الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقد فيه مدارسة عقود الجمان في علم المعاني والبيان للعلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى عليه. شرحنا في المجلس السابق في تأصيل مفهوم المساواة والإيجاز والإطناب، وعرفنا الفرق بين هذه المفاهيم وبين مفهوم التطويل والحشو والإخلال.
الآن سيبدأ رحمه الله تعالى بالتفصيل أكثر وأكثر، والغوص في هذا الباب في صور الإطناب وفي صور الإيجاز، حتى عن المساواة. وسيبدأ بالكلام عن المساواة باعتبارها هي الأساس، فسيذهب إلى النسخة الأخرى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]. هذه الآية في كتب البلاغة عادة تذكر مثالاً على ماذا؟ على المساواة؛ ألفاظها مساوية لمعانيها. واعترض طبعاً، هل هذا المثال متفق على أنه مساواة؟ في اعتراضات، ما من مثال إلا في العادة في مناقشات. قال: واعترض على هذا المثال بأن فيه إيجازاً، أي أن هذا ليس مثالاً للمساواة، بل مثال للإيجاز. ما هي الألفاظ المحذوفة التي يمكن بناء عليها أن نقول إن هنا إيجازاً؛ أي قلة ألفاظ عن الألفاظ الأصلية؟ في لفظة محذوفة، قالوا: نعم، المستثنى منه؛ لأن التقدير: ولا يحيق المكر السيء بأحد إلا بأهله، فهذا استثناء مفرغ، إذاً المستثنى منه محذوف، إذاً في شيء من الإيجاز. صح في نوع من المنطقية في هذا الطرح.
والبعض قال: لا، ترى في إطناب أيضاً، في العكس، في لفظة زائدة لفائدة. ما هي اللفظة الزائدة لفائدة؟ قوله: (السيء)؛ لأن المكر لا يكون إلا سيئاً، فذكر السيء بعد المكر هذه فائدة، زيادة فيها فائدة. والأصل لو قال: ولا يحيق المكر إلا بأهله، لكانت العبارة مكتملة. لكن اعترض آخرون: أن الله سبحانه وتعالى ورد في الآيات ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]، هل مكر الله سيء؟ طيب كيف المكر لا يكون إلا سيئاً؟ إذا قلنا بمعنى يسوء المنكور به نعم، فمكر الله بهذه المعنى أنه يسوء المنكور بهم، نعم يصح أن يقال إن مكر سيء من هذا المنظور، وليس باعتباره هو كفعل فإنه سبحانه لا يفعل إلا ما هو خير. فتبقى قضية إذا المكر لا يكون إلا سيئاً باعتبار المنكور بهم، نعم، أن المكر بطبيعته يلحق السوء بالمنكور بهم، لكن هناك مكر يلحق السوء بالمنكور بهم ظلماً، وهناك مكر يلحق السوء بالمنكور بهم عدلاً، وما يفعله الله عدل؛ لأنه على سبيل المجازاة والمقابلة.
وأجاب الشيخ سعد الدين التفتازاني في المطول عن الأول، وهي قضية الإيجاز؛ أنه هل فعلاً في إيجاز بحذف المستثنى منه؟ قال بأن هذا الحذف للمستثنى منه إنما هو رعاية لأمر لفظي، لا يفتقر إليه تأدية أصل المراد. يعني رأي الشيخ سعد الدين التفتازاني أن ذكر المستثنى منه هنا أو عدم ذكره لا يعتبر من قبيل الإيجاز؛ لأنه لو لم أذكر المستثنى منه هنا، لا يعتبر هذا إيجازاً، لأن طبيعة هذا السياق؛ طبيعة الاستثناء المفرغ أنه لا يذكر فيه المستثنى منه أصلاً. فهو يقول: بالعكس، لو ذكرت المستثنى منه فيما قصد أن يكون استثناءً مفرغاً، لكان إطناباً أو حتى تطويلاً. فبقول لك: إنك تقول إنه هذا فيه إيجاز لأن المستثنى منه غير مذكور، سعد الدين التفتازاني يقول لك مش دقيق؛ هو يقول لك لأن ذكر المستثنى منه هنا ليس هو الأصل، بل هذا رعاية لأمر لفظي، وإلا أصل المعنى يؤدى بهذه الألفاظ بالتمام، وذكر المستثنى منه بالعكس سيكون هنا إما إطناباً أو تطويلاً لا معنى له، فكيف يكون حذفه إيجازاً؟ فهمتم وجهة نظر سعد الدين التفتازاني؟
ثم مثل في الإيضاح مثالاً آخر للتسوية بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]. هذا مثال آخر ذكر أنه ما في لا زيادة ولا نقصان، جاي بالتمام مساوي. لكن البعض ناقش قال لك: لا، المثال فيه ضبط، ليه؟ شو فيه محذوف؟ شو فيه زيادة؟ قال: فيه حذف موصوف (الذين)؛ لأن التقدير: وإذا رأيت الأقوام أو الرجال الذين، فالذين اسم موصول صفة لموصوف محذوف وهم الرجال أو الأقوام، إذاً فيه إيجاز. كيف تقول إنه مساواة؟ فبالتالي أنت ما في مثال، صدقني لن تجد مثالاً إلا وفيه نقاش من كلام البلغاء، إلا وستجد فيه نقاشاً: هل هذا يعتبر إيجازاً ولا مساواة؟ لأنك إما أن تجد شيئاً محذوفاً أو مقدراً أو لا تلاقي لك شغلة من هذه الشغلات، فبتصير هنا نوع من النسبية.
أما الإيجاز فضربان، بعد أن انتهى من ذكر المساواة سينتقل إلى ذكر الإيجاز. قال: وأما الإيجاز فضربان، للايجاز ضربان: ما هو الضرب الأول؟ قصر، إيجاز القصر، قصر قد خلا من حذف شيء. باختصار الإيجاز نوعان: إيجاز قصر وإيجاز حذف. نبدأ بإيجاز القصر، قال: وأما الإيجاز فضربان. النوع الأول ما يسمى بإيجاز القصر، وهو ما ليس فيه حذف، يعني ما في كلمة محذوفة في السياق، في إيجاز، أنت استعملت ألفاظاً أقل من عدد الألفاظ الطبيعي، لكنك لم تعتمد على حذف لفظة من السياق، لا، أنا من البداية أتيت بألفاظ كاملة، لكن مجموعها أقل من مجموع الألفاظ الطبيعي لأداء هذا المعنى، فهنا هذا النوع من الإيجاز هو أنك استطعت بألفاظ محدودة أن تعبر عن المعنى التام الذي يحتاجه بالوضع الطبيعي ألفاظ أكثر، بدون أن تقوم بحذف شيء من السياق؛ لا حذفت موصوفاً ولا صفة ولا مستثنى، لم تحذف شيئاً، وإنما أنت ابتداء اعتمدت على قدراتك اللغوية، فأتيت بألفاظ أقل لإيصال المعنى التام. هذا يسمى إيجاز القصر، وهو ما ليس فيه حذف.
النوع الثاني ما يسمى إيجاز الحذف. إذاً الإيجاز إما إيجاز قصر وإما إيجاز حذف. قال: فمثال الأول الآية الشهيرة قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]. لماذا هذا يعتبر إيجازاً ومن إيجاز القصر؟ قال: فإن معناه كثير، لو قلت لك اشرحها، اخطب عنا خطبة جمعة، ولكم في القصاص حياة، كيف أن القصاص يحقق الحياة المجتمعية والأمن المجتمعي، ستعطيني خطبة عصماء عن هذه الآية، فإن الآية معناها كثير وإن كانت ألفاظها عشرة ألفاظ. قال: فإن معناه كثير ولفظه يسير، لأن معناه أن الإنسان إذا علم، شوف هذا المعنى، أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل، كان ذلك داعياً إلى ألا يقدم على قتل الآخرين، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع هذا القتل حياة لهم. وليش كل هذا المعنى عبر عنه بخمسة ألفاظ (ولكم في القصاص حياة). قال: وليس فيه حذف شيء؛ يعني هل هذه العبارة ولكم في القصاص حياة فيها حذف؟ حياة مبتدأ مؤخر، ولكم خبر مقدم، وفي القصاص جار ومجرور، طبعاً هنا ممكن البعض يقول لك في حذف، وهو ماذا؟
متعلق الجار والمجرور؛ لأنه لكم لا بد أن تكون متعلقة بمحذوف هو الخبر، التقدير: حياة كائنة لكم في القصاص. لكن ماذا سنحقق؟ سنجيب بكلام سعد الدين التفتازاني، أن هذا الشيء ذكره أو عدم ذكره مستوٍ، بل المتعاهد عليه أن الكون العام لا يذكر. إذاً في حذف لكن هذا الحذف غير مؤثر، وهذا سنستفيد منه أن الحذف غير المؤثر لا يعتبر من إيجاز الحذف، إذا حذفت شيئاً الأصل أنه لا يذكر، مثل المستثنى منه في الاستثناء المفرغ قبل قليل. إذا حذفت شيئاً هو الأصل أنه محذوف، الوضع الطبيعي، فلا يعتبر هذا من الإيجاز؛ لأن الإيجاز أن تتعمد حذف شيء في العادة يذكر، شوف هذه كلمة مهمة جداً في هذا السياق، الإيجاز هو أن تحذف كلمة في العادة تذكر، أما أن تحذف لي كلمة هي في العادة لا تذكر، كالكون العام الذي يتعلق به الجار والمجرور، فهذا لا يعتبر من قبيل الحذف الذي يتكلمون عنه هنا.
إذاً ليس فيه حذف شيء، خلينا نقول حتى تكون عبارته دقيقة: ليس فيه حذف لشيء معتبر حذفه، هكذا أحسن؛ أنه في حذف لكنه للكون العام، والكون العام لا يذكر في الأصل، فحذفه ليس مؤثراً، فالاصل أن نقول ليس فيه حذف لشيء معتبر حذفه. قال: وفضلت هذه الجملة، هذه الجملة (ولكم في القصاص حياة) لما قارنوا بينها وبين جملة مشتهرة عند العرب وهي قولهم: القتل أنفى للقتل، وجدوا أن التعبير القرآني أعلى من التعبير العربي. القتل أنفى للقتل، العرب هم قصدوا نفس الفكرة عموماً، القتل أنفى للقتل، شو معناها؟ إنه إذا اقتص من القاتل فهذا يقلل من عملية القتل في المجتمع. لكن أي العبارتين أبلغ؟ (ولكم في القصاص حياة) ولا قول العرب (القتل أنفى للقتل)؟ هنا عقد مقارنة طويلة، قال: وفضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في أداء هذا المعنى. أوجز ما قالته العرب: القتل أنفى للقتل. لماذا (ولكم في القصاص حياة) أوجز؟
قال: أولاً بقله الحروف، ما يقابله منه وهو (القصاص حياة)، أوه هو قلة الحروف ما رح تجي على الآية، لأن الآية بالتأكيد حروفها (ولكم في القصاص حياة) أكثر من حروف (القتل أنفى للقتل)، لكن لو اختصرنا الآية في كلمتين: (القصاص حياة) وخلينا هذا هو الذي خلاص الآية القرآنية. القصاص حياة، أي الآن هو بده يقارن بين (القصاص حياة) وبين (القتل أنفى للقتل)، مش رح يقارن بلفظ الآية نفسها، هو سيأخذ (القصاص حياة) ويقارنها بينها وبين (القتل أنفى للقتل). فقال بقله الحروف، فإن (القصاص حياة) حروفها عشرة، و(القتل أنفى للقتل) كم حروفها؟ 14، ممتاز. أيضاً شوف المزايا للقصاص حياة، قال وبالنص على المطلوب صراحة، (القصاص حياة)، الذي هو الحياة، فيكون هذا أزجر عن القتل والعدوان، بينما القتل أنفى للقتل، أنت لم تصرح بالمطلوب صراحة وإنما فهم ضمناً أن قلت: القصاص أنفى للقتل، وإذا انتفى القتل حصلت الحياة، فالحياة الحاصلة مفهوم ضمناً من القتل أنفى للقتل، لكن مفهوم صراحة من قولك القصاص حياة، فهذا أبلغ في الإيجاز. إذاً وبالنص على المطلوب الذي هو الحياة في القول كالقصاص حياة، ولم ينص عليه صراحة وإنما فهم ضمناً من قولك القتل أنفى للقتل.
وبما تفيده تنكير كلمة حياة، لما قال سبحانه (ولكم في القصاص حياة)، التنكير هنا يدل على ماذا؟ تعظيم من مقاصده التعظيم، حياة عظيمة، لذلك نكرها، قال وبما يفيده تنكير حياة من التعظيم، وهذا مفقود في القتل أنفى للقتل. قال وبوجود الطباق، الطباق هو أن تجمع بين لفظتين متضادتين في نفس السياق، القصاص حياة، القصاص يعني الموت، كأنك قلت الموت حياة، هذا يسمى طباقاً، سيأتي معنا في البديع هذا يسمى إيش طباق، بينما القتل أنفى للقتل ما استعملت أنت محسناً بديعياً، فش فيها طباق، استعملت نفس اللفظتين، قتل وقتل. وبمطالعة، صح، أفعل التفضيل تحتاج بعدها إلى (من) والمفضل عليه، تقول: محمد أجمل من سعد، محمد أفقه من عمر، إذاً هنا في أفعل التفضيل، أفعل التفضيل تحتاج بعدها إلى (من) الجارة والمفضل عليه، طيب أين هي؟ أنت قلت (القتل أنفى للقتل)، من إيش؟ من عدم القتل، فإذاً (من) والمفضل عليه محذوف وضمناً، ففي حذف.
وباستغلال بينما في (القصاص حياة) في شيء محذوف معتبر بخلاف القتل أنفى للقتل، من والمفضل عليه محذوف. وبخلوها (القتل أنفى للقتل) في تكرار كلمة القتل، كررت مرتين، صح الأولى غير الثانية بس في النهاية تكرار لفظي، قال: ولا شك أن الخالي عنه، أي عن التكرار، أفضل من المشتمل عليه، وإن لم يكن هذا مخلاً بالفصاحة، ولهذا قيل في قول الشاعر: وكان العذار في حمرة الخد، العذار وهو الشعر الذي على جانبي الخد، وكان العذار في حمرة الخد على حسن خدك المنعوت، صولجان من الزبرجد معطوف على أكره من.
الخد هو يشبه العذار على وجه أحمر، وكأنه زبرجد على ياقوت؛ لأن الألوان متشابهة. فالمهم أين موطن الشاهد؟ تكرار كلمة الخد؛ قال: «وكان العذار في حمرة الخد على حسن خدك»، فكرر كلمة الخد في الشطر الأول والشطر الثاني. هذا ليس مخلًّا بالفصاحة، لكنه ليس في أعلى درجات القوة، لا يعتبر في أعلى درجات القوة. هذا البيت من أحسن ما وصف به شعر العذار، أحسن بيت وصف به هذا البيت لولا ما فيه من تكرار لكلمة الخد. فعمومًا هو يريد أن يوصل أن القتل فيه تكرار، بينما القصاص وحياة ليس فيه تكرار.
لفظه إياه بالاضطراب؛ إذ القصاص مطلقًا -أي من أوجه التفضيل- أن القصاص مطلقًا هو سبب في الحياة، بخلاف القتل فإنه قد يكون أنفى للقتل وقد يكون أدعى له، كالقتل ظلمًا. يريد أن يقول: إن كلمة القصاص هذه لا تطلق إلا على ماذا؟ على أخذ حقك من القاتل، فيكون القصاص فعلًا حياة؛ لأن القصاص ليس إلا قتلًا عادلًا. لكن لما تقول القتل أنفى للقتل، كلمة القتل البعض ممكن يفسرها بالقصاص، بس هي في النهاية فيها نوع من العموم. عندما تقول القتل أنفى للقتل، القتل الأول قد يكون قصاصًا وقد يكون فيه توسع؛ يعني كلمة القصاص كلمة مفصلة على قتل القاتل، وأما القتل أنفى للقتل، كلمة القتل الأولى ليست مفصلة على قتل القاتل، بل قد يتوسع في الثأر فيقتل غير القاتل. فالقصاص واضح أنه فعلًا دائمًا هو حياة، لكن هل القتل دائمًا أنفى للقتل؟ لا، أنت قد تتوسع في القتل الأول فلا يكون أنفى للقتل، بل بالعكس يكون مردوده سلبيًا ويزيد القتل بالقتل. فيقول لك العبارة الأولى أوضح. وبأمر أوصلها بهاء الدين السبكي في عروس الأفراح إلى عشرين فضلًا لقوله تعالى في القصاص حياة على قول العرب القتل أنفى للقتل، عشرون فرقًا يفضل هذه العبارة على هذه العبارة.
لذلك نقرأ الأبيات، ماذا قال هو في منظومته؟ في طبعًا هذا مثال على ماذا؟ على إيجاز القصر، لماذا سمينا ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] إيجاز قصر؟ ألفاظ محدودة ليس فيها حذف معتبر، أوصلت معاني كثيرة، أوصلت معاني كثيرة، فهذا إيجاز وقصر. قال: «ضربان للإيجاز قصر قد خلا من حذف شيء، ما مثاله آية القصاص، فقد حوت مزايد اختصاص على الذي أوجز ما فيه شهر». فقد حوت مجموعة من المزايا التي خصتها وميزتها على قول العرب، أي حوت مزايا اختصاص على أوجز ما اشتهر عن العرب في أداء هذا المعنى. فما هو أوجز ما اشتهر عن العرب في أداء هذا المعنى؟ قولهم: القتل أنفى للقتل. ذكر قولهم القتل أنفى للقتل، كيف هذه المزية؟ بين لماذا آية القصاص أعلى من هذا الذي هو أوجز ما اشتهر عن العرب؟ أولًا بقله الحروف، فلو قارنا بقله الحروف، القصاص حياة أقل بقله الحروف. والنص على مطلوبه الذي هو التصريح بالحياة، والنص على مطلوبه، والتنكير جلى، وتنكير كلمة حياة جلى تعظيمًا، جلى يعني أظهر، أظهر تعظيماً، وبالطبع عن التكرير، هناك ما فيش تكرار قصاص حياة، هناك القتل أنفى للقتل في تكرار لكلمة القتل.
هكذا نكون شرحنا هذه الأبيات. الآن إيجاز القصر، الطيب في التبيان قسمه إلى ثلاثة أقسام، سيذكرها لنا، وإن كان في الحقيقة ليس بذاك الشيء العظيم، لو استغنى عن ذكره لما احتجنا إلى حقيقته، لكن ما دام ذكر نحتاج إلى أن نعرف ما هي الأقسام التي قسم إليها الطيبي إيجاز القصر. قلت: هي من إضافات السيوطي هذه، لم يذكرها القزويني أصلًا. قلت لقد قسم في التبيان -التبيان هو كتاب الطيبي- ذا، اسم إشارة لهذا النوع من الإيجاز، يعني هذا النوع من الإيجاز وهو إيجاز القصر، قسمه صاحب التبيان إلى كم قسم؟ قال إلى ثلاث، كل قسم يحتذى حذوًا معينًا: أولًا أن يقصر اللفظ على معناه قصراً يرى، فقد الذي ساواه وزائد المعنى على المنطوق إيجاز تقدير مع التضييق يسمى إيجاز تقدير ويسمى تضييقًا كما سيأتي معنا، والجامع الفضوة والمعاني كآية العدل مع الإحسان.
هذه الأبيات بين فيها السيوطي أن الطيبي قسم إيجاز القصر إلى ثلاثة أنواع. شو هي الأنواع الثلاثة؟ قال قسم الطيبي في التبيان الإيجاز الخالي من الحذف -الذي هو إيجاز القصر- إلى ثلاثة أقسام: أولًا إيجاز قصر، وهو أن يقصر اللفظ على معناه، أو أن يقصر اللفظ، خلينا نقول أن يقصر اللفظ على معناه. شو معنى أن يقصر اللفظ على معناه؟ أن يكون اللفظ مساويًا للمعنى الذي أداه، وهذا هي نفسها المساواة، فلذلك قالوا الطيبي مثل السكاكي لم ينص على المساواة، وإنما ماذا فعل؟ طبعًا مثل ابن الأثير خلينا نقول أحسن، أن السكاكي نص على المساواة لكن لم يعتبرها منزلة مستقلة، المهم الطيبي جعل المساواة صورة من صور إيجاز القصر، هذا منهج الطيبي. عان تعرف ليش أحيانًا بعض الكلام هذا مفيد، حتى إذا قرأت في كتاب بلاغة آخر تعرف أنه في بعض التقسيمات يختلف فيها عالم عن عالم، وهذا يحتاج منك يا طالب العلم أولًا تضبط الأصل، لازم يكون عندك أصل تنطلق منه حتى إذا قرأت في كلام علماء البلاغة الآخرين تعرف في ماذا خالفوا الأصل الذي عندك. فالطيب واضح أنه جعل المساواة صورة من صور إيجاز القصر، فقال الصورة الأولى من إيجاز القصر هو أن يقصر اللفظ على معناه، يعني تأتي بألفاظ مساوية للمعنى.
ومثل بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 30-31]، قال جمع من أحرف العنوان الكتاب. يعني هنا ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين، هذي هي الخلاصة التي يريد أن يحكيها سليمان لبلقيس، وأتى بألفاظ مساوية لها: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قالوا حفاظ على قدر المعنى لا زيادة ولا نقصان، وهكذا قالوا جمع في أحرف العنوان الكتاب، وقيل في وصف بليغ كانت الفاظه قوالب معناه. يعني الإيجاز بصورته الأولى التي هي صورة المساواة، وهو أن يكون اللفظ مساويًا للمعنى تمامًا، كيف يعبر عنه؟ يعبر عنه جاءت ألفاظه قوالب معاني. هكذا يعبرون عن المساواة؛ ما كانت ألفاظه مساوية لمعانيه، خلص أنت جبت الألفاظ وكل لفظ هو قالب للمعنى الذي انحط فيه وخلصنا، ما في زيادة ولا نقصان. قلت يقول السيوطي: وهذا رأي من يدخل المساواة في الإيجاز، السيوطي واضح لك هذا الكلام الذي حكاه الطيبي هو على رأي من يرى أن المساواة صورة من صور الإيجاز وليست حالة مستقلة.
الحالة الثانية التي ذكرها الطيبي إيجاز التقدير، ما يسمى بإيجاز التقدير، قال وهو أن يقدر معنى زائد على المنطوق، يعني على الألفاظ الموجودة، أن تقدر معنى زائدًا على المنطوق أي على الألفاظ التي نطق بها، ويسمى أيضًا له اسم آخر غير إيجاز التقدير، يسمى التضييق، وهكذا سماه ابن الناظم في المصباح -ابن الناظم ابن مالك في كتاب المصباح أو أحد كتب البلاغة المشهورة- سماه تضييقًا؛ لأنه نقص من الكلام، نقص من الكلام أي من الألفاظ، ما صار اللفظ أضيق من المعنى، يعني أنت كأنها ألفاظ قليلة ومعاني كثيرة، فكأن الألفاظ أضيق من المعاني فسماه تضييقًا. مثل له بقوله تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275]. الآن وين التقدير وهو أن يقدر معنى زائد على المنطوق في قوله فله ما سلف؟ شو يعني فله ما سلف؟ الآن من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف هذا ذكره الله في الربا لما حرم الربا، ايش قال فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. الآن وين موطن الشاهد؟ قال فله ما سلف معناها أي ما مضى من الربا قبل التحريم له، لا عليه، أي لن يحاسبك الله عليه، فهي لك لا عليك، زيادة لا عليك هي زيادة، إحنا فاهمينها من المعنى من السياق، لكنها زائدة على المنطوق، هي غير ملفوظ بها، أليس كذلك؟ فيقول السيوطي: أي خطاياه غفرت، فهي له لا عليه. لا عليه هذه ليست مذكورة في السياق كمنطوق لكنها مفهوم كمعنى، فهنا هذا مثال على إيجاز تقدير؛ لأنك قدرت معنى زائدًا على المنطوق، قدرت ماذا؟ لا عليه، هذا أنت قدرته كمعنى بس هو ملفوظ؟ لا، هو قال فله ما سلف، يعني لا عليه. هذه لا عليه هي زيادة في المعنى أنت زدتها ولكنها ليست منطوقة في الآية، فهذا يسمى إيجاز تقدير أو يسمى تضييقًا.
وكذلك مثل بقوله تعالى ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، ما معنى أن نقول إن القرآن هدى للمتقين؟ على وجهة نظر الطيبي أنه الآن هو يقول لك المتقي لا يحتاج إلى هداية، فكيف نقول إن القرآن هدى للمتقين؟ فيقول معنى المتقين هنا الضالين الذين سيصيرون إلى التقوى ويبحثون عنها، فهو هدى للمتقين، يعني هدى للضالين الباحثين عن التقوى. طبعًا هذا الكلام سنناقش فيه لأن حتى الإنسان المتقي يحتاج إلى هداية مستمرة، بس أنا أريدك أن تفهم وجهة نظره، أنه هو يقول لك أن القرآن كيف يكون هدى للمتقي؟ المتقي خلص وصل فلا يحتاج إلى هداية، وإنما الهداية يحتاجها من الضال الذي يبحث عن التقوى، الضال الذي يبحث عن التقوى، أليس كذلك؟ فيقول إذا الآية فيها ماذا؟ في معنى زائد على المنطوق لازم تقدره، شو هو هذا المعنى؟ قال التقدير الضالين الصائرين بعد الضلال إلى التقوى، هؤلاء يكون القرآن هدى لهم. فتقدير هذا المعنى الضالين الصائرين إلى التقوى، هذا أنت هو مش منطوق، أنت تريد أن تزيده وتقدره، فهذا كله يعتبر من إيجاز التقدير. قدرت؛ لماذا سمي إيجاز تقدير يا مشايخ؟ قدرت معنى زائدًا على المنطوق، ولماذا سمي تضييقًا؟ لأن الألفاظ أضيق من المعاني، كيف واحد لابس جاكيته أضيق من حجمه، تمام؟ يعني أنت حجمك كبير بس لابس جاكيت ضيق، تقول الجاكيت أضيق من جسمه، فالمعنى كجسم كبير، بس الثوب الذي لبسته إياه وهو اللفظ ضيق عليه.
وقال بعضهم في رجل بلغه عنه كلام قبيح: الحمد لله الذي أحوجني إلى الكذب علي ونزهني عن قول الحق فيه. يعني الشيخ محمد بلغه أنه في واحد عم يستغيبه ويبهته، بيحكي عنه أشياء مش فيه، في واحد بيحكي عن الشيخ محمد أشياء مش فيه، فمحمد بجملته البليغة شو قال؟ قال الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب علي ونزهني عن قول الحق فيه. شو معنى هذا الكلام؟ أي الحمد لله الذي جعلني محسودًا له، حسدني هو وحسده وغيظه مني جعله يكذب علي، ومع هذا نزهني أن أقول ما فيه من العيوب؛ يعني لو أنا بدي أحكي الحق الذي فيه والذي هو العيوب التي فيه ما خلصت، بس الحمد لله الذي جعلني لا أنطق عن الحق -أي العيوب التي فيه- وجعله يكذب علي. الآن وين هون المعنى الزائد عن المنطوق؟ قضية الحسد، وأنه أنا محسود من هذا الشخص هي مش مذكورة في السياق، لكنها فهمت ضمنًا من قولك الحمد لله الذي جعله يكذب علي. طيب وليش كذب عليك؟ لأنه بيحسدك، لأنه بيحسدك، هذا معنى زائد نحن فهمناه من الألفاظ لكنه ليس منطوقًا فيها، ليس من منطوق الألفاظ، واضح يا جماعة؟
النوع الثالث الذي ذكره الطيبي ما يسمى بالإيجاز الجامع. إذا الطيبي قال إيجاز القصر ثلاث: المساواة وإيجاز التقدير. النوع الثالث من إيجاز القصر عنده شو؟ الإيجاز الجامع. شو هذا الإيجاز الجامع؟ قال وهو أن يحتوي اللفظ على معاني متعددة. طيب شو الفرق بين هذا والسابق؟ يلا مين يحكي لي شو الفرق بين قولنا إيجاز التقدير أن يقدر معنى زائد على المنطوق وبين قولنا في الإيجاز الجامع أن يحتوي اللفظ على معاني متعددة؟ شو الفرق بينهم الاثنين يعني؟ التقدير لازم تقدر عشان تفهم الكلمة، المعنى هنا تفهمه بس تقدر تطلع معاني زيادة من نفس اللفظ، يعني تقدر تفهمه بدون تضيف هذه المعاني، لكنه أنت حاول، بس أنت ألفاظك التي تؤدي بها أفكارك ليست قوية، باختصار أحبابنا، في إيجاز التقدير أنت قدرت معنى خارج عن إطار الألفاظ، فهمته من السياق زي الحسد؛ هسة الحسد هو مش مذكور أبدًا ولا يوجد لفظ يتكلم عنه، لكنه معنى زائد قدر من المنطوق، يعني المنطوق جعلني أقدر هذه المعاني الزائدة. لكن في الإيجاز الجامع، لا، أنا هنا نفس اللفظة هي تحتوي في داخلها على معاني كثيرة، أنا عم بحصل وأخذ منها، مش عم بقدر معنى زائد على المنطوق، لا، أنا عم بستعمل المنطوق لأحصل من كل لفظة منه معاني كثيرة، وهذا قوة في فهم القرآن، أنه يأتي عالم نفس اللفظة أنا آخذ منها معنيين، بيجي ابن تيمية ممكن يأخذ منها ألف أو مئة أو مئتين، هذا برضو إيجاز، أن تكون اللفظة لو بحبش فيها، بحبش بحبش تطلع.
هذا إيجاز الجامع؛ وهو أن اللفظة في مضمونها محشوة معانٍ كثيرة. أما إيجاز التقدير، فلا؛ هنا المعاني أنا لم أحصلها من اللفظة، بل هي معنى زائد عن الألفاظ الموجودة، لكن هذه الألفاظ الموجودة المنطوقة هي التي أخبرتني أنه في معنى زائد بدك تقدره في السياق؛ ليس معنى جواتنا، لا، هو معنى مجموع الألفاظ يجعلك تتطلبه وتخبر عنه، ولكن الألفاظ نفسها ليست هي التي دلت عليه باعتبار كل لفظة لفظة.
فهمتم شو الفرق بين الإيجاز الجامع وإيجاز التقدير؟ فإيجاز التقدير، عفواً، ليس هو ما يقال عنه حمال أوجه؛ لا يدخل فيه. يدخل فيه أن القرآن حمال وجوه، وأن اللفظة الواحدة قد تدخل تحتها أربع خمس ست معاني، يدخل تحت الإيجاز الجامع. انظروا بماذا مثل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]. هذه يقال إنها أجمع آية في الأمر والنهي. أجمع آية في الأمر والنهي هذه الآية، مع أن ألفاظها قليلة، قال: لكن كل كلمة منها تستطيع أن تحصل منها العديد من المعاني؛ فالعدل وتطبيقاته، والإحسان وتطبيقاته، وإيتاء ذي القربى وتطبيقاته، والفحشاء وما يدخل تحتها من صور المعاصي، والمنكر وما يشمل من صور المعاصي. اللفظة مليانة معاني باختصار، فبقول لك هي موجزة بس أي نوع من أنواع إيجاز الجامع؟ أنها ألفاظ قليلة وكل لفظة معبأة بالمعاني في داخلها.
يقول السيوطي: قال فإن العدل هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، المومأ به، يعني المشار به، إلى جميع الواجبات؛ فجميع الواجبات هي داخلة تحت كلمة العدل، فالصلاة والزكاة والصيام والحج كلها مشمولة تحت كلمة العدل، وجميع الواجبات في الاعتقاد والأخلاق والعبودية العملية. وكذلك الإحسان يدخل تحته الإخلاص، الإحسان هو الإتقان، طب الإتقان شو مجالاته في الشريعة؟ الإتقان في واجبات العبودية لتفسيره في الحديث: «أن تعبد الله كأنك تراه»، أي تعبده مخلصاً في نيتك، واقفاً في الخضوع، آخذاً أهبة الحذر، إلى ما لا يحصى من المعاني التي يمكن أن تدخل تحت مفهوم الإتقان اللي هو الإحسان. وإيتاء ذي القربى هو زيادة على الواجب من النوافل، هذا يعني كل إيتاء ذي القربى أي أن تعطي زيادة على الواجب من أفعال الخير والإحسان، هذا كله يدخل تحت إيتاء ذي القربى؛ هذه القسم الأول في الأوامر.
طيب نيجي على النواهي في الآية: ﴿وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾، وفي الفحشاء أشار إلى جميع القوة الشهوانية وما ينتج منها، وبالمنكر إلى الإفراط الحاصل من آثار القوة الغضبية، بل يمكن أن نقول إن المنكر يشمل كل محرم شرعاً.
العدل والإحسان من طاعة الله شيئاً إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه. وروي أيضاً في ابن شهاب في المعنى في الصحيحين: «وبعثت بجوامع الكلم»، قالوا: إن جوامع الكلم أن الله تعالى يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، ولذلك يعني جوامع الكلم التي يعطيها النبي صلى الله عليه وسلم هي تندرج تحت أي نوع من أنواع الإيجاز؟ الإيجاز الثالث: الإيجاز الجامع؛ أنه ألفاظ قليلة معبأة بمعاني كثيرة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ إلى آخره، قال: فإنها جامعة لمكارم الأخلاق، لأن في خذ العفو التساهل والتسامح في الحقوق واللين والرفق في الدعاء إلى الوالدين، وفي الأمر بالعرف كف الأذى وغض البصر وما شاكل لهما من المحرمات؛ فهو أيضاً يقول لك: لو نظرت في آية ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ستجدها أيضاً من الإيجاز الجامع؛ لأنه خذ العفو يدخل تحته العديد من الصور، وأمر بالعرف كل معروف يدخل تحته، إلى آخره، قال: وخذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، والإعراض عن الجاهلين يشمل تحته الصبر والحلم والتودد، والآيات القرآنية والأحاديث النبوية مشحونة بذلك.
هيك بنكون خلصنا من النوع الأول من أنواع الإيجاز. خلص، طبعاً كلام التبيان ذكرناه على الهامش. خلص نرجع لكلام السيوطي والقزويني: أن الإيجاز نوعان؛ إيجاز قصر لا يحذف منه شيء، النوع الثاني من الإيجاز إيجاز الحذف، وهو المبني على أنك حذفت كلمة من السياق، حذفت كلمة طبعاً مع العلم بالمحذوف لدى السامع؛ فقال: والثاني النوع الثاني من أنواع الإيجاز إيجاز الحذف، قال:
والثان ذو الحذف فما قد حذف مضاف أو موصوف أو ما وصف أو شرط أو جوابه حصر عوني أو يذهب السامع كل ممكن قلته وموصول ووصل وهكذا جزئه أضاف وثانيها خذ وذو تعلق مع المجرور والعطف والمعطوف والتفسير والحال والمبدل والمستثنى وجزء كلمة وحرف معنى أو جملة مسبباً أو سبباً كقوله فانفجرت أي ضرب أو فوقها فارس يوسف ومنه ما لا ينوب عما يحذف وقد ينوب ثم عقل قد يدل عليه والتعيين مقصود يحل أو عادة أو اقتران أو شروع في الفعل بسم الله مثل في الفروع هذا سهل جداً؛ لذلك ذكره تباعاً.
قال: الضرب الثاني هو إيجاز الحذف، وهو إيجاز مبني على الحذف، يعني فكرة الإيجاز بنيت على أنك حذفت شيئاً، ما هو الشيء الذي يمكن حذفه من الجملة؟ أشياء كثيرة عددها لك. قال الشيخ بهاء الدين السبكي: لا يقال إيجاز القصر فيه أيضاً حذف لكلام؛ لأن إيجاز القصر يؤتى فيه بلفظ قليل يؤدي معنى لفظ كثير، وأما إيجاز الحذف فيترك فيه شيء من ألفاظ التركيب الواحد مع إبقاء غيره بحاله. شو يعني هذا الكلام؟ هو أراد أن يعطيك شو الفرق بين إيجاز القصر وبين إيجاز الحذف، لأن البعض بخربط بينهم أو ما زال عنده مشكلة؛ أن بقول لك: يا عم حتى إيجاز القصر ألست أنت اختصرت الألفاظ؟ فإذاً في حذف، كيف تقول أن إيجاز القصر ما في حذف؟ بقول لك: لا يا عمي، أنت مش فاهم شو الفرق بين إيجاز القصر وإيجاز الحذف؛ إيجاز الحذف أنه أنا في التركيب النحوي اللفظي أحذف أجزاء من التركيب مستغنياً بذكر أجزاء أخرى عنه؛ فأحذف المضاف استغناءً بالمضاف إليه، أحذف الموصوف استغناءً بالصفة؛ فإيجاز الحذف أنا حذفت شيئاً من التركيب إغناءً بوجود شيء آخر في التركيب يدل عليه.
وأما إيجاز القصر، أنا لم أحذف شيئاً من التركيب، لا؛ أنا ابتداءً أتيت بألفاظ مركبة تركيباً تاماً، لكنها أقل من الألفاظ التي يحتاج إليها لو أردت أن آتي بالمساواة. فهمت فرقاً بين أن أقول: إنه أنا أتيت بألفاظ لا حذف بينها لكنها قليلة تؤدي معنى ألفاظ كثيرة، وبين أن أقول: لا، أنا أتيت بألفاظ لها تركيب معين وقصقصت من أجزاء التركيب؛ حذفت الموصوف، حذفت الصفة، حذفت شوي من هون، حذفت شوي من هون، حتى حصل الإيجاز، فيقول لك: هذا شيء وهذا شيء آخر، واضح الفرق بين النوعين؟ فهنا أراد أن يبين الفرق؛ يقول بهاء الدين السبكي: لا يقال، يعني إياك أن تقول أن إيجاز القصر فيه أيضاً حذف لكلام كثير فلماذا قلتم أن إيجاز القصر لا حذف فيه؟ قال: لأن إيجاز القصر يؤتى فيه بلفظ قليل يؤدي معنى لفظ كثير، بس هذا اللفظ القليل أنا ما حذفت، ما قصقصت منه، لا هو ابتداءً يعني جاء باكيت كامل، يعني عبوة كاملة بهذه الطريقة. وأما إيجاز الحذف فهو يترك فيه شيء من ألفاظ التركيب، يعني صار في قصقصة، حذفت المستثنى، حذفت المضاف، حذفت جزئية الإضافة، حذفت جملة، صار في قصقصة، نعم، مع إبقاء غيره على حاله، يعني أبقيت شيئاً من الألفاظ وقصصت شيئاً من الألفاظ؛ هذا الفرق بين إيجاز الحذف وإيجاز القصر.
طيب الآن سيقول المحذوف في إيجاز الحذف، أما ماذا؟ قد يكون جزء كلمة، قد تكون أحرفاً من كلمة، ممكن قد تكون كلمة كاملة، قد تكون جملة، وقد تكون أكثر من جملة، يعني المحذوف أنواعه كثيرة في إيجاز الحذف؛ قد تكون جزء كلمة، قد تكون كلمة، قد تكون كلمتين مضاف ومضاف إليه، قد تكون جملة كاملة، قد تكون مجموعة جمل، كله متصور. نجيء الآن سريعاً نقرأ الأمثلة لأنه هو ذكرها سرداً في المنظومة؛ الآن نأخذها مع الأمثلة.
قال: والأول، سيبدأ على مثال على حذف كلمة، سنبدأ بحذف كلمة أو جزء كلمة. مثال على حذف الكلمة؛ أما أن يحذف المضاف ويبقى المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، شو التقدير؟ واسأل أهل القرية. المضاف محذوف وبقي المضاف إليه، لاحظوا القصقصة، فهذا حذف. ولكن: ﴿وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، وين المضاف المحذوف؟ أيضاً ولكن ذا البر من آمن؛ لأنه أصلاً ما بيضبط تقول البر من آمن، بتحسها مش راكبة معك، صح أنت نفسك بتحس في كلمة محذوفة، كيف يعني البر من آمن؟ المراد صاحب البر من آمن، فلازم أقدر كلمة ذا التي بمعنى صاحب، فهذا مثال على حذف المضاف.
طيب نأتي على حذف المضاف إليه؛ قال كما رويت في قوله وثانيها خذها حذف المضاف إليه، لم يذكره القزويني، أضاف السيوطي، لذلك أضافه بعد أربعة أبيات، مثال ذلك: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾، تمام، كل في فلك، وين المضاف إليه محذوف؟ كل الأجرام في فلك، المضاف مذكور والمضاف إليه محذوف، كل الأجرام، نعم، كل ملازمة للإضافة، منا لازم بعدها مضاف إليه يا مذكور يا محذوف، فهنا المضاف إليه محذوف. طيب نفس الشيء: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾، قبل وبعد أيضاً بعدها مضاف إليه هنا محذوف؛ لله الأمر من قبل الغلبة ومن بعد الغلبة، فالمضاف قبل وبعد.
طيب أحياناً قد يكون المضاف والمضاف إليه كلهم محذوفين، المضاف والمضاف إليه معاً كقوله تعالى في كلام السامري: ﴿مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ فقبضت قبضة من أثر الرسول، ماذا يذكر المفسرون هنا؟ من أثر حافر فرس الرسول، فكلمة حافر فرس محذوفة تماماً من السياق، لكنها مقدرة حافر فرس؛ لأنه هو قبض من أثر حافر فرس جبريل، فكلمة حافر فرس وهي المضاف والمضاف إليه محذوفة ومقدرة في السياق، هذا مثال على حذف كلمتين.
وهو معنى قوله من زيادة أيضاً جزء الإضافة، أي قد يحذف جزءا الإضافة، يقصد بجزء الإضافة في النظم المضاف والمضاف إليه. ثم قال: وقد يحذف الموصوف وتبقى الصفة كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾، مبصرة نعت لمنعوت محذوف، التقدير وآتينا ثمود الناقة آية مبصرة، فمبصرة موصوفها محذوف وهو كلمة آية. وكذلك قول الشاعر: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني مشهور هذا البيت هو ايش يقول؟ أنا ابن رجل جلا، أنا ابن رجل، وهذا قلت لكم الشعر الجاهلي كثير، أن الشاعر يذكر الصفة ويحذف الموصوف، هذا كثير في الشعر الجاهلي وفي كلام طرفة وغيره مما مر معنا. أحياناً تحذف الصفة والعكس، يعني تحذف الصفة ويبقى الموصوف كقوله: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، ايش التقدير؟ يأخذ كل سفينة معيبة، مش هيك قدروها؟ وماء التفسير هو لا، يأخذ كل سفينة صالحة عفواً، يأخذ كل سفينة صالحة وليس كل سفينة معيبة، يأخذ كل سفينة صالحة؛ لأنه هو شو بده في السفن المعيبة؟ بده السفن الصالحة.
أو شرط كما تقدم في آخر الإنشاء، أي مر معنا في آخر باب الإنشاء أنه أحياناً قد يحذف الشرط ويبقى جواب الشرط أو العكس، قال: أو يحذف الشرط كما تقدم في آخر باب الإنشاء، تقديره أو يحذف جوابه؛ يعني إما أن يحذف الشرط ويبقى الجواب أو يحذف الجواب ويبقى الشرط، لماذا؟ قال لمجرد الاختصار، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، شو الآية اللي بعدها؟ ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، طب أين جواب الشرط الأول؟ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون، محذوف، التقدير جواب الشرط وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون أعرضوا؛ جواب الشرط ما هو أعرضوا محذوف، هذا إيجاز حذف، اسمه إيجاز حذف.
وأنا قلت لكم ترى إخواني تفسير القرآن تفسيراً صحيحاً يعتمد على قدرتك على فهم إيجاز الحذف في القرآن، القرآن هناك قسم كبير منه إيجاز حذف، قدرتك على إظهار وين المحذوفات في الجمل هذا راح يخلي النص أو الرؤية تكتمل أمامك تمام. طيب انتبه على الوقت شيخ عمر، تمام قبل ما تنام طيب أي أعرضوا. قال: وأما لقصد أن يذهب السامع كل مذهب ممكن، فلا يتصور مطلوباً أو مكروهاً إلا ويجوز أن يكون الأمر أعظم منه بخلاف ما لو اقتصر على ذكر شيء منه؛ شو يعني؟ اه أحياناً ربنا سبحانه بيذكر الشرط وبحذف الجواب عشان يخليك تسبح في الجواب في احتمالات متعددة، وكل احتمال تفرضه في احتمال يكون ما هو أسوأ منه وكل احتمال تفرضه هناك ما هو أسوأ منه يمكن أن يفرض؛ فهذا من جميل البلاغة أن يحذف الشرط أو جواب الشرط، وهذا الكلام ربما لجواب الشرط بالتحديد، أن يحذف جواب الشرط ليذهب السامع كل مذهب ممكن، شو يعني؟ يعني ليسبح في تفكيره ماذا سيكون جواب الشرط، فيصبح السامع المتدبر للقرآن بيفرض أكثر من جواب، وكلما افترض جواب بفرض أنه ممكن يكون في.
جواب أعلى من هيك ممكن يكون أصعب، ممكن يكون الأمر أكثر خوف. شوف المثال: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27]. هذا كله لسه جملة الشرط، شو جملة جواب الشرط؟ ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ وقالوا هذا الكلام، التقدير: لرأيت شيئاً عجباً. هذا هو جواب الشرط، الجواب الشرط مش مذكور في الآية؛ لأنه هي الآية أتت بجملة الشرط، وبعدين بل بدل وهم كانوا يخفون.
طب وين جواب الشرط؟ يعني لو رأيت هذا ماذا سأرى؟ هنا جواب الشرط محذوف حتى يذهب السامع في تفكيره في جواب الشرط مذاهب فظيعة. لو رأيت هذا المشهد وهم يقولون هذا القول: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾، لرأيت شيئاً فظيعاً مهولاً، أدعو لك أنت أن تقدره. كأن الله قال: أدعو لك أنت أن تقدر جواب الشرط لكونه فظيعاً مخوفاً رهيباً. تمام؟ فهذا مثال على هذا.
إي نعم، تفضل حبيبنا. أحسنت، الموقف جميلاً بهياً، ما ذكر ماذا حصل بينه وبينها، لكن هذا قد يكون من باب الصيانة والحفظ أنه ما أراد أن يفحش فما أخبر ماذا فعل بعد الركام العقنقل، وقد يكون من باب أن يذهب السامع كل ممكن.
ننتقل إلى فكرة أخرى، قال: وقد يحذف الاسم الموصول وهو وما بعده من زيادات، ومثله الطيبي والشيخ بهاء الدين السبكي بقوله مثال على حذف اسم الموصول: ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. التقدير: ومن هو سارب بالنهار، ومن بمعنى الذي، يعني الذي هو مستخف بالليل والذي هو سارب بالنهار. هل قال: والذي هو سارب بالنهار؟ لا، أنت بدك تقدرها، فهذا مثال على حذف اسم الموصول.
قلت: وخرجوا عليه قول هرقل الروم لما قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: هذا يملك هذه الأمة قد ظهر الآن، وورد هذا في بعض الألفاظ أن هرقل ملك الروم ماذا قال؟ هذا يملك هذه الأمة قد ظهر، في كلمة محذوفة، هذا الذي يملك هذه الأمة قد ظهر، فكلمة الذي محذوفة.
نعم، قد يحذف العكس، قد يحذف صلة الموصول ويبقى الاسم الموصول فقط. مثال ذلك قال السكاكي والطيبي: جاء بعد اللتيا والتي، وهذا كثير ما يقول: حصل هذا الشيء بعد اللتيا والتي. اللتيا تصغير التي، وهذا من التصغير الشائع، طبعاً الآن هذا من أمثال العرب، لما يكون الشيء حصل بعد حفلة وبعد مشاكل وبعد أحوال وأهوال يقول لك: حصل هذا الشيء بعد اللتيا والتي. الآن هنا ذكر الاسم الموصول لكن لم تذكر صلته، لم يذكر صلة الموصول، الجملة التي تكون صلة الموصول لم تذكر؛ خلاص، للدلالة على أنه شيء رهيب ومشقات شديدة لا حاجة لذكرها، أي بعد الشدائد التي بلغت فظاعة مبلغاً يبهت السامع فلا يدري ما يقول.
أو قد يحذف المتعلق، قد يحذف المتعلق. مثال ذلك قال الطيبي: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا﴾ [مريم: 73] أين المتعلق؟ أي: أي الفريقين أبلغ في خير مقاماً من الآخر. مش قلنا أفعل التفضيل تحتاج إلى من والمفضل عليه؟ فهنا: أي الفريقين خير مقاماً من الآخر، هذا مش مذكور الذي هو المتعلق، أقيم المتعلق مقام متعلقه.
وقد يحذف الجار والمجرور. قال الطيبي مثال ذلك: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: 102]، شو التقدير؟ خلطوا عملاً صالحاً بسيء، وخلطوا عملاً آخر سيئاً بصالح، فهذا يسمى إيش؟ احتباك، قريب من فكرة الاحتباك التي ذكرناها قبل شوي. قلت: وهذا النوع المسمى بالاحتباك معنا في البديع.
طب قد يحذف أيضاً حرف العطف مع المعطوف، قوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: 26]، التقدير: والشر، لكن حذف الشر واقتصر على الخير لأنه أبهج أدباً مع الله. كذلك ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: 81]، التقدير: والبرد، إنه هي السرابيل هي بتحميك من الحر والبرد، فذكر الحر وترك البرد، فحذف حرف العطف والاسم المعطوف اختصاراً على أفضل الجنسين أو أعلاهما أو غيرهما. لذلك قال: أي والبرد.
قد يحذف التمييز، عند يقول لك الحذف هذا باب، قد يحذف التمييز، وهو المراد بقوله في المنظومة التفسير، إذا سيأتي مع قال التفسير، شو قصده بالتفسير؟ التمييز. كقولك: كم سرت؟ التقدير: كم سرت ميلاً أو كيلو أو ما شابه ذلك، فأنا قلت خلص: كم سرت؟ ما قلت لكش كم سرت متراً أو كيلو أو ميلاً، ما ذكرت التمييز استغناءً عنه.
قد يكون المحذوف حالاً: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ﴾ [الرعد: 23-24] التقدير شو؟ قائلين سلام، فقائل، وهو الحال محذوف اكتفي بالمقولة، بس هو التقدير: قائلين سلام.
وقد يحذف المبدل منه ويبقى البدل، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]، الكذب قالوا بدل للضمير المحذوف في تصف، لأنه تصف يحتاج إلى مفعول به وهو ضمير: ولا تقولوا لما تصفه ألسنتكم الكذب، فالكذب هو بدل من الضمير المفعول به المحذوف في تصف. وهذا يصح تصور، يعني إذا كان المبدل منه يحذف.
قد يحذف المستثنى نحو قولك: قبضت عشرة ليس إلا، أين المستثنى؟ حذفته أنت، قبضت عشرة ليس إلا، أو قبضت عشرة ليس غير، ليس غير ذلك مثلاً، حذفت كل المستثنى حقيقة وهو ذلك.
وتقدم حذف المسند إليه والمسند والفعل والمفعول، وين تقدم؟ في أحوالها، أحسنت، في أحوالها، يعني في باب المسند إليه تكلمنا عن حذف المسند إليه، في باب المسند حذف المسند، في المتعلقات ذكرنا حذف مفعول، فذكرها في بابه. ثم قال: وقد يكون المحذوف جزء كلمة، كالنون في قوله لم يكو، مش يكن، إذا جزمت كثيراً ما يجوز حذف نونها، لم يكو، فالذي حذف هنا النون فقط وهو جزء كلمة. والياء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: 4] في سورة الفجر، هي إيش أصلها؟ والليل إذا يسري بالياء، حذفت الياء هنا، طب لماذا حذفت مع أنه في جزم في شيء؟ أيوه، الفاصلة لـ الفاصلة.
وهنا شو قال؟ قال وسقر، هنا مكتوب المؤرج السدوسي الأخفش، هي المؤرج لازم تكون، يعني أنا حاسس فيها مشكلة هذه. وسأل المؤرج السدوسي العلامة الأخفش عن هذه الآية، لماذا حذفت الياء من يسري؟ فقال الأخفش: لا أجيبك حتى تنام على باب ليلى للأخفش، رايك رضي الله عنه. فالمؤرج هذا نام على باب الأخفش ليلة، فقال: إن عادة العرب... صحيح بعد الليل يعني الظاهر. فقال له الأخفش: إن عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه، شوف هذه الفائدة إن صحت، يعني عادة العرب إذا عدلت بالشيء أي باللفظ عن معناه الأصلي نقصت حروفه.
طب وين الشاهد هنا؟ قال: والليل لما كان بطبعه لا يسري، هل الليل بيمشي يا إخوان لا، وإنما كان يُسرى فيه، الذي يسري هو من كان داخل الليل وليس نفس الليل، سبحان الذي أسرى بعبده، فالنبي هو الذي سرى في الليل وليس الليل هو نفسه الذي يسري، فإسناد السريان لليل هذا إسناده أحسنت مجازي، إسناد السريان لليل مجازي وليس حقيقي، إنما الليل يُسرى فيه. قال: والليل لما كان لا يسري، شيخ تتأكد من... وإنما كان يُسرى فيه، نقص من حروفه حرف؛ لأنه قال: والليل إذا يسري، قال: يسري بالراء، لماذا؟ على رأي الأخفش أنه لما جعل الليل يسري وهذا مجاز وليس حقيقة، حذف من كلمة يسري حرفاً من حروفها للإشارة إلى المجاز.
هذا كلامه، قال كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 28]، الأصل باغية بتاء التأنيث لأنها مؤنثة، الأصل باغية، فلماذا قال بغي؟ قال: لما حولها عن فاعل، لأنه بغي هي فعول بمعنى فاعل، فعول بمعنى فاعل، فلما حولها من وزن فاعل باغية إلى وزن فعول، نقص منها حرفاً، فبده يعطيك أنه هذا أصل عام الأخفش، أن الكلمة إذا عدل بها عن أصل معناها، عدل نقص منها حرفاً، قال: وأشار إلى ذلك الطيبي.
وقد يكون المحذوف أيضاً -ننتقل لفكرة أخرى- قد يكون المحذوف حرفاً من حروف المعاني، كهمزة الاستفهام، وقد تكون واو العطف، وهذا كثيراً في الشعر ما تحذف واو العطف، وقد تكون رُبَّ ونحو ذلك، وهو كثير كثير هذا بالنسبة للأحرف.
ثم انتقل إلى حذف الجمل، وقد يكون المحذوف جملة أو عدة جمل. قال: والجملة قد تحذف، أما الجملة المحذوفة قد تكون إما سبباً للجملة المذكورة، ومثل لقوله تعالى: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ﴾ [البقرة: 60] التقدير: اضرب بعصاك الحجر فضربه فانفجرت، صح، الآن جملة ضربه محذوفة، وهي سبب للجملة المذكورة وهي الانفجار، الضرب سبب في الانفجار، فحذف الجملة السببية وأبقى المسببة.
وقد يحصل العكس، قد تحذف الجملة المسببة وتبقى السببية، مثال ذلك قال: أو مسبب عن مذكور يعني قد تحذف الجملة المسببة وتبقى السببية، مثال ذلك: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: 8] أين الجملة المحذوفة؟ التقدير: فعل ربك ما فعل ليحق الحق ويبطل الباطل، ففعل ما فعل هو ماذا؟ هو نتيجة، وأبقى السبب وهو ماذا؟ ليحق الحق، فإحقاق الحق هو السبب الغائي ما يسمى، يعني الغاية أن يحق الحق، فماذا أنتج إحقاق للحق أنه فعل ما فعل بالكفار من الهزيمة النكراء يوم بدر. تمام؟
ومثال الحذف لأكثر من جملة في سورة يوسف: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ [يوسف: 45]، ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: 46] واضح بين المشهد الثاني والمشهد الأول في حفلة، فأرسل فلقي يوسف فسلم عليه وسأله، بعدين قال يوسف: أفتنا، أكيد يعني في اختصار في المشهد، وهذا كثير في القصص القرآني أن تكون هناك جمل محذوفة كثير في القصص؛ لأن القرآن هو مش كتاب قصصي، فيحذف ما يستغنى عنه، وهذا يعتبر مثالاً على حذف الجمل.
فأرسلوا إلى يوسف ستعبر إلى آخره، ثم فاتوه فقال له: يا يوسف. ثم قد لا يقام شيء مقام المحذوف، الآن سيبدأ في فكرة أخرى، كم بقي؟ ثلاث دقائق خلص، لأنه هذه الفكرة بدها شوية تركيز، وهو أنه خلاصتها أن الشيء المحذوف قد يقام غيره مقامه وقد لا يقام غيره مقامه، تمام؟ فهي الفكرة محتاج أن يعرف ما هي الأشياء التي تدل على المحذوف وما قام مقامها من العقل والاقتران، فلم تكفِ ثلاث دقائق لشرحها، أتركها إن شاء الله للدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل