دخولتسجيل الدخول

الدرس 44 - باب الفصل والوصل (6)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

في المجلس السابق تحدثنا عن الجامع العقلي بأنواعه الثلاثة: الاتحاد، والتماثل، والتضايف. الآن سننتقل للحديث عن الجامع الوهمي، قال السيوطي عليه رحمه الله في شرحه: والوهمي؛ الآن شرع في بيان النوع الثاني من أنواع الجوامع المعتبرة، وهو الجامع الوهمي. قال بأن يكون بين تصوريهما -المسند إليه في الجملة الأولى والمسند إليه في الجملة الثانية، والمسند في الجملة الأولى والمسند في الجملة الثانية- شبه تماثل؛ لاحظ ماذا سماه: سماه شبه تماثل، ليس تماثلاً، بل ما يشبه التماثل وإن لم يكن تماثلاً واقعاً. مثل ماذا شبه التماثل؟ قال: كلوني البياض والصفرة، اللون الأبيض واللون الأصفر؛ يقول: فإن الوهم يبرزهما في معرض المثلين، أي يظهرهما لك كأنهما متماثلان. ممتاز، يعني تجد مثلاً هذا الشيء لونه أبيض وهذا الكأس لونه أصفر، إذا نظرت إليهما يقول الوهم -وليس العقل؛ العقل هو صاحب الأحكام الدقيقة- يظهرهما لك كأنهما متماثلان، وإن كان هذا الكلام تقريبياً لكم.

ولو رجعتم عند التفتازاني في المطول ستجدون تعريفات دقيقة للعقل والوهم، فذكر أن العقل هو الحاكم، هو الذي يحكم على الكليات، وأن الوهم هو الذي يحكم على الجزئيات غير المحسوسة، وأن الخيال هو الذي يحكم على الجزئيات المحسوسة. أنتم تعرفون في المنطق تقسيم الأشياء إلى كلي وجزئي، والكلي لا وجود له في الخارج وإنما وجوده في الأذهان؛ فيقول: العقل أساسه الأحكام الكلية. وأما الجزئيات التي في الخارج، فما كان يتعلق بأحكامها بأمور باطنة لا تدرك بالحواس كالوهم والصداقة والمحبة والكره والأمور النفسية، فقال: هذه إدراكها يسمى وهماً. طبعاً هذه مصطلحات، ليست الوهم بمعنى الخطأ؛ في حياتك الاعتيادية أنت تستعمل كلمة الوهم بمعنى الخطأ، لا، هذا إياك تستجلبه هنا، هنا الوهم له معنى أدق كما يقول التفتازاني: الوهم هو إدراك الأمور الجزئية التي بطبيعتها لا تدرك بالحواس، والخيال الذي سيأتي معنا وهو الثالث هو إدراك الأمور الجزئية التي بطبيعتها تدرك بإحدى الحواس بالسمع أو بالبصر.

هذا هو التعريف الدقيق الذي ذكره التفتازاني للتفريق بين العقليات والوهمي والخيالي. العقليات هي الكليات والأحكام الكلية، كقولك مثلاً: الإنسان موجود، أو زيد إنسان، هذه كلها تسمى أحكاماً كلية، حكمت على زيد أنه إنسان، وحكمت على هذا الشيء بأنه موجود؛ لأن الوجود والإنسانية والحيوانية وكل هذه ليست أشياء محسوسة في الخارج، أليس كذلك؟ الإنسانية، الحيوانية، الوجودية، هذه كليات يجردها العقل ويحكم بها على الجزئيات الموجودة في الخارج، فالوجود والإنسانية والحيوانية والنباتية، هذه كلها تسمى كألفاظ ومفاهيم أجناس، والأجناس هي كليات، والكليات وجودها ذهني وإنما وجودها في الخارج ضمن جزئياتها. فالعقل إنما يتعلق بالكليات التي يجردها من الجزئيات التي في الخارج ويضعها في مستودعه الفكري.

وأما الوهم فهو الذي يحكم على الجزئيات، قال: هي الأحكام الجزئية المتعلقة بالجزئيات الموجودة في الخارج، لكن فيما يتعلق بالجوانب غير المحسوسة منها، الوجدانيات خلينا نسميها، وأما الخيال فهو ما يتعلق بالجوانب المحسوسة منها. طبعاً هذا تقسيم ذكره، لكن أنت هنا في هذا الجانب في علم البلاغة لن يهمك كثيراً مثل هذه الأحكام، لو كنت تدرس فلسفة وتدرس الفرق بين هذه الأمور كأحكام فلسفية منطقية قد تحتاج إلى هذا المستوى من التعمق، هنا يكفينا الكلام العام الذي ذكره السيوطي في هذا المقدار، يكفي إن شاء الله.

فلما قال: "الوهمي"، قال: بأن يكون بين تصوريهما شبه تماثل؛ كلوني البياض والصفرة، كما قلنا؛ فإن الوهم يبرزه في معرض المثلين، أي في صورة المثلين، ليه؟ قال: لتقارب بينهما؛ فيسبق إليه في بادئ الرأي قبل أن يدقق النظر أنهما نوع واحد، لكن زيد في أحدهما عارض. أي الذي يسبق إذا رأيت شيئاً أبيض وشيئاً أصفر أنه هذا مماثل لهذا، بس أنه هذا كأنه بياض زيد في رغوته قليلاً أو في صبغته ما أماله إلى الصفرة؛ هكذا قالوا، يحكم الذين -طبعاً هذا مثال- يذكرون هكذا؛ لأن العرب كثيراً ما كانت تقارب بين البياض والصفرة وتعطفهما وتمزج بينهما عند الحديث عن ألوان الدواب وألوان الخيل وألوان النوق وما شابه ذلك، فاستنبطوا هذه الفكرة أن العربي يرى أن البياض والصفرة فيهما شبه تماثل، لذلك يمكن أن يعطف بعضهما على الآخر.

قال: بخلاف العقل، فإنه يعرف أنهما نوعان متباينان؛ نعم، العقل كحكم عقلي العقل يفرق بين البياض وبين الصفرة، لكن الوهم لا، هكذا يقول الوهم هو الذي يجعلهما شبه متماثلين، أما العقل الدقيق لما يأتي يركز ويفكر بقواه العقلية لا، يقول لك هذا لون وهذا لون؛ فالتقارب هو تقارب وهمي، لذلك جعلناه ضمن الصورة الثانية، الوهمي، وليس ضمن الصورة الأولى الجامع العقلي؛ فالجامع إذاً بين البياض والصفرة هو جامع فرضه الوهم وليس جامعاً فرضه العقل.

المثال الثاني: أو يكون بين تصوريهما تضاد؛ فعلاقة التضاد التي كثيراً ما ذكرناها في الأمثلة السابقة هي علاقة وهمية ولا تعتبر علاقة ضمن العلاقات العقلية؛ لأن الأصل أن الشيء المتضادين متباينان، مش مجتمعان، صح؟ الأشياء المتضادة؛ البياض والسواد، الأصل أنهما متباينان، مختلفان. طيب إذاً كيف جعلتم البياض والصفرة يمكن أن يجمع بينهما في جملتين باعتبار بينهما جامع؟ كيف جعلتم الأبرار والفجار -نيجي على المثال الذي ذكرناه قبل قليل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13-14]- في جهة ومنطقة وجنة، والفجار في جهة ومنطقة وجحيم؛ كيف جعلتم بينهم تناسب واجتماع؟ فما طبيعة الاجتماع بين الأشياء المتضادة؟ قالوا: ليس اجتماعاً عقلياً وإنما هو اجتماع وهمي؛ قال: أو يكون بين تصوريهما تضاد كالسواد والبياض، فإنك إذا تصورت السواد يضاده تماماً تصور البياض، هذا معنى بين تصوريهما، أي عندما تأتي لتتصور في ذهنك وفي القوة المفكرة عندما تأتي لتتصور البياض فإنه يختلف تمام الاختلاف ويتباين تمام المباينة عن تصور السواد، كذلك الإيمان والكفر، الأبرار والفجار، الجنة والنار، وقس عليها.

قال: وما يتصف بهما؛ طبعاً الجنة والنار ممكن لا يعتبر من التضاد التام، ممكن يعتبر من شبه التضاد الذي سيأتي معنا، بس للفائدة، إذا قال: والإيمان والكفر، ثم قال: وكذلك وما يتصف بهما الأبيض والأسود والمؤمن والكافر. شو الفرق بين قوله البياض والسواد وما يتصف بهما الأبيض والأسود؟ الآن البياض والسواد هذه مصادر، السواد كمفهوم، أما الأسود فهذه صفة، مش الشيء الذي حل به السواد. شو الفرق بين السواد والأسود؟ السواد هو المصدر وهو يدل على لون معين اسمه سواد، وأما أسود فهذا مش اللون الأسود، هذا شيء حل به هذا اللون، صح؟ الأسود هو شيء حل به السواد إذا بدي أكون دقيق.

فالسواد هو نفس اللون، وأما الأسود فهو الشيء الذي حل به هذا اللون، الجوهر الموجود في الخارج الذي حل به هذا اللون؛ فيقول التضاد يكون بين الألوان نفسها، سواد وبياض، ويكون بين ما تحل به أيضاً هذه الألوان كالأسود والأبيض، فكما أن سواد وبياض متباينان كذلك الشيء الأبيض والشيء الأسود متباينان. وتباين الصفات المشبهة هو تبع لتباين المصادر أصلاً، فالأبيض والأسود لماذا متباينان ولماذا متضادان؟ تقول: لتضاد المصدر وهو السواد والبياض ابتداءً. فقال: التضاد إذاً ليس فقط في المصادر، بل قد يسري حتى إلى ما حلت به هذه المصادر من الجزئيات الموجودة في الخارج؛ لأن السواد والبياض حقيقة مفهوم ذهني، وأما في الخارج فما في سواد وبياض هكذا وحدة، وإنما في أسود وأبيض، لأن السواد هو مفهوم ووجوده في الخارج ضمن جزئيات، فالذي في الخارج هو الأسود والأبيض، وأما السواد فهو مجرد مفهوم ذهني.

وكذلك المؤمن والكافر؛ هس الإيمان والكفر، الإيمان هل هو شيء موجود في الخارج محسوس؟ لا، هو مفهوم ذهني، صح؟ لكن الموجود في الخارج شو هو؟ الشخص الذي حل به الإيمان وهو المؤمن، نفس الشيء الكفر هذا مفهوم ذهني، الموجود في الخارج ليس الكفر، الموجود الكافر والكفار الذين يحل بهم الكفر؛ فعليك أن تنتبه للعلاقة بين المصدر اللي هو اسم الجنس اللي هو المفهوم الذهني وبين الصفة المشبهة التي يحل بها هذا المصدر.

الصورة الثالثة من صور الأوهام: شبه التضاد؛ كالسماء والأرض؛ الآن هل نقول العلاقة بين السماء والأرض علاقة تضاد؟ بقول لك هي شبه تضاد، الآن سنعرف لماذا لم تعتبر تضاد، كذلك مثلاً الجنة والنار هي شبه تضاد، مش تضاد؛ ليه؟ الآن سنأتي للفرق الدقيق الفلسفي بين التضاد وشبه التضاد. بس خلونا نقرأ، قال: أو شبه التضاد كالسماء والأرض؛ لأن الأول هي السماء في غاية الارتفاع، والثاني وهي الأرض في غاية الانحطاط، وليست من المتضادات؛ لأنهما لم يتعاقبا على محل واحد. يعني كأنه يريد أن يقول الفرق بين الأشياء التي نحكم أنها متضادة والأشياء التي نحكم أنها شبه متضادة: أن المتضادات هي التي يمكن أن تتعاقب على محل واحد، فهذا المحل حل فيه الآن سواد، ثم ذهب فعاقبه جاء عقبه بياض، ثم يمكن أن يذهب البياض عن هذا المحل ويأتي مكانه شيء آخر.

فالمفاهيم التي نحكم بأنها متضادة -اكتبوا هذا التعريف- هي المفاهيم التي يمكن أن تتعاقب على محل واحد، لكن لا يمكن أن تجتمع معاً فيه، ولذلك أصلاً لماذا حكمنا أنها متضادة إذا لا يمكن أن تجتمع معاً؟ فالأشياء المتضادة هي التي يمكن أن تتعاقب على محل واحد لكن لا يمكن أن تجتمع معاً فيه في نفس الوقت؛ فالبياض والسواد يا رعاكم الله هل يمكن أن يجتمع في نفس المحل في نفس الوقت يكون الشيء أبيض وأسود؟ لا، ما هو يا أبيض يا أسود، صح؟ لكن هل تقبل التعاقب على المحل؟ آه، ممكن المحل يكون أبيض ثم بعد ذلك يزول هذا البياض لسبب من الأسباب ويحل مكانه سواد؛ فالبياض والسواد من المفاهيم التي تقبل التعاقب على الأشياء لكنها لا تجتمع معاً، لا يجتمعان معاً، فيكون الشيء أبيض وأسود لا يمكن.

أما شبه المتضاد فهي المفاهيم التي بطبيعتها لا تجتمع معاً، ولكنها أيضاً عند التصور لا تتعاقب على محل واحد؛ فمفهوم السماء والأرض، هل يمكن أن، هل هناك شيء بيكون في سماء بعدين ببطل سماء بصير أرض؟ في شيء هكذا يا إخواني في العالم أنه يحل فيه مفهوم السماء فيصير سماء، بعد فترة بروح منه مفهوم السماء بيجي فيه محل مفهوم الأرض بصير أرض، بعدين بعد فترة بروح منه مفهوم الأرض برجع مفهوم السماء يحل فيه؟ شيء موجود في العالم ما في شيء زي كذا. فإذاً لما نأتي نقول بخلاف السواد والبياض، آه في شيء بكون أسود وبعدين ممكن يروح منه لون السواد ويصير أبيض، ينصبغ صبغة أخرى، بعدين يروح منه البياض ويصبغ بصبغة، هذا موجود، أما شيء يكون سماء يبطل بعدين سماء يصير أرض، بعدين يبطل الأرض يرجع سماء، هذا مش موجود أليس كذلك؟ فالسماء والأرض مفاهيم لا تتعاقب على محل واحد، مفاهيم لا تتبادل على محل واحد، فهي ليست إذاً متضادة بالعبارة المنطقية الفلسفية، وإنما هي شبه تضاد.

نفس الشيء الجنة والنار؛ الآن هل هناك شيء هو جنة بالنسبة لنا نحن المسلمين كمفهوم الجنة والنار، انسى المفهوم المجازي أنه البلد كانت جنة ثم صارت نار، هذه مفاهيم مجازية، لكن الجنة والنار كمفهوم حسي محسوس، هل هناك شيء هو جنة عند الله سبحانه وتعالى ثم يصبح نار؟ ثم يكون نار ثم يصبح جنة؟ لا، هي الجنة الجنة خلقها الله وأعدها سبحانه وتعالى، وهناك النار الجحيم أقصد التي أعدها الله وخلقها، فالجحيم ستبقى الجحيم ولا يتعاقب عليها معنى آخر غير الجحيم؛ يعني الجحيم هل ستصبح في يوم من الأيام على الكفار جنة؟ لن تصبح ذلك، والجنة دار الخلد هل ستصبح، هل يمكن أن تصبح في يوم من الأيام نار عليهم؟ لا يكون ذلك. فبالتالي مفهوم الجنة والنار شبه تضاد؛ نفس الشيء هنا سيختم بمثال قال: كمفهوم الأول والثاني، لاحظوا ايش قال: لأنهما لم يتعاقبا على محل واحد، كمفهوم أول وثاني؛ ركزوا في هاتين الكلمتين أول وثاني، ايش قال؟ قال: لأن مفهوم الأول دائماً لما تسمع كلمة...

هذا لما تسمع كلمة، مش هذا ما بديش أتكلم عن شخص في الخارج. لما تسمع كلمة الأول، ماذا تترجمها؟ كلمة الأول ماذا تعني لك؟ السابق، صح؟ دائماً الأول يعني السابق، ما دام كذلك. والثاني شو معناها؟ المسبوق الذي قبله أو شيء، أليس كذلك؟ سبقه، فمفهوم الثاني أول ما تخطر في الذهن لما تسمع كلمة ثاني، شو يخطر بذهنك أنه في شيء سبقه.

قال: فمفهوم الأول والثاني بتشعر أنه في بينهم نوع من المقابلة، صح؟ في مقابلة أنه الأول يقابله الثاني، لكن هل هذه المقابلة نستطيع نسميها التضاد؟ أم المقابلة بين الأول والثاني شبه تضاد؟ يقول لك: الأول والثاني مفهومان لا يتعاقبان على محل واحد. شو معنى هذا الكلام؟ لأن هذه العبارة، شوف أنت في السماء والأرض ممكن فهمناها، بس في الأول والثاني ممكن شخص يقول لك: طب يا شيخ كيف الأول والثاني لا يتعاقبان على محل واحد؟ مش الأول الشخص الذي يكون في أول السباق ممكن يصير ثاني، والذي كان الثاني ممكن يصير أول؟

الكلام هنا ليس في الأفراد الموجودة في الخارج، المفهوم المراد أنه نفس الأول كمفهوم والثاني لا يمكن أن يتعاقبا. يعني الآن السماء والأرض، كما قلنا مثلاً، هي أشياء لا تتعاقب على محل واحد؛ السماء شيء وصورته ومفهومه، والأرض شيء وصورته ومفهومه، هو بطبيعته هكذا، السماء صورة ومفهوم ووجود معين، والأرض صورة ومفهوم ووجود معين. فبقول لك نفس الشيء: الأول هو شيء سابق، والثاني هو المسبوق بواحد، فهما لا يتعاقبان في محل واحد؛ الأول هو الأول بمفهومه وصورته وشكله، والثاني هو الثاني بمفهومه وصورته وشكله، فليس مما يقبل التعاقب كمفاهيم. وأما أنه شخص في الخارج كان في السباق أولاً بعدين رجع ثانياً، أو ثانياً وصار أولاً، فهذا دخلنا فيه حين نتكلم عن الأفراد وتطبيقاتها في الخارج.

إذا كان المثال الأول والثاني مغلبك، ركز في مفهوم السماء والأرض والجنة والنار فترتاح فيه. ثم قال: والوهم، ماذا يقول هنا؟ انتهينا من التفريق بين التضاد وشبه التضاد، قال: والوهم ينزل التضاد وشبهه منزلة التضايف. الوهم كيف يتعامل مع التضاد وشبهه؟ يقول لك الوهم ينزل التضاد وشبه التضاد منزلة التضايف التي ذكرناها، وهي صورة من صور الجامع العقلي. فيقول لك الوهم يعامل التضاد وشبه التضاد كما يعامل العقل التضايف؛ في أنه لا يحضر أحد المتضادين أو شبه المتضادين إلا وأحضر معه ضده.

شوف كلامه نوعاً ما هنا صحيح؛ الوهم إذا سمع سماء مباشرة بتحسه بيشبك على الأرض، إذا سمعت جنة في نوع من السكون، سأقول لك مش العقل، العقل بجوز ما بيشبك، بس الوهم بتشعر أنه يقربك، أن مفهوم النار قريب كأنه قريب من المساحة الذهنية لأن هذه أشياء طبيعتها شبه متضادة. لما تسمع كلمة سواد الوهم يستحضر بياضاً، لما تسمع كلمة فوق، الوهم يستحضر تحت. لكن خلونا على المفاهيم التي ذكرناها.

العقل ينفي الصفة المقابلة، يعني جنة العقل ينفي النار، قلت له لا، استنى ارجع دقيقة. قضية تشعر أنني الآن عم أحاول أنظر في الفرق بين لما مثل على التضايف ذكر أصغر وأكبر وأقل وأكثر، أليس كذلك؟ وأعلى وأسفل، زي فوق وتحت. ولما أتى، كان الأصغر والأكبر لم يعتبرها أصلاً من المتضادات؛ أنتم ملاحظين هنا أنه لو جعلها من قبيل المتضادات لوضعها تحت الجامع الوهمي، لكن هو لما مثل بالأصغر والأكبر، والأقل والأكثر، والأعلى والأأسفل، ونفس الشيء ما ذكرناه قبل قليل الفوق والتحت، هو الآن يعتبرها ضمن الجامع العقلي مع أنك تشعر أن في بينها تضاد، أليس كذلك؟ قضية أعلى وأسفل أنت قبل شوي ذكرت أمثلة من المتضايفات مع أنك لا تشعر أن بينها تضاد.

نعم، هو هذا، كلامك صحيح، هي الفكرة أنه حتى لا نصاب بشيء من الإرباك في قضية التضايف، الذي جعله ضمن الجامع العقلي ومثل له بأصغر وأكبر وأقل وأكثر وأعلى وأسفل، مع أنه بتشعر أنه متضاد أيضاً، فلماذا هذا النوع من التضاد اعتبرته تضايفاً وجامعاً عقلياً؟ ولما أتيت للمتضادين كالسواد والبياض والإيمان والكفر جعلته جامعاً وهمياً؟ الفكرة التي ذكرناها أن طبيعة التضايف هي أمور بطبيعتها متضادة، ممكن في بعض الصور الأبوة والبنوه برضه فيها نوع من التضاد، لكن خلينا نركز في الأمور المتضايفة.

المتضايفات صورة من صور الجامع العقلي، هي أمور بطبيعتها لا يتصور أحدهما إلا إذا تصور الآخر. هذا كلام دقيق ونحن قاعدين نحلل هذا الكلام حتى لا نخطئ وحتى نشعر أن الكلام كله مفهوم وهذه التقسيمات كلها مفهومة. المتضايفات، إذا لم يتصور الآخر، فالأبوة لا يتصور مفهومها العقل إلا إذا تصور البنوة. الأكبر لا يتصور العقل مفهوم الأكبر إلا إذا شبك مباشرة أنه هناك أصغر، هنا يعتبر تضايف وإن كان فيه تضاد أو شبه تضاد، لكن هنا لا ننظر إلى التضاد أو شبه التضاد، وإنما يهم هنا أنه تضاف من جهة أن العقل لا يمكنه أن يتصور المفهوم الأول إلا إذا شبك معه المفهوم الثاني.

أما التضاد الذي اعتبرناه من قبيل الوهمي، فهو مفهوم يمكن أن يتصوره العقل من دون حاجة لأن يتصور المفهوم الثاني؛ فالبياض أو الأبيض يمكن للعقل أن يتصوره، يمكن عقلياً تصور الأبيض من دون حاجة أن أتصور الأسود. سؤال: هل تصور الأبيض يتوقف على أن أتصور الأسود؟ لا. أما تصور الأكبر، فإنه يحتاج ويتوقف على تصور أنه هناك شيء أصغر، بالتالي هذا هو الفرق بينهما. حتى سبحان الله تنكشف المسافات والمساحات، لازم نفهم هذا الكلام، فهذا جداً مهم. لذلك الفوق والتحت، لماذا جعلته من قبيل المتضايفات؟ لأنه فهم "فوق" عقلاً لا يكون إلا إذا فهمت أن هناك شيئاً أسفل منه، لذلك هو تضاف وإن كان من الناحية الفلسفية تضاد، بس لا ننظر هنا إلى جهة التضاد.

وإنما أنظر فيه هنا إلى جهة التضايف؛ باعتبار أن العقل لا يتصور أحد الطرفين حتى يتصور الآخر. فنعود الآن للعبارة التي قرأناها قبل قليل، والوهم ينزل التضاد وشبه التضاد منزلة التضايف. الأشياء المتضادة التي لا يتوقف تصور أحدها على تصور الآخر، الوهم ينزلها منزلة الأشياء المتضاعفة التي يكون تصور أحدها متوقفاً على تصور الآخر.

لذلك قال: إنه لا يحضر أحد المتضادين أو شبه المتضادين إلا وأحضر الآخر. فيقول حتى ندرك الفرق بين الأبوة والبنوة وبين السواد والبياض، الآن إذا استحضر السواد وتخيلت السواد وتصورت السواد، من الذي يستحضر البياض بجانبه؟ العقل ولا الوهم؟ الوهم. لكن إذا استحضرت الأبوة من الذي يستحضر جنبها البنوة؟ العقل. فهمتم ما هي فلسفتهم؟ أنه في أشياء زي الأبوة، مثلاً الأكبر لما أستحضره وأحاول أفهم شو معنى كلمة أكبر، مين اللي يستحضر جنبها كلمة أصغر؟ العقل تماماً. لكن لما أستحضر وأتصور كلمة سماء، مين اللي تستحضر جنبها مفهوم الأرض؟ الوهم مش العقل تماماً؛ لأن تصور السماء لا يتوقف على تصور الأرض، لكن الوهم في العادة، لكثرة ربطه بينهما ومعاملتهما معاملة شبه المتضادين، أصبح الوهم إذا استحضرت السماء يجعل مفهوم الأرض يحضر. هكذا يقول، فإذاً هذا هو فلسفة هذا الموضوع.

إذاً لاحظوا لما بدأ يتكلم عن الجامع الوهمي، ذكر أول شيء صورة البياض والصفرة وهذه ألحقها بالتماثل، ثم ذكر التضاد وشبه التضاد وهذه ألحقها بالتضاد، وماذا يفعل هو؟ هو يحاول أن يلحق صور الجامع الوهمي بصور الجامع العقلي. فالصورة الأولى كانت صورة البياض والصفرة ألحقها بماذا من صور الجامع العقلي؟ ألحقها بالتماثل، فقال شبه تماثل. ثم انتقل بعد ذلك إلى التضاد وشبهه، ألحقها بماذا؟ بالتضاد أو شبه تضاد إن صحت التسمية، فهو يحاول أن يلحق الجامع الوهمي في صوره بماذا؟ بالجامع العقلي، ويفرق بين العقل وبين الوهم. والتفريق بين العقل وبين الوهم هذا كما قلنا مما يشتغل به الفلاسفة في هذا الموطن، ما هو الفرق بين القوة العقلية والقوة الوهمية؟ هذا يدرس إن شاء الله في مساق فلسفي وليس في مساق بلاغي، لكن كما قلت التفتازاني أشار إليه، وأنا ذكرت قبل قليل ملخص كلام التفتازاني في التفريق بين العقل وبين الوهم.

قال: ولذلك نجد الضد أقرب خطوراً بالبال مع الضد من سواه من المغيرات. شو معنى هذا الكلام؟ هذا مربوط بالجملة السابقة الأخيرة، والوهم ينزل التضاد وشبهه منزلة التضايف في أنه لا يحضر أحد المتضادين إلا ويحضر الآخر، ولذلك نجد الضد أقرب خطوراً بالبال مع الضد من سواه من المغيرات، المغيرات الأشياء التي تغيره. ماذا يريد أن يقول؟ يقول أنت إذا استحضرت مفهوم السماء، شو أقرب شيء بتستحضر مفهوم السماء؟ مفهوم الأكل؟ لا، صح ولا لا؟ مع أن مفهوم الأكل مغير لمفهوم السماء، لما تستحضر مفهوم السماء وتستحضر مفهوم مغاير لمفهوم السماء، لكنك تستحضر مع مفهوم السماء الأرض. فهو عم بفسر لك، بقول لك الآن بدي أقنعك أنه فعلاً في بينهم تقارب في أثناء عملية التصور، أنه أنت إذا فكرت في كلمة سماء، أقرب مفهوم مغاير للسماء وأسرع مفهوم مغاير للسماء ستستحضره هو الأرض. وعندما تتصور البياض، أقرب مفهوم مغاير للبياض ستتصدى مفهوم مغاير له. فيقول لك بخلاف ما سواه، يعني أنت لما تفكر في السواد مش رح تكون بتفكر في السواد ويخطر في ذهنك طاولة أو كرسي، مفهوم الطاولة أو الكرسي هذا من حقل وهذا من حقل آخر. فهو يقول لك الدليل على أن الوهم إذا تصور أحد المتضادين فإنه يتصور الضد الآخر، هو أنك إذا خطر في ذهنك السماء فإنه أقرب مفهوم سيخطر معه ضده الأرض. إذا خطر في ذهنك مفهوم الإيمان، فإن أقرب مفهوم سيكون قريب منه في ذهنك في هذه اللحظة في البال، في البال يعني في الذهن، هو المفهوم المقابل له هو الكفر وليس إذا استحضرت الإيمان والله سأستحضر الماء الذي في الصنبور، هذا صح مفهومه مغاير بس هذا ما راح يجي على ذهني وأنا بفكر في مفهوم الإيمان. فهذا يعني تأكيد منه لهذه الفكرة.

ثم سنختم بالجامع الثالث وهو الجامع الخيالي. الجامع الخيالي طبعاً هنا يعني أنا ألحظ لماذا ما أحببت الدخول في كلام التفتازاني وتفريقه بين العقل والوهم والخيال؛ يعني هو التفتازاني يتكلم عن الوهم والعقل والخيال زي ما عرفت لكم قبل قليل، لكن أشير أن هذا التقسيم الذي ذكره ربما تطبيقه على هذه الأمثلة يحتاج إلى شيء من التكلف، يعني هو قال كما قلت الوهم ما هو؟ هو إدراك الجزئيات غير المحسوسة، وأن الخيال هو إدراك الجزئيات المحسوسة، يعني ما يدرك من الجزئيات حساً هذا خيال، وما يدرك في الجزئيات بدون الحواس هذا ماذا؟ وهم، فعدا والصداقة قال هذا يسموها من الإدراكات الوهمية التي لا تكون باعتبار الحواس وإنما باعتبار القوى الباطنة. بس يعني ذكر هذا المفهوم وتطبيقه على موضوع مثلاً السواد والبياض والسماء والأرض، كيف هو سيطبق المفهوم الذي ذكره الوهم على هذه الأمثلة؟ هذا الذي يحتاج إلى مقاربة هو نفسه لم يذكرها في شرحه المطول، فيعني تحتاج إلى تعمق أكثر فيها.

نذهب إلى الرابط الثالث، قال: وهو الخيالي. بس عموماً كلمة الخيال سواء ما ذكره التفتازاني أو ما يذكره المناطقة، نعم هناك اتفاق عام أن الخيال هي إدراكات تتعلق بأشياء محسوسة، هذا بدنا نتفق عليه جميعاً. الخيال هي عملية إدراكية تتعلق بأشياء تدرك بالحواس؛ بالسمع، بالبصر، باللمس، وما شابه ذلك، هذا هو طبيعة الخيال. حتى في السلم المنورق لما عرفنا الخيال قلنا شو الفرق بين الفكر والخيال؟ مين بيعرف هذا من أيام الزمن الجميل لما كنا نتكلم في السلم؟ شو الفرق بين الفكر والخيال؟ محمد، الفكر متعلق.. أعطيني التعريف، أيوه أيوه، حركة النفس في المعقولات، والخيال حركة النفس في المحسوسات، هكذا عرفناه. ففي اتفاق يقول عام في الساحة العلمية أنه الخيال هو حركة ذهنية أنت تجمع فيها بين أشياء بطبيعتها تدرك بالحواس، وليس أشياء وجدانية. ممتاز، فلما أنا هيك أكون سرحان أنه في فرس وله جناحين وطاير في الهواء وكذا، وأخذ فلان والسندباد وطالع، هذه عبارة عن حركة نفس في ماذا؟ في المحسوسات. أنت بتتخيل بقولك أنا عم بتخيل، شو عم بتخيل؟ أنه في أشياء محسوسة موجودة في الذهن جوه القوة المفكرة، تمام، أنا بحاول أجمع بين هيك بكون سرحان بحاول أجمع بينها وأشكل صورة جديدة. ها الصورة الجديدة قد يكون لها وجود في الخارج وقد لا يكون لها وجود في الخارج.

يعني مين هذا اللي اكتشف القطار البخاري؟ شو اسمه؟ هذا من إياه في المدرسة، شو اسمه اللي كان قاعد على إبريق الغاز مع الحجة بتاعته وفار الغاز وبعدين اكتشف فجأة أنه في قطار بخاري ممكن؟ في واحد من هال الأجانب عرفتوه، بيذكروه أيام المدرسة، كان يضع.. وأنه من المهم هو شاف شيء محسوس، شاف بريق غاز أو عفواً مثلاً هكذا إبريق يغلي أو صفارة تغلي وراء الدخان يخرج، ها كلها أشياء محسوسة، هو جمعها في ذهنه صح، وبدأ يتخيل كيف يمكن أن ينشئ قطار ومركبة تستعمل هذا البخار. وشيء أكثر الاختراعات هي من الخيال، أكثر الاختراعات الموجودة في العالم هو لازم تتخيل أنت شيء هكذا صورة معينة، مش لازم تعمل مشروعك وترسمه وكذا ثم بعد ذلك تبدأ تطبقه. فالخيال ترى هي عملية تفكيرية مهمة لإنتاج المشاريع، الذين يبدعون في العالم أصحاب يقول لك قوة خيالية تخيلية عالية جداً، لأنه استطاع من أشياء محسوسة شاهدها في العالم واستودع في قوته المفكرة استطاع يجمع ويركب ويصنع شيء وصورة نهائية واعمل لك إياها مشروع. الآن الأطفال أيضاً يمتازون بالخيال، لكن إنتاجهم الخيالية بتكون ماذا؟ أشياء لا يمكن تطبيقها في العادة صح، بصير يتخيل لأشياء وكذا ولكن لا يمكن تطبيقها، لكن الكبار الأصل إذا تخيلوا يتخيل شيئاً من أجل يكون فيه انتفاع يمكن تطبيقه في الخارج وتنزيله على أرض الواقع. فإذاً عملية التخيل هي عملية الربط بين الأشياء المحسوسة التي دخلت إلى القوة المفكرة عن طريق الحواس أثناء سيرك في هذا العالم وفي حياتك، عينك لقطت شيئاً دخلته، اليوم لقطت شيئاً آخر دخلته، فاجتمعت في ذهنك ملايين الصور المحسوسة، تركيبك لهذه الصور ووضعها بجانب بعضها وتشكيليها هذا ما يسمى بالقوة التخيلية.

طيب، الآن بعد أن فهمنا ما معنى الخيال، قال: والخيالي الجامع الخيالي، يعني بأن يكون بين تصوريهما أي بين تصور المسند إليه في الجملة الأولى والمسند إليه في الجملة الثانية، والمسند في الجملة الأولى والمسند في الجملة الثانية، أن يكون بين تصوريهما تقارن، يعني ارتباط في ماذا؟ في الخيالات، سابق على العطف يعني سابق أصلاً على الكلام على الجملة، أن يكون بين المسند إليه في الجملة الأولى والمسند إليه في الجملة الثانية ارتباط ماذا خيالي، وكذلك أن يكون بين المسند في الجملة الأولى والمسند في الجملة الثانية ارتباط خيالي قبل أن تنشئ جملتين وتعطف في الجملة الثانية على الجملة الأولى، في هناك روابط خيالية بينهما. طيب، هذه الروابط الخيالية كما قلنا تنشأ باعتبار البيئات، فقد يكون الرابط الخيالي هذا موجود في البيئة العربية مش موجود في البيئة الأوروبية، قد يكون الرابط الخيالي موجود عند البدو بين هذه الأمور مش موجود عند الحضر، الروابط الخيالية لأنها تعتمد إخواني على الحس، كل بلد وكل بيئة وكل شخص ما أدركه بحواسه يختلف عما أدركه شخص وبيئة وقوم في بيئة أخرى. أليس كذلك؟ عبد الله يعيش مثلاً في قارة أمريكا اللاتينية طبيعة الأشياء المحسوسة عنده هناك تختلف عن محمد الذي يعيش ربما في أستراليا وفي قارة أخرى، تمام، ما دام الخيال عنصره الأساسي الحواس، إذاً ما تدركه حواس عبد الله في حياته هي تختلف عن ما تدركه حواس إبراهيم في حياته، عمك حواس فلان، وبالتالي الجامع الخيالي هل هو مشترك بين الجميع؟ يعني هل الخيال شيء مشترك بين الجميع؟ ما أدركه خيال عمر لازم يدركه خيال إبراهيم؟ لا، لأنه محسوس، الصور الحسية عند عمر الزامل في حياته تختلف عن الصور الحسية التي عند إبراهيم.

فهذا لذلك سيأتي هنا ويبين أن الجامع الخيالي متفاوت بين البشر تفاوت عالٍ جداً، يعني إذا أردت أن أرتب لكم هذه الجوامع من حيث اشتراك البشر فيها، أعلى جامع يشترك فيه البشر باختلاف بلدانهم ومناطقهم وأجناسهم الجامع العقلي؛ لأن هذا يعتمد على قوة عقلية أساسية يشترك فيها العربي والأعجمي والأبيض والأسود والشمالي والجنوبي. ثم الوهم الجامع الوهمي، البعض قد يدركه كما تدركه والبعض قد لا يدركه مثل ما أنا أدركه وقوة الملاحظة لها دور كبير في ذلك، أما الجامع الخيالي فهذا أشدها تفاوتاً بين البشر، أشدها تفاوتاً بين البشر. طيب فناتي نقول أو الجامع الخيالي بأن يكون بين تصوريهما تقارن في الخيالات سابق على العطف بين الجملتين، لما ماذا هناك تقارن في الخيالات؟ قال لأسباب مؤدية إلى ذلك وهي مختلفة كما قلنا باختلاف طبائع البشر وأجناسهم وأنواعهم. قال فلذلك اختلفت الصور الثابتة في الخيالات ترتباً ووضوحاً، ورب شيءين يجتمعان في خيال زيد ولا يجتمعان في خيال عمر لملابستهما لهما في خيال زيد، هذه الملابسات والارتباط لا توجد في خيال عمر، وهكذا فسر. قال وربما كان بين الأمرين جامع خيالي عند قوم ولا يوجد هذا الجامع الخيالي عند قوم آخرين؛ لأنهم لم يعيشوا نفس الظروف الحياتية، بدي إياك تكتب هذه، لأنهم لم يعيشوا نفس الظروف الحياتية، هذا هو الذي يسبب الاختلاف.

الآن سيذكر لك مثالاً على ذلك لما قال سبحانه وتعالى في سورة الغاشية: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20]، أربع آيات معطوفة على بعضها صح، ليش عطفها خبرية كلها؟ وهناك جامع بينها، شو الجامع بين العناصر المذكورة في هذه الآيات الأربع؟ الإبل، والسماء، والأرض، والجبال صح، طب هذه العناصر الأربع هسه السماء والأرض نعم في بينها شبه تضاد بس أنا بدي الأربعة، الأربعة ما فيش بينها جامع عقلي يعني الأربعة متحدة لا متماثلة. تمام، هسه يمكن البعض يستخرج لك بعض صور التماثل بينها، لكن أساساً الرابط بينها ليس تماثلاً هون؛ لأنه التماثل أنا أزعم أن التماثل كمفهوم يحتاج بعده إلى بحث أدق، التماثل الذي يقصده البلاغيون هذا سأكلف به للمحاضرة القادمة، أنه نبحث أكثر وأكثر ماذا قصد مفهوم التماثل؟ أنه أنا أزعم أن التماثل حتى كلام التفتازاني لم يشبعني كثيراً؛ لأنه لا بد، لأنه لو أردت أن أخرج تماثل بين هذه الأمور الأربع ممكن أخرج، بس هو خلص وضع التماثل أنه في الاشتراك في الصفة الخاصة وليس بالصفة العامة، هسه هذه خطوة أولى لفهم التماثل، بس محتاج لخطوة ثانية؛ لأنه ممكن أنا هنا أقول أن السماء والأرض والإبل والجبال، ممكن واحد يطلع لك تماثل بينها ويقول لك جامع عقلي. فأنا أحتاج أن أعرف متى تعتبر أن هذا تماثل ومتى لا تعتبره تماثل، نحتاج إلى حكم أدق، فهذه مسألة بحثية لكم إن شاء الله أنكم أصبحتم متقدمون في علوم البلاغة، لكن خلوني الآن أمشي على الفكرة. طيب، في جامع وهمي بينها جامع وهمي، إما يعود إلى شبه التماثل وإما أن يعود إلى شبه التضايف.

أما الجبل فهل هناك تماثل أو شبه تماثل؟ هذا سيرجع إلى تحقيقنا أكثر وأكثر لمفهوم التماثل، لكن عموما هم لا يعتبرونه تماثلاً ولا شبه تماثل. يقولون: ما الجامع بين هذه الأمور في البيئة العربية؟ يقولون: الذي يحدث في البيئة العربية أنها بيئة رعي للأغنام، فأهل قريش وغيرهم ممن خاطبهم الله ابتداءً بهذه السورة كانوا أهل تجارة وأهل رعي، والراعي بطبيعته يعيش في بيئات عامة صحراوية، فيشاهد السماء فوقه، والأرض تحته، والجبال أمامه، والنوق بين يديه. فبالنسبة للعربي، وليس للرومي ولا للفارسي، هناك جامع خيالي صنعه بين هذه العناصر؛ فلذلك عطفت على بعضها البعض.

شوف هذا الفهم في التفسير القرآني؛ لماذا ذكر هذه العناصر الأربعة؟ بينها رابط خيالي موجود في ذهن من؟ ليس موجوداً في ذهن اللي زي حالاتي، الذي لم يرعَ ناقةً قط، ولا يعيش في أماكن مفتوحة، ولا يمارس الحياة الطبيعية، بل يعيش في الحياة المدنية؛ فهذا صعب. لكنه في ذهن العربي الذي يعيش في بيئة العرب وجزيرة العرب، وهو دائماً بين السماء والأرض والجبال والنوق، هو يفهم هذه الترابطات؛ بالنسبة له هي عناصر متكررة في حياته، يجمع بينها يومياً؛ ففي بينها جامع خيالي. فلذلك قال: فإن هذه الأمور مجتمعة في خيال أهل البوادي، فإن أكثر انتفاعهم بالإبل، والانتفاع بها بالمرعى، والمرعى من أين طلع العشب؟ نزل مطر، والمطر من أين جاء؟ قال من السماء، والسماء تقتضي تقلب وجوههم إليها انتظاراً لنزول المطر منها، ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144].

ولا بد للعربي إذا نزل المطر واشتد البرد من مأوى وحصن يلجأ إليه، فكانوا ينظرون إلى الجبال بحثاً عنها باعتبارها حصوناً، ولا بد لهم من التنقل في الأرض من منطقة إلى أخرى، فبالنسبة لهم لا بد أيضاً أن ينظروا في الأرض؛ فذكرت الأرض. فصور هذه الأمور الأربعة حاضرة في ذهن العربي على الترتيب المذكور، هو حتى يعمل لك السيناريو؛ أنت تحتاج إلى ناقة، وهذه الناقة ستذهب إلى مرعى، والمرعى يحتاج إلى مطر، والمطر يحتاج إلى سماء، فذكرت الناقة ثم ذكرت السماء. إذا نزل المطر من السماء تحتاج إلى مكان يحميك من المطر حتى ينتهي فستذهب إلى جبل، فذكر الجبل بعد ذلك، ثم إذا انتهى المطر وخرجت من الجبل ستنتقل من أرض إلى أرض بحثاً عن المرعى، فهذا سيجعلك تنظر إلى الأراضي. فيقول هكذا نشأ الترتيب الذهني الخيالي في عقل العربي، أما لو إنسان أتاك اليوم من أوروبا وسيق القرآن بين يديك، ربما لن يفهم هذه الارتباطات لأنه ربما لا يعيش أصلاً في ضمن هذه البيئات ولا يعرفها. فإذاً هذا الجامع الخيالي بين هذه الأمور الأربعة خاص بذهن العربي ولا يوجد في ذهن العجمي.

هكذا نكون انتهينا أيها الأحبة من هذا، طبعاً ذكر مثالاً واحداً، وأنتم حاولوا أن تذكروا جوامع أخرى وابحثوا عنها في كتب الأمثلة، لكن عموماً كما قلنا هناك واجب سنقرره للدرس القادم وهو قضية البحث عن ضابط أدق بمفهوم التماثل، هذا مهم جداً. وبإذن الله في الدرس القادم نختم مفهوم الوصل والفصل، إن شاء الله ربنا يعطينا القدرة على ذلك. فكرة الحال، أي هذه الفكرة المذكورة بعد قليل قضية حسن الوصل ولم يحسن، هذه فكرة سهلة ليست فكرة عميقة، لكن هي الفكرة الأصعب التي بقيت في هذا الباب، فكرة التذنيب الذي هو الحال، هل الجملة الحالية متى تأتي بالواو؟ ومتى تأتي بدون واو؟ هذا يلحقونه بالفصل والوصل، وإن لم يكن عطفاً، لكن يعاملونه معاملة العطف؛ فيقولون الجملة الحالية متى تأتي بالواو ومتى لا تأتي بالواو، هذا هو المبحث الأخير الذي بقي معنا في باب الفصل والوصل.

ثم أيضاً سنكلفكم بماذا؟ قلنا سنكلف الجميع في باب الفصل والوصل الخارطة الذهنية لهذا الباب؛ لابد طبعاً هذه الخارطة الذهنية لن نسمح أنك تكتبها وأنت تنقل من الكتاب، لا، بل تضبط الباب وتفهمه، ثم تغلق كتابك وأنت نفسك ما فهمته من خلال هذه المحاضرات ومن خلال قراءتك للسيوطي، ترسمه على ورقة كبيرة هكذا، ونسلمه ونناقش، إن شاء الله هذا بإذن الله سانظر في كلام جميع الحاضرين هنا، لأنه هذا مهم جداً لأتأكد أن الجميع فهم هذا الباب. ونلتقي إن شاء الله الدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.