وأن هذا المددي كمن لأحد المقاتلين من الروم، وكان هذا المقاتل الرومي قد أثخن في المسلمين، وكان شديد البأس، ويبدو أنه كان أحد فرسانهم؛ لأنه كان عليه حلة عظيمة وغالية عليه من الذهب وغير ذلك، فكمن له المددي ثم عقر به فرسه، ثم علاه فقتله، ثم حوى سلبه، وكان سلبه كثيراً يعني مالاً كثيراً. فبعد انتهاء المعركة، خالد بن الوليد أخذ ذلك السلب واعطاه منه شيئاً، فقال له عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: أعطه السلب كله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل قتيلاً فله سلبه». فقال: إني أستكثر عليه، يعني هذا السلب كثير، ورفض أن يعطيه إياه.
ثم لما رجعوا إلى المدينة، جاء عوف بن مالك وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا خالد، ما حملك على أن منعته سلبه؟ أعطه إياه». فقام خالد ليعطيه إياه بعد ما اعتذر وقال: إني استكثرت عليه. فلما مر على عوف بن مالك، وكان عوف في المجلس، قال: ألم أقل لك إني سافي لك بما وعدتك، أو سافي لك بوعدك، وعدي إياك، أو نحو هذا الكلام كأنه يعني يتحداه. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلمة عوف فقال: «ما هذا؟» فاخبره، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «ما لكم ورائي؟ أو هل أنتم تاركو أمراءكم؟ صفوة عملهم وعليهم كدرة، يا خالد، لا تعطِهِ السلب». وهذا يدلنا على أمرين: الأول: أن المسلمين انتصروا، وهذا ثابت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين»، أو «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليه»، هذا يدل على أن المسلمين انتصروا.
والأمر الثاني: أن هذا السلب عائد أمره إلى الإام، نعم النبي قال: «من قتل قتيلاً فله سلبه»، لكن الإمام مالك كان يقول: إنما قال ذلك بعد انتهاء المعركة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في عدد من الغزوات، لكنه كان مالك يقول بأن النبي إنما يقوله بعد انتهاء المعركة؛ يعني حتى لا يكون أحد يقاتل لأجل الدنيا، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تعطِهِ إياه». وقد منع عمر بعض الناس من السلب لكثرته؛ مما يدل على أن سلب المقتول إذا قتل أحد المسلمين أحد المشركين فإن السلب له يستحقه، لكنه قد يمنع إياه، وأن هذا راجع للإمام، يعني الإمام هو الذي يفصل في ذلك، وكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قال لخالد: «لا تعطِهِ إياه» يدل على أن الامر ليس محسوباً، وأن كل سلب للقاتل، هذا من الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث القصير وهو حديث المددي.
الامر الثاني الذي ذكرته أيضاً في الحلقة الماضية ولم أستتمه، هو مسألة التحيز أو مسألة الفرار من الزحف. ذكرت أن الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، وأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوُلُوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَّا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: 15-16]. ولذلك قال العلماء: الفرار من الزحف مشروط بشرطين: الأول: أن يكون العدد أكثر من الضعف، وهذا ذكرناه في آيات أن الله سبحانه وتعالى قال في بعض الآيات أو قال في آية في سورة الأنفال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66]، إذاً صار العدد هو الضعف. إذاً العلماء يقولون: إذا كان العدد أكثر من الضعف جاز للمسلم الفرار، والأولى أن يصمد ويثبت في المعركة.
الامر الثاني: إذا كان فراره لغرض صحيح، كان يكون متحيزاً إلى فئة؛ يعني هو فئته أو جماعته أو الجيش بعيد منه، فأراد أن يكون مع جيشه أو مع فئته، هذا الامر الاول. الثاني: أن يكون متحرفاً لقتال، والمحرف للقتال يعني أن يكون في موضع هو أحسن منه في موضع آخر؛ مثلاً إذا كان في مكان نازل والعلو افضل من النزول ركض أو هرب إلى مكان العلو حتى يتمكن من لقاء العدو، هذا ليس فراراً وإنما تحرفاً لقتال، أو أنه راى جبلاً فانحاز إلى الجبل، أو أن العدو مثلاً مجتمع خيله ورجله الرجال والخيول، وأراد أن يفصل هؤلاء من هؤلاء فيفر من باب أن الخيل ستتبعه ثم تنفصل عن الرجالة، هذه كلها من الأمور التي تعرف في القتال، وهي من التحرف للقتال. ولذلك الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوُلُوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15]. ومن يولهم يومئذ دبره إلا، يعني هو ولاهم الدبر ولكنه لقصد، إلا متحرفاً لقتال، هو تحرف يعني أراد أن يتمكن من موضع يحسن فيه قتاله، إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة. والتحرف للقتال منها ما هو الكمائن التي تفعل؛ يكون هناك كمين وهناك أناس يهربون حتى يكون هناك إحاطة بالعدو من كل الجهات، هذا من باب التحرف للقتال. فهذا اردت أن أبينه، أنه لا يجوز الفرار من الزحف إلا بشرطين: أن يكون العدو أكثر -والثبات أولى- أكثر من الضعف، وأن يكون الفرار لفئة أو تحرفاً لقتال، أو تكتيكياً كما يقال في هذا الزمن.
هؤلاء الصحابة الذين انتصروا في غزوة مؤتة وعليهم زيد بن حارثة وعليهم أيضاً بعد زيد جعفر الطيار جعفر بن أبي طالب، ثم بعد جعفر عبد الله بن رواحة، قد وصل الخبر كما ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ياتوا، فجاء بعض الصحابة وهو يعلى بن منية قبل الجيش مخبراً للنبي صلى الله عليه وسلم بخبر، أراد أن يخبر النبي بخبر الجيش، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أردت أن تخبرني فأخبرني، وإن أردت أن أخبرك أنا أخبرتك». فقال يعلى بن منية: بل أخبرني يا رسول الله. فأخذ النبي يقص عليه ما حدث في تلك المعركة، فقال يعلى بن منية رضي الله تعالى عنه: والله يا رسول الله ما تركت من حربنا أو معركتنا حرفاً، يعني أنك اتيت على كل المشهد، كأن النبي قد أجلى الله له المعركة وراها عياناً وهو على المنبر يقول: قتل زيد، قتل جعفر، قتل عبد الله، وعيناه تذرفان.
وبعدما علم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قبل أن يأتي يعلى بن منية، ذهب إلى بيت زيد بن حارثة، فلما دخل البيت خرجت ابنتة، فلما رأت النبي اجهشت بالبكاء، وكان الخبر قد وصل، فعند ذلك بكى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الصحابة: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: «هذا شوق الحبيب إلى حبيبه». وكان النبي يحب زيداً حبّاً عظيماً، لأن زيداً، بل زيد كان يسمى ابن محمد، زيد بن محمد وقصته مشهورة، ولذلك جاء القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5] نزلت في زيد. وجاءت قصة الزواج، زواج زيد من زينب بنت جحش وهي ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم طلقها زيد وزوجها الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر قصتها في القرآن؛ لكي يعلم الناس أن البنوة في الاسلام ليست موجودة، وإنما زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
زيد رضي الله تعالى عنه كان في بداية الإسلام قبل الإسلام صغيراً عند أهله، ولم يكن من أهل مكة، فجاءت خيل إلى أمه وهي قد زارت أخوالاً له، فخطفت هذا الغلام الصغير وهربت به وباعته في مكة، فاشتراه حكيم بن حزام. زيد بن حارثة كانت بداية أمره أنه قد سرق من أهله وبيع في سوق في مكة أو سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي رضي الله تعالى عنه، شراه لعمته خديجة بنت خويلد، وكانت خديجة قبل في ذلك الوقت لم تتزوج النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أهداها، أهدى زيداً لخديجة، وكان عمره ثمان سنين، وتزوجت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم، أهدت زيداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعند ذلك أحبه النبي وعامله معاملة عجيبة وأحبه هذا الغلام.
وكان أبو زيد وهو حارثة وهو صحابي أسلم بعد ذلك، كان يقول في ولده الذي فقده أشعاراً، من ذلك أنه كان يقول: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فوالله ما أدري وإن كنت سائلاً أغالكَ سهل الأرض أم غالها الحَزَن؟ ألا يا نديمي هل لك الدهر رجعة؟ فحسبي من الدنيا رجوعك لي بجل تذكرني الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا قارب الطفل وإن هبت الأرواح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه ويا وجل ساعمل نص العيس في الأرض جاهدةً ولا أسام التطواف أو تسام الإبل يقول: ساعمل نص العير، العيس يعني خبيباً أو سرعة العيس وهي الإبل، ساعمل نص العيس في الأرض جاهدةً ولا أسام التطواف أو تسام الإبل إلا أن تسام الإبل. فعند ذلك بلغت هذه الأبيات ولده، فرد عليه بأبيات وأخبر أناساً كانوا قد حجوا ووجدوه في مكة وأرسل معهم هذه الأبيات، يقول فيها: أحن إلى قومي وإن كنت نائياً فاني قعيد البيت عند المشاعر فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الأرض نص الاباعر فاني بحمد الله في خير أسرة كرام معد كابراً بعد كابر. نقف هنا إن شاء الله ونستانف بعد قليل.
إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون. مرحبا بكم من جديد، كنا وقفنا عند ذكر زيد وانه قال أبيات أرسلها إلى أبيه، ومضمون هذه الأبيات أنه يقول فيها: أحن إلى قومي وإن كنت نائياً فاني قعيد البيت عند المشاعر فكفوا من الوجد الذي قد شجاكم ولا تعملوا في الأرض نص الاباعر فاني بحمد الله في خير أسرة كرام معد كابراً بعد كابر. أرسل هذه الأبيات لوالده، فلما بلغ ذلك والده طار من الفرح، وخرج هو وأخوه وبعض ولده إلى مكة حتى استعلم واستخبروا عن رسول الله ودخلوا عليه فقالوا: يا ابن عبد المطلب، نسبوه إلى عبد المطلب؛ لأن عبد المطلب كان مشهوراً وكان سيداً من سادات قريش، وأما عبد الله أبو النبي صلى الله عليه وسلم فإنه سيد ولكنه توفي صغيراً قيل إنه توفي وعمره تسع عشرة عاماً في بداية زواجه، وهو من السادات العظماء يعني من حيث الأخلاق، فإنه أبو النبي صلى الله عليه وسلم مر على امرأة فرات نور النبوة في وجهه قبل زواجه من آمنة بنت وهب، فقالت يا هاء أو يا عبد الله، قع علي وأعطيك من الإبل ما نحرت عنه. وكان قد نحر عن عبد الله بن عبد المطلب أبو النبي صلى الله عليه وسلم نحر عنه مئة ناقة وقصته معروفة، وهو يسمى الذبيح، ولذلك يسمى النبي صلى الله عليه وسلم ابن الذبيح أو ابن الذبيحين. فقالت المرأة هذه التي كانت تبيع الجلود لما رأت عبد الله بن عبد المطلب مارّاً عليها ورات جماله ورات فيه نور النبوة، قالت: قع علي وأعطيك من الإبل ما نحر عنك. فقال بيتين يقول فيهما: أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فاستبينه فكيف بالامر الذي تبغينه يحمل كريم عرضه ودينه.
نعود إلى قصة حارثة وولده زيد، لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن عبد المطلب، جئناك في فكاك ولدنا عندك، فأحسن في فكاكه أو أحسن في فدائه. فقال: «وما ذاك؟» وكل هذا قبل النبوة، قبل البعثة. قال: زيد ولدنا عندك، عبدك، نريد أن نفديه بالمال أو بالإبل، فأحسن لنا وأجمل. فقال: «أو غير ذلك؟» فقالوا: وما هو؟ قال: «أدعوهم فأخير بيني وبينكم، فإن اختارني فما أنا بالذي اختاره على من اختارني أحداً، وإن اختاركم فهو لكم بغير فداء». فقالوا: زدتنا بل، يعني أنصفت وزدت على النصف. فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا زيد، أتعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي. قال: «وأنا من قد عرفت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما». فقال زيد: والله ما أنا بالذي أختار عليك أحداً. فقال أبوه وعمه: يا زيد، ويحك أَتختار العبودية على أبيك وعمك وأهلك؟ فقال: إني رايت من هذا الرجل شيئاً لا أختار عليه أحداً، أو نحو هذا الكلام. فعند ذلك ذهب النبي بزيد إلى البيت وصرخ في أهل مكة: يا معشر قريش، أن زيداً ابني يرثني وأرثه. فعند ذلك طابت نفس أبيه وعمه ورجعوا إلى أهلهم، ومن ذلك الموقف سمي زيد بن محمد، حتى أن ابن عمر يقول كما في صحيح البخاري ما كنا
نعرّف زيدًا إلا زيد بن محمد، حتى نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 5]. لما نزلت هذه الآية قال زيد: أنا زيد بن حارثة. فانتسب إلى أبيه امتثالًا لأمر الله، مع أنه كان يُسمى زيد بن محمد. وهذا أمر عظيم جداً، فالذي يكون في محل زيد أنه يُنسب إلى رسول الله؛ إلى خير الخليقة، إلى القائد، إلى الإمام، إلى الملك العظيم، ثم فجأة يُسحب منه هذه النسبة وتطيب نفسه ويرضى بذلك!
كان يُسمى زيد بن محمد، ثم الآن سمي زيد بن حارثة. فأين هذا من هذا؟ فيقول العلماء: بسبب رضا زيد بهذا الموقف، وبسبب انتسابه إلى أبيه الحقيقي، ورضاه بأمر الله سبحانه وتعالى، ذكر الله اسمه في القرآن ولم يُذكر اسم أحد من الصحابة غيره. هذه فائدة قالها العلماء؛ أن زيدًا ذُكر اسمه في القرآن ولم يُذكر اسم أبي بكر ولا اسم عمر ولا أحد من الصحابة، كما قال تبارك وتعالى في سورة الأحزاب في آية: ﴿وَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: 37].
هذا الذكر في القرآن يتلى إلى يوم القيامة، شيء عظيم جداً ومنقبة عظيمة. وتعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأبي بن كعب: يا أُبيّ، إن الله قد أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: 1]، فقال: يا رسول الله، وسماني؟ رب العالمين سمى اسمي؟ ذكر اسمي لك؟ قال: نعم. فأخذ أُبيّ يبكي فرحًا بأن الله سماه لنبيه؛ فما بالكم بمن سمي في كتاب الله يتلى إلى أن تقوم الساعة، بل يتلى في الجنان! بل إن الله سبحانه وتعالى قد جعله من أهل الإيمان، ومن الذين أنعم الله عليهم، كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37]؛ أنعم الله عليه بالإيمان، وأنعم الله عليه بالعتق، وأنعم النبي صلى الله عليه وسلم عليه بالعتق. وهذه منقبة عظيمة قد لا توجد لأحد من الصحابة. ونكتة ذكره كما ذكرت هي أنه رضي بنسبته إلى حارثة أبيه، وأنه أُبعدت نسبته عن النبي صلى الله عليه وسلم ظاهريًا، وإلا فإن زيدًا رضي الله عنه كان حَبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن حَبّ رسول الله، وهو أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان النبي يحبه حبًا جَمًّا، حتى إن عائشة تقول: جاء زيد مرة من غزوة، فعلم النبي بمجيئه، فخرج وإنكشف بعض عورته -والله ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك الحال إلا في ذلك الوقت- يعني من فرحته وأنه في استقبال زيد، عَجِلَ عن سِتْر بعض عورته صلى الله عليه وسلم. وكان عمر يقول لما فرض لأُسامة بن زيد أكثر من ولده وهما سنان؛ فرض لأُسامة من العطاء أكثر بكثير مما فرض لعبد الله بن عمر. فشكى عبد الله بن عمر: يا أبتِ، أنت فرضت لأُسامة وأنا وهو سواء أكثر مما فرضت لي! قال: يا بني، إن أباه كان أحب إلى رسول الله من أبيك، وأنه أحب إلى رسول الله منك. يعني عمر كان يزيد في العطاء مع مراعاة أو بسبب مراعاته لحب النبي للرجال، ولذلك كان يقدم أهل بدر ويقدم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في العطاء، ويكثر عطاء هؤلاء رضي الله عن الصحابة اجمعين.
زيد تزوج زينب بنت جحش بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أرسل النبي إليها يخطبها وكانت قريش يخطبونها، فرحت وقالت: مرحبا برسول الله. فقيل لها: إنه يخطبك لزيد مولاه. فهنا أَنِفَتْ، ثم بعد ذلك رضيت، ونزل القرام: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]. فتزوجته، ولكنه كان هناك بعض سوء التفاهم بينها وبين زوجها زيد، وكانت تُغلظ عليه، وكانت امرأة قوية أو شديدة، فكان يشكوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اصبر، امسك عليك زوجك. مع أن الله سبحانه وتعالى قد اطلع رسوله على أنه سيكون زوجها، وكان يقول: امسك عليك زوجك. فنزلت الآيات: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37]؛ يعني أنت تخفي أنك ستكون زوجها، وتخشى الله وتخشى الناس، والله أحق أن تخشاه.
فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها. عندما طلقها زيد، أمر الله نبيه أن يتزوجها، فأرسل زيدًا إليها يخطبها. فلما جاء زيد وراها أمامه وكانت زوجة له، وتذكر أنها ستكون زوجة لرسول الله، أدار ظهره وصار يمشي القهقرى احترامًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فسألها: إن رسول الله يخطبك؟ فبينما هو يتكلم معها إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليها، فتقول: يا رسول الله، بغير عقد وبغير إشهاد؟ فيقول: الله المزوج وجبريل الشاهد. زوج الله بدون عقد، زوجناكها. لأن الزواج هو إيجاب وقبول، لكن الله يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: 37].
إلى هنا نأتي إلى نهاية هذه الحلقة، على أمل بأن نلتقي بكم في حلقة قادمة بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].
د. سعيد المري