دخولتسجيل الدخول

الدرس 48 - باب الإيجاز والمساواة والإطناب (2)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله معشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقد فيه مدارسة ألفية عقود الجمان في علم المعاني والبيان للعلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى عليه. وما زال حديثنا قائماً في الباب الأخير من أبواب علم المعاني، وهو باب الإيجاز والإطناب والمساواة. وقد شرحنا في الدرس السابق، وعرفنا ما معنى المساواة، ما معنى الإطناب، ما معنى الإيجاز. وبعد ذلك، بعد أن أخذنا مثالاً على المساواة، شرع في بيان أنواع الإيجاز. قلنا الإيجاز على نوعين: إيجاز قصر وإيجاز حذف.

سريعاً دعونا نقرأ الأبيات المتعلقة من أول باب المساواة والإطناب والإيجاز حتى يكون الحديث متسلسلاً. يقول السيوطي عليه رحمه الله: المفهم المراد مما يقبل، أي من الأساليب التي تقبل، إن لفظه ساوى فهو الأول، ما المقصد بالأول؟ المساواة. أو زاد مع فائدة فالثاني، ما المراد بالثاني؟ الإطناب. أو وفى بنقص فهو لإيجاز رأوا، أما الإيجاز فنص عليه فهو لإيجاز رأوا.

فخرج التطويل والحشو بهذا الحد، بهذا التعريف، أو التعريف الذي قدمه القزويني في الإيضاح. فخرج التطويل والحشو بمع فائدته بهذا القيد بقولنا مع فائدته، وبالوفا خال دع بقولنا في إيجاز وفى بنقص خرج بماذا؟ بكلمة الوفاء خرج الإخلال، لأن الإخلال أن تقصر الألفاظ، لكن هذا التقصير يسبب الإخلال ولا يكون المعنى تاماً، ووفا الإخلال دع. ومن نفى حدهما أو ادع فقد مساواته فلن يتبع، من الذي قال إنه لا يوجد شيء اسمه مساوة، أو لم يعترف بوجود المساواة أصلاً؟

من لا شخص لم يعترف أصلاً بالمساواة، ابن الأثير؟ لا، ابن الأثير قسمها فقط إلى إيجاز وإطناب، السكاكي أثبت المساواة أنه لم يثبتها طريقة بلاغية مقبولة، وإنما جعلها المعيار الذي عليه سيبنى الإيجاز والإطناب. الصحيح أن المساواة موجودة، وأنها من طرق البلاغة مقبولة، الصحيح أن المساواة موجودة، وأنها من طرق البلاغة المقبولة. بدك تحفظ هذول الفكرتين.

بلا يحيق المكر مثل أولاً، أولاً يعني للمساواة، اعتبر هذه الآية من الآيات التي تدل على المساواة، قال هذه ما فيها لا إيجاز ولا إطناب، هذه آية تدل على مساواة أو مثال على المساواة. ثم لأن المساواة لا يوجد فيها فن انتقل إلى الإيجاز، فبدأ ببيان نوعيه، فقال: ضربان للإيجاز. قصر قد خلا من حذف شيء، إذاً إيجاز القصر هو أن تقلل الألفاظ وتكثر بها المعاني، لكنك لا تحذف شيئاً من السياق، لا تحذف مستثنى، لا تحذف مفعولاً به، لا تحذف وصفاً أو موصوفاً، وإنما اعتمدت على تقليل كمية الألفاظ لكن من دون أن تحذف شيئاً.

ثم مثل على إيجاز القصر بماذا؟ آية القصاص، فقد حوت مزيد اختصاص على أوجز ما فيه شهر، أي حوت مزيد اختصاص على أوجز ما اشتهر عند العرب في هذا المعنى. آية القصاص: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، تعتبر أبلغ من قول العرب: القتل أنفى للقتل. ذكر العرب تقول: القتل أنفى للقتل، وأيهما أبلغ؟ ولكم في القصاص حياة أم القتل أنفى للقتل؟ بهاء الدين السبكي في عروس الأفراح قال: ولكم في القصاص حياة أبلغ من القتل أنفى للقتل من عشرين وجهاً. ذكر ذلك هنا ذكر بعضها السيوطي بنظمه تبعاً للقزويني، قال: قلة الحروف والنص على مطلوبه، والنكرية جلى، وبالطباق جلت.

قلت: يعني هذه زيادة من عنده، إذ لقد قسم في التبيان ذا لصاحب التبيان، وهو العلامة الطيبي، قسم ذا، ذات اسم إشارة يعود على ماذا؟ على إيجاز القصر. قسم الطيبي إيجاز القصر إلى ثلاث، كل قسم يحتذى، ما هي ثلاثة أقسام هذه؟ قال: أن يقصر اللفظ على معناه قصراً يرى فقد الذي ساوى، والمراد ما المراد بهذا؟ أن أول نوع من أنواع إيجاز القصر هو نفس المساواة التي عرفناها قبل قليل. الطيبي يرى أن المساواة هي نوع من أنواع إيجاز القصر، ولا يراها شيئاً مستقلاً. أن يقصر اللفظ على معناه قصراً يرى فقد الذي ساوى، تمام، فيكون اللفظ مقصوراً على المعنى قصراً، كأنه هو المساواة، فلا نحتاج إلى أن نذكر المساواة كقسم مستقل.

قصراً يرى فقد الذي ساوى، كلمة فقد التي ساواه، يعني دعونا ننظر في الشرح، لماذا حصر الصديقي في شرحه؟ هو لم يذكر نعم لم يذكر شيئاً في ذلك. طيب دعوني أنظر سامحوني المرشدي ماذا قال، لأن المرشدي أحياناً يعلق على مثل هذه الألفاظ، لا الله، لا أظن أن يكون هذا الكتاب ليس فيه. هو يقول المرشدي في تعليقه على هذا البيت: قصر يقصر اللفظ على معناه قصراً جاز على مذهب من يرى فقد الذي ساوى، لذلك حتى هنا ما ذكره أخونا الشيخ أبو مالك العوضي.

اظن العبارة فقد ليست دقيقة هنا، لاحظوا ماذا قال المرشدي في شرحه على هذا البيت: يقول: جاز على مذهب من يرى فقد الذي ساوى، أي على رأي من يدخل المساواة في الإيجاز، أي وإلا فهذا بالمساواة أليق من قصراً، على منهج من يرى فقد المساواة. يعني حتى نشرح البيت يهمني تفكيك البيت تدقيقاً، والمشكلة أن هذه المنظومة لا يوجد عليها شروح كثيرة، يعني هو شرح السيوطي شرح المرشدي، بالتالي بدك تحاول تتأقلم بينهما. فلعله يقول: قصراً، أن يقصر اللفظ على معناه قصراً يرى، أو قصراً يرى، يرى أم يرى، يعني في عدة احتمالات حقيقة لرواية هذا البيت. قصراً يرى فقد الذي ساوى، أو قصراً يرى، رأى محمد فقد الذي سواه. يرى هو الشيخ أبو مالك العوضي بناه على المبني للمجهول، قصراً يرى فقد الذي ساوى، يعني ماشي بيمشي الحال. وكان الشيخ أبو مالك يريد أن يقول إن هكذا هو فهم البيت: أن يقصر اللفظ على معناه قصراً على منهج من يرى فقد المساواة.

أن يقصر اللفظ على معناه، هذا القصر إنما يأتي، يعني هذه الصورة من صور إيجاز القصر، إنما تتأتى على منهج من؟ على منهج من يرى فقد المساواة، ما في شيء اسمه مساواة مستقلة، وإنما هي نوع من أنواع الإيجاز، فمن قال إنه لا يوجد مساواة، كأنه قال فقدت، فقد الذي ساواه، يعني كان المساواة مفقودة لا توجد، وإنما هو إما إيجاز وإما إطناب، وما تسمونه أنتم مساواة هو في الحقيقة ليس مساواة منفصلة، هو نوع من أنواع إيجاز القصر. هكذا يترجم قوله يرى فقد الذي سواه، أي هذا القصر على منهج من يرى فقد المساواة، وأنها ليست قسيماً للإيجاز والإطناب، وإنما هذه صورة من صور إيجاز القصر، أظن هذا أقرب ما يمكن أن يشرح به هذا البيت.

ثم قال: وزائد المعنى على المنطوق إيجاز تقدير مع التضييق. إذا كان المعنى زائداً على اللفظ المنطوق، فهذا ماذا سميناه؟ إيجاز التقدير. هكذا سماه الطيبي والبعض يسميه ماذا؟ إيجاز التضييق، لإيجاز تقدير مع التضييق، إيجاز تقدير هذه التسمية الأولى وهي تسمية الطيبي، وسماه ابن الناظم في المصباح إيجاز تضييق، فلذلك هو ذكر الاسمين، إيجاز تقدير على رأي الطيبي، ويسمى إيجاز تضييق على رأي ابن الناظم في المصباح.

والنوع الثالث قال: والجامع اللفظ والمعاني كآية العدل مع الإحسان. وأما النوع الثالث عند الطيبي ما هو؟ الإيجاز الجامع، هنا أن يكون اللفظ يحتمل معاني كثيرة في باطنه، ومثلنا على ذلك بآية العدل مع الإحسان، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90].

ثم بعد ذلك، بعد أن انتهى السيوطي من بيان وجهة نظر الطيبي، انتقل إلى النوع الثاني من أنواع الإيجاز وهو إيجاز الحذف، فقال: ثان الحذف، فما قد حذف. أراد يبين إيجاز الحذف، هناك كلمة أو أكثر أو أقل من كلمة محذوفة في السياق، فذكر الأمثلة قال: مضاف أو موصوف، أو ما وصف، أو شرط أو جوابه، أو شرط أو جوابه حصر عنوني، أو يذهب السامع كل ممكن. قلت، طبعاً عندكم خصر ولا حصر؟ هنا ماذا قال في الشرح؟ أما لمجرد اختصار، أما لمجرد الاختصار إذاً ستكون النسخة أو شرط أو جوابه خصر عني، كما قال الشيخ أبو مالك العوضي في النسخة خصر، اختصار خصر عني، هذا دائما إذا أردت أن تعرف كيف البيت عليك أن تنظر في الشرح ماذا قال في شرحه، هو الذي سيحدد معنى أو يعدد لنا كيف هو يريد أن يروى هذا البيت. هي مشكلة النسخ المتعددة مع قلة الضبط فيها.

إذا كان السيوطي قال في شرحه إنه الجواب يحذف للاختصار إذاً ما المراد هنا ليس الحصر، وإنما الخصر، يعني بمعنى الاختصار، خصر عني يعني الاختصار هو المقصود من حذف الجواب، أو يذهب السامع كل ممكن، أن نقدر السامع الجواب باحتمالات متعددة، يكون أوقع في النفس. قلت وزادت السيوطي من صور الحذف، قلت موصول ووصل، وكذا جزء إضافة، وثانيها خذا. وذو تعلق مع المجرور، والعطف والمعطوف، والتفسير، هنا ايش معنى التفسير هنا؟ التمييز، هو قال في الشرح قصدت بالتفسير التمييز، فالتمييز قد يحذف، والحال والمبدل والمستثنى وجزء كلمة، وحرف معنى أو جملة مسبباً، سواء كانت الجملة المحذوفة هي المسبب يعني النتيجة، أو كانت الجملة المحذوفة هي السبب، مسبباً أو سبباً كقوله فانفجرت، أي ضرب.

كقوله فانفجرت، أي ضرب، مثال على أن تكون الجملة المحذوفة هي السبب، لأنه ايش قال؟ قال ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾ [الشعراء: 62-63]، قلنا ما المحذوفة؟ فضربه فانفلق، فضربه فانفلق، الذي حذف هي الجملة السببية، وبقي المسبب والنتيجة وهي أنه فلق، إذا قال أو جملة مسبباً أو سبباً كقوله فانفجرت، أي ضرب، أو فوقها، أو فوقها، ما معنى فوقها؟ يعني أن يكون المحذوف أكثر من جملة، إذا قد يكون المحذوف جملة سواء كانت جملة سببية أو مسببة، وقد يكون المحذوف جملتان فصاعداً، معناها أكثر من جملة، ومثل على ذلك: ﴿فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: 45-46]. من عند قولي خادم الملك فأرسلون إلى عند قول يوسف أيها الصديق كم حدثت مشاهد ووقائع وأحداث عشرات الجمل وقعت، فذهب فلقي وسأل عن يوسف فلقيه فقالوا كيف حالك وطمن على كذا بعد يوسف أيها الصديق، فترة، تمام. فبالتأكيد بين من عند قوله فأرسلون إلى يوسف أيها الصديق، هنا جمل كثيرة محذوفة.

ثم قال: ومنه ما لا ينوب عما يحذف وقد يناب، ثم عقل قد يدل عليه، والتعيين مقصود يحل، أو عادة، أو اقتران، أو شروع في الفعل. إلى هنا بالفروع ينتهي الكلام عن الإيجاز، فإذا بقي علينا الحديث عن الأفكار الأخيرة في موضوع الإيجاز. دعونا ننظر ماذا قال السيوطي عليه رحمه الله في شرحه على هذه الأفكار.

نقرأ الآن من الشرح، الآن هذا كلام يتعلق بماذا يا شيخ عمر؟ بإيجاز الحذف، بعد أن عرفنا أن إيجاز الحذف يقوم على أن هناك شيئاً سيحذف، سواء كان جزء كلمة أو كلمة أو كلمتان أو جملة أو أكثر من جملة، هنا أراد أن يقول: ثم قد لا يقام شيء مقام المحذوف وقد يقام. إذا حذفنا شيئاً من الجملة إذا حذفنا شيئاً من الجملة بغض النظر ما هو المحذوف، إما أن نقيم شيئاً عوضاً عن الشيء المحذوف يحل محله، وإما أن لا نقيم شيئاً مكان الشيء المحذوف ويبقى المكان فارغاً، وأنت فقط تقدر تقديراً، تمام، فيقول لك ثم قد لا يقام شيء مقام المحذوف وقد يقام. هذه كفكرة عامة قد يحذف الشيء.

مثلاً أحياناً يحذف المضاف، قد يحذف المضاف ممتاز، ويبقى المضاف إليه على حاله مجروراً، وأحياناً يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مكانه، ففي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82]، ايش أصلها؟ واسأل أهل القرية، حذفنا كلمة أهل وهي المضاف وأقمنا المضاف إليه مكانه فأخذ إعرابه، أليس كذلك؟ لكن في سياقات أخرى وربما درسناه، قد يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه على حاله مجروراً، المضاف محذوف دل عليه السابق أو دل عليه اللاحق، تمام، دل عليه ما سبق أو دل عليه ما لحق، فهذا أيضاً.

قد يدل العقل على المحذوف، وهو الذي يدل على وجود شيء محذوف؛ فأنت إذا قرأت الجملة بعقلك ستدرك أن هناك شيئاً محذوفاً. تمام؛ يعني لما سمعت قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] كيف عرفت أن هناك شيئاً محذوفاً؟ بالعقل. كيف بالعقل؟ أن السؤال لا يكون للقرية؛ فالقرية عبارة عن جدران وحيطان لا تُسأل، وإنما السؤال يكون لأهلها. فهو يقول لك: بالعقل ستعرف أن هناك شيئاً محذوفاً، لكن تعيين ما هو هذا الشيء المحذوف بالتحديد، هذا له وسائل متعددة.

عليك أن تفرق بين شغلتين حتى لا تخلط بينهما؛ العقل يخبرك أن هناك شيئاً محذوفاً في هذه الجملة، من خلال التدبر العقلي تعرف أن هناك حذفاً، فهذا مقام أول. تعيين ما هو الشيء المحذوف، ما هي الكلمة المحذوفة، هل هذا يكون بالعقل أيضاً؟ حقيقة هذا له وسائل متعددة، وليس فقط العقل هو الذي يعين المحذوف. ماذا قال هنا؟ قال: ثم قد يدل العقل على المحذوف، والمقصود الأظهر هو الذي يدل على تعيين ما هو المحذوف. العقل أعطاني مؤشراً أن هذه الجملة فيها حذف، أكيد في شيء محذوف.

الآن بعد ما العقل أعطاني المرحلة الأولى، وهو أن هناك شيئاً محذوفاً، تعيين طبيعة الكلمة أو الجملة المحذوفة منها ما قد يكون بالعقل، ومنها ما قد يكون بوسائل أخرى. مثل ماذا الوسائل الأخرى؟ مثل ما يسمى عندهم بالمقصود الأظهر، هذا أول شيء يعينك على تعيين المحذوف. ماذا يعني المقصود الأظهر؟ اقرأ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]. هل هذه الآية فيها شيء محذوف؟ قالوا: نعم، هذه في أصول الفقه اعتنوا فيها؛ لأن علماء الشريعة يقولون: التحريم عندما نقول هذا الشيء حرام أو حلال أو واجب أو مندوب، لا ينصب على الأعيان، وإنما يكون على الأفعال التي تفعل في هذه الأعيان. فالحرام هذا من الأحكام العملية، والفقه هو معرفة الأحكام العملية، فإذا لما ربنا يحرم شيئاً هو يحرم عملاً يتعلق بعين معينة.

عندما قال ربنا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، التحريم ليس على الميتة نفسها، وإنما التحريم على فعل ستفعله بالميتة. ما هو الفعل الذي سأفعله بالميتة وحرمه ربنا هنا؟ المقصد الأظهر هو الذي سيعين هذا الفعل. أنت لما تسمع حرمت عليكم الميتة والدم، ما هو المقصود الأظهر الذي في العادة تفعله بالميتة؟ المقصود الأظهر الذي تفعله بالميتة هو الأكل؛ فإذاً لما قال: حرمت عليكم الميتة، هناك مضاف محذوف، والتقدير: حرم عليكم أكل الميتة. كيف أن التقدير هو الأكل دون غيره؟ قالوا: بالمقصود الأظهر، فبالتالي هو أنسب شيء يتعلق به التحريم في السياق. وهذا كثير في القرآن، فلاحظوا، دل على أن حذفا في هذه الآية لأن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأفعال دون الأعيان؛ فأنا لا يصح أن أقول والله حرمت عليك الجوال أو أحرم عليك الخنزير وأقصد تحريم نفس العين، العين لا يتعلق بها تحريم ولا إيجاب ولا ندب ولا كراهة، إنما تتعلق الأفعال التي تفعل بالأعيان. هذه قاعدة أصولية، فعرف العقل مباشرة أن هناك حذفاً في الآية؛ لأن ظاهر الآية أن التحريم متعلق بالأعيان، والواقع أن التحريم يجب أن يتعلق بالأفعال، فعرفنا أن هناك شيئاً محذوفاً بالعقل، لكن تعيين ما هو المحذوف نعتمد على المقصود الأظهر.

فالمقصود الأظهر من هذه الأشياء وهي الميتة والدم ولحم الخنزير والموقوذة والمتردية، ما هو في العادة أكبر شيء تفعله بها؟ الأكل، فيكون هو المراد في هذه الآية. والمقصود الأظهر من هذه الأشياء تناولها؛ قال التناول لأنه يجمع الأكل والشرب، قال إذاً المقصود الأظهر لتعيين المحذوف.

ثم قال: وقد يدل على تعيين المحذوف أيضاً العقل، فيكون العقل دل على الحذف ودل على تعيين المحذوف. كقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]. هنا الأشاعرة يدخلون الآيات على طريقتهم، فقالوا: العقل دل على شيء محذوف؛ لأن الله لا يمكن أن يأتي؛ لأن الله لا تقوم به الصفات الاختيارية، وأنه إذا قامت به الصفات الاختيارية فسيكون جسماً، وهذا كله كلام فاسد. المثال كله تضع عليه خطاً؛ لأن هذا مثال لا يوافق طريقة أهل السنة والجماعة، بل أهل السنة يؤمنون أن الله يأتي بنفسه ليقضي ويفصل بين عباده، وكلهم بنوا عليه فلسفتهم هذه والامتناع العقلي بناء على عقولهم وليس العقل السليم، أما العقل السليم فلا يرى فيه مانعاً أن يأتي ربنا بنفسه، وهذا هو الواقع وهو الذي دلت عليه النصوص.

نحتاج إلى مثال آخر ليستدل به على أن العقل دل على الحذف وعلى تعيين المحذوف. مثلاً لو قلنا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]؛ القدرة الإلهية كما هي عند أهل السنة والجماعة متعلقة بالممكنات ولا تتعلق بالمستحيلات العقلية. بالتالي لما نقول إن الله على كل شيء ممكن لقدير؛ فكلمة ممكن هي وصف للشيء، أي شيء داخل في حيز الإمكان فالله قدير عليه. فقضية ممكن، ما الذي دل على تقديرها في السياق؟ العقل، والذي عينها هو العقل، وإن كان يبقى هناك من ينازع من جهة أن البعض يعترض فيقول إن الله على كل شيء، الشيء لا يكون إلا ممكناً، والمستحيلات العقلية لا تسمى شيئاً؛ فأنت لا تحتاج إلى تقدير محذوف؛ باعتبار أن الشيء لا يكون إلا ممكناً.

أو العادة، كقوله: ﴿ذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: 32]. قد يدل العقل على الحذف، وتأتي العادة لتعين المحذوف. في هذه الآية يحتمل أن يقدر: لمتنني فيه يعني في حبه، أو لمتنني في مراودته عن نفسه. أي التقديرين أولى في هذا السياق؟ العادة هي التي ستحدد المحذوف. في العادة، هل يلام الشخص على الحب الذي يقوم في قلبه لشخص آخر؟ لا، العشق ليس اختيارياً، فلا تلام عليه، وإنما تلام على ما يظهر منه من أفعال. فالعادة دلت على الثاني، أنهم لموها على المراودة وليس على الحب الذي قام في قلبها، لأن الحب سلوك قلبي لا تملكه، وأما المراودة فهو سلوك فعلي.

أو الاقتران؛ اقتران الكلام بموقف معين مشاهد. فمثلاً عندما كانت العرب تقول في الزواج: بالرفاء والبنين، فهذا جار ومجرور يتعلق بمحذوف، لأن الجار والمجرور لا يقوم وحده. فما هو الفعل المحذوف الذي يتعلق به؟ تقال عند الزواج، فالمعنى أعرس بالرفاء والبنين. الشيء الأخير الذي يساعد على تعيين المحذوف هو الشروع في الفعل، فمثلاً بسم الله الرحمن الرحيم، دائماً في كل الكتب يقولون متعلقة بمحذوف متأخر وهو فعل؛ فطبيعة العمل الذي شرعت فيه هو الذي سيحدد المحذوف؛ فإذا كنت أعطي درساً وقلت بسم الله، فالتقدير: بسم الله أدرس، وإذا كنت سأتوضأ وقلت بسم الله، فالفعل المحذوف تقديره: أتوضأ.

إذا كنت سأسافر وقلت: «بسم الله»، فالفعل المحذوف تقديره: «بسم الله أُسافر». فقال: الشروع في العمل؛ فالشروع في العمل قد يساعدك أيضًا على تعيين المحذوف.

الشروع في العمل والاقتران، أنا أراهما متقاربين، ليس ذاك الفرق الكبير بينهما؛ صحيح مش قلنا إذا اقترن الكلام بعمل فالعمل سيساعدنا على تعيين المحذوف؟ فنس الشيء الشروع في العمل هنا، أنت «بسم الله» اقترنت بعمل، فالعمل هو الذي ساعد على تعيين المحذوف، فلا أرى فرقًا كبيرًا بين قوله: الشروع في العمل والاقتران، إلا أنهم يفرقون تفريقهم الاصطلاحي.

عمومًا حتى أرتب الأفكار في ذهنك، هي الفكرة التي يدندن حولها السيوطي والقزويني، أنهم يقولون العقل هكذا ترتبها: يدل على وجود إيجاز الحذف. أن تحكم على الجملة أنه فيها إيجاز حذف، فيها شيء محذوف؛ العقل والتفكير العقلي هو الذي سيخبرنا أن هناك إيجاز حذف، أن هناك شيء محذوف.

أما تعيين المحذوف فهذا له طرق متعددة، منها العقل أيضًا، ومنها المقصود الأظهر في السياق، ومنها العادة، ومنها رابعًا الاقتران، ومنها خامسًا الشروع في العمل. وأنا أرى أن الشروع في العمل صورة من صور الاقتران، لكن هو يعتبرها صورة مستقلة، ما عندي مشكلة.

إذن عليك أن تحفظ هذه القاعدة بهذه الطريقة: العقل يخبرني أن هناك كلمة محذوفة أو جملة محذوفة، ممتاز. تعيين ما هي هذه الكلمة بالضبط أو ما هي هذه الجملة بالضبط؟ هنا في طرق متعددة ستساعدك على التعيين؛ قد يكون العقل هو الذي يساعد في بعض السياقات، قد يكون المقصود الأظهر كما في: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]، قد تكون العادة كما في: ﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: 2]، قد يكون الاقتران، يعني اقتران الكلام بمشهد معين، وقد يكون الشروع في العمل هو الذي ساعدني على تعيين الكلمة المحذوفة. واضح؟ إذن تريد أن تفرق بين الأول والثاني حتى لا يلتبس عليك الأمر.

هكذا نكون قد انتهينا أيها الكرام، يا رعاكم الله، من موضوع الإيجاز. لذلك نقرأ الأبيات الأخيرة المتعلقة بالإيجاز، ماذا قال السيوطي؟ ومنه ما لا نوب عما يحذف ... وقد يناب هذه القاعدة السابقة أنه عندما يحذف شيء قد يقوم شيء مقامه ينوب عنه، وقد لا ينوب، ممتاز، هذه قاعدة مستقلة حتى هو لم يجتهد في بيانها بالأمثلة إذا تلاحظون.

ثم قال: ثم عقل قد يدل عليه ... أي على وجود حذف في السياق والتعيين: وأما تعيين ما هو هذا الشيء المحذوف فما الذي سيساعدنا فيه؟ قال: والتعيين مقصود يحل ... عاد أو اقتران أو شروع في الفعل المقصود الأظهر هو الذي قد يحل ويبين ما هو هذا الشيء المحذوف، أو عادة، أو اقتران، أو شروع في الفعل، وهي الصورة الأخيرة. ثم مثل بمثال على القضية الأخيرة وهي قضية الشروع، مثل لها فقال: «بسم الله»، مثل بـ «بسم الله».

فإن «بسم الله»، الفعل المتعلق به الجار والمجرور يقدر بحسب طبيعة العمل الذي شرعت فيه. نلاحظ أنه في الشرح لم ينص على قضية أن العقل أيضًا يعين، وإن كان نص على ذلك في الشرح، أما في النظم لم ينص على أن العقل يعين، بل قال: العقل يدل على الحذف، وأما ما الذي يحل لنا ما هو المحذوف، ذكر: المقصود الأظهر، والعادة، والاقتران، والشروع.

العقل ما أنت أيضًا في الشرح ذكرته من وسائل تعيين المحذوف، فقد نقول إنه لعله استغنى بذكره ابتداءً عن ذكره انتهاءً، يعني كأنه يقول: ثم قد يدل عليه، يدل على الحذف وعلى التعيين، حتى نؤول كلامه: يدل على الحذف وعلى التعيين، ثم بعد ذلك قوله: مقصود يحل أو عادة أو اقتران أو شروع، فهنا نقول العقل في هذه دل على وجود حذف، وهذه الأمور هي التي دلت على التعيين في سياقاتها، من باب أنه نخلي كلامه يجمع كل الأفكار التي طرحها.

ثم الآن سننتقل للموضوع الأخير وهو موضوع الإطناب. فقال: ويرد الإطناب بالأضاحي ... قصد ضاحٍ مثل التذاذ كامل بالعلم به أو مكنه في النفس بعد طلبه ومنه توشيع بآخر ترد ... تثنيه مضمونها بع فرد وذكر خاص بعد ذي عمومي ... منب بفضله المعلوم كع جبريلا وم كلا على ملائك قلته وعكسه جلا

نقف عند النوع الأول من أنواع الإطناب. قلنا طبعًا ما هو الإطناب أيها الأحبة؟ يا شيخ ما تعريف الإطناب؟ أن تزيد الألفاظ على أصل المعنى، لكن تكون هذه الزيادة لها فائدة.

يقول السيوطي عليه رحمة الله في شرحه الإطناب: إذا أردت أن تكون مستحضرًا معي ما هو الإطناب، أن تكون الألفاظ أكثر من المعنى المقصود، لكن لماذا كثرت الألفاظ على المعنى المقصود؟ لفائدة في هذه الزيادة، لأنه إذا لم تكن هذه الزيادة فيها فائدة فسيكون إما تطويلًا وإما حشوًا.

يقول السيوطي الإطناب يكون بأمور، منها... الآن بتركزوا معي في طريقة كلامه في الإطناب، لأنه سيقسم إلى أنواع وأسماء. الآن الإيجاز قسمناه تقسيمًا ونهينا الموضوع، قلنا إما إيجاز قصر أو إيجاز حذف، وهو دخلنا في موضوع ما قاله الطيبي في التبيان وانتهى الأمر. أما الإطناب ستجدون أسماء كثيرة فيه أو أنواعًا عديدة له، فتحتاج أن ترتبها على شكل أرقام أو فقرات.

فقال أول شكل من أشكال الإطناب ما يسمى عندهم بالإيضاح؛ لأنه كان بإمكاني من البداية أن أعطيك إياها مفصلة وأختصر على نفسي وقتًا، فأعطاه الفكرة مجملة فيها نوع من الإلغاز ثم أعادتها مرة أخرى موضحة، هذا فيه تطويل. هل هذا التطويل، هذا الإطناب، مفيد ولا غير مفيد؟ قال: مفيد، الإيضاح بعد الإبهام مفيد. كيف؟ دعونا ننظر ماذا قال: قال الإيضاح بعد الإبهام صورة من صور الإطناب؛ لأنك تبهم ثم توضح، فبالتأكيد أنت عملت مسافة أطول من أنك لو وضحت ابتداءً. فأنا أريدك أولًا أن تفهم لماذا هذه الصورة من صور الإطناب.

فهمنا؟ فاهمين يا مشايخ؟ طيب، قال ما فائدته؟ قال: وفائدته إما تكميل لذة العلم به، لذلك قال: مثل التذاذ كامل للعلم به. وأنبهكم إخواني أن حتى نسخة أخونا الشيخ أبو مالك العوضي فيها إشكالات، هي ربما هي أفضل الموجود لكن أنا أجد فيها حتى إشكالات في ضبط بعض الألفاظ أحيانًا، تجد في نسخة أخرى أفضل منها في بعض المناطق مثل هذه النقطة، فهنا ماذا نقول؟ قال: مثل التذاذ كامل للعلم به، هكذا تقرأ البيت.

وفائدة إذا الإيضاح بعد الإطناب، إما تكميل لذة العلم به، ليه هذه فكرة مرت معنا كثيرًا، وهي ماذا يا شيخ محمد؟ هذه الفكرة، لماذا الإيضاح بعد الإبهام يكون لذيذًا للنفس؟ يكون أجمل من أن أعطيك المعلومة واضحة ابتداء؟

أحسنت، صناعة عنصر التشويق أنه لما أبهم، أنا عملت لك نوع ألغاز، فأصبح عندك تشوق أن تعرف ما المراد بهذه الجملة. صناعة عنصر التشويق يجعلك إذا حصلت على المعلومة مفصلة بعد ذلك، تكون أكثر احتفاءً بها واهتمامًا بها وعضًا عليها بالنواجذ، بخلاف ما لو أعطيتك المعلومة هكذا ابتداء واضحة، فإنك قد تستهين بها ولا تحتفي بها. وهذه مرت معنا، الشيء الذي يكون بعد الطلب تكون النفس به أكثر احتفاء واهتمامًا من الشيء الذي تناله بلا تعب، أليس كذلك؟ مرت عبارة قريبة من هذا لمعنى للسيوطي.

يقول: "لأن الشيء إذا عُرف من وجه ما، ولم تُعرف كامل تفاصيله، تشوقت النفس للعلم به من باقي وجوهه وتأملت"، فتصبح النفس تريد أن تعرف باقي الوجوه الأخرى. جميل، فإذا حصل العلم على بقية الوجوه كانت لذته أشد من علمه من جميع الوجوه دفعة واحدة. أنا لما أعطيك التفاصيل كلها كاملة دفعة واحدة تذهب بهجة العلم، بخلاف ما لو أعطيك شيء مبهم ثم بعد ذلك أعطيك إياه موضحًا.

لذلك من طرق التعليم التي يجب أن يحرص عليها المعلم الناجح هو أنه لا يعطي دائمًا المعلومة مباشرة للطالب. ممكن أن أصنع عنصر إثارة أثناء التدريس، أصنع جملة ملغزة وأقول لكم: يلا فكروا فيها، ثم نتناقش فيها ثم أعطيكم تفاصيلها؛ كيف سيكون رسوخ المعلومة أكثر من لو أني أعطيكم الدرس ساعة ونصف، أو لو أردت أن أعطيكم الدرس في نصف ساعة فبإمكاني، وليس عندي مشكلة، أو حتى ربع ساعة وأختصر كل المعلومات وأقرأها كرت، ممكن، لكن أنت من ستضيع عليك الفائدة؛ لأنك ستشعر أن المعلم لا يعطيني مساحة للألغاز ثم الإيضاح، بل مباشرة يعطيني المعلومات واحدة اثنتين ثلاث أربع خمس ست ثمان خلف بعض، فلا أشعر بأنها تتمكن وترسخ. بخلاف المعلم الذي يعطي سؤالًا، أو يثير مشكلة أحيانًا، أو يعطي عبارة مهمة ثم بعد ذلك يوضحها، هذا كله من وسائل تثبيت العلم وإيضاحه وترسيخه لدى طالب العلم.

إذاً ماذا يريد أن يقول هنا؟ قال: "السبب الأول من أسباب الإيضاح بعد الإبهام: كمال لذة العلم به"، أن تحصل اللذة الكاملة للعلم به، وهذه اللذة الكاملة إنما تحصل إذا وقع إبهام ثم إيضاح. والسبب الثاني قال: "وأما ليتمكن المعنى في النفس تمكنًا زائدًا لوقوعه بعد الطلب". هو اعتبر أن تمكن المعنى شيء آخر غير قضية الالتذاذ. السبب الأول للإيضاح بعد الإبهام هو حصول الالتذاذ، أن تلتذ عندما تأتيك المعلومة بعد إبهام. والسبب الآخر هو تمكن المعلومة في نفسك إذا جاءتك بعد إبهام.

أنا أدخلت السببين ببعض لأنني رأيتهما مرتبطين، وهو فصلهما باعتبار الالتذاذ شيء وتمكن المعلومة شيء آخر، لكنهما في الحقيقة متلازمان؛ لأنك إنما تلتذ بكمال العلم، لماذا؟ لأنك حصلته بعد شيء من الإبهام. ألا يظهر لي فرق بين الالتذاذ والتمكن في النفس من جهة؟ هذا من التدقيق في العلم؛ هو قال في الالتذاذ: "أن تعرف الشيء من وجه ما وتشوف إلى معرفة باقي الوجوه"، هذا سماه التذاذ، فالإبهام أين وقع هنا؟ الإبهام هو أنني أعطيتك معلومة عن الشيء واضحة ولم أعطك باقي المعلومات، فأنت لن تكتمل لذتك إلا إذا عرفت باقي المعلومات.

أما الفكرة الثانية التي يتكلم عنها هنا، وهي تمكن المعلومة في النفس بعد طلبها، فهو أصلاً أول معلومة أعطيتها إياها كانت غامضة ثم بعد ذلك وضحتها، فهذا يسمى هنا: "تتمكن المعلومة في النفس أكثر وأكثر". عرفتم ما الفرق بين الصورة الأولى والثانية؟ الالتذاذ أنه أعطيك معلومة واضحة عن الشيء ليست مبهمة، لكن أين يحصل الإبهام؟ أنني لم أعطك باقي المعلومات، فإذا حصلت باقي المعلومات ستشعر أن معرفتك بهذا الشيء قد اكتملت.

أما الصورة الثانية، وهي صورة تمكن المعلومة في النفس، فأنا من البداية لم أعطك أي معلومة واضحة، أعطيتك كل المعلومات مبهمة ثم شرحتها لك تفصيلًا. فالصورة الأولى هي صورة الالتذاذ، أنت حصلت على عنصر وبقيت باقي العناصر، فلما تحصلها تلتذ. وفي الصورة الثانية أنت لم تحصل ابتداءً أي شيء، أعطيتك معلومة مبهمة ثم شرحتها لك، فلما جاءتك مشروحة بعد إبهام تمكنت في نفسك لأنها جاءت بعد طلب.

هذا هو التفريق بين الصورة الأولى والصورة الثانية. في صورة الالتذاذ، أين حصل الإبهام؟ حصل أنني أعطيتك معلومة عن الشيء واضحة وأخفيت وأبهت عليك باقي المعلومات المتعلقة به. كيف أقول لك؟ أنا أعطيتك معلومة عن عمر، لكن لم أعطك باقي المعلومات عنه؛ قلت عمر طالب مقدسي، هذه نقطة، لكن ماذا يفعل في الأردن؟ في أي جامعة؟ ستظل تشعر أن هناك إبهامًا، وأن هناك معلومات كثيرة، وتذهب لتتحصل على المعلومات. فالمعلومات لما تبقى مبهمة، لما يكون هناك جزء منها مبهمًا، تبقى تشعر أنه لا، لا يزال هناك أشياء أريد أن أكتشفها حول هذا الشخص. أنت أعطيتني معلومة واضحة أنه طالب مقدسي، هذه واضحة وليست غير مفهومة، لكن هناك معلومات أخرى أنا لم أحصل عليها بعد وهي مبهمة بالنسبة لي، فإذا حصلتها ستكتمل لذتي.

أما الحالة الثانية، فأنا أصلاً كل المعلومات غامضة ثم سأشرحها. انظر للمثال، قال: "وأما ليتمكن المعنى في النفس تمكنًا زائدًا لوقوعه بعد الطلب، ومن أمثلته ذلك: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾". فقوله: "اشرح" يفيد ماذا؟ كلمة "اشرح" عندما تقول يا رب، تدل على أنك تريد أن يُشرح شيء ما، فتحتاج هنا إلى ذكر المفعول به. فإذا ذكرت المفعول به كأنه جاء بعد إبهام، قلت: يا رب اشرح وسكت، فهناك إبهام؛ اشرح ماذا؟ فيقول: يفيد طلب شرح شيء ما، فلما جاء "صدري" ذكر المفعول به، فالمفعول به هنا ماذا؟

فسر ما الذي أردت أن يشرح لك ومثله ويسر لي. هل أنا أقدر أقول لك: يا رب يسر لي؟ ممكن واحد يحكي: يا رب يسر لي، ويسكت، ما فيها مشكلة، بس يبقى إبهام؛ يسر لك ماذا؟ دراستك؟ زواجك؟ رزقك؟ ماذا تريد؟

فلما تقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، جاءت "أمري" موضحة للشيء الذي أبهمته في "يسر". أنت تريد تيسير ماذا؟ ماذا تريد أن ييسر لك؟ "يسر" مبهمة، فلما جاء المفعول به "أمري" كشفها وزال الإبهام، و"يسر لي أمري". والمقام يقتضي التأكيد للإرسال المؤذن بتلقي الشدائد.

ماذا يريد أن يقول؟ هو الآن من الذي قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾؟ موسى عليه السلام. متى قالها؟ لما الله عز وجل قال له: «اذهب إلى فرعون»، وهذا إرسال فيه شدة، أنا رايح لفرعون، وهو مؤذن بوقوع الشدائد، فكان موسى محتاجًا لهذا التفصيل والتوضيح، ولا يضر: اشرح لي صدري ويسر لي أمري.

فهو لماذا قال؟ فصّل الذي يريد أن يشرحه له ربه وما الذي يريد أن ييسره له ربه؟ يقول: "وفصّل"؛ أي أوضح بعد الإبهام لشدة الموضوع. المقام يقتضي التأكيد والتوضيح؛ خلينا نقول للإرسال. ما معنى الإرسال؟ أن الله أرسل موسى إلى فرعون، وهو إرسال مؤذن بتلقي الشدائد والأهوال. فلما كان هنا في إرسال وفيه شدائد وأهوال، ضاع الأمر من موسى أن يطلب الدعاء مفصلًا موضحًا بعد إبهام: يا رب يسر لي أمري، وكأنه يقول: هذا الأمر الذي أنت تريد أن ترسلني إليه يسره لي، هذا أمري.

بخلاف ما لو قال شخص: ربي يسر لي؛ هذا يبقى في إبهام، أنت لم تحدد ما الشيء الذي تريد تيسيره. فلما نص: "ربي يسر لي أمري"، أي الوظيفة التي أنت ترسلني إليها، كان هذا الإيضاح لما تريد أن يتيسر، وهذا مهم جدًا في هذا السياق.

وهذا مثال التمكين على أنها ليست عهدية، كقول امرؤ القيس: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة». "ويوم دخلت الخدر" فيها إبهام، فقلت: "خدر عنيزة"؛ جاء البدل هنا ماذا يفعل؟ يكشف الإبهام ويعطيك التوضيح، فتتمكن المعلومة في النفس وتحصل الشيء بعد طلب. لأن يوم دخلت الخدر، أنت حصل عندك إبهام: خدر مَن؟ صح؟ فلما قلت "خدر عنيزة" حصل الكشف، فتمكنت المعلومة في النفس لأنها حصلت بعد طلب، وتشوف لها واضح.

توقعت أن يشكل قضية، ماذا؟ أن يذكر المفعول به هنا ليس فيه إطناب واضح، أليس الأصل أن يذكر المفعول به؟ فأين الإطناب؟ "يسر لي أمري"، الأمر هو المفعول به. فهل يعتبر ذكر المفعول به من قبيل الإطناب؟ نعم، هو اعتبر ذكر المفعول به من قبيل الإطناب لأنه جاء تفسيرًا له، وليس عمدة لأنه ليس فاعلاً ولا فعلًا، ليس مسندًا ولا مسندًا إليه، وإنما جاء فضلة، هو مفعول به لكنه في النهاية فضلة لبيان ما هو الشيء الذي تريد أن يشرح.

ونفس الشيء "يسر لي أمري"، الأمر جاء بيانًا للشيء الذي تريد أن يتيسر، وإن كان في الحقيقة قد يعتبره الواحد أقرب للمساواة منه إلى الإطناب. وأما «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة»، والله هذا واضح أنه إطناب، والمراد منه التمكين في النفس. فهل هذا المثال هو أفضل مثال؟ أنا فهمت ماذا يريد أن يقول، هو يريد أن يجعل مجرد ذكر المفعول به شكلًا من أشكال الإطناب لأنه جاء مفسرًا لما يريد أن يشرح ولما يريد أن ييسر، لكن ما مدى اقتناعك أنت بهذه النظرة؟ ولماذا لا نعتبر أن هذا هو الوضع الطبيعي؟ أن الإنسان إذا قال اشرح أن يبين ما هو المشروح؛ "اشرح لي صدري"، فهل بإضافة كلمة "صدري" أطنب هنا؟ قد تُناقش.

فلذلك أنا ربما أفضل المثال الذي ذكره الأخ: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة»، هنا واضح فيه إطناب، أما هذه الآية هل فيها إطناب؟ قد تكون محل نقاش. وفي الآية الأخرى في قوله تعالى للنبي ﷺ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، والمقام مقام الامتنان والتفخيم. ماذا يريد أن يقول؟ يقول إن الله عز وجل في سياق امتنانه على نبيه ﷺ ماذا قال له؟ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ وبين ما هو المشروح: ﴿صَدْرَكَ﴾. فذكر الصدر -وهو المشروح- هو شكل من أشكال الإطناب. ليه قال؟ لأنك لما تسمع ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ في إبهام ما هو الشيء المشروح، فذكر ما هو المشروح وهو الصدر بعد أن كان مبهمًا ابتداءً، اعتبره شكلًا من أشكال الإيضاح بعد الإبهام.

وكما ذكر الأخ، يمكن أن يُناقش هذا، وهو أن ذكر الشيء المشروح هو وضع طبيعي وليس إيضاحًا بعد إبهام. فهل هذا المثال هو أفضل مثال على الإيضاح بعد الإبهام؟ أقول قد يُناقش، ولو مثلنا بمثال امرئ القيس لكان أكثر قوة ووضوحًا.

ثم قال: ومنه "توشيح بآخر ترد تثنيه مضمونها بعد فرد". هذا سهل ويمر بكم كثيرًا؛ يقول من صور الإيضاح بعد الإبهام ما يسمى بالتوشيح. هذا ليس شيئًا منفردًا، بل هو صورة مندرجة تحت باب الإيضاح بعد الإبهام، وهو أنك تتكلم بجملة، وفي آخر الجملة تأتي بلفظ مثنى تفسره بعد ذلك بلفظين.

كقولك: "المرء بأصغريه: قلبه ولسانه". فلما قلت: "المرء بأصغريه"، كلمة "أصغريه" واضحة أم مبهمة؟ مبهمة، فلما فسرتها بعد ذلك: "قلبه ولسانه"، أصبح إيضاحًا بعد إبهام. هذا النوع متكرر في لسان العرب كثيرًا، وهو أن المتكلم البليغ يختم كلامه بذكر مثنى يفسره بلفظين، فأعطوه اسمًا خاصًا به، سموه "التوشيح". لذلك قال السيوطي: "ومن الإيضاح بعد الإبهام التوشيح". ما هو التوشيح؟ بأخر الجملة تورد أيها المتكلم تثنية، مثل: "اشتري الأسودين"، فما هو الأسودان؟ كلمة "الأسودين" بالنسبة لك مبهمة.

فلما فسرتها فقلت لك: اشتري الأسودين؛ التمر والماء. كلمة "الأسودين" إيضاح بعد إبهام؛ لأنها فسرت وأوضحت ما المراد بالأسودين.

وعلى ذلك فقص، ومنه التوشيح؛ أي في آخر الجملة تورد أيها المتكلم مثنى، تريد تثنية مضمون هذه التثنية، ثم تفرد مضمون هذه التثنية بعد ذلك بالتنصيص عليه. السيوطي انبسط في هذا؛ لأن المسألة تتعلق بالأحاديث النبوية، فأكثر فيها. قال: «من الإيضاح بعد الإبهام التوشيح».

وكلمة التوشيح في أصل اللغة، ما معنى التوشيح؟ قال: هو لف القطن المندوف، يعني تأتي بالقطن هكذا المبعثر وتلفه وتكوره على طريقة من الطرق. واصطلاحاً، ما يهمنا هو الاصطلاح: ما معنى التوشيح؟ قال: أن يؤتى في آخر الكلام بمثنى يفسر باسمين ثانيهما معطوف على أولهما. وقال في المصباح -من صاحب المصباح ابن الناظم-: قال هو مأخوذ من الوشيعه، وهي الطريقة في البرد.

إذا اختلفوا في أصل هذه الكلمة؛ فالبعض قال التوشيح هو لف القطن، والبعض قال: لا، هو مأخوذ من الوشيعه، وهي الخط أو التطريز الذي يكون في البرد. وسيمثل له السيوطي بقوله ﷺ: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: الحرص وطول الأمل»، وهذا رواه البخاري من حديث أنس. وقوله ﷺ: «عليكم بالشفائين: العسل والقرآن». وعلى ذلك فقص، ولا أريد استهلاك الوقت في ذكر الأمثلة؛ اقروها أنتم لأنها واضحة.

وقال عبد الباقي اليمني -وهي إضافة جديدة وهو أحد أئمة البلاغة-: قد يجيء هذا النوع (التوشيح) في آخر العجز وفي آخر الصدر معاً. هنا بدأ البلاغيون يتفنون ويتوسعون في استقراء موضوع التوشيح. مثلاً، عند استقراء الأبيات، نجد أحياناً التوشيح يرد في صدر البيت وفي عجزه؛ الصدر هو الشطر الأول والعجز هو الشطر الثاني. وقد يأتي التوشيح في البيت الواحد في صدره وفي عجزه معاً.

مثال ذلك: فما زلت في ليلين شعر وظلمة ... وشمسين من خمر ووجه حبيبِ في البيت الأول قال: «فما زلت في ليلين»، والليلين شيئان أسودان، هما الشعر والظلمة؛ فإن الشعر أسود والظلمة سوداء. وأيضاً «وشمسين»، ثم فسر ما المراد بالشمسين؛ اعتبر الخمر شمساً، فشمسين الأولى هي الخمر، وشمسين من خمر ووجه حبيبي الذي تجالسه. فهذا مثال على التوشيح في الصدر وفي العجز.

قال عبد الباقي اليمني: وقد يجيء بدل المثنى المعطوف بعدهما معطوف. يعني التوشيح له أساليب؛ أحياناً لا يأتي مثنى ثم يفسر بمثنى معطوف، بل يأتي بمفردين ثم يفسرهما بمعطوف. مثال ذلك: لله ليلتنا إذ صحباي بها ... بدرٌ وبدرٌ سماوي وأرضي قال: لم يقل «صحبني بدران»، كان بإمكانه بطريقة التوشيح الأصلية أن يقول «صحبني بدران»، هما بدر السماء وبدر الأرض، لكنه قال «بدر وبدر»، فك التثنية؛ قال: «بدر وبدر»، ثم فسر ما هو البدر الأول وما هو البدر الثاني: «بدر سماوي» وهو البدر الذي في السماء، و«بدر أرضي» وهو المحبوب.

وهذا نوع ثالث، وقد يفسر المثنى بمفرد مضاف وبعده مفرد مضاف أيضاً. مثال ذلك: ومتى تساهم الوصال ودوننا ... يومان: يوم نوى ويوم صدودي «ودوننا يومان»، سيُفسر ما هما اليومان، قال: «يوم نوى ويوم صدودي». كان يريد منها الوصال لكنها لم تجب، لأن بينه وبينها يومين: يوم النوى والبعد، ويوم الصدود والإعراض. فهنا فسر المثنى بتركيبين إضافيين. طبعاً هذه مجرد قضية استقرائية؛ ليس فيها شيء عظيم، وإنما يريد أن يعطيك كيف يمكن أن يأتي التوشيح بصور متعددة، فاليومان فُسرا بصورة المضاف في الأول والمضاف في الثاني.

وقال: «ولم أرَ من ذكر هذه الفروع غيره»، يعني هذه الفروع لم يذكرها إلا عبد الباقي اليمني، وهذا سياتي معنا؛ فمن الواضح أن عبد الباقي اليمني كان يحب هذه التوسعات في ملاحظة الأمور وتتبعها. وفي آخر المنظومة أكثر ذكر هذا الرجل رحمه الله، حيث قال السيوطي: «وبقي فرع لم أرَ من نبه عليه».

وهو هذا الفرع الجميل الذي استنبطه السيوطي: أن يؤتى بمثنى ومثنى، ثم بأربع مفردات؛ اثنان يشرحان الأولين واثنان يشرحان الآخرين. الأمر سهل، كحديث: «تعوذوا بالله من عذابين وفتنتين». لاحظوا أن كل أنواع التوشيح ضابطها هو الإيضاح بعد الإبهام. في هذا الحديث: «تعوذوا بالله من عذابين وفتنتين»، هناك مثنى أول ومثنى ثانٍ، ثم شُرح المثنى الأول ثم شُرح المثنى الثاني؛ فقال: «عذاب جهنم وعذاب القبر»؛ هذا شرح للمثنى الأول، و«فتنة الدجال وفتنة المحيا والممات»؛ هذا شرح للمثنى الثاني.

أقول مثلاً: جاءني صديقان وحبيبان، وأشرح منهما الصديقان: محمد وزيد، ثم أشرح منهما الحبيبان: فلان وفلان. هذا المثال الذي ذكره هنا في مسند الفردوس هو حديث ضعيف جداً، ولكن لا يعترض المثال إذ قد كفى الفرض والاحتمال. ومثال آخر: «سنداً أحلت لنا ميتتان ودمان»؛ هذا حديث مشهور، ميتتان ودمان، ثم شرح الميتتين قال: «السمك والجراد»، وهذا شرح للميتتين، و«الكبد والطحال»؛ هذا شرح للدمين. رُوي الحاكم وغير الحاكم. هذا أول نوع من أنواع الإطناب (الإيضاح بعد الإبهام)، ويندرج تحته التوشيح.

هكذا نكون انتهينا من النوع الأول، ثم قال: «وذكر خاص بعد ذي عموم منبها بفضله المعلوم». سنشرح الآن نوعاً ثانياً من أنواع الإطناب، وهذا قرأناه في الأبيات، فقال: من أسباب الإطناب أيضاً نوع ثانٍ ما يسمى... وهذا مهم جداً أن تفهموه لأنه يرد في القرآن.

كثيراً ما يسمى بماذا: عطف الخاص أو ذكر الخاص بعد العام، وعكسه أيضاً ذكر العام بعد الخاص. إيش يعني ذكر الخاص بعد العام؟ أن تأتي بذكر شيء عام، ثم بعد ذلك تنص على فرد من أفراده. فأقول: جاء الطلاب، جاء زيد؛ ويكون زيد واحداً من الطلاب. فهنا أولاً أنا ذكرت مجيء الطلاب عموماً، ثم نصصت على مجيء واحد منهم على وجه الخصوص.

طبعاً هذا متى أفعله؟ إذا كان في مزية لهذا الطالب، كونه هو الذي انتظر حضوره، أو أكثر إنسان متميز في حاجة متعلقة به؛ لأنه لا تذكر الخاص بعد العام إلا إذا في تميز لهذا الخاص. فهذا ما يسمى بعطف الخاص على العام، أو ذكر الخاص بعد العام. قال: «وذلك للتنبيه على فضل الخاص، حتى كأنك جعلته ليس من جنس العام، بل كأنك جعلته جنساً مستقلاً». كيف؟ قال: «تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات».

فكان، أليس العطف يفيد التغاير؟ لما أقول: جاء الطلاب وزيد، العطف يفيد التغاير، فعطف زيد على الطلاب كأنه يشير إلى أنه جنس آخر مستقل عنهم. عرفت؟ فأنا وظفت قضية التغاير في الحصول على المعنى البلاغي. هذا هكذا ذكاء العرب؛ وظفوا التغاير الذي يفيده العطف في تحصيل المبالغة في الاهتمام بالشيء وإظهار فضله. شوف قديش قدر اللغة العربية ومرونتها في مثل هذه السياقات.

مثال ذلك: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238]. الصلاة الوسطى مش هي من ضمن الصلوات، فلماذا ذكرها على سبيل الخصوص وعطفها عليها؟ والعطف كأنه يقتضي المغايرة للاهتمام والدلالة، أن الصلاة الوسطى خطيرة ومهمة، وهي صلاة العصر عند الجمهور.

ثم قال: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]. جبريل وميكال مش من الملائكة؟ لماذا ذكرهم على سبيل الخصوص؟ لأنهما أسياد الملائكة؛ تنبيهاً على شأنهما، أو لأن أكثر ما وقع الاستهزاء أو التهكم بهما، فخُصما بالذكر أنه هذول منهم.

﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: 104]. موطن الشاهد؟ فكروا. أحسنت؛ الأمر بالمعروف هو شكل من أشكال الخير، و﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾، مش الأمر بالمعروف هو شكل من أشكال الدعوة إلى الخير؟ فلماذا نص عليه؟ لأهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنص عليه باعتباره أهم صور الدعوة إلى الخير.

ثم قال السيوطي: «ومنها عكسه». إيش يعني ومنها عكسه؟ أن يذكر العام بعد الخاص، عكس الصورة السابقة. أقول: جاء زيد والطلاب؛ فذكرت زيداً ثم ذكرت الطلاب بعد ذلك، وهذا فيه تقديم للخاص على العام لأهمية الخاص، فذكرته أولاً. قال: «ومنها عكسه ذكر العام بعد الخاص كما زدته». يعني هذه الفكرة لم يذكرها القزويني وإنما زادها السيوطي. لذلك وماذا قال في النظم: «وذكر خاص بعد ذي عموم، منبهاً بفضله المعلوم». أي ذكر الخاص بعد العام، ما فائدته؟ التنبيه على فضل هذا الخاص، كعطف جبريل وميكال على الملائكة.

أشار إلى الآية التي قرأناها قبل قليل، قلت: «وعكسه»، جلى؛ قلت إذاً الآن السيوطي سيضيف فكرة لم يذكرها القزويني، شو هي؟ أن العكس أيضاً من صور الإطناب. طب ما هو العكس؟ ذكر العام بعد الخاص، عكس الصورة السابقة. ما مثال ذلك؟ قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: 28].

هو ولمن دخل بيتي مؤمناً مش داخل تحت المؤمنين والمؤمنات؟ والوالدان مش داخلان تحت المؤمنين والمؤمنات؟ فلماذا ما قال ابتداءً وخلص، يعني ريحنا وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ويدخل فيه الوالد والوالدة ولمن دخل بيته؟ التنصيص على الوالد والوالدة في احترام وتقدير وتنبيه بالفضل؛ فأنا أريد أن أخصهما بالذكر ثم بعد ذلك أدخلهما تحت العموم. ﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾، وهذا من جميل دعائه، وهو أنك تخص بالدعاء من يزورك ومن يحتفي بك؛ فهو ذكر الوالدين باعتبار أنهما أعظم شيء، ثم ذكر كل من يحتفي بك ويزورك ويكرمك، ثم ذكر المؤمنين والمؤمنات على العموم، فهذا ذكر عام بعد خاص.

بسم الله، من صور الإطناب أيضاً -انتهى الآن إذا من هاتين الصورتين- من صور الإطناب وهي من أكثرها اهتماماً، ويجب أن تهتموا بها جداً، قضية التكرار. التكرار معروف، التكرار في الجمل هذا كثير جداً؛ سورة الرحمن كم مرة ذكر فيها ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾؟ 31 مرة، هذا إطناب.

فالتكرار أحد أبرز صور الإطناب، ولا يكون التكرار إطناباً إلا إذا كان له فائدة. أما أن تكرر شيئاً بدون فائدة، هذا ليس إطناباً، هذا يسمى تطويلاً أو حشواً، لأنه إحدى الجملتين تكون زائدة. فيقول: «ومنها أي ومن صور الإطناب التكرير»، والتكرير يجب يكون لنكتة، يعني لفائدة، ما في تكرير هكذا على مزاجك، لابد أن يكون لنكتة وفائدة. وقد بينت نكتته، يعني القزويني في التلخيص لم يذكر هذه النكتة، السيوطي هو الذي ذكرها لتفهمها، وذلك: «كالتاكيد للإنذار».

أول فائدة من فوائد التكرار أن أؤكد الإنذار وتخويف. ناخذ المثال في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 4-5]. الآن لماذا ربنا سبحانه وتعالى قالها مرة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ثم ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾؟ ألا تكفي الأولى؟ قالوا: الثانية هي تكرار، فما فائدته؟ فائدته تأكيد الإنذار ليزداد السامع خوفاً، هو وعيد للكفار الذين يحاربون الله ورسوله؛ ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ ثم ﴿ثُمَّ كَلَّا﴾، يعني اصبر، سترى الويل، نسأل الله العفو والعافية.

إذاً: «كالتاكيد للإنذار» في قوله، أو لغيره؛ عندك في أحد في نسخته عبارة أخرى: «وذلك كالتاكيد للإنذار في قوله ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ أو لغيره». يعني أو أن يكون التكرار للتاكيد ليس للإنذار، بل التاكيد لغير مقصد الإنذار، يعني التاكيد عموماً لأي فكرة أخرى تريد أن تؤكدها.

التكرار إما لتأكيد الإنذار ومثل بالآية، ثم قال: «أو لغيره»، يعني أو لتأكيد غيره؛ مثال تأكيد غيره كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: 17-18]. أنت تلاحظ أن الجملة الثانية هي الجملة الأولى. طب لماذا كرر هنا؟ قالوا: للتأكيد. هنا التأكيد هل هو لإنذار شخص وتخويفه؟ لا، الخطاب أصلاً كان موجهاً للنبي ﷺ ولكل من سيقرأ إليه عن يوم القيامة. يعني كان السيوطي يريد أن يقول إن التكرار هنا لتأكيد عظمة ذلك اليوم.

جلالة، وليس المقصود منه بحد ذاته الإنذار، وإن كان في حقيقته يصعب أن نقول إن الإنذار لا يظهر في هذا السياق؛ لأن التخويف من يوم الدين أليس هو أيضًا فيه إنذار؟ فعني لو مثل بمثال آخر قد يكون أكثر وضوحًا وجلاءً، لكن هنا كان السيوطي يقول هنا لا يوجد إنذار باعتبار أن المخاطب الكل: المسلم والكافر، وكل من على وجه البسيطة، «ما أدراك ما الدين؟». ثم ما أدراك؟ فالتكرار لتأكيد عظمة ذلك اليوم، وليس المقصود الأبرز الإنذار.

إذا أراد أن يقول ليس المقصود الأبرز الإنذار فممكن، لكن لا نقول إن الإنذار ليس حاضرًا أبدًا؛ لأنه حاضر بشكل من الأشكال، فإن التخويف من يوم القيامة هو إنذار لما سيحصل فيه. ثم قال: «ويكون أيضًا لزيادة التنبيه على ما ينفي التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول». قد أقوم بالتكرار لزيادة التنبيه إذا كان هناك تهمة ستوجه إليه، فأنا أكرر حتى أنفي هذه التهمة، فإذا نفيت هذه التهمة كان كلامي أدعى للقبول عند السامعين.

نأخذ مثالًا يتضح المقال: قال مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾، ثم قال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾، ثم قال في الآية التي تليها: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾، ثم بعد صفحة قال: ﴿وَيَا قَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾. لماذا يكرر النداء؟ لماذا كل مرة يقول: «يا قومي، يا قومي، يا قومي»؟ لماذا يكرر النداء؟ ما فائدة هذا التكرار؟

لما هو أظهر الإيمان أصبح محطًا لقومه، أن هذا الشخص ليس منا وسيحب ولا يريد إخلاص النصيحة، لما هو أظهر الإيمان وعرف أنه مؤمن أصبح في موطن التهمة، فحتى ينفي عن نفسه تهمة عدم المصداقية في النصيحة استعمل أسلوب التكرار: «يا قومي، والله إنكم قومي، والله إنكم قومي». هذا التكرار يجعل هناك انتفاءً للتهمة عن أنه يغش، ويجعلهم أكثر قبولًا لكلامه ولدعوته التي يدعو إليها. فهذا معنى أن التكرار قد يوظف لنفي التهمة عن النفس أمام السامعين مما يجعل السامع أكثر تقبلًا لنصيحتك وكلامك، فلذلك كرر: «يا قومي، يا قومي، يا قومي». جميل، هذه الفكرة حقيقة.

هذه نكتة أخرى من نكت التكرار. التكرار طبعًا أحبابنا كثير من الطلاب يقول التكرار، وهذا خطأ، التكرار تفعال بفتح التاء. وأحيانًا قد يكون التكرار لطول الكلام؛ لكي لا يجيء مبتورًا ليس له طلاوة، يعني ما له حلاوة، راحت حلاوته. ما معنى هذا الكلام؟ أنه أحيانًا قد أبدأ بذكر شيء ثم استطرد، فإذا أردت أن أكمل الفكرة بعد الاستطراد، يعني أريد أن أرجع، يحسن أن أعيد ذكرها وأكررها مرة أخرى. يعني أنا الآن أتكلم عن امرئ القيس فرضًا في قصيدة، شوي استطردت ورحت على المتنبي وذكرت أبا تمام، خلصت من الاستطراد وأريد أن أرجع أتكلم عن امرئ القيس؛ يحسن بي أن أعيد أصل الفكرة حتى أربط السامع مرة أخرى بأصل الفكرة التي كنا فيها، لا أكمل مباشرة، لا، أكرر أصل الفكرة حتى أربط السامع فيها مرة أخرى ليصبح الكلام مرتبطًا أجزاء بعضها ببعض ولا تشعر أنه منقطع.

شوف، هذا في القرآن موجود، ننظر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾. ها، شوف مرة أخرى، الآية بدأت: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، ما أعطاك خبر؟ مباشرة كان بإمكانه يقول: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، بس تشعر أن «غفور رحيم» انقطعت، ففي مسافة بينها وبين «إن»، فتشعر أنه لازم ينعاد مرة أخرى، «إن» مع اسمها لازم تكرر حتى تشعر بارتباط الكلام: «إن ربك من بعدها لغفور رحيم».

مثلاً في سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ...﴾ ما عرفوا كفروا به. ها، شو أول الآية؟ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، أين جواب الشرط؟ صار استطرادًا. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فرجع ربنا أعادها مرة أخرى مش بنفس الألفاظ بس قريب: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ... كَفَرُوا بِهِ﴾. فكفروا به، ما ربطها بجملة الشرط الأولى، أعاد جملة الشرط مرة أخرى بسبب وجود الاستطراد. فهذه فكرة جميلة، أنه إذا أنت شرعت في جملة ولم تكملها وحصل استطراد، فإذا أردت أن تكملها عليك أن تعيدها مرة أخرى.

ونفس الشيء، قال: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ﴾. شوف: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ﴾، فهي فكرة ماذا؟ تكرار «أنكم» مرتين. طيب قال: أو تنويه من المقاصد، أو تنويه بشأن المذكور، بشأن الشيء الذي ستذكره أو الشخص الذي ستذكره. التنويه يعني بيان رفعة شأنه. كلما سألوا عما هو الكرم فقال: «إن الكريم ابن الكريم، إن الكريم ابن الكريم، ابن الكريم». فلاحظوا كيف كرر، ما قال يوسف عليه السلام وانتهى. لا، تعمد التكرار؛ هذا حديث طويل لما سألوهم عن الكرم، أو عن أي المعادن، أي معادن القبائل خير؟ فأجاب بعدة إجابات منها: «الكريم ابن الكريم، ابن الكريم». كان بإمكانه يقول مباشرة: «يوسف عليه السلام» بدون هذا التكرار، الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، اللي هو يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم، مش كان بإمكانه يختصر؟ لكن لا، لم يختصر، وإنما كرر. لماذا هذا التكرار؟ ليعلم من شأن يوسف أنها سلالة نقية بعضها من بعض، فهذا تكرار فائدته التنويه.

وكذلك قول أبي الطيب وهو يمدح أحد الأمراء زمانه: العارضُ الهتَّنُ ابنُ العارضِ الهتَّنِ ... ابنِ العارضِ الهتَّنِ حتى قال أحد الشعراء لهذا البيت: قال لو أن القافية لم توقف المتنبي، لصار إلى يوم القيامة وهو نازل: «ابن العارض الهتن، ابن العارض الهتن». العارض هو السحاب المليء بالخير، والهتن هو الغزير، فهو يريد أن يصف هذا الأمير أنه معطاء، فيقول أنت المعطاء، بس ما قال المعطاء، استعمل الاستعارة، قال أنت السحاب المليء بالعطايا الغزير في مطره، ابن المعطاء الكثير المعطاء الكثير، ابن... فبضع هو بده يمدح، يمدح أبوه وجده وجده، فجزى الله القافية خيرًا أن أوقفت المتنبي. تمام، فهذا التكرار يعني باختصار، ما فائدته هذا التكرار؟ ما فائدته؟ إعلاء شأن هذا الرجل، أنه هو كريم ابن كريم.

من مقاصد التكرار التلذذ بذكر الشيء الذي تكرره، كقولك أو كقول الشاعر: سقى الله نجداً والسلام على نجد، ويا حبذا نجد! على النأي والبعد كم مرة كرر "نجد" ثلاث مرات لأنه يتلذذ بذكرها. لذلك ممكن أن نأخذ هذا بعيداً عن قضايا حب الأرض، ممكن نأتي مثلاً لذكر الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. مع أنه كان بإمكانك أن تقول: سبحان الله والحمد له ولا إله إلا هو وهو الأكبر؛ بإمكاني استعمال الضمير، لكن أنت لماذا تذكر اسم الله في كل تسبيحة؟ تعظيماً وتلذذاً بذكر الاسم الكريم: سبحان الله، والحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر. فهذا ذكر في سياق واحد من باب التردد.

قال: ومنها إيقاع الجزاء نفس الشرط، نحو قولهم: "من أدرك الصميم فقد أدرك"؛ أي أدرك مرعى ليس بعده مرعى. هذا كأنه مرعى كان يمدح الحيوانات التي ترعى فيه، اسمه الصميم، الحيوانات التي ترعى فيه يكون مرعاها جيداً، فيقول: من أدرك الصميم فقد أدرك.

طيب، من يعطيني مثالاً آخر على التكرار؟ أنه يكون جواب الشرط نفس فعل الشرط، هذا من صور التكرار. قال: أن يقع جزاء الشرط نفس جملة الشرط. حديث مشهور ما يحتاج تفكيراً كثيراً، حديث مشهور جداً كان فيه جواب الشرط نفس فعل الشرط، يعني كرر الجواب، كررت جملة الشرط في جملة الجواب: ﴿فَمَنْ كَانَ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 218]. حديث «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله.

أين التكرار؟ كرر جملة الشرط فوضعها جواب الشرط، وهذا له فوائد حقيقية، وهو كأنه يقول: يكفيه شرفاً أن من كانت هجرته إلى الله ورسوله قصداً، يكفيه شرفاً أنها سجلت هجرة إلى الله ورسوله عند الله سبحانه وتعالى. يعني يكفيك أنه اسمك هاجر إلى الله ورسوله؛ من كان قصده الهجرة إلى الله ورسوله يكفيه أنه اسمه هاجر إلى الله ورسوله، هذا بحد ذاته شرف.

تمام، فهذه الفكرة واضحة. أيضاً مثل هنا قال: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]. يعني لا تظهر. هذه الآية كيف اعتُبر جواب الشرط وتكرار لجملة الشرط؟ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل؛ يعني إن لم تبلّغ. كان لا بد أن يأتي في أول الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل؛ ماذا معناها؟ هي التبليغ، يعني وإن لم تبلغ فما بلغت. هذا معنى الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل، يعني وإن لم تبلغ ما أنزل إليك من ربك.

ما جواب الشرط؟ "فما بلغت ما أنزل إليك من ربك"؛ تشعر أن جواب الشرط هو نفسه جملة الشرط؛ إذا لم تبلغ فأنت لم تبلغ. أكيد هذا له معنى بلاغي، ما فائدة هذا التكرار؟ فيقول: ﴿فَقَدِ ارْتَكَبْتَ أَمْراً عَظِيماً﴾. اللي هي نفس الفكرة التي قلناها قبل قليل؛ إذا أنت لم تبلغ الرسالة، فيكفي أن نقول إن الجريمة أنك لم تبلغ الرسالة، يعني يكفي هذا جرماً أن اسمك ما بلغت الرسالة.

كيف؟ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فيكفيه شرفاً أنه اسمه هاجر إلى الله ورسوله، نفس الشيء ولكن بالعكس؛ ليست شرفاً بل هي جرم، إذا لم تبلغ الرسالة يكفيك جرماً أنه اسمك ما بلغت الرسالة. شوف هذا الأسلوب العالي كيف يجب أن تتذوقه وأنت تنظر في هذه المعاني.

سأقف عند هذا القصد حقيقة، والباقي نكمله في محاضرة قادمة لأن مقاصد التكرار كثيرة، ولسه لنا فيها مشوار، والدرس تجاوز الأربع وثلاثين. الأخوة، أتوا درس المعلقات، إن شاء الله نصلي العصر ونشرع في درس المعلقات بإذن الله.