بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وصل بنا الحديث أيها الأحبة لباقي أدوات الاستفهام بعد الهمزة وبعد هل، وتحدثنا أيضاً في ختام الدرس السابق عن ما الاستفهامية، وما الذي يطلب بها في باب الاستفهام، والترتيب بين ما الاستفهامية وهل. الآن سنتكلم عن من الاستفهامية، ثم نعود نعلق على الأبيات في الجملة المتعلقة بها، فقال: ومن يطلب بها.
نقرا شرح السيوطي عليه رحمة الله فقال: ومن يطلب بها تعيين المشخص العالم. يعني باختصار، من للعاقل. إذا أردت أن أعين شخصاً معيناً عاقلاً، يعني إذا كان السؤال عن شخص معين عاقل يراد تعيينه فاسأل بماذا؟ بمن، ولا يسأل بما. فتقول من هنا. لاحظ أنه ما هي إما لشرح دلالة كلمة، أو لمعرفة حقيقة الاسم في الخارج، أما من إنما يسأل بها عن الذوات العاقلة. من يسأل بها عن الذوات العاقلة فتقول من هنا، فتقول زيد ونحوه.
لاحظ هنا السؤال ليس عن شرح اسم، وليس عن معرفة حقيقة شيء في الخارج، وإنما عن تعيين شخص، عن ذات معينة أريد أن أعرفها، فيقال زيد ونحوه مما يفيد تشخيصه، لأنك عندما إما أن تشخص بالعلمية وهذا أسرع الوسائل، أو تشخص باستعمال اسم الإشارة أو اسم الموصول أو نحو ذلك من المعارف التي يحصل بها التعيين.
وقال السكاكي -الآن رح نرجع شوي لما شوي- قال السكاكي: يسأل بما عن الجنس وعن الوصف، باعتبار أن الجنس هو ليس شيئاً عاقلاً، وإنما هو شيء ذهني فيسال عنه بما، وعن الوصف أيضاً، والوصف ليس شيئاً عاقلاً، الصفة هذه شيء أيضاً يعتبر معنوي غير عاقل، فيسال عنها بما، فتقول ما عندك. ما عندك إيش يعني؟ أي أجناس الأشياء عندك؟ عندما أقول ما عندك، أي أجناس الأشياء عندك؟ فتقول والله عندي ثوب، والله عندي جوال، عندي كذا، ويجوز أن تسال ما زيد، وهنا يكون السؤال عن ماذا؟ عن صفة من صفاته، وليس عن حقيقته في الخارج بالتحديد، أي ما صفته؟ فيقال الكريم ونحوه. ويسأل بما...
هل هذه الأسئلة -نعود يعني أنا حقيقة أحب دائماً أن أربط الأفكار بعضها ببعض- لما يقول السكاكي: يسأل بما عن الجنس وعن الوصف، فأقول مثلاً ما عندك، أو ما زيد؟ هل هذان السؤالان، السؤال عن الجنس وعن الوصف، يختلف عن هذه الأسئلة التي سئل بها بما؟ يعني ما قلنا يسأل بها عن شرح معنى كلمة مبهمة لمعرفة دلالتها لغة، يسأل بها عن إيش أيضاً؟ عن معرفة حقيقة الشيء في الخارج. لكن هنا السكاكي حقيقة يورد فيما يظهر لي أسئلة أخرى يسأل عنها بما.
صحيح هنا السكاكي يورد أسئلة أخرى أيضاً يمكن أن تستعمل فيها ما الاستفهامية، وهي السؤال عن ماذا؟ عن جنس الأشياء، أسأل بها يعني أنا فلان عندي أشياء فاستعمل ما الاستفهامية للسؤال عن ماذا؟ عن جنسها، والجنس ليس شيئاً عاقلاً، فإذا نستطيع أن نضيف إذا سؤالاً ثالثاً يسأل عنه بما، وهو أن يسأل بما عن ماذا عن جنس الأشياء التي في المنزل أو عند شخص معين. كذلك أن يسأل بها عن الصفة، ما زيد؟ هنا أنا لا أطلب شرح كلمة غريبه ولا أطلب معرفة حقيقة شيء في الخارج، أنا أطلب معرفة صفة.
إذا هنا نستطيع أن نستنبط أن ما الاستفهامية ليست فقط فائدتها شرح كلمة غريبة أو معرفة حقيقة شيء في الخارج، بل يمكن أن يطلب بها تعيين جنس من الأجناس، أو يطلب بها معرفة صفة من الصفات، وهذا بالتالي يجعلنا نعطي لما الاستفهامية أربع أسئلة إلى الآن من خلال كلامهم، يمكن أن نسأل بها عن أربعة أشياء. واضح من خلال هذا الكلام، لأنه هذا نوع وهذا نوع آخر من الأسئلة يسأل بها، يسأل بما الاستفهامية عنها.
ثم قال: ويسأل بمن عن الجنس من ذوي العلم، أي من العقلاء، فتقول من جبريل؟ فأقول جبريل ملك من الملائكة. يعني من جبريل؟ يعني ما جنسه؟ تمام؟ أو من زيد؟ فتقول بشر. كما قال فرعون لما سال موسى عليه السلام قال: فمن ربكما؟ لما فرعون سال موسى من ربكما؟ يعني من أي جنس؟ من جنس العقلاء. هو طبعا العقلاء يعني الذين لهم تفكير هذا المراد، هل هو من جنس البشر؟ هل هو من جنس الجن؟ هل هو من جنس الملائكة؟ ولا يعني هذا من جهل فرعون بأن ذات الله ذات مستقلة عن كل هذه الاجناس جل في علاه، أي من اي جنس هو؟
الآن ايش يقول في التلخيص؟ إذا هذا كلام مين؟ كلام السكاكي، أنه من كما يسال بها عن الذوات، يسال بها عن الاجناس أيضاً. بس شو الفرق بين من وما؟ انه ما يسأل بها عن الجنس الذي لا يعقل كالثوب والجوال، ومن يسأل بها عن الجنس الذي يعقل كالبشر والملائكة والجن.
الآن هل القزويني وافق السكاكي على أن من يسأل بها عن جنس العقلاء كما يسأل بها عن ذوات العقلاء؟ فماذا قال القزويني؟ قال في التلخيص: وفيه نظر، أي في كلام السكاكي نظر، وهو معنى قولي: وما ارتضى. أي أنه السيوطي شو قال في البيت الاخير: وفي جواب ما اخوك المرتضى تمام، وفي جواب ما اخوك هذا سؤال بما عن صفة، سؤال بما عن صفة ما اخوك يعني ما صفته فقلت لك صفته انه مرتضى ارتضاه الناس وأحبوه فهذا مثال على ما.
ثم قال: ومن لجنس عالم، من يسأل بها عن الجنس العاقل كما يسأل بما عن الجنس غير العاقل. من الذي قال إن من يسأل بها عن الجنس العاقل؟ السكاكي، لأنه هذا تبع لكلام السكاكي. قال: وما ارتضى، مين اللي ما ارتضى كلام السكاكي؟ القزويني. إذا ومن لجنس عالم هذا كلام السكاكي، وما ارتضى هذا كلام القزويني، أن القزويني لم يرتضي كلام السكاكي.
يقول السيوطي: وهو معنى قول وما ارتضى، لماذا؟ أي لأنه لا يسلم أنه للسؤال عن الجنس. إذا القزويني يقول للسكاكي من لا تستعمل للسؤال عن جنس العقلاء، وإنما يسأل بها عن ماذا؟ عن ذات معينة عاقلة زيد، خالد، جبريل، كذا. أما عن الجنس لا يسأل به عن من.
قال: لأنه لا يسلم أنه، يعني أن من للسؤال عن الجنس، وأنه يصح في جواب من جبريل ملك؟ بل جوابه: ملك ياتي بالوحي. أي لا يصح، لو سالتك من جبريل؟ لا يجوز عند القزويني أن تجيب بالجنس وتسكت، لازم تحدد لي من جبريل بصفاته وخصائصه، ملك ما بتسكت، ياتي بالوحي وينزل من السماء وهو الذي لقي النبي صلى الله عليه وسلم وكذا، حتى تعين بالتحديد ولا تقتصر فقط على ماذا؟ على الجنس.
طبعا هنا نحتاج أن ننظر كيف جواب القزويني سيقول عن ايش؟ فمن ربكما يا موسى؟ فماذا سيجيب القزويني؟ الآن السكاكي يقول من ربكما سؤال عن الجنس، القزويني يخالف يقول هذا ليس سؤال عن جنس الاله، وإنما سؤال عن صفاته التي تعينه بدليل أنه ماذا أجاب موسى؟ قال ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فالقزويني يرى أنه هذا ليس أجاب عن الجنس، هذا تعيين لصفاته حتى يقترب من تصورك أكثر وأكثر، وطلب أن يعين له الإله وليس معرفة جنس الإله. شوف الفرق بين السكاكي والقزويني.
السكاكي يقول من ربكما أراد أن يعرف جنس الإله، القزويني بقول لك لا، ما أراد فرعون أن يعرف جنس الإله، أراد أن يعين له الإله من خلال ذكر الصفات، أن ذكر الصفات هي التي تجعل الشيء يقترب لك في ذهنك أكثر وأكثر. إذا واضح في خلاف بين السكاكي والقزويني في هذه الجزئية، هل من يصلح أن تكون سؤالاً عن الجنس؟ فاقول لك من زيد؟ فتقول لي انسان أو بشر وتسكت، ما بيزبط. بتقول لي زيد بشر يسكن في كذا وكذا، بدك تعطيني مواصفات حتى تعينه لي، وأما مجرد الإجابة بالجنس العام فعلى رأي القزويني على الأقل لا يصلح.
وقال بعض الشارحين -وقال بعض الشارحين للقزويني للتلخيص هذا الذي يقصده- أنه يسال بمن عن الوصف كما يسال بما. قال: إذ لا فرق بينهما إلا أن ما تستعمل لما لا يعقل، وأن من يعني باختصار تستعمل لما يعقل. قال شيخ بهاء الدين: وهذا الفرق يلجئ إلى أنها لا يسأل بها عن الوصف. وهذا كلام صحيح، لأن الوصف مهما كان الوصف هو شيء غير عاقل، الكرم، الشجاعة، هذه هل هي عاقلة ولا غير عاقلة؟
قال بهاء الدين: هي الوصف بطبيعته ليس بعاقل، فلا يسأل عنه بمن على هذا، لأن من هي للعاقل. وهذا كلام صحيح، أنه غلط يسأل عن الوصف بمن، تقول لي من زيد؟ فاقول لك الشجاع، خطأ. من زيد إذا كنت أريد أن أجيب بصفة من صفاته فلا يصلح أن أقول من زيد وأجيب الشجاع، أقول ما زيد؟ فتقول الشجاع. ليه؟ لأن الصفة هل هي شيء عاقل ولا غير عاقل يا عمر؟ غير عاقل، شيء معنوي. شيء معنوي يتجسد في الإنسان فهو ليس شيئاً عاقلاً حتى يسأل عنه بماذا بمن، وإنما يسأل عنها بما.
فاذا من على رأي القزويني واتباعه لا يسأل عنها لا عن الجنس ولا عن الوصف، وإنما يسأل بها عن مشخص معين، لذلك القزويني حدد وتبعه السيوطي هنا. إيش قال؟ نعود إلى الأبيات سريعا: ومن بها يطلب أن يعين مشخص عاقل، إذا قال مشخص يعلم، يعني مشخص عاقل، إذا من هي للسؤال عن ذات عاقلة، لا يسأل بها لا عن الجنس ولا يسأل بها عن الوصف تمام تقول من هنا.
ثم قال: وقيل وقيل هذا كلام السكاكي: وقيل ما للجنس والوصف تعم. وهذا ما عنا مشكلة فيه، إنه ما يسأل بها عن الجنس والوصف أيضاً كما يسأل بها عن شرح المدلولات. ففي جواب ما لديك لو سالتك يا عبد الرحمن ما لديك؟ الثوب أم... يعني أقصد الثوب أم أقصد الثوب؟ تمام، يجوز لك أن تقول الثوب عندي، الجوال عندي كذا، لأنه سؤال عن أجناس.
وفي جواب ما أخوك إذا كان سؤال عن صفة هنا فتقول المرتضى الشجاع الكريم. وفي جواب ما أخوك ضع هنا علامة استفهام الجواب ما هو؟ المرتضى، هذا سؤال عن الصفة. بما ومن لجنس عالما أي قال السكاكي إن من تستعمل لسؤال عن الجنس العاقل. ولكن ما ارتضى ذلك القزويني، واما قضية انه من تستعمل للصفة فهذا لم ينظمه السيوطي أصلاً، وإنما ذكره في شرحه.
ثم لا، هنا لم يذكره هنا لما قال: لا وصفه، جيد. الآن نربط هذا البيت بالبيت الذي يليه، قال: وفي جواب ما أخوك المرتضى ومن لجنس عالم ومرتضى، ثم قال: لا وصفه. اه، إنه باتفاق، اللي كان يريد أن يقول: باتفاق، ما هو ليس اتفاق، على رأي الجمهور أن من لا تستعمل للوصف أبداً، لذلك قال: لا وصفه ومن لجنس عالم وما ارتضى لا وصفه. يعني حتى السكاكي اللي قال إن من تستعمل للجنس العاقل لم يقل إنها تستعمل لايش للوصف، فبالتالي الرأي أنها تستعمل للوصف رأيه ضعيف، لذلك قال لا وصف.
هل من تستعمل للوصف للسؤال عن الصفة؟ يعني باختصار لا. يا عمر السؤال عن... السؤال عن... هو يندرج، السؤال عن... ليس هو قسيم له شيء آخر، أنا لما أسالك من هنا أنا أريدك أن تحدد لي جنساً ولا شخصاً؟ السكاكي ما ذكر، لا. السكاكي يتفق على هذا مسبقاً، هو فقط يطرح أسئلة أخرى يسأل بها بمن، أما السؤال عن الذوات بمن هذا متفق عليه، السؤال عن... بما متفق عليه، وإنما ذكر هنا منطقة الخلاف، أنه هل أيضاً يسأل بها عن الأجناس كما يسأل بها عن الذوات؟ فوقع الخلاف بينهم، فقال: لا وصفه.
إيش يعني لا وصفه؟ أي لا يسأل بمن عن وصف العاقل، لا يسأل بمن عن وصف العاقل، فقط من يا جماعة يسأل بها عن ذاته، من هنا، من في الدار، من جاءك، من زارك، زيد، خالد، عبيد، بذكر المعين، المشخص المعين.
ثم قال بعد أن انتهى من من سينتقل إلى اداة استفهام أخرى وهي أي، قال: واسال باي عما يميز الشركة فيما عما، واسال بكم عن عدد، وكيف عن حال، واين للمكان، والزمن متى، وايانا للاستقبال قيل، وللتفخيم كان شئتم، ومن اين كثيرا عنا. هذا كلام سريع في باقي أدوات الاستفهام.
فقال: يسأل باي عما يميز أحد المتشاركين في أمر يعمهما. الآن هناك شخصان متشاركان في أمر يعمهما، هناك شخصان متشاركان في أمر يعمهما، فتسال عن أحدهما تسال عن أحدهما، أيهما أعلى في هذا الشيء الذي هم مشتركان فيه؟ يعني أنا والشيخ عمر مشتركان في الذكاء، تمام؟ فاسأل: أيهما أذكى؟ فهنا شخصان مشاركان في صفة، ثم تسأل عن هذه الصفة التي يشتركان فيها، عن تفاضل أيهما متفاضلان الآخر في ذلك، كقوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73] يعني كلاهما عنده مقام، مشتركان في المقام.
مشتركين في هذا النادي الذي يجلسون فيه. لكن هنا سؤال: أيهما أفضل في المقام؟ فالمقام والنادي نحن مشتركان فيه، لكن أيهما أفضل؟ هنا تحتاج إلى استعمال أي الاستفهامية للسؤال أو لتعيين أي الشريكين أفضل في هذه الجزئية من صاحبه، فقال: أي أنحن أم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟
فالمؤمنون والكفار قد اشتركا في الفريقية، ليس فقط في الفريقية، بل هما مشترکان في أصل وجود ماذا؟ المقام والنادي، وسؤال عن ماذا؟ عن أي المقامين خير وأي النادي أحسن؟ فقوله مشتركان في أن كلاهما فريق باعتبار أي الفريقين هو، هل الاشتراك فقط أنهما فريقان؟ أيضاً في اشتراك في أن هناك مقام وهناك مقام وهناك نادي وهناك نادي. لكن السؤال عن ماذا؟ أي النادي أفضل؟ أي المقامين خير؟
طيب قال: وسئلوا عما يميز أحدهما عن الآخر. والامر الذي يقع به التمييز هو ماذا؟ هو الخيرية، خير مقاما، والجواب سيكون بالتعيين بالتأكيد، أنه لما نقول أي الفريقين خير مقاما؟ أينا أذكى؟ لما يقال: أينا أذكى أنا أم عمر؟ الجواب يكون بالتعيين: تقول عمر، تمام. وهكذا.
فاذاً، أي يسأل بها عن ماذا؟ عن تمييز أحد المتشاركين في صفة، يعني كما قلنا هناك شخصان متشاركان في صفة، وأراد أن أتميز أحدهما عن الآخر، أراد أن أتميز أحدهما عن الآخر في هذه الصفة، تمام؟ فأقول: أيهما أذكى؟ أيهما أقوى؟ أيهما أشد قوة؟ وهكذا أيهما أشد قوة؟ لاحظوا حتى السؤال بأي في القرآن ايش في؟ عنا آيات سئل فيها بأي؟
سريعاً آيات في القرآن سئل فيها بأي: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2] تمام، أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، في عمل وفي عمل فالعمل مشترك بيننا، لكن السؤال مين أحسن؟ ايش أيضاً عندنا؟ شو قلت يا شيخ؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: 82] أي الفريقين أحق بالأمن؟ آتيني بالله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام: 19] ممتاز، أي شيء أكبر شهادة؟ الشهود كثر، فمفهوم الشهود مشترك فيه أطراف عديدة، مش فقط اثنين، فأن أريد تعيين المميز: قل أي شيء أكبر شهادة؟ وقس على ذلك.
طيب، أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً؟ نحن نعد وأنتم تعدون، بس مين الأحصى؟ مين اللي عم يعد أفضل؟ ستجد أمثلة كثيرة فعلاً كلها تقوم على تمييز الأفضل، تمييز الأعلى في خصلة معينة.
طيب، إذا ننتهي من أي، نذهب إلى كم. ثم قال: ويسأل بكم. طبعا كم كما لا يخفى على شيخ، هناك كم الخبرية وهناك كم الاستفهامية، والكلام هنا عن كم الاستفهامية، فهذه يسأل بها عن العدد، كم لبثتم في الأرض عدد سنين، إلى أخرة.
ثم قال: يسأل بكيف عن ماذا؟ عن حالك، كيف زيد؟ تقول والله صحيح، سقيم، عايش، ميت، كيف الأضاع الأحوال؟ فكيف يسأل بها عن الحال.
وأين للمكان: أين زيد؟ في البيت، في كذا.
ومتى عن الزمان، سواء كان الزمان ماضي أو مستقبل: متى حضرت؟ أو متى تحضر؟ أو متى ستحضر؟ كذلك، وجوابه اليوم أو غدا، ومتى حضرت وجوابه أمس أو أول أمس.
وبأي آه، ركز! أيان هي، ركز فيها، قال: بأيان يسأل عن الزمان المستقبل بخلاف متى، تقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: 42]، فآيان تختلف عن متى أنه يسأل بها عن الزمان المستقبلي فقط، وقيل هذا قول لبعضهم أنه لا يسأل بها عن المستقبل إلا عن المستقبل الخطير الفخم الذي له وقع وأثر، لذلك قال: وتستعمل في مواضع التفخيم دون غيره. هذا قيل، هذا رأي لبعضهم نقله في الإيضاح عن علي بن عيسى، والمشهور عند النحاة أنها كمتى تستعمل فيه وفي غيره، ايش يعني كمتى؟ أنها تكون للمستقبل الخطير وغير الخطير، وليس أنها تستعمل في الماضي، هذا معنى وجه تشبيه بمتى هنا.
ثم قال: وأن، أن بدك تنتبه، أن أداة استفهام لها أحد معنيين:
المعنى الأول: أن تكون تارة بمعنى كيف ولا يليها إلا الفعل في هذه الحالة، فتقول: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 259]، ما معنى أن هنا؟ كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ كذلك: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] يعني كيف شئتم، من أي جهة أردتم وعلى أي حال شئتم، ومن أي شق شئتم، تمام.
وتاره لها معنى آخر في الاستفهام، أن تستعمل بمعنى من أين، تستعمل بمعنى من أين، هذه مع بعضها البعض، فتقول: أَنَّى لك هذا؟ تقول يعني: من أين لك هذا؟ أي طبعا أن لك هذا عفواً هي كلام مخاطبة لمريم عليه السلام: ﴿أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا﴾ [آل عمران: 37].
قال الشيخ بهاء الدين السبكي: والفرق بين أين ومن أين؟ الآن راح تقول لي: طيب شو الفرق بين أين ومن أين إذا قلتم إنه أن معناها ايش؟ من أين؟ ألست هي بمعنى أين بالضبط ولا في فرق بين كلمة أين وكلمة من أين؟ فإيش يقول السبكي؟ يقول: أين للسؤال عن المكان الذي حل فيه الشيء، ومن أين سؤال عن المكان الذي برز منه الشيء، يعني كأنهما متضادتان، أين تسال عن المكان اللي حل فيه الشيء ونزل، ومن أين تستعمل تسال بها عن المكان اللي برز منه الشيء وانطلق، فهما متعاكستان صح؟
أين أسال: أين محمد؟ يعني وين حط أراضيه؟ بتقول لي في المسجد، في درس العلم، في كذا. طيب لما أقول لك: من أين أتيت؟ آه، لا هنا بسألك من وين برزت والان أنت منتقل إلى مكان جديد، فهذا فرق مهم جداً أن نتقنه، الفرق بين أين ومن أين ما هو؟ أنه أين سؤال عن المكان الذي حللت فيه، من أين سؤال عن المكان الذي انطلقت منه.
طيب، قال: وتستعمل بمعنى متى. يعني هذا قول ثالث قيل، قيل هذا قول قيل وليس ثابتاً، وإنما أتى به بصيغة التمريض أنه هناك استعمال ثالث لأن، أن تستعمل بمعنى متى، ومثلوا بقوله تعالى: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] بمعنى متى شئتم، هذا قول قاله بعضهم.
طيب، يعني طبعا هي الآية تحتمل عدة معاني، بقول: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] هل هو سؤال عن مكان ولا عن الزمان؟ الحرث طبعا هو الوطء للمرأة، فلما قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] هل السؤال هل المراد من أين شئتم مكان أو متى شئتم زمان في أي وقت من النهار أو الليل؟ هو حقيقة من يعرف سبب نزول الآية يعرف أنه سؤال عن المكان وليس عن الزمان، فلذلك حملها على الزمان هنا يعني فيه نظر والله تعالى أعلم. السؤال وقع أما الأنصار المهاجرهاجروا إلى المدينة، فكان المهاجري يأتي الأنصاري من أي جهة أراد، فكان نساء الأنصار يتحرجن، فوقع السؤال وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بجواز أن يأتي الرجل زوجته من جهة إن شاء.
تنبيه: بعد أن انتهينا من هذه الأدوات، قال تنبيه: يمكن استعمال لفظ أي في جميع ألفاظ التصور، تقول في أزيد أم عمر قائم؟ أي الرجلين قام؟ وفي أقام أم قاعد زيد؟ أي الأمرين فعل؟ وفي ما اسم أبيك؟ أي شيء اسمه؟ وهكذا البواقي.
الآن هذا استعمال آخر لأي، احنا قلنا أي في العادة يطلب بها ماذا أيها الأحبه؟ التمييز بين شيئين مشتركين في صفة، فأريد أعرف أيهما أقوى في هذه الصفة، نستطيع أن نقول هذا الاستعمال الأساسي.
لكن هنا في هذه الفائدة السريعة السيوطي يعطينا استعمال آخر لأي، أنه أي يصلح أن تضعها مكان أي أداة من أدوات الاستفهام، تستطيع أن تضعها مكان أي أداة من أدوات الاستفهام ويعرف المقصود بها من خلال المضاف إليه، لأنه أي من الملازمة للإضافة، فمن خلال المضاف إليه تعرف ما الذي سالت به عنها، فتقول: أي وقت جئت؟ سؤال عن ايش؟ الزمن. أي مكان أتيت منه؟ سؤال عن ايش؟ مكان، وقس على مثلاً هنا إذا أردت أن تسأل بها مثلاً ما اسم أبيك؟ تقول: أي شيء اسمه أبيك؟ فانت تستطيع أن تاتي باي في ماذا؟ في أي محل أي أداة من أدوات الاستفهام، ويعرف أي أداة نابت عنها من خلال المضاف إليه هو الذي سيعين عن أي أداة نابت، نعم نعم لأن هو قال أحسنت، لأن هو يعني هذا التقييد حتى يكون كلامنا يتعلق بالتصورات، لأنه قال يمكن استعمال لفظ أي في جميع ألفاظ ايش؟ التصور، يعني هل تحل مكان هل؟ لا، لأنه هل لتصديق فهي تنوب فقط في التصورات، وهذا ياتي في الهمز وياتي في باقي الأدوات التي للتصور، لذلك نقرا الابيات سريعاً:
«واسأل بأي عما يميز الشركه فيما عم»
صحيح عندكم عما ولا عما؟ عما بمعنى عم الجميع. نعم، لذلك قال: واسأل بأي عما يميز الشركة فيما عم، يعني فيما عم طرفين فصاعداً أعطيني هذا، تمام. عنا يا نعم في النون لا أظن في النون مش في الأولى لا ركز: واسأل بأي عما، يعني عن الذي يميز الشركة فيما عم، شوف هنا عم في الشطر الأول وعما في الشطر الثاني، لكن عما في الشطر الأول ايش هي؟ واسأل بأي عن الذي هي الموصول، ما موصول معها عن الجارة، واسأل بأي عن الذي يميز الشركة فيما عم، أي في الوصف الذي عم امرين كما قلنا يكون في بيني وبينك شركة في صفة معينة فهي عامة لي ولك، لكن نريد أن نعرف من المتميز فيها، إذاً لا وصفه واسأل بأي عما يميز الشركة فيما عم، واسأل بكم عن عدد وكيف عن حال وأين للمكان والزمن متى وأيان.
«وأيان للاستقبال»
إنه أيان للمستقبل قيل، وللتفخيم في مواضع التفخيم بالتحديد:
«أنى كيف تارة كأن شئتم ومن اين كثيرا عنا»
طبعا هنا لاحظ أن مثل بأن شئتم لآية لكيف ولا من أين، على كيف يعني ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] معنا كيف شئتم. أين ذهبت عيني؟
«طبعا أنى كيف تارة كأن شئتم»
مثال من الآية، ثم قال:
«ومن اين أيضا وتاتي بمعنى من اين كثيرا عنا»
عنا معنى ظهر يعني: ومن أين كثيراً عنا؟ عنا بمعنى ظهرت، أنى في الاستعمال اللغوي كثيراً بمعنى من أين هذا الذي يريده.
طيب يا رب، نذهب الآن إلى النقطة التي تليها، أظنها النقطة الأخيرة في باب الاستفهام، وهي معاني معاني التي يخرج إليها الاستفهام.
الآن الأصل في الاستفهام ما هو؟ أنه يطلب به طلب تصور أو تصديق، مش قلنا الاستفهام كدلالة ما معنى طلب الفهم؟ ومش هذا قلنا وطلب الفهم أما أن يكون طلب الفهم لتصور شيء معين، شخص صفه زمان مكان، وهذا يسمى طلب الفهم للتصورات، أو يكون طلب الفهم لتصديق لنسبة هل وقعت أو لم تقع؟ هذه هي الحالة الأصلية للاستفهام، لكن في لغة العرب وبالاستقراء وجدوا أن الاستفهام أو أن أدوات الاستفهام خلينا نقول أدوات الاستفهام واسلوب الاستفهام قد يستعمل ولا يراد به حقيقة طلب الاستفهام، وإنما يراد به معنى آخر.
فهمتم الآن ما الذي نقوله؟ قد تستعمل أداة الاستفهام ولا يقصد بها حقيقة الاستفهام، وإنما يقصد بها معنى آخر من المعاني التي ستاتي معنا، ما هي هذه المعاني التي يمكن أن يطلب بها؟
قال: وربما تستعمل الأداة في سواه، أي في غير الاستفهام.
مثل ايش قال؟ وربما تستعمل الأداة في سواه كاستبطاء أو أن يفي تعجب كمثل: مالي لا أرى، طبعا في نسخة لعجب، أو لعجب، تمام، لكن في نسخة أخرى تعجب وهذه نسخة أيضاً جيدة وقوية، أو أن يفي أن يأتي تعجب وعندكم أنتم ايش قلت لي؟ أو أن يفي لعجب كمثل: مالي لا أرى كذلك به الضلال قد عرا ولوعي كاء لم أؤدب زيدا لمن يرا مسيء الأدب كذل تقرير بهمز قد سبق مقررا به وللإنكار حق، وذا لتكذيب وتوبيخ يرد ولهو تهكم وتهويل وضد كذا للاستبعاد، قلت لفيها كتاب قد محى عنها الخفا وزيد للتشويق والترغيب مع تسوية والعرض والانس وقع والامر والنهي، وقد يجتمع مثل تعجب وتوبيخ مع، وهل ترى المعنى الأصيل يسبر مع هذه أو زال فيه نظر؟ هذا كلام سريع جميل في المعاني التي يمكن أن تستعمل فيها أدوات الاستفهام وهي غير الاستفهام فقط.
قال: قد تستعمل كلمات وادوات الاستفهام في غيره على سبيل المجاز، هذا خروج عن مقتضى الظاهر وشكل من أشكال المجاز.
من ذلك أولاً: ماذا قال؟ أولاً: قد تاتي بمعنى الاستبطاء. سنذكر إخواني معاني كثيرة، بدك ترقم معاني كثيرة سيذكرها أولاً: الاستبطاء.
ما معنى الاستبطاء؟ أنه أنت تكون أبطأت علي بفعل شيء، فأن أسألك ليس مستفهماً وإنما أقصد أن أخبرك بأنك ماذا بطأت، وأنه ينبغي عليك الإسراع. مثال ذلك: أنا مثلاً دعوتك مرة ومرتين وثلاثة وأنت لا تجيب، فأقول لك: كم أدعوك؟ كم أدعوك؟ طبعا هنا مش المراد التكثير: كم أدعوك إني كثرت، لا، المراد: كم أدعوك؟ يعني كم مرة بدك أدعوك؟ طبعا أنا هذا بقول هيك لازم بيسموها الصوت يكون قوي هنا، الإيقاع الصوتي هو الذي سيحدد، ولا يقول كم أدعوك لا إذا قلت زي هيك خطأ، لذلك هناك حتى اليوم دراسات في علم الصوتيات في الكليات أنه كيف إيقاع.
الصوت هو الذي يعطيك تصورًا عن معنى الكلمة. "كم أدعوك"؛ هذا سؤال لطيف، هذا استفهام أنت قصدت به، لكن "كم أدعوك" وأنت منزعج وقابض، هذا استبطاء؛ وأنا لا أنتظر منك تقول لي: ادعوني خمس خمس مرات، ست مرات، لا، أنا أستبطن كم مرة أنا أدعوك إن شاء الله حتى تأتي. أنا الآن لا أطلب منك جوابًا، أنا فقط أبين لك أنك يا أخي أبطأت في إجابة الدعوة.
في الحاشية، يقول في الحاشية: "ولعل الصواب ما أثبته في النسخة لأنه ليس في التبيان هذا الفهم المذكور". وفي عروس الأفراح الخطيبي، شوف هذا كلام المحشي عندي، هذا المحقق لنسخة جماعية الملك محمد بن سعود يقول: "أنا في بعض النسخ وفهم الطيبي يقول المح... وفي بعض النسخ وفهم الطيبي"، ثم يقول المحقق: "ولا أرى أنها للطيبي لأنني لم أجد الطيبي يتكلم بهذا الكلام الذي سيأتي بعد قليل في التبيان". وعندما عاد يقول إلى عروس الأفراح وجدها الخطيبي، لكنه لم يعرفنا من هو الخطيب، إذا ستجدون النسخة عندكم هي غير محكمة أصلاً لا عبرة بها.
دعوني مع هذا المحقق، إذاً هنا يقول: "وفهم الخطيب بناء على ما ورد في عروس الأفراح"، لكن من هو الخطيب؟ كان الأصل أن يعرف به حتى نعرف من هو. إن ذلك خاص بكم طبعًا، هو فقط من باب المناقشة الذهنية؛ أنه لما قال: "ولعل الصواب الخطيبي لأنه ليس في التبيان هذا الفهم المذكور"، هذا ليس دليلًا قويًا، لأنه قد يكون الطيبي ذكر ذلك مثلا في حاشيته على الكشاف، هو الطيبي ما قو إلا كتاب التبيان، فيقول: "لأنه ليس في التبيان هذا الفهم المذكور".
أقول هذا ليس دليلًا على أن مئة بالمئة الخطيبي، إلا إذا كان هذا الكلام مذكورًا بنسخة محققة في عروس الأفراح أنه الخطيبي، أما مجرد استدلالك بعدم وجوده في التبيان إذاً هو ليس الطيبي بل هو الخطيبي، هذا ليس دليلًا؛ لأنه قد يكون الطيبي قال في مكان آخر من مضان الأمور وأنت لم تقف على الكلام. لكن القضية تبقى: هل فعلا النسخة المحققة من عروس الأفراح جيدة؟ "قال الخطيبي" هذا يحتاج إلى مراجعة النسخ.
إذا قال: "وفهم الخطيب أن ذلك خاص بكم"؛ أي أن قضية الاستبطاء لا تستعمل فيها إلا أداة الاستفهام "كم" وليس كذلك، فقد مثله في الإيضاح عن القزويني في شرحه على التلخيص، في كتابه الإيضاح. الإيضاح لمين يا جماعة؟ للقزويني، هو شرح التلخيص. مثل الاستبطاء باستعمال "متى"، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]. قال: هذا الاستفهام هل هو حقيقي؟ هم يطلبون من الله الجواب؟ لا، وإنما هو استبطاء لشعوره بالضعف.
فالمراد يقول: إذاً الأداة التي تستعمل للاستبطاء ليست فقط "كم" كما ينقل عن الخطيب أو الطيبي بحسب ما هو الأصوب منهما، لا، بل كما ذكر القزويني في الإيضاح يمكن أن يستعمل الاستبطاء أداة الاستفهام "متى". ثم قال: "وفي التبيان بقولك للغلام هل أنت منطلق؟". شوف هذه مكون، رجح أنه التبيان للطيبي، فإذا كان الطيبي في التبيان ذكر "هل أنت منطلق" واعتبر أن "هل" أيضًا تستعمل للاستبطاء، إذاً بالتأكيد ذلك ليس للطيبي، صح؟ إذاً بالتأكيد ذلك ليس الطيبي، الكلام "وفهم الخطيب أن ذلك خاص بكم". هنا الطيبي في التبيان يقول إنه من أدوات الاستفهام التي تستعمل للاستبطاء "هل"، إذاً أكيد ذلك ليس للطيبي وإنما شخص آخر، وقد يكون الخطيب كما ذكر المحقق.
إذاً في التبيان، وهذا كتاب للطيبي، يمكن أن تستعمل للاستبطاء: "هل أنت منطلق؟" يعني مثلاً أنت كل أولادك طلعوا من الدار وركبوا السيارة وابنك الأخير ظله في الدار يتأخر في لبس حذائه وكذا، بتقول له: "هل أنت منطلق؟" حضرتك يعني خلصنا بدنا نطلع، أنت لا تنتظر منه جوابًا وإنما تقول له إنك أبطأت علينا، فهل أنت منطلق؟ يعني ما تأخر تطلع إن شاء الله تأخرت. وأنت هذا تقوله لزوجتك كثيرًا يا عبد الرحمن، فإن المرأة تكثر التأخر، قال: "هل أنت منطلق؟" أي الناس قد انطلقوا فما وقوفك؟ يعني متى ناوي تتحرك إن شاء الله؟
نعم، قال الشيخ بهاء الدين السبكي: "الأحسن أن يجعل الفعل مضارعًا بعد أداة الاستبطاء"؛ يعني إذا أردت الاستبطاء، ليه؟ لأنه أدل على بقاء الطلب والاستبطان، بخلاف قول التلخيص "كم دعوتك"، فاستعمل الفعل الماضي بعد "كم" لأنه قد يصدر من مبكٍ انقطع غرضه من إجابة دعائه أو بعد تعذر الإجابة. شو معنى هذا الكلام؟ شو معنى كلام بهاء الدين السبكي هنا؟ قال: الأحسن يجعل الفعل مضارعًا لأنه أدل على بقاء الطلب والاستبطاء.
لما نستعمل الاستبطاء، لما نستعمل أداة الاستفهام وأقصد بها الاستبطاء، هل أنا ما زلت أطلب حصول الشيء ولا لا؟ فاهمين السؤال؟ لما نقول الاستبطاء، استعمال الأداة للاستبطاء، إذاً أنا أستبطئ وأحسّك على المبادرة، إذاً أنا ما زلت أطلب منك المبادرة، ما زلت أطلب، فإذا ما زلت تطلب إذاً الأنسب أن يكون الفعل مضارعًا بعد أداة الاستبطاء حتى يبقى فيه دلالة على استمرارية المطالبة. بخلاف ما مثل في التلخيص للاستبطاء بـ "كم دعوتك" الذي هو المثال المذكور قبل شوي؛ "كم دعوتك" هنا استعملت فعلًا ماضيًا، تدل على أنك هنا فعليًا هل هو استبطاء ولا أصبح توبيخًا؟
يقول لك "كم دعوتك" تشعرني أنك خرجت من دائرة الاستبطاء وانتقلت إلى دائرة أخرى وهي دائرة ماذا؟ التوبيخ. طبعًا هذا ليس لازمًا، لكن هذا هو الظاهر. ليس لازمًا لكن هو الظاهر أني أنا لما أسمع "كم دعوتك" تشعرني أنه خلص الموضوع انتهى، ما بدي إياك تيجي، بس أنا عم بوبخك، ليش ما وتلبي؟ فلو قلت "كم دعوتك" قال: إنه قد يصدر من مبكٍ انقطع غرضه، خلص انقطع غرضه من إجابة الدعاء، خلص ما بدي إياك تيجي بس بدي أوبخك. فهل إذاً هنا ما عدت مستبطنًا؟ هنا أصبحت موبخًا، انتقلت إلى معنى آخر. فهذا رأي بهاء الدين السبكي أن الأحسن أن يؤتى في أسلوب الاستبطاء بالفعل المضارع حتى يبقى معنا طلب قيامك بالشيء حاضرًا، بخلاف الماضي الذي يدل على أنك توبخ فقط وليست مستبطنًا.
إذاً انتهينا من الغرض الأول، الغرض الثاني قال: "ومنها التعجب"، أي من المعاني التي يخرج إليها الاستفهام التعجب. ويشارك التعجب الاستفهام في أن كلاً منهما يكون عما خفي سببه، هذه العادة؛ يعني أنت إذا استفهمت عن شيء عن علة شيء مثلاً تكون العلة هي مختفية عنك فسألت عنها، كذلك التعجب يكون من شيء.
متى تتعجب من شيء؟ لما يحصل على طريقة غير متوقعة، فخفي عليك سبب حصوله. يعني أنت لا تسأل شخصاً يحضر الدرس يومياً: أتعجب من حضوره؟ لا، لكن لما يكون الشخص لا يأتي أصلاً على الدروس العلمية وفجأة تجده، أتعجب؟ ليش؟ هنا التعجب لأنني والله خفي عليّ السبب في شيء غريب، هذا في العادة لا يحضر، أما الطالب الذي يحضر عادة فلا أتعجب من حضوره.
فالتعجب يكون كما قال: لما خفي سببه. ومثل لذلك بقول سليمان: «ما لي لا أرى الهدهد»؛ هذا استفهام باستعمال «ما». «ما لي لا أرى الهدهد؟» لأنه لم يكن يغيب عن ناظريه إلا بإذنه، فلما لم يبصره تعجب من ماذا؟ من حال نفسه. هو قال: «ما لي»، هذا الذي يستفهم عنه هو حال نفسه، يتعجب من حال نفسه: «ما لي؟ ليش أنا مش شايف الهدهد؟». وهذا تعجب، يعني هل هو ينتظر من أحد أن يجيبه؟ هو يتعجب من حال نفسه في عدم إبصاره إياه، إذ لا معنى لاستفهام العاقل عن حال نفسه.
لا يمكن أن يكون هذا استفهاماً حقيقياً؛ قال: لا يمكن أن يكون استفهاماً حقيقياً، ليه؟ قال: لا معنى لأن يستفهم العاقل من نفسه. فليس واحد عاقل يحكي مع نفسه السؤال حقيقي: «ليش أنا مش شايف الهدهد؟» وبدي أجاوب نفسي. قال: هذا لا يفعله العاقل، هو يسأل نفسه: «لماذا يا نفس أنتِ لا ترين الهدهد؟»، فهل ينتظر جواباً من نفسه؟ هذا ما يفعله العاقل، فيقول: هذا لا يمكن أن يكون استفهاماً حقيقياً؛ لأن العاقل لا يستفهم من نفسه وإنما يتعجب منها. ومثله في التبيان بمثال آخر بقول المشركين: ﴿وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾؛ هم لا ينتظرون جواباً، وإنما هم بهذا الاستفهام يتعجبون من حاله.
المقصد الثاني: التعجب الثالث هو التنبيه على ضلال المخاطب؛ أن الاستفهام ليس طلباً للجواب وإنما تنبيهاً على ضلال المخاطب، كقوله سبحانه في سورة التكوير للكفار: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾. هذا ليس ينتظر منهم جواباً، وإنما ينبههم: أين رايحين؟ واحد ضائع هكذا عن طريق الحق، تقول: وين رايح يا فلان؟ ألا ينبغي بك أن تستيقظ؟ وين رايح أنت؟ لست تنتظر منه جواباً، أنت تريد أن تنبهه على ضلاله وسلوكه طريقاً خاطئاً.
ومنه الوعيد؛ كقولك لمن يسيء الأدب: «ألم تؤدب فلاناً؟». إذا كان عالماً بذلك، يعني عندك ابنين اليوم، واحد خطأ أدبته اليوم، الثاني ابنك الثاني غلط نفس الغلط، بتقول له: «ألم تؤدب أخاك البارحة؟». هو عارف، الكل عارف أن الأب ضرب الابن البارحة، لكن لماذا يقول لابنه: «ألم تؤدب أخاك البارحة؟» على سبيل ماذا؟ على سبيل الوعيد والتهديد، يعني باختصار: حابب أعمل فيك زي ما عملت في أخوك البارحة.
ثم قال: ومنه التقرير؛ أن الاستفهام يُحمل المخاطب على أن يقر بالمعلومة. ما معنى التقرير؟ حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه والجاه إليه. لكن التقرير له شرط هو ذكره في المنظومة، وهنا قال: بشرط أن تسبق الهمزة الشيء الذي يراد الإقرار به؛ يعني الهمزة تأتي وبعدها مباشرة الشيء الذي أريد الإقرار به، ما ينفع الشيء الذي تريد الإقرار به تأتي به بعد كلمتين أو ثلاث، الشيء الذي تريد الإقرار به يأتي بعد أداة الاستفهام التقريرية مباشرة.
لذلك قال: بشرط أن تسبق الهمزة الشيء الذي يراد التقرير به ويذكر هذا الشيء بعدها مباشرة. فمثلاً، إذا أردت التقرير بالجملة، يعني بأصل الحدث، أقول له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. هذا تقرير؛ أراد الله أن يحمل النبي ﷺ على التقرير بما يعلمه ﷺ. هنا الله لا يستفهم من نبيه ﷺ، وإنما يريد أن يذكره ويقرره بما يعرفه ﷺ، فهنا السؤال عن أصل الحدث: «ألم نشرح؟ ألم نفعل بك كذا؟».
وقد يكون التقرير للمفعول به، فهنا تأتي بالمفعول به مقدماً، فتقول: «أزيداً ضربت؟». إذاً هو كان يعرف، يعني هنا كلانا يعرف، أنا فقط أريد أن أحمله على التقرير فقط، وهذه معروفة، يمكن تستعمل خاصة في باب القضاء، يكون القاضي ثبتت عنده التهمة وذلك المعترف يريده أن يعترف أمام الجميع، فيقول: «أزيداً ضربت؟»، فيقول: «أه والله ضربت زيداً». فهنا أنا أعرف وهو يعرف، لكن أريد أن أجعله يقر أمام جمهور أو أمام محكمة. ثم قال: أو إقرار، قد يكون التقرير للفاعل، كأن تقول: «أفعلت كذا؟»، تحمله على الإقرار بما يعرفه والجاه إليه.
ومنه الإنكار؛ من معاني الاستفهام التي يخرج إليها الإنكار بالشرط المذكور. شو يعني الشرط المذكور؟ نفس الشيء، أنه الشيء الذي يتم إنكاره يجب أن يأتي بعد أداة الاستفهام مباشرة، فإن كان المنكر هو أصل الفعل جاء بعد الأداة مباشرة، فتقول كما قال امرؤ القيس: «أيقْتُلُني والمُشْرَفِيُّ مُضاجِعي؟»؛ يعني السيف بجانبي يريد أن يقتلني وسيفي بجنبي، وهذا مش أي سيف، المشرفي. «أيقْتُلُني؟» فهنا هذا إنكار معقول، يريد أن يقتلني والمشرفي مضاجعي، وينكر إمكانية وقوع ذلك، لذلك سمي إنكاراً، فهو لا ينتظر جواباً بل هو يستفهم وهو يقصد الإنكار، ينكر إمكانية وقوع القتل ما دام سيفه بجانبه.
وقد يكون الإنكار للفاعل أو المفعول به كذلك، كقوله تعالى: ﴿أَهُمْ يُقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾. فانت ماذا الجواب؟ لا طبعاً ليس لهم ذلك، لكن هنا الله لا ينتظر جواباً، بل هو يعلم الجواب، لكنه أتى بالإنكار على صورة الاستفهام. وهنا إنكار للفاعل، وهو القسم أنهم يقسمون. ثم ذكر مثالاً للإنكار للمفعول به: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾؛ ينتظر منهم جواباً؟ لا، هو ينكر عليهم سؤال غير الله، وهذا إنكار للمفعول به.
ثم الإنكار يرد على أنواع؛ الإنكار بحد ذاته ينقسم إلى أقسام. الاستفهام الإنكاري -وليس نسميه هذا، كثير ستدرسه في التفسير- الاستفهام الاستنكاري يندرج تحته أنواع. النوع الأول: أن يكون إما للتكذيب في الماضي أو في المستقبل، بمعنى لم يكن أو لا يكون، كقوله تعالى: ﴿أَفَصَفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾؛ فهذا استفهام استنكاري للتكذيب، أنكر عليهم. «أفَصَفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا؟»، أنتم عارفين سالفة كفار قريش في هذا الموضوع، فلما جاء فعل...
ماض عرفنا أنه هذا استفهام استنكاري وهو تكذيب للماضي أنه هل حصل هذا في الماضي؟ الله لا ينتظر منهم جوابا أنه يعلم الجواب، لكنه ينكر عليهم مقالتهم ويكذب فيها، ينكر عليهم مقالتهم ويكذب فيها؛ أي لم يعني لم يفعل ذلك في الماضي.
وأما مثال التكذيب في المستقبل كقوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28]، على كلام على لسان نوح عليه السلام: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَرْنِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: 28]؛ يعني شو بدي أ بدي أحملكم على الإسلام حَبْراً يعني أنا أدوعكم وفي النهاية أنتم أحرار في أنفسكم وأنتم ستحاسبون، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ تمام؛ هو إنكار عليهم عدم استجابتهم للدعوة، تمام قال أنكر عليهم أي عدم استجابتهم للدعوة وفي نفس الوقت يريد أن يقول لا يكون هذا الإلزام يعني تعتقدون أننا نلزم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟
فهو يكذب أي لا يكون هذا الإلزام، أي لن نلزم لا يكون هذا الإلزام وهذا الاكراه وهذا الإجبار، فهو لماذا جعله استفهاما استنكاريا؟ هو إنكار عليهم في ماذا؟ عدم الاستجابة يعني إيه نعم إنكارهم يعني وهو ينكر عليهم عدم استجابتهم لهذه الدعوة هذا وجه الاستنكار، ولكن ماذا أيضا يقولهم إننا لن نكرهكم ولن نجبر على ذلك كما يعني تظنون، ﴿فَعُمِيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28] كأنه يقول لا يكون هذا الإلزام.
لاحظوا ايش قال السيوطي: لا يكون هذا الإلزام إذا ادعيت، يعني كأنه كان هناك ادعاء منهم أنه يا نوح تريد أن تلزمنا وتجبرنا على أن ندخل في دينك فهو يقول ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28] فهو يقول هذا لن يحصل في المستقبل ما تدعون أنني أريد أن أفعل بكم ذلك، أنني أريد أن أجبر، هذا كذب فهذا معنى التكذيب والاستنكار.
الاستنكار قد يكون استنكار عدم دخولهم في الدعوة أو استنكار ربما تلفظهم بهذا الكلام، يعني أنا أحاول أن أفهم وجه الاستنكار، الاستنكار قد يكون الاستنكار على جهة ماذا؟ أنه استنكار اعتقادكم أنني سأكره على الإسلام أنا لا أكرهكم، فهو يستنكر أنهم يعتقدون أنه يريد أن يكرههم ويخبرهم أن هذا لا يريده ولن يحصله في المستقبل، فقد يكون هذا وجه الاستنكار، يعني هنا نحتاج لبحث وجه الاستنكار في الآية، ما الذي لما نقول هذا استفهام استنكاري تكذيب للمستقبل، تكذيب لما اعتقَدوه أو زعموه أن نوح يريد أن يجبرهم ويلزمهم ويكرههم فقال ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: 28]، لا من الذي قال إنني أريد أن ألزمك؟ أنا لا أريد ذلك، أنا أدعوكم أنتم تستجيبوا لا تستجيبوا هذا شأنكم.
أما قضية الاستنكار على أين كان الاستنكار؟ يمكن أن نقول الاستنكار ما ادعوه، تمام، استنكار ما ادعوه وما افتراه أن هذا الرجل يريد أن يجبركم ويكرههم على أن تتركوا دين آبائكم وما تعرفون قصص قوم نوح وما الذي ادعوه على نوح، فقد يكون هذا وجه الاستنكار.
طيب النوع الثاني من الاستفهام الاستنكاري، إذا النوع الأول الاستفهام الاستنكاري التكذيب، هناك استفهام استنكاري آخر يسمى التوبيخ، قال التوبيخ فيهما؛ إيش يعني فيهما؟ يعني للماضي أو المستقبل، كما أن التكذيب يكون للماضي أو المستقبل، طيب كيف يكون للتوبيخ في الماضي أو المستقبل؟ قال: بمعنى ما كان ينبغي أن يكون هذا للماضي أو لا ينبغي أن يكون هذا للمستقبل، كقولك: أتعصي ربك؟ أتعصي ربك؟ شوف واحد عم بيعصي ويشياء المحرمة فأيش تقول له: أَعَصَيْتَ ربك؟ هنا أنت تنكر عليه المعصية وماذا تفعل؟ توبخه على فعلها في الماضي.
وإذا كان في المستقبل شخص هو لسه ما عصى لكن أخبرك أنه ناوي يعصي فشو بتقول له: أَتَعْصِي؟ تنكر عليه وتوبخ على ماذا؟ على إرادته المعصية في المستقبل أتعصي ربك وقد أسبغ نعمه عليك؟ مثلا، فالتوبيخ قد يكون للماضي وقد يكون للمستقبل، طيب هكذا نكون انتهينا من الاستفهام الاستنكاري وعرفنا أقسامه، الاستفهام الاستنكاري التكذيب لمقولة كاذبة صدرت من المخاطب، أو استفهام استنكاري توبيخي لتوبيخ المخاطب يعني أنكر عليه وأوبخ على شيء ماض أو على شيء يريد أن يفعله في المستقبل.
ثم قال انتقل إلى مقصد آخر من مقاصد الاستفهام، قال ومنه التهكم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: 87] قيل إنه يتهكمون بشعيب يعني شعيب والله هي صلاتك اللي بتصلها هي اللي بتقول لك أنه أترك عباده الأصنام، مسكين أنت يا شعيب وهذا التهكم كثير ما يفعله أعداء الأمة بأهل الإيمان وأنت عليك أن تستعمله معهم بالمقابل، التهكم بأفكارهم ونظراتهم، ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: 87] صلاتك هي اللي بتخليك تترك عبادة الأصنام، يستهزئون بالصلاة والعياذ بالله.
وقال ومنها أيضا أن يكون المقصود التهويل والمراد قال بالتهويل أي التعظيم وضده هو التحقير، هذا هو الرأي الأول أنه التهويل والتعظيم نفس الشيء ومقابل ايش؟ التحقير، هذا هو الراي الأول من يرى أن التهويل والتعظيم بنفس المعنى وضده شيء واحد وهو التحقير.
هناك راي آخر سياتي معنا بعد قليل، نحو قول ﴿مَنْ هَذَا﴾ وما هذا و﴿مَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ﴾ [القارعة: 5] تمام خلونا على وما أدراك ما هي؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ * نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 10-11] فهنا وما أدراك ما هي؟ هل الله ينتظر الجواب منا؟ لا، هو يريد أن يعظمها ويهولها في قلبك، أنتم عارفين شو النار؟ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَ﴾ نسال الله السلامة والعافية.
وفي حديث أم زرع: زوجي أبو زرع وما أبو زرع؟ يعني مين هو أبو زرع؟ تفخيم وتعظيم له.
وقال ويحتمل الأمران (التعظيم أو التحقير) قراءة ابن عباس ﴿مِنْ عَذَابِ مَهِينٍ﴾ [هُم عندك هنا كتب قراءتنا لا على قراءة ابن عباس ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾] نعم قراءة ابن عباس ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾ هذا قال تحتمل التحقير وتحتمل التعظيم لشانه وإن كان التحقير هو الأليق يقوم بمقام فرعون قال بفتح الميم ورفع فرعون على أنها جملة استفهامية من فرعون؟ مين هذا فرعون؟ تمام، وليس السؤال عنه حقيقة وإنما هو كما قال إما تعظيم أو تحقير.
وجعل الشيخ شمس الدين بن الصائغ وهو صاحب الكتاب الذي سيأت معنا شمس الدين بن الصائغ ماذا يقول؟ يقول لا يقول التهويل هذا شيء والتعظيم هذا شيء آخر، لم يجعل التهويل والتعظيم بنفس المعنى، قال وجعل الشيخ شمس الدين بن الصائغ التهويل وضده ايش ضد التهويل؟ التسهيل والتخفيف، قسمين غير التعظيم والتحقير، إذا هذا رأي آخر يرى أنه التهويل يقابله التسهيل والتعظيم يقابله التحقير، فيكون قسمة أصبحت أخرى.
وطب كيف مثل؟ كيف فرق بين النوعين؟ قال التهويل مثال ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-2] قال هذا تهويل لها وضده وهو التسهيل قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 39] يعني شو شو خسران؟ فهذا تسهيل للأمر عليهم.
والتعظيم هذا شوف الفرق بين التعظيم والتهويل عنده، التعظيم ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255] هذا تعظيم لله سبحانه وتعالى لا يسمى تهويلا لله، لا يسمى تعظيما وجدها الأليق يسمى تعظيما للشخص وليس تهويلا له ومثله: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ يعني مين هذا العظيم الذي ترضى سجاياه كلها؟ فخلص يعني خذ الناس على طبائعهم، ويقابله عنده التحقير: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: 41] أرادوا الاستخفاف وتحقير الأنبياء جل الله قدرهم، وقول الشاعر: ومن أنتم؟ أنا نسينا من أنتم؟ وريح من أي ريح عاصر؟ مين أنتم والله ذكرونا انتم يعني يعني قال ومن أنتم هم عارفين من هم بس هم بدهم يستخفوا، بالله ذكرني مين أنت؟ شخص أنت تعرفه لكنك تريد أن تحقر شأنه بالله ذكرني من أنت؟ هيعرف انك تعرفه لكنك تسأله سؤال محقر بشأنه.
ثم قال هنا فائدة، هي فائدة نستفيدها لمن أراد البحث والتوسع في أكثر من ذلك، قال وقد ألف العلامة اللي هو صاحب التقسيم السابق شمس الدين ابن الصائغ في أقسام الاستفهام تأليفا حسنا سماه روضة الأفهام في أقسام الاستفهام ذكر فيه كم؟ ثمانية وعشرين معنى متخيلين يعني الاستفهام يخرج لثمانية وعشرين معنى، يعني ذكرهم السيوطي الآن كم واحد؟ نعم الآن عشرة لسه بده يكمل شوي وستصل عند ابن الصائغ لثمانية وعشرين معنى يخرج إلى استفهام لكن السيوطي يقول لكن منها ما لا يسلم له، وأرجو أن أتلخصه في كراسة مع زيادة وتحرير، شوف هذه همة السيوطي السيوطي صاحب همة جباره ما مسك كتابا إلا تلخصه، ما يقف على شيء إلا هبه يعني نهمه العلم نهمه حتى في الأمور الدقيقة سبحان الله.
آه والله أنا قفزت قال قفز طيب أني بدأت أتعب فون بلش أمور تضيع عندي، قال ومنه الاستبعاد كقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ [الدخان: 13] يعني قال أنى لهم الذكري من أين ستأتي الهداية إذا كان رسول جاءهم من عند الله ومعه الوحي ولم يهتدوا به من أين ستأتيهم الذكرى والهداية؟ لن تاتيهم من مكان، استبعاد حصول الهداية لهم، أن أداة الاستفهام هنا لاستبعاد حصول الهداية لأنه إذا كان رسول من عند الله يوحى إليه اتاهم بكل المعجزات ولم يؤمن به بالله عليكم من أين ستأتيهم الهداية؟ فهذا هو الاستبعاد.
ثم مررنا على كلمة ابن صائق قال نعم ايش عفوا سناتي سناتي إليه لا سناتي نقرا الابيات ونعلق عليها بس خلونا نعلق على ما بقي سريعا، قال ومما زاده على ما تقدم ومما زاده على ما تقدم ومما زاده مين هو الضمير هنا يعود على من؟ على ابن الصائغ أحسنت ومما زاده على ما تقدم التشويق والترغيب كقوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] هذا استفهام يطلب جوابه؟ لا طبعا هذا استفهام يراد به التشويق والترغيب في تحصيل هذه الخصلة، ﴿هَلْ أَدُلَّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: 10] ما المقصود من هذا الاستفهام؟ التشويق والترغيب.
طيب ومن معانيه أيضا التسوييه أن ياتي الاستفهام المراد به التسويية بين الشيئين فقط: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [البقرة: 6] الآن في همزة استفهام صح؟ أأنذرتهم؟ هل هذا يطلب جوابا؟ لا هذا المراد به التسوية وهمزة التسوية الاستفهام الذي يقصد به التسوية بين شيئين هو الذي يكون مسبوق بكلمة سواء لفظا أو تقديرا، يقولون همزة الاستفهام المسبوقة بكلمة سواء لفظا أو تقديرا هذه يكون مطلوب بها مجرد التسوية ولا تطلب جوابا وهذا المعنى أيضا نبه عليه الشيخ بهاء الدين السبكي، وذكر السبكي هذه فائدة ذكرها السبكي أنه هذا التسوية لا يأتي له إلا همزة الاستفهام، يعني هي الأداة الوحيدة التي يمكن أن تستخدم ويقصد بها التسوية همزة الاستفهام دون باقي أدوات الاستفهام.
أيضا من المعاني التي زاد ابن الصائغ العرض، وقد ذكره أيضا ابن مالك ابن الناظم في المصباح وذكره الشيخ بهاء الدين السبكي أيضا، نحو: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: 13] هي نفسها أداة العرض اللي بتعرفوها، مش أداة العرض ألا؟ هذه مركبة من همزة الاستفهام ولا النافية: ألا تقتلون قوما نكثوا؟ ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ بلى.
الاستئناس أيضا من المعاني التي زادها الاستئناس، نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 17] قالوا أن الله لم يرد منه جوابا وإنما أراد أن يلطف معه الحوار لما رأى توتر موسى من المشهد، ورَب العالمين مش شايف العصا سبحانه جل في علاه، الله لا يطلب جوابا لكن أراد أن يئنس موسى ويجعل لموسى المساحة لأن يجيب، قال: هي عصاي، وبعدين انبسط موسى أقول وشباها على غنم فقالوا هذا ليس سؤالا حقيقيا وإنما هو سؤال أقصد بكيف يجيك واحد متوتر وجاي على الدرس وكذا وأنت تعرف عنه المعلومة تقول له: ايش تدرس أنت في الجامعة؟ ممكن عارف أنا لا أنتظر جوابا منه، لكن لماذا سالته؟ بدي أخفف من حدة التوتر.
تمام كيف تكون بتدرب سواقة بصير مدرب السواقة اللي جنبك يعطيك أسئلة ويقول لك شو بتدرس أنت؟ وتقول مجاوبه مئة مرة بس هو حتى يشيل عنك التوتر أثناء تعلم القيادة، من اساليبه أنه بسموه هذا سؤال الاستئناس، إيه هو أجاب لكن الله هل كان يريد جوابا هذا السؤال؟ وأنت وفي سؤال الاستئناس هو سيجيب لكن أنت كسائل لم تقصد الجواب عفوا نعم لم تبحث عن الجواب وإنما اردت ماذا؟ أن تستانس به.
ثم قال ومنها الأمر، شوف هذه كلة أمور يخرج إليها الاستفهام، الاستفهام إخواني باب عظيم في اللغة العربية يجب على طالب العلم أن يحكمه خاصة في أساليب القرآن والكتاب والسنة، قال والامر وزاده في الإيضاح أيضا يعني الأمر ذكره القزويني في الإيضاح يعني زاده على التلخيص يعني هذا زاده القزويني في الإيضاح على كتابه التلخيص كقوله تعالى: ﴿أأَسْلَمْتُمْ﴾ قل للذين أوتوا الكتاب والأميين ﴿أأَسْلَمْتُمْ﴾ التقدير قالوا هو لا يستفهم منهم هو يقول لهم: أسلموا.
هو لما قال أأسلمتم؟ أنا لما أقول لك: أحضرتَ؟ أنا مش قصدي أطلب منك الحضور أو أطلب منك يعني أخبرني حضرت ولا لا أنا قصدي: أحضر، مش أنت كثير بنستعمل ترفع التليفون على شخص بتقول له: حضرت؟ هل أتيت؟ وأنت عارف أنه ما أتاش مش موجود معك، أنت ايش قصدك؟ تعال وخلصنا، بهذه الطريقة، فاذا قد يستعمل الاستفهام ويراد به الطلب والأمر أن أطلب أنا أمرك بشيء، ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] شو التقدير؟ انتهوا، هو لا يسالهم هل أنتم منتهون؟ بالله عليك هو يستفهم منهم؟ لا هو يريد يقول لهم انتهوا فهذا أيضا.
وعبر عنه الطيبي في هذه وعبر عنه الطيبي في هذه الآية بالاستقصاء الفاصلة والتعبير والنهي، أو أنها غلط لا لا هُلا التغيير سماه يعني كأنك تريد أن يتغير من حال إلى حال يعني ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91].
تريد أن يحصل هذا الشيء لك سماه تغييرا، لكن لم يظهر لي لماذا سماه استقصار. استقصار من ماذا؟ من القصر كأنه من الإجبار، يعني هذا الذي يمكن يعني أن يؤخذ أو يلمح. كيف أقول قصرته على الشيء، شو يعني؟ ألزمته به إلزاماً، اه فهذا يتناسب مع تسميته أمراً، أو بالمعنى الأقصر أقول: ايش يعني أقصر؟ هنا أقصر عن فعلك، لا هو أمر هذا مش نهي.
الذي يظهر لي أنه أقصر على الشيء يعني ألزمك به، وقصره وأطره على الشيء بمعنى ألزمه وأجبره وألجأه إلى أن يفعله، مش القصر هو الحصر؟ كيف تقول: القصر هو الحصر كأنك حصرته وأزمته أن يفعل الشيء. فالذي يظهر لي أن أسماه بالاستقصاء وسماه التغيير؛ لأنه يطلب منك الانتقال من حال إلى حالة أخرى، أسلمت يعني أسلموا انتقلوا إلى هذه الحالة، هل أنتم منتهون انتهوا انتقلوا إلى هذه الحالة، والنهي كقوله تعالى: الآن هذا معنى آخر له أيضاً يأتي بمعنى النهي، أتخشونهم ايش معناها؟ لا تخشوهم، وهذا ليس استفهاماً وإنما نهي عن هذه الحالة، ما غرك بربك الكريم ايش معناها؟ ولا يطلب منك جواباً هو يقول لك: اياك أن تغتر، فهو ينهاك.
طيب قال: وربما اجتمع الأمران في الاستفهام الواحد، فقد يتي تعجب وتوبيخ معاً، ممكن يعني يدخل أكثر من معنى في استفهام واحد، ذكر ذلك في الإيضاح كقوله تعالى: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يُميتكم ثم يُحييكم قال: هو تعجب لوقوع الكفر منهم وتوبيخ في نفس الوقت. تعجب استعمل التوبيخ والتعجب دُمِج معنيان، وهذا من لطيف المعاني.
لذلك أحياناً في كتب التفسير أحبابي مثلاً تجدون الطاهر بن عاشور ذكر معنى، مثلاً الزمخشري ذكر معنى آخر للاستفهام، حقيقة ما تستعجل في تخطئة أحدهما؛ قد يكون ما ذكره الزمخشري صح في تفسير الآية، وما ذكره مثلاً طاهر بن عاشور صح، وما ذكره الطيبي أو الرازي صح، لكن كل واحد لفت انتباهه فهم معين للاستفهام، يمكن أن يجمع بين أكثر من مقصد فلا تستعجل بتخطئة العلماء.
طيب وهل يقال: إن معنى الاستفهام في هذه الأشياء موجود وانضم إليه معنى آخر، أو تجرد عن الاستفهام بالكلية؟ هذا سؤال ختم به السيوطي بحثه، لما نقول إن الاستفهام يخرج عن حقيقته إلى هذه المعاني التي ذكرناها، التي وصلت بجوز لكم واحد fifteen أو fourteen واحد. طيب هل نقول: إن الاستفهام يلغى تماماً ولا يلحظ ويصبح المقصود هذا المعنى الجديد؟ أم نقول: إن الاستفهام يبقى ملحوظاً مع إضافة هذا المعنى الجديد؟ فهمتم السؤال؟
لما نقول إن الاستفهام خرج إلى هذه المعاني الـ fifteen، هل المقصود أن الاستفهام أصبح ملتحياً تماماً وانتقلنا إلى معنى جديد؟ أم أن الاستفهام بقي محتوى ضمنياً وانضم إليه معنى جديد؟ صح يعني هل استبدل أم عملية انضمام؟ هذا هو السؤال. ها هل يقال إن معنى الاستفهام في هذه الأشياء بقي موجوداً وانضم إليه معنى جديد من هذه المعاني الـ fifteen، أو تجرد عن الاستفهام بالكلية وحصل استبدال بمعنى جديد؟ قال الشيخ بهاء الدين السبكي: هذه المسألة محل نظر، يعني فيها خلاف بدها فعلاً تدبر.
والذي يظهر له الأول، يعني بهاء الدين السبكي شو اختيار؟ أن الاستفهام بقي موجوداً وانضم وانضاف إليه معنى آخر. قال: ويساعده أي يؤيد ذلك قول التنوخي في الأقصى القريب، وهو كتاب له اسمه الأقصى القريب: أن لعل تكون للاستفهام مع بقاء الترجي. يريد أن يقيس هذه المسألة على مسألة لعل، هس لعل شو أصلها يا شيخ عمر؟ أداة للترجي، لكن إذا استعملت في الاستفهام هل يزول معنى الترجي أم يبقى ملاحظاً؟ يبقى ملاحظاً.
قال: فكذلك أدوات الاستفهام إذا استعملت في غير الاستفهام يبقى الاستفهام ملاحظاً ويضاف إليه معنى جديد، فهو قاس يعني بهاء الدين السبكي من ذكائه أنه قاس ما يحصل في الاستفهام على ما حصل بلعل، أنه لعل إذا استعملت في الاستفهام يبقى الترجي ملاحظاً، كذلك أدوات الاستفهام إذا استعملت في غير الاستفهام يبقى الاستفهام ملاحظاً. قال أي السبكي -هذا كلام السبكي- ومما يرجح الأول وهو بقاء معنى الاستفهام أن الاستبطاء مثلاً في قولك: كم أدعوك -الذي نحن مثلنا به قبل قليل- معناه أن الدعاء وصل إلى حد لا أعلم عدده، فأنا أطلب فأنا أطلب أن أعلم عدده، فأنا صحيح عم ببطئ لكنني في صورة الاستفهام كأنني أطلب كم عدد المرات التي دعوتك بها، فلا يمكن إلغاء معنى الاستفهام بالكلية كأنه بقي ظلاله ملحوظة.
قال: والعادة تقتضي بأن الشخص إنما يستفهم عن عدد ما صدر منه إذا كثر كثيراً فلم يعلم، يعني ما عاد يعد خلص راح عليه، وفي طلب فهم عدده ما يشعر بالاستبطاء. لما نسيت العدد الذي طلبته منك فسالت عن العدد حصل بذلك ضمنياً تحصيل معنى الاستبطاء، فأنا سالت عن العدد حقيقة لأنني نسيت، وقصدت بالسؤال عن ليس أنني مهتم بمعرفته كرقم بل أنني مهتم بإظهار استبطائي لك. فهمتم كيف يركب الاستفهام مع الاستبطاء؟ أنني آريد أن أعرف العدد لكن ليس حرصي على معرفة العدد فعلياً وإنما لإظهار الكثرة، حتى أظهر لك كم أنا مستبطئ.
معنىً مثلاً الإبطاء مع الاستفهام، مثلاً التعجب قال: واما التعجب فالاستفهام معه مستمر أصلاً، ليه؟ قال: لأن من تعجب من شيء فهو بلسان الحال يسأل عن سبب وقوع هذا الشيء العجيب، إذاً لا يمكن أن نقول إن الاستفهام إلغى تماماً وكأنه يقول: أي شيء عرض لي في حال عدم رؤية الهدهد؟ إذا بدنا نرجع لسؤال سليمان، وقد صرع في الكشاف ببقاء الاستفهام في هذه الآية مع دلالتها يعني على التعجب.
طيب مثلاً الاستفهام والتنبيه على الضلال، قال: فالاستفهام فيه حقيقي، فإن معنى قوله تعالى: ﴿أَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: 26] أي أخبروني إلى أي مكان تريدون الذهاب فإني لا أعرف ذلك، وغاية الضلال لا يشعر بها إلى أين تنتهي، يعني الله لما يستفهم منهم يقول: أين تذهبون؟ يقول: أنا لا أعلم مكاناً بعد الهدى إلا الضلال، والضلال لا أعرف أين نهايته لأنه لا نهاية له، فهو ليس جهلاً منه سبحانه حتى يقال كيف يمكن أن ينسب الجهل إلى الله، وإنما المراد إخبار عن واقعة وهو أنه أخبروني إذا في مكان يمكن تذهبون أخبروني. الآن هو لما يطلب منهم الإخبار هو ليس لأنه يريد معلومة، بل لأنه يعلم أنه لا مكان ويكون فيه تنبيه إلى الضلال من خلال السؤال.
تمام وأما التقرير مثلاً، كيف يمكن أن يجتمع التقرير مع الاستفهام؟ قال: فإن قلنا المراد بالتقرير الحكم بثبوت الشيء فهو خبر بأن المذكور عقب الأداة واقع، وأما التقرير فإن قلنا إن المراد به الحكم بثبوته فهو خبر بأن المذكور عقب الأداة واقع أو طلب إقرار المخاطب به مع كون السائل ماذا يعلم؟ فهو استفهام يقرر المخاطب، أي يطلب منه أن يكون مقراً به.
هنا في التقرير كأنه تردد قليلاً، قال: التقرير إما أن يكون المراد به الحكم بثبوت الشيء فقط، فهو خبر بأن المذكور عقب أداة الاستفهام واقع، هنا صعب يكون الاستفهام داخل، لكن إذا فسر بالتفسير الآخر وهو أن التقرير فيه طلب باقرار المخاطب بالشيء مع كون السائل يعلم به فهو إذاً اه على هذا المعنى فيه استفهام بطلب تقرير المخاطب، لأنني كأنني أطلب منك أيها المخاطب أن تقر بالشيء امامي بوضوح، ففيه شيء من الاستفهام على المعنى الثاني ولكن ليس على المعنى الأول.
قالوا: وفي كلام أهل الفن ما يقتضي الاحتمالين، يعني يقول لك: التقرير محتمل أن يكون هو مجرد إخبار بثبوت الشيء، ومحتمل أن يفسر بأن فيه أيضاً طلباً من المخاطب بأن يقر به، فيقول كلام أهل الفن يعني كلام البلاغيين يحتمل أن التقرير إما مجرد إخبار أو يحتمل استفهاماً. ثم قال: والثاني أظهر، لا أنه هو فيه استفهام، أن التقرير على الصحيح هو على المعنى الثاني أن فيه استفهاماً وطلب من المخاطب أن يقر، فأنا أطلب منه الإقرار وهذا استفهام بحد ذاته، وفي الإيضاح صرح يحم به يعني حتى في الإيضاح القزويني صرح بأن التقرير فيه ماذا؟ فيه طلب.
قال: ولا بدع في صدور الاستفهام ممن يعلم المستفهم عنه، يعني عموماً لا أشكال أصلاً في أن يصدر استفهام من شخص هو يعرف الجواب، في هذا في مشكلة؟ لا لا، قال: لأنه طلب الفهم، لأن الاستفهام هو طلب الفهم، وطلب الفهم أما طلب فهم المستفهم أنا أريد فعلاً أن أفهم هذا احتمال، أو وقوع فهم لمن لم يفهم كائناً من كان. اه يعني بقول لك: الاستفهام هو ايش معناته؟ طلب الإفهام، لكن هل هو يلزم أن يكون طلب الإفهام للمستفهم؟ ممكن هو يكون طلب الاستفهام لي، وممكن أريد أن أطلب الاستفهام لغير المستفهم، أليس كذلك؟ ممكن هناك شخص امامي أنا بسألك أنا عارف الجواب بس بدي غيري يسمع، فلما نقول إذاً الاستفهام هو طلب الفهم هذا لا يلزم منه أن يكون طلب الفهم للمستفهم، بل طلباً لأن يفهم شخص آخر ذاك قال: كائناً من كان شخص بيسمع للأجيال القادمة.
قال: وبهذا تنحل كثير وبهذا تنحل إشكالات كثيرة في مواقع الاستفهام، ويظهر بالتامل، إذاً لاحظ شو اختيار السيوطي: ويظهر بالتامل بقاء معنى الاستفهام مع كل أمر من الأمور المذكورة. إذاً السيوطي يرجح ماذا؟ أنه نعم الاستفهام قد يخرج إلى أساليب أخرى، لكن إلى أي أسلوب خرج لابد أن تبقى ملاحظاً يا طالب العلم معنى الاستفهام الأصلي بشكل من الأشكال.
هذا انتهاء كلامنا في باب الاستفهام عموماً، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله ننتقل أو نختم الأصل باب الإنشاء بذكر ما بقي من مسائل الإنشاء؛ الأمر والنهي والنداء والقسم، هذه مسألة سهلة ما فيها إطالة. اللهم علمنا ووفقنا وسددنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل