بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في الفقرة الأخيرة من أبواب علم المعاني، ومن الباب الأخير من باب الإيجاز والإطناب والمساواة، والفكرة المهمة التي تعتبر أيضًا من صور الإطناب، ألا وهي كما تعرفونها بالجملة المعترضة.
هذا القسم الذي سيذكر في ختام أو في تتمات باب الإطناب من صور الإطناب، ما يعرف بالجملة المعترضة، ويسمى الاعتراض، وإنما سمي الاعتراض لأنه قد يكون الاعتراض بجملة، وقد يكون بما هو أقل منها، فلذلك اكتفى بذكر الاعتراض؛ فالاعتراض قد يكون بجملة، وقد يكون بمضاف ومضاف إليه وما شابه ذلك. يقول السيوطي عليه رحمه الله في بيان الاعتراض ومقاصده:
بفضله لنكتة فيها تراض، فذاك تتميم ومنه الاعتراض.
طبعًا هنا نقرأ التذييل سريعًا لأنني لا أظن أنني علقت عليه قبل قليل؛ قال: ومنه تذييل بجملة حوت مؤكدًا معنى التي قبله خلت. معنى التي قبل خلت؛ يعني معنى الجملة التي خلت قبله، هي مؤكدة لمعنى الجملة التي خلت قبلها. ثم ذكر أنواع التذييل، قال: فمنه ما كمثل هذا النوع الأول التذييل الذي على صورة المثل، ومنه ما ليس على صورة المثل.
ثم ذكر تقسيمًا آخر للتذييل فقال: وأكد المنطوق والضد جلى. أي أنه يؤكد المنطوق والمفهوم، معنى الضد هنا المفهوم، وأكد المنطوق والضد جلى، أي حاله كونه جاليًا. ثم قال: ومنه تكميل وربما سمي بالاحتراس. لذلك السيوطي يرى أن الاحتراس والتكميل نفس الشيء؛ ومنه تكميل وربما سمي بالاحتراس أن يجيء في موهم، أي أن يأتي في كلام موهم خلاف مقصود بما يدفعه؛ هذا معنى التكميل، أن تأتي في كلام موهم خلاف المقصود بما يدفعه. فإن كان لغير موهم اتبعه بفضله لنكتة فيها تراض، أي لنكتة مرضية مقبولة.
إذا أتينا بجملة ثانية بعد جملة أولى، وكانت الجملة الأولى غير موهمة -أمورها طبيعية وفي السليم كما يقولون- فلكن الجملة الثانية أتت لنكتة، فهذه الجملة الثانية التي أتت لنكتة فيها تراض، أي لنكتة مرضية، فذاك تتميم. وقلنا حقيقة هناك تقاطعات كثيرة بين التتميم والإيغال والتذييل؛ فهذه ليست -لو كانت مفاهيم متباينة تمام التباين لسهل عليك ضبطها أكثر وأكثر- لكن وين مشكلتها؟ مناطق التداخل التي بينها؛ أنتم فاهمين وين المشكلة في الإيغال والتذييل والتكميل، أنه في نقاط التقاء أحيانًا قد يكون الشيء إيغالًا وتذييلًا، ومش مشكلة يكون تتميمًا كمان، فنقاط الالتقاء التي بينها تجعل في نوع من التداخل يحتاج طالب العلم أن يتقنه.
ثم قال: ومنه الاعتراض. ومنه أي من أنواع الإطناب الاعتراض. وكيف يكون الاعتراض؟ قال: بجملة أو فوق. أي أن الاعتراض قد يكون بجملة، وقد تكون الجملة المعترضة أكثر من جملة؛ فالصحيح أن نقول بجملة أو فوق، ويكون مبنيًّا على الضم في محل جر لأنه معطوف على مجرور. وهذه الجملة أو أكثر من جملة، هل لها محل من الإعراب؟ من الجمل التي ليس لها محل من الإعراب الجمل المعترضة؛ تذكروا مش أخذنا سبع جمل لها محل من الإعراب؟ هذه لخصتها الله يكرمكم، في عندنا في المقابل سبع جمل ليس لها محل من الإعراب، منها الجملة المعترضة، يعني هي ليست ليس لها اشتراك في الحكم لا بما قبلها ولا بما بعدها؛ لذلك قال بجملة أو فوق ما لها محل.
قال: بين كلام أو كلامين اتصل. الجملة المعترضة قد تقع بين كلام واحد، وقد تقع بين كلامين؛ قد تقع في الجملة الواحدة في منتصفها اعتراض، وقد تقع جملة وبعدها جملة وفي المنتصف جملة معترضة، فالكلام كانه بمعنى الجمل. قد يقع الاعتراض في داخل الجملة الواحدة، وقد يقع الاعتراض بين جملتين.
لنكتة؛ طيب ما فائدة الاعتراض؟ لماذا العرب أتت بفكرة الجملة المعترضة؟ هذه لها نكت، لنكتة تقصد كالتنزيه، الإيهام التنزيه وليس دفع الإيهام، قال لا دفع الإيهام؛ دفع الإيهام يكون من خلال الجملة التكميلية التي مر معنا قبل قليل، فالجمل المعترضة ليس من مقاصدها دفع الإيهام؛ لأنه هذا من مقاصد أي نوع من أنواع الإطناب؟ التكميل اللي مر معنا قبل شوي. فلذلك قال كالتنزيه، وكالتنبيه، وكالدعاء؛ تاتي أيضًا جملة دعائية، وهذا كثير من الجمل المعترضة هي جمل دعائية، صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنه، رحمه الله، هذه كلها جمل اعتراضية دعائية. في قوله "وبلغتها" سيأتي معنا هذا البيت الشعري وكيف أن الجملة المعترضة فيه وردت للدعاء بعد الثمانين. ثم قال: وما أشبه، وما أشبه هذه النكت مما يمكن يظهر للناظر. وبعضهم جوزه في الطرف، أي البعض جوز أن تأتي الجملة المعترضة آخر جملة في الفقرة، وهذا غريب؛ أنت عادة الجملة المعترضة تأتي في منتصف الكلام، أن تأتي الجملة المعترضة آخر جملة، قال بعضهم إنه في خلاف. وقال قوم غير جملة يفي؛ أي قد يأتي الاعتراض غير جملة، يعني قد يأتي شبه جملة، قد يأتي الاعتراض جار ومجرور، قد يأتي الاعتراض مضاف ومضاف إليه؛ ممكن ليس شرطًا أن يكون الاعتراض جملة كاملة.
إذا الاعتراض قد يكون جملة، قد يكون أكثر من جملة، قد يكون أقل من جملة، هذه الخلاصة. ثم الاعتراض الأصل أن يكون في منتصف الكلام، هل يمكن يأتي في آخر الكلام؟ جوز ذلك بعضهم. ما مقاصد الاعتراض؟ التنزيه، التنبيه، الدعاء، والمقاصد الأخرى التي يمكن أن تستنبط، هي خلاصة ما يريد أن يقوله السيوطي.
من أسباب الإطناب الاعتراض، ما تعريف الاعتراض؟ قال: وهو الإتيان بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب في أثناء الكلام أو كلامين اتصل؛ يعني كلامين متصلين بعضهما ببعض، لنكتة. هذه النكتة غير دفع الإيهام، ليس من نكت الاعتراض دفع الإيهام، لأن دفع الإيهام هذا من شغل التكميل.
مثال: طبعًا لاحظوا أن نفس التعريف الذي ذكره في الشرح هو نفسه المذكور في النظم؛ بجملة أو فوق ما لها محل، بين كلام أو كلامين اتصل، لنكتة تقصد. ثم ذكر النكت قال: أولًا كالتنزيه، على اعتراض تنزيه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57]. الآن حقيقة هي أصل التركيب ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، مقارنة بين صنعهم؛ ماذا أعطوا لربهم وماذا أعطوا لأنفسهم، فقال ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون، هيك قسموا الشغلة. بس أتت "سبحانه" في المنتصف في مكان جميل وعظيم وفخم لتنزيه الله عن هذه القسمة وعن هذا التفكير وعن هذه العقائد الفاسدة، فقال: ويجعلون لله البنات سبحانه، فسبحانه جملة معترضة؛ طبعًا سبحان مفعول مطلق التزم حذف فعله، بعضهم يقول ليس له فعل، لكن المهم سبحان مفعول مطلق له فعل محذوف دوماً لا يذكر معه، فلذلك هي تعتبر جملة معترضة أو في حكم الجملة المعترضة. فقوله سبحان اعتراض، ما مقصد الاعتراض هنا؟ التنزيه، لذلك قال هذا مثال على تنزيه الله عن هذه العقائد الفاسدة.
ومن مقاصده التنبيه أيضًا؛ التنبيه يعني أريد أن أنبهك على فكرة أخشى أنه بدرج الكلام أنت لا تنتبه عليها فتضيع، فأنبه بالجملة المعترضة؛ كقوله: واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا. جميل هذا البيت؛ واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدرا. وين الجملة المعترضة؟ فعلم المرء ينفعه. أحسنتم، هو أراد أن يقول اعلم أنه سوف يأتيك ما قدر لك، لكن في المنتصف دحش هذه الجملة وهي ايش؟ فعلم المرء ينفعه. ما فائدة هذه الجملة المعترضة؟ التنبيه على أهمية التعلم، العلم سينفعك في يوم ما، في لحظة ما سينفعك العلم وتستفيد منه وتستثمره، فلا تستثقل من حضور مجلس علم، ولا تضيع الهمم، ولا تشتت حياتك وتضيعها في تفاهات الأعمال. قال: واعلم فعلم المرء ينفعه؛ جملة فعلم المرء ينفعه جملة معترضة للتنبيه.
قال: ومن مقاصده الدعاء، كقول عوف الشيباني، وهذا البيت اهتموا به لأنه ذكره السيوطي في المنظومة قبل قليل؛ يقول الشيباني: إن الثمانين وبلغتها، قد أحوجت سمعي إلى ترجماني. إذا قلنا وبلغتها هو يخاطبك، هو بلغها، هو ماذا يقول؟ يقول: إن الثمانين -الله بلغك إياها يا ابني، هيك بده أقول لك- إن الثمانين قد أحوجت سمعي إلى ترجمان. طيب ليش تدعي لنا نبلغها وقد ورطت؟ قال: قد أحوجت سمعي، يعني صار سمعي ثقيلًا وأصبحت أحتاج لمترجم، هو الأخص بالترجمة مش مترجم لغة، الترجمان يعني من يرفع صوته ويقول لي ماذا يقول الناس. يقول إن الثمانين أثقلت سمعي فما عدت أسمع، ويدعو لك أن تبلغها. إن الثمانين وبلغتها يا بني؛ فهذه جملة اعتراضية دعائية، تمام؟ هي جملة اعتراضية دعائية. إن الثمانين هي أصل الجملة، إن الثمانين أحوجت سمعي إلى ترجمان، هيك أصل التركيب، وضع كلمة وبلغتها كجملة اعتراضية دعائية في المنتصف يدعو لك أنه ربنا يطول عمرك؛ هو يعني لا يقصد أنك تبلغ الثمانين كحالة، يقصد أن ربنا يطول عمرك، مش أنت كثير هذا ما يكون أنه أنت بتقول كلام، تقول طال الله عمرك كذا وكذا، وهذا كثير ما تستعمله أنت في درج كلامك، فقوله وبلغتها هذا خطاب للسامع، اعتراض في أثناء الكلام لقصد الدعاء وما أشبه ذلك.
إذا قال وما أشبه؛ مش مثل ايش مقاصد أخرى لم يذكرها في النظم، سيذكرها الآن في الشرح. قال: كالتسلي، بماذا قال؟ كالتسلي في قول جرير: ولقد أراني والجديد إلى بلا، في موكب طرف الحديث كرامي. أين مظن الجملة المعترضة؟ قال والجديد إلى بلا، يعني كل شيء جديد ما نهايته؟ سيبلى. وكأنه رأى نفسه في شيء طريف حديث جميل كريم، فأراد أن يتذكر ويسلي نفسه ويخبر نفسه ماذا؟ أنه ما من شيء جديد إلا وسيبلى؛ هو يسلي نفسه. دائمًا أنت لما تكون في شيء جديد وتعلم أن هذا اللقاء بعده فراق، فأنت تسلي نفسك وتوطن. ما معنى التسلية هنا؟ مش معنى التسلية بالمعنى العرفي؛ البعض يقول لك التسلية بمعنى اللعب، لا، التسلية بمعنى السلو عن الشيء، يعني الالتهاء عنه، ومنه اسم سلوى، هو معنى أن أسلو عن الشيء، خلص يعني أتقبله، أهيئ نفسي، أوطن نفسي أنه سيذهب وسيزول، هذا معنى التسلية بمعنى السلو، يعني تناسي هذا الأمر والتغافل عنه وليس التسلية بمعنى اللعب. طيب فان قوله والجديد إلى بلا اعتراض للتعزية لنفسه عما مضى من لذة عشرة الأحباب، ولقد أراني والجديد إلى بلا، هنا ولقد أراني كأنه يتذكر نفسه سابقًا؛ يعني هذا الذي يثيره من كلامه، السيوطي يعزي نفسه عما مضى من لذة عشرة الأحباب، يعني تذكر حالي لما كنت مع الشباب في مجلس طريف وجديد وكذا، لكن خلص الآن راح كل شيء، هي سنة الحياة يا مشايخ، فالطريف والجديد إلى بلا؛ فهذه الجملة والجديد إلى بلا قالها تعزية وتسلية لنفسه بعد أن كان في فترة الشباب والمجالس المرحة ثم طالت به الحياة وفقد كل شيء.
أيضًا قال الاستعطاف، قد آتي بجملة معترضة مقصدها الاستعطاف، من المقاصد للإتيان بالجملة المعترضة التي لم يذكرها في النظم ذكرها في الشرح، الاستعطاف كقول المتنبي: وخفوق قلب لو رأيت لهيبه، يا جنتي لرايت فيه جهنمًا. أين الجملة المعترضة؟ يا جنتي، نعم الجملة الندائية.
يا جنتي، لو رأيتِ فيه جهنم؛ هكذا الجملة الشرطية. لو رأيتِ لهيبه لرأيتِ جهنم، ويُخبر أن قلبه مشتاق لمحبوبته؛ لذلك الذي يظهر: لو رأيتِ أن قلبي يخفق أيتها المحبوبة لك، لو رأيتِ الخفق ورأيتِ هذا القلب؛ رأيتِ جهنم مشتعلاً فيه شوقاً. لكن هو من جميل صنعه ومن تلاعبه الجيد في البديع أتى بالطباق، فقال: يا جنتي، لرأيت فيه جهنم. شوف هذا الجمال في الصنعة؛ يا جنتي، يعني هو يقول لمحبوبته ويناديها يا جنتي، يقول: يا جنتي لو رأيت قلبي لرأيت جهنم فيه. هذا طباق، استعمل النقيضين أو الضدين في باب واحد، وكأن هذه هي الجنة التي ستشرح قلبه، ويذهب عنه هذه النار التي تتضرم فيه. جميل.
وقال كثير لمحبوبته: لو أن الباخلين وأنت منهم رأوك تعلموا منك المطالا. كثير يأتي ببيت جميل، واضح أن عزة أتعبته جداً ولا تريد أن توصله ولا أن تسمح له بلقاء؛ فماذا يقول لمحبوبته؟ يقول: لو أن البخلاء -تمام، البخل أشكال، هناك بخل بالمال وهناك بخل بالوصال، بخل بالوصال- فيقول: لو أن البخلاء يا عزة تعرفوا عليك لكنت أستاذة لهم لتعلموا منك المِطال. ولكنه ماذا يقول؟ قال: لو أن الباخلين وأنت منهم؛ هي الجملة المعترضة، يعني لا تفكري حالك لستِ من الباخلين، أنتِ رأس من رؤوس الباخلين، بخلتِ عليّ باللقاء والمودة والوصال. لو أن الباخلين وأنت منهم، طبعاً هذا سواء كلام المتنبي أو كلام كثير عزة، هو ماذا؟ استعطاف. سماه استعطافاً؛ لأنه هو لما يقول الشخص لمحبوبته أنتِ بخيلة بالوصال ويستعطف من أجل أن ترجع لتواصله، صح؟ وكذلك المتنبي لما قال يا جنتي، يعني يا ريت أنك تكوني جنتي فعلاً وتذهبي هذا الحريق الذي في قلبي، فهذا "يا جنتي" و"وأنت منهم" هي كلها جمل استعطاف للمخاطب. فقوله "وأنت منهم" اعتراض في غاية الحسن، وأنا أتفق مع جميل جداً، قول "وأنت منهم" يعني أنتِ لا تظني نفسك لستِ من البخلاء.
قال ومن وقوعه، طب الآن هذا مثال على وقوع الاعتراض بجملة، نأتي للاعتراض بأكثر من جملة. قال في القرآن قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، نساؤكم حرث لكم، طبعاً هي الآيات التي قبلها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]. ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾. الآن جملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ والجملة الثانية: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ هي جمل اعتراضية؛ ليه؟ لأنه هو ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ جاء بيان حيث أمرنا، جاءت تكملة المعنى في الآية التي تليها: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]. هو ايش ربنا قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ فسُئل: هل هناك مكان أو صورة معينة لإتيان النساء؟ فالجواب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، فالآية الثانية هي متممة لمعنى ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ حتى لا يتوهم أن هناك صورة معينة للإتيان؛ فتأتي أن تجد سبحان الله في المنتصف بين ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ وبين أول الآية، تجد جملتين معترضتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. لما ذكر التطهر الحسي وهو اغتسال المرأة الحائض، جاء اعتراض لطيف بذكر التطهر المعنوي من الشرك والمعاصي والذنوب، والتوبة هي من أعظم أنواع التطهر المعنوي، فهمتم؟ فذكر التوبة باعتبارها شكلاً من أشكال التطهر، وذكر التطهر عموماً من الأدران والمعاصي وتزكية النفس. فكأن هيك الاعتراض لطيف أنه أنت أثناء أحكام نساء وأحكام حيض ونفاس وإتيان امرأة، طب تلاقي فجأة هكذا هذا جمال النص القرآني؛ يأخذك لمعنى عقدي لمعنى سلوكي ثم يرجعك لأجواء الموضوع، فهذا جميل جداً في الصنعة القرآنية.
أيضاً من أمثلة الجمل المعترضة الكثيرة: وقيل يا أرض ابلعي ماءك إلى قوله وقيل بعداً؛ لأنه هي الآية: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: 44]، بعدين شو الجملة المعترضة؟ ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. ليش اعتبرنا هي جملة معترضة؟ لأنه ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ التي في آخر الآية هي معطوفة على "وقيل" التي في أول الآية، ها ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هي مرتبطة بهاي، في المنتصف ذُكرت هكذا جمل اعتراضية: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وفصل بين القولين مع أنهما متعاطفا، فهمنا لماذا اعتبر من قبيل المعترض.
وقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] إلى قوله ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ﴾، قال فيه اعتراض بسبع جمل. هذه في حد معه نسخة أخرى حتى أنظر في حد معه نسخة أخرى؟ إذا أعرب ايش عندكم؟ حالاً منه في جميع النسخ. ها يعني لم يظهر لي شيء في لماذا اشترط هنا الحالية، هو طبعاً ماذا يقصد بالجملة المعترضة؟ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ اعتبرها جمل معترضة سبع مرات، هو قال: من قوله ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾، بعدين جملة معترضة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾، بعدين جملة معترضة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، بعدين جملة معترضة ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. إحنا قبل شوي كنا نبحثها في التكرار، صح؟ والآن كما ف هي تكرار وهي اعتراض، هكذا يريد أن يقول، لكنه قال فيه اعتراض بسبع جمل إذا أعرب حالاً منه. الآن لماذا اشترط هذه القضية؟ يعني ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ﴾ هذه جملة، إذا أعرب حالاً منه لم يظهر لي فيها مقصد، يعني تحتاج إلى بحث أكثر، وابحثوا أنتم إذا وقفتم على شيء لماذا اشترط الحالية هنا إذا أعرب حالاً منه؟ يعني إذا أعربت ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ حالاً من كل آية قبلها، هذا الذي يقصده، طيب لو قصد هذا، طب لماذا اشترطت الحالية هنا؟ فهذا يحتاج إلى بحث.
ثم قال: وقد يقع اعتراض في اعتراض، شوف هذا الأسلوب، أحياناً داخل الجملة المعترضة تقع جملة معترضة؛ هذا يسمى اعتراض داخل اعتراض، هذا من تفنن العرب أن تقع الجملة المعترضة داخل جملة معترضة أكبر منها، مثال ذلك قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، الآن وين الجملة المعترضة؟ ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 76] تمام، يقول: فقوله ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ هذه الآية اعتراض؛ صح، لأنه هو ربنا يقول: ﴿أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، هذا هو أصل التركيب، ﴿أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾، لكن قبل أن يأتي بالمقسم عليه فصل بين القسم والمقسم عليه بالجملة المعترضة؛ أراد أن ينبه على عظمة هذا القسم فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾، فجملة ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ جملة اعتراضية كبرى، في داخلها جملة اعتراضية صغرى ما هي؟ ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾، لأنه كان بإمكانه أن يقول: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ عَظِيمٌ﴾ وتم المعنى، لكنه ماذا قال؟ قال: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ فجاءت ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراض داخل اعتراض، وهذا من إبداع الصنعة.
قال الطيبي: ووجه حُسن الاعتراض حُسن الإفادة مع أن مجيء ما لا يُترقب، هنا مشكلة في النص أيضاً، فيكون الذ... هو يقول لك لماذا الجملة المعترضة عموماً جمل لذيذة بغض النظر عن مقصدها؟ قال: ووجه حُسن الاعتراض هذا كلام الطيبي: حُسن الإفادة مع أنك أتيت بشيء هو غير مترقب؛ صح، يعني أنت أعطيتني فائدة من الجملة المعترضة؛ دعاء، تنبيه، تنزيه، مش أي فوائد مع ايش؟ أي مع أنها جملة لم تكن مترقبة. صح: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ فجأة ﴿سُبْحَانَهُ﴾، هو هو السامع مش عم بستنى هالجملة، عم بستنى ﴿وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ﴾ حتى يعرف تمام الموضوع، فجاءت ﴿سُبْحَانَهُ﴾، جاءت في وقت غير مترقب، عملت عنصر المفاجأة، فأُسر بها السامع لأنه حصل شيء لم يكن يترقبه؛ فهمتم فكرة الطيبي؟ أن الجملة المعترضة تأتي جملة فجائية غير مترقبة، فيلذ بها السامع لأنها أتت على غير موعد، مع أن مجيئه مجيء ما لا يُترقب، فيكون ألذ، فتكون هيك لذيذة يعني؛ أجت على غير موعد كالحسنة تأتيك من حيث لا تحتسب، يعني كنعمة هيك كيف يقول لك: هس اليوم الشيخ عمر عازمك يا شيخ مالك حسنة تأتيك أنت من غير ما تتوقع، هذه تأتي لذيذة، واحد يعطيك مبلغ ألف دينار هكذا يحكي معك، يعني هذه الحسنات التي تأتي مفاجئة تسر البال.
وقال قوم -الآن سيشرح الأبيات الأخيرة- يجوز وقوع الاعتراض في آخر الكلام، فقد يجامع التكميل والتذييل حيث لا محل لهما، حيث لا محل لهما لكن يعني عبارته: فقد يجامع التكميل والتذييل، يعني حيث كان لا محل لهما من الإعراب، شوف هذا الكلام يعني يحتاج إلى نظر أكثر، لأنه قال هو ايش يقول لك: وقد يجوز وقوع الاعتراض في آخر الكلام، وإذا وقع في آخر الكلام نفس الاعتراض قد يكون ماذا؟ قد يكون فقد يجامع التكميل والتذييل بشرط أن تكون الجملة التذييلية أو التكميلية لا محل لها من الإعراب، ذا إذا الجملة التذييلية أو التكميلية كان لها محل من الإعراب بضبط تكون جملة معترضة؟ يلا سريعا لا، ليه؟ لأن الجملة المعترضة لا محل لها من الإعراب؛ تمام، بس هذا والله شوف خطر ببال شيء في قضية الآية اللي قلت لكم قلنا نفكر فيها: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾، هو قال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ إلى قوله ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ﴾ في فيه اعتراض بسبع جمل، إذا أعرب حالاً منه؛ هو يريد إذا كان ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ جملة معترضة، إحنا قلنا الجملة المعترضة أبرز صفة ذكرها هو في الجملة المعترضة من بداية النظم شو هي؟ لا محل لها من الإعراب، هذا اللي مخليني أتردد أنه هل هذه العبارة صحيحة فيه اعتراض بسبع جمل إذا أعرب حالاً منه، كيف يعني إذا أعرب حالاً من، طبعاً هي الجملة المعترضة ليس لها محل من الإعراب؛ فهمتم وين المشكلة؟ فأنا هذا النص أشعر بقلقه، قوله: إذا أعرب حالاً منه، أظنه يحتاج إلى تأكد أولاً من النسخ الخطية ثم تأكد من المعنى الذي قصده هنا.
طيب الآن لكن وين إشكالي؟ إشكالي في قوله فقد يجامع التكميل والتذييل بشرط أن يكون الجملة التكميلية والتذييلية لا محل لها من الإعراب، المشكلة عندي في قضية أنه قال قد يجامع؛ يعني قد تكون الجملة المعترضة تكميلية، طب الجملة التكميلية هي جملة ايش؟ لدفع الإيهام، وأنت قبل شوي بتقول لي في بداية الاعتراض أن الاعتراض ليس من مقاصده دفع الإيهام، فهذا قوله فقد يجامع التكميل والتذييل؛ هسه قد يجامع التذييل ما عندي مشكلة، ما عندي مشكلة لأنه التذييل تأكيدي ما عندي مشكلة، لكن المشكلة أن يقول قد يجامع التكميل؛ التكميل فائدته رفع الإيهام وأنت نصصت على أن الاعتراض ليس من مقاصده دفع الإيهام، فما هي صورة أنه يجامع التكميل؟ أن يكون تكميلاً واعتراضاً في نفس الوقت، هذا قد يكون مشكلاً على كلام السيوطي.
ثم قال: وقال قوم يجوز أن يكون أيضاً، إذاً الجملة المعترضة باختصار تصح أن تأتي في آخر الجملة أو في آخر المقطع. عفواً الفكرة الأخرى، وقال قوم يجوز أن يكون غير جملة، أي يجوز أن يكون الاعتراض بتركيب إضافي، بجار ومجرور، وقال قوم يجوز أن يكون غير جملة، لكن في الأثناء فيجامع التتميم والتكميل ما وقع في الأثناء، ما معنى هذا الكلام؟ أن الجملة المعترضة يمكن أن تأتي كما قلنا مضاف مضاف إليه أو جار ومجرور ممكن، لكن إذا جاءت على صورة التركيب الإضافي أو الجار والمجرور لا تقع في الختام، لا بد تقع في الأثناء، ايش يعني في الأثناء؟ يعني في منتصف الكلام ولا يمكن أن تقع في ختام الكلام، إذا وقع الاعتراض بجار ومجرور أو مضاف مضاف إليه هذا لا يقع في تتمة الكلام، إنما يقع في الأثناء فقط. قال: وعندئذ يجامع التتميم والتكميل ما وقع في الأثناء، نرجع بنقول الاعتراض نعم يمكن أن يكون تتميماً لأنه مع أن التتميم يقع في المنتصف ما عندي مشكلة، الاعتراض يمكن أن يجامع التتميم فتكون اعتراض وتتميم، لكن هل يجامع التكميل هنا؟ السيوطي ذكرها مرتين إذا السيوطي يتصور ذلك، لكن إحنا مشكلتنا أن التكميل فائدته رفع الإيهام والاعتراض أنت تنصص لا يكون لرفع الإيهام، فهذه فيها إشكالية فيما يظهر لي والله تعالى أعلم. ثم قال: وقد يكون إطناب بغير ذا من جمل وأحرف لها شذا. بعد أن انتهى من ذكر أنواع الإطناب بكل صورها، الإيضاح بعد الإبهام، عطف الخاص على العام وعكسه، إيش ذكرنا؟ الإيغال، التذييل، التكميل، التتميم، ما نحن فيه الآن أيضاً، كل هذا الاعتراض، كل هذه أنواع الإطناب، بعد أن انتهى منها قال: وقد يكون الإطناب بغير ما تقدم كتكسير الجمل. هون موجود عندكم كتكسير الجمل بس هي.
تكثير الجمل هو شكل من أشكال الإطناب، ممثل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ﴾ [البقرة: 164]. كل هذه الآيات من أول الآية لآخرها هي تكثير في الجمل، طولها في سورة البقرة وأطنب فيها أبلغ إطناب ليكون الخطاب فيها مع الثقلين وفي كل عصر وحين، للعالم منهم والجاهل وللمواقف أيضًا.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: 7]. لما قال: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، هل هؤلاء ليسوا مؤمنين ضمناً؟ هم ما داموا يحملون العرش ويطوفون به، أليسوا مؤمنين ضمناً؟ فما فائدة هذه الجملة؟ شيء طبيعي أن يكونوا مؤمنين، فقوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إطناب؛ لأن إيمان حملة العرش معلوم، تحصيل حاصل، شيء ضمني مفهوم. إذا لماذا ذكره؟ قال: إظهار شرف الإيمان وأنه شيء عظيم، يكفي أن حملة العرش اتصفوا به. ومما هو قريب من ذلك قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: 6-7]. لما قال: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، هذا إطناب؛ لأنه معروف أن المشركين لا يزكون، وإن كان الزكاة البعض حملها على التوحيد، لكن على معنى أنها الزكاة المفروضة، ما فائدة أن تقول: إن هذا المشرك لا يؤتي الزكاة؟ هو مشرك، شيء طبيعي ألا يؤتي الزكاة. والنكتة هنا حث المؤمنين على أداء الزكاة بجعل تارك الزكاة حاله هذا من صفات أهل الشرك، فأنت تنفر أن يكون من صفاتك ما هو من صفات المشركين، حتى ينفرك من عدم إتيان الزكاة.
ثم مثل بقوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 1-3]. لتناسب القسم والمقسم عليه، لم يظهر لي شيء متيقن، أين الإطناب؟ إلا إذا مشى على رأي من يرى أن ﴿حم﴾ هي قسم، فكأنه قال: ﴿حم﴾ أنا جعلناه قرآناً عربياً. لماذا ذكر ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾؟ ولماذا أقسم بالكتاب المبين؟ قال: ليحصل التناسب بين القسم والمقسم عليه؛ فالمقسم عليه هو أن القرآن عربي، فناسب ذلك أن يقسم بنفس القرآن. نعم أطال القسم لكن حصلنا فائدة وهي حصول التناسب، إذا كان هذا قصده.
ومنه أي من صور الإطناب الإتيان بحروف التنبيه والصلات كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1]، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1]. هذه ﴿لَا﴾ زائدة باختصار، أي حرف في القرآن مثل ﴿لَا﴾ والجر وكذا قيل إنه حرف زائد فهو إطناب، هذه قاعدة: كل حرف في القرآن قيل إنه زائد فهو إطناب. هل في القرآن حروف زائدة لا معنى لها؟ لا، كل حرف زائد فهو يؤكد المعنى؛ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ أي أقسم تقسيماً مؤكداً، لكن العرب إذا أرادت أن تؤكد القسم سبقتها بـ ﴿لَا﴾، فلا ليست نافية هنا، لا تسمى حرفاً زائداً توكيدياً للقسم، وقس على ذلك ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]. الباء حرف جر، وما زائدة، وفائدة ذكرها التوكيد للجر. فكل حرف سمي حرف صلة أو حرف زائد في كتب التفسير، ستجدونهم يقولون إما حرف صلة أو البعض يقول حرف زائد، والأكثر يقولون حرف صلة؛ إذا سمعت كلمة حرف صلة أي زائد للتوكيد، ويكون شكلاً من أشكال الإطناب.
أخيراً ختم هذا الباب بقوله: وبهما كلامهم موصوف إن كثرت أو قلت الحروف بنسبة إلى كلام آخر سواه في المعنى. قد يوصف الكلام عموماً بالإيجاز والإطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بنسبة إلى كلام آخر مساو له في أصل المعنى؛ فيقال للأكثر حروفاً إنه مطنب، وللأقل إنه موجز. ما معنى هذا الكلام؟ يقول لك أحياناً الحكم بالإيجاز والإطناب قد يكون حكماً نسبياً؛ كأن أعبر أنا والشيخ مالك عن معنى واحد، لكن أنا أطنب ومالك أطنب، فإذا كان عدد كلماتي وإطنابي أكثر من إطناب مالك، يقال كلام مالك أوجز من كلام إبراهيم، فهنا سمي كلام مالك إيجازاً مع أنه في الواقع بالنسبة للمعنى الأصلي عنده إطناب، لكن سمي إيجازاً مقارنة بكلام غيره. ونفس الشيء قد يكون العكس؛ أنا ومالك كلانا عملنا إيجازاً، بس مالك استطاع أن يعمل إيجازاً في الألفاظ أكثر مني، فيقال: إبراهيم أطنب أكثر من مالك، مع أنه فعلياً أنا وإياه عملنا إيجازاً. فهذا ما يسمى بالإيجاز والإطناب النسبي.
قال ومنه أيضاً قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، إذا قارناه مع قول الحماسي: وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول يقولون هذا مثل قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، إن الله لا يسأل عما يفعل والناس يسألون عما يفعلون. الآن أيهما أوجز؟ نعم الآية أوجز مقارنة بالبيت، فهذا حكم بالإيجاز والإطناب باعتبار ماذا؟ النسبية، باعتبار مقارنة بين نصين فيقول لك أحياناً الإطناب والإيجاز قد يستعملان للمقارنة بين كلامين، وليس للحكم ابتداء بأنه هذا الكلام فيه إيجاز أو إطناب.
فائدة: ذكر قدامة -وهو أحد علماء البلاغة وأبرز علماء النقد الشعري- من أنواع البديع "الإشارة"، وفسرها بالاتيان بكلام قليل ذي معان جمة، وهذا هو نفس الإيجاز؛ يعني الإشارة في كلام قدامة -إذا قرأت كتابه نقد الشعر- هي الإيجاز. وذكر جماعة منها "البسط"، وفسروه ببسط الكلام وتكثيره بلا حشو، هذا هو الإطناب. السيوطي يقول لك لا، البسط أخصصه بنوع من أنواع الإطناب، والإطناب بتكثير الجمل -النوع الأخير الذي مر معنا في الآية السابقة- سموه البسط، وعلى هذا يكون مقابلاً لإيجاز القصر، نعم لأنه إيجاز القصر يقوم على أن تقلل بدون أن تحذف، فالذي يقابل إيجاز القصر في باب الإطناب ما يسمى البسط.
ثم ختم فقال: قد انتهى القول في علم المعاني ولله الحمد والمنة. وفيه أمور أوردها جمع -بعض المسائل التي أوردناها هنا- بعض العلماء أوردها في البديع، منهم الطيبي في "التبيان" وأصحاب البديعيات؛ وهي الالتفات، والخطاب العام، والتغليب، والأسلوب الحكيم، والإيضاح بعد الإبهام، والتكرار، والترديد، والتعطير، والترجيع، وذكر الخاص بعد العام وعكسه، والإيغال، والتذييل، والتكميل، والاحتراس، والتتميم؛ هذه كلها ذكرها كثير من العلماء في باب البديعيات، لكن السيوطي فضل أن يذكرها تحت موضوع الإطناب، ونحن أيضاً نحمد الله سبحانه وتعالى أن أعاننا على ختم هذا القسم الكبير من هذه المنظومة.
لن أشرح مادة جديدة في علم البيان. سأشرع في علم البيان، لكن خلص عليكم إن شاء الله أن تراجعوا علم المعاني؛ عليكم أن تراجعوا كل علم المعاني، بل حتى من أول المنظومة تقرؤونها؛ كم؟ 190 صفحة تمام. طبعًا الأصل الطالب الذي يتابع أولاً بأول ما عنده مشكلة، أليس كذلك؟
إذا بدكم تطولوا أكثر بنتناقش، مش مشكلة، بس عشرة أيام أظنها جيدة أو 15 يوم جيد نراجع كل المنظومة وكل ما ذكره السيوطي، ونختبر بعد ذلك إن شاء الله هنا في القاعة، والإخوة الأونلاين المتابعين الحريصين سنرسل لهم الاختبار بصيغة ما، بغض النظر.
لكن خلال هذه الأيام أنا لن أتوقف حقيقةً حتى لا نتأخر في القطار، سنشرح إن شاء الله في علم البيان. الحقيقة علم المعاني أنا أعتبره دائمًا هو ثلثي البلاغة؛ إذا انتهيت من علم المعاني وفهمته وتشربته يبقى علم البيان؛ أفكاره محدودة، يعني حتى هنا ستجدون علم البيان لم يزد أكثر من 60، 90 صفحة في كل كلام السيوطي، يعني في كل شرحه. علم المعاني 190 صفحة، علم البيان كم أخذ معنا من صفحة؟ 191 صفحة، كم يا مشايخ؟ 240، يعني كم؟ 50 صفحة فقط، كل علم البيان في 50 صفحة.
190 علم المعاني، 50 صفحة البيان، البديع لا تقلقوا منه؛ لأن البديع ليس هو الأساس، البديع هو ملح الطعام. فلذلك مرورنا عليه سيكون مرورًا على الأفكار العامة، يعني نفهم المصطلحات؛ لأنه ليس تأصيلًا لأفكار، وإنما التأصيل فيه محدود، وأكثر ما فيه هو مشكلة كثرة المصطلحات والأنواع، وإلا فأفكاره سهلة، يعني كله على غرار التذييل والتكميل وهذه القصص، يعني نفس الفكرة ونفس المنوال. لكن كتأصيل؛ علم المعاني مهم جدًا نضبطه، لذلك سنختبركم فيه.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل