حياكم الله بعاشيرة طلبة العلم في مجلس جديد نعقده في مدارسة هذه المنظومة المباركة، ألفية عقود الجمان للعلامة السيوطي عليه رحمة الله.
وفي المحاضرة السابقة أهدينا المقدمة المتعلقة بعلم البلاغة، والتي كان مضمونها تعريف الفصاحة وتعريف البلاغة؛ الفصاحة طبعا باعتباراتها المتعددة، والبلاغة باعتباراتها، وبيان ما هو حد الإعجاز من حيث علو البلاغة وما هو أسفل البلاغة، ثم بيان أقسام علوم البلاغة التي يهتم البلاغيون بدراستها، وهي علم المعاني والبيان والبديع. ولعلنا في المحاضرة السابقة فقدنا التصوير، كان لابد يعني أن نأتي هكذا اليوم في البداية نعطي ملخصا مختصرا عما ختمنا به المحاضرة السابقة عن علوم البلاغة.
هذه اللوحة هي خلاصة ما أخذناه في المحاضرة السابقة أو في القسم الأخير من المحاضرة السابقة، بينا بناء على التعاريف التي أخذناها للبلاغة وللفصاحة بينا أن البلاغة تعريفها: مطابقه الكلام لمقتضى الحال مع تحقيق الفصاحة. هذه هي البلاغة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع تحقق الفصاحة.
إذا قلنا إن البلاغة هي العلم الذي يبحث عن مطابقه الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته؛ ركز، البلاغة إذا هو العلم الذي يبحث عن مطابقه الكلام لمقتضى الحال زائد الفصاحة، يعني كلاهما داخل في تعريف البلاغة، فهنا يجب عليك أن تحقق عدة أمور وتحصل عدة علوم حتى تصل إلى البلاغة. فكأن البلاغة هي ماذا؟ هي الثمرة على رأس الهرم، هي الثمرة المرجوة التي تسير أنت باتجاهها، فحتى تحصل هذه الثمرة، حتى تحقق هذه الغاية، عليك أولا أن تتاكد من توفر الفصاحة ثم تتاكد من مطابقه الكلام لمقتضى الحال.
الفصاحة يجب أن تتوفر في المفردات وفي المركبات كما بينا. توفر الفصاحة في المفرد، وهذا يتوقف على تعريفه؛ فصاحه المفرد وهي أن يفقد التنافر، يفقد الغرابة، يفقد مخالفة القواعد الصرفية. فقد التنافر، كيف يمكن أن يحاط بهذا؟ حقيقة هذا مرجوعه الحس والذوق والطبع السليم كما بينا، يعني ليس علما وإنما هو حس وطبع. بالنسبة لفقد الغرابة هذا يحتاج منك إلى دراسة علم اللغات حتى تعرف الألفاظ الوحشية من الألفاظ غير الوحشية المستعملة. عدم مخالفة قواعد الصرف، هذا يقتضي منك يا طالب العلم أن تتقن قواعد علم الصرف وتعريفه. إذا جمعت هذه الأمور الثلاثة أنت حصلت فصاحة المفرد.
تنتقل بعد ذلك إلى فصاحة المركبات. فصاحة المركب أخذناها شروطها وضوابطها: الخلوص من ضعف التأليف، الخلوص من التنافر، الخلوص من التعقيد بشقيه التعقيد اللفظي والتعقيد المعنوي. بالنسبة لضعف التأليف هذا كيف تخلص منه؟ من خلال إتقان علم النحو. بالنسبة للتنافر بين الكلمات هو نفسه التنافر في المفردات، وهو الاعتماد على الحس والذوق والطبع السليم، لا يوجد يعني علم خاص لمعالجه هذه القضية.
وأما بالنسبة للتعقيد فالتعقيد له شقان كما قلنا، هناك تعقيد لفظي ناشئ أنك رتبت الألفاظ كما قلنا بطريقه معقده، بالتالي ألغزت عن السامع فما عاد يدري ما المقصود من الكلام، وهذا أنت تحتاج فيه إلى علم النحو حتى تعرف كيف ترتب الكلام ترتيبا صحيحا يسهل من خلاله إيصال المعلومات إلى المتلقي. وأما التعقيد المعنوي فهذا أنت تحتاج فيه إلى علم البيان؛ لأنه علم البيان كما سياتي معنا يعرف فيه الإنسان كيف يوصل المعاني إلى المتلقين بتراكيب مختلفة.
سياتي معنا أن علم البيان بالتحديد هو ماذا؟ يعلمك الطرق المختلفة التي تورد بها المعنى، هنا ممكن أستعمل الحقيقة وأنا أستعمل المجاز، هنا ممكن أستعمل استعارة، ممكن أستعمل تشبيه، ممكن أستعمل كناية؛ فعلم البيان يعلم طالب البلاغة كيف يورد المعنى الواحد بأساليب وطرق مختلفة تكون أبلغ وأفصح وأجمل في إيصال المعاني إلى المتلقين. فالمهم التعقيد المعنوي نخلص منه علم البيان.
هكذا يعني لاحظنا كيف حصلنا الفصاحة؛ إذا الفصاحة حتى تحصلها أنت تحتاج إلى طبع سليم وإلى علم اللغة وعلم الصرف وعلم النحو وعلم البيان. وأما الشق الثاني من البلاغة وهي مطابقه الكلام لمقتضى الحال، يعني كيف أعرف أن كلامي خرج مطابقا لمقتضى الحال؟ فهذا نحتاج فيه إلى علم المعاني. ثم قلنا بعد تحصيل كل هذه العلوم نحتاج رشة ملح هكذا من علم البديع، نحتاج إلى رشة ملح معتدلة من علم البديع كمحسنات وملطفات.
لو سالتك سؤالا: هل علم البلاغه هو فقط علم المعاني وعلم البيان؟ ماذا يكون جوابك؟ لا، علم البلاغة يشمل كل هذه العلوم حقيقة التي أخذناها. إذا كان علم البلاغة يشمل النحو والصرف ومتن اللغة، لماذا عندما ندرس في كتب البلاغة لا يتطرقون إلا إلى علم المعاني وعلم البيان ولا يتطرق للنحو والصرف واللغة؟ نقول لأن هذه العلوم أفردت بمصنفاتها، هناك كتب خاصة بالنحو وبالصرف ومتون اللغة، فلا نحتاج أن يذكر أو تذكر هذه العلوم ضمن البلاغة، وإنما تفرغ البلاغة أو يتحدث البلاغة عن العلوم التي لم تفرغ بمصنفات خاصة وهي علم المعاني وعلم البيان والمحسنات البديعية التي هي علم البديع.
فهذا الملخص أظن أنه ملخص مهم جدا حقيقة في تصور علم البلاغة ابتداء، يعني لا يصلح أن تشرع في علم البلاغة وأنت غير متصور ما هو علم البلاغة، عليك أن تفهم هذا التركيب كامل ويكون حاصل في ذهنك حتى تعرف أنت ما الذي تفعله من خلال هذه الدراسة.
أنهينا إذا المقدمة، وكما اتفقنا اليوم إن شاء الله سنشرع في أول علم من علوم البلاغة التي يتحدث عنها البلاغيون، ألا وهو علم المعاني. فنعود إلى مجلسنا، سنتحدث عن علم المعاني. هنا قال المصنف عليه رحمة الله: الفن الأول علم المعاني، قال: وحده علم به قد يعرف أحوال لفظ عربي يؤلف مما به تطابق لمقتضى حال وحدي سالم ومرتضى.
الان هناك نكته أو فائده ابتداء: يقولون لماذا يقدم علم المعاني على علم البيان في الدراسة البلاغية؟ علم معاني النحو. طيب إيش علاقة هذا في تقديم علم المعاني على علم البيان؟ أحسنت، يعني هو أنت أصلا عليك أن تعرف كيف تطابق بكلامك مقتضى الحال ثم بعد ذلك تدخل في البيان؛ لأنه قلنا ما هو علم البيان؟ يعلمنا كيف نرد المعنى الواحد بطرق مختلفه، هذه وظيفه علم البيان أن يعلمك أنه أنت عندك معنى في الذهن من المعاني الجزئية المجردة كما أخذنا في المعلقة، عندك معنى كيف أوصله بطرق مختلفة؟ فأنت قبل أن تعرف كيف توصل الكلام بطرق مختلفة عليك أولا أن تتأكد من أنك كلامك مطابق لمقتضى الحال، يعني أولا أنا أتأكد من أن التعبير الذي سأستعمله مطابق لمقتضى الحال، ثم بعد ذلك أنظر في وجوه التفنن في الإيصال.
فأنت تحقق المعيار الأول علم المعاني ثم تحقق بعد ذلك علم البيان؛ لا يصح أن تفكر كيف أوصل المعنى بطرق مختلفة وأنت بعد لم تفكر في مطابقه الكلام لمقتضى الحال، لا، أول ذهنية هي أن يخرج كلامي مطابقا لمقتضى الحال ثم بعد ذلك أفكر أن أضمن كلامي تشبيها أو استعارة أو كناية أو ما شابه ذلك من الطرق التي تساعد في إحكام المعنى.
إذا هو يقدم علم المعاني على علم البيان لأنه لا يشرع في البيان حتى نتاكد من وجود مطابقه الكلام لمقتضى الحال، وهذا إنما يتحقق في علم المعاني. ومن الخطا أن تبدا تفكر في التفنن وأنت لم تحكم بعد المطابقه، فأنت أولا تحكم المطابقه ثم بعد ذلك تفكر في التفنن وكيف أورد كلاما بأساليب متعددة.
الان السيوطي رحمه الله عليه وضع تعريفا فقال: تعريف علم المعاني. علم المعاني علم به يعرف أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال. ممتاز؛ لأنه ماذا قال؟ وحده علم به قد يعرف، هذه قد ليس التشكيكية، يعني الاصل أنها قد تحقيقية كما يقول؛ الحد هو: علم به قد يعرف أحوال لفظ عربي يؤلف مما به تطابق لمقتضى حال، ثم قال: وحدي سالم ومرتضى. يريد أن يقول السيوطي إن التعريف الذي قدمتة لكم سالم من العيوب، سالم من الخجج، سالم من يعني أن ينتقد، لكن كل شيء يعني فيه نقصان في هذه الحياة.
قال: علم المعاني علم، يعني هذه الكلمه أخذت جنسا في التعريف، كلمه علم إذا بدا بها في التعريف دائما هذه فائده استطرادية: كلمه العلم إذا بدا بها في التعاريف فما الذي يكون مقصود بها دائما؟ إذا وجدت كلمه علم في بدايه التعريف، إما أن تفسر العلم بالملكة وإما أن تفسر كلمه علم بالقواعد والمسائل وإما أن تفسر كلمه علم بالادراك، يعني نقول المعاني علم، كلمه علم هنا إما أن يقال المراد بالعلم الإدراك، واما أن يراد بكلمه علم قواعد ومسائل، واما أن يراد بها ملكة.
الآن هنا برأيكم ما هو الأنسب أن نفسر كلمة علم بماذا؟ الآن بعضهم فسر هذا أنها ملكة، قال: علم المعاني علم به يعرف أنها ملكات يعرف بها أحوال اللفظ. نعم البعض ارتقى تفسير كلمه العلم هنا بالملكة، والملكة ما هي الملكة؟ هيئة راسخه في النفس تكون بها محكما للمسائل التي تبحث فيها حقيقه، لكنني أنا أنظر أو أميل إلى أن أعرف العلم هنا أو أشرح كلمة العلم بالقواعد والمسائل، لأنني أنا هنا في كل علم المعاني أنا أدرس قواعد ومسائل علم المعاني، نحن ندرس قواعد ومسائل، إذا درسناها نعرف من خلال دراستنا لها أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال. فانا من باب التسهيل وأظنها أقرب إلى الذهن تصورا أقول كلمة علم هنا بمعنى ماذا؟ قواعد ومسائل.
فاذا علم المعاني هو قواعد ومسائل. هذه القواعد ومسائل، هذه القواعد والمسائل إذا تعلمها الطالب ودرسها وأحكمها، من خلالها بها يعرف، بها يعرف. يلا من باب الاستطراد، هل هناك فرق بين العلم والمعرفه؟ قال: علم به يعرف. العلم والمعرفه فرق بينهما في النواحي العلمية؟ احنا كنا دائما نقول، وكان بعض مشايخنا يقول: لا فرق بين العلم والمعرفة، فإننا في المعاجم اللغوية يقولون: العلم هو المعرفة، هذا رأي لبعض أهل العلم. البعض يقول: لا، هناك فرق بين مصطلح علم ومصطلح معرفة، فالعلم هو إدراك كليات قواعد ومسائل، والمعرفة إدراك جزئيات في تفاصيل هذه الفرق الأول.
ثانيا: العلم لا يشترط أن يسبقه جهل، وأما المعرفة فيمكن أن يسبقها جهل، ومن هنا قيل إن الله يوصى بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف؛ لأن العلم مئة بالمئة يعني كما يقول لا يسبقه ماذا؟ جهل، بخلاف المعرفة، أو هم يقولون: عفوا، العلم قد يسبقه جهل وقد لا يسبقه جهل، أما المعرفة فتكون مسبوقة بالجهل.
لكن هي الفكرة أحباب الكرام أن بعض هذه التحديدات قد لا يكون عليها الدليل الشافي، فالبعض لذلك قال كما قلت لكم: لماذا إنه عالم ولا يوصف ربنا بأنه عارف؟ قالوا إن العلم تمام لا يشترط أن يكون مسبوقا بجهل، وأما المعرفة فإنها تكون مسبوقة عفوا بماذا؟ بجهل. طبعا هذه كما قلنا هل هذه التفريقات ثبتت عن العرب في كلامها؟ هي مما يعني حدده المتاخرون، هذه القضية بحد ذاتها تحتاج إلى دراسة.
إذا هناك من رأى أن العلم المعرفة نفس الشيء، هناك من رأى أنهما مختلفان، والذي رأى أنهما مختلفان بعضهم قال: الفرق بينهما ما هو أن العلم إدراك للكليات والمعرفة تكون بإدراك ماذا؟ الجزئيات، وأنت تأخذ قاعدة رياضية إدراكك لقاعده عامه هذا علم، إدراكك لتفاصيل القاعدة وإسقاطاتها في الجزئيات هذا ايش يسمى؟ معرفة.
البعض قال: العلم قد يكون مسروقا بجهل وقد لا يكون مسروقا بجهل، وأما المعرفة فتكون ماذا؟ مسبوقة بجهل. ممتاز، فهذه كلها أوضاع عندهم جيدا تكون عندك اطلاع عن هذا التفريق حتى إذا قراته في كتاب تفهم ما هو المهم. قالوا إذا العلم المعاني هي قواعد ومسائل، علم به يعرف، به يعرف. الآن لما نقول به يعرف هل مجرد إدراكك للقواعد والمسائل، إدراكك تعرف بها أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال، أم تحتاج إلى إدراك للقواعد والمسائل وأن
تصبح ملكة راسخة عندك، حتى تعرف بها كيف تخرج الكلام مطابقاً لمقتضى الحال. الآن كثير من الطلاب قد يدرس كل منظومة عقود الجمان، لكن بعد دراسته لم يستطع أن يطبق. بعض الطلاب يدرس ألفية ابن مالك، لكن أتي له بإعراب بيت يضيع فيه تماماً. فحقيقة لما نقول علم المعاني: قواعد ومسائل بها يعرف، مش بها أي بمجرد دراستها، لا بدراستها وفهمها ومراعاتها وحسن تطبيقها. هذا مهم جداً؛ لأنه كما قلت كثير من الطلاب قد يفهم القاعدة والمسألة، لكنه لا يعرف تطبيقها، فبالتالي هذا لم نستفد منه من الناحية العملية.
طيب، علم به يعرف أحوال اللفظ، أي أحوال لللفظ؟ الآن كلمة أحوال اللفظ هذه كلمة عامة، اليس كذلك؟ لا بد تقيد؛ لأنه أحوال اللفظ كثيرة. هناك أحوال اللفظ من حيث الإعراب والبناء وهذا شغل مين؟ علم النحو. وهناك أحوال لللفظ باعتبار ما حدث فيه من إعلال وإبدال وقلب وهذا شغل الصرف. فهنا عن أي أحوال للفظ تتحدث؟ فلا يجوز أن تقول أحوال اللفظ وتسكت، لا بد تبين الحيثية التي تتكلم عنها. هنا في علم المعاني نبحث عن أحوال اللفظ التي بها يخرج مطابقاً لمقتضى الحال، يعني أنا هنا في علم المعاني أبحث عن ماذا؟ عن أي أحوال للفظ؟ عن أحوال اللفظ التي من خلال مراعاتها يخرج كلامي مطابقاً لمقتضى الحال.
آه هيك بلشت أفهم عن أي أحوال للفظ تتكلم، وهذه الأحوال هي التي ستأتي معنا في علم المعاني، هي التي ستأتي معنا من المعاني، مثل ماذا؟ مثل الحذف والذكر، مثل التذكير والتأنيث، مثل التقديم والتأخير، مثل التعريف والتنكير. يعني متى أتي باللفظ مذكوراً ظاهراً ومتى أحذفه وأجعله مقدراً؟ متى أتي بالاسم معرفةً، متى أتي به نكِرةً؟ متى أقدم الفاعل على المفعول به، متى أؤخر، ومتى أقدم المفعول به على كل الأشياء؟ فهذه هي أحوال اللفظ. يعني بعض الناس إلى الآن هو لم يعرف العربية؛ قضية التقديم والتأخير هذا مراد به في العربية مطابقة الكلام لمقتضى الحال، قضية التعريف والتنكير المراد بها مطابقة الكلام لمقتضى الحال، قضية الحذف والذكر المراد بها مطابقة الكلام لمقتضى الحال. فهذه هي الأحوال اللفظية التي يبحث عنها علماء المعاني.
هذه هي الأحوال اللفظية التي يدرسها علماء المعاني، وستجدون هذا ظاهراً في كل الأبواب في علم المعاني: متى يحذف ومتى يذكر؟ متى يعرف ومتى ينكر؟ متى نقدم ومتى نؤخر؟ لأن هذه العمليات؛ تقديمك، تأخيرك، حذفك للكلمة، ذكرك لها، تعريفك، تنكيرك، هي التي أنت من خلالها ماذا تفعل؟ عم تخرج كلاماً مطابقاً لمقتضى الحال. فإذاً، علماء المعاني لا يبحثون في أحوال اللفظ التي هي إعراب وبناء، لا يبحثون في أحوال اللفظ التي هي إعلال وإبدال، لا، شغلتنا نبحث في هذه القضايا وما يلحق بها: متى أؤكد الكلام، متى لا أؤكد، مما سياتي معنا إلى غير ذلك، متى أحصر، متى لا أحصر، إلى غير ذلك. فإذاً، علم المعاني يدرس القواعد والمسائل التي من خلال مراعاتها يعرف أحوال اللفظ.
أي أحوال؟ أحوال اللفظ التي بها -أي بهذه الأحوال- يكون كلامي مطابقاً لمقتضى الحال، يكون كلامي مطابقاً لمقتضى الحال. طبعا أظنكم فهمتم الآن عبارة نقطة الحال هذه؛ درسناها كثيراً. ما هو الحال؟ هو الأمر الداعي لأن يخرج الكلام على هيئة مخصوصة. ومقتضى الحال ما هو؟ ما يطلبه هذا الحال. فعندك حال وعندك ما يطلبه هذا الحال. فإذاً، هذه خلاصة تعريف السيوطي إلى علم المعاني؛ إذاً هو علم به يعرف أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال. أحوال اللفظ التي بها -أي من خلال مراعاتها- يكون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال.
الآن أحبائي الكرام، هذا التعريف ألا تلاحظون فيه إشكالية؟ أنت قلت أحوال اللفظ، ما هي أحوال اللفظ؟ قلنا مثل التقديم والتأخير والحذف والذكر، ممتاز. طيب مقتضى الحال ما هو؟ لا، مقتضى الحال هو الحال نفسه! مقتضى الحال ما هو؟ هنا يعني ساورد عليكم الاشكال باختصار، أليس مقتضى الحال هو نفسه أحوال اللفظ؟ يعني احنا قلنا أحوال اللفظ هي الحذف والذكر والتقديم والتأخير وما شابه ذلك، طيب مقتضى الحال ليس هو لما شرحناه هو نفسه؟ إذاً هي هذه الأمور؛ التقديم والتأخير والتاكيد وعدم التأكيد. يعني لما شرحنا في بداية هذه الدورة قلنا: حال الشخص المنكر، صح؟ ما مقتضى الحال؟ التأكيد. مش قلته قلنا الحال أن أمامنا شخص منكر، فهذه الحال تقتضي أن أؤكد. ممتاز، طيب إذاً هناك حال تقتضي مني أن أعرف، هناك حال تقتضي مني أن أنكر، هناك حال تقتضي مني أن أقدم، هناك حال تقتضي مني أن أؤخر. فمقتضى الحال أليست هي نفسها أحوال اللفظ؟ أليس مقتضى الحال هو نفسه أحوال اللفظ؟
فهنا في إشكال في التعريب من جهة ماذا؟ أنه هكذا أصبح التعريف -لو تركزوا معي شوي- أصبح التعريف هكذا: علم المعاني علم به -يعني أنا كنت أتووقع التعريف وكيف هو أتى؟ أنا كنت أتووقع التعريف هكذا: علم به يعرف أحوال اللفظ التي بها يطابق الحال بدون كلمة مقتضى. بدون كلمة مقتضى. الأصل هكذا في الترتيب الذهني أن السيوطي ماذا قال؟ علم المعاني علم به يعرف أحوال اللفظ التي بها بمراعاتها بانزالها يطابق هذا اللفظ ماذا؟ الحال مباشرة.
هنا لا، هو قال: أحوال اللفظ التي بها نطابق مقتضى الحال. طيب مقتضى الحال مش هي نفس أحوال اللفظ؟ فكيف أحوال اللفظ التي بها نطابق مقتضى الحال؟ طب أحوال اللفظ إيش قلته؟ هي التقديم والتأخير وما شابه ذلك. طب مقتضى الحال شو هو؟ هو التقديم والتأخير والحذف. فكيف نحل هذه الإشكالية؟ فهمتم الإشكال؟ يعني كيف أحوال اللفظ التي بها يكون مطابقاً لمقتضى الحال؟ أليس الأصل في تعريفه أن يقول: أحوال اللفظ التي بها يخرج الكلام مطابقاً للحال بدون كلمة مقتضى؟ هذا إشكال ورد (يعني من الجميع) وحاولوا أن يقدموا له حلولاً.
لا، ما هو الحل؟ الحل حقيقة ما كانش منطقي كثير بالنسبة لي، لكنهم يعني لفوها المشايخ زبطوها. إيش قالوا؟ لأنه يتصور الإشكال راح يساعدك في محاولة علاج هاي المشكلة، إنه الأصل كان يقال في التعريف: أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال مباشرة، لأنه مقتضى الحال هو نفسه أحوال اللفظ، هي أحوال اللفظ هي نفس مقتضى الحال. فهم حلوها المشايخ، قالوا: صحيح احنا في بدايه دراستنا للبلاغة كنا نقول إن مقتضى الحال هو التوكيد وعدمه، والذكر وعدمه، والتعريف والتنكير، لكن إذا اردت أن تدقق كثيراً كثيراً، فمقتضى الحال ليس هو نفس التوكيد وعدم التوكيد، ليس هو الذكر والحذف، ليس هو التقديم ولا التأخير، ولا شو باقي مقتضى الحال؟
قالوا: مقتضى الحال هو الكلام الذي يكون مؤكداً أو يرد فيه التأكيد، مقتضى الحال هو الكلام الذي يكون فيه حذف، الكلام الذي يكون فيه الذكر، الكلام الذي يكون فيه التقديم، الكلام الذي يكون فيه التأخير. فهؤلاء فرّقوا بين أحوال اللفظ وبين مقتضى الحال؛ فاحوال اللفظ هي نفسها التوكيد وعدمه، والحذف والذكر، والتعريف والتنكير (أي أحوال اللفظ)، ومقتضى الحال هو الكلام الذي اشتمل على هذه الأحوال، الكلام الذي اشتمل على هذه الأحوال هو اللي يسمى مقتضى الحال.
بالتالي أصبح التعريف هكذا: علم المعاني علم به يعرف أحوال اللفظ (هسه إنتم الآن فهمتم شو هي الأحوال؟ تأكيد، عدم، ذكر، إلى غير ذلك، أحوال اللفظ) التي بها يطابق ماذا؟ المقتضى الحال (شو تعريفه؟) الكلام الذي يكون مؤكداً أو الكلام الذي يكون فيه تعريف أو تنكير، فكانه أصبح هكذا: علم به يعرف أحوال اللفظ التي بها يطابق للكلام، للكلام المناسب للحال، للكلام، أحوال اللفظ التي بمراعاتها يخرج الكلام مطابقاً للكلام الذي يناسب هذه الحال. وإن كان يعني حقيقة شوية في يسار تعسف، يعني صار شوي القضية متعبة، يعني أنت بدك تتصور أن المقتضى هو الكلام الذي يكون مؤكداً مش نفس التأكيد، وحال هو نفس التأكيد، فاحوال اللفظ هي نفسها التأكيد وعدمه والذكر والحذف، والمقتضى هو الكلام الذي اشتمل على هذه الأحوال.
هيك صارت القضية؛ الكلام الذي اشتمل على هذه الأحوال حتى يصلح معك هذا التعريف، فيصبح: علم به يعرف أحوال اللفظ الذكر وعدمه إلى غيره، التي بمراعاتها يطابق مقتضى الحال (يعني يطابق الكلام المناسب لهذه الحالة). لو حقيقة لو أن السيوطي أزال كلمة المقتضى وخلاص، قلنا: علم به يعرف أحوال اللفظ التي بها يطابق الحال، عدة الغرض. عرفت؟
آه تمام، هو أصلاً يعني السيوطي هنا تبع التلخيص، فبالتالي التفتازاني وغيرهم وجدوا هذه المشكلة، قالوا: كيف نقول أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال؟ أليست أحوال اللفظ هي نفسها مقتضى الحال؟ فحاولوا أن يخرجوا من خلال هذا المخرج. لكن أنت في النهاية لو أنك اجتهدت وقلت: يا عمي ما بدنا كلمة مقتضى، خلاص أحوالنا اللفظ التي بها يطابق الحال، خلصنا. لكن لو وجدنا التعريف هكذا على حاله هل يمكن أن نخرجه تخريجاً؟ نعم، بأن تفسر كلمة المقتضى بأنها ليست نفس الأحوال، وإنما تقول: المقتضى هو الكلام الذي اشتمل على هذه الأحوال، بتمشي الأمور معك تمام. بس في النهاية أنا بهمني، إذاً علم المعاني أحبابي الكرام كل ما سندرس ان شاء الله وهو العلم الذي اخذ المساحه الاكبر سندرس احبابنا الكرام قواعد ومسائل تتكلم عن احوال اللفظ التي اذا راعيتها يخرج كلامك مطابقاً للحال.
فعندي كما قلنا حال تقتضي الاختصار، حال تقتضي الإطالة، حال تقتضي التنكير التأكيد، حال تقتضي كذا، فانت عندك حال وعليك أن تعرف أحوال اللفظ التي بمراعاتها يكون كلامك مطابقاً لهذه الحالة. باختصار، أنت عندك حال معينة، فانا وظيفتي أن أعلمك أحوال اللفظ التي بمراعاتها يخرج كلامك مطابقاً لهذه الأحوال، مطابقاً لهذه الأحوال. بالتالي كما ستلاحظون إن شاء الله، كل علم المعاني هو أنه يذكر حالاً ويذكر ما هو الكلام المطابق لهذه الحالة: إذا أردت أن تفخم، إذا أردت أن تبهم، إذا أردت تبكي، إذا أردت إلى غير ذلك من الأمور. فوظيفة علم المعاني أن يذكر لك الأحوال، ويذكر لك بعد ذلك هذه الحال ما الذي يناسبها من أحوال اللفظ، ما الذي يناسبها من تعريف أو تنكير أو تقديم أو تأخير إلى غير ذلك من الأمور. واضح القضية حتى نتجاوزها؟
طيب، بعد أن ذكر تعريف البلاغة أراد أن (عفواً) تعريف علم المعاني أراد أن ينتقل بنا عليه رحمه الله إلى بيان ماذا؟ الأبواب التي تدرس في علم المعاني. إذاً (وحده علم به قد يعرف أحوال لفظ عربي يؤلف مما به يتطابق لمقتضى حال وحد...) سالم ومقتضى الحال التي في الختام... لا، الحال في الختام احنا عرفناه سابقاً، هو الأمر الداعي إلى أن يخرج الكلام على وجه مخصوص، وأما أحوال اللفظ فهذه هي التقديم والتأخير وهذا... فالحال هذا مر معنا في تعريف البلاغة، مش قلنا مطابقه الكلام لمقتضى الحال؟ الحال هو الأمر الداعي إلى أن يخرج الكلام على وجه مخصوص، وأما أحوال اللفظ فبينتها لك كالتقديم والتأخير والذكر والحذف والتأكيد وعدمه إلى غير ذلك. عرفت كلمة الحال اللي في نهاية التعريف؟ مش بمعنى الأحوال اللفظية؛ هذا موضوع وهذا موضوع آخر، أظن واضحة لديكم، أليس كذلك؟
طيب الآن ما هي الأبواب التي تدرس في علم المعاني؟ قال: يحصر في أحوال الإسناد وفي أحوال مسند إليه فاعرفي ومسند تعلقات الفعل والقصر والإنشاء ثم الوصل والفصل والإيجاز والإطناب ونحوه تاتيك في أبواب. طبعا هنا (يعني دعونا نتكلم عن الأبواب التي يدرسها علماء علم المعاني) علم المعاني ما هي الأبواب التي يبحث فيها؟
قال: هي ثمانية أبواب؛ الباب الأول يبحث في الإسناد، وهو قيده طبعا بالإسناد الخبري، لكن الحقيقة الإسناد موجود في الخبر وموجود في الإنشاء كما سياتي معنا. نتكلم عن المسند إليه، يتكلم عن المسند، يتكلم عن المتعلقات، يتكلم عن القصر، يتكلم عن الإنشاء، يتكلم عن الوصل والفصل، والباب الثامن والأخير (خلينا نضع هنا) الإيجاز والإطناب والمساواة. تمام، هذه ثمانية أبواب هي مدار حديثنا في علم المعاني.
سيبدأ بها باباً باباً، سيتكلم أولاً عن الإسناد: ماذا سيتكلم؟ كما قلنا هناك حال تقتضي أن يخرج الإسناد مؤكداً أو غير مؤكد، وعدد المؤكدات التي في وما شابه ذلك. ثم سينتقل المسند إليه: هناك أحوال معينة، كيف يكون المسند إليه مطابقاً لهذه الأحوال؟ ونفس الشيء في المسند والمتعلقات والقصر والإنشاء والوصل والفصل والإيجاز والإطناب والمساواة. الآن خليني أعطيكم فلسفة هذا التقسيم الثماني، خلينا نبدأ نتكلم (يعني لماذا علم المعاني محصور في هذه الأبواب؟).
الآن احنا مر معنا أن البلاغة
عموماً، هل تظهر البلاغة في المفردات؟ هل تظهر في المفرد؟ في ماذا؟ في الكلام التام، مش في المركب. لا، حتى المركب كلمة غير دقيقة، البلاغة إنما تظهر في المركب المفيد فائدة تامة، وهو ماذا؟ الكلام.
بالتالي بدك تعرف أن الكلام العربي ينقسم إلى خبر وإنشاء. أي كلام عربي على الصحيح ينقسم إلى قسمين، وسآتي للخلاف أكثر من ذلك، لكن القسم الصحيح الذي عليها الحذاق والمحققون أن الكلام العربي ينقسم إما إلى خبر وإما إلى إنشاء.
الخبر ما يحتمل الصدق والكذب، والإنشاء هي الجمل التي لا تحتمل الصدق والكذب. الجمل الإنشائية مثل الجمل الطلبية، مثل الجملة الاستفهامية، مثل التمني، الترجي، مثل جمل النداء، وألفاظ العقود، والتعجب. باختصار، أي جملة لا يجوز أن تقول لصاحبها إنك صدقت أو كذبت، هذه جملة إنشائية.
لو سألتك: «هل صليت الفجر اليوم؟»، تقدر تقول لي كذبت؟ أنا بسألك سؤال. لو قلت لك: «اشتري كذا وكذا»، هل ينفع تقول لي كذبت أو صدقت؟ هذا ليس مكاناً للصدق والكذب، أنا أطلب منك أن تشتري لي كذا وكذا. فهناك جمل لا تحتمل الصدق والكذب، يعني لا يصح أن تقول للمتكلم بها صادق أو كاذب.
الجمل التي لا يصح أن تقول للمتكلم بها إنه صادق أو كاذب تسمى جملاً إنشائية، وهي كثيرة في اللغة العربية، مثل الجمل الطلبية؛ أي جملة فعل أمر، أو جملة فعل مضارع مقرون بلام الطلب. هذه إنشائية لأنك لا تستطيع أن تقول للمتكلم بأنك صدقت أو كذبت. كذلك الجملة الاستفهامية، وكذلك التمني؛ «ليت هذا الشيء يحدث»، هذا ما أحب أن يقدر أحد يقول لي كذبت أو صدقت، أنا بتمنى. كذلك الترجي، وكذلك النداء؛ لما أقول: «يا فلان أقبل»، هذا نداء لا تستطيع أن تقول لي إنني صدقت أو كذبت. كذلك ألفاظ العقود؛ لما تذهب لتشتري، «والله بعتك»، فتقول في الإجابة والقبول: «اشتريت»، ألفاظ العقود مثل: «بعت»، «اشتريت»، «زوجتك بنتي»، أنت تقول لي: «وافقت»، هذه كلها ألفاظ عقود لا تحتمل الصدق أو الكذب.
فباختصار، هذه أشهر أنواع الجمل الإنشائية. فالإنشاء هو كل جملة وكل كلام لا يحتمل أن تقول لصاحبه صدقت أو كذبت. أما الجمل الخبرية فهي التي تستطيع أن تقول لصاحبها صدقت أو كذبت، أنك تخبره عن شيء، وهذا الإخبار قد يكون صادقاً وقد يكون كاذباً، وسنأتي بعد قليل إن شاء الله لنعرف ما المراد بالصدق والكذب في الخبر.
لكن أنا أقدم هذه المقدمة حتى تفهم فلسفة التقسيم كما قلنا. فنحن إذا قلنا إن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء، فالخبر عبارة عن إسناد، والإنشاء عبارة عن إسناد. الخبر عبارة عن إسناد لأنها علاقة بين فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر؛ لذلك الخبر عندك إما أن يكون جملة اسمية أو جملة فعلية، فالخبر هو عبارة عن إسناد عن علاقة بين فعل وفاعل مثل: «جاء زيد»، أو مبتدأ وخبر مثل: «السماء ممطرة».
وكذلك الإنشاء، الإنشاء نفس الشيء هو أيضاً عبارة عن إسناد؛ لأنك تسند كلمة إلى كلمة فيحدث من ذلك إنشاء، مثل: «أضرب زيداً»، هنا فعل وفاعل ومفعول به، فالإسناد فكرة الإسناد هذه بدك تفهمها، هي موجودة في الخبر وموجودة في الإنشاء، كلاهما يتضمن إسناداً. لكن في الجمل الإنشائية تجد أشياء إضافية مثل أداة استفهام، أداة تمني، أداة ترجي، أو أداة نداء فوق الإسناد. فكلاهما يحتوي على إسناد؛ الخبر لا بد فيه من إسناد فعل لفاعل أو مبتدأ لخبر، وكذلك الإنشاء لا بد فيه من إسناد فعل لفاعل أو مبتدأ لخبر.
بالتالي، قالوا أول موضوع سندرس في علم المعاني هو موضوع الإسناد؛ لأنه هناك حال يقتضي أن يخرج الإسناد على صورته كذا وكذا، وهناك حال يقتضي أن يخرج الإسناد على صورة كذا وكذا. فقضية التوكيد التي ذكرناها الآن، التوكيد وعدم التوكيد، هذا متعلق بالإسناد كاملاً؛ هل هذه الجملة، سواء كانت خبرية ولا إنشائية، أؤكدها ولا لا أؤكدها؟ إذا كان الحال يقتضي التأكيد فإنني سأقوم بتأكيد الإسناد، وإذا كان الحال لا يقتضي التأكيد فإنني لن أقوم بتقديم الإسناد.
وستلاحظون عندما ندرس أول باب من أبواب علم المعاني وهو الإسناد الخبري، أنهم يتكلمون عن أحوال نهتم فيها أن نعرف كيف نخرج الإسناد فيها، هل نخرجه مؤكداً أو غير مؤكد إلى غير ذلك من الأمور. فبالتالي أول باب من أبواب علم المعاني هو باب الإسناد، وهم بحثوا الإسناد، وسنلاحظ أنه بحث الإسناد في الخبر، ثم سيقولون لك: «وكل شيء ذكرناه في الإسناد الخبري قِس عليه الإسناد الإنشائي». أي أنهم درسوا الإسناد الخبري وتكلموا عن أحوال الإسناد في الخبر، ثم قالوا: بعد أن درست الإسناد في باب الخبر، كل المسائل التي ذكرناها هنا قس عليها الإسناد الإنشائي.
الإسناد واضح من تعريفه أو المفهوم أن الإسناد يحتاج إلى مسند ومسند إليه. أي عملية إسناد، حتى في الحياة العامة؛ مثلاً عندك حائط تريد أن تسنده، فتحتاج أن تضع خشبة عليه، فالحائط ماذا نسميه؟ الحائط مسند إليه، والخشبة هي المسند. وكذلك الجملة الفعلية والجملة الاسمية التي هي محطة الإسناد؛ الجملة الفعلية تتكون من فعل وفاعل، إذاً هو مسند ومسند إليه، والجملة الاسمية تتكون من مبتدأ وخبر، فهذا أيضاً مسند ومسند إليه.
فبالتالي أي إسناد سيحتاج إلى مسند إليه ومسند، سواء في الخبر أو في الإنشاء. المسند إليه هو المبتدأ في الجملة الاسمية، والفاعل في الجملة الفعلية، والمسند هو الخبر في الاسمية والفعل في الفعلية.
طبعاً هنا المصطلحات تختلف؛ في علم البلاغة يسمونه مسنداً ومسنداً إليه، في علم النحو لا، خلاص مبتدأ وخبر وفعل وفاعل، وفي علم المنطق محمول وموضوع. هي تكون كلها نفس الشيء، لكن باختلاف العلوم يختلف المصطلح؛ في علوم البلاغة يسمونه مسنداً ومسنداً إليه، وفي علم النحو لما توصلوا لا يستعملون مسنداً ومسنداً إليه بل يستعملون فعلاً وفاعلاً ومبتدأً وخبراً، وفي علم المنطق يسمونه محمولاً وموضوعاً.
محمود وموضوع، أو محكوم، محكوم عليه أيضًا. يستعمل هذا المصطلح فيكن لا أسماء متعددة باختلاف العلوم والمسمى واحد. أنا يهمني هنا أن تكون عارفًا أن المسند إليه هو المبتدأ في الجملة الاسمية، والفاعل في الجملة الفعلية.
لماذا هو مسند إليه؟ بدك تفهم برضه لماذا المبتدأ هو المسند إليه مش الخبر مثلاً؟ ولماذا الفاعل هو المسند إليه مش الفعل؟ لأن هي قضية ذهنية؛ أنه أنا عندي شخص، بالنسبة لنا في الجملة الاسمية، أنا عندي شخص أريد أن أخبر عنه أنه فعل شيئًا ما، أو عندي جماد معين أريد أن أخبر عن مواصفاته. فلما أقول: «السماء أمطرت»، أنا عندي شيء اسمه السماء، أريد أن أخبر عنها بشيء معين، فالسماء هي المسند إليه، الوجهة التي أسندت إليها خبرًا، أسندت إليها معلومة، فلذلك جعل المبتدأ هو المسند إليه لأنك تسند إليه معلومة تخبر عنه بشيء.
كذلك في الجملة الفعلية، لم أقل جاء زيد، الفاعل هو المسند إليه لأنك تخبر عن زيد أو عيسى أو موسى، تخبر عنه أنه جاء أو ذهب أو شرب أو أكل أو ما شابه ذلك. فإذن هو من حيث المنطق العقلي فعليًا المبتدأ هو المسند إليه لأنك أسندت عنه معلومة، والفاعل هو المسند إليه لأنك أسندت عنه أيضًا فعلًا وأعطيته خبرًا على صورة الفعل. في المقابل الخبر هو المسند، إذا كان المبتدأ هو المسند إليه فالخبر هو المسند، وإذا كان الفاعل هو المسند إليه فالفعل هو الشيء المسند.
بالتالي إذا درسنا الإسناد، فسيكون الباب الثاني من أبواب علم المعاني أن ندرس أحوال المسند إليه، والباب الثالث سيكون أن ندرس أحوال المسند. شيء طبيعي بما أنك أول شيء درست الإسناد، بعدما تدرس الإسناد ستدرس مفرداته؛ تدرس مفردات المسند إليه وأحوال المسند، وما هي الأحوال التي يكون بها مطابقًا لمقتضى الحال.
الآن لما عرفنا ثلاثة أبواب: الإسناد، والمسند إليه، والمسند؛ قلنا المسند إما خبر أو فعل صحيح الخبر في الجملة الاسمية، أو الفعل في الجملة الفعلية. ولما كان المسند كثيرًا ما يكون له متعلقات، فالفعل مثلاً في الجملة الفعلية له العديد من المتعلقات؛ من المفعول به، والمفعول لأجله، والمفعول المطلق، وظرف الزمان، وظرف المكان. الجملة العربية واسعة.
وكذلك الخبر في الجملة الاسمية، لأن الخبر أحيانًا قد يكون اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة، وهذه المشتقات تعمل عمل الفعل، فتأخذ مفعولًا به، تأخذ مفعولًا مطلقًا، تأخذ ظروف زمان، تأخذ ظروف مكان. هذه الأمور التي هي المفاعيل: مفعول به، مفعول لأجله، مفعول معه، ومفعول فيه، والمفاعيل وما يرتبط أو يلحق بها من الحال والتمييز؛ هذه كلها اسمها متعلقات تتعلق عادة بالمسند، سواء كان فعلًا أو مما هو ملحق بالأفعال كالأسماء المشتقة.
فلما وجدوا أن الجملة العربية ليست فقط عبارة عن مسند ومسند إليه، لا، فيها في الجملة الفعلية عندك مسند ومسند إليه وبعدين في متعلقات، في مفاعيل وفي حال وفي تمييز، فقالوا لابد أيضًا أن ندرس هذه المتعلقات وأحوالها، مش فقط ندرس المسند والمسند إليه ونقف، لابد ندرس أيضًا المتعلقات؛ المفاعيل الخمسة والحال والتمييز وعلى أي حال يؤتى بها.
المتعلقات في العادة تكون إما متعلقات بالفعل، يعني هي متعلقة بالفعل، أو متعلقة بالخبر في الجملة الاسمية. فقالوا إذاً لابد أيضًا من أن ندرس بعد دراسة المسند أن ندرس المتعلقات. فهمتم شو هذه المتعلقات؟ هي المفاعيل الخمسة والحال والتمييز وما شابه ذلك مما يكون مرتبطًا بالفعل في الفعلية وبالخبر في الجملة الاسمية.
طيب الآن أخي الكريم، فهمتها ما شاء الله سريع، أنت طيب يا رب. إذا عرفنا الإسناد وعرفنا المسند إليه وعرفنا المسند وعرفنا المتعلقات، ستجدون أنهم بعد ذلك درسوا القصر ثم درسوا الإنشاء، وهذا مما توقوا إليه وقالوا الأصل أن يكون الإنشاء قبل القصر. لماذا؟ لأنه القصر يدخل على الخبر ويدخل على الإنشاء، فكان لازم أول شيء تعلمني الإنشاء بأنواعه وأحواله، ثم ندرس بعد ذلك القصر؛ لأن القصر ما هو إلا أساليب الحصر في اللغة العربية، والقصر وما هو الحصر؟ أساليب الحصر: إلا، أو بأنما، أو ما شابه ذلك.
فإذا دعوني أعود، بعد أن درسنا الإسناد والمسند إليه والمسند والمتعلقات، قالوا أنت هكذا تكون أعطيتني الخبر بالمسند إليه ومسنده ومتعلقاته، الآن الإنشاء نفس الفكرة، الإنشاء لا توجد في الخبر، بالتالي الإنشاء حقيقة يكون هكذا. هو الباب الخامس؛ قلنا الإسناد هذا واحد، المسند إليه اثنان، المسند ثلاثة، المتعلقات أربعة، الإنشاء خمسة.
بعدما تعرف الخبر والإنشاء بكل ما يتعلق به، يقولون الآن أي إسناد، خبري أو إسناد إنشائي، احتمال كبير أنك تحتاج فيه إلى حصر حتى يكون كلامك مطابقًا لمقتضى الحال. تحتاج إلى استعمال أسلوب من أساليب الحصر حتى يخرج كلامك مطابقًا لمقتضى الحال، فيدرسون القصر الذي هو الحصر بعد ذلك، ويجعلونه بابًا سادسًا: ما هي أساليب الحصر وكيف آتي بها حتى يخرج كلامي مطابقًا لمقتضى الحال. بالتالي رقم ستة يكون الحصر.
بعدما ينهون دراسة الجملة الواحدة، نحن كل هذا دراسة للجملة الواحدة سواء كانت خبرية أو إنشائية ومتعلقاتها وهل تحتاج لقصر ولا لا، إذا صار عندي جملتان؛ هذه جملة وبعدها جملة أخرى، سنحتاج أن نعرف متى نعطف الجمل على بعضها البعض ومتى نفصلها فلا نعطف بعضها على بعض. وهنا انتقلوا للباب السابع، باب الوصل والفصل.
باب الوصل هو الباب الذي ستتعرف فيه متى تحتاج أن تصل جملة بأخرى من خلال حرف من حروف العطف حتى يكون كلامك مطابقًا لمقتضى الحال، ومتى لا مطابقتك لمقتضى الحال تقتضي أن لا تعطف، بل أن يكون الكلام مفصولًا تمامًا، جملة ثم بعد جملة استئنافية.
بعض الناس علم متى تأتي جملتان فيختار أن لا يعطف بينهما، ومتى تأتي جملتان يختار أن يعطف بينهما؛ قرار العطف أو عدم العطف هذا قرار يتوقف على ماذا؟ على الحال، هل الحال مقتضاها أن أعطف ولا مقتضاها ألا أعطف؟ فهذا باب هو من أخطر الأبواب أصلاً ومن أعظمها، باب الوصل والفصل، لأنكم ستجدون أن كثيرًا من إعجازات القرآن وجمالية النص القرآني تكمن في أن الطالب المتدبر يعرف لماذا هنا اختارت الآيات عدم العطف، وهنا الله عز وجل عطف. هذا باب عظيم جدًا من فهم مقاصد كلام الله سبحانه وتعالى. بعض أن ننتهي من قضية الربط بين جملة وأخرى يبقى...
الباب الثامن والأخير هو المحصلة النهائية لكل الكلام الذي خرج منك الآن. أنت لما ألقيت خطبة أو ألقيت شعراً ممتازاً، أردت أن تعبر عن معنى؛ فأنت مثلاً تكلمت بمقطوعة أدبية فيها عشرون جملة، أو تكلمت بمقطوعة أدبية شعرية فيها عشرون بيتاً، بالتأكيد كان هناك معنى في ذهنك أردت أن توصله للمستمع.
الآن بعد أن يدرس الطالب الإسناد والمسند إليه والمسند والمتعلقات والإنشاء والحصر والوصل والفصل، يأتون إلى النهاية؛ وهي أنه بعد أن أديت هذه الخطبة، هل كان كلامك مساوياً للمعنى الذي أردت أن توصله؟ أم كان كلامك زائداً عن المعنى الذي أردت أن توصله؟ أم كان كلامك وألفاظك أقل من المعنى الذي أردت أن توصله؟
هناك ثلاثة أحوال؛ هناك معنى في الذهن، والألفاظ التي استعملتها للتعبير عن هذا المعنى إما أن تكون مساوية تماماً للمعنى الذي في الذهن، وهذا يسمى مساواة، وإما أن تكون الألفاظ أزيد من المعنى الذي في الذهن، وهذا يسمى إطناباً. وسنعرف الفرق بين الإطناب والحشو؛ لأن الإطناب جميل لكن الحشو ضار، وسنعرف الفرق بينهما.
وأما أن تكون ألفاظك أقل من المعنى، أي أن المعنى كبير وألفاظك مختصرة، فهذا يسمى الإيجاز، وهذا محمود. والنبي ﷺ كان من أوتي جوامع الكلم، وما هي جوامع الكلم؟ هي الإيجاز؛ ألفاظ قليلة لكنها تعبر عن معانٍ كثيرة، لأنه هذه المعاني الكثيرة لو أردت أن آتي بألفاظ مساوية لها تماماً سأحتاج إلى مجلد. فمن أساليب البلاغة الإيجاز، أن تأتي بألفاظ قليلة تؤدي المعنى الذي أردت أن توصله.
فهم بعد كما قلت، أن يدرسوا الأبواب السبعة، يأتون إلى قضية أبواب الإيجاز والإطناب والمساواة، وهذا يتعلق بالمحصلة النهائية: هل كلامك وألفاظك مساوية للمعنى أم أكثر منه أم أقل منه؟ بالتالي عندك إيجاز أو إطناب أو مساواة. فهذه الأبواب الثمانية في علم المعاني وُضعت إخواني في الصف.
إذاً علم المعاني يدرس أبواب: الإسناد، والمسند إليه، والمسند، والمتعلقات، والقصر، والإنشاء، والوصل، والفصل، والإيجاز، والإطناب، والمساواة. فهمنا لماذا نحن نركز على هذه الأمور؟ طبعاً كما قلت هو يسمى الإسناد الخبري؛ لأنه درس الإسناد الخبري ثم قاس عليه الإسناد الإنشائي، وقالوا الإسناد الخبري يعتبرونه أهم من الإسناد الإنشائي.
هكذا نكون عرفنا ما يتعلق بأبواب علم المعاني. نأتي الآن إلى الباب الذي يده واضح، هل أحد عنده سؤال قبل أن أنتقل للباب الذي يليه؟
بما أننا عرفنا أن أساس هذه القسمة الثمانية التي ذكرناها هو تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء، فكانت هناك حاجة إلى أن يعرف الطالب ما تعريف الخبر وما تعريف الإنشاء حتى يسهل عليه أن يفرق بينهما، فانتقل إلى فصل وإلى مسألة قال فيها رحمه الله: "محتمل للصدق والكذب بالخبر... محتمل للصدق والكذب والغير... الإنشاء ولا ثالث قر"
ماذا يريد أن يقول في هذا البيت؟ يريد أن يقول إن الصحيح الذي عليه المحققون -وهذا نقله السيوطي في "همع الهوامع"- أن البلاغيين والحذاق من النحويين أجمعوا على أن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء، ولا يوجد شيء ثالث. أي أن كل كلام فهو إما خبر وإما إنشاء.
وقوله "ولا ثالث قر" أي لا يوجد رأي ثالث أو لا توجد صورة ثالثة؛ إما خبر وإما إنشاء. وهناك أقوال البعض من باب الكلام السريع؛ فالبعض قال إن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء وطلب، فهذا رأي لبعضهم جعلوا الطلب شيئاً ثالثاً غير الإنشاء. وبعضهم قسمه رباعياً، بعضهم قال الكلام خبر واستخبار وطلب ونداء، حتى ابن السبكي استعمل هذه القسمة في "الورقات" في أصول الفقه لما بين أن الكلام خبر واستخبار، والاستخبار هو الاستفهام، فاعتبر الاستفهام شيئاً مستقلاً: خبر واستخبار وطلب ونداء، وجعل الطلب شيئاً مستقلاً حتى لم يستعمل كلمة الإنشاء أصالة. وهناك أقوال عديدة لوصلها البعض إلى ستة عشر قسماً.
لكن حقيقة كما قلنا، المتاخرون وجمهورهم استقروا على أنه لا، كل ما يسمونه طلباً واستخباراً ونداءً، كل هذا يدخل تحت مفهوم واحد اسمه الإنشاء؛ فالكلام إما خبر وإما إنشاء.
هنا أريد أن أنبه على قضية مهمة حتى تفهم قضية الخبر والإنشاء قبل أن أدخل في التعاريف الحدية؛ ركزوا فيها لأنني إذا شرحتها سأختبركم في التفريق بين الخبر والإنشاء، وتصبحون تفهمون وحدكم متى تحكمون على هذه الجملة أنها خبرية ومتى تحكمون على هذه الجملة أنها إنشائية.
الخبر إخواني معناه يكون موجوداً في الخارج منفصلاً عن الألفاظ؛ فالخبر هو الذي يكون معناه موجوداً في الخارج منفصلاً عن الألفاظ، والألفاظ إنما تخبر عنه فقط. وأما في الإنشاء، فالإنشاء معناه ينشأ بسبب اللفظ.
كيف ذلك؟ ركزوا معي حتى تفهموا. أما إذا قلت لك: «جاء زيد»، فمجيء زيد هذا شيء موجود في الخارج ليس له علاقة بألفاظي، وإنما كلمة «جاء زيد» هي تعبير عن معنى موجود في الخارج بصورة مستقلة. أما لما أقول لك: «هل جاء زيد؟»، فهنا هذا إنشاء، ومعنى هذه العبارة هو الاستفهام عن مجيء زيد، وهذا المعنى إنما نشأ بسبب اللفظ، فهو ليس شيئاً موجوداً في الخارج (كفعل) بل أنا عبرت عنه، فالجملة الإنشائية معناها ينشأ بسبب الألفاظ نفسها، الألفاظ هي التي أنشأت المعاني.
حتى أعطيكم فرقاً واضحاً، ما الفرق بين أن نقول: «بعتُ السيارة» وأنا أخبرك بذلك، وبين أن أكون أنا وأنت في صفقة بيع فتقول لي: «بعتك السيارة بألف»، فأقول لك: «قبلتُ»؟ شوف اختلاف المشهد كيف سيفرق بين الخبر والإنشاء.
عندما أقول: «بعتُ السيارة» أنا أخبرك خبراً، فمتى تكون هذه خبراً ومتى تكون إنشاءً مع أن نفس الفعل "بعتُ"؟ قد تكون في حالة معينة خبراً، وقد تكون في حالة معينة إنشاءً. تكون خبراً إذا كان هناك شيء في الخارج قد وقع.
أنا أعطيتك السيارة وبعتك إياها، معنى وقع في الخارج، وأنا الآن عم بخبر عن هذا المعنى فقط. ممتاز، فالألفاظ هي ليست هي التي أوجدت المعنى، لا، المعنى موجود في الخارج والحالة موجودة في الخارج، وأنا فقط أخبرت عنها.
ممتاز، لكن لما أكون أنا وياك في صفقة، وعم نتفاوض على سيارة، واتفقنا وبدنا نعمل إيجاب وقبول، شو بقول لك؟ خلاص، بعتك السيارة بألف، وأنت تقول لي ايش؟ قبلت. صح؟
لما كنا في الصفقة وأنا قلت لك: بعتك السيارة بألف، هل أنا عم بتكلم عن شيء موجود في الخارج، ولا بتكلم عن شيء الآن سيحدث بسبب اللفظ؟ الشيء أنا لما أكون في صيغة العقود، أنا أتكلم عن شيء الآن سيحدث، وحدوثه بسبب الألفاظ التي صدرت مني. ملاحظين؟
فالخبر، هذه بدي إياك تفهمها، الخبر معناه مستقل موجود في الخارج، طبعا هنا سنعرف الآن أن الخبر لما نقول معناه موجود في الخارج، أما موجود فعلا وإما بالقوة، لأن الخبر قد يكون أحبابي الكرام -وهذه أصلا أنا أتيت بهذا الكلام حتى تفهم هذه الجزئية- الخبر نقول معناه موجود في الخارج، في الخارج يعني في الواقع، أما فعلا وأما بالقوة.
إيش يعني بالقوة؟ بدي أعطيك هذا المثال حتى تفهم، لما أقول: سيأتي زيد، سيأتي زيد، هل زيد جاء أتى ولا مات؟ لم يأت، صح؟ فإاذن هل المعنى موجود الآن في الخارج؟ لا.
طب هل هذا يصلح إذا أن يعني نقول أنك صدقْت أو كذبت؟ هذه مشكلة عند البعض، لأنه لما نقول الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب، بيجي بقول لك: طب إذا قلت سيأتي زيد أنا مخبر عن شيء مستقبلي، باختصار، الأخبار عن المستقبل هل هذا يحتمل الصدق والكذب؟ شو رايك يا قصي؟ نعم يحتمل الصدق والكذب.
ليه؟ لأنه هي إذا أنت فهمت فكرة الخبر والإنشاء والفرق بينهما، ستدرك الآن لو قلت: أتى زيد، أتى زيد المعنى موجود في الخارج فعلا، ممتاز، وأنا أخبرت عنه. عندما أقول: سيأتي زيد، المعنى هو يقولون ليس موجود في الخارج فعلا، لكنه في قوة الوجود في الخارج، ممتاز.
بالتالي الخبر ليس بشرطه أن يكون عن شيء مضى، بل قد يكون الخبر عن شيء في المستقبل أيضا، بالتالي بدي إياك تفهم بالتالي شو الفرق بين الخبر والإنشاء وما ذكرته لك، أنه لما أقول: سيأتي زيد، سيأتي زيد هذه الجمله أحبابي الكرام هي تخبر عن معنى سيقع في المستقبل، لكن هل هذا المعنى الذي سيقع في المستقبل هل هو ناشئ بسبب الألفاظ ولا ناشئ أنه زيد راح يطلع من بيته ويجي؟ ما له علاقة باللفظ، هو ناشئ من أن زيد سيخرج من بيته ويأتي.
هاي الفكرة إذا فهمتها ستنحل عندك عقد في موضوع الخبر والإنشاء، عشان هيك أنا عم بركز عليها، لأن البعض كثير من الطلاب تشكل عليهم قضية الخبر عن المستقبل، أنه بيجي بقول لك: سيأتي زيد، الأخبار عن المستقبل كيف يمكن يعني؟ لماذا تجعلونه خبرا ولا تجعلونه إنشاء؟
ممتاز، لماذا تجعلونه خبرا ولا تجعلونه إنشاء؟ يعني شو الفرق بين سيأتي زيد واضرب زيد؟ يعني بدي إياك أشوف من فيهم الكلام، شو الفرق بين سيأتي زيد واضرب زيد؟ اضرب زيد، ما معنى هذه الجملة؟
لا لا مش معناها هيك، ركز هون، التركيز في التعبير هو الذي يوضح لك الإشكال. لما أقول لك: اضرب زيد، ما معنى هذه الجملة؟ أحسنت، أطلب منك ضرب. هذا معناها، هنا أنا لا أخبر عن شيء موجود في الخارج.
لما أقول لك: اضرب زيد، هل أنا أخبر عن شيء موجود في الخارج؟ لا، اضرب زيد أطلب منك ضرب زيد، فهنا المعنى نشأ بسبب الألفاظ، ممتاز. لما أقول، أما لما أقول لك: سأضرب زيدا.
اضرب زيد، أنتم اتفقتم معي، معناها أطلب منك الضرب، بالتالي هذا المعنى أطلب منك الضرب نشأ من وين يا شيخ؟ هذا ليس شيء موجود في الخارج، هذا نشا من خلال اللفظ، استعماله للفظ أنشأ هذا المعنى. لكن لما أقول لك: سأضرب زيد.
أستفهم عن قدوم زيد، هذا معناها أستفهم عن قدوم زيد، هل هو شيء موجود في الخارج أنا عم بخبر عنه ولا لا؟ هو شيء نشأ بسبب الألفاظ؟ شيء نشأ بسبب الألفاظ؟ فهمتم؟
بالتالي أهم جزئية تفهمها في قضية التفريق بين الخبر والإنشاء، أن الخبر هو معنى موجود في الخارج، أما فعلا إذا كنت أخبر عن الماضي، أو قوة إذا كنت أخبر عن المستقبل، وهنا هكذا تكتب في الخبر، المعنى منفصل عن اللفظ، يعني ليس اللفظ هو الذي أنشأ المعنى، المعنى موجود في الخارج فعلا أو بالقوة، واللفظ جاء ليخبر عنه.
أما في الإنشاء لا، المعنى نشأ بسبب كلمة بسبب، حط تحتها أربع خطوط ولا تنساها في حياتك، المعنى نشأ بسبب اللفظ، يعني تلفظك هو اللي أنشأ العقد، تلفظك هو اللي أنشأ الاستفهام، تلفظك هو اللي أنشأ التمني، هو اللي أنشأ الطلب، هو اللي أنشأ، مش هذه معاني موجودة في الخارج أنت أخبرت عنها؟ ممتاز.
وضحت الفكرة أحباب الكرام؟ ممتاز. لا، التمني أخي الكريم هو أكيد هو معنى، لكن أنت لما قلت: ليت الشباب يعود يوما، التمني هو هذا، هذا تمني نشأ بسبب الألفاظ، هو حتى سواء الخبر أو إنشاء هي معاني موجودة في الذكر، لكن هي الفكرة أخي الكريم، أن التمني ليس معنى موجودا في الخارج أنت أخبرت عنه.
لو قلت: تمنيت أنا أن يحصل كذا وكذا، هنا أنت تخبر إيه عن شيء وقع في قلبك، لكن لما أنت الآن تنشئ، تقول: ليت محمدا يأتي، هون مش عم تخبر عن شيء في نفسك، لا لا، هنا أنت الآن الآن عم تنشئ تمني، فرق بين أن أقول: تمنيت قدوم زيد، تمنيت أخبر عن شيء أنه أنا والله كان في عندي كذا لأخبر عن فعلا عن شيء معنى منفصل أخبر عنه أنه وقع في نفسي، وبين أن أقول: ليت زيدا يأتي.
لما تقول: ليت زيدا يأتي، التمني نشأ بسبب اللفظ، ففرق بين أن تخبر أنك تمنيت، وبين أن تنشئ التمني الآن. الأخبار عن التمني هذا خبر، لكن أن تنشئ التمني الآن هذا إنشاء، فهمت الفرق بينهما؟
طيب، في حدا عنده سؤال حوالين هذه الفكرة مشايخ؟ لأنه مهمة جدا، خاصة قضية الأخبار عن المستقبل، لأنه بعض الناس يعني يخطئ فيها، يقول لك: الأخبار عن المستقبل هذا من قبيل الإنشاء، لا.
نيجي الآن على تعريف الخبر، ماذا قال؟ محتمل للصدق والكذب الخبر، وغيره الإنشاء ولا ثالث قرر. طبعا أنا هنا ذكرت تعريف الخبر بهذه الطريقه والإنشاء حتى تفهموه وتفهم هذه الفروق، الآن إلى التعاريف الدارجة للخبر، فنقول: الخبر هو، خليني أكون عفوا الخبر، أنت دائما نقول الكلام ينقسم إلى ماذا؟ إلى خبر وإنشاء، فلما بالتالي بدك تعرف الخبر شو بتقول؟ بدك تأخذ الكلام جنس في التعريف، الخبر كلام محتمل للصدق والكذب بذاته، بدي أزيد كلمة بذاته هنا.
نيجي الآن على تعريف الخبر، الخبر ما تعريفه؟ كلام، أي كلام يحتمل الصدق والكذب. شو يعني يحتمل الصدق والكذب فهمتوها؟ يعني يجوز أن تقول للمتكلم به: أنت صادق أو أنت كاذب، ممتاز.
الآن ستحدث معركة كبيرة، سألاحظ البعض الآن في تحديد ما هو معيار الصدق وما هو تحديد ما هو معيار الكذب. الآن معركة كبيرة ستحدث، خليها الآن، بس خلينا الآن ناخذ التعريف، كل كلام يمكن أن تقول للمتكلم به: أنت صادق أو أنت كاذب، هذا كلام يسمى ماذا؟ خبرا.
في المقابل الكلام الذي لا يجوز أن تقول لصاحبه: أنت صادق أو كاذب، لا يصح منطقيا وعقليا، هذا يسمى ماذا؟ إنشاء، ممتاز.
وأصلا فكرة الصدق والكذب هي مبنية على الفكرة اللي قلتها قبل شوي، يعني ليش الخبر يجوز أن أقول لصاحبه: صدقت أو كذبت؟ لأنه في معنى خارجي زي ما حكينا، وأرى هل لفظه مطابق للمعنى الخارجي ولا غير مطابق؟ فإذا كان لفظه مطابق للمعنى الخارجي فهو صادق، وإذا كان غير مطابق فهو كاذب.
لكن الإنشاء لماذا لا يجوز أن أقول للمتكلم به: صدقت أو كذبت؟ لأن المعنى هو نشأ بسبب اللفظ، فلا يجوز أن أقول: والله صدقت في هذا اللفظ أو كذبت في هذا اللفظ، ليه؟ لأنه هو أصلا اللفظ هو الذي أنشأ المعنى، فبناء على إيش بتقول لي صدقت أو كذبت؟ لا يصلح، اللفظ نشأ، أنا أنشأت اللفظ هو الذي أنشأ المعنى، بالتالي لا تستطيع أن تقول لأنني صدقت أو كذبت.
لكن في الخبر لا، المعنى موجود إما بالفعل وإما بالقوة، وأنا أريد أن أتي بلفظ يعبر عن هذا المعنى، فيمكن تقول والله لفظك مطابق للواقع أو غير مطابق للواقع.
طيب، لو سالتكم سؤال، لما نقول الكلام الخبر هو كلام يحتمل الصدق والكذب، هل كلام الله وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم داخلين تحت تعريف الخبر بهذا الصوت تصور؟
ايوه، الآن لما نقول الخبر هو كل كلام يحتمل الصدق والكذب، الآيات القرآنية كثير منها أخبار صحيح عن الأمم الماضية وما شابه ذلك، الآن الخبر من حيث هو خبر بذاته، بذاته طبيعته أنه يحتمل الصدق والكذب، فهو هذا التعريف هو تعريف للخبر باعتبار ذاته، ليه؟ لأنه أحيانا قد تاتي قرائن خارجية تجعل هذا الخبر لا يمكن أن يكون كاذبا، ويكون صادقا مئة بالمئة. فنقول: الخبر باعتباره خبرا بحد ذاته، بحد ذاته دون النظر لأي أمر خارجي عن طبيعة المتكلم، الخبر بطبيعته نعم يحتمل الصدق والكذب.
طب الآيات القرآنية الأحاديث النبوية؟ نقول الآيات القرآنية أو الأخبار القرآنية هي لا تحتمل الكذب، ليس بذاتها، بل لأن المتكلم بها هو الله سبحانه وتعالى. أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأخباره، أخباره هي لا تحتمل الكذب، ليس لطبيعة الخبر بحد ذاته بل لأنه ماذا؟ صدر من النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوما أن الله سبحانه جل أن يخطئ أو يكذب، وأن نبيه صلى الله عليه وسلم جل عن ذلك.
فنحن إذا الخبر القراني والخبر النبوي كله خبر بحد ذاته، لذلك زدنا قيد بذاته، أي كلام يحتمل الصدق والكذب لذاته فهو خبر، فالآيات والأحاديث من حيث ذات ذاتها لو بدي أغض النظر عن المتكلم بها هي الأصل تخضع لهذا القانون، ومن هنا كانت أخبار.
لكنني جزمت بالصدق فيها ونفيت احتمال الكذب تماما من جهة خارجية، ليس من باعتبارها خبرا، بل باعتبار المتكلم بها أنه لا يمكن أن يكذب. ففرق بين أن نقول أن هذا الكلام محتمل للصدق والكذب باعتبار ذاته، وبين أن نقول إنه لا يمكن أن يكذب لاعتبار شيئا خارجي.
فأخبار الله وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم داخل تحت هذا التعريف للخبر من باب العام، وإن كنا نسجم صدق الله وصدق رسوله، فهذا من جهة خارجية. واضح؟
طيب، إذا كلام محتمل والكذب بذاته بعضنا هذا التعريف سنبدا الآن في معركة كبيرة حدثت بين النظار في ما هو ضابط الصدق وما هو ضابط الكذب. فماذا قال عليه رحمه الله؟ قال: إذا محتمل للصدق والكذب الخبر، وغيره الإنشاء ولا ثالث قرر.
فهمناه أنه لا يوجد شيء ثالث على الصحيح من كلام البيانيين والنحويين، أن القسم ثنائية. ثم قال: تطابق الواقع صدق الخبر، وكذبه عدمه في الأشهر، وقيل بل تطابق اعتقاده ولو خطا، والكذب في افتقاده ففاقد اعتقاده لديه وسطه.
وقيل لا، عليه الجاحظ، الصدق الذي يطابق معتقدا وواقعا يوافقوه، وفاقد مع اعتقاده الكذب، وغير ذلك بصدق لو كذب. ووافق الراغب في القسمين، ووصف الثالثة بالوصفين.
تمام هو الكلام سهل إن شاء الله يشرح. الآن قلنا شو تعريف الخبر؟ كلام محتمل للصدق، أي كلام يجوز أن تقول لصاحبه: صدقت أو كذبت، فهذا خبر.
الآن وقع خلاف بين النظار فيما هو ضابط الصدق والكذب، يعني متى أقول لهذا الشخص أنك صدقت ومتى أقول له أنك كذبت؟ هناك أربعة أقوال: القول الأول قول الجمهور المشهور، القول الثاني قول النظام من المعتزلة، القول الثالث قول الجاحظ من المعتزلة، القول الرابع قول الراغب الأصفهاني عليه رحمه الله. فهؤلاء أربعة أقوال: رأي الجمهور، رأي النظام، رأي الجاحظ، رأي الراغب.
جيب لي هذه الكاميرا. إذا عندنا ثنا أربعة آراء: الجمهور، النظام، الجاحظ، وأخيرا الراغب.
الجمهور هو مشير على القول الأسهل المتبادل إلى أذهانكم، أنه أن نقول هذا الخبر صادق باعتبار موافقته لأيش؟ للواقع الخارجي، صح؟ ويكون كاذبا إذا ماذا؟ إذا خالف الواقع الخارجي.
فالجمهور جعلوا ضابط الصدق والكذب موافقة الواقع الخارجي أو مخالفته. الضابط عندهم موافقة الواقع الخارجي أو مخالفته، قالوا هذا هو ضابط الصدق والكذب.
طيب، إيش معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أنك إذا قلت: جاء زيد، ما معنى جاء؟ متى نقول جاء زيد صادقة؟ إذا كانت مطابقة للواقع الخارجي، صح؟ متى نقول جاء زيد كاذبة؟ بغض النظر عن اعتقاد المتكلم، بغض النظر عن ماذا؟ عن اعتقاد المتكلم، يعني أنا لما أحكم أن هذه الجملة صادقة أو كاذبة، أنا أحكم باعتبار ماذا؟ مطابقتها للواقع الخارجي أو عدم مطابقتها للواقع الخارجي، بغض النظر عن الاعتقاد.
كيف يعني؟ لو أنا في الداخل في نفسي أعتقد أن زيد لم يأت، ممتاز، أعتقد، ليش بعتقد؟ زيد لم يأت لكني شو قلت؟ قلت: جاء زيد. وقدر الله أن زيد فعلا يكون أتى.
هذه الجملة هل هي صادقة أو كاذبة؟ الآن تخيلت الوضع؟ أنا أعتقد أنه زيد لم يأت، بس حبيت أعمل لي مع الشباب وكذبت عليهم وقلت لهم: جاء زيد. وقدر الله يكون زيد وأنا مش داري، الآن جاء زيد، هل هي صدق أو كذب؟ على قول الجمهور صدق، وإن كنت أنا في الداخل ما كنت أعتقد ذلك، ليه؟ لأن العبرة
إن هذا صادق أو كاذب ليس اعتقادي أنا، وإنما الواقع الخارجي. إذا الكلام الجملة التي تكلمت فيها مطابقة للواقع الخارجي فهي صادقة حتى ولو اعتقدت خلافها، وإذا كانت غير مطابقة للواقع الخارجي فهي ماذا؟ فهي كاذبة ولو اعتقدت صوابي. يعني أنا بعتقد إنه زيد جاء هيك كنت بعتقد فقلت جاء زيد، ممتاز، اكتشفنا إنه زيد لم يأتِ، كاذبة ولا صادقة؟ كاذبة لمخالفتها للواقع.
فإذن رأي الجمهور أن العبرة في الحكم أن هذا صدق أو كذب إنما هو ماذا أحبابي؟ هل الكلام مطابق للواقع ولا غير مطابق للواقع الخارجي بغض النظر عن المتكلم، بغض النظر عن المتكلم ماذا يعتقد؟
هؤلاء يستدلّون بأدلة، من أشهر أدلتهم كما قال السبكي قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [التوبة: 8]. السبكي اللي هو بهاء الدين السبكي وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين، نقول أشهر أدلة هؤلاء قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [التوبة: 8]. الله عز وجل يخبر أنه يوم القيامة سياتي سياتي، صحيح طب لماذا سياتي؟ لمقاصد عديدة ومنها أن يعلم الكفار أنهم كانوا كاذبين في كل شيء أخبره به في أمور الأديان. طيب، كاذبين في ماذا يعني؟ وصف كلام الكفار بأنه كذب، كذب باعتباري أنه مخالف لاعتقادهم ولا باعتبار أنه مخالف للواقع؟ أحسنت، لأن الكفار لا، بعض الكفار قد يخبر أن الله ثالث ثلاثة والعياذ بالله وهو يعتقد صحة ذلك، لكن كلامه الله عز وجل يقول إنه كذب، فكلامه كذب باعتبار أنه مخالف لاعتقاده ولا مخالف للواقع؟ مخالف للواقع.
كثير من أصحاب الديانات المحرّفة يعتقد أشياء ويؤمن بها ويتنفّذ بها، فكلامه مطابق لاعتقاده لكنه كذب باعتباري ماذا؟ أنه مخالف للواقع. فهذه من أقوى الأدلة التي تدل على أن معيار الكذب أو الصدق هي مطابقة الواقع أو مخالفة الواقع بغض النظر أنت ماذا تعتقد؟
مما استدل به أيضاً قوله تعالى صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». من كذب علي ايش؟ متعمداً. قالوا هذا يدل على أن الكذب ينقسم إلى كذب متعمد وكذب ماذا؟ غير متعمد، يعني أنت أصلاً لم تقصده. طب إذا كان الكذب ينقسم إلى متعمد وغير متعمد، إذا ما هو معيار الكذب؟ الواقع. ليه؟ أنت الآن الكذب هو مخالفتك للواقع. الآن إذا تعمدت الإخبار عن شيء مخالف للواقع وانت تعلم أنه مخالف للواقع فهذا كذب متعمد، وإذا أخبرت عن النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء ليس في الواقع لكنك أنت لا تعرف ذلك ولا تقصده فبالتالي لا تدخل تحت الوعيد. فتقسيم الكذب إلى كذب متعمد من كذب علي متعمداً إذاً واضح أن هناك كذب متعمد وكذب غير متعمد.
طب ما هو الكذب المتعمد؟ أن أخبر بخلاف الواقع وأنا أعلم أنه خلاف الواقع. والكذب غير المتعمد؟ أن أخبر بخلاف الواقع عنه صلى الله عليه وسلم وأنا ظننت أنه الأمر بخلاف ذلك. فهذا الحديث أيضاً من الأحاديث التي تشهد لأصحاب الرأي الأول أن الكذب والصدق معياره هل اللفظة مطابقة للواقع أو غير مطابقة للواقع.
ممتاز، نجي على القول الثاني. القول الثاني قول مين؟ قول النظام من المعتزلة. النظّام يرى أن ضابط الصدق والكذب مش الواقع، وإنما هو ماذا؟ الاعتقاد، اعتقاد المتكلم. شو بحكي النظّام؟ بيقول: الذي يتكلم بكلام وهو معتقد به فكلامه صادق ولو كان مخالفا للواقع، والذي يتكلم بكلام وهو لا يعتقده فكلامه كاذب ولو كان موافقا لايش للواقع.
وهذا حقيقة قول مشكل جداً. يعني الكفار الذين يقولون إن الله ثالث ثلاثة على رأي النظام سيُصف كلامهم بأنه ماذا؟ صادق؛ لأنهم يعتقدون ذلك وإن كان مخالفاً للواقع. وأما الذي يقول إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يعتقد ذلك -واحد منافق يقول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم- ممتاز وهو لا يعتقد ذلك، كلامه هذا سيعتبر ماذا؟ كاذب، وإن كان مطابقاً للواقع، يعني جملة إن محمداً رسول الله من حيث الواقع مطابقة للواقع ولا لا؟ مطابقة. من حيث اعتقاد هذا المنافق؟ غير مطابق. فعلى رأي النظّام سيكون هذا الكلام أو هذه الجمله كاذبة لأن المتكلم لا يعتقده.
فالنظام إذاً جعل المعيارية في قضية أن الصدق والكذب هو اعتقاد المتكلم وليس ماذا؟ الواقع الخارجي. فهمتم؟ وهذا عكس الأمور تماماً. تفضل جيب الكاميرا مهند اه.
طيب، شو هذا؟ لا، هي الفكرة مش بكلمة، الفكرة المعيارية النظام مش بذاته يعني حتى أنت ممكن تحذفها الجمهور ما عندي مشكله في كلمة بذاته، وإنما العبرة في ماذا؟ في طريقة تفكيره، في ضابط الصدق والكذب، هل معيار الصدق والكذب الواقع الخارجي أو معيار اعتقاد المتكلم؟ فالنظام جعل الاعتبار ماذا؟ اعتقاد المتكلم. وهذا كلام حقيقة فاسد لا يصلح أن يجعل معياراً للحكم على الكلام بالصدق والكذب.
الآن من أشهر الأدلة التي استدل بها طبعا، طيب قبل أن ندخل في الأدلة التي استدل بها، هناك قضية: هل هناك على رأي النظام أيها النظام؟ على رأي النظام إذا أنا أخبرت بكلام مطابق لاعتقادي بكون كلامي ايش؟ صادقاً، وإذا أنا أخبرت بكلام مخالف لاعتقادي كلامي، طب هناك حالة ثالثة: إذا أخبرتنا بكلام ولا يوجد اعتقاد عندي لا هنا ولا هنا، اللي بيسموه هذا الساذج، اللي هو يخبر بجمله وهو لا يعرف هل هي كذا ولا كذا ما عنده اعتقاد.
فهل هذه تعتبر حالة وسط ثالثة؟ وبالتالي هذه الجملة الجملة التي تصدر من الساذج الذي لا يملك اعتقاداً شو بدك تسميها؟ الصدق عندك اللي بيكون كلامه مطابق لاعتقاده فهمت، والكاذب اللي بيكون كلامه مخالف لاعتقاده. طب الساذج اللي ما عندوش اعتقاد جملته بماذا ستصفها؟ هل ستصفها بأنها صادقة ولا كاذبة؟ هذا إشكال. فقيل هناك قولان، يعني هناك من قال إن النظام يثبت وجود جمل لا توصف بالصدق ولا بالكذب وهي كل جملة تصدر من ساذج. قيل إن النظام يرى هذا، أن الكلام أن الخبر قد يكون صادقاً وقد يكون كاذباً وهناك حالة ثالثة وهو الخبر غير الصادق ولا كاذب وهو الخبر الذي يصدر ممن؟ من الساذج الذي لا يملك اعتقاد أصلاً لا هنا ولا هنا.
وقيل لا، قيل النظام يرى أن الكلام الذي يصدر من شخص لا اعتقاد له يعتبر من قبيل الكذب. وقيل إن النظام يرى ماذا؟ أن الكلام الذي يصدر من شخص لا اعتقاد له يعتبر من قبيل ماذا؟ الكذب. فاختلفوا إذاً هل النظام يرى القسمة ثلاثية: صدق وكذب وحالة ثالثة؟ أم يرى أن الساذج الذي لا اعتقاد له هو يدخل تحت الكذب؟ فيصبح الكذب يشمل صورتين: من يكون كلامه مخالف لاعتقاده ومن يكون الاعتقاد له كلاهما يكون مندرجاً تحت الكذب. وهذا قال له السيوطي في قوله ماذا في المنظومة عندكم:
وقيل وقيل الرأي الثاني يعني هو هذا كلام النظّام وقيل قول النظّام وقيل بل تطابق اعتقاده (يعني قال النظّام الصدق والكذب معياره تطابق الاعتقاد) وقيل بل تطابق اعتقاده ولو خطأ أي ولو كان مخالفاً للواقع. عشان والله خطأ المراد بالخطأ هنا ولو كان مخالفاً للواقع (قيل الصدق هو مطابقه الاعتقاد ولو كان الاعتقاد خطأً يعني مخالفاً للواقع).
والكذب ما هو على رأي النظّام؟ في افتقاده، عبّر بكلمة الافتقاد وكلمة الافتقاد تشمل ماذا؟ تشمل أن يكون اعتقادك مخالفاً لكلامك وتُشمل أيضاً ماذا أن تكون ساذجاً ما عندك اعتقاد أصلاً لذلك أشار إلى الخلاف قال:
فقاقد اعتقاده لديه (لديه يعود الضمير على النظّام يعني الإنسان الذي لا يملك اعتقاداً لا هنا ولا هنا) واسطة (واسطة يعني رأي ثالث) وقيل لا عليه واسطة وقيل لا عليه تمام.
وقيل لا علي هنا السيوطي قال كما قلت لكم وقيل لا عليه أي أنه يدخل تحت الكذب أنه يدخل تحت الكذب. فإذَن هذان البيتان يتعلقان بالنظام وقيل اللي قال هو النظام قال: ضابط الصدق مطابقه الاعتقاد ولو كان الاعتقاد خطأً مخالفاً للواقع والكذب في ماذا؟ في أن يكون مخالفة الاعتقاد للكلام أن يكون اعتقادك مخالفاً للكلام.
ثم وقع خلاف في الساذج الذي لا يمتلك أي اعتقاد قال: ففاقد اعتقاده (يعني الساذج الذي لا يملك أي اعتقاد) قيل واسطة، واسطة يعني لا يوصَفوا بالصدق ولا بالكذب. وقيل لا عليه، وقيل لا عليه. قال السيوطي في شرحه أنه أراد بذلك أنه يدخل تحت الكذب. قال السيوطي أنه قال يدخل تحت الكذب تمام، لأنه خلاص فاقد الاعتقاد كحكم من خالف اعتقاده لكلامه، الذي لا يملك اعتقاد هو في من قال في اعتقاده كلامه.
طيب، الآن أشهر الأدلة. ايش قال أبو بكر إن كان قال ذلك؟ ما معنى الصدق هنا؟ مطابقه الواقع يعني أن إن حدث بذلك فكلامه صدق والمراد بالصدق. تمام، بس هو أنا بيهمني الكلام اللي صدر منه الخبر الذي صدر منه هل هو مطابق للقضية أنه اعتقد أنه ما اعتقد؟ هذا شبه من الله يعني ليس له علاقه ببحثنا ببحثنا، أنه لما قال إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قال ذلك فقد صدق هذا باعتبار الواقع يعني فقد صدق واقعاً مئة بالمئة أن كلامه مطابق للواقع ولا يمكن أن يكون مخالفة، مش قال فقد صدق يعني وافق اعتقادي؟ لا، الصدق هنا مطابقه الواقع.
الآن ما استدل به النظام وما نصره: قوله نشهد أنك لرسول الله عفواً لا والله يشهد أن المنافقين لكاذبون في سورة المنافقون. إذا جاءك المنافقون قالوا ايش؟ قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم انك لرسوله والله يشهد أن المنافقين لكاذبون. الآن خلينا نشوف هدول الآيتين أو هي نفس الآية وماذا قالوا؟ نشهد أنك لرسول الله. الله بماذا ختم؟ والله يشهد أن المنافقين لكاذبون وصفهم الكذب وصف بماذا؟ بالكذب ممتاز.
فماذا قال النظام؟ قال الله وصف المنافقين بالكذب مع أنهم ماذا قالوا؟ انك لرسول الله. شوف كيف فهمها النظام حتى نعرف كيف نرد؟ هو يقول: الله وصف المنافقين بماذا؟ بالكذب. قال كذبتم في كلامكم. طب هم ايش قالوا؟ انك لرسول الله. طب انك لرسول الله من حيث الواقع صدق ولا كذب؟ صدق. طب كيف يصرف الله المنافقين بالكذب مع أنهم قالوا كلاماً مطابقاً للواقع؟ شفتوا شو يقول؟ قال: إذا وصفهم بالكذب لأنهم لم يكونوا يعتقدونها. فهمتم؟ لما قالوا انك لرسول الله لم يكونوا يعتقدونها فوصفهم بالكذب لأن كلامهم مخالف لاعتقادهم وإن كان مطابقاً للواقع فدل هذا على أن معيار الكذب والصدق هو الاعتقاد وليس الواقع الخارجي.
فالآن ناتي إليكم رعاكم الله، كيف نرد على هذا الكلام؟ آه يا عبد الرحمن. طيب طيب، شو دخل هذا؟ من الواثق، الله عز وجل وصف النبي. ممتاز، طب وصفهم بالكذب قال وصف جملتهم بالكذب تمام. طب كيف هي كاذبة يعني مع أنها مطابقة للواقع؟ انك لرسول الله بشيء مطابقاً الواقع. لا كيف انك لرسول الله مطابقاً الواقع يعني خارج نطاق الآية يا شيخ ناصر يعني أنا بدي الله عز وجل قال إنكم كاذبون في هذه العبارة. هسه إحن مع الجمهور إحن بدنا نخلصكم نمشي الأمور أن العبرة بالصدق والكذب هو الواقع. كيف يمكن فهم الكذب في هذه الجملة وأنه باعتبار الواقع وليس باعتبار الاعتقاد؟
تمام، في هذه الجملة نشهد أنك لرسول الله سريعاً. الآن هو التكذيب هنا للعبارة، هسه هو والله الكاذبون هو وصف لإخبار معين أنه كذب وهذا خطأ، لا. التكذيب لنشهد، وشهادتكم مخالفة للواقع العملي لكم، فمن هنا وقع التكذيب، وبالتالي عدنا إلى القول الأول أن العبرة بالواقع وليس بالاعتقاد.
الرأي الثالث رأي الجاحظ. قال السيوطي: الجاحظ كل الذي يطابق معتقداً وواقعاً يوافقه. الجاحظ أجرى رأي أصعب وأصعب. الجاحظ عمل لها حفلة، الجاحظ قال: يا عمي الكلام الصدق هو مطابقه الاعتقاد زائد الواقع، والكذب مخالفة الاعتقاد زائد مخالفة الواقع. فالجاحظ قال: الجملة لا تكون صادقة حتى توافق اعتقاد المتكلم زائد موافقتها للواقع تمام، ولا تكون كاذبة حتى تكون مخالفة للواقع ومخالفة للاعتقاد يعني جاء زيد، متى تكون صادقة عند الجاحظ؟ إذا وافق اعتقادك وافق الواقع. ومتى تكون كاذبة؟ إذا خالفت اعتقادك وخالفت الواقع.
طيب إذا حدث أحد الأمرين، يعني إذا كانت مخالفة لاعتقادي لكنها مطابقة للواقع أو العكس إذا كانت موافقة لاعتقادي لكنها مخالفة للواقع أو أو كانت موافقة للواقع وأنا ساذج أو مخالفة للواقع وأنا ساذج، شايفين هذه الأربع أحوال؟ ما عالجها الجاحظ ابتداءً غير نقول أو ابتداءً نحن لم عالجها أنه احنا قلنا مطابقه الاعتقاد زائد الواقع عنده صدق، مخالفة الاعتقاد زائد مخالفة الواقع كذب.
طب في أربع احتمالات عقلية أخرى ما أمورتهاش: أن يكون مخالف للاعتقاد لكنه مطابق للواقع، والعكس أن يكون مطابق للاعتقاد لكنه مخالف للواقع، ومطابق للاعتقاد وأنا ساذج، مخالف للاعتقاد وأنا ساذج (يعني ساذج)، هاي الأمور الأربعة شو وضعها عند الجاحظ؟ قال هذه كلها وسائط لا توصف لا بالصدق ولا بالكذب.
بماذا استدل؟ استدل الجاحظ بآية في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: 8]. طبعا هذه الآية تدل على جملة رأي الجاحظ لا تدل على تفاصيله هذه الآية يرى الجاحظ أنها تدل على أن القسم الثلاثية (يعني الجاحظ يرد على الجمهور، الجمهور قادر القسمه ايش ثنائيه مطابق للواقع وغير مطابق فالكلام يا صادق يا كاذب عند الجمهور ما فيش حل ثالث صح؟ عنده الجمهور الكلام يا صادق يا كاذب).
الجاحظ قال لك لا، القسمه ليست ثنائية بل ثلاثية. قلنا له شو دليلك؟ قال الله عز وجل يقول في سورة سبأ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: 8]. إذا شو بقول الجاحظ؟ بقول هل كان كفار قريش يصدقون النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، فاذا وهم كانوا يعتبرون غير صادق. طيب لما اعتبروه غير صادق.
غير صادق كلامه ليس صدقا، كلامه ليس صدقا. ووضع الكفار احتمالين: احتمال أن يكون افترى على الله كذبا، أو احتمال أن يكون به جنة. بالتالي صارت القسمة ثلاثية، بقول لك الجاحظ: يا صادق الإنسان -وهم لم يكونوا يعتقدونه صادقا- يا كاذب، يا نوع ثالث به جنة، إلا هو الساذج وغيره وما شابه ذلك. فهمتم كيف راها؟ قال لك: كفار قريش لم يكونوا يعتقدون صدقه صلى الله عليه وسلم.
طيب، بالتالي هم اعتقدوا فيه أحد أمرين؛ أما أن يكون كاذبا افترى على الله كذبا، أو أن يكون ماذا؟ به جنة. بالتالي إذا يقول الجاحظ بناء على هاي الآية: في هناك حالة ثالثة ليست صدقا ولا كذبا، وهو الأساس الذي أريد أن أثبت أن هناك حالا للكلام لا يوصف بصدق ولا بكذب.
طيب، كيف بدنا نرد على الجاحظ في تفسيره أو في فهمه لهذه الآية؟ فهمت الآن شو وجهة نظر الجاحظ؟ نعم. الآن الجاحظ شو يقول: افترى على الله كذبا أم به جنة؟ فالكفار قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم -حاشاه صلى الله عليه وسلم عما يقولون- الكفار قالوا: محمد صلى الله عليه وسلم أحد أمرين في كلامه؛ يا كلامه كلام كذب، يا كلامه كلام به جنة. الشك مع هذه الآية: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: 8]، طبعا هذا فهمه هو: افترى على الله كذبا أم به جنة. قالوا: هذا كلامه ليس صدقا بالنسبة لنا، طب إيش وضعه؟ قال: أما هو كلام كذب، أو كلام به جنة. شو صار؟ اختفت.
فهمتم الآن وجه الاشكال عرفت؟ فهو جعلوا جعلوا القسمة ثلاثية: يا صادق، يا كاذب، يا به جنة. فاحنا ايش بنقول اخواني الكرام، مين يتأمل في الآية سريعا فاعطينا هيك... عليه الصلاة والسلام.
طيب، الفكرة لما نقول افترى على الله كذبا، الافتراء هو تعمد الكذب. زي قضية قبل شوي: من كذب علي متعمدا؛ فالافتراء هو تعمد الكذب، فكانهم أصلا أرادوا أن يقولوا زي ما قال الشيخ ناصر: كفار قريش يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم كذب على الله حاشاه، يقولون إنه كذب، لكنهم شكوا: هل كذبه متعمد عن افتراء، أم لجنون وقع في عقله؟ فهمتم؟ فنقول إذاً: افترى على الله كذبا؛ يعني تعمد الكذب على الله، أم هو كذب لكن ليس تعمدا بل لجنه، للوثة حدثت في عقله؟ فهم يرون القسمة ثنائية. كلامكم مش صحيح، كلام الجاحظ ما هو صحيح، هم يرون القسمة الثنائية صدق وكذب، لكنهم يقولون: الكذب دواعيه مختلفة، فقد يكون بسبب جنة وغفلة، وقد يكون بسبب ماذا افتراء وتعمد وما شابه ذلك. فطريقة نظر الجاحظ للآية ليست بالسديدة أن القسمة ثلاثية صدق وكذب وشيء ثالث، لا، الكذب له أسباب متعددة، فهذا هو الفهم الصحيح.
طيب، بقي علينا القول الرابع. القول الرابع والأخير قول الراغب الأصفهاني؛ شوفوا الراغب الأصفهاني زيه زي الجاحظ، بس اختلفوا في جزئية بسيطة، احنا قلنا الجاحظ ماذا قال؟ الجاحظ والراغب خلينا نحطهم جنب بعض بالأمانة. شرحت الجاحظ، قال: مطابقه الاعتقاد زائد مطابقه الواقع، هذه ايش بنسميها؟ صدق. طيب، مخالفه الاعتقاد زائد مخالفه الواقع، كذب.
ثم في أربعة وسائط صح؟ اللي هي مطابقه اعتقاد زائد مخالف واقع، عكسها مخالفه اعتقاد زائد مطابق واقع. مطابق اعتقاد زائد ساذج، مخالفه اعتقاد زائد مطابق واقع... العب فيها بلاش تخرب خلص، لأنه حاسس مطابقه الواقع هاي الأربعة قلنا اللي هي: مطابقه اعتقاد زائد مخالف واقع، مخالفه اعتقاد زائد مطابق واقع، مطابق اعتقاد زائد ساذج، مخالفه مطابق واقع زائد ساذج. هاي الأربعة شو سماها الجاحظ؟ واسطة لا توصف بصدق ولا كذب.
الراغب قسم نفس قسمة الجاحظ، قسمها نفسها، لكن شو قال؟ قال: هذه الوسائط الأربعة لا توصف بالصدق والكذب، توصف عنده بالصدق باعتبار مقطع، والكذب باعتبار مقطع آخر. وهذا غريب! يعني نفس الكلام يمكن أن يوصف بالصدق من جهة والكذب من جهة. فقال: ما كان مطابقا للاعتقاد ومخالفا للواقع، يوصف بأنه صادق باعتبار مطابقته للاعتقاد، وهو يوصف بأنه كاذب باعتبار مخالفته للواقع. وما كان مخالفا للاعتقاد لكنه مطابق للواقع، يوصف بالكذب باعتبار مخالفة الاعتقاد، بالصدق باعتبار مطابقه الواقع. وما كان مطابقا للاعتقاد زائد ساذج، هو صدق باعتبار مطابقه الاعتقاد، وكذب باعتباره. وما كان مطابقا للواقع زائد ساذج، هو صدق باعتبار مطابقه الواقع، وكذب باعتباره ساذجا.
فالجاحظ فالراغب يرى أنه ما في اشي اسمه واسطة، حتى الوسائط هاي توصف بالصدق باعتبار جهة، والكذب باعتبار الجهة الأخرى. فهمتم؟ واضح الكلام ولا في عدم؟ الآن فهذه طريقة الراغب، فالراغب قسم نفس الجاحظ، لكنه وصف الوسائط بالصدق باعتبار مقطع والكذب باعتبار مقطع آخر.
ممتاز، بالتالي نعود. نعم، طيب. عيد عيد، ايش وين أي وحدة؟ أي مطابق واقع زائد ساذج؟ أحسنت، أحسنت، والله هذه الفكرة اللي أنا ضيعتها. أحسنت، مخالف واقع زايد... أحسنت. أجيب الكاميرا، أجيب الكاميرا هنا، لأنه أصلا مطابقة اعتقاد زائد مشابهة يعني... أحسنت، أحسنت. مخالف واقع زائد بنعدلها، مخالف واقع زائد مطابق كلام صحيح نعم. لا هسه مخالف واقع زائد على راي الأصفهاني نعم توصف بأنها -قصدك- كذب، كذب. صدقت. وأما مطابق واقع زائد ساذج، باعتبار مطابقتها للواقع تكون صادقة، وباعتبار أنه لا يملك اعتقاد تكون ماذا؟ كاذبة.
يا رب، يا رب لا اله إلا الله. لكن هذه التي هي ستجد إشكال في هذه الأخيرة حقيقة، التي هي مخالفة الواقع زائد ساذج، الأصل هذه عند الراغب الأصفهاني تكون تندرج تماما تحت ماذا؟ الكذب. صحيح هذه التي هي مخالفة الواقع زائد ساذج، الأصل أنها تندرج عنده تماما تحت صورة الكذب. هذه صورة مخالف الواقع زائد ساذج، الأصل فعلا عنده أن تكون من صورة الكذب، أنه كلها كذب باعتبار طرفيها. مع أنني أنظر أشوف السيوطي إذا علق عليها: المطابق والاعتقاد المطابق مع اعتقاد عدم المطابقة، وغير المطابق مع اعتقاد وغيره ولا اعتقاد.
قال: والقول الرابع للراغب وهو من زيادة أيضا، وهو كالجاحظ الصدق والكذب، إلا أنه قال في الصور الأربعة الواصلة: توصف بالصدق والكذب بجهتين في السطح؛ من حيث مطابقه الواقع للخارج أو الاعتقاد، وبالكذب من حيث انتفاء المطابق على الخارج أو للاعتقاد. وهذا معنى قولي: ووصف الثالثة بالوصفين.
إذا نعود عفوا فنقول: مطابق مع اعتقاد عدم المطابقة، وغير مطابق مع اعتقاد المطابقة. لا، الجاحظ اخي يرى أنك لا يوصف كلامك بأنك صادق حتى تجمع بين الوصفين، أن يكون مطابقا للاعتقاد ومطابقا للواقع، ولا يكون كلامك كذبا حتى تجمع بين الوصفين، أن يكون مخالفا للاعتقاد مخالف للاعتقاد ومخالفة الواقع. فهذه الصور الأربع تعتبر واسطة عنده، هذه تعتبر واسطة عنده، ما عنده مشكلة الجاحظ.
المشكلة ستكون عند الراغب الأصفهاني، وهذه الصورة -وهي صورة مخالفة الواقع زائد ساذج- إذا كانت هي من قبيل الكذب البحت، فالاصل إذاً أن تصنف تحت ماذا؟ أن تصنف تحت الكذب خلاص أن تكون كلها من جهتين. لذلك أنا لا أعود إلى كلام السيوطي في تعليقه على كلام الراغب لما قال: القول الراغب للراغب الأصفهاني وهو من زيادة أيضا، قال وهو كالجاحظ في الصدق والكذب إلا أنه قال في الصور الأربعة الواسطة: توصف بالصدق والكذب بجهتين؛ توصف بالصدق من حيث مطابقتها للخارج أو للاعتقاد، وبالكذب من حيث انتفاء المطابقة للخارج أو للاعتقاد. وهذا سيشمل الساذج أيضا، وهذا سيشمل الساذج.
فبالتالي صورة الساذج زائد مخالفة الواقع، فعلا الأصل أنها تندرج تحت صورة الكذب البحت، وهذا تسمع صورة من صور الكذب على رأي الراغب. وهذه فعلا تستغرب لماذا لم ينبهوا عليها، أن الأصل على رأي الراغب أن الراغب يرى الكذب بعضه هو مخالفة الواقع زائد مخالفة الاعتقاد، زائد مخالفة الاعتقاد ومخالفة الواقع زائد الساذج؛ كلتا الصورتين عند الراغب ينبغي أن تندرجا تحت الكذب. وأما الجاحظ لا، الجاحظ واضح أنه قال: الكذب لا يكون إلا بمخالفة الاعتقاد زائد مخالفة الواقع، غير هيك عنده واسطة. فهذا الإشكال سيرد على قول الراغب أنه مخالف الواقع زائد الساذج، الأصل أن يكون تحت صورة الكذب التام، وتكون صورة أخرى من صور الكذب التام. والله تعالى أجل وأعلم.
طيب، يعني هذه ننتبه لها لأن فعلا تحتاج إلىراجعة: لماذا ما وضعها تحت صورة الكذب التام؟ أو ينبغي أن توضع تحت صورة الكذب التام؟
خلوني أعلق على الأبيات حتى ينتهي المجلس، لنطيل أكثر من ذلك. قال: محتمل للصدق والكذب الخبر، وغيره الإنشاء ولا ثالث قر. ثم بين الآراء الأربعة في المسألة. قال: تطابق الواقع صدق الخبر، وكذبه وعدمه في الإشاري؛ عدم الواقع في الأشهر عند الجمهور. وقيل بل تطابق اعتقاده ولو خطأ، أي ولو كان الاعتقاد مخالفا للواقع خطأ، والكذب في افتقاده؛ ففاقد اعتقاده لديه واسطة. وقيل لا، عليهم. ثم أتى إلى قول الجاحظ فقال: الجاحظ كل الذي يطابقه معتقدا وواقعا يوافقه، وفاقد مع اعتقاده الكذب الذي يكون مخالفا للاعتقاد مع مخالفته للواقع هذا كذب، وغير ذا ليس بصدق أو كذب. يعني بالتالي الجاحظ أثبت الوساطة، أو أثبت الواسطة أنه في عندك واسطة.
ثم قال: ووافق الراغب في القسمين، يعني الراغب وافق الجاحظ في القسمين اللي هم الأولين، ما هو صدق وما هو كذب، ووصف الثالثة بالوصفين. الثالثة اللي هي الواسطة، هذه الأربعة الثالثة هي كل الوسائط الأربعة وصفها بالوصفين بالصدق والكذب؛ فمن حيث مطابقه الاعتقاد صادق، ومن حيث مخالفة الواقع كاذب، من حيث مخالفة الاعتقاد كاذب، ومن حيث مطابقه الواقع صادق. لكن عدا عندنا إشكالية في قضية مخالف الواقع زائد ساذج، هذه الأصل حقيقة أن تكون مندرجة تحت صور الكذب على طريقة الراغب الأصفهاني، وأما ما هو مطابق للواقع زائد ساذج فهذا صادق من حيث باعتباره طبقته للواقع، وكاذبا باعتباره ساذجا. والله تعالى أعلم.
إن شاء الله في المحاضره القادمة بإذن الله، نشرع في أحوال المسند الخبر؛ أول باب أوامر المعاني. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل