بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله معشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقده في التعليق على ألفية عقود الجمان في علم المعاني والبيان للعلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى عليه.
وبحمد الله ومنته أنهينا القسم الأكبر والأهم في هذه المنظومة وهو علم المعاني، واليوم بإذن الله سننتقل في رحلة جديدة لطيفة أنيقة إلى علم البيان، وهو النوع الثاني أو العلم الثاني من أنواع علوم البلاغة. وعليك أن تعرف يا طالب العلم أن علم البيان إنما يراعى بعد علم المعاني؛ فهي صحيحة هنا مرتبة كأقسام ثلاثية، لكنها من حيث واقع الكلام واللسان، أول شيء عليك أن تراعيه في بناء الجملة العربية هو أن تحقق فيها علم المعاني، فليس من الصواب ولا من طرائق أهل العلم أن الطالب يراعي أنواع علم البيان؛ التشبيه والاستعارات والكنايات، وهو لم يتأكد بعد من تحقق علم المعاني.
بعبارة أوضح، عليك أن تتأكد أنك بنيت الكلام على ما طابق مقتضى الحال، الذي هو علم المعاني؛ فعلم المعاني هو أن تراعي بكلامك أن يكون مطابقاً لمقتضى الحال، وهكذا عرفنا علم المعاني. فعليك أولاً، كخطوات في بناء الجملة العربية عند البلغاء، أن تتأكد ابتداءً من أن الكلمات التي سيأتي بها هي مطابقة لمقتضى الحال، هذه الخطوة الأولى. ثم بعد ذلك ينتقل لعلم البيان، باعتبار ما فيه من البراعة في التعبير: هل سأوظف تشبيهاً؟ هل سأوظف استعارة؟ هل سأوظف كناية؟ وهكذا.
ثم بعد أن يوظف علم البيان ينتقل للمحسنات البديعية، فعلم البديع هو آخرها من حيث النظر. وهذا الخطأ الذي وقع فيه بعض الشعراء المولدين وغيرهم ممن احتفوا بعلم البديع وأعطوه منزلة، فأثرت على ماذا؟ على علم المعاني والبيان. الإنسان المتمكن هو الذي يراعي علم المعاني، ثم ينتقل بعد ذلك لمراعاة علم البيان، ثم ينتقل بعد ذلك لمراعاة المحسنات البديعية التي هي مثل الملح على الطعام؛ أنت تضع الملح على الطعام آخر شيء، ولا ينفع أنك قبل أن تأتي بالمواد والأساسيات تأتي وتضع الملح، فتضعه على ماذا؟ فهذه قضية مهمة في الترتيب، وهذه الأفكار يجب أن تكون في ذهن طالب العلم، وهو أنني علي أن أراعي أولاً علم المعاني، ثم علم البيان، ثم بعد ذلك تأتي المحسنات البديعية كالملح على الطعام.
إذاً كما قلنا، الآن سنشرع إن شاء الله في مدارسة هذا العلم؛ أولاً سنفهم ما المراد بعلم البيان، وهذا كما فعلنا في علم المعاني، أولاً ما تعريف هذا العلم، ثم بعد ذلك نعرف الأبواب التي يتطرق إليها هذا العلم وهي أبواب ثلاثة، ثم بعد ذلك نشرع في كل باب منها. يقول السيوطي عليه رحمه الله:
عِلْمُ الْبَيَانِ هُوَ مَا بِهِ عُرِفْ إِيرَادُ مَعْنًى وَاحِدٍ بِالْمُخْتَلِفْ مِنْ طُرُقٍ فِي إِيضَاحِهِ مُكَمَّلَهْ فَاللَّفْظُ إِنْ دَلَّ عَلَى الْمَوْضُوعِ لَهْ فَسَمِّهِ دَلَالَةً وَضْعِيَّهْ أَوْ جُزْئِهِ أَوْ خَارِجٍ عَقْلِيَّهْ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْإِيرَادُ فِي عَقْلِيَّةٍ وَلَيْسَ فِي تِلْكَ فِي وَمَا بِهِ أُرِيدَ لَازِمٌ وَقَدْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنْ لَمْ يُرَدْ مَجَازٌ نِلَا فَكِنَايَةٌ وَقَدْ بَيَّنَّا عَلَى التَّشْبِيهِ أَوَّلَ وُرِدْ
هذه الفقرة الأولى هي ربما أدق الفقرات في هذا العلم، إذا فهمتها ما بعد ذلك إن شاء الله سهل؛ فيها بعض الأفكار التي حقيقة بعضها منطقي وبعضها عقلي، فيجب عليك أن تنتبه لما سنشرحه. يقول السيوطي في شرحه على هذه المقطوعة: علم البيان هو ما به عرف إيراد معنى واحد بالمختلف من طرق في الإيضاح مكملة، إلى هنا انتهى التعريف؛ إذاً التعريف ذكره في بيت ونصف.
ما معنى ذلك؟ دعونا الآن نناقش هذا التعريف مع السيوطي من خلال شرحه. ماذا يقول السيوطي في شرحه؟ علم البيان أخص من علم المعاني، هذه هي القاعدة الأولى؛ هذا قبل أن يشرح في التعريف، ويعطيك هكذا فائدة: علم البيان أخص من علم المعاني فلذا تأخر عنه، أي تأخر عنه في التصنيف وكذلك تأخر عنه في المراعاة.
وهو الآن سيشرع في تعريفه، كلمة علم، ما معنى كلمة علم؟ شوف كلمة علم إذا وردت في بداية الحدود نقول دائماً: إما أن تفسر بالإدراك أو بالقواعد والمسائل أو بالملكات، هنا نفسر بالقواعد والمسائل؛ فقال: هو علم، أي قواعد ومسائل، يعرف بها، أي بمراعاتها ودرايتها، كيف أورد المعنى الواحد المدلول عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال بطرق مختلفة في إيضاح الدلالة عليه، بأن يكون بعض الطرق واضح الدلالة وبعضها أوضح.
إلى هنا انتهى كلامه في التعريف، الآن سيبين المحترزات، لكن مهم جداً أن تفهم هذه الفكرة الأساسية؛ هي خلاصة علم البيان التي أريدك أن تفهمها. علم البيان ماذا يعلمني؟ ما الذي سأستفيد منه أنا كطالب علم؟ ذكر لك أنها عبارة عن قواعد ومسائل سندرسها إن شاء الله، إذا أنت فهمتها وأحسنت تطبيقها ستعرف كيف تورد المعنى الواحد. المعنى الواحد هو باختصار أي معنى تريد أن تعبر عنه؛ أريد أن أخبر عن كرم عمر، هذا معنى في نفسي الآن أريد أن أعبر عنه بلساني. أريد أن أعبر عن مثلاً أوضاع المسلمين اليوم وما تمر به بلاد المسلمين من الكرب، هذا معنى، أريد أن أخبر عن أمر إيماني تزكو به النفوس، هذا معنى.
الآن هذا المعنى الواحد قد يقوم في نفسي، وقد يقوم في نفس عمر، وقد يقوم في نفس محمد، وفي نفس كذا؛ لو قلت لكم هناك معنى وهو الحرب على المسلمين، هذا معنى عند الجميع، عبر عن هذا المعنى يا عمر بألفاظ قوية في البيان، ثم عبر عن ذلك يا محمد؛ هو شايف نفس المعنى، طلبت من كل شخص منكم أن يعبر عنه بأسلوبه، فهنا عمر يتفنن فيبرز المعنى بطريقة أجمل وأوضح وأكفأ، ومحمد ممكن تكون كفاءته اللغوية أضعف فيعبر عن نفس المعنى. ها هو المعنى الواحد، يعني المعنى واحد والعبارات مختلفة، لذلك سماه المعنى الواحد؛ يعني هو معنى واحد لكن العبارات في تأديته كانت مختلفة.
فأنت عبرت بطريقة أوضح من الطريقة التي أنا عبرت بها، جاء محمد فعبر بطريقة أوضح وأجمل لسه من طريقتي وطريقتك، وهنا يتفاوت الشعراء ويتفاوت الخطباء. اليس كذلك؟ بماذا فاق امرؤ القيس غيره وأصبح وتربع على عرش الشعر؟ بالبيان. عموماً مطابقة الكلام لمقتضى الحال في الجملة موجودة، قد يخرمها بعض الجاهلين لكن في الجملة موجودة، لكن يحصل التفوق الأعلى عادة في ماذا؟ في البيان. نفس الفكرة، تجد امرأ القيس عبر عنها بطريقة وفلان عبر عنها بطريقة، تذكر لما تكلمنا عن الموت كيف عبر عنه زهير بن أبي سلمى؟ ماذا قال عنه زهير بن أبي سلمى؟
تَرَى الْمَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ
بينما طرفة بن العبد نفس فكرة الموت كيف عبر عنها؟
أَرَى الْمَوْتَ يَعْتَامُ الْكِرَامَ وَيَصْطَفِي عَقِيلَةَ مَالِ الْفَاحِشِ الْمُتَشَدِّدِ
كذلك:
أَرَى الْعَيْشَ كَنْزًا نَاقِصًا كُلَّ لَحْظَةٍ وَمَا تَنْقُصُ الْأَيَّامُ وَالدَّهْرُ يَنْفَدُ لَعَمْرُكَ مَا الْمَوْتُ إِلَّا سَارِقٌ دَقَّ خَطْوُهُ وَمَا أَنْتَ بِالْغَافِلِ حَتَّى يُقَيَّدَ
فالآن كلاهما يعبر عن الموت، زهير يعبر عن الموت بطريقة وطرفة بن العبد يعبر عن الموت بطريقة، أيهما أوضح وأجمل؟ هنا يأتي التفاوت والتباين، لذلك قلت لكم علم البيان مهم جداً لأنه به كثيراً ما يحصل التمايز بين الشعراء والخطباء.
إذاً نعود فنعرف علم البيان، قال: قواعد ومسائل يعرف بها؛ طبعاً لما نقول يعرف، بدك تنتبه يا طالب العلم أن ليس مجرد المعرفة، المراد بالمعرفة هنا دراية ورعاية، لأنه أنت ممكن تحفظ كل ألفية عقود الجمان ولا تستطيع التطبيق، فهذه معرفة نظرية لكنها ليست معرفة رعاية. فالمعرفة به بكلام مطابق لمقتضى الحال، ليش أتى بهذه العبارة؟ حتى يخبرك أنه علم المعاني يجب أن تراعيه قبل علم البيان؛ يعني لا تخرج تتفنن في العبارة وأنت لم تطبق بعد علم المعاني، فأنت تتأكد أولاً أن هذا المعنى أتيت له بكلام مطابق لمقتضى الحال، ثم بعد ذلك تنظر في أرفع الأساليب في التعبير عنه.
لذلك قال: علم يعرف به إيراد المعنى الواحد الذي دل عليه أو تريد أن تدل عليه بكلام مطابق لمقتضى الحال. كيف أورد هذا المعنى الواحد المدلول عليه بـ..، بطرق، الباء هنا الجار والمجرور متعلق بإيراد الواردة في السطر السابق، يعني كيف أورد المعنى بطرق؟ لكنه احتاج إلى هذا الاعتراض حتى يؤكد لك أن إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة متى يكون أيها الطلبة؟ بعد مراعاة علم المعاني يا رعاكم الله.
فهمتم إذاً كيف أورد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه؟ طرق مختلفة، ما معنى بطرق مختلفة في وضوح الدلالة؟ هو شرحها بأن يكون بعض الطرق واضح الدلالة وبعضها أوضح، دقق على شغله؛ لا يقبل أن يكون بعض الطرق غامضة وبعضها واضح، لأنه إذا كانت غامضة أنت لم تراعِ أصلاً مقتضى الحال، لم تراعِ علم المعاني، كلاهما حصل أدنى مراتب الوضوح، لكن بعد ذلك يتفاوت في علوه في الوضوح. لا يجوز لما نقول بطرق مختلفة في الوضوح هو يخشى السيوطي أن تفهم أنه واحد عبر بطريقة غير مفهومة وواحد عبر بطريقة مفهومة، لا غلط، هذا إياك تفهم هذا، ليه؟ لأن الذي يعبر عن المعنى بطريقة غير مفهومة هذا لم يحقق أصلاً علم المعاني، وهذا ليس موضوع علم البيان.
إحنا هنا نتكلم أن الكل أتى بطرق واضحة، لكن الوضوح يتباين، فبعضها أوضح من بعض، فهمتم عبارته؟ لذلك هو أراد أن يشرح ذلك بأن يكون بعض الطرق واضح وبعضها أوضح، مش بعض الطرق غامض وبعضها واضح، لأنه إذا بعضها غامض هذا أصلاً أخل بعلم المعاني، فلم يصل بعده إلى علم البيان.
قال: فخرج بقولنا معرفة إيراده بطرق مختلفة، في اللفظ والعبارة فقط، شو معنى هذا الكلام؟ هو ايش قال لك في تعريف علم البيان؟ قال لك: إيراد المعنى بطرق مختلفة في الوضوح، مش بطرق مختلفة وهي في نفس المرتبة في الوضوح. يعني أريد أن أخبر -من باب فقط تسهيل الفكرة التي تفهمها- أريد أن أخبر أن زيداً حضر مجلس اليوم، فأقول: جاء زيد، ممكن شخص يقول: حضر زيد، ممكن شخص يقول: زيد حضر، اختلفت العبارة صح، لكن هل هذا اختلاف فيه زيادة في الوضوح؟ لا، هو مجرد اختلاف لفظ ومعنى، ومثل هذا الاختلاف في اللفظ والمعنى فقط ليس من علم البيان. هو يريد أن يفهمك المعنى إذا عبرت عنه بألفاظ مختلفة لكن الوضوح بينها ليس متبايناً، هذا ليس من شأن علم البيان، أنت لم تفعل شيئاً، فلذلك هو حاول يقيد لك يقول لك: أنا علم البيان ما هو؟ ركزه إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح.
فخرج بهذا القيد، بقيد بطرق مختلفة في الوضوح، ماذا خرج؟ أن تورد المعنى الواحد بطرق مختلفة في اللفظ والمعنى فقط لكنها ليست متباينة في الوضوح؛ فحضر زيد، وأتى زيد، وجاء زيد، هي مختلفة ولا مش مختلفة؟ مختلفة، لكن في ايش؟ مختلفة في اللفظ، حضر غير جاء غير أتى، ومختلفة في المعنى في بعض التفاصيل، أنه بعضهم يقول الإتيان يعني شيء أكثر من الحضور والمجيء، والحضور يختلف، هذا لمن يدقق في الأمور اللغوية أن الحضور يختلف عن المجيء في بعض الزوايا، لكن في المحصلة النهائية، حضر زيد، أتى زيد، جاء زيد، من حيث الوضوح، وضوح الفكرة، هل حدث تباين؟ لا، فلذلك يقول لك إذا عبرت عن المعنى بطرق مختلفة فقط في اللفظ وأشياء في المعنى والوضوح لم يختلف بينها، هذا ليس من علم البيان.
فإذاً يقول: خرج بقولنا بطرق مختلفة في الوضوح، ماذا خرج؟ خرج به أن تورد المعنى بطرق مختلفة في اللفظ والمعنى فقط، لكنها ليست متباينة في الوضوح. فهمنا شو معنى هذه العبارة مشايخنا؟ واضحة.
فأراد أن يبين لك حتى لا تخلط بين الأمور، يعني ليس أي اختلاف في التعبير عن المعنى هو اختلاف علم بيان، لا، قد يكون مجرد اختلاف لفظ بس، مجرد اختلاف لفظ وليس فيه اختلاف في نسبة الوضوح. ثم قال: والمراد بالمعنى الواحد كل معنى يدخل تحت قصد المتكلم وإرادته، هذا مفهوم، أنه ما معنى قولنا في التعريف علم يعرف به إيراد المعنى الواحد، شو معنى كلمة المعنى الواحد؟ أي معنى يمكن أن تعبر عنه، أي معنى، أحوال المسلمين، الحب، الحماسة، الغزل، وأي معنى يمكن أن يدخل تحت إرادة المتكلم. قال: فلو عرف أحد إيراد معنى قولنا زيد جواد بطرق مختلفة، لم يكن بمجرد ذلك عالماً بالبيان وبالطرق والتراكيب، هكذا العبارة عندكم في النسخ، ماذا يريد أن يقول في هذه؟
فلو عرف أحد إيراد معنى قولنا: زيد جواد بطرق مختلفة، لم يكن بمجرد ذلك عالماً بالبيان وبالطرق والتراكيب. ليس مجرد تعبيرك عن هذا المعنى بألفاظ مختلفة يعني أنك قصدت المباينة فيما بينها بالوضوح؛ فهو يجب أن يقول لك: إن هذا المعنى -وهو أن زيداً جواد- يمكن أن تعبر عنه أنت بطرق متفاوتة في الوضوح، وممكن تعبر عنه بطرق متساوية في الوضوح. فإذا عبرت عنه بطرق مختلفة لكنها متساوية في الوضوح، هل هذا يعني أنك تعرف علم البيان؟ لا، هذا واحد.
كذلك قد تعبر عنه أنت بطرق مختلفة في الوضوح وأنت لست مدركاً لدرجات وضوحها؛ يعني بالخطأ أتيت بشيء هكذا جرى على لسانك من دون إدراكك: هل الاستعارة هنا أعلى من التشبيه؟ هل الكناية هنا أعلى من كذا؟ فليس كل الناس يدرك تباين مراتب الوضوح في الكلام. فإذاً هو يريد أن يخبرك ليس مجرد أنك تستطيع أن تعبر عن معنى بلفظين مختلفين أنك أصبحت بمجرد ذلك عالماً بالبيان وبالطرق والتراكيب، لا، لازم تكون فاهم قبل ذلك ما هي الألفاظ أو التراكيب المتباينة في مراتب وضوحها، وتكون بعد ذلك راعيت وأنزلت مراتب الوضوح على هذا المعنى، وهو معنى زيد جواد.
وأما مجرد أنك تورد المعنى بطريقتين مختلفتين، فمجرد ذلك لا يدل على رسوخ في علم البيان؛ لأنك قد تورد المعنى بلفظين مختلفين وهما غير متفاوتين في الوضوح، وقد تعبر عن المعنى بلفظين مختلفين متفاوتين في الوضوح وأنت غير مدرك لهذا التفاوت أصلاً، فهل هذا يعني أنك أدركت علم البيان؟ لا. فهذا معنى قوله: فلو عرف أحد إيراد معنى قولنا زيد جواد بطرق مختلفة لم يكن بمجرد ذلك عالماً بالبيان؛ لازم يكون فاهم مراتب الوضوح وأيها أعلى، ومتقصداً أن يختار هذا الأعلى على الأدنى، كل هذا بده يكون واضحاً في ذهنك.
بده يكون هذا واضحاً في ذهنك؛ يعني مثلاً بيجيني شخص -خاصة درس البلاغة هيك ابتداءً- بيفكر أنه إذا جاب استعارة خلص معناتها أنا طبقت علم البيان، والمسكين لا يدري أنه في السياق الذي أتى به في الاستعارة كان التشبيه أبلغ، فليس مجرد أني أتيت باستعارة معناتها أنا أطبق علم البيان، خطأ! أنت لا تعرف مراتب الوضوح وما هو الأوضح والأجمل في كل موطن: هل هنا الأوضح والأعلى التشبيه؟ ولا الأعلى والأوضح الاستعارة؟ في أماكن معينة يكون التشبيه أعلى من الاستعارة، وفي أماكن أخرى تكون الاستعارة أعلى من التشبيه، وهذه كلها أفكار إنما تحصل بالخبرة ومراعاة الوضوح وما هو الأوضح في كل سياق.
قال الطيبي: مثاله أن إذا أردنا إيراد معنى قولنا زيد جواد في الأصول الثلاثة. نحن سنعرف إن شاء الله أن علم البيان مبني على ثلاثة أفكار: التشبيه، والاستعارة، والكناية. فالآن نحن سنقرأ كلام الطيبي، بس اللي ما درس سابقاً شو هو التشبيه والاستعارة والكناية ما رح يفهم كثيراً، لذلك أنا ما رح أطول في شرح كلام الطيبي؛ لأنني أدرك أن هذا الكلام فهمه بترجع له بعد ما ندرس بالتفصيل ما هو التشبيه والاستعارة والكناية. لكن سريعا، يقول الطيبي فمثال علم البيان أنه في عندك معنى، وهو زيد جواد، كيف نعبر عنه بالأصول الثلاثة؟
فتقول على طريقة التشبيه مثلاً: زيد كالبحر، صح، هيك أنت عبرت لي عن معنى زيد جواد؛ شبهته بالبحر في السخاء، ثم قال: زيد كالبحر، بدون إضافة في السخاء؛ وسنعرف بعد شوي إن شاء الله في أنواع التشبيه شو الفرق بين زيد كالبحر في السخاء -أنك تزيد بذكر وجه التشبيه- وبين أنك تحذف وجه التشبيه وتقول: زيد كالبحر، وتدع السامع هو الذي يستنبط وجه التشبيه، هذا الفرق بين الجملة الأولى والثانية، وبين قولك: زيد بحر، هنا حذفت وجه التشبيه وأداة التشبيه أيضاً؛ فهذه كلها طرق في أول نوع من أنواع البيان وهو التشبيه.
إذاً ننتقل للنوع الثاني من أنواع البيان؛ مثلاً ممكن أعبر عن معنى زيد جواد باستعمال الاستعارة، ما بدي أشبه أنا، لا بدي استعمل استعارة، مثل إيش؟ فتقول في الاستعارة -طبعاً الاستعارة إذا كانت استعارة تصريحية فهي مبنية على حذف المشبه وإبقاء المشبه به- فتقول: رأيت بحراً في الدار، ومين قصدك بالبحر؟ زيد، طب شو يعني رأيت بحراً؟ يعني رأيت جواداً، فعبرت عن معنى زيد جواد بقولي: رأيت بحراً في الدار. ثم تقول مثلاً من طرائقهم في الاستعارة -والآن سينتقل للاستعارة المكنية- الاستعارة المكنية بالعكس، يحذف المشبه به ويبقى المشبه مع ذكر شيء من متعلقات المشبه به، تقول: لُجّة زيد كثرت؛ اللجة هذه من متعلقات البحر، البحر هو الذي له لجة، فإذا أردت أن أعبر أنه زيد جواد من أساليبهم أن يقولوا: لجة زيد كثرت، يعني جود زيد كثر، فهنا استعمل الاستعارة المكنية. ثم قال: ومن أعلى الاستعارات المكنية أن تقول: لجة زيد متلاطم أمواجها، طبعاً شو الفرق بينها وبين السابقة؟ أنه هنا أتى بما يسمى بشيء من متعلقات المشبه به وهو متلاطم أمواجها، بخلاف لجة زيد كثرت، كلمة كثرت ليست من متعلقات البحر، وأما تلاطم الأمواج فهذا من متعلقات البحر، وهذه تكون أعمق وأعمق في الاستعارة المكنية، وسنأتي لذلك لا تقلق إن شاء الله إن كان في العمر بقية.
قال ويمكن أن يعبر عن نفس المعنى وهو زيد جواد باستعمال لا التشبيه ولا الاستعارة، باستعمال الكناية؛ وسنعرف إن شاء الله ما هي الكناية بعد قليل، وهو أن تطلق شيئاً تريد المعنى الحقيقي والمعنى اللازم، أن تريد المعنى الحقيقي والمعنى اللازم. فمثلاً بدي أعبر عن زيد جواد فعبرت عنها: زيد مضياف، لما تقول والله فلان ضيوفه كثر، إذاً شو معنى هذا؟ أنه جواد كريم. طيب لما نقول: زيد كثير الأضياف، والله هذا أكثر وأكثر لأنك في زيد مضياف استعملت صيغة المبالغة، بينما زيد كثير الضيوف، أنت هنا استعملت لفظة صريحة وهي لفظة كثير. زيد كثير الرماد، هذه من أكثر العبارات المشهورة، فلان كثير الرماد يعني فلان كثير الطبخ باختصار، طب لما نقول فلان كثير الطبخ ليش؟ لأن ضيوفه كثر، طيب ليش ضيوفه كثر؟ لأنه كريم، فعبرت عن زيد جواد من خلال أن أقول فلان كثير الرماد، لأنه قديماً الطبخ كان على الفحم والحجارة وكان يطلع رماد في الجو. ثم مثلاً شوف من أبلغ أنواع الكنايات أن تقول: ثم إن الرماد كثر في ساحة زيد، هذا من أبلغ الكناية، أقول والله مثلاً حتى أعطيك إياها بمثال أقرب: رائحة الطبيخ كثرت في بيت محمد، هذه كناية أن الطبيخ مستمر، طيب ليش الطبيخ مستمر؟ هنا يبدأ عمل العقل، أن العقل سيبدأ يترجم: ليش الطبيخ كثر؟ آه، عنده ضيوف كثر، طيب ليش عنده ضيوف كثر؟ أنه كريم، وهكذا.
ثم ماذا قال؟ ثم الآن من صور الكنايات الأعلى، هي أعلى وأعلى لسه: إن الجود في قبة ضربت على زيد؛ يعني تقول قبة يعني خيمة، يعني كان زيد وضعت عليه خيمة، وهذه الخيمة وضع داخلها الجود، فكان الجود يعني محتفاً بزيد من جميع الجهات، أصبح كالقبّة المضروبة على زيد، وهذا دلالة الاحتفاء والملاصقة. ثم من أبلغ الكنايات أن تقول: إن الجود عُجن في دمه ولحمه؛ فتقول: فلان مصوّر من جود، يعني مخلوق من جود، وهذا أبلغ شيء؛ لأن بالله عليك أيهما أبلغ؟ أن تقول ضرب الجود في قبة على زيد، ولا تقول زيد مخلوق من الجود أو مصوّر من الجود؟ طبعاً زيد مخلوق؛ لأنك جعلت الجود هنا ليس فقط في قبة، جعلته في دمه وشحمه ومادة خلقه. شوف كيف؟
إذاً لاحظوا، لاحظوا هذه الفكرة النهائية التي بدي إياك توصلها، أنه زيد جواد هذا المعنى كم طريقة لتعبر عنه؟ عندك عشرات الطرق، هذا المعنى الواحد عندك عشرات الطرق لتعبر عنه، لذلك في عالم الروايات، لماذا أنت مثلاً يروق لك روائي معين دون روائي آخر؟ ما الذي يتفاوت في عالم الرواية بين شخص وشخص؟ أحياناً كلاهما يتكلم عن قصة حب وغزل، أو أحياناً يتكلم عن حالة بوليسية، أو أحياناً يتكلم عن قضية وطنية أو كذا، أو حتى إسلامية إذا بعضهم إسلامي؛ أنت لماذا يروقك فلان ولا يروقك آخر؟ تشعر أن فلان طريقة تعبيره عن المعاني عالية، فخمة، بتشدك، مشغول، فلان شدني بيشدك، لكن في شخص يعبر عن المعاني بطريقة صح وواضحة، بس يا أخي ما بيشد، ما بيعمل هكذا؛ يعني اختيار أساليب أجمل وأبهى، وهذا بسبب اختلاف قوة الروايات، وهذا طبعاً في عالم الروايات للأسف أغلب من يدخل فيه من من لا يمتلك القدرة العالية، فما بالك في عالم الشعر الجاهلي والنثر؟ فإذاً معنى زيد جواد الطيبي ذكر لك كم أسلوب للتعبير عنه وكم جملة لتعبر عنه، ذكر لك بجوز 10 جمل يمكن أن نعبر عنها، كلها تعبر عن نفس المعنى، لكن بعضها أبلغ، بعضها اعتمد على الوصف الأساسي بدون مبالغة، بعضها مبالغة يسيرة، وهكذا.
طبعاً هنا أنت ستتعلم إن شاء الله التشبيه، الاستعارات، الكنايات، تفهم كل أسلوب من هذه الأساليب كيف يبني الفكرة، بعد ذلك تصبح أنت تنتقي من هذه الأساليب ما يروق لك أو ما تراه أجمل في المقام الذي أنت فيه. هكذا انتهى الطيبي من كلامه، قال: فظهر إذاً أن مرجع البيان إلى اعتبار المبالغة في إثبات معنى الشيء. هذه ضعوا تحتها خط، هي مهمة، إذاً مرجع -يعني خلاصة- علم البيان شو هي؟ قال: إذا ثبت أن مرجع البيان إلى اعتبار المبالغة في إثبات معنى الشيء. إذاً هذه عبارة تختصر عليك المسافات. إذاً علم البيان باختصار ما هو؟ كيف أبالغ في إثبات معنى الشيء، والمبالغة يعني الوصول إلى أعلى أعلى درجات الجمال والبيان في إثبات معنى الشيء. هذا معنى المبالغة هنا، ليس المبالغة بالمفهوم العام: والله فلان بيبالغ، لا لا، المبالغة الوصول إلى أعلى أعلى درجات البيان والجمال في إثبات الفكرة التي أريد إيصالها للسامعين. ممتاز، هيك إحنا بنكون انتهينا من تعريف علم البيان، أظن فكرته واضحة يا جماعة، وضحت فكرة علم البيان شو آليته؟
طيب، ننتقل الآن لفكرة جديدة، قال: ولما لم تكن -الآن هذه خلاص موضوع جديد، حطوا خط، رح ننتقل لموضوع جديد- ولما لم تكن كل دلالة قابلة للوضوح والخفاء احتيج إلى تقسيمها وتعيين المقصود منها بدلالة اللفظ. الآن سيبدأ بتقسيم اللفظ؛ هذا الموضوع موضوع يهتم به المناطقة ويهتم به أيضاً الأصوليون ويهتم به أيضاً البلاغيون، تقسيم دلالة اللفظ على المعنى. بسم الله، سأذهب إلى الشاشة، يا رب. أحبابنا الكرام، هذا تقسيم الأصل أنني ذكرته في شروح سابقة وكثيرة، ذكرته في سلم المنورق، ذكرته في شرح أصول الفقه، ولكن لأنه هو تقسيم أساسي ويحتاج إليه في أكثر من علم فلا بد أن تفهمه؛ دلالة اللفظ على المعنى بتعرفوا قسموها ثلاثة أنواع؛ طريقة ركزوا معي في العبارة هذه، كيف دلالة اللفظ على المعاني؟ إما دلالة مطابقة، أو دلالة تضمن، أو دلالة التزام. بدك شيء نخففه؟ افهم منه ما خفف، طيب، نقول إذاً، بسم الله، يا رب، دلالة اللفظ على المعنى، ركز، عندك لفظ وعندك معنى، اللفظ هو الدال، والمعنى هو المدلول، أليس كذلك شيخ؟ إذا مرهق كذا بإمكانك تغادر يعني لا تعذب نفسك، الأمور سهلة إن شاء الله، طيب، إذاً عندنا لفظ هو الدال والمعنى هو المدلول؛ دلالة اللفظ على المعنى يقسمونها إلى ثلاثة أقسام؛ طبعاً تقسيم منطقي، يعني حتى هو ما يضحكني السيوطي في آخر هذه الفقرة، بعد ما تكلم عن تقسيم دلالة اللفظ على المعنى إلى مطابقة وتضمن والتزام، فطرح على نفسه سؤال: أليس هذا من كلام المناطقة وأنت تحرم على نفسك علم المنطق؟
فهو يجيب، قال: لا، هذا مش من كلام المناطقة، هذا تقسيم يحتاجه اللغويون، فحتى السيوطي متحرج من ذكره، المهم أو نقول يعني يذكره ويدافع عن ذكره، لماذا ذكرته؟ قال: هذا تقسيم لغوي وليس منطقي، المهم دلالة اللفظ على المعنى تقسم إلى مطابقة وتضمن والتزام، تمام؟ مطابقة، تضمن، والتزام. ما معنى دلالة المطابقة؟ طبعاً هنا دلالة المطابقة، يعني هو هلا سامحوني بدي أمسح التقسيم وأجيب تقسيماً آخر، يعني حتى آتي بما يريد السيوطي أن يقوله، سامحوني سامسح، ومن كتب معنا ممن يتابعنا فليمسح هذا التقسيم، يا رب بسم الله. دلالة اللفظ على المعنى، لا، هيك بقول بسم الله، دلالة وضعية ودلالة عقلية، دلالة الوضعية عند، شوف هذا تقسيم شوي، عند البلاغيين هو دلالة مطابقة، والدلالة العقلية يقسمها البلاغيون إلى تضمن.
أحبابي الكرام، بدي إياكم تفهموا هي القضية؛ هذا التقسيم تقسيم مختلف. في بين العلوم، المناطقة لهم وجهة نظر، الأصوليون لهم وجهة نظر، والبلاغيون لهم وجهة نظر. ففي علم المنطق زي ما أخذنا في السلم المنورق، يعتبرون المطابقة والتضمن والالتزام كلها دلالة وضعية. الأصوليون -وهذه فائدة هامشية بس بتفيدك في حياتك لمن هو يتوسع في العلوم- يعتبرون المطابقة والتضمن وضعية، والالتزام فقط هي العقلية. البلاغيون وجهة نظرهم لا، يقولون المطابقة هي فقط الوضعية، والتضمن والالتزام عقلية. هذا شرحته في السلم المنورق وبينت وجهة نظر كل فريق، فيعني أنا في المستوى الثالث مش رح أرجع للمستوى الأول، فهناك ناقشت نقاش طويل لهذه الأفكار، لازم تسمعوا هذه الشروح، وهذه أهمية -برجع بقول فقط على الهامش- أهمية أن الطالب يتدرج في بنائه العلمي. لا يقبل حقيقة في الأصل في البناء العلمي أن الطالب يصل إلى مستويات كبيرة وهو بعد لم يؤسس بعض الأفكار الأساسية التي تُبنى عليها هذه العلوم؛ فمثل هذه الفكرة فكرة متقدمة وليست الآن موطن بيانها.
المهم الآن بما أنني أشرح عقود الجمان أنا في علم البلاغة، إذاً سأسير على طريقة البلاغيين، وهي أن دلالة المطابقة وضعية، ودلالة التضمن والالتزام عقلية. قبل ما نأتي الآن نتعمق أكثر، إيش معنى كلمة دلالة وضعية وإيش معنى كلمة دلالة عقلية؟ الدلالة الوضعية أن نقول إن اللفظ وُضع ليدل على المعنى، فكلمة أسد العرب وضعتها لتدل على الحيوان المفترس، ولفظة إنسان العرب وضعتها لتدل على الحيوان المفكر، وكلمة كتاب العرب وضعتها لتدل على كذا، والكرسي العرب وضعتها لتدل على كذا. فهنا اللفظ بالدلالة الوضعية دل على المعنى من خلال الوضع، وماذا سينبني على ذلك؟ أنه اللي ما بيعرف الوضع ما رح يفهم هذا اللفظ شو معناه. مشان هيك أنت مثلاً لما تيجي تقرأ كثير من الألفاظ وأنت ضعيف في اللغة العربية بتقول هي اللفظة شو معناها؟ يعني لأي شيء وضعتها العرب؟ مثل الألفاظ اللي بترد معنا في المعلقات، فبتحب تفتح المعجم؛ آه والله هي اللفظة وضعتها العرب لتدل على كذا، هيك فهمت الوضع.
فهذا معنى الدلالة الوضعية، أننا نعلم أن العرب وضعت ألفاظاً لتدل بها على معاني معينة، إذا أنا عرفت أن هذا اللفظ وُضع لأي معنى، فبمجرد أن أسمع هذا اللفظ، سأدرك هذا المعنى. إدراك لهذا المعنى هل هو بالعقل ابتداءً ولا بمعرفتي بالوضع؟ بمعرفتي بالوضع، مش باستنباط عقلي؛ لأنه أنا هي اللفظة إذا ما حدا قال لي إن العرب وضعتها لهذا المعنى، لو يقعد العقل سنة وسنتين وثلاث مش رح تعرف ما معناها. فالفكرة أنه في الدلالة الوضعية نحن نعتمد على الوضع في معرفة الدلالة، نعتمد على الوضع وليس على الإجهاد العقلي، فبفهم من خلال المعاجم أو من خلال أئمة اللغة أن هي اللفظة وضعت لتدل على معنى كذا وكذا، الأسد وضع ليدل على الحيوان المفترس.
الدلالة الوضعية ما الذي يندرج تحتها؟ يندرج تحتها عند البلاغيين فقط دلالة المطابقة، وهي دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له. فكلمة أسد، ما المعنى الكامل الذي وضعت له؟ الحيوان المفترس، طبعاً هذه أشياء بسيطة من باب تقريب الصورة. الإنسان، ما المعنى الكامل لهذه اللفظة؟ الحيوان الناطق؛ نعرف أن العرب وضعت كلمة إنسان لتدل على الحيوان الناطق، ونعرف أن العرب وضعت كلمة أسد لتدل على معنى الحيوان المفترس. فالمطابقة وهي دلالة اللفظ على تمام معناه هي التي تندرج عند البلاغيين أنها دلالة وضعية.
الآن ستفهم أكثر لما نروح على القسم الثاني، إذا فهمنا أن دلالة وضعية تعني أنها دلالة نفهمها من خلال معرفتنا بالوضع، وليس بالاستنباط العقلي. الآن هناك دلالة عقلية للألفاظ، بس اكتب عندك قاعدة: الدلالة العقلية تنبني على فهم الدلالة الوضعية. أن اللفظ تستدل به على معاني عقلاً، هذا يتوقف على فهمك للدلالة الوضعية، فأنا لازم أكون فاهم هذا اللفظ ما هو المعنى الذي وضعته العرب له، بعد أن أفهم الدلالة الوضعية -التي هي دلالة المطابقة- بنتقل وأستطيع أن آتي إلى دلالة عقلية آخذها من اللفظ.
الدلالة العقلية يقسمها البلاغيون إلى تضمن والتزام. دلالة التضمن أن يدل اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له، هذا بالعقل بتفهمه؛ نحن قلنا الإنسان وضع ليدل بدلالة المطابقة على الحيوان المفكر. دلالة كلمة إنسان على الحيوان فقط بدون "مفكر" يسمونها دلالة تضمن، دلالة كلمة إنسان على الناطق أو على المفكر فقط دلالة تضمن. نيجي على مثل أسد، دلالة كلمة أسد على حيوانية فقط بدون كلمة مفترس دلالة تضمن. نفس الشيء، كلمة أسد هي اللفظة لما سمعتها العقل، سأحاول أفهمك شو اللي بيصير عندهم بالخطوات: أنت سمعت لفظة أسد، هذه اللفظة دلتني على وجود حياة في العالم الخارجي، أن هي تدل على حياة، هسا انسى أنها حياة مفترسة، بس هي تدل على حياة، صح؟ أن تستعمل لفظة أسد لتدل أو كدليل على معنى الحياة فقط هذا بسموه تضمن، وأن تستعمل لفظة أسد حتى تصل بها إلى معنى الافتراس وحده، هذا تضمن، لكن أن تستعمل كلمة أسد لتدل بها على حياة مفترسة، هذا مطابقة. فالأسد وضعتها العرب كاملة لمعنى كامل، وهو حياة مفترسة، فإذا استعملت هذه اللفظة لاستدعاء الحيوان فقط أو الافتراس فقط هذا يسمى دلالة تضمن.
أما المعنى الالتزامي فهو المعنى الملازم للمعنى المطابقي، شوف هذا الكلام بفيدكم في أصول الفقه، بفيدكم مش فقط في المنطق أو البلاغة، عشان هيك أنا حرصت أن تفهموه الآن. نحن قلنا اللفظ وضع لمعنى مطابق، فكلمة إنسان وضعت لمعنى حيوان ناطق، هذا المعنى المطابقي. الآن وجدوا هذه عظمة اللغة العربية، أن المعنى المطابقي هناك أيضاً معاني يستنبطها العقل من المعنى المطابقي تسمى معنى التزامياً. فالمعنى الالتزامي إذاً هو المعنى الملازم للمعنى المطابقي، المعنى المطابقي من خلال التفكير العقلي الصحيح قادني ومشى بي إلى معاني التزام.
مثال: لما تسمع أنت كلمة أسد، أسد كمعنى مطابق معناها الحيوان المفترس، هنا العقل يبدأ عملية البحث عن المعاني الالتزامية، فبقول لك هذا الحيوان المفترس من المعاني الملازمة له أنه شجاع. العرب وضعت أسد للحيوان المفترس، هسا هذا الحيوان المفترس كونه شجاعاً وجريئاً، هذا الشيء استنبطه العقل من خلال ملاحظته لهذا الحيوان أنه أجرأ حيوان في الغابة، فالعقل من خلال مراقبته أصبح يربط بين المعنى الالتزامي وهو الشجاعة وبين المعنى المطابقي وهو الحيوان المفترس. فإذا أطلق الإنسان كلمة أسد، من حيث الدلالة الوضعية أنا فاهم شو يعني أسد حيوان مفترس، بس من حيث الدلالة العقلية الالتزامية العقل يأخذني لمعنى الشجاعة.
هذا المبحث عظيم جداً، والذي لا يتقن هذه الأفكار يضيع ليس فقط في البلاغة، بل يضيع في الفقه وفي أشياء كثيرة، وما بيفهم طريقة الفقهاء والأصوليين في الاستنباط. كيف أنهم لما ينظروا في النص القرآني أو النبوي أو حتى في كلام المخاطبين، كيف يقول لك والله هذا المعنى قصد فلان بس هذا يلزم عليه كذا، لأنه أي معنى مطابق في حواليه مجموعة من المعاني الالتزامية. وكلما كان الفقيه أتقن للاستنباط، مثلاً تجد الشافعي يقرأ آية قرآنية يستنبط منها أربعين حكماً، وأنت مش قادر تستنبط منها حكمين، شو السبب؟ أن الشافعي أكثر فطنة ودراية بالمعاني الالتزامية مني ومنك.
فالمعنى الالتزامي بعضه عقلي -هناك معاني التزام العقل يحكم بها دون النظر للعرف- وهناك معاني التزام عرفية؛ العرف هو الذي أتى بها وليس العقل، وإن كان كلاهما يدخل تحت العقل. وهذه المعاني الالتزامية العرفية هو ما يبني عليه الفقهاء قاعدة "العادة محكمة". وعليك أن تنمي قدراتك على الوصول إلى المعاني الالتزامية، لما تقرأ في تفسير القرآن، لما تقرأ في كلام النبي عليه الصلاة والسلام، حاول أنه ما تقف مع المعنى المطابقي فقط، حاول تشوف هذا المعنى المطابقي إلى أين يأخذني في المعاني الالتزامية.
وكذا قوله بضحك، وكون هذه أمور العرف، هو الذي أتى بها من خلال مراقبتي، مش لأنه في لازم عقلي أنه إذا كان حيواناً ناطقاً لازم يكون بيضحك، صح ولا لا؟ تمام، إذا لاحظنا أن العرب ركزوا لم تضع، لم تضع وضعاً المعاني الالتزامية، العرب وضعت المعاني المطابقية، والعقل هو الذي يخرج إلى المعاني الالتزامية، لكن بالتأكيد بالتأكيد العرب الأوائل هم أقدر وأفهم وأدرى بالمعاني الالتزامية التي تنشأ عن الألفاظ من كثير من المتأخرين.
تمام خاصة الأمور التي هي المعاني الالتزامية التي هي أقرب إلى الجانب اللغوي منها إلى الجانب الاستنباطي، وإن كان هذا لا يمنع أنه بعض المتأخرين قد يستنبط من المعاني الالتزامية للألفاظ ما لم يكن انتبه له بعض العرب الأوائل، ممكن ولا مش ممكن؟ ممكن، هذا ما فيه إشكال. لكن نقول العرب لكثرة كلامهم وأشعارهم وخطبهم وصلوا لنا كثيراً من المعاني الالتزامية، فأراحونا من كلفة استنباطها، العرب لكثرة احتفائهم باللغة ومكنتهم فيها ودرايتهم بدلالتها المطابقية بصورة أدق منا، أوصلوا لنا كثيراً من المعاني الالتزامية التي فهمناها من خلال أشعارهم وكلامهم وما شابه ذلك، لذلك الصحابة أقدر ممن بعدهم لأنهم أقرب إلى العرب وأقرب تركيزاً في الدلالة المطابقية وفهماً لها وفهم ما يمكن أن يستنبط منها، وقس على ذلك. أنا فقط كانت فكرتي أن تفهم ما موضوع الدلالات، إذا دلالة اللفظ على المعنى لما أقول اللفظ يدل على المعنى، هنا بدك توسع أفقك شو معنى دلالة اللفظ على المعنى؟
بنقول هناك أولاً دلالة اللفظ على المعنى قد تكون دلالة وضعية، وهي الدلالة الوضعية المطابقية، وهي معناها أن يدل اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له، ممتاز، ثم هناك نوع آخر ينبني على الدلالة الوضعية وهو ما يسمى دلالة اللفظ على معنى بالعقل وليس اعتماداً على الوضع، ما هي دلالة اللفظ على المعنى باستعمال العقل؟ أما دلالة تضمن وهي أن يدلني اللفظ على جزء المعنى المطابقي، وهذه مش احترافية كثيراً، يعني حلوة بس مش هي التميز، لا يكون فيها عادة، وأما دلالة اللفظ على المعنى دلالة عقلية التزامية، شو هي الدلالة العقلية الالتزامية؟ أن يدلني اللفظ على معنى ملازم للمعنى المطابقي، وهذا التلازم بين المعنى هذا والمعنى المطابقي إما أن يكون تلازماً عقلياً، أنه لا يمكن أن يتخلف، وإما أن يكون تلازماً عرفياً، بعضه قد يقول لك في الشريعة، يقول لك تلازم شرعي، أنه بعض الأمور مش العرفي الذي لازم بينها ولا العقل، الشريعة هي التي حكت إذا كان هذا بدك تعمله هيك، مش ممكن يكون الشريعة، نعم في تلازم الشريعة وضعتها بين الأشياء، فهذا ما يسمى بدلالة عقلية التزامية، لأنه إذا أنت فهمت هذا بتريحني في فهم ما بعد قليل، إذا ما فهمت هذا مش راح تفهم شو الفرق بين الاستعارة والكناية، تفضل.
يلزم أن يكون من المعنى المركب، أحسنت، إحنا ما بدناش نتوه في التفاصيل، إحنا ما بدناش التفاصيل، هو أخونا بيقول الدلالة العقلية التضمنية هذه لا يمكن أن تحصل إلا إذا كانت الدلالة المطابقية تتكون من أكثر من جزء، صح؟ يعني إذا كان اللفظ معناه المطابقي جزء واحد هو كلمة واحدة، إذاً مش ممكن تيجي دلالة تضمن، دلالة التضمن متى يمكن أن تحصل عقلاً؟ إذا كان المعنى المطابقي من أكثر من جزء، الإنسان حيوان ناطق، إذا كان المعنى المطابقي يتركب من أكثر من كلمة، فهنا يتصور وجود معنى تضمني، أما إذا كان المعنى المطابقي هو أصلاً جزء واحد، إذاً خلص أصبح المطابق والتضمن نفس الشيء، بل حتى ما في تضمن، بس هذه أفكار منطقية إحنا مش واضحة هي مفهومة لكن لا حاجة إليها الآن، وضح مشايخنا؟ في شيء مش مفهوم حتى ننتقل؟
حبيبنا النوع الثالث الشرعية لا يوجد، صح، النوع الثالث من الشرعية لا توجد هنا، لا تهمك بس أنت ممكن توظفها في حياتك ما عندي مشكلة، لكن هي عموماً مش شغلة البلاغيين أن يبحثوا في اللوازم الشرعية، أنه هذا المعنى يلزم منه معنى شرعي آخر أو هذا المعنى يلزم منه معنى شرعي آخر، عادة نقول المعنى المطابقي يلزم منه معاني جانبية، هذه المعاني الجانبية كيف لزمت؟ ممكن العقل هو الذي يجبرك عليها، ممكن العادة، وممكن الشرع بحسب الطبيعة، والفقهاء والأصوليون بتبنوا ماذا هذا؟ هذه إذاً طريقة إخواننا البلاغيين في التقسيم، نعود إلى ما نحن فيه الآن.
أيوه يا رب بسم الله، الآن ماذا قال؟ طب إحنا جلست قبل ما أبين، طب بناء على هذا التقسيم، علم البيان وين ممكن يؤثر؟ علم البيان أي الدلالات يوظف أكثر شيء؟ علم البيان شو تعريف علم البيان؟ مش إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح، صح؟ الآن وين الأمور التي تقب، أي الدلالات الثلاث المطابقة أو التضمن والالتزام أنتم فهمتوها صح، أي الدلالات الثلاث كما قلنا يتباين فيها الناس في قدراتهم؟ الدلالة المطابقية الوضعية ما حدا يتباين فيها لأنه هي متوقفة أنك تفهم هذه اللفظة لأي شيء وضعتها العرب، يا أنت فاهمها يا أنت مش فاهمها، فلا مجال فيها لتفاوت العقول، يا أنت عرفت الدلالة الوضعية يا أنت ما عرفتها، فش حل وسط، فهي الدلالة المطابقية الوضعية لا يهتم بها البيانيون، علم البيان لا نحتاج لها لأنه لا يحصل فيها تفاوت واختلاف في مراتب الوضوح، هي مرتبة واحدة، يا أنا فاهم هذا اللفظ لأي شيء وضع يا إني مش فاهم، ما في اختلاف في درجات الوضوح.
طيب بنجيء الآن على الدلالة العقلية، الدلالة العقلية هي تنقسم إلى تضمن والتزام، الآن ظاهر كلام السيوطي أنه نعم، أن علم البيان يهتم بالدلالة العقلية بنوعيها، بالتضمن، قال بقول لك علم البيان هو يعتمد على القدرة العقلية، صح؟ علم البيان يعتمد على قدراتك العقلية، قدراتك الذكائية في إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، صحيح، فإذاً هو سيوظف أي دلالة عقلية، طيب شو هي الدلالات العقلية؟ نوعان تضمن والتزام، بس أنا الذي يظهر لي والله أعلم أنه حتى التضمن مش كثير كثير واضح في فائدة في علم البيان، ليس كثيراً واضحاً، الفائدة الحقيقية أو الأكثر وضوحاً من هذه الدلالات في علم البيان هو الدلالة الالتزامية، لأنه كما قلنا وصول العقل البشري للمعاني الالتزامية يتفاوت فيه فلان وفلان، صح؟ يتفاوت فيه الناس، وبالتالي سيتفاوت في ماذا؟ في القدرة على البيان، يعني أنا قضية، ها أعطيك المثال حتى تفهم كيف ربط علم البيان بالدلالة الالتزامية، مش إحنا قبل شوي قلنا في معنى اللي هو زيد جواد، في معنى اللي هو زيد جواد، خلينا نذهب للشاشة مش مشكلة.
الآن زيد جواد، هذا كمعنى مطابق مفهوم صح، ما هي الدلالة؟ زيد كمعنى مطابق مفهوم، زيد علم على شخص، وجواد كمعنى مطابق معناه الكرم فرضا، الآن كيف يمكن أن أعبر عن جود زيد بتوظيف دلالة الالتزام؟ بنقول الجود كمعنى مطابق مفهوم، ماذا يلزم منه عادة وعرفاً؟ إذا أنت شخص جواد، في العادة والعرف ماذا يلزم من جودك؟ كثرة الضيوف، أنه ضيوفك كثر، ها هي أول معنى التزامي، معنى التزامي واحد كثرة الضيوف، لأنه الإنسان الجواد بحب يجي ضيوف كثير، طيب برضه هيك شوف كيف العقل العربي بفكر، إنسان جواد أيضاً ماذا يلزم منه من حيث الواقع؟ سعة النفس، مش ضروري يكون سعة المال، سعة النفس، صح سعة النفس، أنه نفسه سمحة مثلاً، ها من المعاني الالتزامية، معنى التزامي سماحة النفس، طيب من الأمور في العرف والعادة أنه شخص جواد كثرة الطبخ، آه ممتاز، إذا في معنى التزامي وجدناه بالعرف وهو كثرة الطبخ، طب كثرة الطبخ، ها شوف هذا المعنى الالتزامي راح يقودني لمعنى التزامي، وهون بتبدأ الشبكات تشتغل، كثرة الطبخ هذه بحد ذاتها في العرف، كثرة الطبخ يلزم منها شيء كثرة الرائحة التي تخرج من البيت، رائحة الطبيخ أو الرماد، فالرماد هو معنى التزامي مش مباشر للجود، لا هو معنى التزامي ملتصق مستنبط من معنى التزامي سابق، وهو كثرة الطبخ، وكثرة الطبخ هو المعنى الالتزامي اللي مستنبط من ماذا؟ من جود زيد، فهمتم؟
فالآن لما بدي أجي أعبر عن أن زيد جواد، ممكن أستعمل المعنى المطابقي، أقول زيد جواد، بس هذا فيه فن؟ فش فيه فن، أنت أعطيتني إياها كما خلقها ربها يعني هكذا بدون أي إضافة، لكن نفس هذا المعنى بدل ما أعبر عنه بالمعنى المطابقي، ممكن أعبر عنه بالمعنى الالتزامي، والمعاني الالتزامية مع كثرة التأمل والتدبر رح تكتشفوا أنها عالم من الفن والجمال، كيف إني أعمل شبكة معانٍ التزامية وأخذ معنى التزامياً من معنى التزامي، يعني أنتم لاحظوا أنت بجوز مش خاطر ببالك أن زيد جواد معناه كثرة الطبخ، بس العرب انتبهت أن هذا يلزم من هذا، أنت نفسك بجوز ما كنت منتبه أن شو علاقة كثرة الطبخ بالجود، العرب انتبهت استطاعت أن تحصل هذه المعاني الالتزامية ووظفتها، فأنا لما أقول زيد كثير ضيوفه، أنا عبرت عن الفكرة الأصلية وهي جود زيد، لكن ليس باستعمال دلالة المطابقة الصريحة، عبرت عنها باستعمال معنى التزامي، وهي كثرة الطبخ، ممكن أعمق أكثر وأكثر وأستعمل معنى التزامياً أبعد وأبعد، زيد كثير الرماد، وبدأت الشبكة تكبر، فإذاً أن علم البيان يعتمد أيها الكرام أساساً على ماذا؟ على دلالة الالتزام، يعتمد أساساً على دلالة الالتزام، وسيظهر هذا المعنى أثناء الشرح، دعونا نكمل.
اقرأ، كلام السيوطي هو أنه لم يظهر لي مثال جميل حتى أعطيك إياه، لذلك أنا قلت لك لا تعتمد كثيراً على فكرة دلالة التضمن، بس أنه كيف تستعمل أن كلمة زيد جواد، أنه مثلاً الجود معناه المطابقي إذا كان مركباً، كلمة الجود تدل على جزء المعنى فتوقف، فتأتي إلى جزء المعنى توظفه للدلالة على المعنى الكامل، تمام مثلاً زيد إنسان، فتتريد أن تعبر عن إنسانية زيد فتقول زيد حياة فرضا، ها زيد إنسان، هسه زيد إنسان، أنت هون استعملت المعنى المطابقي صح، طيب لو بدي أعبر، ممكن أوظف الآن كلمة إنسان معناها تضمني، شو؟ أما حياة أو تفكير، فلو قلت مثلاً من باب المبالغة زيد حياة، أو قلت مثلاً زيد تفكير، شي أحياناً بتستعمل زي هيك أشياء، زيد عبارة عن تفكير، هسه التفكير هو مش معنى ملازم لزيد، هو معنى تضمني له صح، هو ليس معنى الملازم لإنسانيته هو معنى متضمن في إنسانيته، فإذا قلت زيد حياة وزيد تفكير، أنت هنا استعملت دلالة التضمن للدلالة على ماذا؟ على كمال إنسانية هذا الشخص على سبيل طبعاً المبالغة، وكونك تقصد الدلالة على تفكيره أو كمال حياته، فهذا من جهة توظيف دلالة التضمن، نعم كجانب، البيان ليس بإيراد المعنى الواحد مختلفه، أحسنت في طرق مختلفة في الوضوح.
طيب تمام، طيب إذاً نعود فنقول ولما لم تكن كل دلالة قابلة للوضوح والخفاء احتيج إلى تقسيمها وتعيين المقصود منها، شو معنى هذا السطر؟ زي ما حكينا أنه دلالة اللفظ على المعنى هنا ليس كل الدلالات تقبل التفاوت، فهناك دلالات بطبيعتها لا تقبل التفاوت، وهي أي دلالة؟ دلالة المطابقة لا تقبل التفاوت، لأنه يا أنت فاهم عارف يا أنت مش عارف، ما فيش حل وسط، أنه أنا عارف بس مش كثير، لا يا عارف يا مش عارف، فدلالته لا تقبل التفاوت فلا معنى لتوظيفها في علم البيان، لأن علم البيان كيف أورد المعنى الواحد بطرق متفاوته في مراتب الوضوح، دلالة المطابقة ما فيها مراتب، هي يا أنت فاهمها يا مش فاهمها.
لذلك قال: فهذا يترتب علينا أن نقسم دلالة اللفظ وتعيين المقصود منها، فدلالته ما وضع له وضعية مطابقية، فدلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له هذه دلالة وضعية مطابقية، قال كدلالة لفظة الإنسان على المعنى الذي وضعت له وهو الحيوان الناطق، شو يعني الناطق؟ المفكر، الناطق مش الناطق اللي بيتكلم لا هم يقصدون بالناطق المفكر، طيب ودلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له، كدلالة الإنسان على الحيوان فقط أو الناطق فقط، وهذه تسمى دلالة تضمن، ودلالة اللفظ على معنى خارج عنه، شو يعني دلالة اللفظ على معنى خارج عنه؟ يعني كما قلنا معنى خارجي ملازم للمعنى المطابقي، هم بيسموا المعاني الالتزامية بيسموها معاني خارجية لأنها خارجة عما وضع له اللفظ، فالإنسان وضع للحيوان الناطق، فدلالته على الضحك على المشي هي معاني خارجية ملازمة للمعنى الذي وضع له، قال كدلالة الإنسان على الضاحك، فهذه، فهو طبعاً دخل، قال ودخل الدلالة التضمن والدلالة الالتزامية أدخلها في العقلية، لذلك قال: وعلى جزئه وخارجه عقلية، فكلمة عقلية هي يندرج تحتها الحالة الثانية والثالثة، قال دلالة اللفظ على تمام ما وضع له وضعية، ودلالته على جزء ما وضع له أو على معنى.
قال: لماذا جعلت الدلالة التضمنية ودلالة الالتزام عقلية؟ سيعلل ذلك، قال: لأن ذلك، أي لأن الدلالة التضمنية والالتزامية من جهة حكم العقل. من أين أتت الدلالة التضمنية والالتزامية؟ من الاستنباط العقلي، من جهة حكم العقل بأن حصول الكل مستلزم لحصول الجزء، وحصول الملزوم مستلزم لحصول اللازم.
أريد أن أعيد العبارة حتى تفهموها لأنه شبكها مع بعضها، ما معنى من جهة حكم العقل؟ قال: شوفوا كيف العقل يفكر، قال: من جهة أن حصول الشيء الكلي يستلزم حصول جزئه، وحصول الملزوم يستلزم حصول اللازم. الآن هو يقصد بالكل والملزوم المعنى المطابقي، فالكل أو الملزوم ما المراد به؟ المعنى المطابقي. فإنسان، ما المعنى الكلي له؟ حيوان ناطق، صح؟ فإذا حصل المعنى الكلي فلا بد وأن يكون حصل الجزء؛ يعني بالله عليكم أريد أن أسألكم إذا كان هناك إنسان موجود أمامكم، ما المعنى المطابق له؟ أنه إنسان حيوان مفكر، طيب إذا كان هذا إنسان حصل معناه الكلي أنه حيوان مفكر، أليس منطقيًا حصل جزئه وهو أنه حيوان، وحصل الجزء الآخر أنه مفكر؟ فبيقول لك هكذا العقل ترجمها، بقول لك: إذا وجد المعنى الكلي في هذه الغرفة، إذا المعنى الجزئي حاصل. ما دام في إنسان إذا في حياة، وما شاء الله في حياة كلنا نتنفس، وإذا كان في إنسان إذا في تفكير، فالعقل يقول: إذا حصل المعنى الكلي فبالتأكيد حصل المعنى الجزئي ضمنيًا. كذلك إذا حصل المعنى الملزوم وهو المعنى نفسه المطابقي الكلي، حصل اللازم.
لكن كلمة لا بد وأن يحصل معناه شوية بدها دقة، هل معناها أنه لا بد وأن يحصل معناه عقلاً ولا عادةً ولا شرعًا؟ هنا بتيجي المراتب؛ أنه إذا أقول لك والملزوم يستلزم حصول اللازم هنا بدك تركز شوية في تفصيل، يستلزم حصول اللازم عقلاً ممكن إذا كان التلازم عقلياً بين المعنى الخارجي والمعنى الأصلي، لكن يمكن يكون تلازم عرفي، ممكن يكون تلازم شرعي. والتلازم العرفي يحصل كثيرًا لكن ليس دائماً. فالنار هل أحرقت سيدنا إبراهيم عليه السلام؟ لا، فهنا نعم النار من معانيها الملازمة لها الإحراق، لكن هل التلازم بين الإحراق والنار تلازم عقلي يا عمر؟ لا، هو تلازم عادي، أنه في العادة النار تحرق، فإذا شاء الله أن يبطل فاعليتها للإحراق تحصل النار ولا يحصل الإحراق، بل يحصل سبحان الله نقيضه وهو البرودة: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء: 69]. فلما نقول إن الملزوم يستلزم اللازم بدك تكون دقيق شوية، أنه قد يستلزمه عقلاً، أي لا يمكن أن يتخلف عنه من حيث الأحكام العقلية التي هي الوجوب العقلي، وقد يكون مستلزماً عادةً، واللزوم العادي يمكن أن يتخلف إذا أراد الله أن يبطل؛ فالنار قد يتخلف عنها الإحراق، والماء قد يتخلف عنه الري، إذا شاء الله ذلك، لكن عادة الأمور ماشية على السنن الكونية، وكذلك هناك لزوم شرعي.
ثم قال: وإيراد المعنى الواحد بعد أن فهمنا كيف أن العقل هو مبنى الدلالة التضمنية ومبنى الدلالة الالتزامية، ماذا سيقول؟ قال الآن سيرجع لعلم البلاغة، فقال: وإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح، شوف ركزوا في هذه العبارة، حط تحتها خط: لا يتأتى بالدلالة الوضعية المطابقية. إذاً علم البيان له علاقة بالدلالة الوضعية المطابقية يا جماعة؟ لا، لأنه دلالة الوضعية المطابقية زي ما حكينا، يا بتعرف يا ما بتعرف، فش فيها حلل، فش تفاوت. لذلك ماذا قال؟ قال ها هو نفسه سيحكي، قال: لأن السامع إذا كان عالماً بوضع الألفاظ لذلك المعنى خلص لم يكن بعضها بالنسبة عنده أوضح من بعض؛ يعني الدلالة الوضعية خلص لفظ موضوع لمعنى ما في شيء أوضح من شيء، هو هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، ما فيش مجال لتفاوت الوضوح فيه. وإن لم يكن هذا السامع عالماً بدلالة اللفظ على المعنى الذي وضع له لم يكن كل واحد من الألفاظ دالاً عليه، أي على المعنى؛ لتوقف الفهم على العلم بالوضع. خلاصة هذا ما ذكرته لكم قبل قليل في الدلالة الوضعية؛ يا أنا عارف أن هذا اللفظ وضع لهذا المعنى يا أنا مش عارف، إذا أنا مش عارف أصلاً مش رح أفهم ما معنى هذا اللفظ، وإذا أنا عارف هذا شيء واحد لا يقبل التفاوت، هذه خلاصة ما يريد السيوطي أن يقوله.
ثم قال: ويتأتى، اللي هو التفاوت، هو إيش قال: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة لا يتأتى في الوضعية، مش قال قبل شوي؟ لكنه يتأتى في العقلية، حتى تربط الكلام ببعضه هكذا تقول: لكنه، أي إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة يتأتى أي يمكن في العقلية، بمعنى العقلية التضمن والالتزام. ليه؟ قال لجواز، ها لجواز أن تختلف مراتب اللزوم في الوضوح، يعني المعاني الالتزامية نعم تختلف وضوحها من شخص إلى آخر وفي ذهن آخر، المعاني الالتزامية تقبل التفاوت، ما يدركه إبراهيم بيختلف عما يدركه عمر. ووضوح هذا المعنى وأحياناً قد أعطيك معنى التزامياً يا أخي ما يكون واضح لك صح، بس بعطيك معنى التزامياً آخر قد يكون أوضح؛ فلما نقول متفاوته في الوضوح من شخص إلى آخر وحتى في داخل الشخص الواحد، ها لما نقول متفاوته في الوضوح المعاني الالتزامية ركزوا في هذه الفكرة، قد تكون متفاوته من شخص إلى آخر، من سين إلى صاد، وحتى داخل العقل الواحد، أنا قد أعطيك معنى التزامياً تفهمه صح، ممكن أعطيك معنى التزامياً آخر يا أخي تقول والله مش قادر لسه أفهمه، فمراتب الوضوح في المعاني الالتزامية حتى في العقل الواحد تتفاوت.
جيد إذاً قال: ويتأتى لجواز أن تختلف مراتب اللزوم في الوضوح، قال: ثم اللفظ المراد به لازم ما وضع له سواء أكان هذا جزءاً، يعني دلالة تضمن، أو خارجاً، لاحظ هنا بلش يستعمل اللازم بمعنى العقل، يعني هو الآن يستعمل اللازم بمعنى دلالة التضمن ودلالة الالتزام، خلص يعني ما راح يذكر لك دلالة تضمن، خلص سيستعمل اللازم بمعنى دلالة التضمن ودلالة الالتزام، فماذا يقول؟ قال: ثم اللفظ المراد به لازم ما وضع له سواء كان هذا اللازم جزءاً بين قوسين دلالة تضمن، أو خارجاً بين قوسين دلالة التزام، إن قامت قرينة على عدم إرادة ما وضع له فمجاز، وإلا فكناية.
أهو الآن بلش يدخلك في كما قلنا أنواع علم البيان، الآن إحنا قلنا علم البيان يقوم على كم نوع؟ علم البيان ثلاثة أقسام: تشبيه، استعارة، وايش؟ وكناية. طيب الآن الاستعارة مبنية على المجاز. المجاز أنتم درستوه كثير في حياتكم صح؟ شو المجاز؟ شو الفرق بين الحقيقة والمجاز؟ مش المجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له؟ شوف كلمة إيش؟ شوف الآن كيف بلشت الأفكار، الآن المجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له. إذاً أنت الآن فهمت شو يعني وضع الدلالة الوضعية، مش قلنا دلالة اللفظ إما وضعية أو عقلية، فالمجاز هو اللفظ الذي استعمله المتكلم في غير الدلالة الوضعية. طيب إذا استعملته في غير الدلالة الوضعية إذاً أنا استعملته في إيش؟ في الدلالة العقلية، ما هو في حل ثالث؟ لما تقول المجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، يعني في غير الدلالة الوضعية، طيب وين استعملته إذاً؟ في الدلالة العقلية؛ لأنه هي يا عقلية يا وضعية. إذا قلت اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، يعني اللفظ بعبارة أخرى اللفظ الذي أطلق واستعمل في الدلالة العقلية وليس في الوضعية.
ركزوا معي، الآن هو بده يعطيك من أين نشأت هذه القسمة الثلاثية في علم البيان، تشبيه، مجاز، كناية، من وين أجت هذه القسمة الثلاثية؟ فبيقول لك خليني أعلمكم، بقول لك الآن مش إحنا حكينا في عنا لفظ، وقلنا اللفظ يدل على هناك معنى مطابق وضعي، صح؟ هذا هو المعنى المطابقي، وفي هناك معاني التزامية، طبعاً هنا أنا بدي أمشي معه أن المعاني الالتزامية بتشمل التضمن والالتزام ماشي، فالآن هناك معاني أخرى التزامية، ها ركزوا معي، إذا أطلق المتكلم اللفظ، أساس في فهمك لكل علم البيان، إذا أطلق المتكلم اللفظ وأراد به، وأراد به ليس معناه الوضعي، أطلقه وأراد به فقط المعاني الالتزامية، فهذا ما نسميه المجاز. مش حكي شو تعريف المجاز؟ اللفظ مستعمل في غير ما وضع له، إذاً معناها إذا في غير ما وضع له يعني استعمل في الأمور العقلية؛ فإذا أطلقت اللفظ ولم أقصد ركز هو قال وقامت قرينة، لأنه المجاز يحتاج إلى إيش باتفاق الجميع؟ يحتاج إلى قرينة، إذا أطلق المتكلم اللفظ وقامت قرينة أنه لم يقصد باستعماله في سياق حديثه المعنى الوضعي وإنما ما أطلقه وأراد به المعاني الالتزامية، فهذا ما نسميه نحن بماذا بالمجاز، وهذا يحتاج إلى قرينة لأنه الأصل إذا الإنسان أطلق اللفظ الأصل أنه أراد معناه الوضعي، فإذا أردت أن تزعم أنه أطلق اللفظ وأراد المعاني الالتزامية فقط فقط فهذا يحتاج إلى قرينة، وهذا ما يسمى المجاز.
طيب الحالة الثانية إذا أطلق المتكلم اللفظ وأراد به يا شيخ عمر المعنى الوضعي والمعاني الالتزامية، أراد الاثنين، فهذا إيش؟ كناية. شوف الفرق بين المجاز والكناية، إذا المجاز أنا أطلقت اللفظ ولم أقصد المعنى الوضعي، قصدت فقط من إطلاقه المعاني المجازية، هذا مجاز وعليه تنبني الاستعارة. أما إذا أطلقت اللفظ وقصدت المعنى الوضعي ومعانيه الالتزامية فهذا ما يسمى بماذا؟ لا، كناية. الكناية أنت أطلقت اللفظ وأردت معناها الحقيقي وأردت معناها الالتزامي. كيف ذلك حتى أعطيك فرق بين المجاز والكناية؟ الآن إذا أنا أطلقت لفظة أسد، اللفظ مثلاً أسد، وأنا بحكي معكم بقول لكم شفت لكم أسد، أنو أسد؟ هس إذا ما فيش قرينة يجب أن تحمل كلمة الأسد على ماذا؟ على معناها الوضعي الحيواني المفترس، لكن لو قلت لكم شفت لكم أسد نايم زي الشيخ مثلاً، إذا قلت شفت أسد، تمام بس نايم، برضه بتضبط لأن مش قاله كثير، ممكن أسد نايم في الحديقة. رايت أسداً يخطب، كلمة يخطب هي قرينة خلتك تفهم أن إبراهيم المتكلم لما استعمل كلمة أسد ما قصد معناها الوضعي، قصد معناها الالتزامي، وهو ماذا؟ شجاع، رأيت شجاعاً، صح؟ فهنا كلمة الأسد أطلقت على لساني والقرينة دلت على أنني لم أقصد المعنى الوضعي، وإنما قصدت معناها شو الالتزامي، فهذا مجاز.
طيب لو استعملت كلمة كثير الرماد، اللي قبل شوي عبرنا فيه عن جود زيد، أنا قلت فلان كثير الرماد، كلمة الرماد ركزوا لي فيها هون، كلمة الرماد هل أنا هنا قصدت معناها الوضعي؟ يعني هل أنا فعلاً قصدت أنه في رماد ببيته؟ لا، قصدت لأن هو فعلاً في رماد، أنا من وين جبت دلالة الالتزام؟ إذا أنت ما قصد معناها الوضعي صارت مجاز، بطلت كناية. ركز لما قلت فلان كثير الرماد بكون أنا فعلاً رحت على بيته، دائما ريحة الطبيخ طالعة فعلاً حقيقة، فأنا لما قلت رماد أنا قصدت معناها الوضعي، بس في نفس الوقت وقصدت معناها الالتزامي، يعني أنا عيني والكاميرا تعتي ليست متوجهة على المعنى الوضعي وإن كان مقصوداً، عيني متوجهة على المعنى الوضعي والمعنى الالتزامي، وبدي أكون صادق شوية أكثر عيني زايدة على المعنى الالتزامي، يعني أنا أقصد المعنى الوضعي أنا لم أقل لم أطلق الرماد وأقصد شيئاً آخر، لا قصدت الرماد فعلاً، فعلاً الرجل في بيته رماد كثير كثير، ورائحة الطبيخ فعلاً حقيقة، قصدت ذلك، لكن هل أنت أردت أن تخبرني فقط خبر أن هذا الشخص والله في رماد كثير؟ هذا مقصدك، ولا أطلقت أعطيتني معنى مطابقياً وبدك إياي أنتقل منه إلى المعنى الالتزامي، وأنه جواد؟ فأراد معناه الوضعي، ماذا الغبار هذا الذي يخرج من الطبيخ هذا المعنى الوضعي، ما معنى الرماد وضعاً؟ الغبار أو السكن الذي يخرج من الطبيخ، طيب الرماد ما معناها الالتزامي؟ الكرم، طبعاً هذا التزام عقلي ولا عرفي؟ عرفي؛ أن العقل عرفاً عم بيربط بين كثرة رائحة الطبيخ وبين الكرم، فالكرم هو معنى التزامي للرماد، ولا المعنى الحقيقي للرماد هو السكن هكذا الذي ترونه.
فلما قلت فلان كثير الرماد، متى يسمى هذا كناية؟ إذا قصدت المعنى الحقيقي والمعنى الالتزامي، هكذا بنكون وصلنا للكناية. هذه دقة إخواني ترى، أكثر سبب ضعف الطلاب في علم البيان أنه الطاسة عنده ضايعة، أنه مش فاهم شو الحقيقي وشو المجاز وشو المقصود، شو استعارة؛ لازم تفهم بهذه الدقة الصورة. عشان هيك أنا بالنسبة لهذا المقطع هو أهم مقطع، إذا أنت فهمته ريحتني من كل علم البيان، خلص بصير اللي بعدين أقسام شو التشبيه شو الاستعارة؛ إذا أنت مش فاهم إيش فلسفة علم البيان بأنواعه تبقى الأمور ضبابية. فهمتوا شو الكناية؟ وفهمنا شو المجاز؟ إذاً في المجاز أنا أقصد فقط المعاني اللازمة، لذلك أحتاج إلى قرينة، وأما في الكناية لا أنا قصدت يا عمي المعنى الوضعي لكني قصدت معه المعاني.
الالتزام؛ فهنا الكناية لا تحتاج إلى القرينة كما يحتاجها المجاز، لأن المعنى الوضعي مقصود. دعوني أكمل سريعةً، الكناية لا تحتاج إلى قرينة ابتداءً، إلا من جهة أن تقصد أن تنبه السامع أن ينتقل إلى المعاني المجازية؛ لا يعني أن الكناية لا تُستعمل فيها قرينة، بل لا بد من قرينة، لكن القرينة هنا ما فائدتها؟ أن توضح للسامع أنه بدي إياك الله يكرمك تنتقل من المعنى الوضعي. أنا صح قصدت المعنى الوضعي، بس ما بدي إياك توقف عنده؛ لما شخص قال لك فلان كثير الرماد إذا أنت وقفت عند المعنى الوضعي هو ما استفاد شيء، لأنه مش قصده بالدرجة الأولى أن يعطيك معلومة أن فلان دائما رائحة الطبيخ طالعة عنده، هو صح أراد المعنى الحقيقي الموجود لكنه أراد بالدرجة الأولى أن تنتقل من المعنى الحقيقي إلى المعنى اللازم وهو الكرم.
أنت المحصلة النهائية لما أقول لك كثير الرماد شو المحصلة النهائية التي أريدك أن تصل إليها؟ أنا مش فعلياً جاي أخبرك أن فلان يطبخ كثير، أنا المقصد الأعلى والأسمى لدي أن تنتقل أيها السامع معي من المعنى الحقيقي الوضعي إلى المعنى اللازم. ممتاز، فانتقالك مطلوب، وهذا سيحتاج إلى قرينة حتى تنبه السامع أنه انتقل، ما تضلك واقف عند المعنى الوضعي، انتقل معي إلى المعنى اللازم، هكذا فكرة الكناية.
المجاز هو فلسفة الاستعارة، ولهذا سيضيع المجاز ويبقى الحديث عن الاستعارة، فخذ المجاز لأنه سنقسمه؛ بدك تخليها تشبيه ومجاز وكناية يضبط، بدك تخليها تشبيه واستعارة وكناية يضبط، في وجهة نظري يضبط باعتبار أن الاستعارة هي أبرز جزئية في المجاز. إذا بدكم تكونوا أدق مني، نعم كلامك صحيح، هم قسموها تشبيه، مجاز، كناية، خلوها هكذا. أنا ليش قلت تشبيه، استعارة، كناية؟ لأنه لما نجيء على المجاز ستلاقيه يتكلم عن المجاز المرسل شوية صغيرة وجل الكلام سيكون في الاستعارة وأنواعها التصريحية، فأنا بختصر على الطالب وأقول له تشبيه، استعارة، كناية، لكن حقيقة كلامك أدق حتى ما يصير عند الطالب إشكال، هو اعتمد التقسيم أن يكون تشبيه، مجاز، كناية.
إذاً اللفظ ثم اللفظ المراد به لازم ما وضع له، اللفظ الذي أطلق وأريد به اللوازم؛ إذا قامت قرينة على أنك لم تقصد المعنى المطابق الوضعي فأنت تتكلم في مساحة المجاز، أما إذا أطلقته وأردت اللازم وفي نفس الوقت أردت المعنى المطابقي، أي أردت الاثنين المعنى المطابق الوضعي زائد أردت اللازم، فهذا يسمى كناية.
قال: ثم من المجاز ما ينبني على التشبيه؛ فتعين التعرض له، فانحصر المقصود من البيان في هذه الثلاثة. هو بده يعطيك لماذا علم البيان ينحصر في هذه الأبواب الثلاثة. هو يقول لك وهذا ظاهر كلامه -وإن كان البعض ممكن يعترض على طريقة السيوطي في هذا التأصيل- الأساس في علم البيان هو المجاز والكناية، لماذا تطرقتم للتشبيه؟ يقول لك: نحن تطرقنا للتشبيه لأن هناك نوعاً من المجاز مهم جداً ينبني على التشبيه ابتداءً، وهو الاستعارة، فبقول لك لأن الاستعارة كل مبناها وفلسفتها على التشبيه، احتجنا أن نتطرق إلى التشبيه وأنواعه ابتداءً.
نحن قلنا المجاز له علاقة وقرينة؛ العلاقة هي الرابط بين المعنى اللازم والمعنى المطابقي، حتى تفهم القضية سريعةً، قلنا في معنى مطابق وضعي وفي معنى لازم، وإذا أطلق اللفظ ولم يقصد به المعنى المطابق الوضعي وقصد به اللوازم هذا مجاز. لكن المجاز سيأتي معنا مبنياً على فكرة أن في معنى لازم ومعنى وضعي وفي خط واصل بينهم؛ هذا الخط الواصل بين المعنى الوضعي والمعنى اللازم يسمونه علاقة. أنت المعنى اللازم ليس على كيفك تطلعه، لا، في علاقات محددة تعرفها العرب، لأن ممكن واحد يفسر لك اليوم القرآن على كيفه ويقول لك هذه معاني لوازم، لا، المعاني اللازمة ليست هوائية، المعاني اللازمة عن المعنى الوضعي لها علاقات معينة تعرفها العرب.
أنواع العلاقات التي تربط بين المعنى الوضعي والمعنى اللازم حددتها العرب وانتهت؛ أنواع العلاقات مضبوطة لكن الأفراد التي تندرج تحت هذه العلاقات ممكن لا يكون العرب أو بعض المفسرين انتبه لبعض هذه الجزئيات ويكون المتأخر انتبه لها. فالعرب حكمتنا بالعلاقات بهذه الخطوط، ما بيصير تطلع عنها، لكن الجزئيات التي تندرج تحت هذه الخطوط في أثناء تفسيرك للقرآن هل يمكن أني أعرف أن هذه الآية تندرج تحت نوع من العلاقات المفسرون قبل ما انتبهوا عليه؟ ممكن، أن تستنبط أن هذه الآية تندرج تحت علاقة من هذه العلاقات المفسر الذي قبلي لم ينتبه له ممكن، لكن أن تأتي بعلاقة جديدة هذا غير مقبول.
هكذا نحكم علم التفسير لكن فتحنا مجال التدبر، أحكمنا أنه ما في حدا يطلع عن الخط العام. هم يفرضون معاني التزام بعلاقات هوائية هم يجيبونها لم تذكرها العرب أصلاً، هو يفرض أن هذه الآية كذا، تعال ثبت لي أن هذا الذي استنبطته يندرج تحت علاقة من هذه العلاقات؛ الجاهل بهذه العلاقات لا يجوز أن يتكلم في القرآن.
أهم علاقة بين المعنى الوضعي والمعنى الالتزامي وأكثرها انتشاراً هي علاقة التشبيه، المشابهة بين المعنى اللازم والمعنى الوضعي أهم وأكثر علاقة انتشاراً، لذلك فرضت نفسها في علم البيان أن يتكلم عن فكرة التشبيه وما فلسفته وكيف يبنى. وبناءً على ذلك تكلموا عنه، لكن عندي اعتراض على أن يصور التشبيه أنه فقط أتي به باعتباره مجرد توطئة؛ لا، حقيقة الكلام الأدق أن التشبيه هو طريق من طرق علم البيان، فالكلام عنه يخدمنا في المجاز والاستعارة، لكن ليس الكلام عنه فقط لأنه يخدم هناك، بل هو أيضاً من طرق البيان وإيضاح المعنى بطرق مختلفة في الوضوح.
إذاً علم البيان مجاز، كناية، تشبيه؛ إذا أطلقت اللفظ ولم أقصد المعنى الوضعي وقصدت المعنى المجازي اللازم هذا مجاز، إذا أطلقت اللفظ وقصدت المعنى اللازم والمعنى الوضعي كناية. أما التشبيه فذكرنا لأنه من أبرز العلاقات التي تربط المعاني اللازمة بالمعاني الوضعية، وقسم كبير من المجاز ينبني على فهم التشبيه، كما أنه من الأساليب الموجودة في أبواب البيان، بل قد يكون التشبيه في بعض السياقات أفضل من الاستعارة نفسها.
وعبر الطيبي بطريقة أخرى في وجه الحصر، أراد أن يبين لماذا يحصر علم البيان أبوابه في هذه الأمور الثلاثة، فقال: فظهر أن مرجع علم البيان إلى اعتبار المبالغة في إثبات المعنى للشيء، والمبالغة في إثبات المعنى إما أن تكون على طريقة الإلحاق أو على طريقة الإطلاق. الإلحاق هو التشبيه، أما الإطلاق فجعله على نوعين: إما إطلاق الملزوم وإرادة اللازم وهو المجاز، أو إطلاق اللازم وإرادة الملزوم وهو الكناية.
الوقت، شرحت لكم إياها الطيبي وبعض البلاغيين شرحوها بطريقة شوي مختلفة. شو بقولك؟ بقولك لأجل هي كثيرة كلمة الرماد، جيب لي المعنى الأصلي الذي نتكلم حوله. نحن شو بدنا نحكي؟ بنتكلم عن أنه في شخص كريم ممتاز، فبقولك بتحط الجود الذي هو الكرم أساس الفكرة، وبتقول الجود من معانيه اللازمة هو كثرة الرماد. فإذا أنا أطلقت كثرة الرماد، إذا أطلقت كثرة الرماد الذي هو المعنى اللازم للجود، إذا أطلقت كثرة الرماد وقصدت المعنى الملزوم وهو الجود، هذا كناية.
بس شوف، هذه الطريقة في التعبير بتخوفني شوي؛ لأنها بتشعر الطالب أني أنا لما أطلقت كثرة الرماد أردت المعنى، أطلقت اللازم وأردت الملزوم، بس أنا في نفس الوقت أردت المعنى اللازم أيضاً. فإشوي طريقة الطيبي أنا ما بفضلها، وأنا فاهم كلامه وكلامه صحيح، بس بتحس أنها بتضيع الفكرة التي ذكرناها قبل شوي؛ لأنه هو عم يبني الفكرة أنه أنت عندك علاقة بين الجود وكثرة الرماد، كثرة الرماد هي لازم من المعاني اللازمة للجود، فهو جعل أصل الفكرة الجود ومن معانيها اللازمة الرماد. فإنت إذا أطلقت الرماد، أطلقت المعنى اللازم وأردت الملزوم، بس هذه شو بتوهم الطالب؟ أنه أنا لما أطلقت الرماد ما أردت المعنى الحقيقي للرماد، ولا هيك أنت شوي ضيعتني، أنت هيك كلامه صح؛ لأنه قلنا لما أطلقت كثير الرماد أنا كان قصدي أن أخبرك أنه كثير الرماد، هذا قصدي الحقيقي، ولا قصدي تنتقل إلى قضية أنه جواد؟ أنا بدي إياك تنتقل إلى أنه جواد، وإن كان المعنى الحقيقي مقصوداً.
فهو لما قال أطلق اللازم وأراد الملزوم، هو يقصد أنك أطلقت الرماد وقصدت حقيقة إخبار السامع أنه جواد، وقضية أنك قصدت بالرماد معناه الحقيقي أيضاً هذا تحصيل حاصل. بس أنا بدي أريحك، إذا هي الطريقة راح تشوشك أنا ما بدي طريقة الطيبي؛ خلكم على الطريقة التي قلت لكم إياها قبل شوي، أنه تفهم شو معنى أنه في المجاز أنا أقصد المعنى اللازم ولا أقصد المعنى الوضعي، وفي الكناية بدي أقصد الاثنين المعنى اللازم والمعنى الوضعي، ودعك من هذه طريقة الروحة والرجعة التي فرضها. طبعاً هي كلامه صحيح، برجع بقول أنا فاهم كلامه، بس هو عشان هيك حتى السيوطي شوف شو قال لك: وجاء الطيبي فحصر بوجه آخر، يعني جاء بطريق آخر، بس بشوي بعدها الطيبي وعبارته قد تفهم معاني خطأ، قد تفهم أنه الكناية أطلقت اللازم وأردت الملزوم وأنني لم أقصد المعنى الحقيقي، لا وهذا شوي برضه بلبك. فلا، طريقة الطيبي اختصروها وخلوكم على طريقة السيوطي التي شرحت لكم إياها قبل شوي في التفريق بين المجاز والكناية وفي فهم ماذا التشبيه.
الطيبي باختصار هو بيقول لك: الإلحاق تشبيه؛ لأنه مشبه ألحقت بالمشبه به، هذا إلحاق، والإطلاق إما مجاز أو كناية. خلك خلص، الإطلاق يا مجاز يا كناية، بس هو كيف عبر عن الإطلاق؟ عبر أن إذا أطلقت الملزوم وأردت اللازم مجاز. هسة هذا صح، هي نفس طريقتنا، بس الكناية هو مشكلته في الكناية عبر عنها بطريقة مختلفة عن الطريقة التي نحن عبرنا فيها قبل شوي؛ عبر عن الكناية بأنها إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، كلامه صح بس راح يعجل لك أوراقك، فدعك من هذه الفكرة. خلوكم على الطريقة التي نحن فهمناها في الكناية لأنه عليها راح نشرح إن شاء الله ما بعد ذلك.
أي شوف آخر شيء شو ختم، قال: فإن قلت، فإن قلت ما بالك يا سيوطي تكلمت عن تقسيم الدلالة إلى وضعية وعقلية، والعقلية تضم أليس هذا من علم المنطق الذي حرمته في بداية الكتاب؟ قلت: ليس من علم المنطق بل هو أمر لغوي، وهم يرحمون، أي المناطقة، المناطقة يصرحون بأنه ليس من علمهم، وأنهم إنما يذكرونه في كتبهم لاحتياجهم إليه. يعني بيقول لك نفس المناطقة هم أصلاً بيقولوا لك أنه نحن هذا مش من علمنا لكننا نذكره لحاجتنا إليه. هو كلامه صحيح، يعني هو فعلياً هو مش من صلب علم المنطق الأرسطي، هو فكرة عامة تتفق عليها اللغات وليس فقط اللغة العربية، أنه الألفاظ تدل إما بالوضع أو بالعقل، والعقل إما تضمن وإما التزام. نقف إن شاء الله اليوم عند هذا القدر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، نكمل بعد الصلاة بإذن الله المعلقات.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل