دخولتسجيل الدخول

الدرس 6 - أحوال الإسناد الخبري

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه قبل الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة نبينا وحبيبنا وقرة عينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، اللهم جنبنا مكاره الأخلاق والأعمال والأهواء، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

طلبة العلم في هذا المجلس العلمي المتواصل الذي نعقده في مدارسة ألفية العقود للعلامة السيوطي رحمه الله تعالى عليه في علم البلاغة، وقلنا هذه المنظومة هي اختصار لفظ لكتاب ماذا؟ لا يعرفها أن يذهب إلى منزله، تمام. مضمون لكتاب التلخيص للعلامة القزويني رحمه الله عليه، يعني معيد بطالب علم البلاغة أو بالطالب الذي يدعي أنه درس البلاغة أنه لا يعرف التلخيص، لأنه كيف ألفية ابن مالك بالنسبة للنحو كذلك التلخيص بالنسبة للبلاغة. التلخيص للقزويني هو عمدة علم البلاغة عند المتأخرين وعليه مدار التدريس، بالتالي طالب علم البلاغة خلاص ليس فقط التلخيص، عليك أن تكون مستحضراً لشروح التلخيص، ومن أبرز شروح المطول والمختصر للعلامة التفتازاني رحمه الله عليه، أيضاً عروس الأفراح تاج العروس ولكن زميل عروس الأفراح بهاء الدين السبكي أيضاً، الإيضاح للقزويني نفسه شرح كتابه التلخيص في الإيضاح.

بلغته هناك بعض الأفكار المهمة التي أريد أن، بالتالي مهم جداً أن تعرف طبيعة كتابه لمعلومات أساسية. الحمد لله مشوارنا السابع قطعنا فيه المقدمة التي وضعها السيوطي رحمه الله تعالى عن هذه المقدمة، كانت مفهوم الفصاحة، مفهوم البلاغة. عرفنا أن الفصاحة لا تعرف بتعريف واحد ابتداءً، وإنما لابد أن تقسم الفصاحة إلى فصاحة المفرد وفصاحة المركب وفصاحة المتكلم. فإذا سئلت عن تعريف الفصاحة فتقول: هل تقصد فصاحة المفرد فهذا تعريفه كذا وكذا؟ هل تقصد فصاحة المركب فهل تعرفه كذا وكذا؟ هل تقصد فصاحة المتكلم فهذا تعريفه كذا وكذا؟

كذلك البلاغة؛ البلاغة يوصف بها المتكلم والكلام فقط ولا يوصف بها المفرد كما ذكرناه الكلام البذيء ومتكلم، وبناء على ذلك تعرف بلاغة الكلام وبلاغة المتكلم. ثم تكلمنا عن قضية مراتب البلاغة وأنها إلى مراتب تصل إلى حد الإعجاز، هذا أعلاها وأسفلها هو الذي إذا بدو نزل فهذا كصوت الحيوان مصطفى.

ثم عرفنا بعد ذلك الخارطة الذهنية لعلم البلاغة، وقلنا هل علم البلاغة من حيث التحقيق هل هو فقط الثلاثة علوم؟ علم البلاغة يتطلب منك أن تحقق علم الصرف وعلم متن اللغة فضلاً عن النحو، فضلاً عن العلوم الثلاثة التي ندرسها في علم البلاغة وهي علم المعاني والبيان والبديع.

شرعنا في دراسة العلم الأول بحمد الله وهو علم المعاني، فقلنا ما تعريف علم المعاني؟ من يتذكر حافظ الأبيات؟ الأمور سهلة، الحافظ الأبيات الأمور عنده سهلة يأتي بالتعريف من خلال البيت، فنقول تعريف علم المعاني ما هو؟

علم به قد يعرف أحوال لفظ عربي يؤلف لما به تطابق لمقتضى حال وحد سال ومقتضى.

باختصار علم المعاني وهو رأس علوم البلاغة، هو العلم الذي نعرف من خلاله كيف يطابق كلامنا مقتضى الحال أو أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال، وهذه هي يعني رأس الحربة في العربية كما يقول، رأس الحربة في اللغة العربية أن تعرف كيف تأتي بكلام مطابق لمقتضى الحال. وقلنا هذا هو أساس سر الإعجاز في القرآن.

أساس الإعجاز في القرآن كما قلنا أن الله سبحانه وتعالى أتى بكلام كله مطابق لمقتضى الحال على مستوى يخرج عن قدرة البشر، أن الله عز وجل راعى ما تقتضيه الأحوال في كل كلمة من كلامه سبحانه وتعالى، والقدرة على مراعاة الأحوال على وجه التمام من أول الكلام إلى آخره على هذه الدرجة هذا خارج عن طوق البشر، لأننا في النهاية كبشر قد أطابق مقتضى الحال في 60 بالمئة، 70 بالمئة من كلامنا، 80 بالمئة، 90، 95، 99، لكن أن يكون الكلام من أوله إلى آخره مطابقاً لما تقتضيه الحال هذا في الحقيقه خارج عن طوق البشر، وهذه هي المرتبة العليا كما قلنا من البلاغة التي أجازه.

طيب إذا اخذنا تعريف علم المعاني وقلنا علم المعاني لما يدرس البلاغيون يدرسون في كم؟ ستة، سبعة، ثمانية؟ من يصوت؟ ليش يا شيخ عصام؟ علم المعاني لما يدرس يدرس فيه كم باب؟ المحاضرات السابقة هو نفسه قسمها في المقدمة في ثمانية الأبواب. ماذا قال في الأبيات؟

وفي أحوال الإسناد وفي ومسند تعلقات الفعل والقصر والإنشاء ثم الفصل والوصل والإيجاز والإطناب ونحوه تأتيك في أبوابه.

مهم جداً تحفظ إخواني، مهم جداً حتى لا تتعب نفسك لابد تحفظ، إذا لم تحفظ كما قال الرحبي: فاحفظ فكل حافظ إمامة. الإمامة في العلم لا تنال إلا على مدارك الحفظ، الحفظ جزء مهم من العملية التعليمية لا يمكن الاستغناء، فانت كما قلت قد تضبط الفكره في مجلس علم لكن مصاخب الحياة تضيع، فانت تحتاج دائما إلى حفظ، دائما يرجعك إلى المعلومة.

ثم بعد أن عرفنا أن علم المعاني يحصل في ثمانية أبواب، سنبدا اليوم إن شاء الله بدراسة الباب الأول، وهو باب ماذا؟ الإسناد الخبري. هذا أول باب الإسناد الخبري، سندرس أحواله، لذلك أحوال الإسناد الخبري يعني سندرس باختصار كيف يأتي إسناده مطابقاً لمقتضى الحال.

احنا قلنا ما هو علم المعاني؟ أليس هو العلم الذي به يعرف أحوال اللفظ التي بها نطابق مقتضى الحال؟ إذاً أنا في دراستي لأول باب من أبواب علم المعاني وهو باب الإسناد الخبري سأدرس ماذا؟ كيف يعني هذا باختصار تقريباً، كيف يكون الإسناد الخبري مطابقاً لمقتضى الحال؟ كيف يكون الإسناد الخبري مطابقاً لمقتضى الحال؟

فنبدأ قبل أن نشرع في الأبيات نقول ما معنى الإسناد؟ الإسناد لو سألتك سؤالاً: الإسناد هل هو شيء مرئي في الجملة أم هو عنصر معنوي؟ عنصر معنوي. إذاً نتفق الإسناد هو عنصر معنوي، لو اردنا أن نعرفه فنقول: الإسناد اكتبوا عندكم هو ضم كلمة إلى كلمة أخرى، كلمة إلى كلمة أخرى بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم أحدهما ثابت للأخرى. نعيد: الإسناد هو أن أضم كلمة هم يقولون هكذا ضم كلمة أو ما جرى مجراها إلى كلمة أخرى أو ما جرى مجراها بحيث يفيد هذا الضم ثبوتاً أو الحكم بأن إحدى العنصرين إحدى الكلمتين ثابته للأخرى. ايش معنى هذا الكلام؟ لما اقول زيد قائم، قد أتيت لزيد واتيت لقائم ضميتهم لبعض صح؟ ضموا كلمة إلى كلمة أخرى، هل هو ضم عشوائي؟ لا، ضم له هدف ومقصد وهو إثبات معنى إحدى الكلمتين للكلمة الأخرى.

فانا لما قلت زيد قائم هذا الانضمام ماذا أفادك أنت كسابع؟ ماذا أفدت منه؟ ثبوت القيام لزيد، صح ولا لا؟ فانا لما أتيت بكلمة زيد وكلمة هذه فلسفة العربية على ما أقول زيد قائم أو جاء زيد، أنت ماذا استفدت زيد القائم جملة اسمية أو جاء زيد جملة فعلية، أنت ماذا فعلت عندما ضممت كلمة؟ أنت أفدت السامع ثبوت معنى إحدى الكلمتين للكلمة الأخرى.

جاء زيد ماذا استفدتها أنت كسامع؟ أن هناك شخص اسمه كذلك، أن هناك شخص اسمه زيد قام بعملية المجيء. أكل زيد تفاحه، من هذا الضم أنه في شخص اسمه زيد أو محمد أو عيسى أكل تفاحه. فالضم إذاً ضم له هدف، ضم له هدف، هذا الضم هو الإسناد، هذا الضم يسمى إسناداً.

إذاً نعيد تعريف الإسناد للمرة الأخيرة: هو ضم كلمة إلى كلمة أخرى، طبعا هنا احنا بنتكلم عن الإسناد الخبري بالتحديد، خلينا نقول هو ضم كلمة أو ما جرى مجراها إلى كلمة أخرى أو ما جرى مجراه بحيث يفيد الحكم بأن مفهوم أداهما إحدى الكلمتين ثابت للكلمة الأخرى. لما قلت زيد القائم أثبت أن مفهوم القيام ثابت لزيد، ولما قلت جاء زيد أثبت أن مفهوم المجيء جاء وهكذا.

هذا هو مفهوم الإسناد، إذاً فالإسناد هو الجزء أو العنصر غير المحسوس في الكلام، صح ولا لا؟ هو الجزء المعنوي الذي أنا كسامع أفهمه ضمنياً، الذي أنا كسامع فهمته ضمنياً من وضع زيد بإزاء قائم ومن وضع جاء بإزاء زيد، حصلت على نتيجة وهو الإسناد.

ممتاز، الآن عندما يتكلم البلاغيون عن أحوال الإسناد الخبري في الحقيقة هم يتكلمون في الكتب البلاغية عن مسألتين: المساله الأولى ما يسمونها بأضرب الخبر، المسألة الثانية ما يسمى بالإسناد الحقيقي والإسناد المجازي. طيب اسمحوا لي إذا أقول للشاشة: يلا ظبطونا، وضعتنا قلماً يا رب، جاز الأمور.

عندما يتكلمون أحوال الإسناد الخبري التي يتحدثون معنا في علم البلاغة هي عبارة عن مسألتين: المسألة الأولى ما يسمى بأضرب الخبر وفي هذه المسألة سنتعلم الخبر الابتدائي والخبر الطلبي والخبر الإنكاري، هذا ما يسمى بأضرب الخبر وهو باب لذيذ وجميل ومفيد حتى في تدبر القرآن تدبر السنة النبوية. النوع الثاني أو المسألة الثانية التي يبحثون عنها: مسألة الحقيقة العقلية والمجاز العقلي.

هذه المسألة الثانية التي تبحث في ثنايا الكلام عن الإسناد الخبري، يعني كل هذا الباب الذي معنا، كل هذا الباب الذي معنا يدور حول مسألتين: مسألة أضرب الخبر وسنعرف الآن بالتفصيل ما معنا إن شاء الله بالخبر. المسألة الثانية ما هي؟ الحقيقة العقلية وما هو المجاز العقلي، يعني متى نحكم أن هذا الإسناد هو حقيقه ومتى نحكم أن هذا الإسناد مجاز؟ الآن في هناك الكلمات الحقيقية والكلمات المجازية هذاك شيء آخر، الحقيقة والمجاز كما توصف به الكلمات يوصف به الإسناد أيضاً وهذا سنكتشفه في علم البلاغة أنه الحقيقه ومجاز. هذه الكلمة تطرق اسماعكم في اللفظه على وجه الحقيقه هذه لفظه على وجه المجاز، لكن لا سنتعلم أيضاً أن حتى الإسناد هناك إسناد حقيقي وهناك إسناد مجازي، لكن اليوم خلينا نعيش رحلتنا مع الظروف.

موضوع عميق خاصه لما يدرس فيه المطولات، لكن قبل ما يشرع القزويني والسيوطي رحمه الله عليهم في المساله الأولى من مسائل أحوال الإسناد الخبري وهي أضرب الخبر، أعطونا معلومة مهمة سموها توطئة دائماً وهو: ما هي الفائدة من عملية الإخبار؟ عندما أنا كانسان متكلم أخبر شخص بمعلومة، ماذا يكون الهدف من عملية الإخوان؟ دعوني أرجع حتى نبدا بالمنظومة ونعلق على الأبيات الأولى. يقول:

الإسناد الخبري: القصد بالإخبار أن يفاد مخاطب حكماً له أفادة، أو كونه عالماً. والأول فائدة الإخبار سم وجعل لازماه الثاني. وقد ينزل عالم هذين كما قد يجهل لعدم الجري على موجبه، وما أتى لغير ذلك أول به.

ممتاز، لكنها كلمات مهمة حقيقه وتاصيليه حتى في فهم طبيعه تخاطب البشر بين بعضهم البعض. يريد أن يقول السيوطي والقزويني في التلخيص: ما هي؟ هكذا، هكذا السؤال: ما فائدة الإخبار؟ هكذا سؤال تضع عندك على الورقه: ما فائدة الإخبار؟ يعني عندما يقوم الإنسان بالإخبار عن قضية معينة لشخص آخر، أنا الآن أتيت للشيخ قلت له جاء زيد، أنا لما أقوم باخباره هذه الجمله أنا ماذا أقصد؟

تمام، يعني أنا بس بدي اياك ترتب نحن ماذا سنجيب إذا فهمت الآن السؤال إخواني حتى أريد أن أصل إليه. إذا السؤال الذي يحاول السيوطي أن يصوغه لطالب العلم أن يعرفك الإنسان البشري عندما يعطي جمله خبرية، إسناداً خبرياً، عندما أشكل إسناداً خبرياً أمام شخص متلقي أنا ماذا أقصد بالإخبار؟

ممتاز، فهمنا السؤال حتى نجيب عنه. يقولون: الإنسان أما أن يقصد إفادة السامع الحكم الموجود داخل الجملة، هذه الفائدة الأولى أو هذا هو الهدف الأول، أما أن يقصد إفادة السامع الحكم الذي تضمنته الجملة. ايش يعني؟ يعني لما قلت للشيخ جاء زيد، أما أنني أريد أن أوصل له الحكم الذي تضمنته الجملة، ما هو الحكم الذي تضمنته الجملة؟ ثبوت قيام زيد. طيب لو قلت لك لم يأت عمر، ماذا اريد هنا؟ أن أعطيه الحكم الذي تضمنته الجملة وهو عدم اتيان عمر. هذه الفائدة الأولى من فوائد الإخوان، أن يعلم المتكلم السامع بالحكم الذي تضمنته الجملة، كون السامع لا يعرف هذا الحكم مسبقاً، صح ولا لا؟

انت الآن لما تجلس أمامنا كل هذه المحاضرة من أولها إلى آخرها، كل الجمل التي أتكلم بها الأصل أنك جاهل بها صحيح، فماذا أفعل؟ أنا أعطيك أحكاماً، أقول لك ما معنى الإسناد، والإسناد أحوال الإسناد الخبري، يقسمون الكلام في خبر، هذه كلها معلومات جديدة، فأنا فعلياً من أول المحاضرة إلى آخرها الأصل أنني أعطيك أحكاماً جديدة تستفيدها لأنك كنت جاهلاً بها مسبقاً. فإذاً يقولون الفائدة الأولى من عملية الإخبار: إفادة السامع أحكاماً، أما أحكام إيجابية، ثبوت قيام زيد، ثبوت أكل كذا، أو أحكام سلبية، عدم ثبوت قيام زيد، عدم مجيء محمد وهكذا، إذاً هذا هو الشيء الأول.

الشيء الثاني الذي يمكن أن تستفيده من خلال الإخبار أو أن أقصده من خلال الإخبار: أحياناً يكون السامع يعرف المعلومة، ممتاز، لكنني أريد أن أعرفه أنني أنا أيضاً أعرف المعلومة، تمام؟ يعني أنا لا أريد أن يفهم الحكم، حكم الجملة موجود لديه مسبقاً، لكنني أريد أن يفهم ماذا؟ أو أن يعرف ماذا؟ أنني أنا كمتكلم أيضاً أعرف هذا الحكم ولست وحدك من يعرفه.

مثلاً الشيخ أنت تحفظ القرآن، صحيح الله يرضى عليك، لو قلت له أنت تحفظ القرآن، أي جملة خبرية صح؟ أنت تحفظ القرآن، يا ترى هل هو يجهل هذا الحكم؟ هو الحافظ أكيد هو يعرف ذلك، طيب أنا لما أخبرته أنت تحفظ القرآن هنا ماذا استفاد من إخباري؟ أنني أنا كإبراهيم أعرف عنه هذه المعلومة، ممتاز، أنني أنا كإبراهيم أعرف عنه هذه المعلومة أنه يحفظ القرآن. شخص قائم، تمام؟ شخص قائم، تقول له أنت قائم هذه المجتمع، أنت رايح مشوار، احنا بنحب هذه الأمور، صح ولا لا يكون؟

فائدته بالنسبة للسامع: إما أن أفيده حكم الجمله، أو أفيده أنني أنا كمتكلم أعرف هذا الحكم. ممتاز، هم يقولون هكذا؛ الإخبار أحد أمرين: إما أن أعلم السامع نفس الحكم كونه يجهل به مسبقاً هو لا يعلم الحكم مسبقاً، لكنني أقصى باخباره أن يعرف هو أنني أنا كمتكلم أيضاً عندي هذه المعلومات، هكذا يقولون.

ويسمون الأمر الأول: إعلاماً، ويسمونه: فائده الخبر. وإذا قصدت أن أُعلمه أنني أعلم الحكم، هذا يسمونه ماذا؟ لازم فائده الخبر. طيب، الآن إذا بدك تنتقل معي على الشاشة حتى نرتب الكلام ليكون الفائدة من الإخبار.

لذلك السيوطي المنظومة قصدها أو البيت الأول القصد بالإخبار ماذا يقصد المتكلم من عملية إخبار السامع؟ القصد بالإخبار أن يفاد مخاطب، المخاطب هو السامع، القصد بالإخبار أن يفاد مخاطب إما الحكم، إذاً الفائدة من الإخبار إما أفادة السامع -اللي هو بين قوسين المخاطب- حكم الجمله كونه هو جاهل به سابقاً، ممتاز.

وقد يكون كما قلنا هذا الحكم إيجابي، ثبوت قيام زي ثبوت حفظ محمد وهكذا، وقد يكون سلبي؛ عدم ثبوت قيام زيد أو عدم مجيء أمر ما وما شابه ذلك. هذه الفائدة الأولى التي تسمى أفادة السامع حكم الجمله، هذه يسمونها فائده الخبر. هكذا إذا قصد المتكلم أفادة السامع حكم الجمله لكون السامع جاهل به مسبقاً، هذا ماذا يسمونه؟ فائده الخبر.

النوع الثاني أو السبب الثاني للإخبار: أفادة السامع علم المتكلم بحكم الجمله. أفادة السامع أن المتكلم عارف بحكم الجمله، كما قلت للشيخ: أنت تحفظ القرآن. ليس أفادة له بحكم الجمله لأنه هو يعرف ذلك مسبقاً، لكنني أفدته الفائدة التي استفادها أنني أنا عندي هذه المعلومة. هذا النوع يسمونه ماذا؟ لازم فائده الخبر.

هكذا، لماذا برأيكم سموه لازم الفائدة؟ لأنني إذا أخبرتك أنك تحفظ القرآن، لزم من ذلك أنني أعرف هذه المعلومة هكذا في العقل والذهن. إذا أنا قلت للشيخ: أنت تحفظ القرآن. دماغه سيقوم بعملية تحريم أو خبرني بهذه المعلومة، إذاً يلزم من هذا أنه هو يعلم. كيف خبرني؟ سموها لازم الفائدة لأن فائدة الخبر هي حكمه، فائدة الخبر هي حكمه، فانا في الحالة الثانية لا، لا، أنا ما بدي إياه يعرف نفس الحكم لأنه هو متحصل عنده مسبقاً، أنا بدي إياه يعرف أنني أعرف، صح؟ معرفته أنني أعرف هذه لازم الفائدة وليست نفس الفائدة، ممتاز. لذلك الأول يسمونه فائده الخبر، والثاني يسمونه لازم فائده الخبر، هذا إلى هنا في أحد؟ أنتظر بس.

لذلك هم يقولون: إذا أعطيت السامع فائدة الخبر فانت تلقائيا أعطيته لازم الفائدة. يعني باختصار لو سالتك إذا قصد المخبر إفادة السامع حكم الجمله، تلقائياً سيحصل ماذا؟ حصول لازم الفائدة. لكن إذا قصد المتكلم لازم الفائدة، هل يكون قصد حكم الجمله؟ لا. يعني هذه تستلزم هذه، صح؟ لكن هذه لا تستلزم هذه.

لأني إذا أنا أعطيتك حكم الجمله إذاً أنت ستعرف حكم الجمله وستعرف لازم أنني أعرفه. لكن إذا أعطيتك اللازم أو كان قصد اللازم هذا لا يعني أنك تجهل حكم الجمله، قد يكون أنت عالم به مسبقاً. فكل من قصد إفادة حكم الجمله لابد تلقائياً أن يحصل الثاني وهو استفادة السامع أنني أعرف، لكن ليس كل من قصد إلى لازم الفائدة يكون أراد أن يعرف السامع بحكم الجمله، لأن السامع قد يكون عارف به مسبقاً. ممتاز، في حدا هنا مشايخ؟

طيب، الآن الفكرة بدي أثريها قليلاً حقيقة، لأنه لما تقرا في كتب البلاغيين عاده لما يتكلموا عن لازم الفائدة كأنهم أو يشعرونك أن لازم الفائدة هو فقط في هذه، وهو ماذا: أن يستفيد السامع أنني أعرف الحكم. طب هل لازم الفائدة محصور؟ توسيع لازم الفائدة بشكل أكبر من كذا شو رايكم؟ يعني أنا الآن أنت الآن لما تخبر شخص بشيء، هكذا بدي أسالك سؤال: لما تخبر شخص بشيء، هل فعلاً فقط أنت تخبره إما لتفيده بحكم الجمله أو لتفيده أنك تعرف حكم الجمله؟ هل فقط هذا فائدة الأخبار أم يمكن أن نستخلص فوائد أخرى للأخبار؟

اللازم مثلاً ممكن نقول: إنني أخبرت وقصدي من الإخبار أن يكون حكم الجمله عنده، وهو يعلم أنني أعرف به، لكن أحياناً ممكن أخبره خبر على سبيل التحسر، صح ولا لا؟ تمام. ألا يكون بعض الأخبار ليس مقصوده إعطاء السامع حكم الجمله هو حاصل عنده مسبقاً، وليس مقصوده أن يعلم أنني أعلم، وكل أصل هذه فكرة أحياناً هدفي أنه يعلم السامع أنني أعرف مش هالفكرة الكبيرة، لكن أحياناً قد يكون من الأخبار شيء من التحسر على شيء الذات، تمام، أو شيء من التفجع والتوجع على أمر حصل، وبالتالي حقيقة مرشدي وحتى شغف متعادل الصعيدي في تاريخها قال: الأصل أن نقول لازم الفائدة هذا باب واسع، ولا يختص فقط لإفادة السامع علم المتكلم بحكمه.

لازم الفائدة باب واسع، فنقول: كل إخبار ليس مقصده إفادة السامع حكم الجمله فهو مقصده لازم فائدة الخبر، ولازم فائدة الخبر باب واسع، قد يكون للتحسر، قد يكون للتفجع، قد يكون لإفادة السامع أن المتكلم يعرف. فحصر لازم الفائدة في إفادة السامع علم المتكلم بحكم الجمله ليس بذاك الحصر الدقيق، مع أنك لما تقرا في كتب البلاغة ستشعر أنه خلاص لازم الفائدة هو فقط أن يستفيد السامع علم المتكلم بالخبر، لكن الصحيح أننا نقول لازم فائدة الخبر أوسع من هذا.

أوسع من هذا كله، أي فائدة أنت قصدتها بالإخبار سوى فائدة إفادة السامع حكم الجمله، تندرج تحت ماذا؟ لازم فائدة الخبر، سواء كانت تحسر، سواء كانت تفجع، سواء كانت تحبب، سواء كان إفادة السامع علم المتكلم، وهكذا. بدنا نتفق على هذه الفكرة حتى نوسع مداركنا. طيب، دعني أعود إلى الخبر، راجع على أمرنا على الحالة النفسية، ليس شرط يعني ما بدنا نقول حالة نفسية بس هي كلياتها يعني هي كلها أمور معنوية، أما تحسر أو تفجع أو أن يعلم، هي كلها أمور معنوية بغض النظر هو شيء نفسي بالمعنى الدقيق علم النفس ولا شيء، أو صح.

مثلاً هنا إذا سريعا عطله الشيخ عبد المطير الصعيدي، هذا الكتاب ننصحكم حقيقة بشرائه بغية الإيضاح، الشيخ عبد المتعال الصعيدي وهو عالم أزهري على كتاب، والجميل في هذا الكتاب أنه طبعا هو شرح للتلخيص لكن فيه تمارين، كل ما ينهي الفصل يضع تمارين للحل، أنا أنصحكم جدا باقتنائه، من هنا لأحد التمارين التي يضعها التمارين على كل الأفكار التي يتم دراستها في المحاضرة، لكن المشكلة أن التمارين لم أجد يعني لها حلا، ربما بعضهم يبحث على جوجل ويشوف الأزهر إذا ممكن يكون وضع لها حلول، لكن أنا لم أجد لها حلول مكتوبة، عموما أنت جرب وحل مع نفسك وتتناقش في بعض هذه الأمور.

المهم يا رب أنا يعني يعجبني تعجبني بعض التعليقات الشيخ عبد المتعال الصعيدي، فمثلاً هنا الشيخ عبد المتعال ماذا يقول؟ يقول في صفحة 41، يقول: وللإسناد الخبري مقاصد وأغراض أخرى، منها إظهار التحسر، كما في خبره تعالى حكاية عن امرأة عمران لما قالت: ربي إنها وضعت أنثى، ممتاز. لو سالتك يعني من باب نختبر معلومات، امرأة عمران تخاطب الله سبحانه وتعالى ماذا قالت: ربي إني وضعتها أنثى؟ سؤال: هل هي تريد إفادة السامع وهو الله سبحانه حكم الجمله؟ التحسر.

شوف، حتى أنت لما تقرا القرآن وتبدا تنظر في كل خبر وتحاول أن تنظر لماذا جاء هذا الخبر، ترى هذا مهم جدا في عملية التدبر. هذا الخبر في هذه الآية، هل فائدته أفادة السامع حكم الجمله؟ هل فائدته أن يعلم السامع أنني أعرف؟ هل فائدته تحسر، تفجع، خضوع؟ هذا مهم جدا وأنت تتدبر كلام الله سبحانه وتعالى حتى تشعر بوقعه، الآن لما سمعت أنت إني وضعتها أنثى بدك تفهم من عملية التدبر بالقران أن تكون مدركا أن هذا الخبر ما فائدته، هي الآن تتحسر، فانت تبدا تشعر بمشاعر المرأة المتحسرة للقران، حقيقة ليس بالطريقة السهلة تدبر القران يقف على فهمك في كلام العرب، فانت عليك أن تشعر بأحاسيس امرأة عمران لما قالت هذه الجملة المرأة المتحسرة المتقطعة في داخلها أنها لم يتحقق لها وجاء جنينها على غير ما كانت تأمل فهي مشاعر الحسرة، فإذن إني وضعت أنثى مثال على الحسرة.

طيب، مثلاً يقول أيضاً مثلاً من مقاصد الخبر: إظهار الضعف والخشوع لله سبحانه وتعالى أو لأي شيء، إظهار الضعف والخشوع. وذكر بيتاً على ذلك: إلهي عبدك العاصي أتاك مقرّاً بالذنوب وقد دعاك. إلهي عبدك العاصي أتاك، هذا عبدك العاصي أتاك، ليس مراد منه إفادة السامع حكم الجودة ولا الثاني، وإنما المراد منه شيء من ماذا؟ من الخضوع والتذلل لله سبحانه وتعالى.

فإذن باختصار يعني حتى لا أقيم فهي النقطة دعونا نقول: لازم فائدة الخبر هذا باب واسع، كل المقاصد الأخرى للإخبار سوى مقصد الأول يكون داخل تحت لازم فائدة الخبر، اتفقنا على هذا. فالتحسر هو لازم فائدة الخبر، التذلل لازم فائدة الخبر، التحبب والتودد لازم فائدة الخبر، وإعلام السامع علم المتكلم بحكم الجمله هذا أيضا يدخل تحت ماذا؟ لازم فائدة الخبر. فالتوسيع لازم فائدة الخبر سيريحك في فهم مقاصد الكلام، أما إذا بقيت على ما يذكره البلاغيون الأوائل في كتبهم ستشعر أن الأمر ضيق، ستشعر أن الأمر ضيق في التصوير، هذه انتهينا من هذه.

طيب، هنا في هناك معلومة أريد أن أناقشها معكم: إذا لما نقول الفائدة من الإخبار، أولاً: إفادة السامع حكم الجمله، صح؟ خلونا في الجزئية الأولى، لما نقول أن الفائدة من الإخبار إما إفادة السامع حكم الجمله، هل إفادتي للسامع حكم الجمله هل هذا يستلزم ثبوت هذا الحكم حقيقة في الواقع الخارجي؟ يعني أنا قلت لإنسان يجهل إنسان ما عنده أي معلومة: زيد جابر، ممتاز. أنا هنا ماذا قصدت؟ ماذا قصدت بالإخبار؟ إفادة السامع حكم الجمله. هل إفادتي له حكم الجمله يقتضي بالضرورة أن هذا الحكم فعلا ثابت في الواقع الخارجي؟ المعلومه هاي صادقة، وممكن تكون المعلومات كاذبة، مش اخذنا في المحاضرة الأخيرة أن الخبر ينتسب إلى صادق وخبر كاذب باعتبار مطابقته للواقع وعدم مطابقته؟ فهذه بدنا ننتبه لها، لما القصد بالإخبار إفادة السامع لحكم الجمله، إفادته لحكم الجمله باعتبار كلام، لكن هل حكم الجمله الذي أفدته له هو صحيح من حيث الواقع أو غير صحيح من حيث الواقع؟ هذه قضية أخرى ننظر، هل هذا الحكم مطابق للواقع أم لا؟ فهذه قيدوها: إفادة السامع حكم الجمله لا يستلزم بالضرورة أن هذا الحكم ثابت في الواقع فعلاً، فقد يكون ثابت فتكون الجملة الخبرية صادقة، وقد يكون غير ثابت فتكون الجملة الخبرية ايش؟ كاذبة. وضحت؟ هذه معلومة مهمة حتى لا يخترق الأمر عليها.

الان انتهينا من هذا التاثير الابتدائي لفائده الخبر، الآن سننتقل إلى قضية يقولون يعني خلونا نعود يتم بعد ذلك. قال السيوطي علق على الأبيان: القصد بالإخبار أن يفاد مخاطب إما حكماً له إفادة فائده جديدة أو كونه علمه، كون الضمير في كونه يعود على من؟ على المتكلم، عالمه، علم ماذا؟ الضمير في عالمه يعود على ماذا؟ على الحكم، يعني أو كون المتكلم قد علم الحكم سابقاً. إذاً: القصد بالإخبار أن يفاد مخاطب إما حكماً له إفادة، أو أن يفاد المخاطب، أو كونه، هذا عطف على حكما، كونه عطف على ماذا؟ على حكما، يعني أن يفاد مخاطب إما حكماً هذا واحد، أو أن يفاد مخاطب كونه كون المتكلم عالماً بالحكم، أو كونه أو نا المتكلم عالماً بالحكم.

ثم قال: والأول -يعني الفائدة الأولى ماذا تسميها؟ الأولى فائدة الأخبار- سمي أي سمي الحالة الأولى فائدة الخبر، إذا كان قصدي إفادة السامع حكم الجمله ماذا نسميه هذا؟ سميها فائدة الخبر، واجعل لازمها الثاني، طبعا لازمها مفعول به ثان وكلمة الثاني هي المفعول به الأول في تقديم وتأخير التقدير: واجعل الثاني ما اسمه؟ اسمه لازم فائدة الخبر. واجعل لازمها الثاني، أي الثاني هذا الثاني الذي وضعناه على الشاشة، هذا الثاني ماذا تسميه؟ لازمه ايش؟ أنا لازمها لازم فائدة الخط.

لهون ممتاز. ثم قال: الآن هناك أن تتضح، الآن يدخل في موضوع آخر: وقد ينزل عالم هذين كما قد يجهل لعدم الجري على موجبه وما أتى لغير ذلك، أو المهنة وما أتى لغير به. خلينا، خلونا نبدأ الآن في هذه الفكرة الجديدة. قال: وقد ينزل عالم هذين كما قد يجهل لعدم الجري على موجبه. ماذا يريد أن يقول؟ أحياناً، أحياناً ينزل السامع ينزل السامع الذي يعرف حكم الجمله ويعرف أنني أعرفها، قد ينزل منزلة الجاهل. السامع العالم بحكم الجمله قد ينزل ويعامل معاملة الجاهل، لماذا؟ لأنه ظهرت منه أمارات وإشارات وعلامات قد يفهم منها أو تدل أو تشير إلى أنه منكر أو عدم، أو أنه ليس عارفا بذلك بعد. عارف أنه عارف، لكن تصرفاته خلينا نقول: تصرفاته لا تسير على وفق علمه. تصرفاته لا تسير على وفق علمه بالمثال يتضح المقال. أحياناً تاتي لشخص فتقوم لك وهو في عصيانه يعاقر الخمر ويمارس الفحشاء، تقول له يا فلان: الموت حق. الخبرية، قلت له: الموت حق. برأيك هذه الجملة هل أردت أن أعطيك فائده الخبر؟ يعني كثير الملحدين يقول، تمام.

طب هل قصدي أن يعرف السعر لأنني أعرف أن الموت هذه معلومة بدائية؟ طب لماذا قلت؟ لماذا أخبر هنا؟ قالوا: نزل السامع العالم بالحكم منزلة الجاهل، فاعطاه الخبر. نزل السامع العالم بالحكم منزلة الجاهل لماذا؟ لأنه لم يجري، أو حركاته وتصرفات لا تجري على موجب علمه، لأنه الذي يعلم أن الموت حق ماذا ينبغي أن؟

يفعل أن يتقي الله ولا يشرب الخمر ولا يفعل هذه الأمور المحرمة، فعله للزنا والخمر والفجور كأنه كأنه مش واخذ، كأنه يعطيني إشارة أنه يجهل هذه المعلومة تماماً. أنا عارف تصرفاته لأنها لم تجري على موجب علمه، جعلتني أعامله معاملة الجاهل، فذكرته بهذه المعلومة.

وهو شكل أشكال المغرب والتذكير، أنا عارف أنه عارف، ولكنني لماذا كررت عليه هذه الجمله مع معرفتي أنه أو أنه عارف بها؟ لأن تصرفاته لا تجري على موجبها. أعطيك مثال آخر: انسان فقلت له يا فلان هذا والدك، هذا والدك. طب سؤال، أنا مش عارف إنه هذا والدك؟ وعارف إنه هذا والده؟ طيب، وقد يكون السامع يعرف أنني كمتكلم أعرف أن هذا والده، فواضح أن الخبر ليس للفائدة الأولى ولا للفائدة الثانية. طيب ماذا قصدي لما قلت له هذا والدك؟ التذكير أنه انتبه، تصرفاتك مع هذا الانسان كأنها تنبئ أنه ليس وارداً لك مع أنه والدك، فهنا نزلت العالم منزلة الجاهل لعدم عمله بموجب علمه. هذه الفكرة باختصار، الفكرة أن باختصار ينزل العالم بفائدة الخبر ولازمها، ينزل العالم بفائدة الخبر ولازمها منزلة الجاهل متى؟ إذا كان عمله ليس على وفق علمه.

أحسنت، إذا كان لسانه مقاله أو لسان حاله يخالف لسانه مقاله، تصرفات لا تدل على أنه انسان مؤمن، تصرفاته لا تنبئ على أنه مقر أن هذا والده، فهنا أنا أعطيته الخبر، أنا أعطيته الخبر ممتاز، وليس قصدي فعلياً حكم الجملة أساساً أو خلينا نقول ليس قصدي، خليني أقول إنني عاملته معاملة هذا أفضل حتى يسير ولا كلامي، أنا عاملته معاملة الجاهل وصورت لك أنني أعطيه حكم الجملة مع أنني في الواقع لا أعطيه ماذا؟ حكم الجملة، مع أنني في الواقع لا أعطيه حكم الجملة. لذلك ماذا قال السيوطي؟ قال: وقد ينزل عالم هذين، عالم هذين يعني العالم بحكم الجملة وبلازم فائدتها تمام.

وقد ينزل عالم هذين كما قد يجهلون، يعني يعامل العارف بفائدة الخبر وبلازمها، يعامل معاملة الجاهل، لماذا؟ لعدم الجري على موجبه. إيش يعني عدم الجري على موجبه؟ أما عمله ليس مطابقاً لعلمه، وهذا أيها الأحباب الكرام عند الأصل في الإنسان أن التصرفات تكون مبنية على علمه، الإنسان الذي يعرف خطورة شيء يبتعد عنه. ممتاز، مثلاً تأتي لشخص تقوله يا فلان الدخان ضار بس هو ممكن عارف، إذن أنا لماذا أقول له ذلك؟ إذا بشدة أنت تذكره وتنبه، تصرفاته لا تنبئ على علمه بهذه المعلومة مع أنني مدرك أنه يعلمها، فباختصار نزلته منزلة الجاهل فأعطيته الخبر، نزلته منزلة الجاهل فأعطيته الخبر. لماذا نزلته منزلة الجاهل فأعطيته الخبر؟ لأن عمله ليس مطابقاً لعلمك.

الآن هناك آية في القرآن يعني ظاهرها يوافق هذه الفكرة البلاغية، أما الإنسان ينزل منزلة الجاهل بالشيء إذا كان لا يعمل به الإنسان هيك من يفكر فيها في آية في القرآن تدل على هذه الفكرة، أن الإنسان قد ينزل منزلة الجاهل بالشيء إذا كان لا يعمل لو يعمل بعلمه. قال سبحانه وتعالى بسوره البقرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102]. اثبت لهم العلم ابتداء ثم نفى عنهم العلم انتهاء، صح لماذا؟ هم ابتدائهم يعلمون، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق، لكن لما لم يعملوا على وفق علمهم نفى عنهم العلم انتهاء فقال: ولبئس ما شروا لو كانوا يعلمون. هذه الآية أتى بها القزويني في الإيضاح، أتى بها تنظيراً لهذه الفكره، أن العرب ينزلون العالم بالشيء منزلة الجاهل به إذا كان عمله ليس موافقاً لعلمه. هذه ليست فكرة قرآنية مستحدثة، هي فكرة عربية أصيلة عند العرب في خطاباتهم ينزلون العالم بالشيء منزلة الجاهل به، متى؟ إذا كان عمله ليس موافقاً لعلمه، الأمثله التي ذكرنا هذا أبوك وما شابه ذلك، واضح الفكرة أيها الأحباب الكرام؟ لذلك قال: وقد ينزل عالم هذين كما قد يجهل لعدم الجري على موجبه.

ثم قال: وما أتى بغير ذلك أول به. هذه العبارة "وما أتى لغير ذا أول به" شعرت أن السيوطي لم يشرحها في شرحه شرحاً واضحاً، شعرت أن كلام المرشدي أدق في شرحها، هو صاحب المنظومة لكن شعرت أن المرشدي يعني كانت كلامه أدق في شرح المقطع الأخير، لما قال: وما أتى لغير ذلك أول به، ماذا يمكن أن يفهم هذا المقطع؟ يعني المرشدي لماذا يقول؟ يقول: أي خبر ليس مقصده حكم الجمله ولا افادته السامع علم المتكلم بحكم الجملة، فعليك أن تؤوله وأن تعيده إلى لازم فائدة الخبر تمام.

يعني كأن المرشدي انتبه لهذه القضية التي ذكرت قبل قليل، أن لازم فائدة الخبر ليس محصورا فقط في افادة السامع علم المتكلم به حكم الجملة، فيقول المرشدي قوله: وما أتى لغير ذا أول به، أي كل اخبار أتى لغير هذين، كل اخبار أتى لغير هذين المقصدين فانه يؤول به. ايش يعني يؤول به؟ أي أول على لازم فائدة الخبر. فالأخبار الذي مقصده التحسر، الاخبار الذي مقصده التفجع، الاخبار الذي مقصده كل هذا يؤول ويعاد به إلى لازم فائدة الخبر، هكذا المرشدي أحب أن يشرحها.

ظاهر كلام السيوطي حقيقة في شرحه لهذا المقطع "وما أتى لغير داء أول به" كأن يقول: كل اخباري ليس مقصده افادة السامع حكم الجملة ولا افادة السامع علم المتكلم بحكم الجملة فيجب أن ينزل على أنه هو صاحب المنظومة بالتالي هو أتى بكلامه، لكن الهوى خلينا نقول يعني يميل مع المرشدي، حتى تكون جملة "وما أتى لغير" ذات فائدة أعمق أو لها دلالة أوضح، وندخل الفائدة التي أضفناها، فأنت مخخير في النهاية كيف تريد أن تفهم.

إذا هكذا نكون انتهينا من تأصيل هذا الموضوع، إذا أن الفائدة من الإخوة، هذا موضوع مهم جداً أن تتصوره، الفائدة من اخبار بقضية أما افادة حكم الجمله أو افادته بلازم الفائدة، ولازم الفائدة صور متعددة، أما افادة السامع علم المتكلم بالحكم أو تحسر أو تفجع أو تودد إلى غير ذلك من الأمور. ثم تختم بما ذكرناه، وقد يعامل العالم منزلة الجاهل فيلقى إليه الخبر كأنني أعطيه حكم الجملة، كأنني أعطيه حكم الجملة مع أنني عارف أنه عنده، لكن لماذا أعامله معاملة الجاهل؟ لأن عمله ليس مطابقاً لعلمه، وهذا كثير عند العرب وكثير في أساليبنا الحياتية وكثيراً في ماذا؟ في كتاب الله سبحانه وتعالى.

ممتاز، ومن يعطيني هكذا كمثال حياتي على هذه الفكرة، هذه العالم منزلة الجاهل، أنا أعطيكم مثال، تقول للشخص هذا أبوك تمام، هذا مثال واقعي على تنزيل العالم منزلة الجاهل والموت حق هذا مثال آخر. طيب، من هكذا يعطينا مثال سليم، يعني أشغل قرائحكم اللغوية والذهنية، هكذا شيء حياتي دائماً أنت تنصح انسان بشيء هو يعرف، لكن عمله لا يكون على موجبه، تفضل. جميل، أحسنت، لما الطالب يسيء التعامل مع معلمه. فكرة جميله، تقول فلان ترى أنت طالب، ومش عارف أنه طالب؟ هو عارف أنه طالب، ويعرف أنك تعرف، إذاً ما مقصدك؟ عاملته معاملة الجاهل لأن تصرفات هذا الطالب لا تتلاءم مع كونه. فكرة جميلة.

أحسنت، يعني لما أخوك يخذلك في موقف حياتي، صح، أخوك نسبياً أو الأخوة الحياتية، لما يأخذ لك في موقف حياتي معين، أنت كنت تتوقع أنه ينصرك فيه، تقوله يعني يا فلان أنت اخي؟ الان هنا أنت هو يعرف هذا تمام، لكنك نزلته منزلة الجاهل لأنه لم يعمل بفق علمه، لم ينصر، لم يقف معه، والأفكار كثيرة التي يمكن استخراجها على هذا. طيب، نذهب الآن.

نعم، يعني لا هو مش هيك، هو أنا عارف الفكرة أنا ما حبيتش أدخل حالي فيها، أنه ما تطرقوش لها، أنا أشاعر بما يشعر به، وهو أن فكرة تنزيل العالم منزلة الجاهل ألا يمكن أن تدخل بشكل من الأشكال أيضاً تحت لازم فائدة الخبر؟ كأنك تريد تقول هكذا، يعني هذه الفكرة الأخيرة التي ذكرها السيوطي والقزويني، وهي انزال العالم منزلة الجاهل لعدم جليه على موجب علمه، أيضاً من خلالها تحت لازم فائدة الخبر بحيث نحصر الأمور يا فائدة الخبر يا لا فائدة الخبر بدون مصير صورة ثالثة منفصلة وحدها، وهي صورة تنزيل العالم.

أتفق معك، أنا أحب هذه الطريقه وهي أنه حتى هذه الصورة الأخيرة التي أفرزها القزويني والسيوطي بذكر ما المعنى أن نقول إنها لازم فائدة الخبر؟ لما قلت له أنت أخي هو في الحقيقة أنا أريد أن أحثه على أن يقف إيجابي، لأنه لم يجري على مود بعلمه، لما قال المعلم للطالب أنت طالب هي فيها نوع من أنواع اللزوم، فيها نوع من أنواع اللزوم الذهني بشكل من الأشكال، فأنا أتفق معه أننا يمكن حتى هذه الصورة أن ندرجها تحت لازم فائدة الخبر، وهكذا الأمور بتستوي يا فائدة الخبر يا لازم.

نذهب الآن إلى الموضوع الأساسي الآن، طبعا هذا كله ليس دثوراً في أحوال الأستاذ الخبري، هذا كله فقط الآن بدنا ندخل في أول مسألة من مسائل أحوال الإسناد من قبل، وهو ما يسمى أضرب الخبر. يلا خلونا نعود للسيوطي ننظر ماذا قال: فليقتصر على الذي يحتاج له من الكلام وليعامل عمله، فانت تخاطب خالي الذهني مني طبعا تقرا، يستوي معي قرار. فانت تخاطب خالي الذهني مني حكم، ومن تردد فلتغتني عن المؤكدات أو مرددة، وطالبا فمستجيداً أكداً، أو منكراً فاكداً وجوباً بحسب إنكار. فالضروب أولها سم ابتدائياً وما تلاه فهو طلبي، وانتما تاريه للانكار، ثم مقتضى ظاهره إيرادها كما مضى، وربما خرق ذاك كلام ذي القلوب كالمردد إذا له قدم ما يلوحه بخبر فهو لفهم يجنحه، كمثل ما يجنح من تردد لطلب، فالأحسن أن يؤكد، ويجعل المقر مثل مثل المنكر انسيمه عليه الأظهري، كقولنا لمسلم وقد فسق: يا أيها المسكين إن الموت حق، ويجعل المنكر إن كان معه شواهد رويات أن المرضع كغيره، كقولك: الإسلام حق لمنكر، والنفي فيه ما سبق.

طبعا هذه الأبيات مهمة جداً في تأصيل طريقة العرب إلقاء الأخبار، هذه سنبنيه على ما درسناه له وهي حقيقه بعد لذيذ وجميل من أبواب العلم، وستكتشف ستجد أنه باب طيب ومهم في عمليه التدبر القرآن.

إنه يقول لما قال السابقة، لما قال فليقتصر على الذي يحتاج له، الان نحن عرفنا أن الفائدة من الأخبار ما هو أساساً؟ اما فائدة الخبر أو لازم فائدة الخبر، إذا كان هذا هو الذي يقصده المتكلم من عملية الأخبار، اما إعطاء الفائدة أو لازم الفائدة، فيقول لك السيوطي: فليقتصر على الذي يحتاج له من الكلام حتى توصل ما تريده. أنت ماذا تريد؟ اما فائدة الخبر أو لازم الفائدة، فلما تصوغ جملة، لما تسوق جملة، لما تصوغ كلام عليك أن تقتصر من المفردات العربية ما يوصل هذا المقصود. أنت تقصد الفائدة أو لازم الفائدة، فلما تصوغ الجملة اقتصر على الذي تحتاج له من المفردات حتى توصل مقصودك، سواء كان مقصودك فائدة الخبر أو كان مقصود كلاماً فائدة الخبر.

الأصل في الإنسان البليغ أو المتكلم البليغ أن يقتصر من المفردات العربية على الذي يحتاج له حتى يوصل مقصوده. إذا ما معنى فليقتصر على الذي يحتاج له من الكلام؟ هكذا تقول، أنا أتكلم من أجل إما أن أعطي فائدة أو لازم الفائدة، فبالتالي حتى يكون كلامي بليغ علي أن أقتصر على المفردات اللغوية التي تساعدني في إيصال مقصودي، سواء كان مقصود الفائدة أو لازم الفائدة. لكن ما هو الذي أحتاج له؟ أو ما الذي أحتاج أن أتي به من المفردات اللغوية؟ هذا سيختلف باختلاف ظروف الخبر على ما سياتي الآن تفصيل.

طعم دعونا نبتدأ إذاً بأضرب الخبر، خلونا نتكلم عن أنواع المخاطبين، الان سنتكلم عن أنواع المخاطبين بالنسبة للأخبار، يقولون في علم البلاغة: عندما تعطي انسان الخبر، الان حتى نبدأ بفكرة جديدة فكرة أنواع المخاطبين، عندما تخاطب انساناً بكلام، أما أن يكون هذا الإنسان كما ذكرنا قبل قليل جاهل بهذا الكلام تماماً ما عنده فيه أي معرفة مسبقة، هذا المخاطب يسمى المخاطب الجاهل، هذه الحالة الأولى.

ممتاز، طيب النوع الثاني من المخاطبين يقولون هو المخاطب المتردد الذي عنده علم بأصل الفكرة، لكنه متردد هل هي على سبيل الثبوت أو على سبيل النفي؟ هذا يسمى المخاطب المتردد. طيب، عندنا النوع الثالث ما يسمى بالمخاطب المنكر للحكم ابتداء، هو منكر أصلاً للحكم مش جاهل، لا، هو ماخذ الموقف النفي وأنت ماخذ موقف الإيجاب، أو العكس، أنت باقي موقف وهو ماخذ موقف الإيجابي.

بالتالي أحباب الكرام، دعونا نذهب إلى الشاشة فنقول يا رب. المخاطبون، يقسمونهم المخاطبين يقسمونهم إلى ثلاثة أقسام، النوع الأول الذي يسمى خالي الذهن، احنا ممكن نسميه الجاهل، اللي هو الإنسان اللي عقله ورقة بيضاء باتجاه هذا الحكم، ما عنده أي خلفية مسبقة عنه لا بالإيجاب ولا بدنا، مش عارف أي فكرة عن هذا الموضوع.

النوع الثاني ما يسمى المخاطب المتردد، من هو المخاطب المتردد؟ ماذا يقسم به؟ الذي عنده تصور عام عن الحكم، لكنه متردد هل هو على سبيل الثبوت أو على سبيل النفي؟ يعني في واحد عارف قضية أنه زيد وأتيان في موضوع أتيان زيد حاضر في ذهنه، بس متردد هل زيد الأتيان ثابت له أو منفي عنه؟ يعني هو سمع بقضية أنه فيه زيد آتي، كيف أنت بتسمعه بس سامعه بس ما فهمتش شو بيحكي المتكلمين، لقط أصل الفكرة بس ما تأكدت هم حكوا زيد جاء ولا حكوا زيد لم يجئ؟ أنت ما ركز كثيراً في كلامهم، هون احنا بنسميه ايش؟ متردد. ليش أنا متردد؟ أنت سمعت من كلام الناس زايدوا أنه مجيء وعدم مجيئه.

أنت عندك أصل، وأنت مش خالف ذهن تماماً، عندك ما نسميه طراطيش كلام حول الموضوع، بس لسه ما تخمرت عندك الفكرة الأكيدة نهائياً: هل زيد جاء؟ وتكلموا عنه على سبيل الإيجاب أنه جاء، أو تكلموا عنه على سبيل النفي أنه لم يأتِ؟ فأنا عندي أصل الفكرة لكن ما عندي الحكم الدقيق؛ هذا يسمى المتردد.

أما المنكر، فهو لا؛ هو يعتقد أن زيداً لم يأتِ، وأنا جئت أصحح له المعلومة: خطأ أنت. فهذا ليس خالي الذهن، لا، هذا عنده حكم بالسلب، عنده اعتقاد أنا أنكره عليه لأنه اعتقاد خاطئ على الأقل في وجهة نظري. فإذاً، في علم البلاغة وفي الإسناد الخبري لما يقسم المخاطبون، يقسمون هكذا: نقول هناك شخص خالي الذهن، وهذا الذي ما عنده أي معلومة مسبقاً، لا هو عارف أن زيداً جاء ولا هو عارف أن زيداً لم يأتِ، حتى ما عنده أي خلفية مسبقة عن الموضوع، هذا نسميه خالي الذهن تماماً. النوع الثاني: عرفنا المتردد، الذي عنده تصور عام عن الموضوع لكن هو غير متأكد، فيه تردد داخلي أن هذا الموضوع إثبات أو نفي. وعندك المنكر، الذي يعتقد أصلاً حكماً مخالفاً للحكم الذي تعتقده أنت كمتكلم. ممتاز، هذه الأصناف الثلاثة.

الآن يقولون: إذا كان الإنسان يخاطب شخصاً خالي الذهن تماماً، فهنا يجب أن يلقى إليه الخبر خالياً من المؤكدات. إذا كنت تخاطب خالي الذهن، فيجب أن يكون الكلام خالياً من المؤكدات. أنا حتى أريحكم شوي زيادة: المسألة الأولى من مسائل أحوال الإسناد الخبري، التي هي ضروب الخبر، هذه المسألة لو كتبت عندك هكذا باختصار: تدندن حول فكرة معينة؛ متى يجب أن ألقي الكلام خالياً من المؤكدات؟ ومتى يجب أن يكون الإسناد فيه مؤكدات؟ هذه المسألة الأولى من مسائل أحوال الإسناد الخبري، حتى أنت هكذا تعاملها بعنوان يكشف لك غور المسألة: المسألة الأولى ما هي؟ الإسناد الخبري متى يؤتى به بمؤكدات ومتى يؤتى به بدون مؤكدات؟

يعني هل العرب يقولون لك: على كيفك حابب تجيب مؤكدات في الجملة الخبرية (إن زيداً قائم) ومش حابب تجيب مؤكدات لا تجب على راحتك؟ هل هكذا العربية يتكلمون؟ لا طبعاً، والقرآن جاء على لغة العرب، بالتالي لما تشوف جملة خبرية مؤكدة في القرآن، تأكيدها له مغزى بخلاف جملة خبرية غير مؤكدة في القرآن. في معنى: لماذا هذه أكدت ولماذا هذه لم تؤكد؟ وأحياناً تكون الجملة فيها أكثر من عنصر تأكيد، استعمل فيها أسلوبين من أساليب التأكيد أو ثلاثة؛ لماذا زاد أساليب التأكيد هنا؟ هذا الحقيقة فكرة ممتعة في أثناء التدبر لازم تفهمها.

فالآن إذا، هذا رجوع إلى أن هذه المسألة عنوانها: الإسناد الخبري متى يؤتى به مؤكداً ومتى يؤتى به خالياً من التأكيد؟ حتى نشكل هذه الفكرة بدك تجي معي هنا، فنقول: المخاطبون عند العرب، العرب يقسمونها إلى ثلاثة أقسام؛ إما إنسان خالي الذهن، الورقة بيضاء، صفحة بيضاء، كيف الطفل الصغير يخرج ما عنده معلومة، أو شخص متردد، أو منكر. إذا كنت أتكلم مع شخص خالي الذهن، جاهل تماماً، ما عنده أي حكم مسبق، فهذا يجب أن يلقى إليه الكلام -مشايخنا- بدون مؤكدات. فالشخص ما عنده أي معلومة، أقول له: «زيد جاء». خطأ أقول له: «إن زيداً جاء». هسه أنت لو قلت لي: «إن زيداً جاء»، هل هي جملة صحيحة ولا خاطئة؟ من حيث النحو صحيحة، لكن من حيث البلاغة خاطئة. وهذا هنا بدأنا: كيف يكون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال؟ مش نحن علم المعاني يدرس كيف يكون كلامي مطابقاً لمقتضى الحال؟ هنا الحال أنني أخاطب إنساناً جاهلاً، فخطأ في علم البلاغة وعند العرب أن تقول لشخص خالي الذهن: «إن زيداً قائم». خطأ، وإن كانت في علم النحو صحيحة، لكن في علم البلاغة خاطئة. ولا كيف أقول لشخص خالي الذهن؟ أقول له: «زيد قائم»، ما أقول له: «إن زيداً قائم»، هذا خطأ، لأنه خالي الذهن. فالعرب يقولون لك: البليغ فليقتصر على الذي يحتاج له من الكلام بشيء، القاعدة لوضع السيوطي قبل قليل، شو فائدة "إن" لنا لشخص هو أصلاً مش متردد، مش منكر، ما عنده أي عنصر ممانعة معك؟ بالتالي زيادة "إن" هنا زيادة لا معنى لها.

النوع الثاني من المخاطبين، ما يسمى بالمخاطب المتردد. المخاطب المتردد يجب -هناك كلمة يجب بدي إياك تحط تحتها خطين- وقبل القسمين استعملوا "يستحسن"، لكن الاستحسان الذي قصدوه، الاستحسان الذي يصل إلى حد الوجوب، المتردد يجب أن تأتي له بمؤكد واحد. يعني شخص كما قلنا عنده طراطيش كلام هكذا أنه زيد جاء ولا لم يأتِ، يعني هو متردد، يعني هو مش منكر، لسه هو متردد، فأيش أقول له؟ «إن زيداً قادم». الآن هذه راح تكتشفوا أنه محتمل أن تكون لشخص متردد أو ممكن، لكن خلواكم معي: «إن زيداً قائم». الآن بدك تعتبر هذا المشهد معي، أنه عندي شخص مش متأكد من هذه القضية، فهنا خطأ أقول له: «ترى يا فلان زيد قادم». لو قلت: «هو زيد قادم»، هذا خطأ، لأنه يشعر البليغ أني عم بخاطب شخص خالي الذهن، والحقيقة أن أمامي شخص عنده تردد في أصل الفكرة.

يعني أنت بتخاطب شخص مثلاً شكوكي، بتعرفوا الناس في العقائد، في مسلم وفي واحد في النص، هدول بيسموهم الشكوكيين، اللي بقول لك: "أخي، أنا بعرف القرآن؟" متردد والقرآن. فهذا الشخص، هل تقول له: "القرآن حق"؟ هسه راح تزبط على جهة معينة، بس كمان شوي إذا حملت الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، بس أساساً خلونا على هذا المستوى اللي نحن فيه، شخص متردد: هل القرآن حق ولا مش حق؟ هذا لا تقول له "القرآن حق" بدون مؤكد؛ ليه؟ لأن استعمالك "القرآن حق" مبتدأ وخبر بدون مؤكد يشعرني أنك بتتكلم مع إنسان خالي الذهن، وهذا مش صحيح، هو عنده معلومة لكنه متردد في ثبوتها، فهذا يجب أن أقول له ماذا؟ ومتردد: "إن القرآن حق". ممتاز، إذاً الشخص المتردد يجب أن تأتي له بمؤكد واحد.

النوع الثالث هو الشخص المنكر. الشخص المنكر -أحبابي- هذا يجب أن يؤتى له بمؤكد فصاعداً بحسب درجة الإنكار. تمام، هنا أضفنا كلمة "فصاعداً"؛ المتردد لا، فقط مؤكد واحد، فش احتمال فصار. المنكر، آه لا، المنكر بحسب درجة إنكاره يجب أن تأتيه بمؤكدات، إذا إنكاره بسيط ممكن أقتصر على مؤكد واحد، ممتاز، إذا إنكاره عالي، استعمل مؤكدين وممكن أوصل لثلاثة وأربعة وخمسة. استعمل معه مؤكدات؛ طبعاً هنا يعني سامحني راح تجي شوي خبرتك بالتوقيت. مثلاً من الأمور التي تستعمل في التوكيد: "إن". من الأمور التي تستعمل: لام الابتداء التي تدخل على المبتدأ "لزيد قائم"، وتصبح مزحلقة أحياناً في بعض الأمور. من أدوات التوكيد: "قد" في بداية الكلام، قد تستعمل للتوكيد. من أدوات التوكيد: القسم، القسم من أهم أدوات التوكيد. من أدوات التوكيد: ضمير الفصل الذي يأتي بين المبتدأ والخبر "أولئك هم المفلحون"، "أولئك" مبتدأ، "مفلحون" خبر، "هم" ضمير الفصل. من أدوات التوكيد مثلاً: حروف التنبيه "ألا"، مثلاً ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: 62]، أدوات التنبيه، عفواً أدوات التنبيه زي "ألا" هذه أيضاً تستعمل، هذا مثلاً أحياناً حروف الجر الزائدة التي تزاد تستعمل للتوكيد، نحو: ﴿مَا زَيْدٌ بِقَائِمٍ﴾. فهنا بدي شوي خبرتك، يعني بينبني على رصيدك اللغوي سابقاً أنك تعرف شو هي الأحرف التي تستعمل أو الأدوات التي يمكن أن تستعمل في التوكيد. هذه بعضها، ويمكن من خلال التطبيقات نجد المهم. إذا كنت بخاطب شخصاً منكراً، هذا كم مرة بدي آكد له؟ حسب درجة إنكاره، إذا كان منكراً بسيطاً ممكن أستعمل له مؤكد واحد، وهنا ممكن يختلط عليّ أنا كقارئ المتردد مع المنكر، صح؟ لأن المتردد راح أستعمل معه مؤكد واحد، والمنكر ممكن أستعمل معه مؤكد واحد وممكن أكثر، بالتالي هنا بتصير السياق، السياق راح يخليني أنا أفهم هل هو يخاطب متردداً أو يخاطب منكراً، لكن إذا استعملت مؤكدين فصاعداً، استعملت مؤكدين فصاعداً، أنا بتكلم مع مين؟ مع منكر.

طيب خلينا نأخذ تطبيقاً جميلاً على سورة يس في هذه الفكرة على قضية المنكر: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 13-14]. والله سبحانه وتعالى أتاهم، فأيش قالت الرسل لما الرسل قبلت بالإنكار، ماذا قالوا؟ أول مرة قالوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾ [يس: 14]. هذه أول مرة، إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث، فقالوا: ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾، استعملوا أداة التأكيد "إن". وبدي أعطيكم فائدة: الجملة الاسمية بحد ذاتها قد تستعمل للتوكيد، كلمة "قد" برضه حطوا لي تحتها خمس خطات، أن تكون الجملة، اختيارك للجملة الاسمية، المبتدأ والخبر بدلاً من الجملة الفعلية، عدولك -خلينا نستعمل عبارة عدولك- عدولك عن الجملة الفعلية إلى الجملة الاسمية قد يكون مقصده التوكيد، فاسمية الجملة قد تكون مؤكداً إذا قصدت بها التوكيد، وقد لا تكون دائماً كذلك، لأني لو قلت: "زيد قادم" للجاهل، هاي الجملة الاسمية طب هل فيها مؤكد؟ لا، لأن هنا الجملة الاسمية لم أقصد بها التوكيد. فالجملة الاسمية شوي حيرت علماء البلاغة، حتى بعضهم يعني تضاربت آراؤهم في: هل الجملة الاسمية دائماً هي للتوكيد أم لا؟ صحيح أن الجملة الاسمية قد يقصد بها المتكلم التوكيد وقد لا يقصد بها التوكيد، فالمهم أنا بدي أعتبر هنا أنها ليست للتوكيد من باب التسهيلات. فالآن الرسل ماذا قالوا للقوم؟ ﴿إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾، نعتبر أنه عندنا مؤكد واحد وهو ماذا؟ "إن". طبعاً لماذا استعملوا المؤكد هنا؟ هل المقابلهم مترددون؟ لا، المقابلهم منكرون صح؟ فهم الآن ﴿قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [يس: 15]. الآن جاء الخطاب الأول، أما ﴿إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ﴾، فبماذا رد القوم؟ زادوا تكذيباً وإنكاراً: ﴿مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: 15]. فهم الرسل اضطروا أن يرفعوا سقف الخطاب، فقالوا ماذا؟ ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُم لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 16].

شوف الفرق بين هذه الآية وهذه الآية، بعض الناس لما يدبروا القرآن خلص أن هذه الآية مثل هذه، لا الفرق بين الجملتين ما هو؟ أنه لما ازداد حجم الإنكار تطلب هذا من المرسلين أن يستعملوا سقفاً أعلى من التوكيد. كمؤكد في هذه الآية؟ الآن قالوا: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ قالوا هي شبيهة بالقسم، يعني والله ربنا بيعرف، تمام، شبيهة بماذا؟ بالقسم، فهذا مؤكد. طيب المؤكد الثاني: "إن". مؤكد الثالث: "لَمُرْسَلُونَ"، هذه اللام المزحلقة، إذ كانت لام الابتداء لكن لما تدخل "إن" في بداية الجملة فعندك ثلاث مؤكدات في الجملة. هاي اعتباط أحبابي؟ لا، شيء أراد الله سبحانه وتعالى أن تفهمه، أنه لما ازداد مستوى الإنكار ازداد مستوى التوكيد. ازداد مستوى التوكيد، إذاً قلنا: عندما تخاطب شخصاً منكراً، على حسب درجة الإنكار بدك تستعمل ماذا؟ مؤكدات، أليس كذلك؟

مثلاً من يعطيني آية أخرى في القرآن بهذا النظر؟ طبعاً المحاضرة القادمة الكل عليها أن يأتي، هذا واجب الكل عليه أن يأتي بأمثلة على أساليب إنكار، يعني الله خاطب كفرة، فكان السياق يقتضي استعمال المؤكدات، من يعطيني مثالاً آخر؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: 51]، نعم ممتاز، استعمل هذا لأنه يخاطب قوماً مكذبين. طيب مثلاً ﴿فَهُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أخذناها في سورة الذاريات في تفسير النسف، ﴿وَهُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23]، وقلنا الأعرابي لما سمع هذه الآية ايش صار فيه؟ مش أغشي عليه وقال: "من الذي جعل الله يقسم؟" إذا هذا الأعرابي ماذا فهم؟ أنه في هناك منكرين، الأعرابي ماذا فهم لما سمع الآية أن هناك من ينكر أن الرزق في السماء وأن الله صاحب الرزق؟ فقال: "من الذي جعل الله يقسم؟" الأعرابي فهم أن القسم إشارة إلى وجود ماذا؟ كيف العرب يفهمون من الذي جعل الله يقسم؟ واحد منكر له، هو فهمها أن الله استعمل مؤكدات عديدة، استعمال المؤكدات العديدة هو إشارة على وجود شخص أو أشخاص أو أمم أو طوائف منكرة، قسم، ﴿فَهُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾، استعمال مرة أخرى "لحق"، "مثل ما أنكم تنطقون"، حتى مضمون الجملة، مثل ما، يعني حق زي ما أنت بتحكي، كيف أنت بتحكي مش متأكد أنك تحكي؟ حتى مضمون الجملة كان فيه أسلوب توكيد، التشبيه أراد به التوكيد. فهذه المؤكدات العديدة فهم منها الأعرابي وجود منكرين، وهذا بالتالي بيوسع أفقك لما تقرأ الآيات القرآنية، لما تجد مؤكدات كثيرة عليك أن تتصور هناك منكراً، هناك إنساناً كلما عتا في الإنكار كلما ازداد التوكيد.

طيب خليني أعطيكم قصة لطيفة، جيب معي الكاميرا هنا يا رب، الموطأ للقسم، بسم الله، هنا في قصة جميلة ذكرها القزويني في الإيضاح، يلا بسم الله، بسم الله حتى يا رب. طيب هنا القزويني يذكر في الإيضاح قصة حدثت بين الأديب أبو العباس المبرد مع الفيلسوف مع الكندي، أبو العباس يعني الكندي لأنه إنسان فلسفة ليس له دراية بأساليب العرب، يعني يعترض فيقول: إنني أجد في كلام العرب حشواً، شوف شو بيحكي، يقول: إنني أجد في كلام العربي حشواً، يعني كلام زيادة، ماءً ومعنى، يقولون: "عبد الله قائم"، و"إن عبد الله قائم"، و"إن عبد الله لقائم"، ذكر هذه الجمل الثلاث، هو يقول لماذا أنتم مرة بتحكوا "عبد الله قائم" بدون مؤكدات، ومرة بتحكوا "إن عبد الله قائم"...

قائم بمؤكد واحد، ومرة بتحكوا أن عبد الله لقائم أكثر من مؤكد، الكندي ما له دراية باللغة فيقول: إني أجد في كلام العربي حشواً! وهات هذه الأمثلة؛ فقال يقولون: عبد الله قائم، وقال: إن عبد الله لقائم، وقال: إن عبد الله قائم، والمعنى واحد. فماذا يقول له المبرد؟ قال: بل المعاني مختلفة. مبرد عارف اللغة، ومعنى واحد، قال: بل المعاني مختلفة. فعبد الله قائم هو إخبار عن قيامه، هذه معناها خلاص مجرد إخبار عن قيام شخص اسمه عبد الله. وإن عبد الله قائم مؤكد واحد جواب عن سؤال سائل، يعني واحد متردد بيسأل عبد الله قائم ولا لا، فتقول له: إن عبد الله قائم. وإن عبد الله لقائم بمؤكدين، جواب عن إنكار منكر.

فهذا يدل إذاً أن العرب والأدباء الأقدمين يعرفون هذه الفكرة؛ أن استعمال المؤكدات في الإسناد ليس إدراكاً اعتباطياً، بل بحسب طبيعة المخاطب يكون التوكيد من عدمه، وحسب ذلك يكون استعمال المؤكدات. فكرة جميلة أن تقرأها وتعرف أن الأدباء منذ القدم يعرفون تقسيم العرب المخاطبين إلى جاهل، وهذا يخاطب خطاباً خالياً من المؤكدات، وإلى متردد وهذا يخاطب باستعماله مؤكد واحد وجوباً، وإلى منكر وهذا يستعمل له خطاب فيه مؤكد فصاعداً بحسب درجة الإنكار. ممتازة، الآن بدنا نعود شوية كده الله يعينك، النوع الأول خلينا نرجع للصورة التي كانت قبل قليل: النوع الأول وهو الخطاب الخالي من المؤكدات هذا يسمونه خطاب ابتدائي. والخطاب الذي يوجه إلى المتردد يسمونه خطاب طلبي. والخطاب الذي يوجه إلى المنكر يسمى خطاب إنكاري.

خالي الذهن هذا حاله يقتضي مني خطاباً ابتدائياً، شو الخطاب الابتدائي الذي لا يوجد فيه أي مؤكد؟ النوع الثاني الشخص المتردد هذا يقتضي مني ماذا؟ خطاب فيه مؤكد واحد. لماذا سمي طلبي؟ لأن المتردد هو كأنه يطلب مني تأكيد الحكم أن هل هكذا ولا كذا، طلبياً لأنه يطلب مني التأكيد سواء بلسان حاله فهو ممكن يطلب مني التأكيد عملياً، تقول لي: هل زيد جاد؟ فأقول له: إن زيداً جاد. فطلبه لإثبات الحكم أو نفيه قد يكون بلسان حاله وقد يكون بلسان المقال. أما النوع الثالث فهو المنكر، فهذا يحتاج إلى خطاب إنكاري فيه مؤكد واحد فصاعداً بحسب درجة الإنكار. فإذاً عندي الخطاب ابتدائي لخالي الذهن، خطاب طلبي للمتردد، خطاب إنكاري للمنكر، هذه معلومات أساسية تمام، وعليها أنت من اليوم فصاعداً لما تقرأ الآيات القرآنية ستبدأ تبني فهمك بناءً على هذه.

طيب نعود، أنا بحاول إني ما أنسى أي فكرة. الأول ابتدائي خبر جيد. هنا سؤال مثلاً باب الفائدة: إذا كان أنا سأتي بجملة واحدة فيها أكثر من عنصر، عنصر المخاطب جاهل به وعنصر المخاطب متردد فيه وعنصر المخاطب منكراً، يعني في زيد وعمر وخالد، أنا جاهل أنه زيد قادم ولا لا، ومتردد أنه عمر قادم ولا لا، ومنكر أنه خالد قادم. المتكلم الآن بده يسخ جملة واحدة يقول فيها أنه زيد وعمر وخالد قادمون، هل يغلب جانب خالي الذهن ولا يغلب جانب المتردد أو الجانب الإنكاري؟ فهمتم؟ يعني هي الآن جملة واحدة سيتكلم بها المتكلم، لكن فيها أكثر من عنصر؛ فيها عنصر أنا جاهل فيه خالد بهم، وفيها عنصر أنا متردد فيه، وفيها عنصر أنا منكر لك، فأنا جاهل بالنسبة لزيد، متردد بالنسبة لعمرو، ومنكر بالنسبة لخالد. فهذا المتكلم الآن يأتِ بالجملة مؤكدة أو غير مؤكدة؟

أكدنا مع وجود جزئية أنا بالنسبة فيها خالد، وهي بالنسبة لزيد أنا خالٍ. يعني كأنه أعطاني إياها حتى زيادة قال: إن زيداً وعمراً وخالداً قادمون، فأكد تقريباً لجانب الإنكار الموجود عند السابق. طيب برضه هذه مهمة جداً الاسمية التي ذكرتها أن تقيدوها عندكم، أما الجملة الاسمية قد تستعمل أحياناً ويقصد بها التوكيد، وقد تستعمل أحياناً ولا يقصد بها التوكيد، والسياق هو الذي يحدد، السياق حقيقة أحياناً له دور كبير في تحديد طبيعة هذا الموضوع.

هذه دلالة واحدة، هاي الفكرة أنه إذا حملتها على التأكيد دائماً معناته خالد بهم لا يجوز استخباره بجملة اسمية، ستلزمني أن أخبر خالد بهم بالجملة الفعلية، والعرب حقيقة أوسع من ذلك، فلذلك عدلت إلى هذه الطريقة أن نقول: إن العرب قد تقصد بها التوكيد في بعض السياقات، وقد لا تقصد بها التوكيد في سياقات أخرى. إذاً دعونا نعلق على الأبيات سريعاً قبل أن ننتقل، لسه ما خلصناش الأبيات بس على هذا المقدار: الأول إذاً فليقتصر على الذي يحتاج له من الكلام، وليعامل عمله، يعني أنت الآن على حسب طبيعة المخاطب: مخاطب خالي الذهن تقتصر على الذي تحتاجه له، ما تأتي بمؤكدات، متردد تقتصر على الذي تحتاج له مؤكد واحد، منكر بحسب درجة الإنكار تزيد المؤكدات. إذاً فليقتصر على الذي يحتاج له من الكلام وليعامل عمله.

فإن تخاطب خالي الذهن من حكم، إذا تخاطب شخص خالي الذهن من الحكم وخالي الذهن أيضاً من التردد، يعني هو لا منكر ولا متردد، فأنت مخاطب خالياً ذهني من حكم، وخالي الذهن من تردد، فهذا ماذا تفعل؟ قال: فلتغتني عن المؤكدات، شو يعني؟ يعني فلتستغنِ عن المؤكدات لا تأتي بمؤكد من المؤكدات، فلتغتني أي فلتستغنِ عن المؤكدات لا تأتي بها. أو مردد هذه الحالة الثانية، إذا كنت أخاطب شخصاً متردداً أو مردداً وطالباً؛ لأن المتردد عادة هو يطلب منك أن تشفي غليله سواء كما قلنا بلسان حال أو بلسان المقال، وطالباً قال: كمستجيداً مؤكداً، كلمة فمستجيداً فيها مشكلة لأن هو يشكرك أن التأكيد هنا على سبيل ماذا؟ الاستحسان والاستجابة، يعني الأجود أن تؤكد، فكأنني ماذا أفهم؟ أنني إذا لم أؤكد لا إشكال بذلك، والحقيقة ليس الأمر يجب أن تؤكد، فالاستجابة هنا قال الاستجادة تصل إلى درجة الوجوب وليست استجابة على سبيل الاستحسان تمام، فمستجيداً أكداً لا كأنه يريد أن يقول لك هنا الوجوب هنا وجوب مستحسن مستجد، وجوب مستحسن مستجاب لكنه لا يصل إلى الوجوب الذي في درجة الإنكار.

ثم انتقل إلى الحالة الثالثة أو منكراً أو عفواً أو منكراً لنقال، فانت تخاطب خالي الذهن هذه الحالة الأولى، ثم قال: أو مردداً أو مردداً عفواً إذا متردد هاي معطوفة تمام، فأنت مخاطب خالي الذهن الحالة الأولى، المتردد الحالة الثانية، أو منكراً هذه الحالة الثالثة، فهذا المنكر قال: أو منكراً فأكداً وجوباً، عليك أن تؤكد على سبيل الوجوب، وهذا التأكيد قال بحسب الإنكار، تؤكد وجوباً وتأكيدك يكون على حسب الإنكار، فكلما ازداد الإنكار ازداد التركيب. ثم قال: فضروبه فهذه الدروب الثلاث جعلها ضروب، لذلك سموها أضرب الخبر، قلت له اسمها أضرب الخبر، إذاً الضروب يعني الأنواع هذه الثلاث لو خالي الذهن والمتردد والمنكر، هذه الضروب الثلاث أولها يعني سمي أولها ابتدائية، لذلك خالي الذهن الخطاب الذي يوجه له يسمى ماذا؟ خطاباً ابتدائياً، هكذا اصطلحوا على تسميته. أولها سم ابتدائية في تقديم وتأخير، سمي أولها ابتدائية، وما تلاها اللي هو الثاني، وما تلا اللي هو الثاني متردد وما تلاه فهو الطلبي، أي اسمه الطلبي لذلك سميناه الخطاب الطلبي أو الضرب الطلبي، يعني أنت ممكن تسميها خطاب ابتدائي أو ضرب ابتدائي، واخترت كلمة الضروب أنا سميته الخطاب راحته، أما تسمية ضرب ابتدائي أو خطاب ابتدائي، الثاني ضرب طلبي أو خطاب طلبي، إذاً فهو الطلبي، وأما ما تاليه للانكار، وأما أي أنتسب تاليه، تاليه هو المرحلة الأخيرة اللي هي المرحلة الأخيرة، كما تاليه أي انتسب تاريخه، وهو إلى ماذا انتسب؟ المراد بالانتساب يعني إلى ماذا سمي، أو ماذا سمي؟ سمي الخطاب الذي للمنكرين قال تاليه الخطاب الإنكاري، تاله للإنكار.

هنا انتهى الكلام، ترى هذه المنظومة البيت بكون مرتبط بالبيت اللي بعده، بدك تعرف وين البداية وين النهاية حتى تجمع أوراقك، قال تاليه، قال ثم مقتضى ظاهره إيرادها كما مضى، استعمال الخطاب على هذه الطريقة التي تعلمناها الآن اسمه إجراء الكلام على ظاهر مقتضى الحال. استعمالك الكلام على الطريق التي ذكرناها، أن تخاطب خالي الذهن بدون مؤكدات، وأن تخاطب المتردد بمؤكد واحد، وأن تخاطب المنكر بمؤكد فصاعداً، هذا يسمى إجراء للكلام على ظاهر مقتضى الحال. يعني خالي الذهن ظاهر مقتضى الحال تطلب مني أن أستعمل كلاماً خالياً من المؤكدات، المتردد ظاهر حاله الطبيعي نستعمل له واحداً، المنكر ظاهر حاله يقتضي أن أستعمل له كمؤكد؟ مؤكد فصاعداً بحسب هذا ظاهر.

ممتاز، لكن الأجمل من ذلك والأبهج والخروج عن مقتضى ظاهر الحال. الخروج عن ظاهر الحال شو يعني؟ الخروج عن ظاهر الحال أن أعامل خالي الذهن معاملة المتردد أو المنكر، أو أن أعامل المتردد أو المنكر معاملة خالي الذهن، أو أعامل شخص أصلاً لا هو خالي ولا متردد ولا حتى منكر، شخص مقر وموافق لي، المعاملة معاملة المنكر، هي التلاعبات التي تحدث هنا هذا يسمى خروجاً عن مقتضى ظاهر الحال، وهذا كثير في العربية ويكون له مغزى لطيف. كيف كان قبل شوي لما قلنا في فائدة الخبر، ولازفائدة الخبر قد ينزل العالم منزلة الجاهل؟ لعدم مراعاة تبدأ النكات الأبهج والأعلى تظهر لك وتشعر معها بالجمال، يعني شخص خالي الذهن ومع ذلك خوطب في القرآن مخاطبة منكر، أو العكس شخص منكر لازم آتي له بمؤكد فصاعداً بل المنكر غاية الإنكار ولازم آتي له بمؤكدات، ومع ذلك عومل معاملة خالي الذهن فخوطب بدون مؤكدات، هذا اسمه ماذا؟ خروج عن مقتضى الظاهر.

إنه كما قلنا أنت الآن بدك تضبط الأمور، خالي الذهن ظاهر الأمر يقتضي أن آتي بكلام بدون مؤكدات، المتردد ظاهر الأمر يقتضي أن آتي بكلام بمؤكد واحد، المنكر ظاهر الأمر أن آتي بكلام بمؤكد فصاعداً، لكن أحياناً قد نخرج عن هذا المقتضى لنكتة لفائدة تظهر عند التأمل. هنا بدأ السيوطي في ذكر هذه النكات، فقال: إذاً هو لما قال تاليه للإنكار، ثم مقتضى ظاهره إيرادها كما مضى، بدي يقول لك الأمر ظاهره مقتضى الحال استعمال هذه الخطابات أو هذه الضروب على ما تعلمناه الآن، سيبدأ في الأبيات القادمة يتكلم عن الخروج عن مقتضى الظاهر. فماذا قال؟ قال: وربما خلفت، أي وربما خرج الكلام عن مقتضى الظاهر، وربما خولف كل ما تعلمناه، هذا اسم إشارة، هذا يعني كل هذا الذي تعلمناه ربما خولف واستعمل الكلام على غير هذه الطريقة. مثل ايش؟ فليورد كلام ذي الخلو كالمردد. الآن سنبدأ بصور معينة، أو صورة؟ يلا يا شباب، الآن سنبدأ بقضية الخروج عن مقتضى الظاهر، وهذه الصور تتكلم عن صور طبعاً، أول صورة من صورها مخاطبة خالي الذهن مخاطبة المتردد، هذه أول صورة من الخروج عن مقتضى الظاهر.

شخص خالي الذهن ظاهر الحال يقتضي أن أخاطبه بدون مؤكدات، سأنزله منزلة المتردد، فأتي له بمؤكد، متى هذا يستعمل؟ قال: هذا يستعمل إذا كان المتكلم قد قدم لخالي الذهن بجملة أو بجمل تلوح له بشيء، تلوح له بشيء، فهنا الجملة التي ستأتي بعد ذلك بعد التلويح، يجب أو يستحسن أن تستعمل معها مؤكداً واحداً وتعامل خالي الذهن معاملة المتردد، ليه؟ لأنني قدمت له جملاً سابقاً تلوح بالجملة اللاحقة التي ستأتي، ففعلياً الأصل لو هو منتبه يشعر بهذا الترقي.

خليني أعطيك مثال تفهم به المقال، الآن ربنا سبحانه هذا كثير في القرآن، مخاطبة خالي الذهن مخاطبة المتردد. في كتاب الله سبحانه وتعالى ماذا قال لنوح عليه السلام؟ قال: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بعد ما أخبره أنه يا نوح اصنع السفينة وجهزها وكذا وكذا، ماذا ختم الخطاب في سورة هود؟ قال: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. الآن هذه جملة صح ولا لا؟ تلوح من بعيد لنوح بشيء. هو خالي الذهن، هو لا يعرف ماذا قدر الله على قومه من العذاب بالإغراق، فهو ما كانت عنده المعلومة موجودة، هو خالي الذهن، لكن ربنا سبحانه وتعالى لما أعطاه المعلومة ماذا قال؟ ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾، ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ثم أعطاه الجملة ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾. الآن لو سألتك هل نوح عليه السلام كان على علم بهذه المعلومة؟ لا. هل هو كان متردد فيها؟ أصلاً هو خالي الذهن، ما كان يعرف ماذا خبأ الله لقومه من العذاب، فكان خالي الذهن، فكان الأصل والظاهر أن يقول له الرب سبحانه: هم مغرقون، بدون استعمال التأكيد، صح؟ بناءً على القواعد التي ذكرناها قبل شوي أن خالي الذهن لا يستعمل له مؤكد، فكان ينبغي في الأصل أن يقال هم مغرقون لأنه ما عنده أي إنكار أو تردد، لكن الآية لم تأتِ هكذا، الآية جاءت: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا * إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾، فاستعمل المؤكد وهو إن، صحيح.

لماذا؟ لماذا نوح عليه السلام هو خالي الذهن خوطب مخاطبة متردد؟ فأعطاه الله مؤكداً، قالوا: لأن الله قدم له بجملة تلوح له بما سيأتي بعدها، ايش يعني؟ أنت الآن لما سمع نوح ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، كيف أنا أقول لك خليني أقرب لك إياه من حياتنا العملية، يكون طالب عامل مشاكل كثير، ومدير المدرسة معصب، يعني خلص فبيجي واحد يستشفع مدرس يشفع على هذا الطالب عند المدير، فالمذيب ما حدش يكلمني في هذا الطالب. هاي الصيغة من ماذا تشعر الأجواء حولك؟ صح ولا لا؟ فكأنها جعلت نوحاً متردداً ابتداءً، لكن هذه الجملة التلويحية كأنها جعلت نوح يصل إلى مرحلة حديث النفس، التردد، ربنا قال لي لا تخاطبني في الذين ظلموا، معناته في شيء الله سبحانه وتعالى قدره، فهنا بدأ يلوح ويتردد في ذهن نوح ماذا خبأ الله؟

فكأنه أصبح متردداً، ما هو في النهاية ما عنده معلومة الغرق أبداً؛ يعني هو مش سامع فيها أصلاً، هو خالي الذهن تجاهها. لما قدم الله له هذه الجملة، كان كأنه رقاه من درجة خالي الذهن إلى درجة المتردد، فكان المناسب أن يعامل معاملة المترددين ويقول: «إنهم مغرقون». وهذا كثير جداً في العربية، أن تلوح بجملة في الابتداء تثير ذهن السامع، فكأنه أصبح يطلب شيئاً بعدها.

يخبرني المدير، الحكم، المدرس، ما حدا يكلمني في هذا الطالب؛ أليس المدير المدرس بدأ يفكر؟ هنا يوسف عليه السلام يخاطب الملك، يخاطب امرأة العزيز، يخاطب على حسب كلام المهم؛ أليس ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: 53] كأنها أشعرت ملك مصر أن يوسف بده يتكلم بشيء، ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ هذه الجملة التي قدمها يوسف؛ يعني أنا ما بدي أبرئ نفسي، تشعر السامع أنها في شيء راح يجي من الرجل، ما ببرئ نفسه، ليكون عملت خطأ يا يوسف؟ ليكون هممت بشيء؟ ليكون فتحت باب المجال للتردد؟ فاتبعها يوسف عليه السلام، فماذا قال؟ ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]. فهنا عاملهم معاملة المترددين، لأنه ما فيش تردد، يعني كل هذه المعلومة وقد لا تكون مسبقاً عندهم، أو قد يكون هم عالمين بها مسبقاً حتى مش خالي الذهن، لكنه عاملهم معاملة المترددين، وهذا كثير.

من يعطيني أمثلة على ذلك في القرآن؟ يعني معاملة المتردد ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ممكن كلامك صحيح، يعني هذا قد يكون مثالاً على أن خالي الذهن أو من يعامل حتى منكر، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ كلام موفق، يعني ليس دقيقاً هذا المثال على هذه الحالة. هذا المثال اللي هنا أوضح، طيب في مثال آخر هكذا سليم في القرآن؟ شيء، هذا المستحضر أنا حالياً، طيب إذا حد استحضر يخبرني؛ لكن لأنه هذا الأسلوب كثير في القرآن، أسلوب أن يلوح الله سبحانه وتعالى بجملة سابقة تثير السامع، فالسامع يؤتى له كأنه متردد مع أنه كان خالي الذهن، أو مع أنه خالي الذهن أصلاً تجاه المعلومة القادمة. فهذا هو الذي ذكره السيوطي في قوله:

وربما خَلَّى الذهنَ، فَلْيُورِدْ كلامَ ذِي الخُلُوِّ، كالمُتَرَدِّدِ.

أي فليعامل خالي الذهن كالمتردد، فليورد كلامه في الخلو كالمتردد؛ أي فليعامل كلام خالي الذهن ككلام المتردد، يعني فيؤتى بمؤكد واحد. متى قال؟ إذا له قدم ما يلوح؛ يعني إذا كان المتكلم قدم للسامع ما يلوح بما سيأتي بعد ذلك، اللي هي الجملة السابقة. إذا له قدم ما يلوح بخبر، فهو لفهم يجنح، كما قلنا يعني المتكلم لوح للسامع بشيء، فالسامع بدأ هنا يفهم أن هناك شيئاً سيحدث، فهو لفهم يجنح، يجنح على اليمين؛ بدأ يفهم أن هناك شيئاً سيحدث، هناك بلاء سينزل. فلما بدأ هذا الأمر، ذهنه ناسب أن يعامل خالي الذهن معاملة المتردد، هذه الصورة الأولى.

ثم انتقل للصورة الثانية قال: ﴿فَهُوَ لِفَهْمٍ يَجْنَحُ، كَمِثْلِ مَا يَجْنَحُ مَنْ تَرَدَّدَا، لِطَلَبٍ فَالْحَسَنُ أَنْ يُؤَكَّدَا﴾. فالحسن هنا بمعنى الوجوب، وليس الحسن الذي معناه الاستحباب، فهذه الفكرة الأولى.

طيب مثلاً من الآيات الأخرى، أنا هنا دونت آية أخرى تصلح لما الله عز وجل قال لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103]، قال: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103]، لما قال له ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أتبعها ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾. وأنا بدي أعطيك قاعدة؛ كثير من الجمل التعليلية المبدوءة بـ(إن) يكون عادته هذا حالها، يكون هناك كلمات أو جمل قبلها ممتاز، ثم يختم الكلام بـ(إن) كذا وكذا، تكون هذه الجملة التعليلية المختومة بـ(إن) هذه الجملة تكون آتية ثمرة لتلويحات سابقة؛ فيعامل خالي الذهن معها معاملة المتردد، هذا بالاستقراء كثير. الجمل التعليلية التي ابتدأت بـ(إن) كثيراً ما تكون مسبوقة بجملة تلويحية، فيكون الختام بـ(إن) ناجماً عن معاملة خالي الذهن معاملة المتردد، وهذا أيضاً مطلوب منكم المحاضرة القادمة تأتون بأمثلة عليه.

بس هنا في يعني قسم، مع أن هنا أكثر من تردد؛ مثل قضية النفس الأمارة بالسوء، هنا في إنكار، هنا يخاطب الله كفار قريش، وهؤلاء بالتالي مهيؤون للعذاب، فأنا أرى أنه هذا يمشي على ظاهر الحال، أنه مطلوع؛ كتاب مسطور، يقول كل هذا القسم الطويل ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: 7]، هذا ماذا ستقول؟ هل هو خروج مقتضى الظاهر، أم جلي على ظاهر الحال؟ دليل على ظاهر الحال؛ لأن الآيات ابتداءً هي مخاطبة لكفار منكرين للعذاب، وعنادهم شديد؛ فكان المناسب أن يؤتى بقسم طويل، ثم استعمال (إن). وهذا مثال جيد أن تعرف لماذا الله عز وجل أحياناً يقسم قسماً طويلاً ثم يستعمل بعده (إن)؛ لأن طبيعة المخاطبين، كفار قريش، منكرون، بالتالي الأمر اقتضى هذا الحجم الكبير من المؤكدات. قريش لما كانوا يسمعون والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور، هم مدركون أن هذا القسم الطويل ليس اعتباراً، كأنه يريد أن يفجعهم بخبر هم ينكرونه، يدركون أن هناك شيئاً عظيماً سيقسم عليه الرب، ونحن منكرون له، فناسب هذا قسم طويل ثم ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾؛ كمان شوف القسم الطويل و(إن) واللام واقع؛ هؤلاء لأن المخاطب منكر.

كما قلت لكم عادةً بعد الأمر والنهي أيضاً، هذه القاعدة أن الجمل التي صدرت بـ(إن) إذا جاءت بعد أمر ونهي، كثيراً ما يكون فائدتها هكذا، معاملة خالي الذهن معاملة المتردد كثيراً؛ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، لا تأتِ اليوم، إن الدرس لم يقم، تعال إليه، إنني أريده؛ حياتك العملية، ﴿أَنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الشعراء: 54]، واضرب البحر، رهواً، لماذا يا رب؟ ﴿إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾، هذا كثيراً كما قلت لك أنت في حياتك اليومية، أصغر جملة تستعمله، أمرت أخوك بشيء ثم أردت أن تعلله، لا تغلق الشباك، لماذا؟ إن الجو حار، هذا ترى من هذا النمط؛ افعل كذا لماذا؟ دائماً أي جملة سابقة أنت لوحت بها واستفزيت السامع لشيء معين بعدها، أنت كأنك جعلته في حكم المتردد، فيناسب هذا أن تأتي بـ(إن).

فكان المناسب ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾؛ طيب خلينا نمشي حتى نأتي على الأفكار الأخرى. ما في شيء يلوح سابقاً، يعني أنا دائماً هذا الأسلوب لا بد يكون هناك جملة سابقة ملوحة، ثم بعد ذلك تأتي الجملة التي بعدها على طريقة المتردد، أما ابتداءً لا، ليس بهكذا.

طيب نأتي على الحالة الثانية: قال الصورة الثانية من الظاهر أن يجعل خالي الذهن، أن يخاطب خالي الذهن أو المقر الذي ليس خالي ولا متردد ولا منكر، أنه أنت عندك شخص خالي عندك متردد منكر، بس عندك صورة رابعة اللي هو ايش؟ اللي هو المقر معك، اللي هو أصلاً مشان الصورة الرابعة هذه يقول لك: أن تعامل خالي الذهن أو الشخص المقر بالمعلومة كالمتردد أو كـ(المنكر) فيلقى إليه الخطاب مؤكداً إن ظهرت منه إشارات وحركات وأمارات تدل على أنه منكر. ممتاز؛ يعني خلينا نضع هذه صورة أخرى: الصورة الثانية قال: مخاطبة خالي الذهن أو المقر مخاطبة المنكر، ممتاز، طيب مخاطبة مخاطبة لنكمل، إذا ظهرت منه علامات تمام أو أمارات إنكار، وهذه قريبة من الفكرات اللي حكينا: تنزيل العالم منزلة الجاهل لعدم عمله بعلمه. الآن لاحظوا، متردد، أنني سأخاطب خالي الذهن مخاطبة المنكر، أو مخاطبة المقر مخاطبة المنكر، لأن تصرفاته، أنت خالي الذهن أو مقر بس تصرفاتك التي تظهر منك تشير أو لعلها تبين أنك منكر. إحنا عارفينك مش منكر لكن تصرفاتك لا تسير على مسار أنك خالي أو لا تسير على مسار أنك مقر، كأنك لم تعمل بعلمك؛ ناخذ مثال على ذلك.

طبعاً فهنا احتاج أن نعامله معاملة المنكر فيمكن نأتي له بمؤكد أو بمؤكدين، طيب وهذه قضية ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ ترى ممكن نجعلها من هذا القبيل، أنه هنا يوسف يخاطب ملك مصر يقول له: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53]، الآن ملك مصر يعرف هذه المعلومة أن النفس أمارة بالسوء لكن يوسف عامله معاملة المنكر، يوسف عامله معاملة المنكر، أما لأن طريقة التحقيق الذي أجراه ملك مصر مع نسوة العزيز أو شيء من ذلك وجد فيه شيئاً من الريبة أو ما شابه ذلك، كان هنا سيبدأ الإنسان يحاول يحلل لماذا يوسف عامل ملك مصر وامرأة العزيز معاملة المنكر مع أن هذه المعلومة هم يقرون بها؟ مثال شهير في كتب البلاغة على هذه الفكرة:

جاء شقيق عارضاً رمحه، إن بني عمك فيهم رماح.

أكتبوا هذا البيت: جاء شقيق عارضاً رمحه، في شخص اسمه شقيق، في مشكلة عائلية، فجاء بتعرف في بعض الشباب هيك بيجي حامل له عصا ولا حامل له سكينة ويروح فيها، فماذا يقول له الشاعر؟ جاء شقيق عارضاً رمحه، يعني يلوح برمحه أو عارض له أو حامل هكذا بالعرض على كتفيه بهذه الصورة، فيقول له: إن بني عمك فيهم رماح. الآن هنا هل شقيق لا يعرف هذه المعلومة أنه أولاد عم وعندهم أسلحة؟ ويعرف القبائل العربية أصلاً كلها كانت مسلحة بالرماح والسيوف وما شابه ذلك. طيب لماذا قال له ﴿إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِمَاحٌ﴾؟ طبعاً هنا اعتبروا أن (إن) هنا هي المؤكدة، ويمكن نضيف عليها الجملة الاسمية فاعتبر مؤكدة أو مؤكد واحد، لكنه حمل على أنه إنكار، ليش؟ أنت لما تشوف شخص عم بيلوح بالرمح أو حامل الرمح بهذه الطريق وجاي يترجح به أمام قومه أو أمام أبناء عمه، هو يعلم أن بني عمه فيهم رماح، لكن تصرفاته التي ظهرت منه كأنه منكر لوجود الرماح في بني عمه؛ مشان هيك جاي يستعرض، وهو في الحقيقة ليس منكراً، هو مقر ومش خالي، لا لا هو مقر بوجود الرماح لكن تصرفاته تصرفات منكر، فلما خطب ﴿إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِمَاحٌ﴾ أكد له ذلك لأنه نزل منزلة المنكر لعدم جريه على موجب علمه، ولظهوره أمارات الإنكار منه من خلال تصرفاته.

وهذا كثير، يكون إنسان مقر بمعلومة لكن كما قلنا قبل قليل لا يعمل بموجبها ولا يتصرف تصرفات المقر، فيعامل معاملة المنكر، من يعطيني مثالاً على ذلك؟ نفس الفكرة في موضوع فائدة الخبر؛ لما يأتي شخص يعلم بوجود الموت ولكنه فاجر، يعني يقوم بكل المنكرات، هنا ماذا سأقول له؟ أقول له: إن الموت لحق، مؤكداً (إن) الموت لحق، هسا هو جاهل بهذه الفكرة؟ هو يعلمها يعني هو مش خالي، هو النوع الثاني هو مقر بها، لكنني عاملته معاملة المنكر فأتيت له بمؤكدين فقلت له: إن الموت لحق. لماذا عاملته معاملة منكر؟ لأن تصرفاته الحياتية، فجوره وخناؤه وغير ذلك كأنه منكر، أنا عارف أنك مقر لكن تصرفاتك ليست تصرفات المقر، فناسب هذا أن أعاملك معاملة المنكر، فأتي لك بمؤكدين. فمن يعطيني مثالاً في القرآن على ذلك؟ مثلاً خلوني آتي على آية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: 15] صح؟ الله عز وجل يخاطب كفار قريش ماذا يقول لهم؟ ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾، كمؤكد في الآية (إن) و(اللام)؛ وإذا حطينا الجملة الاسمية صاروا ثلاث، ممتاز. هل كفار قريش كانوا ينكرون الموت؟ طيب لماذا أكد الله سبحانه وتعالى لهم؟ لأن تصرفاتهم، إعراضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، مقاتلتهم له، إنكارهم التصرفات التي كانت تظهر منهم كأنهم منكرين؛ ما هم في الحقيقة ليسوا منكرين هم مقرون، لكنه عاملهم معاملة المنكرين؛ لأن تصرفاتهم للاسف ليست تصرفات إنسان مقر بالحقيقة، لأن الإنسان السوي الذي يقر بحقيقة معينة الأصل أن عمله يطابق علمه، تمام تفضل.

أحسنت؛ تقول ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: 8]، يعني حتى جاء أكثر من (إن) في الآية، ممتاز؛ لأنهم هم يعلمون ذلك لكن طبيعة تصرفات المنافقين في غزوة الأحزاب لما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم الهروب من المدينة وأن بيوتنا عورة إلى غير ذلك؛ الله عز وجل يخبرهم من الموت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، ممتاز خاطبهم مخاطبة المنكرين مع أنهم عالمون بهذه الحقيقة، وهذه قاعدة عامة وجميلة في القرآن، أنك تنتبه أن هذه التأكيدات جاءت لأقوام مقرين بالقضية، لكنه عاملهم معاملة المنكرين.

تفضل، على أننا، هذه الخطبة، طيب لماذا خطبوا ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]؟ هل هو شخص خالي الذهن؟ على أن الله سوف، لماذا أكد مؤكدين؟ هو نحن دائماً شوي هذه الأمور مش مستعجلة، بدك تحللها حتى تهدأ، يعني هذا كلام في القرآن، يعني لماذا قال الله لهم: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، استعمل مؤكدين؛ (ألا) أداة الاستفتاح، و(إن)؛ إذاً هو هذا خطاب إنكاري، لكن أنت تقول هم كانوا مقرين، لكنه نقول عاملهم معاملة المنكرين، لماذا نقول مثلاً؟ ممكن لظهور اليأس والإحباط عند بعضهم، ممكن نقول ذلك، الصحابة أكيد مؤمنين بالله سبحانه وتعالى.

على درجات الإيمان، لكن مع شدة البلاء، مع شدة القتل، مع شدة العذاب، يمكن أن يصبح الإنسان يشعر بشيء من الإحباط. ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾، شعورهم بالإحباط، هم ليسوا منكرين، لكن عاملهم معاملة المنكرين ليشد من عزائمهم، ليرفع منها؛ نظرًا لشدة الحصر والعذاب الذي وقعوا تحته. إذاً، هذا يمكن يكون مثالاً على هذا، زي ما تفضلت، وناس مقرون بأن نصر الله قريب، لكن خاطبهم بمؤكدين: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. هنا يبدأ العقل التحليلي لطالب العلم: لماذا عاملهم معاملة المنكرين مع أن الصحابة مقرون بقرب نصر الله؟ لأنه أحياناً شدة الضغط النفسي عليك يجعلك هكذا تشعر بشيء من الحزن، بشيء من اليأس أو الإحباط البشري، المشاعر التي تدخل عليك.

لما أتى خباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الكعبة وكان متوسداً بردة، فقال: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ فأعطاه الحديث الطويل: «إنما كان من قبلكم... تستعجلون». يعني كأنك تشعر، يا خباب، مش أنت العذاب الذي تعرض له خباب؟ يعني: يا رسول الله ادعُ الله أن يأتي بالنصر. هو مؤمن، شديد الإيمان بالله سبحانه وتعالى، لكن فعلاً القهر والعذاب الشديد قد يجعل شيئاً من مشاعر الضعف تدخل وتتسرب إلى الإنسان، فتأتي ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ مثبِّتة أخرى. ولا إشكال أن تقول إنه خاطبهم مخاطبة المنكرين لزيادة الإيمان، ما في مشكلة أن تقول خاطبهم مخاطبة المنكرين لزيادة الإيمان.

حتى أنتقل للفكرة الثالثة والأخيرة اليوم. شخص ملحد، نصراني، يهودي، تقول له: الإسلام حق، ما أتيت ولا بمؤكد مع أن شخص منكر كافر. متى أقول له ذلك؟ أنا نزلت المنكر هنا منزلة خالي الذهن؛ لماذا؟ لأن أدلة الإسلام قوية جداً جداً، الأدلة على صحته قوية جداً جداً، الأصل ألا يبقى معها شكل من أشكال الإنكار. فالرسالة التي أوصلها لهذا الملحد أو لهذا اليهودي لما أقول له: الإسلام حق، بدون مؤكدات، أنه أنا واثق من ديني، واثق من أدلة الإسلام لدرجة أنني أقول: لا يجب أن يكون عندك أي إنكار، بل أي تردد. فأقول: الإسلام حق، بكل قوة وبكل جرأة. فهذا أيضاً من الخروج عن مقتضى الظاهر؛ لأنه الشخص المنكر الأصل تقول له: إن الإسلام لحق، صح، لكن ما قلت له: الإسلام حق، بكل بساطة مبتدأ وخبر؛ لأن الأدلة التي تؤكد صحة الإسلام الأصل أن تنفي أي شكل من أشكال الإنكار. كما أقول: القرآن حق، متى تقول: القرآن حق لشخص مثلاً منكر القرآن؟ لأن أدلة صحة القرآن كثيرة.

على هذا، الله عز وجل ماذا قال في بداية سورة البقرة: ﴿الٓمٓ * ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 1-2]. طب كيف الله ينفي الشك مع أن هناك كثيراً من الناس؟ طبعاً هذه مش فكرة هنا التوكيد، لكنها تنظير كيف الله يستعمل نفي الريبة على الشيء الذي لا ينبغي أن يرتاب فيه مع أن الريبة موجودة. لما الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَ فِيهِ﴾، لا شك فيه بشكل من الأشكال، طب مش في ناس كتير؟ كيف يكون الله "لا ريب فيه" مع أن هناك ناساً كثيراً؟ تقول: الله خاطبهم بهذا الخطاب يريد أن هذا الكتاب لشدة وضوحه وإعجازه وأنكم لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله يا أيها العرب، لا ينبغي أن يكون فيه شك بالأشكال، الريب فنفى الريب مع وجوده؛ نفى الريبة لا نفاذاً للذات بل نافٍ للجنس، مع وجوده إعلاماً للسامعين أنه لا ينبغي أن يكون هناك شك من الأشكال. طبعاً هذه ليست فكرة على التوكيد، فكرة تدل على أنه فعلاً أحياناً شيء قد يُنفى وجوده فهذا موجود؛ لماذا؟ لأن أدلته من شدة وضوحها تقتضي أن لا يكون موجوداً أو العكس. تمام، هذه فكرة جيدة في هذا الميدان.

لذلك خلوني أرجع للآية السابقة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 15-16]. طيب، لماذا اختلف؟ خلاص، آخر معلومة، هذا مطلوب في هذه الدروس. لماذا كان مؤكداً واحداً مع أن كفار قريش لو سألتكم سؤالاً: ما الشيء الذي كانوا ينكرونه؟ طب البعث أتى له مؤكد واحد: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ مع أنه هو الذي ينكرونه، وأما الموت الذي لا ينكرونه أتى له بمؤكدين للاستغراب: ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾. الشيء الذي هم مقرون به عاملهم معاملة المنكرين وأتاهم بمؤكدين، والشيء الذي هم ينكرونه فعلاً وليسوا مقرين به، أتى لهم بمؤكد واحد: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾.

من يحكي؟ ماذا خطر في ذلك؟ مرحلة الوضوح هذا؛ يريد أن يقول إن الله سبحانه وتعالى بشدة وضوح الأدلة الدالة على وجود البعث كأنه يقول لهم: بشدة وضوح هذا الأمر لن أعاملكم في شدة درجات الإنكار، بل سأعتبر إنكاركم بسيطاً جداً وآتي له بمؤكد واحد، مع أن إنكارهم للبعث أصلاً لا يساوي إنكارهم للموت، لكن كأنه يقول لهم إن أدلة اليوم الآخر قوية جداً، الأصل لا يبقى معها أي شكل من أشكال الإنكار. فإتيانه بمؤكدين للموت وهم يقرون به، مع مؤكد واحد للبعث وهم منكرون له، فيه رسالة لهم عجيبة أن البعث وضوحه جلي جداً فلا ينبغي أن يكون فيه إنكار أصلاً. فلذلك فيه معاملة الموت للموت الذي أنتم تقرون به لكنكم لا تعملون بموجبه، أكدته تأكيداً شديداً لتنبيهكم، لكن البعث الذي أنتم منكرون له وتنكرون فعلاً وحقاً، لا ينبغي أن ينكر ولا ينبغي أن تعاملوا بهذه الدرجة، الأدلة واضحة جداً فساكتفي بمؤكد واحد عندما أتكلم عنه.

هذه الدقائق أحبابي الكرام دقائق عجيبة في فهم كلام الله سبحانه وتعالى، تعرف لماذا هناك مؤكدين وأنا مؤكد واحد؟ هذا التأمل سيجعلك تعيش مع القرآن بنفس آخر وتبدأ تدرك أكثر وأكثر، هذه الأمور لا أُقِيمت من ذلك عليكم جميعاً. نكتفي اليوم بهذا المقدار، بس خليني أقرأ الأبيات: "ويجعل المقر مثل المنكر، أنسمة النكرية عليه تظهر، كقولنا لمسلم وقد فسق: يا أيها المسكين أن الموت حق". هذا مثال على تنزيل المقر منزلة المنكر؛ لعدم جراءته على موجب علمه أن الموت حق. ثم قال: "ويجعل العكس ويجعل المنكر إن كان معه شواهد -أي أدلة- لو يتأمل -أي ترضعه عن إنكاره- كغيره -أي كغير المنكر كخالي الذهن أو كالمقر- ويجعل المنكر إن كان معه شواهد نوي يتأمل مرضعته كغيره، أن يجعلك المقر أو كخالي الذهن، كقوله: كالإسلام حق لمنكر".

والنفي فيه ما سبق، يعني كل ما ذكرناه في الجمل الإثباتية يطبق على الجمل المنفية، يعني كل هذه الأمور الابتدائي والخطاب الطلبي والخطاب الإنكاري والخروج عن مقتضى الظاهر بصوره الثلاث، كما قد تكون الجملة مثبتة قد تكون الجملة منفية. لهذا الكلام ليس له علاقة جملة مثبتة أو منفية، كما يكون في الإثبات يكون في النفي، فقد استعمل أدوات التوكيد لنفي شيء كما استعملها، أمر واضح.

وعند هذا المقام، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. طبعاً إخواننا الكرام المحاضرة القادمة بدنا يكون هناك أمثلة منكم، سأسأل فلاناً: أعطيني مثال، هكذا تأتون بشواهد، تفسير النسفي من أهم الكتب التي اهتمت بذكر هذه الأمور، لذلك طالب العلم بتفسير النسفي قد يستخرج منه الكثير من هذه القضايا التي ذكرناها اليوم، فالجميع مطالب بأمثلة على كل هذه الظروف وتدبر القرآن وحزبك ووردك وكتاب الله سبحانه وتعالى بهذا المنظور ستستفيد كثيراً.