بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد ذاكرين شاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد، نذاكر فيه "عقود الجمان في علم المعاني والبيان" للعلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى. وما زال حديثنا قائمًا في باب الإيجاز والإطناب والمساواة.
وما خطر في بالي وسأحاول أن أبين، أن طالب العلم -أيها الأحبة الكرام- يجب أن يحرص على المداومة والاستمرارية؛ فإنني أزعم أن كثيرًا ممن يتعشم طلب العلم اليوم، أو يرغب في سلوك هذا المسلك، ما زال بعيدًا عن معرفة ما معنى طلب العلم بالمعنى الحقيقي الذي ينبل به ويصبح به طالبًا.
فإن كثيرًا من الشباب المقبل على الطلب يظن أن العلم هو مجرد وجبات سريعة أو كتب مختصرة يمكن أن تنتهي باليوم أو اليومين، ولا يعرف أن طلب العلم لربما في مرحلته الأولى في أساسياته يمكن أن يكون كما تصور شيئًا سريعًا بالشهر أو الشهرين، لكن عندما يتقدم طالب العلم في هذا الطريق ويزداد قراءة ودرسًا وفهمًا وحضورًا، يجب أن يوطن نفسه على الحضور المستمر، ويوطي نفسه على السؤال المتكرر، ويوطي نفسه على المراجعة المتكررة والبحث العلمي، والرجوع في المطولات والشروح.
ويعرف أن هكذا العلم ينال؛ لا يوجد شيء اسمه فقط أن أحضر مجلسًا علميًا، ثم بعد ذلك خلال الأسبوع أو الأسبوعين ما في مراجعة، وما في حفظ للمنظومة، أو لا يوجد ضبط، أو إثارة للبحث العلمي حول القضايا التي درست مع المعلم. كذلك لا يوجد شيء اسمه أريد أن أنتهي من الكتاب أو البحث أو المتن خلال شهرين أو ثلاثة، في كتب بطبيعتها تحتاج إلى سنة وسنة ونصف من التكرار والنظر والبحث والقراءة حتى تحصل ملخصها.
منظومة مثل "عقود الجمان" مع كتاب مثل كتاب السيوطي، لما يكون هذا في مرحلة تأسيسية في بناء طالب العلم، هذا لو أخذ سنة وكانت سنة ثرية -طبعًا سنة حفظت فيها المنظومة وضبطت فيها المسائل تمامًا، وأخذت فيها الأمثلة ووسعت فيها النظر في شروح هذا النظم أو شروح الأصل وهو القزويني- حقيقة ستكون سنة عظيمة منتجة، وسنة لها ما بعدها؛ سنة ستريحك غدًا في طوال عمرك في القراءة العلمية في كتب التفاسير والمطولات، وتفهم المصطلحات التي يستعملها العلماء والمناقشات التي تدور بينهم.
بعض الطلبة ما زال يعاني من إشكالية في القراءة في الكتب المطولة، والسبب في ذلك أنه لم يعطِ نفسه الوقت الكافي لبناء علمه، هو متسرع مستعجل، يظن أنه ربما بالأجر مئة وبدوام الشهر والشهرين يمكن أن يصبح شيئًا أو رقمًا، أو يستطيع أن يدخل في مطولات كتب التفاسير وحواشيها، فإذا به ينصدم مع مرور الأيام أنه لا يفهم ماذا قال الزمخشري، ولا يفهم ماذا قال أبو حيان من أوجه الإعراب في تفسيره، ولا يستطيع أن يدقق في كلام ابن جرير الطبري.
ترى هذه الكتب أيها الأحبة هي كتب ثقيلة من العيار الثقيل؛ ابن جرير الطبري، من نظر منكم في تفسيره، ترى هل تظنونه بلغة سهلة؟ لغة عالية جدًا، ابن جرير حتى أنت تستغرب من تعبيراته، كثير منها مهجور في وقتنا الحالي في ربط الجملة بالجملة أو إدخال الجملة بالجملة. فمن لم يكن ممارسًا للعلوم، ولا أتعب نفسه في تحصيلها، ولا أضنى نفسه في القراءة، لن يستطيع -وأكون واضحًا معك- لن يستطيع أن يفهم الكتب الكبرى، وبالتالي لن يستطيع أن يكون له وجهة نظر في مناقشتها ولا معالجتها، فضلاً أن تعترض على أصحابها وتنقدهم.
ليس هذا المستوى؛ نحن اليوم واقع أمتنا مؤلم، أن تجد طالبًا هو أصلاً غير مؤهل لقراءة تفسير ابن جرير، وتجده يعترض على مواطن في التفسير هكذا وقف عليه، وهو آخر من يعرف ما معنى تفسير ابن جرير! كذلك الزمخشري وكذلك حواشيه. فهذا مما يأتي في الخاطر عندما أنظر وألمح في كثير من الطلبة اليوم أنهم ما زالوا لا يعرفون ما معنى طلب العلم، وكم يحتاج هذا الطريق من العناء في فترة التأصيل والتحصيل الأساسي.
كان علماؤنا يقولون: أنت في فترة التحصيل تحتاج إلى سبع أو ثمان سنوات حتى تتأسس، بعد ذلك تنفتح أمامك الأمور. متخيل؟ هذا هو الفتره الطبيعية؛ لأن الإنسان يعيش في واقعنا المعاصر وهو بعيد عن اللغة العربية وضعيف فيها، وحفظه للمتون والمصنفات أو الحياة العلمية بشكل عام ليست في تلك القوة. إذاً شيء طبيعي أن تحتاج أن تبني نفسك لغويًا أولًا: نحوًا وصرفًا وبلاغة وشعرًا، والنظر في المفردات والكتب الأساسية في اللغة.
وتحتاج أن تبني نفسك في القواعد والأصول الفقهية، وتبني نفسك في أصول الحديث، وتبني نفسك في أصول العقائد؛ هذا كله يحتاج لوقت، فما بالك لما تكون أنت أصلاً لا تعطي العلم حقه، لا تعطي الوقت الكامل الذي ينبغي أن تعطيه؟ الساعة والساعتين والثلاث والأربع بالكثير في اليوم، كم تتوقع أن يعطيك العلم؟
أحيانًا نحن نكرر بعض العبارات ولكننا ربما لا نصدقها كثيرًا، عندما نقول: «كالعلم إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه»، هذه عبارة الكل يفهمها ولكن كثيرًا من الناس لا يدرك فعلاً كم هي عميقة؛ أن العلم والمتون والمصنفات إذا أعطيت كل الوقت ستجد نفسك في مساحات هائلة أنت تجهلها، فما بالك إذا كنت تعطيها هكذا إضاعة للوقت، ولا تراجع، ولا تحفظ، ولا تحضر، ولا تناقش؟ كم سيعطيك العلم؟
حتى تكون واقعيًا، فلا تلم العلم إذا لم يعطك، أحيانًا لا تقول إن الكتب صعبة، القضية ليست أن الكتب صعبة وأن المصنفات العلمية عالية، المشكلة هي أنك لم تجاهد ولم تذل في هذا الطريق.
حقيقة، في أيام الإقامة في المدينة النبوية، ما زلت أتذكر بعض الذكريات الجميلة في قضية طلب العلم، حتى من إخواننا ممن كنا نراهم، كيف الطالب يوميًا يستيقظ في الصباح، يذهب الساعة الثالثة أو الرابعة فجرًا ليحجز موعدًا عند الشيخ قبل أن يسبقه غيره، وتكون هناك قائمة من الطلاب مسجلين في الورقة، ثم يأخذ الدرس، كم مدة الدرس؟ ربع ساعة، ثلث ساعة، ثم يقوم، واليوم الثاني يأتي بهذا المنوال والثالث والرابع. وأحيانًا قد تتعشم رحلة الذهاب إلى الحرم الساعة الثالثة أو الرابعة فجرًا، ثم تكتشف أن الشيخ اليوم بعد ما سجلت اسمك وانتظرت الدور لم يحضر، غاب بعض الطلاب لو...
يحدث به هكذا في بلادنا ما يعد يحضر الدرس، أصلًا يقول لك الشيخ غاب، وما لم يخبرني أنه سيغيب، بعض الطلاب هكذا يظن أن الشيخ موظف عنده، يجب أن يخبر يا فلان ترى سامحني أنا اليوم سأعتذر عن الدرس، وهذه حقيقة أمور غريبة عجيبة نجدها في واقعنا المعاصر.
في طلب العلم، قد يغيب الشيخ وأنت ليس لك علاقة، هكذا هو الواقع، أنت تحضر والشيخ يعطيك الوقت، إذا عرض له طارئ أو حدث له ظرف يعتذر له، ويعرف أن الشيخ بالتأكيد عنده هم أو شيء أو إصابة من أسباب الحياة، يأتي اليوم الثاني وتبقى مواظبًا على هذا. وفي حال أنك أنت من تركت الشيخ وتخلفت عنه، أنت من يخسر في النهاية؛ من الذي سيكسب؟ من الذي سيخسر؟ سيخسر الجهد العلمي، ويخسر مجالس المشايخ، ويخسر الصبر والعناء في تحصيل العلم الشرعي.
فهذه فكرة أريد أن ترسخ في آذانكم: قضية الصبر في طلب العلم، والتعنيف، وتحمل هذه الأواء، وقلة الأنيس والنصير. هذا شيء يجب لمن أراد أن يكون رقمًا صعبًا في حياة الأمة أن يعتاد هذه الوحشة، وهذه العزلة، وهذا الانفراد، ويعتاد أن يقرأ كثيرًا وحده، ويعتاد أنه يواظب على مجالس العلم.
بعض الناس هو لا يدرك إخواني ما نحن فيه الآن، أنا أقول لك إياها وأعي جيدا ما أقول، إن مثل هذه الكتب التي نحن ندرسهـا قد تكون عفا عليها الزمن عند كثيرين، حتى المدرسين والمتصدرين للتعليم؛ قصارى ما يمكن أن يدرس دورة مبتدئة في علم البلاغة: دروس البلاغة الواضحة للجرمي، أو مئة المعاني والبيان، وأفضلهم حالًا ممن يمكن أن يدخل في الجوهر المكنون، هذا في المغرب الإسلامي. لكن أن تأتي اليوم لتدريس تلخيص القزويني، أو تأتي لتدرس عقود الجمان، ربما تجدها في باكستان أو الهند في هذه المدارس المغلقة؛ هذه أفضل حالًا، حقيقة يوجد فيها هذا الجلد نوعًا ما لمدارس هذه المتون في باكستان والهند، بعض المدارس الشرعية المغلقة ممن لا يعرف حالهم ولا مشايخهم، والناس قد لا تلتفت إليهم وتقول هؤلاء يعيشون معنا في هذا العصر، لكنهم جادون جلدون في طلب هذه العلوم.
لكن أنا أقصد في المعاهد القائمة وفي الدروس والدورات التي يُعلن عنها؛ لأنه للأسف كثير من المتصدرين يعرفون أن هذه الكتب يُعزف عنها ولا توجد مجالدة على طلبها. والطالب يقول لك: أنا أحفظ ألفية كاملة في البلاغة وأتدارى فيها جهدًا وكذا، ثم يقول لك: ما علاقتي؟ لا أريد، أريد من البلاغة رؤوسها، أريد فقط كشافات عامة، لكن أن أتعمق في كل موضوع من هذه المواضيع يقول لك: ما علاقتي بهذا؟ فلذلك عزف كثير من المشايخ والأفاضل عن تدريس هذه الكتب والمصنفات حتى كادت تموت حقيقة.
الشيخ أبو موسى -متع الله بالصحة والعافية- هو من القلة القليلة التي ما زال عندها جلد لتشرح دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، ويتحمل في ذلك ما يتحمل أحيانًا من ضعف حضور الطلاب أو ضعف الاهتمام أو ضعف التركيز. لكن حقيقة المجال والمجاهدة على هذا الطريق لا بد منها، وذا طريق إذا كل إنسان سيتخلى عنه ستموت هذه الكتب، مع أنها هي التي تبني طالب العلم. حقيقة ما في مسالك أخرى، ولا مساحات أخرى تذهب إليها لتصبح طالب علم؛ تستطيع أن تقرأ في كتب التفاسير وتفهم كلام الأوائل، لا توجد طريقة إلا طريقة التلقي بهذا المنهج.
ولذلك لما تركنا هذه المناهج الصحيحة في طلب العلم، أصبح يخرج لنا ممكن أساتذة في التفسير لكنه حقيقة لا يحسن القراءة في كتب التفاسير، وإذا سألته عما ذكره الزمخشري أو الطيبي، أو علق عليه السيوطي، أو قاله البيضاوي، ما عنده قدرة على الشرح والبيان. حتى مجالس تفسير القرآن العميقة التي يمر فيها على كتب التفاسير، غلب اليوم على الناس التفسير الوعظي، التفسير الإيماني العام، وإن كان يحتاجه الناس في مساحات مهمة، لكن أقصد طلاب العلم؛ من منهم يمسك كتابًا في التفسير لغته عالية ويبدأ يعلق عليه وعلى حواشيه؟ ما يوجد السبب إلا في القلة القليلة كما قلت لك، إلا في الأماكن النائية والمدارس المغلقة التي تتحمل عناء قلة الطلاب.
يعني خلص، يوطن المعلم نفسه أن هذا الطريق طريق غير مسلوك لما فيه من طول النفس، ويحتاج إلى الذهاب والعودة، والطلاب كثير منهم لا يتحملون منهج الذهاب والعودة، الكثير يريد شيئًا جاهزًا، قوالب مفرغة تعطيه العلم كبسولات ويذهب ويأتي، أو كما قلت لك يريد المختصرات السريعة التي لا يتعنى فيها، أو أن بعضهم قد يعتقد أن هذه الكتب لها أهلها وفرسانها، فلا يظن في نفسه القدرة على معالجة هذه الكتب وحبكها والنظر في معانيها.
وإذا كان سبحان الله هذا ليس شيئًا خاصًا بزماننا؛ إذا كان العلماء في كل زمان متأخر يشكون غلبة الكسل على طلاب الزمان. إذا نظرت في مقدمات الكتب عند الحجاوي وغيره في كتب الفقه والعقائد، فتجد كل من صنف كتابًا مختصرًا قال: «ولما رأيت الهمم قد تقاعست عن طلاب العلم في زماننا عن النظر في كتب الأوائل، ارتايت أن أجمع لهم كتابًا مختصرًا يجمع لهم رؤوس المسائل». مشايخنا دائمًا تجد هذه الديباجات؛ لأنه سبحان الله كلما مر الزمان العلم كتبه تكثر لكن الهمم تضعف.
اليوم عندك العلم ككتب ومصنفات وطبعات، كل شيء موجود، حتى من لا يمتلك مالًا وافرًا ينزل المكتبة الشاملة مع شيء من الهمة يقرأ كل الكتب، التي هي أكثر من خمسين ألف كتاب أو ستين ألف كتاب من أمهات الكتب. أحيانًا بعض يقول لك: لكن التكاليف، ليس كل شيء، والتكاليف المكتبة الشاملة متوفرة وبسهولة وأصبحت متطورة، تقرأ فيها ما شئت وبنسخ مميزة هي نفس النسخ الموجودة في السوق. اللهم إن الإنسان يحب كتابًا بين يديه، لكن أنا أقصد ما في عناء لتحصيل الكتب الآن، وما في عناء لحضور المجالس، وما في عناء للسفر للمشايخ في أقاصي الأرض، كل شيء موجود عندك في اليوتيوب، حمله لك والمقاطع، كل شيء موجود.
لكن العناء في أن يكون لك همة، هذا هو العناء، وهذا له أسبابه، ومن أكثر أسبابه حقيقة المعاصي والذنوب. طلاب العلم -وما أبرئ نفسي- غلبت علينا المعاصي والذنوب والدنيا حتى أرهقتنا، فيأتي طالب العلم محملًا بمعاصٍ، مثقلاً بتفكير متعب، فقلبه لا يساعده وعقله لا يساعده على التفرغ لمثل هذه الأمور. هذه الأمور تحتاج إلى صفاء قلب، وتحتاج إلى إنسان نظيف من المعاصي والذنوب قدر المستطاع. الآن لن يوجد إنسان معقم من الذنوب والمعاصي، كلنا نعصي، ما في معصوم إلا من عصمه الله من الأنبياء، لكن أقصد أن المعاصي والتفكير...
فيها والخطرات الرديئة، وأشغلت كثيرًا منا حتى أصبح قلبه متعبًا منهكًا، لا ينهض به لحضور مثل هذه المجالس؛ فإذا شرع فيها إنما هي الشروع الأول المبدئي للذاذة الجديد، لكن متى ما ذهبت لذة الجدة وعاد الأمر راتبًا ونذهب ونأتي مع الذنوب والمعاصي، ما يعود لك همة على الاستمرار والمجاهدة في هذه الميادين. فهذا كلام ننتبه له أيها الأحبة، حتى يعرف الإنسان قيمة الثبات، يعني لماذا نتكلم بهذا الكلام؟ حتى توطن نفسك على الثبات.
وكان مشايخنا على هذا المنهج، يعني كان ممن يدرسون علوم الآلات أحد مشايخنا فرج الله كربه، كان يقول: كان يأتيني على الدرس شخصان أو أحد، ولا أستمر، يعني عفواً أستمر في التدريس ولا يعنيني ذلك شيئًا، عرفت؟ لأنه هذا ميثاق أخذه الله سبحانه وتعالى على حملة العلم وعلى من يعلمون الناس الخير، أن يستمر في هذا الطريق مهما كان الثمن؛ بدك تستمر مهما كان الثمن، ولا تدري أين تأتي البذرة، يعني قد يكون شخص واحد أنت تبذر فيه هذه البذرة، ويكون عالماً في يوم من الأيام، يحمل هم هذه الأمة ويجتمع الناس حوله، فإياك أن يكون همك النظر إلى حجم اهتمام الطلاب بهذه المتون أو المصنفات. وعليك أن تعود نفسك هكذا هو الطريق، هكذا هو الدرب، لأنه من كان يتوقع شيئاً من هذا ثم رأى الواقع العلمي لطلاب العلم، سيصاب بكآبة وانتكاسة نفسية ويقول لك: يا أخي واضح أن هذا العلم ذهب أهله وفرسانه، دعونا نبقى في المجالات الصغيرة والوجبات السريعة. طب من سيرتقي بمستوى طلاب العلم إذا كل إنسان سيصاب بالاكتئاب؟
ويصاب لما يرى الواقع العلمي متعب هكذا ومنهك، مع العلم الدقيق وهذه المصنفات، يجب الإنسان دائماً أن يستنهض همته وأن يجدد نيته لله سبحانه وتعالى. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا الهمم الوثابة، والعلم النافع والعمل، وأن لا يحرمنا بذنوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ما زال حديثنا قائماً في باب الإيجاز والإطناب، وأظن أننا انتهينا من الإيجاز وشرعنا في الإطناب، وذكرنا أن الإطناب له صور.
طبعاً أرجو من الجميع تسليم الواجب، يا مشايخ، هناك واجبات سلمت ما شاء الله متقنة، وعرفت مثل هذه اللوحات الجميلة، فنحتاج تسليم واجب الفصل والوصل، لم نقل الفصل والوصل نريده ملخصاً كاملاً من حافظتك وذاكرتك، آه يا شيخ عمر، أنت كنت في بلاد القدس وبيت المقدس، فإن أصبحت حاضراً حتى نستفيد، قلت لا بد أن تسلموا لي باب الفصل والوصل ملخصاً كاملاً، وأنظر فيه وأعرف، طبعاً هذا الأصل واجب ذهني؛ يعني لا يكون الكتاب مفتوحاً لأتأكد من ضبطك، ما شاء الله هناك من قدم شيئاً فخماً رائعاً يسر الناظرين، وننتظر من البقية أن يسلموا شيئاً فخماً رائعاً يسر الناظرين.
المهم، شرعنا في موضوع الإطناب، وقلنا الإطناب كيف يبحثه البلاغيون؟ يبحثونه باعتبار أنواعه. الإطناب، ما هو الإطناب؟ ما هو الإطناب يا شيخ عمر؟ أي العمرين؟ يلا ما هو الإطناب؟ مش قلنا باب الإيجاز والمساواة والإطناب؟ الإطناب: كثرة الألفاظ عن المعنى المراد، لكن يكون تكثيرها لفائدة. صحيح، أن تكون الألفاظ أكثر من الألفاظ التي يمكن أن تؤدي بها المعنى، طب لماذا كثرت الألفاظ مع إمكان استعمال ألفاظ أقل؟ لفائدة، إذا ما فيه فائدة لا يسمى إطناباً، يسمى ماذا؟ حشواً أو تطويلاً على حسب نوعه.
فقلنا الإطناب عندما يتكلم عنه البلاغيون يتكلمون عنه باعتبار أشكاله وأنواعه في الجملة العربية، فما هو؟ ماذا قال؟ قال: (ويرد الإطناب بالإيضاح من بعد إبهام لقصد إيضاح، مثل التذاذ كامل للعلم به، أو تمكنه في النفس بعد طلبه. ومنه توشيح بآخر ترد تثنية مضمونها بعد فرد). فهذا كان أول نوع من أنواع الإطناب وهو ما سميناه الإيضاح بعد الإبهام. الإيضاح بعد الإبهام أن تذكر الشيء مبهماً ثم توضحه، وقلنا هذا ما نكتته؟ لماذا تفعله العرب؟ إما لتحصيل كامل اللذة، فأنت إذا كنت تعرف خصلة من خصال الشيء ثم بعد ذلك عرفتك بكمال خصاله، شعرت باللذة لأنك كمل علمك بالشيء، والنوع الثاني أو الفائدة الثانية: تمكنه في النفس بعد طلبه، أن الشيء إذا وقع مجملاً ثم بعد ذلك وقع مفصلاً تمكن في النفس، وكان أكثر رسوخاً معرفياً من لو أعطيتك الشيء مباشراً هكذا، واضح تمام؟
وقلنا من أنواع الإيضاح بعد الإبهام إيش يا مشايخ؟ التوشيح، ما هو التوشيح؟ تذكرون ما هو التوشيح؟ أحسنت، أن تختم الجملة بذكر مثنى ثم تفصل هذا المثنى، كالمرء بأصغريه قلبه ولسانه، خلص احفظها، هذا أشهر مثال، أنك إذا حفظت مثالاً واحداً خلص الباقي يصبح سهلاً عليك. فالتوشيح هو نوع من الإيضاح بعد الإبهام؛ لأنك لما قلت المرء بأصغريه، كلمة بأصغريه فيها إبهام، ماذا تقصد بأصغريه؟ صح؟ فلما قلت قلبه ولسانه أنت وضحت بعد الإبهام وكشفت بعد الإغلاق، فهذا نوع من أنواع الإيضاح بعد الإبهام، وهو لأنه متكرر بكثرة أعطوه اسماً خاصاً؛ لأنه متكرر ونمط سائد في الجمل العربية وفي القرآن، أعطوه اسماً خاصاً به، وإن كان هو يندرج تحت موضوع الإيضاح بعد الإبهام.
ثم بعد ذلك انتقلنا إلى نوع آخر من أنواع الإطناب، فقال: (وذكر خاص بعد ذي عموم، منبهاً بفضله المعلوم، كعطف جبريل وميكال على ملائكة، قلت وعكسه جلا). وهذا كان ما يسمى عطف الخاص على العام وعطف العام على الخاص، وقلنا هذان النوعان أيضاً يندرجان تحت الإطناب. أنا بدي إياك تفهم ليش هو إطناب، لأنه لما تذكر الخاص مع ذكر العام، أليس الخاص فرداً من أفراد العام؟ فلماذا لم تستغنِ بذكر العموم عن ذكر الخصوص؟ فذكرك للخصوص بعد العموم أو قبل العموم هو شكل من أشكال الإطناب، لأن الخاص هو فرد من أفراد العام، فما دمت ذكرت العام ألا يكفي ذلك عن ذكر الخاص؟ ويغني عن ذكر الخاص، هذا هو الأصل، لكن التنصيص على الخاص قبل العام أو بعد العام هذا له نكت وله مقاصد، أليس كذلك يا رعاكم الله؟
ثم بعد ذلك انتقلنا إلى النوع الثالث أو الشكل الثالث من أشكال الإطناب، والذي سميناه التكرار، وهذا واضح أنه إطناب، التكرار واضح أنه إطناب. لكن ما فوائد التكرار هنا؟ أظن أننا شرعنا ولم نكمل، فقال: (ومنه تكرار لأجل نكته، مثل تأكد ونفي التهمة، أو طول، أو تنويه، أو تلذذ، أو الجزاء نفس شرط يحتذي، أو قصد الاستيعاب والترديد، حق علق تكرير بغير ما سبق). هناك نوع من أنواع التكرار اسمه الترديد سياتي معنا.
قال: ومثل تعطف، خلص هنا التعطف والترجيع هذه أنواع أخرى، لكننا سنهتم الآن بذكر التكرار. احنا التكرار أين شرعنا؟ ماذا قلنا من مقاصد التكرار؟ من يتذكر؟ قال: ومنها التكرير لنكتة، وقد بينت نكتة من زيادتي؛ لأن القزويني لم يذكر هذه النكت، وذلك كالتاكيد. والتاكيد قد يكون للإنذار، وقد يكون لمقصد آخر غير الإنذار، لذلك قال: كالتاكيد إما للإنذار، ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: 3-4]، أو التأكيد لغير الإنذار، أو التأكيد لغير أن يكون مقصدك للتاكيد شيئاً آخر، إما تعظيم هذا اليوم أو بيان ما فيه من الخطورة إلى غير ذلك، كما قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: 17-18].
ثم قال: ولزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة، هذه الفائدة الثانية التي ذكرها في نظمه وذكرها في شرحه، وهو نفي التهمة، ومر معنا ما معنى ذلك في قول مؤمن آل فرعون لما أكثر من قوله يا قوم يا قوم يا قوم، قلنا هذا أراد أن ينفي التهمة عن نفسه ليكون ذلك أدعى لقبول السامعين لكلامه. أيضاً أن يكون التكرار سببه طول الكلام، فخشي من أن يكون وقع استطراد، شرعت في كلام في جملة لم أكملها، استطردت استطراداً مفيداً ثم عدت لإكمال الجملة، فهنا لا يصلح، قال: أو ليس من الكمال أن تأتي بالجزء الثاني منها فقط، بل الكمال أن تعيد الجزء الأول مع الجزء الثاني، فهذا معنى قوله أو لطول الكلام لئلا يأتي مبتوراً ليس له طلاوة أي حلاوة، ومثلنا له بعده آية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾ [النحل: 119]، ذكر إن ربك في البداية، ثم لأنه لم يذكر خبر إن وآخره واستطرد في ذكر شيء مفيد، عاد فكرر مرة أخرى في ختام الآية إن ربك، فهذا يسمى تكرار فائدته ألا يأتي الكلام مبتوراً فيفقد حلاوته، فتكرر حتى تبقى أجزاء الكلام كأنها مرتبطة مع بعضها البعض.
ومن مقاصد التكرار التنويه بشأن المذكور، التنويه يعني إظهار تميز هذا الشيء الذي تريد أن تذكره وترفع شأنه وتبين رفعته، كما قال: إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم. هذا التكرار طبعاً هو ليس المراد بالتكرار نركز أنه يجب أن تكرر نفس الألفاظ السابقة كما هي لا، فهو إن الكريم ابن الكريم؛ قد يحدث شيء في الألفاظ، هذا المراد التكرار لا يعني أن تكرر نفس الألفاظ كما هي، يمكن يحدث فيها شيء من التغيير، لكن واضح أن الجملة الثانية مضمونها تكرار لمضمون الجملة الأولى، سواء كان بنفس الألفاظ أو وقع شيء من التغيير فيها.
وقد يكون للتلذذ، وهذا كله تعليق على كلام السيوطي في المنظومة، وهو ايش قال السيوطي في النظم؟ ومنه تكرار لأجل نكتة مثل تأكد ونفي التهمة، أو طول، أو تنويه، أو تلذذ بذكره، فأنت سقى الله نجداً والسلام على نجد، وهذا مر معنا أيضاً أين؟ مع النابغة الذبياني: فمن أطاعك فانفعه بطاعته، كما أطاعك وأدلله على الرشد، فذكر الطاعة ثلاث مرات، كان يتلذذ بذكرها، وقد يكون له مقصد آخر.
وقد يكون منه قصد إيقاع الجزاء نفس الشرط، أن يكون جملة جواب الشرط هي نفسها جملة فعل الشرط، والهدف من ذلك ماذا؟ طبعاً بحسب كل جملة، (من أدرك الصميم فقد أدرك)، تمام؟ (ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)، وهذا حقيقة فيه نوع من تعظيم الشرط، يعني تعظيم الشرط بأن كررته في الجواب، فقد يكون فيه جانب من التنويه، يعني لا أعتقد أن كل هذه الأمور مفصولة عن بعضها البعض، فلما تقول: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)، أنت لماذا جعلت جملة الجواب هي نفسها جملة الشرط؟ ماذا قصدت بذلك؟ تعظيم الشيء، أنه يكفيه من كانت هجرته إلى الله ورسوله، وافتخاراً أن هجرته إلى الله ورسوله وليست إلى شيء آخر، تمام؟ والبعض كما ابن رجب قدرها في (من كانت هجرته إلى الله ورسوله)، نية وقصداً فستكون هجرته إلى الله ورسوله ثواباً وثمرة، يعني إذا كنت تقصد الهجرة إلى الله ورسوله فستعرف، لكن حتى لو كان كما ذكره ابن رجب الحنبلي، لكن عموماً التكرار هنا بين جملة الشرط وجملة الجواب فيه الرفعة لهذه الجملة، الرفعة لمضمونها، حتى أنك جعلته جملة الشرط وجملة الجواب.
ثم أظن هنا بالتحديد وصلنا، هذا الذي وقفنا عنده، ومن معاني التكرار عند العرب قال: قصد الاستيعاب، يعني أن تكرر لتدلل بتكرار على أنك استوعبت الشيء استيعاباً كاملاً من أوله إلى آخره، بالمثال سيتضح لا تقلقوا، لكن أنا بدي إياك تفهم أولاً ما معنى قوله قصد الاستيعاب، أن أكرر لأوصل رسالة إلى السامع أنني استوعبت الشيء استيعاباً كاملاً من أوله إلى آخره. قال ابن الحاجب: العرب تكرر الشيء مرتين، ركزوا في عبارة ابن الحاجب المهمة، لتستوعب تفصيل جميع جنسه باعتبار المعنى الذي دل عليه اللفظ المذكور، شو معنى كلام ابن الحاجب؟ شوفوا المثال، كقولك: درست الكتاب كلمةً كلمةً، كلمةً الثانية هي توكيد لفظي للكلمة الأولى، هذا من الناحية النحوية، لكن لماذا قلت هكذا؟ لماذا كررت وقلت درست الكتاب كلمةً كلمةً؟ ماذا أوصلت للسامع؟ فكرة، أنت لما تحكي كذا ماذا أوصلت للسامع؟ أنك استوعبت الكتاب من أوله إلى آخره، إذاً لاحظ أنت من خلال هذا التكرار الثنائي (كلمة كلمة) كما قال ابن الحاجب، كيف أوصلت رسالة للسامع أنك استوعبت الشيء؟ فهنا ماذا كان فائدة التكرار إذاً؟ ليس مجرد التوكيد اللفظي، بل كان قصدي من قولي كلمة كلمة، الكلمة الثانية أتيت بها بعد الكلمة الأولى لأدل على الاستيعاب، واضح؟
وسياتي الآن أظن بمثال في القرآن: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ [الملك: 4]، الآن هل المعنى ثم ارجع البصر كرتين أن الله سبحانه وتعالى يأمرك أن تنظر مرتين اثنتين؟ ما الفائدة أن يكون المراد النظر مرة اثنتين؟ أقول لك لا، ذكر التثنية هنا ليس الغرض منها تحقيق نظرتين اثنتين، وإنما المقصود منها أن تستوعب النظر مرة بعد مرة بعد مرة، فكأن الله يقول: استوعب النظر في السماء، وكرر النظر تباعاً وتكراراً ومراراً حتى يزداد يقينك بعظمة الخالق ووحدانيته، فإذن هل هو قصد كرتين أراد نفس التثنية؟ لا، استعمل التثنية وقصد استيعاب النظر وتكراره حتى يحصل اليقين التام في قلبك بوحدانية الله، فإذن التثنية هنا ليست مقصودة كرقم، واضح؟ إذاً هذه كلمة، هذا مفهوم مهم جداً أن تدركه، قال: ثم نبهت من زيادتي، إذاً هذا النوع من أنواع...
التكرار واضح مفهومه هو أن تأتي بالتثنية، ويكون بذكر التثنية فعلاً مثل قوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: 4]، وقد يكون بذكر اللفظة مرتين، هذا تثنية فهمتها. انتهى الآن من ذكر مقاصد التكرار، ثم قال: ونبهت من زيادتي على أنواع خاصة من التكرار، كان فيه تحته نوع اللي هو التوشيع، فيقول لك كذلك التكرار سأذكر لك الآن بعض الصور التي تندرج تحت التكرار. قال: ثم نبهت من زيادتي على أنواع خاصة من التكرير أحدها يسمى الترديد، ضع تحت كلمة الترديد خطاً، ما المراد بالترديد؟ انظر هنا في هذا الباب الله يعينك، بدك تراجع لأن فيه مصطلحات كثيرة، وأصلاً أنتم لم تروا البديع، شوف الحفلة لأن البديع إذا كان لنا عمر أكثر من 400 مصطلح من أنواع البديع اللفظي والبديع المعنوي، الجناس لحاله تحته 10 مصطلحات، الجناس لحاله تحته أنواع وكل نوع وضعوا له اسماً.
هذا الجانب الذي يغلب قليلاً في دراسة البلاغة، أن الغلبة عند المتأخرين هي التفريع ووضع الأسماء، كل مجموعة أفكار وضعوها تحت اسم، وهذا سيغلبك في الحفظ، لكن من حفظ المنظومة هان عليه الأمر؛ خلص إذا أنت حفظت المنظومة ترتاح. أما أنك تظن أنك يمكن أن تنبغ في البلاغة بدون أن تحفظ نصاً مثل هذا، دعك من ذلك؛ لكثرة الألفاظ والمصطلحات، هذا يقتضي وجود محفوظ وستنسى، ونحن نحفظ المنظومة وننسى، فما بالك إذا أنت لا تحفظ أصلاً! قال: فمن أنواع التكرار الترديد، وهو أن يعلق المكرر ثانياً بغير ما يعلق به أولاً، أن يعلق المكرر ثانياً بغير ما يعلق به أولاً.
نأخذ هذا المثال لنفهم، يعني باختصار في الترديد أنت كررت الشيء مرتين أو ثلاثاً أو أكثر، المهم في الترديد أنك لما تكرر الشيء ثانياً تربطه بجملة أو بفكره لم تربطه بها في ذكره الأول. يعني أنا ذكرت شيئاً مرتين؛ المرة الأولى ذكرته وربطته بشيء، المرة الثانية أعدت ذكره لكن ربطته بشيء آخر، فهذا اسمه ترديد، أن تكرر الشيء مرتين فأكثر لكنك في كل مرة تربطه بشيء مختلف. بالمثال يتضح، قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35]، هنا ما هي الكلمة التي تكررت في هاتين الجملتين؟ النور، ذكرت أولاً باعتبار أنها خبر عن الله، فوقعت في الجملة الأولى خبراً عن المبتدأ، وأما في الجملة الثانية ذكر النور مرة أخرى وهو نفس النور السابق، لكنه ربط بموضوع آخر أنه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، فالنور تكرر لكن في الجملة الأولى ربط بشيء، ليس ما ربط به في الجملة الثانية؛ الجملة الثانية أردنا بيان طبيعة هذا النور فشبه كمشكاة فيها مصباح.
ثم قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، ما هي اللفظة التي تكررت في هاتين الجملتين؟ المصباح، في الجملة الأولى ذكر المصباح باعتباري أنه موجود داخل المشكاة، والمشكاة هي كوة أو حفرة تكون في الحائط، عند الأقدمين كانوا يضعون فيها المصابيح، إذاً ذكر المصباح في الجملة الأولى ولكنه ربط بأنه داخل المشكاة، ثم أعيد ذكره في الجملة الثانية لكن ربط بقضية أخرى أنه موجود داخل زجاجة، فأنت ذكرت المصباح مرتين لكن في كل مرة ربطته بفكره أخرى، هذا يسمونه ترديداً.
﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، ما الشيء الذي كرر مرتين؟ زجاجة، ذكرت أولاً باعتبارها ظرفاً للمصباح، وذكرت في الثانية باعتبار أنها أراد أن يخبر عنها أن هذه الزجاجة كأنها كوكب دري في إضاءتها. فيقول هنا السيوطي معلقاً على الآية: وقع فيها الترديد أربع مرات؛ النور، المصباح، الزجاجة، فهل ممكن نكمل الآية؟ نعم ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، ممكن نقول الكلام عن الزيتونة، ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، ذكرها أولاً شجرة مباركة زيتونة هذا بدل، ثم قال يكاد زيتها، زيت هذه الزيتونة يوقد، هنا ما في تكرار لفظة لكن تكررها باعتبار الضمير، ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾.
هذا إذا فهمت على طريقتي هنا في هذا التوجيه، لكن هناك قول آخر يمكن أن يفهم فيه قصده أن الترديد وقع أربع مرات، أن يكون المراد الترديد في كلمة واحدة، ما هي الكلمة التي تكررت وربما هذا الذي يقصده السيوطي؟ هو ما جاب كامل الآية لكن أنا أحاول أن أفهم ماذا يقصد بالمثال، ما هي الكلمة التي تكررت في الآية أربع مرات؟ النور؛ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ... نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾. هنا ذكر النور كم مرة؟ مش أربع، وإنما ذكر خمس مرات. فإذا كان يقصد كلمة النور واحدة هي التي تكررت خمس مرات وفي كل مرة قصد شيئاً مختلفاً يمكن أن يكون هذا مقصوداً، ويقول إن كلمة النور في كل مرة ذكرت باعتبار شيء آخر، ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكرت خبراً عن الله، ثم قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أراد أن يبين طبيعة هذا النور، ثم قال: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾، فيمكن أن يقال إنه قصد بنور هنا نور الإيمان، والنور الثاني هو الذي تكون مقصودة.
كيف يمكن أن أحصل الرقم أربعة الذي قاله السيوطي؟ السيوطي قال وقع فيها الترديد أربع مرات، النور الذي هو نور الله ذكر أربع مرات، فإذا عددت في الآية ستجد كلمة النور ذكرت خمس مرات، فنقول الخامسة ليس المراد فيها نور الله، فإنه لما قال ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾، الأول نور الله، والثاني نور الإيمان الذي صدر من إنسان، فهذا لا ينسب إلى الله، ثم قال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾، فالنور فعلياً نور الله، إذا أردت أن تحسب كم مرة ذكر حقيقة هو أربع مرات، وذكر النور مرة خامسة لم يقصد في هذه المرة نور الله وإنما قصد نور الإيمان الذي يكون عند المؤمن ونور البصيرة، فقال نور على نور، فهذا يمكن أن يكون قصد فيه الترديد.
نأخذ مثالاً آخر قد يوضح فكرة الترديد أكثر، عندكم حديث الترمذي: «السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة». ما هي اللفظة التي كررت أكثر من مرة؟ كلمة قريب في الجملة الأولى، وكلمة بعيد في الجملة الثانية، يعني كلمة قريب كررت ثلاث مرات وكل مرة علقت بشيء مختلف: قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، كل مرة علقت بشيء مختلف، نفس الشيء كلمة بعيد: البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، فتشعر أنه تكرر الكلمة لكنها في كل مرة كررت ربطت بشيء مختلف، هذا الذي يجعلني أعتقد أن المثال السابق التكرار فيه ليس أنه النور ثم المشكاة ثم المصباح ثم الزجاجة، وإن كان هذا أحد الاحتمالات، لكن المشكلة أنه لما قال في شرحه: وقع فيها الترديد أربع مرات، فالأربع مرات ما في شيء ذكر في هذا المقطع الذي ذكره أربع مرات، ذكر النور وكرر مرتين، ذكر المصباح وكرر مرتين، ذكرت الزجاجة وكررت مرتين، فأين الأربع مرات؟
الذي يظهر لي أنه يريدك أن تكمل الآية، وأن هذا من الاختصار، وأنه يريد كلمة النور، كلمة النور ذكرت في الآية نور الله أربع مرات، وإن كانت في الحقيقة ذكرت في الآية خمس مرات، لكن في مرة من المرات الخمس لم يكن المقصود نور الله وإنما نور غيره، فلعل هذا يكون توجيهاً، لأنه قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ بعدين بتكمل لآخر الآية ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾، هنا ذكر النور أربع مرات، وكل مرة علق على شيء، لكن بدك تنتبه أنه ذكر مش أربعة، ذكر خمسة، لكن لماذا لم يعد السيوطي الخامسة؟ قد نقول إنه أراد النور الذي هو نور الله أخبر عنه أكثر من خبر، أربعة أخبار، وأما النور الذي ذكر وحده الذي لم يعده هو النور الخامس، هذا كله من باب محاولة معالجة ما يريد السيوطي أن يوصله وإلا فالمسألة ما زالت تحتاج إلى إيضاح أكثر.
قال: وجعل من الترديد قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، كم مرة كررت في سورة الرحمن؟ 31 مرة، وكل مرة تكون مرتبطة بآية سابقة تختلف عن الآية التي ربطت بها، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ الثانية، تقول فيهما عينان تجريان ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، بعدين ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، فأنت تكرر هذه الآية لكن كل مرة تربطها بجملة جديدة تختلف عن الجملة التي ارتبطت بها، فبأي آلاء ربكما تكذبان السابقة، فالمثال في الحديث ومثال في ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أوضح، هذا أوضح من المثال الأول، ثم قال: فإن هذه الآية وإن تعددت فكل واحدة منها تتعلق بما قبلها، قال ولذلك زادت على ثلاثة، ولو كانت عائدة لواحدة أو لجملة لم تزد كما هو شأن التوكيد.
شوف هذه العبارة دعونا نحللها، الآن يقول العرب باستقراء أسلوبها لا تكرر الشيء أكثر من ثلاث مرات، لا تكرر جملة أكثر من ثلاث مرات، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في السنة كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، لأن هذا غاية التكرار عند العرب، إذا بدي أكرر جملة حتى أؤكد لدى السامعين كم تؤكد العرب؟ ثلاثاً، ما بتزيد، طيب ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ كم مرة وردت في السورة؟ 31 مرة، فكيف تقولون غاية التوكيد ثلاثة؟ فهنا السيوطي عالج هذه المشكلة، بقولك ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ لأنها في كل مرة ارتبطت بآية سابقة جديدة تختلف عن الآية التي ارتبطت بها، فبأي آلاء ربكما تكذبان التي قبلها كانه اعتبر تأسيساً جديداً، يعني كانت الثانية ليست هي الأولى، والثالثة ليست هي الثانية، والرابعة ليست هي الثالثة، والخامسة ليست الرابعة، طيب كيف اعتبرتم كل واحدة جديدة؟ لاختلاف الآية التي ارتبطت بها، لما اختلف المرتبط اعتبرت كأنها شيء جديد وسياق جديد، فلا مانع إذاً من أن تكرر ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إذا أكثر من 30 مرة، فهمتم؟
أما إذا كانت جملة واحدة لم تختلف ارتباطاتها هي هي نفسها، تريد أن تكررها، كم معك يا شيخ عمر تكررها؟ ثلاث مرات، ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يعني أكثر من هيك ما في مجال، خلص ما اختلف الارتباط فكررت ثلاث مرات، بتكرر بس ثلاث ولا يجوز أن تقول ثم كلا سوف تعلمون مرة رابعة، هذا لا يصلح، وقس على هذه الفكرة. فهمتم الاستشكال وكيف رده؟ قال: كما ذكر ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام وغيره، قال: وإن كان بعضها ليس بنعمة فذكر النعمة للتحذير، نعمة أيش يعني هذا الكلام؟ يلا من ذكي المعي يشرح لي هذا الكلام؟ يقول وإن كان بعضها هذا استطراد طبعاً، بتعرف السيوطي في أثناء الشرح استطرد، فيقول وإن كان بعضها ليس بنعمة فذكر النعمة للتحذير.
أيش يعني هذا؟ أول شيء وضح لنا ما معنى هذا الإشكال الذي طرحه، هو يريد أن يقول ماذا؟ الآن في سورة الرحمن ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، أيش معنى الآلاء؟ النعم، صحيح، نبدأ منه هون، فبأي آلاء ربكما تكذبان أي فبأي نعم ربكم تكذبان أيها الإنس وأيها الجن. الآن في سورة الرحمن هذه الآية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وردت أحياناً بعد نعم، صحيح، ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ﴾ هذه كلها نعم، فمفهوم أنه يأتي بعدها، فلماذا تكذبون بنعم ربكم؟ لكن في بعض أجزاء سورة الرحمن ذكرت ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ بعد نقم: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، يقول لك ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ربطه بـ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾، غريب لأنه هذا تخويف وتحذير وترهيب وليس يظهر فيه النعمة، وإنما يظهر فيه العذاب، فكيف تأتي بعدها؟
فبأي آلاء ربكما تكذبان. شو الرابط بين فبأي آلاء ربكما تكذبان حتى تربطها بـ ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41]؟ فهمتم السؤال؟ إيش الرابط بينهم؟ هل مش نعم هذه عذاب؟ فإيش يقول السيوطي في الإجابة؟ أظن هذا كلام سلطان العلماء العز بن عبد السلام وغيره، يقول: وإن كان بعضها ليس بنعمة، فذكر النعمة للتحذير نعمة.
يعني ذكر النعمة في سياق التخويف والتحذير هو بحد ذاته نعمة. العبارة تحتاج أو قد تختلف فيها الفهوم، لكن ماذا ظهر لكم في قول العز؟ فذكر النعمة للتحذير نعمة، أي إنذار الله سبحانه وتعالى لعباده هو نعمة من الله عز وجل. الإنذار هذا الذي فيه تخويف من جهتنا، من الله سبحانه حتى يتنبه الإنسان؛ أحسنت، يعني الذي يتبادر إلى ذهننا أن المراد ذكر الأشياء المخوفة ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ حتى يحذرك الله منها، وهذا بحد ذاته نعمة؛ فيناسب أن يأتي بعد ذلك فيقول: فبأي آلاء ربكما تكذبان.
فهنا ماذا سيكون معنى الآلاء؟ ما هو معنى النعم؟ بعد ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ النعم التي لا يجب أن تكذب بها؛ أيضاً من نعم الله عليك أنه حذرك وخوفك ونبهك، أليس كذلك؟ فهذا المعنى الذي ذكرته هو المتبادر، وإن كانت العبارة ما زالت تحتاج إلى توضيح أكثر، فقال: فذكر نعمة التحذير نعمة. وإن كان لا يمكن أن أعتمد على نسخة السيوطي هنا، لأن هذه النسخة فيها كثير من الدخن، ولا أعرف إذا في أحد ذكرها في سياق آخر؛ حتى لا نشغل ذهننا في قراءة هذا النص ويكون بعد ذلك في إشكال. ذكر التحذير نعمة هذا نتفق عليه، فقولك بعده فبأي آلاء ربكما تكذبان، تذكير بنعم الله عليك، نعم الله علينا منها نعم الترغيب ومنها نعم التحذير والترهيب، فهذا يكون جامعاً مانعاً.
فذكر، جميل، أنا أقول لك أنا شاعر أن فيه مشكلة في العبارة، عدلوا معي النسخة، عدلوا ما عندكم، يقول الشيخ في نسخة أخرى: فذكر النقمة للتحذير نعمة، آه، هيك واضحة، يعني ذكر النقمة والعذاب لتحذر منه نعمة. الإخوة الذين يتابعوننا أيضاً عبر التلغرام عدلوا العبارة إذا وجدت عندكم: فذكر النقمة للتحذير نعمة، هذا كلام صحيح. وهذا هو جواب العز بن عبد السلام وقد سئل؛ هذا الجواب الذي هو ذكر النقمة للتحذير نعمة هو جواب العز بن عبد السلام لما سئل عن قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: 26] فبأي آلاء ربكما تكذبان.
ما هي علاقة فبأي آلاء ربكما تكذبان بعد قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾؟ شو الرابط بينهم؟ إن كل من عليها فان تخويف وتحذير وطلب للاستعداد، فهذا التحذير نعمة، فيناسب أن يذكر بعدها فبأي آلاء ربكما تكذبان. قال: وأجيب بأجوبة، أحسنها بالنسبة لهذه الآية بالتحديد ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أجيب بأجوبة يقول السيوطي أحسنها: أي إن النقلة من دار الهموم إلى دار السرور وراحة المؤمن والناس من الفاجر كما وردت في الأحاديث. يعني كأنه يريد أن يقول: إن كل من عليها فان كيف تكون نعمة؟ هذه الآية لو أردنا أن نقول كيف هي نعمة، مثلاً ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ أحكوا مثلاً: والله فعلاً نقمة وعذاب والتحذير هذا بس كل من عليها فان كيف يكون نعمة؟ أعطاك الجواب: قال إن الانتقال من دار الدنيا التي هي دار الهموم ودار الأحزان والدار التي فيها الفجرة إلى دار الآخرة التي هي دار الراحة والطمأنينة ويستريح فيها المؤمن والناس من معاشرة الفاجرين هذه أليست نعمة؟
عندما ترى شهداء غزة يستشهدون ويستريحون من دار الدنيا التي فيها العملاء والخونة والنصابين، أقول لك هذه نعمة، هي في النهاية نعمة أن الله أراحك من صحبة الفاجرين ورؤية الظالمين ورؤية الفاسدين، وانتقلت إلى دار الحبور والسرور، فإذاً ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ هي نعمة من هذا الوجه، فهمتم؟
المهم، ثانيها من صور التكرار، السيوطي يذكر صوراً للتكرار، أول صورة الترديد، فهموا شو هو الترديد؟ أن تكرر الشيء أكثر من مرة بس كل مرة تربط بشيء يختلف عما ربطته به في المرة السابقة. تفضل عمر، خاصة، مختف، أي حبيبنا في نكتة خاصة أكيد، بس هذا يحتاج إلى نظر وتأمل، بس لما تكون النكت ليست مجموعة وإنما كل سياق له نكتته الخاصة، هنا لا يذكر هذا في علم البلاغة كقاعدة، يتركونه للمفسر هو الذي يستنبطه.
ثم قال: ومن أنواع التكرار التعطف، طيب التعطف، إيش قال السيوطي؟ ومثله تعطف، لكن خذ في فقرتين ثم ترجيع. رح نتكلم عن التعطف وبعدين رح نتكلم عن الترجيع، وكلها أنواع من التكرار، فقال: التعطف، قال وهو مثل الترديد، طب إيش الفرق بينهم؟ قال: إلا أنه يشترط في إعادة اللفظ أن يكون في فقرة أخرى أو في مصراع آخر. يعني كأنه يقول: التعطف، الترديد يكون في سياق واحد، التعطف لا، بتكون عندك فقرة معينة ذكرت فيها شيء مرة واحدة ثم أتيت بفقرة أخرى فأعدت ذكر الشيء فيه مرة أخرى وقد ربطته بفكرة جديدة، ثم تعيد ذكر الشيء في فقرة ثالثة، وشوفوا هذا في القرآن كثير، أن الفكرة تذكر في الصفحات مثلاً أول سورة البقرة، ترجع بعد مثلاً صفحتين ثلاث ترجع ذكرت مرة أخرى، ثم بعد صفحة أو فقرة أخرى ترجع ذكرت نفس الفكرة مرة جديدة وربطت بموضوع آخر، صحيح مثل الصبر، مثل الصلاة، مثل هذه الأمور.
فيقول لك إذاً التعطف يسمى تعطفاً، كأن الفقرة الثانية التي وقع فيها التكرار تعطف على الفقرة الأولى لأنك كررت فيها، وقد يكون هذا في القصيدة الواحدة، الآن هذا في النثر، في القصيدة أيها الأحبة يكون مثلاً أن تذكر شيء في البيت الأول ثم تعيد ذكره في البيت الثاني، تمام، أو تذكر حتى هو اعتبرها في الشطر الأول ثم تعيد ذكره في الشطر الثاني، كل هذا اعتبره تعطفاً. ثم مثل لها قال كقوله: يساق إليه المدح غير مكرر، وسقت إليه المدح غير مذمم. لاحظوا أنه كرر كلمة المدح مرة في الشطر الأول ومرة في الشطر الثاني، يساق إليه المدح غير مكرر، يعني كأن الناس يتنوع في مدحه، وسقت إليه المدح غير مذمم، يعني المدح خالصاً صفاً.
المهم طبعاً حتى نشرح البيت هناك تحتاج لمعرفة القصيدة حقيقة حتى يظهر لك المعاني بالتحديد، وهذه قصيدة للمتنبي، عموماً هنا اعتبر هذا التعطف، أنا بوجهة نظري أنه ما في داعي أن نجعل شيئاً اسمه التعطف، خلص يعني كله ترديد، يعني هذا الفرق ليس فرقاً جوهرياً يقتضي أنك تصنع لي عنواناً جديداً وأحفظه، ما دامت الفكرة أنه فقط أن التكرار لم يحدث مباشرة وإنما في فقرة ثانية أو في مصراع آخر، أنا حقيقة لا أعتقد أنه يحتاج إلى جعل تعطف موضوعاً جديداً يختلف عن الترديد، أنتم ملاحظين في فكرة جديدة كبيرة؟ أنا لا أرى فيه شيئاً كبيراً، خاصة أنه حتى المثال الذي مثلت به أنا أراه أقرب منه إلى الترديد، أنت تقول لي كلمة المدح ذكرت في الشطر الأول ثم ذكرت في الشطر الثاني، طب ما في فرق كبير بينه وبين الترديد حقيقة.
فقوله إن قال: وهو مثل الترديد، إلا أنه يشترط في إعادة اللفظ أن يكون فقط في فقرة أخرى أو مصراع آخر، هو شكل من أشكال الترديد؛ لأنك كررت اللفظة مرتين وفي كل مرة ربطتها بموضوع مختلف، قضية أنه ربطها أو كان هذا في نفس السياق في فقرة جديدة في مصراع ومصراع آخر هذا كله اختلاف أماكن، ولا يوجب اختلاف العنوان، الأصل أنه ترديد، هذا الذي يظهر لي إذا عرفنا التعطف بهذا.
طب النوع الثالث من أنواع التكرار عند السيوطي ما سماه الترجيع، وهذا نوع لم يذكره القزويني وإنما ذكره الطيبي، طب ما هو الترجيع؟ نشوف إيش التكرار الذي يسمى ترجيعاً. قال الطيبي: قال وهو أن يكون المعنى مهتماً بشأنه، فإذا شرع في نوع من الكلام نظر إلى ما يتخلص إليه، فإذا تمكن من إيراده كر إليه مرة أخرى، كقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 196-197] أو كقوله: ﴿لَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 85].
قال الزمخشري: في تجديد النزول له شأن، أحسنت. هذا يعني أنا أقول لك هذا لماذا أقول لكم هذا الكلام؟ انظر إيش قال المحقق في الأسفل؟ يعني أحياناً بعض المحققين تريد أن ترمي نفسك من فوق السطح من أجل أن تخلص منه تماماً، يقول لك هذا المحقق: لم أجد كتاباً اسمه تجديد النزول، بالله عليك يا أخي أنت وبعد ذلك تسمي نفسك حققت كتاباً وتبيعه؟ الله المستعان، يقرأ العبارة خطأ ويفسرها خطأ، ووضع النقطتين الرأسيتين خطأ، ثم يقول لك لم أجد كتاباً اسمه تجديد النزول، يا أخي هذه عبارة الزمخشري، قال الزمخشري في تجديد النزول لهذه الآية.
الزمخشري الآن هو يعلق على الآية السابقة، إيش الآية السابقة؟ ﴿لَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾، الآن هذه الآية كم مرة ذكرت في سورة التوبة؟ مرتين صح، ذكرت، ولا تعجبك، بس مع اختلاف بسيط في السياق، لكن ذكرت مرتين في سورة التوبة، ممتاز. يقول لك بالتأكيد ذكرها مرتين بألفاظ متقاربة جداً جداً، هذا لا يدل إلا على اعتناء واحتفاء بهذا المعنى المذكور في هذه الآية، صحيح أن تكرر الآية مرتين، مرة في صفحة مثلاً رقم 56 ثم تكررها قبل نهاية السورة ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، أكيد هذا التكرار للآية مرتين في موضعين متباينين يدل على أن هذه الآية مقصودة للإله ومعتنى بها ومحتفى بها.
كررها مرتين في موضعين، وكأنه لما ذكرها أول مرة يعني هذا ما يمكن أن نفسر به كلام الطيبي في شرحه لموضوع الترجيع، أنه ذكرها أول مرة ثم ذكر كلاماً بعدها، صفحات، وذكر شيئاً من أحوال المنافقين، ولأهميتها أراد أن يتخلص إليها مرة أخرى ليذكرها مرة أخرى لاهميتها. شوف شو قال الطيبي في معنى الترجيع، شو قال؟ قال: وهو أن يكون المعنى مهتماً به، يعني في قضية مهمة، في معنى مهم عند الله سبحانه وتعالى، فإذا شرع في نوع من الكلام نظر إلى ما يتخلص إليه، فإذا تمكن من إيراده كر إليه، كقوله تعالى: لا تعجبك أموالهم. الذي يظهر لي والله أعلم من كلامه أنه هذه الآية ذكرت مرتين، تمام، ولأنها مهمة الله ذكرها أول مرة، ثم ذكر بعد ذلك شيئاً من كلام المنافقين وأحوالهم، ثم تخلص إلى ذكرها مرة أخرى، وكر إليها مرة ثانية لأهميتها، تمام، فلذلك ذكرت هذه الآية مرتين.
قال الزمخشري في تجديد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتاكيده، يعني يقول لك هذه الآية لماذا ربنا جدد نزولها؟ مش ذكرت في منتصف سورة التوبة بعدين ذكرت في آخرها؟ يقول لك هذه الآية لماذا جدد نزولها مرتين؟ قال في تجديد النزول لها تقرير ما نزل، تقرير لمعناها وتأكيد له، وإرادة أن يكون على بال من المخاطب، لا ينساه ولا يسهو عنه لقوته. فتشبه الشيء الذي أهم صاحبه، فهو يرجع إليه في أثناء حديثه ويتخلص إليه، كل ما وجدت له فرصة يعيد الموضوع، ولا كيف الإنسان في شيء مهموم فيه ببلش يحكي فيه، بعدين يستطرد، بس لأنه هي الشغلة غالبة على دماغه وفكره ومهتم فيها، رجع بذكرها مرة أخرى، بعدين بفصل وبيروح وبيروح، بعدين بيرجع بحكيها مرة ثانية، وكان هذا المعنى عظيماً جداً.
فإن أكثر الناس أيها الأحبة في كل زمان ومكان ما الذي يضعفه؟ عندما يرون المنافقين في وفرة المال والرخاء الاقتصادي والسعة في الحياة، وهذا يحزن قلب كثير من المؤمنين، صح؟ كثير من المؤمنين ما الذي يضعفه ويسيء ظنه بمولاه؟ عندما يرى المنافقين مكن لهم في الأموال والأولاد والرخاء والسعة، فهنا كثير من الناس يتزعزع إيمانهم، فلأن هذا المعنى محوري في العلاقة مع المنافقين، ربنا بنبه، هنا رح أعطي المنافقين أموالاً.
فلا تضعفوا إذا رأيتم ذلك يا أهل الإيمان، فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون. فهذا معنى عظيم، فلذلك ركز عليه؛ ذُكر أولاً ثم ذكرت الآيات شيئاً من صفات المنافقين، ثم أعيد ذكره ثانياً لأنه مهم في النظر الإلهي. فهمتم هذا معنى كلام الزمخشري؛ الله يريد أن يؤكد هذه الفكرة: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، يقررها باستعمال ماذا؟ الترجيع؛ باستعمال الترجيع. ها، يمكن نجد فيه فرقاً بينه وبين الترديد، يعني تشعر فيه فرقاً في الأسلوب، أما التعطف فأنا لا يظهر لي أن هناك فرقاً كبيراً، حتى هو لما قال: ولا فرق بينه وبين الترديد إلا كذا، فأنا أرى أنه ما في داعي نجعل تعطف؛ خلص، إما ترديد وإما ترجيع.
نذهب الآن إلى نوع آخر، إذ قال السيوطي ومثله تعطف؛ لكن خذ في فقرتين؛ التعطف شو الفرق بينه وبين الترديد؟ أنه التعطف يكون التكرار في فقرتين وليس في نفس الفقرة الأولى. ممتاز. ثم ترجيع شدى؛ ما معنى شدى؟ الشد يعني فاح طيبه وعطره. تمام، قال ثم ترجع عن شذاك، يقول لك كذلك الترجيع انتشر وعُرف وتكلم عنه البلاغيون وكان له رائحة طيبة، هذا الترجيع لكنه لم يشرحه في المنظومة، قال ثم ترجيع شدى وأحاله، فهو شرحه لك في شرحه وليس في منظومته.
ثم قال ومنه؛ أي ومن أنواع الإطناب أيضاً، ومنه إيغال، كلام قد ختم بما يفيد ما بدونه يتم، ثم الأصح أنه ليس يخص بالشعر، فالقرآن فيه جاء نص. طيب، نأتي الآن من أنواع الإطناب أيضاً الإيغال؛ إيش اسمه يا جماعة؟ الإيغال. طيب ما معنى الإيغال؟ فيقول من أسباب الإطناب أو من أنواع الإطناب الإيغال وهو الإمعان، أصل الإيغال لما تقول: أنا أوغلت في هذا الشيء، أمعنت فيه، هذا أصل المعنى الإيغال لغة، تقول أوغلت أي أمعنت. مش أقول لك اليوم تسمع كثيراً توغلوا؟ التوغل هو التعمق في الشيء والدخول فيه. طيب، ما معناه من الناحية البلاغية؟ قال: وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى دونها؛ أن تأتي بكلام، تكلمت جملتين ثلاث أربع، ثم تختم كلامك بجملة، هذه الجملة الكلام السابق معناه يتم بدونها. طيب، لماذا أتيت بهذه الجملة الختامية إذا كان الكلام السابق يتم بدونها؟ لزيادة فائدة، لأنه إذا ما كان لها فائدة بتكون إيش اسمها؟ حشو. إذا ما كان لها فائدة بدها تكون حشو، فإذاً الإيغال أن يختم المتكلم كلامه بجملة تفيد نكتة؛ يعني تعطيك فائدة، هذه الفائدة يتم المعنى؛ أي المعنى المستفاد من الجمل السابقة، انتبه، يتم المعنى المستفاد من الجمل السابقة بدونها؛ فهي الفائدة التي أنت أضفتها، لا يتوقف فهم المعنى السابق عليها، الكلام السابق مفهوم وأموره تمام، أنت أحببت تختم بهذه الجملة لتعطي فائدة نكتة، جزاك الله خيراً، ونسمي هذا إيغالاً.
مثل ايش هذه النكت؟ قال كزيادة المبالغة؛ أن يكون المراد بالختم بهذه الجملة فقط مبالغة أكثر وأكثر في المعنى، بس تريد المبالغة، هذا الذي فعلته كقول الخنساء وهي تمدح أخاها صخراً: وإن صخراً لتأتم الهداة بصخر. مات، بتعرفوا قصة الخنساء لما بكت على أخيها ودرسوكم إياها في المدارس كانت في الجاهلية، فبكت عليه وأعطت فيه القصائد الفخمة، فمما قالته في أخيها صخر الذي مات، قال: وإن صخراً لتأتم الهداة به، كأنه علم في رأسه نار. الآن ما هو العلم؟ العلم هو الجبل؛ فيقول صخر الناس تأتم به وتقصده، هو إمام الناس، هو شيء بارز مميز، أي إنسان يقتدى به لازم يكون شو مميز بارز صح؟ فيقول لك صخر يأتم الهداة به، ثم بماذا شبهت؟ قال: كأنه جبل. طب برأيكم لو شبهته بالجبل فقط، ألا يكفي في إيصال المعنى؟ خلص، لو قالت كأنه جبل، أخلصنا، يكفي أن يكون جبلاً ليكون بارزاً وتقصده الناس، لكن هي مبالغة، مبالغة منها كحال امرئ القيس وغيره ممن إذا شبه بالهداة، ايش قالت؟ كأنه علم، مش بس هيك علم على رأسه نار. الآن الجبل العالم هو الجبل، لما يكون الجبل على رأسه نار والدنيا بالليل، هذا تكون الاهتداء به أشد وأشد، صح؟ الجبل يزداد الاهتداء إليه إذا كان خاصة في الليل إذا كان على رأسه نار، فتقول هي تريد أن تخبر أن أخاها مميز جداً جداً، لدرجة أنه هو مش فقط علم مش فقط جبل، لا هو جبل وعلى رأس الجبل نار كمان. هذا من إيغال، شو اسمه؟ إيغال غلو، خلينا ن... طبعاً غلو راحت معنا، هو مش غلو بس أنه تعمق أكثر في التشبيه، فقولها على رأسه نار هذه الجملة، جملة على رأسه نار نسميها جملة إيغال؛ لأن هذه الجملة كان الكلام يتم بدونها، ولماذا أضافتها؟ للمبالغة في التشبيه، فتسمى جملة على رأسه نار جملة ماذا؟ إيغال، وهي جملة إطناب، عملت فائدة ولا ما عملت فائدة؟ لا والله عملت فائدة، خلت المعنى أجمل وأجمل.
شبهته بالعلم الذي هو الجبل، وزادت بأن جعلت في رأسه ناراً مبالغة في الاهتداء به وتحقيق التشبيه. في قول امرئ القيس أيضاً، شوف أيضاً يعني أقول لك هذا مثال آخر، كيف امرئ القيس يحقق التشبيه في قوله: كأن عيون الوحش حول خبائنا، وأجزلنا الجزع الذي لم يثقب. كأن عيون الوحش اللي هي الظبي، يقول لك الظبيان عيونها وهي تركض وترفل حول خيامنا، بماذا شبه عيون المها عيون الظبيان؟ بماذا شبهها؟ بالجزع. طيب شو الجزع يا جماعة مر معنا الجزع؟ لا بس هنا يقصد به والله أعلم، هو يشبه العيون، يشبه خرزات العقد، الخرزات التي تكون من اللؤلؤ والزبرجد وما شابه ذلك، قال كأنها ماذا؟ جزع، كأنها حلقات من اللؤلؤ والزبرجد، فيشبه عيون المها بشو بحلقات من اللؤلؤ والزبرجد. الآن لو قال كأنها جزع، بكفي ولا ما بكفي؟ بكفي، حصل المقصود أنك شبهت عيون الوحش بحلقات الزبرجد واللؤلؤ وما شابه ذلك، لكن هو ماذا؟ أوغل، أوغل فقال، طبعاً امرؤ القيس هو أبو الإيغال، امرؤ القيس هو أبو الإيغال، لأنه ما بيعرف يعطيك تشبيه بسيط، لا بد دائماً يتعمق، فيقول: كأن عيون الوحش حول خبائنا، وأجزلنا الجزع الذي لم يثقب.
الجزع الذي لم يثقب، قوله الذي لم يثقب يقول هذا فيه تتميم وجمالية عالية. لماذا؟ الآن الجزع هي حلقات من الزبرجد واللؤلؤ، تثقب من أجل أن توضع في القلادة صح؟ فهو كأنه لما قال كأن عيون الوحش جزع، خشي أن تتوهم أنه يشبه عيونها بالجزع بعد أن ثقب حتى يوضع داخل القلادة أو المسبحة، فيقول لك هي جزع لكنه لم يثقب بعد، وهكذا يكون التجميل التشبيه كامل، صح أنه ليس من المنطق أن يشبه عيونها بالجزع وهو... لا هو يشبهها بالجزع باللؤلؤ والزبرجد قبل أن يثقب، والّا إذا شبهتها بالجزع بعد أن ثقب هذا ليس جمالاً، هذا ليس جمالاً. فهمتم؟ فقوله الذي لم يثقب، بهذه الإضافة، لماذا أضافها؟ ليكمل التشبيه، مع أن التشبيه بدونها حصل، يعني خلص أنت شبهت العيون بالجزع، جزاك الله خير، فهمنا أنك بدك تشبهها باللؤلؤ، بس لا امرؤ القيس بيعرف يهد، لازم يكمل حتى يوصل إلى أعلى درجات التشبيه وأتمها. فقوله قال السيوطي زاد قوله لم يثقب تحقيقاً؛ يعني تكميلاً للتشبيه، لأنه أي لأن الجزع عندما لا يكون مثقوباً عندئذ يشبه بماذا بعيون الوحش، عندئذ يشبه بالعين بعين الوحش.
ثم قال: والأصح أنه لا يختص بالشعر. السؤال: هل الإيغال يوجد فقط في الشعر أم يوجد في القرآن؟ في خلاف؛ لذلك قال والأصح، ها في خلاف لذلك قال والأصح أنه لا. طبعاً لماذا برأيكم سيكون خلاف؟ لماذا يمكن البعض يقول القرآن لا يمكن يوجد فيه إيغال؟ لأن البعض يقول القرآن لا يوجد فيه جمل مبالغة، كل جملة مفيدة في مركزها. البعض قال لك الإيغال أنت بتقول شو معنى الإيغال؟ مش إحنا قلنا يكون المعنى تم والإيغال هو فقط نكتة هكذا على الهامش، فالبعض قال هل يمكن أن يوجد هذا في القرآن؟ أن يكون المعنى الآية تم، ثم يضيف ربنا جملة في ختام الآية من باب فائدة هكذا استطراد أو فائدة تزيد المعنى جمالاً؟ البعض قال لا، كل جملة في القرآن مركزية محورية، لا يمكن أن تكون هناك جملة على صورة الإيغال. السيوطي بيقول لك لا ما في إشكال أن نقول إن ورد إيغال؛ لأنه هل الإيغال نحن قلنا هو جملة تزاد لا فائدة لها؟ لا، له فائدة، فلا معنى أن أقول إن هناك إيغالاً؛ لأن الإيغال هو ليس حشواً ولا تطويلاً، وإنما هو شيء يزيد المعنى جمالاً ويزيده فضلاً لطفاً ويعطيك أفكاراً جديدة من جوانب أخرى وإن كان المعنى السابق يتم بدونها؛ فالسيوطي مع هذا الاتجاه، يرى أنه لا إشكال أن نقول إن القرآن فيه ماذا؟
إيغال، ومثل لذلك بقوله تعالى: وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون. جملة وهم مهتدون، قالوا هي جملة إيغال، ليه؟ يقول السيوطي: فقول وهم مهتدون يتم المعنى بدونه، لو قال اتبعوا من لا يسألكم أجراً، خلاص حصل المعنى، وأكيد الإنسان لن يتبع شخص ضال، لما أقول لك اتبع من لا يسألك أجراً، ضمنياً أنا أقول لك اتبع شخص فاضل محترم لا يسألك مرتّباً على هذه الدعوة، قال فقوله وهم مهتدون يتم المعنى بدونه، لأن الرسول مهتدٍ لا محالة، ما دام قال لك اتبعوا المرسلين، مش هي قال في الجملة الأولى، ما دام مرسلاً إذاً الرسالة تستلزم الهداية، فلماذا نصص في الآية الثانية وهم مهتدون؟ هذا ضمنياً معروف، ما دام مرسلاً في الجملة الأولى، قال إلا أن فيه زيادة، ها ما الفائدة إذاً من هذا الإيغال؟ أكيد في فائدة، زيادة الحث على الاتباع والترغيب في الرسل، ممتاز، وبالتالي لما أقول لك وهم مهتدون كاني بعطيك اطمئنان أكثر أنك لن تتبع شخصاً ضالاً، لن تتبع شخصاً زائغاً، أنت ستتبع شخصاً على هداية واستقامة.
قال ومن قال بتخصيصه به، قال في حده: ختم البيت. أحسنت، يعني هذا يرجعنا للتعريف الذي يقول إن الإيغال لا يكون إلا في القصائد ولا يكون في القرآن، راح يرجع لتعريف الإيغال اللي ذكرناه ابتداءً، إيش قال في تعريف الإيغال؟ وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى دونها. اللي يقول إن الإيغال يوجد في الشعر فقط ماذا سيقول؟ سيقول ختم البيت، ولن يقول ختم الكلام، لأن كلمة الكلام تشمل المنثور والمنظوم؛ فالذي يرى أن الإيغال لا يكون إلا في الشعر سيقول في تعريف الإيغال ختم البيت أو القصيدة بما يفيد نكتة، ولن يقول ختم الكلام. فهمتم معنى قوله؟ واضح.
ثم قال: ومنه تذييل بجملة حوت مؤكداً معنى التي قبله خلت، فمنه ما كمثل ومنه لا، وأكد المنطوق والضد جلى. شوف هنا إيش قال في نسخة أخرى من هذه المنظومة، قال وأكد، وهذه أظنها أوثق، ومنه تذييل بجملة حوت وأكد المعنى التي قبله خلت، فمنه ما كمثل ومنه لا، وأكد أنه المراد أن التذييل أكد إما المنطوق الذي قبله أو المفهوم، وأن الضد ما المراد بالضد؟ المفهوم، مش الكلام، أنتم بتأخذوا في أصول الفقه له منطوق وله مفهوم، فيقول وأكد المنطوق والضد جلى.
طيب، الآن سننتقل إلى نوع آخر، وله سيذكر معه التكميل، خلص سيذكر التكميل معه، إذ قال ومنه تكميل وربما سمي بالاحتراس، أن يجيء في موهم خلاف مقصود بما يدفعه، فإن لغير موهم أتبعه بفضله لنكتة فيها، بفضله لنكتة فيها تراض فذاك تتميم، ومنه الاعتراض، هذا متعلق بالأبيات التي تليها. طيب ما معنى التذييل والتكميل والتتميم؟ هذه ثلاث مصطلحات كثروا والبعض قال لا فائدة من كل هذا التكرار والتكثير المصطلحات فيها خلاف ونقاشات، لكننا سنمشي على ما ذكره السيوطي تبعاً للقزويني. ما معنى التذييل؟ ستجدون أيضاً تشابهاً كبيراً، الآن بدك تنتبه، ستجد تشابهاً كبيراً بين التذييل والإيغال، بدك تنتبه الآن على حرفية الكلام، قال من أسباب الإطناب التذييل والتكميل والتتميم، هي ثلاث مصطلحات، إيش هي مشايخ؟ تذييل، تكميل، تتميم. ممتاز، فالأول وهو التذييل، ما هو؟ قال أن تأتي بجملة عقب الجملة، أن تأتي يعني بجملة عقب جملة، جملة ثانية بعد جملة أولى، والثانية الجملة الثانية هذه تشتمل على معنى الأولى للتوكيد. وهذا سيكون فيه فصل ولا وصل؟ نرجع بالفصل والوصل، إذا كانت الثانية فيها معنى الجملة الأولى للتوكيد، سنصل ولا سنفصل؟ سنفصل، سنفصل، أحسنتم. في القطبة الثانية تشتمل على معنى الأولى للتوكيد.
طيب، الآن التذييل أين يقع؟... لا ما قال هيك، عشان هيك بدي إياك تعرف شو الفرق بين التذييل والإيغال؛ الإيغال لا يكون إلا في آخر الكلام، أما التذييل أولاً فكرته شوي بتختلف من جملة الثانية هي مؤكدة للأولى، شوف الإيغال ترى أحياناً في جانب من التوكيد، لما قال وهم مهتدون قبل شوي هو توكيد، في جانب من التوكيد والحث والمبالغة لأن المبالغة اللي ذكرناها في الإيغال كلها فيها توكيد ولا بد، فالإيغال والتذييل يدلان على شيء من التوكيد، كلاهما لكن...
التذييل قد يأتي في أول الفقرة، أو في منتصف الفقرة، أو في آخر الفقرة، أما الإيغال فلا يكون إلا في الآخر. والتذييل ضربان؛ قال: وهو ضربان، الضرب الأول: ما خرج مخرج المثل، وهو ما يقصد بالجملة الثانية -جملة التذييل- حكم كلي منفصل عما قبله؛ أي عن الجملة الأولى، جارٍ مجرى الأمثال.
نأخذ مثالاً لنفهم هذا النوع الأول من أنواع التذييل، وهو يسمى التذييل الذي على صورة المثل، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: 17]. الآية وردت في سياق الكلام عن قوم سبأ الذين كفروا بنعمة الله سبحانه، فالله عز وجل عاقبهم معاقبة شديدة: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ: 16].
فالكلام في ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا﴾ الإشارة فيه إلى قوم سبأ، وجزيناهم الجزاء المذكور في الآيات السابقة، ثم بماذا خُتمت الآية؟ هذا الختم يسمى تذييلاً، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ تشعر أنها مثل، كيف تقول: والله عاقبت الطلاب وهل يعاقب إلا الشقي؟ تشبه المثل. هذه الآية أصبحت -هذا المقطع من الآية- كأنه مثل؛ هل يعاقب إلا الأشقياء؟ هل يجازى إلا العصاة؟
فيقول لك: هذا الختم يشبه الأمثال، وهو قاعدة كلية وحكم كلي، والجملة السابقة فرد من أفراده، لأن قوم سبأ هم نموذج وفرد من أفراد الكفار. فجاءت ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ كقاعدة كلية تنطبق على قوم نوح وعاد وثمود، ومن جزئياتها قوم سبأ الذين ذكروا قبل هذه الجملة. فهذا معنى قوله: وهو ضربان؛ ما خرج مخرج المثل، بأن يقصد حكم كلي، أي أن تكون جملة التذييل على صورة المثل الذي يتضمن حكماً كلياً تحته جزئيات كثيرة، حكم كلي منفصل عما قبله جارٍ مجرى الأمثال، وما قبله يكون فردًا من أفراده وجزءًا من جزئياته.
هل يجازى إلا الكفور كانها مثل، وهي حكم كلي، والجملة السابقة فرد من أفراده؛ سبأ فرد من أفراد هذا، لكن هل هذه تنطبق على غير سبأ؟ نعم، تنطبق على كل محارب لله ورسوله في زمان ومكان. أي هل يعاقب إلا شخص كفور؟ على أن المراد أعم من الجزء الأول، أي أن المراد أعم من الجملة الأولى.
نأخذ آية أخرى فيها نفس الفكرة، وهذه لطيفة في التدبر القرآني، قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]. كان الكلام في سياق النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر كفار قريش: جاء الحق وهو الإسلام، وزهق الباطل وهو شركهم وعبادة الأصنام. هذا هو السياق الذي وردت فيه الجملة الأولى، ثم جاءت جملة التذييل الثانية: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، فهنا أصبحت الآية مثلًا، حتى الخطباء دائماً يقولون: إن الباطل كان زهوقًا، تشعر أنها أصبحت مثلاً على الألسن، وتندرج تحتها أي صورة من صور الباطل في كل زمان وفي كل مكان، حتى الباطل الدنيوي؛ الذي ليس إثماً.
فأصبح الباطل هنا يشمل الباطل الديني والدنيوي، فكأنها حكمة وفكرة عامة تندرج تحتها جميع صور الباطل، والصورة التي قبلها؛ أي صورة الشرك والإيمان هي إحدى الصور. سؤال: هل يمكن أن نسمي التذييل هنا إيغالاً؟ تعريف الإيغال أن تختم الكلام بجملة فيها زيادة فائدة، ولا يتوقف فهم الجملة السابقة عليها. ألا يمكن أن يسمى هذا أيضاً إيغالاً؟ حقيقة نعم، لذلك ستجدون في التطبيقات أن بعض الجمل تسمى تذييلاً وتسمى إيغالاً. هي تذييل باعتبارها مؤكدة للجملة السابقة، وهي جاءت على الصورة الأولى من صور التذييل، وفي نفس الوقت هي إيغال من جهة أن الجملة الأولى يتم معناها بدون الجملة الثانية.
لكن لو كانت ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ في منتصف الآية، أو ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ في منتصف الآية أو في أولها، سُمي تذييلاً فقط ولا يسمى إيغالاً؛ لأن الإيغال له شرط، وهو أن يكون في الآخر. شفتوا كيف التذييل والإيغال قد يتداخلان في صور، وقد ينفرد الإيغال في صورة، وقد ينفرد التذييل في صورة. فالعلاقة بينهما علاقة العموم والخصوص الوجهي.
قال صفي الدين الحلي: لله لذة عيش بالحبيب مضت.. فلم تدم لي وغير الله لم يدمِ هو يحزن على حبيب فارقه، فندم وتحسر على فراقه، ثم ختم البيت بهذا المثل: ﴿وغير الله لم يدم﴾، الذي نحن ممكن نعبر عنه دائماً: كل من عليها فان. غير الله ما يدوم؛ أصبح مثلاً على لسان العامة، ختم به هذه القصيدة، والمراد منه تأكيد مضمون الكلام السابق. غير الله لم يدم؛ حكم كلي وما ذكر قبله فرد من أفراده، وهو أنه فارق محبوبه، فكل شيء لا يدوم إلا الله سبحانه وتعالى.
الصورة الثانية: ما ليس كذلك، أي أن يكون تذييلاً ليس على صورة المثل، بأن لم يستقل بإفادة المراد، بل توقف على ما قبله. كالاية الأولى إذا جعل التقدير: وهل يجازى ذلك الجزاء المخصوص إلا كفار مثلكم؟ يقول لك: الحالة الثانية من صور التذييل، أن تكون الجملة الثانية ليست حكماً كلياً بل مرتبط معناها بمعنى الجملة السابقة، ومتوقف عليها.
مثل لذلك بقوله في نفس الآية التي في سورة سبأ إذا فهمناها بطريقة أخرى: ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾. الآن ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ كيف فهمناها أول مرة؟ أنها مثل عام؛ هل يجازى أي جزاء إلا شخصاً كفوراً؟ يقول لك: إذا فهمت هذه الآية بطريقة أخرى، وهي أن المراد: وهل نجازي ذلك الجزاء المذكور في الآية السابقة؛ سيل العرم والطوفان، إلا شخصاً كفوراً مثلكم يا أهل سبأ؟ هنا ما عادت ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ مثلاً عاماً، أصبحت تتكلم عن نفس الحكم السابق عن قوم سبأ، وما جازاهم الله به من الطوفان.
فهنا توقف فهم الجملة الثانية على الجملة الأولى؛ لأنه لا يعود مثلاً عاماً، فأصبح فهم هذه الجملة متوقفاً على إدراك عن أي جزاء يتكلم، فلازم أقرأ الآيات السابقة حتى أفهمها.
اجتمع النوع الأول من التذييل والنوع الثاني في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: 34-35]. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ألا تشعر أنها أصبحت في حكم المثل؟ كأنها قاعدة كلية وحكم كلي أصبح يجري مجرى المثل ويندرج تحته النبي صلى الله عليه وسلم وكفار قريش وكل من على هذا الكوكب، فهذا مثال على الصورة الأولى من صور التذييل.
أما الجملة التي قبلها ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، فهي مثال على النوع الثاني من التذييل؛ لأنه واضح أنه يتوقف على فهم الجملة السابقة، لأن ﴿أَفَإِن مِّتَّ﴾ الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم، وكيف عرفنا؟ من الجملة السابقة. فإذاً الجملة الثانية ارتبطت بالجملة الأولى في فهمها، والمقصد منها التأكيد. فجملة ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ هي تأكيد أنه لن يخلد أحد، فهذه جملة تذييل تأكيدية للجملة السابقة.
فإن فهمتم الآن، فإن ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ تذييل من النوع الثاني، و﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ تذييل من النوع الأول. ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ تصلح أن تكون إيغالاً لأنها في آخر الكلام في الفقرة، أما ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فتذييل، ولا تكون إيغالاً لأنها أول آية في فقرة جديدة، والإيغال لازم يكون في آخر الجملة.
لو ربنا قال ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: 34]، هل نحتاج إلى فهم أفإن مت فهم الخالدون؟ أم خلص وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد؟ الكل ميت، وصلت، مش محتاجة جملة أخرى. لكن هذه الجملة الأخرى طبعاً هي مهمة ومفيدة؛ فهي جملة تأكيدية لزوال كل شيء. فإذا مت يا محمد صلى الله عليه وسلم، هل يظنون أنفسهم أنهم سيخلدون؟ ففيها قد يكون تهكم، وقد يكون فيها معاني أخرى تمحى. فقول أفإن مت فهم الخالدون من النوع الثاني من التذييل، وكل نفس ذائقة الموت من النوع الأول من التذييل وهو ضرب المثل.
الآن هذه فكرة مستقلة جديدة تتعلق بالتذييل، يقول لك: التذييل مش قلنا إن الجملة الثانية وظيفتها في التذييل تأكيد الجملة الأولى؟ ممتاز، لما تكون الثانية تأكيداً للجملة الأولى هناك احتمالان: أن تكون مؤكدة لمنطوق، أو أن تكون مؤكدة لمفهومها. فهنا بدك طالب أصول فقه يعرف المنطوق ويعرف المفهوم؛ المنطوق هو ما دلت عليه اللفظ بالدلالة الوضعية، وأما المفهوم ما دل عليه اللفظ باللازم.
يقول: ومنه -أي من التذييل- ما يكون لتأكيد المنطوق، كالأي السابقة: أفإن مت فهم الخالدون، وكل نفس ذائقة الموت، كله تأكيد لمنطوق ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾. وكذلك تعتبر الآية السابقة وتصلح التي قبلها، وقد رجع على ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]، هس هي لأنها واضحة جداً مثل بها؛ كلمة باطل وزهوق تكررت في الجملة الأولى وفي الجملة الثانية، فهذا يدل على أن التذييل في إن الباطل كان زهوقاً هو تذييل للمنطوق الذي ورد قبلها؛ زهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، فالجملة الثانية التذييل هي مؤكدة لمنطوق زهق الباطل بل تقريباً نفس أحرفها وكلماتها.
نأتي إلى تأكيد للمفهوم، قال: وما هو تأكيد لمفهوم كقول النابغة: ولست بمستبق أخاً لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب وهذا من أفخم الأبيات حقيقة، ومن أعلى الحكم في الصداقة والأخوة واكتساب الأصدقاء. يقول لك النابغة الذبياني -صاحب المعلقة- وهذا رجل حكيم: إذا كان كل صديق أخطأ في حقك ستتركه وستهجره ولن تلملم جرحه لن تبقي لك صديقاً في الحياة، أي الرجال المهذب. شوف هذا أصبح مثلاً يطلق عند العرب، أي الرجال المهذب؟ يعني مَن الرجل المهذب الذي شُذب فلم تبقَ عنده منقصة؟ فلو أن كل صديق لك ظهر لك عيبه ستتركه وستهجره لن تبقي لك صديقاً في هذا الكون. يقول لك لا تلمه على شعث، يعني ما تضبط بعيوبه، هذا معنى لا تلمه على شعث، إنه خلص يا أخي أخطأ زل لسانه، تصرف تصرف، دائماً تعودوا استروا عيوب إخوانكم ولملموهم، فأي الرجال المهذب وأي النساء المهذبات، هي هكذا الحياة.
هو أتى به لأيش؟ قال: فإن صدر البيت دل بمفهومه على نفي الكمال من الرجال. فاكد ذلك بقوله أي الرجال المهذب. لما أقول لك: لست بمستبق أخاً لك لا تلمه على شعث، الآن منطوقها كمنطوق معناها لن يبقى لك أصدقاء إذا كنت لا تلملم جراحهم. طيب ايش فهمنا منها باللازم؟ بالمفهوم أنه لا يوجد شخص كامل، لأن طبيعة الناس تخطئ، هذا المفهوم عدم وجود الكمال هو الذي أكده بجملة أي الرجال المهذب، فجملة أي الرجال المهذب هي لم تؤكد منطوق الجملة السابقة، أكدت مفهومها وهو عدم وجود الكمال في جنس البشر. بخلاف زهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً لا هذا واضح أنه تأكيد لمنطوق الجملة السابقة.
والثاني ما هو التكميل؟ قال: والثاني أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يرفع ذلك الوهم. هذا يشبه صورة من صور الفصل وهي صورة كمال الانقطاع؛ يكون الكلام يوهم شيئاً فإذا عطفت زدت الطين بلة، فلا تعطف حتى تتخلص من الإشكال، لكن هذه فكرة أخرى، هنا أنك تأتي بجملة فائدتها مجرد رفع التوهم، هذا يسمى تكميلاً. كأنك كملت المعنى، لذا سمي تكميلاً. إذاً ما هو التكميل؟ أن تأتي بجملة بعد جملة سابقة فيها إيهام، ما فائدة الجملة الجديدة؟ رفع الإيهام الذي أوهمته أو دفعته الجملة السابقة.
منه ما يقع بين المسند إليه والمسند، تخيل أن التكميل قد يأتي حشواً بين المسند إليه والمسند، طبعاً هنا قد يكون التكميل بكلمة وقد يكون التكميل بجملة، ليس شرطاً أن يكون التكميل جملة. فمثلاً مثال وقوع التكميل بين المسند والمسند كقول الشاعر: فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمي هذا الشاعر ذكي هو يريد أن يدعو لدار المحبوبة ببقاء الخير فيها، فأيش قال: سقى ديارك، أين الفاعل؟ لسه ما ذكر، سقى ديارك صوب الربيع اللي هو مطر الربيع، لكن سؤال: هل كل مطر يحمد أم بعض المطر قد يكون فساداً؟ بعض المطر قد يكون هلاكاً وعذاباً. فحتى لا تتوهم أنه يريد أي مطر -مطر الخير ومطر الشر- كان ذكياً قال: فسقى ديارك غير مفسدها، فهذه غير مفسدها تسمى تكميلاً، ولاحظ أنه أتى في المنتصف بين الفعل والفاعل حتى ما حدا يفهمني خطأ. فسقى ديارك بشرط ألا يفسد ما هو صوب الربيع.
لذلك انتقدوا ذا الرمة في قوله في قصيدته: "ألا يسلم يا دار مي على البلا ولا زال منهلاً بجرعائك القطر". لماذا انتقدوا ذا الرمة على هذا؟ طرفة بن العبد شاعر جاهلي خبير بتدقيق المعاني، ليس مثل ذي الرمة، شاعر إسلامي. لماذا طرفة أدق؟ لأن طرفة استدرك أنه أنا دعوت بالمطر بس بشرط ألا يكون مفسداً، ذو الرمة لا، دعا بالمطر، طب مش ممكن يكون مفسداً؟ الأصل تستدرك، فلذلك قالوا طرفة كان أفضل حيث لم يأتِ بهذا القيد اللي هو عدم الإفساد. ولهذا عيب على القائل قوله ولا زال منهلاً بجرعائك القطر، حيث لم يأتِ بهذا القيد.
ومنه ما يقع في آخره من التكميل، إذا التكميل قد يقع في منتصف الجملة وقد يقع في آخر الكلام أو آخر الجملة كقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54]. الآن أعزة على الكافرين قالوا هذا تكميل، فإنه لو اقتصر على قوله أذلة على المؤمنين لتوهم أنه لضعفهم فدفعه بقوله أعزة على الكافرين. فذل للمؤمنين ليس ضعفاً ولا خواراً وإنما لكمال الرحمة والرأفة فيهم.
التكميل ليس تذييلاً لأنه ليس تأكيداً وإنما هو لرفع التوهم. لكن هل يمكن أن يكون التكميل إيغالاً في بعض صوره؟ يمكن، الإيغال ما هو؟ أن تختم الكلام بجملة يتم المعنى السابق بدونها. فأذلة على المؤمنين ممكن أقول تم الكلام بس بقي التوهم، فيكون فائدة الإيغال دفع التوهم، لا إشكال أن تقول إن من فوائد الإيغال في نهاية الكلام دفع التوهم.
الثالث وهو التتميم: أن يؤتى في كلام لا يوهم غير المراد بفضلة -بجملة زائدة- لنكتة، كقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، فإن زيادة قولك على حبه ما فائدتها؟ المبالغة، أنت لو قلت ويطعمون الطعام مسكيناً ويتيماً وأسيراً بمشي الحال، المعنى تم، لكن حتى أعطيك مبالغة أنهم يطعمون الطعام مش زهداً فيه، لا مع أنهم يحبونه ويريدونه ومع ذلك يؤثرون به الفقراء. فالجار والمجرور على حبه الذي وقع في المنتصف أعطاك مبالغة، حيث أشعرك بكمال إيثار لغيرهم؛ أي مع حبهم لهذا الطعام، فإن الطعام حينئذ يكون التبرع به أبلغ وأكثر أجرأ.
ومن أمثلته قول صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة إلا ابتنى الله له بيتاً في الجنة». قوله من غير الفريضة ماذا قال؟ تتميم. لماذا؟ قال لأن الكلام السابق يتم بدونه. أنا حقيقة لست مقتنعاً كثيراً بهذا المثال لأنه لا تقول لي إنه الكلام السابق خلص تم ولا يوجد فيه إيهام؛ هذا حقيقة جزء من المعنى، لأن هذا الثواب المعلق على صلاة 12 ركعة إنما هو ثواب 12 ركعة غير مفروضات، فذكر غير الفريضة أساس في بيان الثواب وليس مجرد تتميم.
هكذا انتهى من التتميم، الفرق بين التتميم والإيغال: التتميم يكون في المنتصف أو قد يكون في البداية، والإيغال لا يكون إلا في الختام.
فتجدون أنه في مساحات كثيرة مشتركة بين هذه المصطلحات، لذلك السيوطي في اللطيفة وفي التنبيه الذي ذكره بعد ذلك ذكر قضية أو إشكالية هذه المصطلحات والإكثار منها، خاصة في اللطيفة. شوفوا إيش يقول بهاء الدين السبكي سريعاً؛ هذه اللطيفة ما راح أقرأها، ليست من الشرح، لكن استوقفتني كلمة بهاء الدين السبكي، وبهاء الدين السبكي رجل عاقل. إيش يقول في عروس الأفراح؟ قال الشيخ بهاء الدين: ليت شعري أي فرق في اللغة بين التكميل والتتميم وهما شيء واحد؟ يعني بيقولك حتى التتميم والتكميل يا أخي سميها كلياتها تكميل، لا لازم يطلع تتميم وتكميل وتذييل وإيغال، الحفلة على أنفسنا.
قال وهما شيء واحد، ثم قال: ويمكن أن يفرق، يمكن حتى قال بأن التكميل هو استيعاب الأجزاء التي لا توجد الماهية إلا بها، والتتميم لما وراء الأجزاء من زيادات. يعني حاول أن يعطيك أنه ممكن أعجز لك فروق، لكن كأن قوله من ليت شعري تدل أنه مش مرتاح كثير لكثرة هذه التقسيمات نظراً للتداخل الكبير بينها. لكن عموماً أنت كطالب علم بدك تفهم هذه التقسيمات وتفهم تداخلها على ما ذكرناه.
بقيت قضية واحدة أن التكميل فائدة، لأنه ذكرها لن أقرأ التنبيه، التنبيه هذا أتركه لكم، وإن حتى لو لم تقرؤوه أيضاً ليس شيئاً كبيراً، لأنه سيدخلك في تفاصيل وأقوال أخرى. المهم أن البعض سمى التكميل احتراساً، هذا أنه ذكره في الأبيات أنا أحتاج أن أذكره، أن البعض سمى التكميل بالاحتراس. البعض قال لا، قال لك الاحتراس شيء والتكميل شيء وجعله مفهومين وأعطى الاحتراس مفهوماً وأعطى التكميل مفهوماً، لذلك السيوطي حتى أظن في النهاية قلت شوف السيوطي في نهاية التنبيه كله، كله إيش قال؟ قلت لا يكاد يتبين لي الفرق بين الاحتراس والتكميل.
آخر سطر قبل الأبيات الجديدة إيش قال؟ قلت لا يكاد يتبين لي الفرق بين الاحتراس والتكميل؛ يعني هو ذكر أقوالاً وهذا حاول يضع معنى للاحتراس، قال لك الاحتراس غير التكميل والفرق كذا والفرق كذا، استقر قال: يا عمي لا يظهر لي فرق بينهما، فلا تتعبوا أنفسكم ولا تتعبوا الطلاب بتكثير المصطلحات، لا بدنا نفرق بينهم، يا أخي ريحني خليني آخذ الفكرة الجملية، فسنبقى على أن التكميل هو الاحتراس.
وهذا نهاية المجلس الأول، بعد الصلاة إن شاء الله نكمل المجلس الثاني، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل