بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصل وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد نتاوله في مدارسة ألفية عقود الجمان في علم المعاني والبيان. نشرع بإذن الله في مجلس اليوم، وقد وصلنا إلى نهاية باب القصر، وصلنا إلى المسائل الختامية المتعلقة بختام باب القصر. وهذا الباب باب مهم جداً لطالب علم البلاغة؛ يعني باب القصر، وباب الإنشاء، وباب الفصل والوصل، الأبواب الأخيرة أبواب مهمة جداً، وفيها زخم من المعاني التي تفوت كثير من الطلبة لضعف الممارسة فيها.
أبواب المسند إليه والمسند والمتعلقات ربما كثير من أفكارها تمر معك وأنت تدرس كتب النحو، لكن هذه الأبواب؛ أبواب القصر، والإنشاء وأحكام الإنشاء، والفصل والوصل، والإيجاز والإطناب والمساواة، لا، هي أبواب نستطيع أن نقول تخصصية بعلم المعاني، ونادر جداً أن تصادف معانيها أو ما يتعلق بها من أحكام في علوم النحو. فأرجو الانتباه على هذه القضية.
إذاً، سنشرح إن شاء الله في المقطع الأخير من باب القصر وهو قول الناظم عليه رحمة الله: يجيء بين مبتدا وخخبرِ والفعلِ مع تعلقٍ للمصدرِ واخرَنْ ما عليه قد قصرْ مستثنياً مع الأداةِ وندرْ تقديمها دُياناً لانْ لا يلزمْ قصرُ الصفاتِ قبلَ أن تتممْ وأخّراً في إنما لئلاّ يعرضْ لبسٌ غيرِ مثلِ إلا في القصرِ والمنعُ من الجمعِ للا وإنما جا القصرُ في الذي خُلَا لأنّ نفيَ فارغِ الاستثناءِ موجهٌ إلى الذي يستثنى منه مقدّرا وعاماً ناسبَ تاليه جنساً فإذا ما أوجبْ، أو هكذا في بعض النسخ: أوجب تماماً. فإذا ما أوجب، وهذا هو الصحيح: فإذا ما أوجب بصيغة أو بضم الهمزة شيءٌ بإلا منه جاء قطْعاً ووضعُ ذي هناء أتمُّ صنعاً.
إذاً، هذه مجموعة من الأحكام الختامية، بعض المسائل المتفرقة المتعلقة بباب القصر يحسن بنا الوقوف عليها لنختم هذا الباب. يقول السيوطي عليه رحمة الله: يجيء بين مبتدا وخبرِ والفعلِ مع تعلقٍ للمصدرِ. نعم، خلص أعلق عليها بعد أن أنتهي إن شاء الله من هذا الفصل. هنا يتكلم: أين يأتي القصر في العادة في الجملة العربية؟ ما موقعه؟ أين يأتي القصر؟ يعني ما موقع القصر في الجمله العربيه؟
فيقول: القصر يجيء في العادة إذا كان في الجملة الاسمية يجيء بين المبتدا والخبر، وإذا كان في الجملة الفعلية فانه يأتي بين الفعل ومتعلقاته؛ بين الفعل والفاعل، بين الفعل والمفعول به، وقِص على ذلك. فأظن المسألة فيها شيء من السهولة، هذه ولكنها مهمة أن تعرف أين مواضع القصر في الجملة العربية.
فنقول: الجملة إما أن تكون جملة اسمية، وإما أن تكون جملة فعلية. تمام، إذا كانت جملة اسمية، فالقصر ياتي بين المبتدا والخبر، وإذا كانت جملة فعلية، فالقصر يأتي بين الفعل وأحد متعلقاته. واستثنى متعلقاً واحداً لا يأتي فيه القصر وهو المفعول المطلق الذي يقصد منه التوكيد.
المفعول المطلق الذي يقصد منه التوكيد، فإن المفعول المطلق كما درسنا في الألفية وقطر الندى له مقاصد؛ قد يكون المطلوب منه ماذا؟ التوكيد، وقد يكون منه بيان العدد، وقد يكون المقصود منه بيان النوع. فاذا كان المفعول المطلق للتوكيد قالوا: هذا العرب لا تأتي فيه بالقصر، فلا تقول: ما ضربت زيدا إلا ضرباً؛ الأصل هي ضربت زيداً ضرباً صح. فهل يجوز أن أقول: ما ضربت زيداً إلا ضرباً ويكون مقصدي التوكيد؟ قالوا: هذا لا يصلح.
فإذاً القاعدة العامة إذاً أن القصر يأتي في الجملة الاسمية، يأتي في الجملة الفعلية، وفي الجملة الفعلية ننتبه أنه لا يأتي بين الفعل والمفعول المطلق التوكيدي. يقول السيوطي عليه رحمة الله في تعليقه: القصر بين المبتدا والخبر، يعني القصر يأتي بين المبتدا والخبر كما تقدم، فتقول: ما زيد إلا كاتب. فزيد ما إعرابها؟ زيد مبتدا، وكاتب ما إعرابها؟ خبر. وهذا استثناء مفرغ، الاستثناء المفرغ أداة الاستثناء في لا كأنها غير موجودة في الإعراب صحيح؟ هكذا تعلمنا: ما زيد إلا كاتب، ما كاتب إلا زيد، هذا كله من قبيل الحصر بين المبتدا والخبر.
فإذاً القصر بين المبتدا والخبر، طبعا سواء كان جعلت المبتدا مقدم أو المبتدا مؤخر، هنا لا يهمني، المهم أنه يكون بين المبتدا والخبر، سواء كان الخبر هو المحصور فيه أو كان المبتدا هو المحصور فيه، لأن المحصور فيه هو الذي سيقدم هو الذي سيؤخر بعد الأداة، فالعبرة عموماً أن القصر يأتي بين ماذا؟ المبتدا والخبر.
فنقول مثلاً: ما في الدار إلا زيد. هنا ما الذي جاء بعد أداة الحصر؟ المبتدا. وما زيد إلا كاتب، ما الذي جاء بعد أداة الحصر؟ الخبر. فنحن عندما نقول الحصر أو القصر يأتي بين المبتدا والخبر بغض النظر ما الذي جاء بعد أداة الحصر، جاء مبتدا، جاء الخبر، المهم عندنا أن الحصر في الجملة الاسمية نعم ياتي بين المبتدا والخبر.
وياتي أيضا بين الفعل والفاعل، الآن بعد أن أنهى الجمله الاسمية انتقل إلى الجملة الفعليه فقال: وياتي بين الفعل والفاعل، كقولك: ما قام إلا زيد. ما إعراب زيد يا شيخ عمر؟ فاعل، أحسنت. وياتي بين ماذا؟ الفاعل والمفعول به، أو إذا أردت أن تقول: الفعل والفاعل مع المفعول به، بضبط نقول: ما ضرب زيد إلا عمراً، فبعد أداة الحصر ايش عندنا؟ مفعول به اللي هي كلمة عمراً. أو ما ضرب عمراً إلا زيد، هنا أنت قدمت المفعول به واخرت الفاعل لأن الفاعل هو المراد الحصر فيه وهكذا.
ويكون بين المفعولين إذا كان هناك مفعول به أول ومفعول به ثاني، قد تاتي أداة الحصر بين المفعولين: ما أعطيت زيداً إلا درهماً، وقص على ذلك سائر المتعلقات، فقد ياتي مع الحال مع الظروف. قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء: 79]. هنا اين موطن القصر هنا؟ ما اسلوب القصر؟ أحسنت تقديم ما حقه التاخير، هنا القصر ليس بما والا، وإنما بتقديم ما حق التأخير، وأصلها: وأرسلتك رسولاً للناس. فيقول: قدم الجار والمجرور وهو للناس، واللام فيه، اللام يقصد أن أل التعريف التي في الناس لِ الناس، يقول: أل التعريف التي في الناس للاستغراق ممتاز، للاستغراق.
قال: قدم المجرور واللام فيه الاستغراق مريداً به قصر قلب. هنا إذاً اسلوب القصر دائماً بدك لما تسال في باب القصر بدك تجاوب عن شغلتين، انتبهوا: ما هو اسلوب القصر الذي اعتمد في الجملة؟ ثم ما نوعه؟ لأنه نحن لما تعلمنا باب القصر أول شيء شو تعلمنا يا شيخ عمر؟ أنواع القصر: حقيقي، مجازي، وإذا كان مجازي هو قصر إفراد ولا قلب ولا تعيين. ثم تعلمنا ماذا؟ أساليب القصر؛ هل هو بإنما؟ بما؟ بالا؟ بالتقديم؟ بالعطف؟
فانت عندما تتكلم عن أي شيء يتعلق بالقصر، هناك سؤالان يجب أن تجيب عنهما حتى تتاكد أنك فاهم تماماً: ما أسلوب القصر الذي اعتمدته الجملة؟ هذا السؤال الأول. هل كان القصر باستعمال العطف؟ استعمال ما والا؟ استعمال إنما؟ استعمال تقديم حق والتاخير؟ هذا سؤال. بعد أن تحدد الأسلوب، تنتقل إلى بيان النوع، من أي نوع من القصر؟ هل هو قصر صفة على موصوف ولا موصوف على صفة؟ ثم هل هو حقيقي ولا مجازي؟ وإذا كان مجازي هو قصر إفراد ولا قلب ولا تعيين؟ وإذا كان قصر حقيقي هل هو على سبيل الادعاء وليس الحقيقة؟
إذاً لاحظ الأسئلة الكثيرة التي ستجيب عنها. لذلك لماذا بلاغة القرآن وبلاغة النصوص هي تحتاج إلى عقل متقد، وهدوء، وطول نفس؛ أنه أنت تتكلم ربما في الجملة الواحدة القرآنية ربما ستحتاج الإجابة عن عشرة أسئلة في الجملة الواحدة، يعني هذا كحد أدنى في المسند إليه والمسند والمتعلقات. ثم تنتقل إذا كان فيها قصر إلى أنواع القصر في الجملة الواحدة حفلة العربية القديمة التي العربية متجذرة فيه، ويفهم هذه الأمور بدون كلفة، ومجرد ما يسمع يدرك المسند إليه محذوف مذكور، مقدم مؤخر، أحوال المسند أحوال المتعلقات.
هذه سرعة البديعة وهي الملكة التي تجذرت عند العرب، أما أنت أيها العربي المعاصر فحتى تدرك هذه المعاني البلاغية في الجملة العربية، تحتاج إلى ماذا؟ أن تجلس ولو مسكت صفحة واحدة في القرآن، أعيد وأقول: لو مسكت صفحة واحدة من القرآن وطبقت عليها كل ما درسته في أبواب علم المعاني، ربما هذا سياخذ منك ساعات، لكنك ستبدأ تفهم عظمه القرآن وجمالية القرآن، وتبدأ تطبق البلاغة بشكل عملي، تبدا تحاول تفكر أنه هذا العلم علم البلاغة يعني علم تفكيري وذوقي، علم تفكيري وذوقي، فانت تحتاج أن ترفع من ذائقتك للنص.
يعني نحن هنا أنا أعطيك قواعد، لكن بعد ذلك هذه القواعد تنزيلها على النصوص الفخمة يحتاج إلى ماذا؟ إلى حس كبير وذائقة بلاغية لا تصنع بمجرد قراءة كتاب، ولا أظن بتلك السهولة، يعني كثير من الشباب مستعد يشرح لك ألفية عقود الجمان حرف حرف، لكن كله يطبق على الآيات القرآنية ما يستطيع. إذاً أنت تعرف البلاغة نظراً، لكنك لا تعرفها عملياً، لا تستطيع أن تتعامل معها وأن تنزلها فتبقى ضعيفة.
فالمهم، أنا ايش اللي وداني لهذا الموضوع؟ شو قلنا نحكي؟ أحسنت، الذي بدأنا إليه، نعم، موضوع ما في الآية هذه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾، فأول شيء تبحث عنه: ما هو أسلوب القصر في الآية؟ ما هو الأسلوب؟ تقديم ما حق التأخير. ثم بعد ذلك: ما نوع القصر؟ فماذا قال؟ قال: هو قصر قلب. كيف قصر قلب؟ قال: هو جاء رداً لزعم اليهود اختصاص بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بمن؟ بالعربي فقط. فالله عز وجل قال: وأرسلتك للناس، أرسلتك للناس.
تمام، هي الآن هي الأصل ماذا؟ وأرسلت رسولاً للناس. لما قدم ما حقه التأخير، أراد أن يبين أن إرسالك ليس لطائفة بل للناس جميعاً، إرسالك للناس جميعاً وليس كما زعم اليهود اختصاص بعثته للعرب. قال: فال هنا لا يجوز حملها على العهدية. قال: فلا يحمل على العهد لئلا يختص بهم جنس دون جنس. لو قلنا أل التعريف التي هنا أستطرد شوي هو لو قلنا أن أل التعريف التي في الناس أل العهدية، لكان المراد إلى عهد معين من الناس وناس معينين، وهذا ليس مقصوداً طبعا يعني ليس هذا مقصد الآية، بل هو يناقض مقصد الآية.
مقصد الآية بيان عمومية رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فحمل أل أن تكون عهدية لا يصح. ايش قال؟ ولا يجوز أن تجعل أل الجنسية ليه؟ مع أن هذا هو المتبادر، إذا ما كانت عهدية رح تكون المراد جنس الناس. فيقول: ولا تصلح الجنسية ليه؟ قال: لئلا يخرج الجن، فكانها يعني شيء أعم حتى من جنسية الناس. ش جعلها أل هنا؟ للاستغراق أفراد أعم من الإنسي، وإن كان هذا قد يناقش فيه، وإن كان هذا الكلام الثاني أن ليست جنسية لئلا يخرج الجن يناقش بين المفسرين.
لأنه لماذا لا نقول أنها جنسية والمراد أن النقاش مع اليهود وقع في فيما يتعلق بين الإنسان؟ الجن ملف آخر، لم يتطرق النقاش إليه بيننا وبين اليهود، فليس هذا موطن إثبات أن رسالة للجن، وإنما هذا يثبت من سياق آخر. لكن النقاش مع اليهود كان في ماذا؟ في طبيعة البشر الذين وجه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. فيقال إنه لكل جنس البشر، لما نقول إنه لكل جنس البشر هل هذا ينفي أنه يخاطب الجن؟ لا، هذا نقول ملف آخر، الآية لم تناقش فيه كون النقاش مع اليهود: هل النبي صلى الله عليه وسلم مرسل لليهود أيضاً أم هو خاص بالعرب؟ فالنقاش بين الإنس، فقوله وليست جنسية لأل لا يخرج الجن، أظن أنني أحتاج أن أناقش السيوطي في هذه الجزئية.
ثم قال: يعني حتى لا نستطرد كثيراً نعم بسم الله. قال: نعم لا يقع الحصر لا يقع الحصر بين الفعل والمصدر المؤكد. المصدر المؤكد هو ايش سمينا؟ هو المفعول المطلق الذي يقصد منه التوكيد كما قلنا كثيراً ما يعبرون عن المفعول المطلق بماذا؟ بالمصدر. فيقول هنا السيوطي: لا يقع الحصر بين الفعل والمفعول المطلق الذي يقصد منه مجرد التوكيد، قال: بالإجماع، باجماع جميع البلاغيين ذكره السبكي اللي هو بهاء الدين السبكي وزدته أنا في النظم، فلا يقال في العربية: ما ضربت زيداً إلا ضرباً.
تمام، وايش الإعراب ضاربه؟ مفعول مطلق توكيد. يقول لك هذا خطا، القصر لا ياتي في التوكيد. قال: أما قوله تعالى، طب إن اعترض عليك بقوله تعالى: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ [الجاثية: 32]، إن نظن إلا ظناً، طيب مش اليس هذا مفعول مطلق؟ ماذا تقول؟ كيف ستجيب عن هذا الاشكال؟ هي مفعول مطلق وجاء الحصر بينه وبين الفعل، فنقول: هل هنا المفعول المطلق توكيدي يا شيخ عمر؟ هل المفعول المطلق: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ وما نحن بمستيقنين، أن نظن إلا ظناً، هل ظناً مفعول مطلق توكيدي ايش تقولون؟
لا، لا هو ليس من قضية الجنس، لا، هو مفعول مطلق نوعي لبيان النوع. انظروا ماذا قال السيوطي؟ قال: إن نظن إلا ظناً، تقديره ظناً ضعيفاً، فالتقدير: إن نظن إلا ظناً ضعيفاً، فليس المراد إذاً مجرد التوكيد. ما ضربت زيداً إلا ضرباً يكون ضرباً هو توكيد للحدث الذي تضمنه ضربته، هنا هل.
المفعول المطلق المصدري ظنا هو مجرد توكيد للحدث الذي فيه نظن ولا بيان لنوع الظن. قال: هو بيان لنوع الظن الذي يظنونه، فقال: ﴿مَا نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ طبعا هي ضعيفة مش مذكورة في الآية قالوا لكنها ملاحظة من السياق، فإذا ما عاد مفعول مطلق توكيدي، أصبح مفعول مطلق شو نوعي؟ وإذا كان مفعول مطلق نوعي، احنا قلنا ما عندنا مشكلة أن يتم الحصر فيه.
طيب، قال: ثم إن الآن انتهينا من الفكرة الأولى، إذا نعود نقرا الأبيات؛ قال السيوطي: يجيء بين مبتدا وخبر، والفعل مع تعلق، كما قلنا، يأتي بين الفعل وبين أحد متعلقات الفعل والفاعل، الفعل من المفعول الأول، فعل المفعول الثاني، الفعل والحال، الفعل وهكذا، إلا للمصدر. شو يعني للمصدر؟ تكتب فوقها في المنظومة: المفعول المطلق التوكيدي، بدك تذكر ثلاث كلمات، أي كلمة بتسقط أخطأت، للمصدر أي للمفعول المطلق التوكيدي، ثم قال: واخرر إن ما عليه قد قصر. هذه قاعدة عامة، وهي أن المقصور عليه هذه قاعدة عامة في الحصر؛ إذا كان باستعمال ما وإلا، أو باستعمال إنما.
تمام، يقولون: المقصور عليه يكون متأخرا إذا كان القصر في ما وإلا أو باستعمال إنما. فتقول: ما زيد إلا كاتب. أين المقصور عليه؟ كاتب. إنما زيد قائم. أين المقصور عليه؟ قائم. فيقول هنا: ثم إن المقصور عليه يؤخر مع كلمة الاستثناء عن المقصور، كلمة الاستثناء يقصد أداة الاستثناء التي هي إلا. فهنا إذا نتكلم عن ماذا أيها الأحبه؟ عن الاستثناء، عفوا، عن القصر باستعمال ألوب الاستثناء، هما وإلا. ويلحق به أيضا القصر باستعمال أسلوب إنما، فالكلام في هذين الأسلوبين فقط. مش عم نتكلم عن العطف ولا عن التقديم مع حق والتاخير، فنقول: إذا كان القصر باستعمال ما وإلا، الآن ركزوا على ما وإلا، فطبيعي قضي أن يؤخر المقصور عليه مع الأداة، يؤخر عن ماذا؟ عن المقصور، سواء كان هذا المقصور عليه فاعلا، أو مفعولا، أو أي شيء، أو أي إعراب له في الجملة. هذه قاعدة القصر.
لذلك دائما يقولون: من الأحوال التي يجب فيها تأخير الفاعل عن المفعول به -هذه أخذناها في شرح ألفية ابن مالك- من الأحوال التي يجب فيها تأخير الفاعل عن المفعول به متى؟ إذا كان الفاعل مقصورا يجب يتاخر حتى يكون بعد أداة القصر في الأخير. هذه من الأحوال التي يجب فيها تأخير الفاعل عن المفعول به. فإذا هي قاعدة عامة، القصر إذا كان باستعمال ما وإلا أو باستعمال إنما يجب أن يؤخر المقصور عليه، كان فاعلا، كان مفعول به أول، كان مفعول به ثان، كله يجب أن يؤخر.
فتقول: ما ضرب زيدا إلا عمر. صح عمر فاعل، لكن يجب تاخيرها ليه؟ لان هي المقصور عليه. طيب بدي اقصر المفعول به الأول شو أقول؟ ما أعطى درهما إلا زيدا. عفوا، أو ما أعطيت، عفوا، ما أعطيت درهما إلا زيداً، زيدا شو إعرابها يا شيخ عبد الرحمن؟ ركز. ما أعطيت إلا زيدا. شو إعراب زيدا؟ أحسنت، رح تيجي تقولي يا شيخ ليش ما نخلي مفعول به ثاني؟ خلص لا ما يزبط، أنا هنا قصرت المفعول به الأول وما قبله هو المفعول به الثاني، الدرهم هو المفعول به الثاني لأنه هو المعطى. تمام، إذا اردت أن اقصر المفعول به الثاني فهو الذي يتاخر؛ ما أعطيت زيدا إلا درهما. فدائما إذا بدنا نحفظ هذه القاعدة: إذا كان القصر باستعمال ما وإلا، المقصور عليه هو المتاخر، سواء كان فاعلا، أو مفعولا به أول، أو مفعولا به ثان، أو جارا ومجرورا، أو حال، أو اللي بدك إياه ممتاز.
طيب، ثم قال: وكقول لبيد، شوف هذا المثال هذا المثال رايشكل عليكم شوي، قال: وكقول لبيد: لو خير المنبر في شأنه ما اختار إلا منكم فارسا. ما اختار إلا منكم فارسا. طبعا هذا البيت ليس للبيد، هذا البيت ليس للبيد هذا هو الصحيح، وإنما هو يعني حتى ذكر ذلك القزويني في الإيضاح، هو لسيد الحميري. هذا البيت خطأ نسبته إلى لبيد، يعني سبحان الله جل من لا يسهو كما يقولون، جل من لا يسهو علماء كبار ومحققون، لكن إنسان مع سرعة الكتابة مع كذا قد يعني يأتي سرعة نظر أخطأ السيوطي فنسبه إلى لبيد. البيت ليس لبيد.
طيب، المهم، ما موطن الشاهد في في قوله: ما اختار إلا منكم فارسا؟ الآن أنت لو نظرت لأول وهلة، هل المقصور عليه هنا متاخر ولا متقدم؟ أين المقصور عليه؟ طيب، أين المقصور؟ إذا يعني إذا أليست أليست كانت تنبغي أن تكون الجملة: ما اختار فارسا إلا منكم؟ أليس هذا ظاهره أن أنه إلا مع المقصور عليه تقدمت وفارسا تاخرت؟ أليس هذا يعني فيه تقديم للمقصور عليه ولا ايش اصل الجملة يا شيخ عمر؟ ما اختار ايش؟ لا ما هو الآن أين القصر؟ تعطيني ما تقدير الجملة؟ لا سياتي معنا بعد قليل. الاختيار، لا هو حقيقة هذه الجملة تقديرها: ما اختار إلا فارسا منكم. ففارسا بعد أداة القصر، والمستثنى منه اللي هو المقدر محذوف، هي اصلها هكذا: ما اختار فارسا إلا فارسا منكم، ما اختار يعني في كلمة فارسا محذوفة، هي المستثنى منه حقيقة، ما اختار فارسا إلا فارسا منكم، ممتاز هيك اصلها لازم تكون كلمة فارسا هذه واقعه بعد الأداة، حتى يكون شاهد على القضية اللي أحن فيها، والا لو كانت متقدمة عنها في الإعراب، لا أصلا خير بالمثال، أصلا المثال هو أتى به شاهد على ماذا؟ على أن المقصور عليه مع الأداة يجب يتاخر، فلو كانت فارسا هي في معنى المتقدم لفشل المثال. فلا بد نقول إن فارسا هي أيضا واقعه بعد الأداة والتقدير: ما اختار فارسا إلا فارسا منكم.
فهون السيوطي سيجيب: لماذا ما قال إلا فارسا منكم؟ ليش جاب منكم وقدمها على فارس؟ ليش قلب مكان الكلمتين؟ هي اصلها: ما اختار فارسا إلا فارسا منكم، فلماذا ما قال إلا فارسا منكم؟ ليش عكس الكلمتين فقال: إلا منكم فارسا؟ فشو أجاب السيوطي؟ قال: إذ لو أخر منكم في هذا السياق صار الاختصاص في كلمة ماذا؟ فارس، فارس وأصبحت منكم هي مجرد تبع، وليس هذا مقصود الشاعر السيد الحميري، وإنما مقصود الشاعر ماذا؟ أن الاختيار لا يكون إلا منكم، منكم هذا هو الأهم، هذا هو مكان الحصر فكان ينبغي أن يقدم الجار والمجرور على كلمة فارس. فهمتم؟ لو قال: ما اختار إلا فارسا منكم، كان فهمتم إنه القصر أين وقع؟ على الفروسية. بس هو بيقول لك: مش قصد السيد الحميري القصر على الفروسية ما اختار إلا فارسه، لا، هو أراد القصر على منكم، إنه لن يكون إلا منكم لا من غيركم. فما دامت جهة القصر هي منكم لا من غيركم، وليست الفروسية أو غير الفروسية، اقتضى هذا أن يقدم الجار والمجرور منكم على كلمة فارس، وإن كانت أيضا كلمة فارس هي واقعه بعد ماذا؟ بعد إلا.
فإذا هي إذا اصل الجملة مختار إلا فارسا منكم، ففارسا مفعول به صح، وهي واقعه بعد إلا، وقدم الجار والمجرور عليها لبيان موطن الاختصاص بالتحديد لئلا يلبس عليك حتى لا تقع في الاشتباه، ولا يصح أن تقول إن فارسا هنا موطنها قبل إلا، لأنه يصبح هذا نقيض المقصود وأصبح فيه تقديم المقصور عليه على المقصور، لو كان التقدير: اختار فارسا إلا منكم، لو كان هذا التقدير كان فيه تقديم المقصور عليه على المقصور. حتى تفهموا أكثر، امشوا معي على على ما سيات، شو قال؟ امشوا على المثال اللي بعديه، قال: وندر، شوف هنا حتى لما تفهم هذا ستفهم وين المشكلة في البيت السابق. قال: وندر تقديم المقصور عليه مع الأداة على المقصور.
الان بدكم تفهموا هاي القضية، جيب الكاميرا معي حبيبي سريعا، لأنه عليك أن تفهم أن هناك مقصور وهناك مقصور عليه في أي جملة أسلوب قصر، في أي أسلوب قصر سواء قصر صفة على موصوف أو موصوف على صفة، هناك مقصور وهناك مقصور عليه، صح؟ لما كنا نقول: قصر صفة على موصوف، الصفة هي المقصورة والموصوف والمقصور عليه، لما قنا نحكي: قصر موصوف على صفة الموصوف هو المقصور والصفة هي المقصور عليه، فأنت أي أسلوب قصر من اللي تعلمناه عندك لازم جزئين؛ في شيء مقصور وفي شيء مقصور عليه ممتاز.
طيب، في أسلوب ما وإلا، يعني إذا كان القصر باستعمال أداة الاستثناء، المقصور عليه يجب يكون أين يا شيخ عمر؟ متاخرا، هو وأداة القصر يجب يكون متاخرا مع أداة القصر. طب هل يجوز أن يتقدم المقصور عليه مع أداة القصر في بعض الجمل؟ قالوا: يجوز على سبيل الندور أن يتقدم المقصور عليه ويتاخر المقصور، يعني نقلب الأماكن يجوز نادرا. مثال ذلك على سبيل الندور ماذا قال؟ قال: فلم يدري إلا الله ما هيجت لنا عشية لاقينا جذاما وحميا يرى.
شوف فلم يدري، ها ركزوا الآن في هذه الجملة، فلم يدري إلا الله ما هيجت لنا. الآن لو سالتك شو اصل الجملة؟ ايش اصل ترتيبها العلمي كيف يكون؟ لم يدري ما هيجت لنا إلا الله. هذا أصل ترتيبها: لم يدري ما هيجت لنا إلا الله. فما اسم موصول هذه صح؟ ما إعرابها؟ مفعول به. ولفظ الجلالة ما إعرابه؟ فاعل. طبعا هنا ليش كان الأصل يجب تأخيره؟ لأنه هو المقصور عليه، والقاعدة العامة: المقصور عليه في أسلوب ما وإلا يجب أن يؤخر مع الأداة، لكن هنا في هذا البيت الشاعر ماذا فعل؟ عكس الترتيب، جاب المقصور عليه قدمه وأتى بالمقصور أخرا.
فلم يدري إلا الله، ليش؟ لأنه يريد أن يقصر حالة عدم دريان التهييج إلا في الله، لم يدري ما هيج هذه الحالة أريد أن أقصرها في اللفظ في الله سبحانه وتعالى أن لا يوجد أحد يدري هذه الحالة، حالة التهييج أنا أريد أن أحصر هذه الحالة بالكلية، حالة التهييج لم يدرها إلا الله سبحانه وتعالى. فأنا يجب أني أحصر الصفة ثم بعد ذلك أقصرها، يجب أن أحدد الصفة هذا قصر صفة على موصوف فأنا يجب أقصر عفوا، أحدد ما هي الصفة التي أريد أن أحصرها، ثم بعد ذلك آتي بالمقصور عليه. لكن لو قدمت المقصور عليه نادرا، أنا إذا قلت: لم يدري إلا الله، بعدين أتيت بالمفعول به: ما هيجت لنا، أنا فعليا إيش فعلت؟ أنا جعلت السامع يستمع القصر والمقصور عليه قبل أن يعرف ما هو القصر، يعني أنا إيش بدي أقصر؟ على إيش؟ أنا بدي أقول: لم يدري ما هيج لنا إلا الله، صح؟ أنا هيك بدي أحكي ابتداءً، فلما أنا آتي بالمقصور عليه قبل أن أعرف ما هي الصفة يحدث في ذهن السامع إنه تلقى المقصور عليه قبل أن يعرف ما هو المقصور. أنت بدك تقصر إيش؟ أنت سمعتني المتاخر قبل ما تسمعني المتقدم، يعني أنت كان لازم تحكي لي: لا يدري التهييج إلا مين؟ اه إلا الله، هيك أنت رتبتها في ذهني بشكل صحيح، لكن لما تقول: لم يدري إلا الله، لسه في معلومة ناقصة إيش لم يدري إلا؟ أنت سمعتني القصر والمقصور عليه قبل أن أعرف شو موضوع البيان، فهذا هي مشكلة هذا الأسلوب، لماذا لا يجوز أن يتقدم المقصور عليه على المقصور؟ لأنه يجب أن يسمع السامع الصفة التي أريد أن أقصرها، ثم آتي بالمقصور عليه بعد ذلك، حتى تكون الصفة قد تمت. أنت بتعمل لي قاعد نقص في المعلومة، لكن لماذا يتبع هذا الأسلوب؟ أن لتعظيم المقصور عليه أو لشيء من ذلك.
فهنا إيش يقول؟ قال: وإنما كان ذلك، شوف نفس السيوطي رح يعطيك الجواب لماذا هذا الأسلوب نادرا، وإنما كان ذلك نادرا وليس هو الحالة الطبيعية، قال: لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها. أنت عم تسمعني القصر،ها أنت أسمعتني القصر قبل تمامه الأصل انك تعطيني ما هي الصفة مثلا هنا التي تريد أن تقصرها ثم تاتي بالمقصور عليه، فالأصل أن يقال: لم يدري ما هيجت لنا إلا الله، فلما قلت لم يدري إلا الله أنت قصرت قبل التمام، أنت قصرت قبل أن تاتي بتمام الصفة المقصورة. وضحت؟ واضح مشايخنا جميعا؟ اه ايش؟ لا خلينا المثال السابق، خلينا نركز على هذا المثال، أعطيك مثال آخر: وما لي إلا آل أحمد شيعة. وما لي إلا آل أحمد شيعة. هي أصلها إيش؟ هي أصلها: وما لي شيعة إلا آل أحمد، صح؟ وما لي شيعة صح هذا استثناء تام، بس إنه الفكرة متقاربة في قضية جواز تقديم أداة الاستثناء على المستثنى. أصلها هي، أنا أقول لك: ما لي شيعة وأنصار إلا آل أحمد. فانا لما قلت لك وما لي إلا آل أحمد كأنّي مستعجل آتي بالمقصور عليه قبل أن آتي بالمقصور، وهذا لا بد يكون له نكته، لأنه خروج عن مقتضى الظاهر، خروج عن مقتضى الظاهر تمام.
نعم، كان مرام الشاعر مثلا يصب نظر السمع إلى حالة الهيجان، لا، هو أراد أن يعظم الله سبحانه وتعالى، مش موجود هذا متحصل في الحاليّة، لا أنت دائما لما تقدم ما حقّه التأخير مش قلنا هذا يزيده اهتماما وحضورا في ذهن السامع؟ لم يدري إلا الله، بعدين بدرك ما هيجت لنا، فهنا تعظيم أولا، حصر الدراية في الله سبحانه وتعالى، وتعظيم أن الأمر بقدر ما هو عظيم وخارج عن السيطرة محصورة في الله سبحانه وتعالى، ولكل البشر لا يستطيعون أن يعرفوا ما الذي وقع بنا. هذا إذا اخرته لن يكون حاضرا، إنه أولويّة، إنه أولويّة للشاعر.
نيجي الآن على المثال السا، الان فهمتوا إذا هذا المثال كيف قدم ما حقه التأخير؟ الآن لو بنرجع لمثال السيد الحميري رح يعمل نفس الدرب مشكلة صح ولا لا؟ سيكون لو لو خير المنبر في شأنه قال: ما اختار.
إلا منكم فارسا. نرجع على المثال السابق، ما اختار إلا منكم فارسا. رح تقول لي: يا شيخ ما اختار إلا منكم فارسا، مثلها مثل هذه «لم يدرِ إلا الله ما هيجت لنا». مش أنت قلت أصلها: لم يدرِ ما هيجت لنا إلا الله؟ إذاً نفس الشيء، كلام الحميري ما اختار إلا منكم فارسا، شو أصلها؟ ما اختار فارسا إلا منكم. ترى فعلاً هي ظاهرها، لكن الشراح قالوا لا، لم يقصد هذا، وإنما قصد: ما اختار إلا فارسا منكم. فارسا منكم كلاهما واقع بعد أداة القصر، والاستثناء مفرغ، والاستثناء مفرغ، تمام؟ والاستثناء مفرغ، فتقديره: ما اختار -هذه كلمة محذوفة مقدرة- إلا فارسا منكم. بعدين شو عمل؟ قدم منكم على كلمة فارسا ليكون التصويب متوجه إليها، أن المراد ليس اختيار الفروسية، وإنما على أنه منكم وليس من غيركم. فهمت هذه الجزئية؟ نعم.
هل هو، هل كل تقديم ما حق التأخير يفيد الاختصاص؟ هي هي الفكرة: ليس كل تقديم ما حق التأخير، وهذا أظن مر معنا، ليس كل تقديم حقيقة ما حق التأخير يفيد الاختصاص، هذا غالب، مش هيك مر معنا في كلام السبكي؟ هذا غالب وليس لازم، تمام؟ وهنا سنكتفي بالحصر الأول المستفاد من «إلا»، ولن نقول أن تقديم ما حق التأخير أفاد الاختصاص تفضيل الاختصاص الصرف الاختيار. نعم، ليس المراد هو، لا يريد أن يكون إلا فارس، حتى لا يفترس عن المواقع أو فيرو أو كذا، «إلا منكم»، هو أراد القصر أنه منكم ليس من غيركم.
طيب الشاهد، الشاهد هنا أنه التركيز على «من» صح؟ الفارس ما، نعم هي أن التركيز على منكم، لكن هل هنا يعني هل هذا مثال مثل المثال الذي في الأسفل؟ أنه لو سالك س: ليس هذا مثال على تقديم المقصور عليه على المقصور، مش قصر قصر الاختيار، أحسنت أحسنت، قصر الاختيار على منكم، لذلك لم نعتبره من تقديم ما حق التأخير.
طيب الآن نكمل، إلى أين وصلنا؟ قال: «وإنما كان ذلك نادراً لاستلزامه قصر الصفة قبل تمامها». الآن سيعطيك أمثلة حتى تتضح لك الصورة أكثر وأكثر، قال: كالضرب الصادر من زيد في قولك «ما ضرب زيد إلا عمراً» والواقع على عمر في قولك «ما ضرب عمراً إلا زيد». ففي هذه الحالة شوف، لو قلت لك أنا لماذا في الحالة الأولى قلت يعني آخرت المفعول به، وفي الجمله الثانية آخرت الفاعل؟ هو يريد أن يعطيك لماذا؟ ها، لماذا؟ القاعدة تقول: يجب، أي شيء مقصور عليه يجب تأخيره.
ففي الجملة الأولى: ما ضرب زيد إلا عمراً، طيب في الجملة الثانية: ما ضرب عمراً إلا زيد، هسه في الجملة الأولى أنا ايش آخرت؟ المفعول به، يجب تأخيره هنا لأنه المقصور عليه. وفي الجملة الثانية أنا ايش آخرت؟ الفاعل، ويجب تأخيره لأنه المقصور عليه. فهنا السؤال يقول لك: لماذا يجب التأخير للمقصور عليه دائماً؟ لأنه يجب، يجب أولاً أن تكتمل الصفة المقصورة ثم تأتيك بعد ذلك بالمقصور عليه.
فخلونا على المثال الثاني: ما ضرب عمراً إلا زيد، أنا بدي أقصر ايش في ايش؟ سؤالي: هل أنا بدي أقصر مطلق الضرب في زيد؟ ولا بدي أقصر ضرب عمر بالتحديد أنه الذي فعله زيد؟ شو الجواب؟ أحسنت، أنا بدي أقصر هذا بالتحديد: ضرب عمر لم يصدر إلا من زيد. أنا مش بدي أقصر الضرب عموماً أنه لم يصدر إلا من زيد، لا لا، أنا بتكلم عن صفة معينة، صفة بالمعنى العام وهي ضرب عمر لم يقع إلا من زيد، فلازم أول شيء أجيب الصفة الكاملة اللي بدي أقصرها ثم بعد ذلك آتي بالمقصور عليه.
أما لو قلت لك: ما ضرب إلا زيد عمراً، مش راكبة. ما ضرب إلا زيد، أنت كأنك قصرت الضرب -ها ما ضرب إلا زيد- كأنك بتفهمني أنه ما ضرب في أحد في هذا الكون، ما ضرب أحد في هذا الكون إلا زيد، بعدين بتروح تجيب لي المفعول به! أنت فعلياً شو اللي عملته؟ أنت آخرت الصفة المقصورة وقدمت المقصور عليه، فاختلف السامع، هي بتسبب خلل، بتسبب تشتت وضرب.
لما هو طبيعة القصر؟ قصر هو ضرب عمر؛ ضرب عمر لم يقع إلا من زيد، فلا بد أولاً أن أكمل الصفة المقصورة ثم بعد ذلك آتي بالمقصور عليه، هذه فكرة يجب أن ترسخ في ذهن الطالب. إذاً قال: نعود إلى أماكننا، «وأخرنا ما عليه قد قصر»، وأخرنا ما عليه قد قصر، يعني أخرنا المقصور عليه، «وأخرنا ما عليه قد قصر» يعني يؤخر المقصور عليه مستثنياً، أي حاله كونك مستثنياً مع الأداة، فالمقصور عليه يتاخر مع الأداة. «وندر»، أي ومن النادر تقديم هذين، ايش يعني تقديم هذين؟ تقديم المقصور عليه مع الأداة. وندر تقديم هذين ليه؟ قال: لئلا يلزم أنك إذا قدمتهما على المقصور ماذا سيلزم؟ قصر الصفات قبل أن تتم.
إذن وندر تقديم هذين لئلا يلزم قصر الصفات قبل أن تتمم، الأصل أنني أتمم الصفة المقصورة ثم آتي بالمقصور عليه.
ثم قال: «وأخرا في إنما لئلا يعرض لبس»، الآن انتقل إلى إنما؛ إنما نفس الشيء المقصور عليه يجب فيها أن يتاخر، هذه قاعدة العرب في كلامها. فقال: وأما «إنما» فلا يجوز في القصر بها تقديم المقصور عليه على غيره أصلاً للالتباس. يعني إحنا قلنا في «ما وإلا» يؤخر المقصور عليه صح؟ ويندر ويندر تقديمه، في «إنما» لا يجوز باي حال من الأحوال تقديمه، حتى نادر ما في نادر، لأنه خلص بضرب الجملة تماماً، هذا قصده أن «إنما» متشددين فيها أكثر من «إلا»، «إلا» ها مشيناها في بعض الأمثلة تقديم ما حق التأخير، أما «إنما» فلا يجوز بشكل من الأشكال تقديم المقصور عليه، فدائما تقول: «إنما زيد قائم»، إذا اردت حصر زيد في القيام دون النوم والضجاع ما في الك إلا تقول «إنما زيد قائم».
هل يجوز على سبيل النذور أن اقول «إنما قائم زيد» وأحصل نفس المعنى؟ لا، لا يصح بشكل من الأشكال. لذلك ماذا قال؟ كم أو: وأما «إنما» فلا يجوز في القصر بها تقديم المقصور عليه على غيره أصلاً، لأنه مباشرة سيحصل التباس في فهم السامع. قال: كما إذا قلنا «إنما ضرب زيد عمراً»، فهذا معنى، وهو حصر ضرب زيد في عمر دون غيره من الناس. واما إذا قلنا «إنما ضرب عمراً زيد»، هنا ما مرادك؟ حصر ضرب عمر في زيد، ففي المثال الأول أنا حصرت المفعول به، وفي المثال الثاني أنا حصرت الفاعل، فاي عملية تقديم وتأخير سيختلف المعنى تماماً بها.
قال: بخلاف النفي والاستثناء، فإنه لن يحصل فيه هذا الالتباس على جهة النذور، ولو على جهة النذور لن يحصل الالتباس، لأن أداة القصر موجودة فهي تعطيك مؤشر أين المقصور عليه. لما قلت لك «ما لي إلا آل أحمد شيعة»، لوجود أداة القصر أنت فاهم مين المقصور عليه من المقصور. فالمشكلة في «ما وإلا» بتختلف عن المشكلة في «إنما» في توجيه. لذلك قال: يعني هذا اختصر لك اياها، قال: فما يندر هناك لا يجوز هنا، خلص هي الخلاصة، ما يندر هناك أي في «ما وإلا» لا يجوز هنا أصلاً، فريح حالك في باب «إنما».
ثم قال: ثم نبهت على أن «غير» هي أداة استثناء مثلها مثل «إلا»، هذه خلص يعني قضية لا اريد أن أطيل فيها، نفس أنه معروف في دراستكم النحوية أن من أدوات الاستثناء ماذا؟ غير. «وغير» تؤدي أداء «إلا»، الفرق بينهما أن «إلا» حرف و«غير» اسم، وطرق الإعراب النحوي تختلف، ففي النحو نعم تحتاج أن تعرف كيف تعرب غير، هنا بلاغة فنقول لك غير تؤدي مفعول «إلا» في الحصر. قال: إذاً، ثم نبهت على أن «غير» مثل مثل «إلا» في إفادة القصر الإفرادي والقلب والتعيين، صفة وموصوف، كل أنواع القصر التي ذكرناها كما تستعمل فيها «إلا» تستعمل فيها «غير».
وفي أنها أيضاً يمتنع مجامعتها لـ «لا»، مش مر معنا في الدرس السابق أنه إذا جاء «ما وإلا» لا يجوز أن ياتي بعدها العطف بـ «لا»؟ فنفس الشيء إذا جاء الاستثناء بـ «ما وغير» لا يجوز العطف بعدها بـ «لا»، لأنها حرف استثناء فلا يعطف عليها بـ «لا»، فلا يقال «ما زيد»، «ما زيد غير شاعر لا كاتب»، لأنه هي الجملة نفسها نفس جملة شو؟ «ما زيد إلا شاعر لا كاتب» هي نفسها.
«ما زيد»، إحنا لو قلنا في الدرس الماضي: هل يجوز أن أقول «ما زيد إلا كاتب لا شاعر»؟ قلنا ما بصير العطف بـ «لا» بعد «إلا»، فنفس الشيء ما بصير أقول «ما زيد غير شاعر لا كاتب»، طبعا هي الواو الذي يظهر انها زائده «ما زيد غير شاعر لا لا كاتب» بدون الواو، ولا يجوز أن أقول «ما زيد غير عفواً ما شاعر غير زيد لا عمر»، ما بزبط.
وقولي الآن إذا نرجع للابيات السابقة، «غير مثل إلا»، «وأخرا في إنما لئلا يعرض لبس» وانتهى المتعلق بـ «إنما»، ثم قال: «غير مثل إلا»، «غير» تستعمل في الحصر مثلها مثل «إلا» لأنها تقوم مقامها، «غير مثل إلا» في القصر، يعني في جميع أحكام القصر، وفي المنع من الجمع لـ «لا»، أي وفي أيضاً أنها لا يجمع معها «لا» العاطفة النافيه، مثل مثل «إلا» في جميع أساليب القصر أنها تستعمل في جميع انواعه، وفي أنه لا يجوز أن يتبع بعدها «لا» العاطفة النافية، «غير مثل إلا» في القصر والمنع من الجمع لـ «لا».
ثم قال: «وإنما» يرحمك «وإنما القصر في الذي خلا». اه، هنا في الأبيات الأخيرة هذه سيعطيك فلسفة، خليني أسميها فلسفة القصر في «ما وإلا»، اسلوب القصر باستعمال «ما وإلا» يعتبر أساس أساليب القصر في العربية، لذلك يحرص علماء البلاغة على أن يعطيك تصور عميق في فلسفة القصر فيه، لماذا؟ ما هو «ما زيد إلا كاتب»، «ما كاتب إلا زيد»، لماذا هذا قصر؟ من أين أتى مفهوم القصر فيه؟ فقال: «وإنما جا القصر في الذي خلا»، في الذي خلا أي في الذي سبق، ويقصد بالذي سبق «ما وإلا» لأن نفي فارغ الاستثناء، لأن النفي في الاستثناء المفرغ أنتم بتعرفوا اللي درس معنا الأجرومية في شي اسمه الاستثناء المفرغ. الاستثناء المفرغ هو القصر فعلياً، هس في الاستثناء التام وفي الاستثناء المفرغ شو الفرق بينهم؟ الاستثناء التام ايش يكون المستثنى منه مذكور، الاستثناء المفرغ المستثنى منه غير مذكور. اسلوب القصر حقيقه يعتبرونه هو الاستثناء المفرغ وإن كان أحيانا يذكرون أمثلة على الاستثناء التام معه، كاسلوب قصر كمفهوم هو في الاستثناء ماذا؟ المفرغ.
طيب فيقول: لأن نفي فارغ الاستثناء، أي لأن الاستثناء الفارغ، الاستثناء المفرغ موجه إلى الذي يستثنى منه مقدر. أي حاله كون المستثنى منه ماذا سيكون؟ مقدرا. لأنه إحنا قلنا الاستثناء المفرغ أين المستثنى منه؟ بس مقدر. فلما تقول «ما ضرب إلا زيد»، فرضا، أحد تقديرها: ما ضرب أحد، ما ضرب إلا زيد التقدير: ما ضرب أحد إلا زيد. فالاستثناء المستثنى منه نعم محذوف، لكنه مقدر. مقدر طبعا لا يظهر في الإعراب، لكنه يظهر في الذهن، لا يظهر في الإعراب لكنه يظهر وين؟ في الذهن. أنت في ذهنك بدك تكون مقدره، نفس الشيء: «ما ضرب زيد إلا عمراً»، هس عمراً شو يقراها في البيت لسه خايفين صتنا مفرغ، لكن في الذهن في الذهن نقول أصل التقدير: ما ضرب زيد أحداً إلا عمراً، هيك أصل تقدير ذهني، ففي هناك مستثنى منه مقدر في السياق، مقدر في السياق.
فيقول: لأن نفي فارغ الاستثناء موجه إلى الذي يستثنى منه، أي المستثنى منه مقدراً، عاماً، ناسب ثلاث أشياء، المستثنى منه المقدر يكون مقدراً وعاماً ومناسباً للسياق الذي أنت تتحدث فيه، فله ثلاث مواصفات. المستثنى منه في الاستثناء المفرغ أحبابي الكرام كم صفة له؟ ثلاثة؛ ما هي الأولى؟ أنه مقدر. الصفة الثانية: تختار لفظة عامة. وثالثاً: مناسبة للسياق الذي أتحدث فيه.
طيب ناتي الآن إلى شرح اليو، طبعا مناسبة للسياق بحيث تكون، ما معنى المناسبه للسياق؟ بحيث تكون من جنس المستثنى الواقع بعد «إلا»، يعني ما معنى أن يكون المستثنى منه مناسبا للسياق؟ أن يكون المستثنى منه الذي قدرته من جنس المستثنى اللي واقع بعد «إلا»، اللي هو المحصور أو المقصور عليه.
طيب الآن دعونا نذهب نفهم أكثر وأكثر من خلال كلام اليو، وقولي «إنما جا القصر» إلى آخر الأبيات يقول: وجه الحصر، أي المقصود به أن وجه الحصر في أسلوب النفي والاستثناء، اللي هو أسلوب «ما وإلا»، بأن الاستثناء المفرغ لابد أن يتوجه النفي فيه، لابد أن يتوجه النفي فيه إلى مقدر. لما اقول «ما ضرب زيد إلا عمراً»، النفي موجه على وين؟ ها، «ما ضرب زيد إلا عمراً»، «ما ضرب زيد أحدا» أحسنت. لما لما نقول «ما ضرب زيد إلا عمراً»، الآن أداة النفي هذه «ما» النفي مسلط على ماذا؟ يقول لك السيوطي: لابد أن يكون النفي متسلط على شيء، صح ولا لا يا شيخ عمر؟ هل هو متسلط على الضرب؟ لا الضرب واقع، طب هل هو متسلط على زيد؟ لا زيد هو الفاعل، فعلياً أنت هنا بما نفيت؟ ماذا؟ لازم في شي نفيته، قال: إذاً لابد أن
نوجه النفي إلى شيء، فإذا لم يضرب، لا يصلح. وزيد لا يصلح، إذاً هنا في شيء محذوف مقدر، هو الذي يتسلط النفي عليه. فتقدير «ما ضرب زيد أحداً»، هذه المقدرة هي التي يتوجه إليها النفي ويتسلط النفي عليها.
ثم بعد ذلك نستثني منها، فنقول -كأنك قلت-: ما ضرب زيد أحداً، بعد ذلك اقتطع «إلا عمراً». فأنت نفيت الآن ضرب زيد لأي أحد، ثم عدت فاستثنيت ماذا؟ عمر، ففعلت قصرت الضرب في عمر. صح؟ أنت ماذا فعلت؟ ابتداءً، كأنك عندما تقول: «ما ضرب زيد إلا عمراً»، أنت هكذا الذي فعلته ذهنياً: نفيت ضرب زيد لأي أحد، «ما ضرب زيد أحداً»، ثم عدت فاستدركت فقلت: «إلا عمراً»، ففعلت هكذا حصرت الضرب في ماذا؟ حصرت ضرب زيد لعمر بالتحديد دون غيره.
فإذاً هنا يقول السيوطي سريعاً: وجه الحصر في النفي والاستثناء بأن الاستثناء المفرغ لابد أن يتوجه النفي فيه إلى كلمة مقدرة، خلينا نقول: وهو المستثنى منه. لأن الاستثناء -كما يعرفون في كتب النحو وكتب الأصول- هو إخراج باستعمال أداة الاستثناء. لأن «عمراً» مخرج من المستثنى منه. فكرة أسلوب الاستثناء أن تخرج المستثنى من صلب المستثنى منه؛ قال: لأن الاستثناء إخراج، فيحتاج إلى مخرج منه، إلى مستثنى منه.
إذاً لابد من تقديره، والمراد هنا -ركزوا، هو أعطاكم فائدة هنا- ولما نقول إن المستثنى منه مقدر، المراد التقدير المعنوي، يعني التقدير الذهني، ليس التقدير الصناعي بحيث تحتاج أن تعربه كما تقول: «الفاعل ضمير مستتر مقدر»، لماذا؟ لأن هناك ما يسمى بالتقدير الصناعي؛ لما نقول الفاعل ضمير مستتر تقديره «هو»، هذا تقدير صناعي لازم تذكره في الإعراب، لكن هنا التقدير معنوي ذهني وليس تقديراً صناعياً.
ممتاز، قال: ولا بد أن يكون هذا المقدر عاماً؛ لأن الإخراج لا يكون إلا من عام. لا يجوز أن أقول: «ما ضرب زيد بكراً إلا عمراً»، يعني ما تضبط. لا يجوز أن يكون المستثنى منه المقدر خاصاً؛ لأنه الخاص لا يمكن الإخراج منه، أنت لا تستطيع أن تخرج بأداة الاستثناء إلا من شيء عام، تخرج فرداً من أفراد العام. أما لو قلت: «ما ضرب زيد بكراً إلا عمراً»، فستقول هذه ليست من أساليب الحصر، لأنك أخرجت عمراً من بكر، وهذا لا يضبط، لازم تكون لفظة عامة: «ما ضرب زيد رجلاً»، «ما ضرب زيد أحداً»، «ما ضرب زيد فرداً»، المهم لفظة عامة يمكن الإخراج منها.
قال: ولا بد أن يكون مناسباً للمستثنى من جنسه. هذا معنى المناسبة؛ أن يكون المستثنى منه المقدر من جنس المستثنى الواقع بعد «إلا». فمثلاً: «ما قام إلا زيد»، ما التقدير؟ «ما قام أحد إلا زيد»، لأن زيد هو فرد من أفراد الأحدية. طيب لو قلت لك يا شيخ عبد الرحمن: «ما أكلت إلا تمراً»، ما التقدير؟ طعام، أحسنت، «ما أكلت طعاماً إلا تمراً»، أو مثلاً «ما أكلت مأكولاً إلا تمراً»، لأن التمر من جنس الطعام أو من جنس المأكول، فيكون مناسباً. لا يصح أن تقول: «ما أكلت أحداً إلا تمراً»، لأن التمر هنا لا يدخل تحت الأحدية.
ولا بد أن يوافقه في صفته، أي في إعرابه؛ لأن المستثنى كأنه تابع للمستثنى منه، فيكون إعراب المستثنى منه المقدر هو نفس إعراب المستثنى. ونحن أصلاً عندما نعرب ما بعد أداة «إلا» باعتبار أن «إلا» غير موجودة، ففي التقدير الذهني ما وقع بعد «إلا» هو أخذ إعراب المستثنى منه الواقع قبل «إلا»، وما وقع بعد «إلا» هو أخذ إعراب المستثنى من الواقع قبل «إلا» والذي نحن نقدره في ذهننا، فهما فعلياً وذهنياً متوافقان في الإعراب، لكن هل نحتاج أن نبرز هذا عند الإعراب؟ لا، لا نحتاج أن نبرز ذلك عند الإعراب.
قال: وحينئذ يجب القصر إذا أوجب منه شيئاً. «أوجب منه شيئاً» ماذا يعني؟ الذي ظهر لي في معنى هذه الكلمة -أي إذا حملنا الوجوب على المعنى اللغوي- الوجوب في اللغة ليس السقوط، نقول: «وجبت الشمس» أي سقطت. فالمعنى إذا أوجب منه أي من المستثنى منه شيئاً، ماذا يعني؟ يعني إذا سقط من المستثنى منه شيء، أي إذا خرج من المستثنى منه شيء. هو لو استعمل العبارة أوضح كانت أسهل، فمعنى قوله: «إذا أوجب منه شيئاً» يعني إذا أسقط من المستثنى منه فرداً من أفراده بالعبارة. فالأسهل الذي حكيناه قبل قليل: «إذا أخرج من المستثنى منه فرداً من أفراده». صلحوا العبارة حتى تكون أوضح، ممكن ترجعوا للنسخ المخطوطة، لكن أنا أعتقد أن العبارة فيها إشكال: «والتقدير وحينئذ يجب القصر».
متى نحتاج إلى القصر في أسلوب «ما» و«إلا»؟ نريد أن نكون منتبهين أن النفي لابد أن يتوجه إلى شيء، فوجهه إلى مستثنى منه مقدر، عام، مناسب. هذا المستثنى منه المقدر العام المناسب هو منفي، فإذا احتجنا أن نخرج منه فرداً من الأفراد، وهذا الفرد هو منفي في الأصل، إذا أخرجنا منه شيئاً نريد أن نثبته، فهنا لابد أن نأتي بأداة الإثبات هنا، وهي أداة الحصر «إلا»، ونأتي بهذا الشيء الذي أخرجناه فنأتي به بعد أداة الاستثناء.
لكن هذا متى؟ إذا كان فعلاً هناك شيء أحتاج أن أستثني شيئاً، أحتاج أن أخرجه، فلذلك قال: «وحينئذ يجب القصر». متى وجب منه شيء؟ متى تريد أن تخرج شيئاً، فحينئذ يجب القصر بإدخال أداة القصر وهي «إلا»، ضرورة بقاء ما عداه على صفة الانتفاء. العبارة جامدة قليلاً، هو كأنه يريد أن يقول: أنت الآن تقول «ما ضرب زيد أحداً»، ولكن تريد أن تستثني شخصاً واحداً ضربه وهو عمر، فتقول: «ما ضرب زيد أحداً إلا عمراً». لماذا لازم تأتي بأداة الاستثناء هنا؟ حتى يبقى كل الباقي منفيّاً، ويبقى الضرب واقعاً على شخص واحد، هذا معنى ضرورة بقاء ما عداه.
عداه على صورة الانتفاء، ما عدا بقي داخلاً تحت صورة ماذا؟ النفي والضرب أثبت فقط لشخص واحد، أنت بهذه الطريقة عملت الحصر؛ لأنك نفيت ضرب زيد عن أي أحد، بعدين تريد إثبات ضربه لشخص معين مع بقاء النفي على الباقين، فتأتي بأداة القصر «إلا»، وهذا الذي استثنيته تضعه بعد «إلا». فيبقى هكذا: الضرب منفي عن الجميع ومثبت فقط لشخص واحد، هذه هي الفلسفة التي يحاول أن يوصلها لك في القصر بـ «ما» و«إلا».
تفضل، أوجب منه شيئاً؟ يعني أوجب منه شيئاً؟ قصدك بالمعنى الإيجاب وليس معنى الإسقاط؟ أوجب؛ أي أثبت، إذاً أصبح موجباً مثبتاً. ممكن لا، يعني كلامك حقيقة ممكن إذا قابلناها بكلمة: ماذا إذا أوجب منه شيئاً بضرورة ما بقاه على صفة الانتفاء؟ صحيح؟ لا، إذا لم نرد إذا حملناها على المعنى اللغوي، يكون في بُعد؛ يعني قضية أن إذا أسقط منه شيئاً، وأنا حملت الإسقاط على معنى الإخراج، إذا أخرجنا شيئاً، ولكن هذا سيكون فيه بُعد عن السياق الذي يتكلم فيه السيوطي. أما إذا حملنا على معنى أثبتنا شيئاً من الضرب لفرد من الأفراد ونفينا الضرب عن الباقين، أقول نعم، هذا كلام أفضل من الكلام الذي طرحته. لكن المفهوم النهائي واضح يا جماعة؟ واضح. الله يجزاه الخير، السيوطي وصل لنا الفكرة التي يريدها بزيادة.
إذاً نعيد نقرأ الأبيات: ﴿وَإِنَّمَا جَاءَ الْقَصْرُ فِي الَّذِي خَلَا ... إِلا فِيمَا وَإِلا لِأَنَّ النَّفْيَ فَارِغُ﴾. الاستثناء المفرغ موجه إلى أين؟ لأن النفي في الاستثناء المفرغ موجه إلى المستثنى منه، حال كونه مقدراً وعاماً، وناصب تاليه جنساً تاليه؛ أي أن المستثنى الواقع بعد «إلا» يكون مناسباً للمستثنى منه من حيث الجنسية، من جنس بعضه. فإذا أوجب؛ إذا أردنا أن نحملها على كلام أخونا عمر، يكون معه أثبت شيئاً بـ «إلا» منه، إذا وقع الإثبات باستعمال «إلا» لفرد من الأفراد، أما إذا لم يوجب شيئاً بـ «إلا» منه، جاء قاطعاً وحاسماً؛ أنه هنا مثلاً الضرب لم يقع إلا على فلان، وأما الباقون فهم في الأصل بقوا على الأصل، وهو انتفاء الضرب عنهم.
ثم قال: ﴿وَوَضْعُ ذِي أَتَمَّ صُنْعَهُ﴾، أي ووضع هذه المسألة هنا وذكرها هنا أتم صنيع، أي أفضل من صنيع غيره. هنا ذكر في الشرح أن البعض ذكر هذه المسألة في مكان آخر، قال: ﴿وَهَذَا الْكَلَامُ﴾، وهذا الكلام أي هذه المسألة، فلسفة القصر فيما و«إلا»، وقع في التلخيص بين تأخير المقصور عليه في «إلا» وتأخيره في «إنما»، وهي المسألة التي مرت معنا قبل قليل؛ مسألة أن المقصور عليه في «إلا» يؤخر ويندر تقديمه، وأما في «إنما» فالمقصور عليه يجب دائماً تأخيره.
فأقول: القزويني في التلخيص ذكر فلسفة القصر فيما و«إلا» بين هاتين المسألتين، ولا محل له الأصل، لا يذكرها بين هاتين المسألتين، كما نبه على ذلك بهاء الدين السبكي. قال: «ولذا توهم بعض شارحي التلخيص أنه جعل ذلك علة للتاخير لما رآه فاصلاً بين بعض الكلام وبعض». قال بهاء الدين السبكي: «لكن هذا لا يظهر علة لذلك، بل يظهر أنه علة لحصول القصر عموماً، ولذلك أخرته في النظم ونبهت عليه بقولي: ووضع ذي هنا أتم صنعة».
يعني هذه المسألة ينبغي أن تؤخر وتذكر في الأخير؛ لأن القزويني لما ذكرها بعد موضوع وجوب تأخير المقصور عليه في «إلا» ويندر تقديمه، وبين مسألة وجوب وتأخير المقصور عليه في «إنما» لزوماً، توهم بعض شارحي التلخيص ماذا؟ أن القزويني لما ذكر فلسفة القصر في «إلا» في ذاك الموضع، فإنه أراد أن يذكر الفلسفة في ذاك الموضع لتكون علة لوجوب التأخير. يعني لماذا الأصل أن المقصور عليه في «إلا» يؤخر؟ لاستكمال الصفة. هو ما ذكر القزويني هذا.
و«إنما» لما ذكر وجوب تأخير المقصور عليه مع الأداة، أتى إلى ذكر فلسفة القصر في «إلا»، أن النفي موجه إلى مستثنى منه مقدر عام مناسب، فذكر هذه المسألة، فتوهم الشراح ماذا؟ أن ذكره لهذه المسألة في تلك النقطة هي تعليل لماذا يجب تأخير المقصور عليه. ولم يكن قصد القزويني ذلك؛ ليس قصده في ذكر المسألة في ذاك الموضع أن يبين لماذا المقصور عليه بعد «إلا» في العادة يكون مؤخراً، وإنما ذكر هذه المسألة في ذاك الموضع فقط ليبين فلسفة القصر فيما و«إلا»، وليس تعليلاً لماذا يجب أن يؤخر المقصور عليه بعد «ما» و«إلا»، وإن كان قد فهم ذلك بعض الشراح. فلذلك السيوطي ارتأى أن يذكرها في الختام ولا يقدمها في الذكر، حتى لا يذكرها في المكان الذي ذكره القزويني حتى لا تشكل عليك يا طالب العلم. وقال: ﴿وَذِكْرُ ذِي هُنَا أَتَمُّ صُنْعِ﴾، أي ذكرها في الختام أفضل من ذكرها في ذاك الموضع لأنها ستشكل عليك.
هكذا نكون انتهينا أحبابي الكرام من موضوع باب القصر. ننتقل، جيد، خلنا نقرأ الأبيات السابقة. أين وصلنا في الأبيات السابقة؟ أي أبيات سنقرأ؟ ﴿وَاخْتَلَفَتْ مِنْ أَوْجُهٍ﴾، هذه هي. طيب نقرأ ونعلق على الأبيات السابقة طلباً من الإخوة حتى نفك الأبيات. قال رحمه الله تعالى في بيان الاختلاف بين أساليب القصر: ﴿وَاخْتَلَفَتْ مِنْ أَوْجُهٍ فَالْوَضْعُ قُلْ لِلْكُلِّ لَا التَّقْدِيمُ فَالْفَحْوَى يَدُلُّ﴾.
قلنا ما معنى هذا البيت؟ هذا الكلام يعني أن جميع طرق القصر أو أساليب القصر تفيد القصر بأصل وضعها، إلا أسلوب القصر من خلال التقديم، فإنه يفيد القصر من خلال ماذا؟ المفهوم والفحوى. ثم قال: ﴿وَالْأَصْلُ ذِكْرُ مُثْبَتٍ وَالْمَنْفِيُّ فِي أَوَّلٍ نُعِ﴾، يعني في العطف، قل ما معنى هذا البيت؟ في أسلوب العطف يذكر النفي والمثبت، يذكر ما هو المثبت وما هو المنفي، بخلاف باقي أساليب القصر فلا يذكر فيها إلا المثبت، ويعرف المنفي ضمنًا.
ثم قال: ﴿وَرُبَّمَا لِكُلِّ الْإِطْنَابِ سَقْطُ﴾، سقط التفصيل في النفي، وليس أصل الذكر سقط التفصيل في النفي وليس أصل ذكره. ثم قال: ﴿وَفِي الْبَوَاقِي ذِكْرُ مُثْبَتٍ فَقَطْ﴾، في باقي الأساليب يذكر المثبت فقط وأما المنفي فيعلم ضمناً. ثم قال: ﴿وَالنَّفْيُ لَا يُجَامِعُ الثَّانِي فَلَا ... لَا تَنْفِ إِنَّ نَفْيَكَ بِغَيْرِهَا خُلَا﴾. قلنا ما معنى الثاني؟ أسلوب القصر باستعمال «ما» و«إلا». فيقول: النفي لا يجامع الثاني، أي لا يجوز بعد «ما» و«إلا» استعمال «لا» العاطفة النافية، «ما زيد إلا كاتبٌ لا شاعرٌ»؛ قلنا غلط، النفي لا يجامع الثاني. فالآن أراد أن يوضح أكثر وأكثر، قال:
فالأداة "لا" هي أداة النفي، والعطف بـ "لا" فلا... هي "لا" تنفي، فـ "لا" لا تنفي... هذه أداة النفي.
لا تأتي الإتيان بها إذا كانت مسبوقة بنفي، سبق قلنا ذلك. ثم قال: «وللآخرين»، وقد تجامع... «وللآخرين»، نعم، "إنما" لا تمام، ما أقصد بالآخرين هنا؟ هو أسلوب "إنما" وأسلوب تقديم ما حقّه التأخير.
ماذا قال؟ «وللآخرين»، أنت ماذا عندك في النسخة؟ نعم، "الآخرين" فقط، "تجا" فقط، صح؟ بالفاء، نعم، لأنه هنا في بعض النسخ بالواو، لكن هي التي تظل، لأنها بالفاء «وللآخرين فقد تجا...».
«كأنما أنا الندى لامع»، استعمل القصر بـ "كأنما"، "إنما أنا الندى لامع"، والندى يعني الكريم، صاحب الجود والعطاء، لامع شيء آخر، يعني اللامع البارز أو الظاهر.
وقيل شرط جمعه هذا قول ذكره السكاكي، وقيل جواز اجتماع النفي مع "إنما"، أن لا يخص الوصف بالذي انتمى، أن لا يكون الوصف مخصوصاً بالمحصورين الذين يسمعون. قال لأنه إذا كان الوصف محصوراً أو مخصوصاً بالمحصورين، فإنه ينفى، لأنه يصبح النفي حشواً لا فائدة منه، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: 36]، لا معنى أن تقول: إنما يستجيب الذين يسمعون للذين لا يسمعون؛ لأنه معلوم ضمناً أن الذين يستجيبون هم الذين يسمعون. كيف تقول: إنما يرى المبصرون لا الأعمياء؟ ما الفائدة؟ ما هو معروف أن الذي يرى هم المبصرون لا العميان.
فيقول: شرط جمعه أن لا يكون الوصف بطبيعته يمكن أن يأتي للمحصور عليه ويمكن أن يأتي لغيره، حتى يكون للنفي زيادة معنى وزيادة توكيد، أن لا يخص الوصف بالذي انتمى. لكن القزويني وغيره ماذا قالوا؟ وقيل شرط الحسن، هذا شرط لحسن الإتيان بـ "لا" وليس لازماً، وقيل شرط الحسن وهو أقرب، يعني السيوطي يوافق على ذلك ويرى أنه شرط حسن وليس شرط لزوم.
ثم قال: «وأصل ثانٍ»، شو يعني ثانٍ؟ القصر بـ "ما" و"إلا" وأصل ثانٍ: «جهل من يخاطب وجحده لماله يستعمل»، أي الأصل في القصر بـ "ما" و"إلا" أن يكون المخاطب إما جاهلاً أو جاحداً. أما جاهلاً أو جاحداً، مش هيك حكينا؟ هذا الأصل. «وأصل ثانٍ جهل من يخاطب وجحده لماله يستعمل»، لكن يجعل المعلوم كالذي يجهل، وقد ينزل المعلوم منزلة المجهول فيخاطب بـ "ما وإلا" خروجاً عن مقتضى الظاهر. فبالتالي إذا نزل المعلوم منزلة المجهول، فخذ له الثاني أيضاً، ما في مشكلة، لكنه يكون خروجاً عن المقتضى الظاهر، فخذ له الثاني لامرٍ ناسبه، أي لنكتة ناسبت، فخذ له الثاني لامرٍ ناسبه.
«واستعمل مفرداً أو قالباً»، أو يجوز أن تقول مفرداً كذلك باعتبار أنك المفرد، "واستعمل أنه مفرداً أو قالباً"، وهذا الذي يظهر لي؛ لأنه قال "قالباً"، ما دام "قالباً" اسم فاعل، إذاً هنا الأصل تكون اسم فاعل أيضاً، "واستعمل أنه مفرداً أو قالباً".
ثم ذكر مثالاً حتى تظل ذاكراً لهذه القضية، وهذا الجميل في هذه المنظومة، أنه كما قلت لك يعطيك الفكرة ومثالها مشان تحفظ الفكرة مع مثالها. قال: «كمثل ما محمد إلا رسول»، إذ أعظم مماته الصحابة استعظموا موته مثل الجهول، أي مثل الذي يجهل أنه يمكن أن يموت، وينكر مع أنهم لم يكونوا كذلك، أي هو مقصور على ماذا؟ على الرسالة، «ما عدا التبري من هلاك»، وأراد، أي هو مقصور على الرسالة وليس هو ممن يمكن أن يخلد، التبري من الهلاك، أي هو مقصور عليها، أي على الرسالة، وليس فيه الصفة الأخرى التي يزعمون أنها فيه، طبعاً يزعمون أنها فيه، بس نزلهم منزلة من يزعم أنها فيه، أي هو مقصور عليه ما عدا التبري منها.
المثال الثاني قوله: «إن أنتم إلا بشر»، لزعم الرسل سواه، لمن كان يزعم أن الرسل ماذا سواه؟ هم المشركون الذين كانوا يعتقدون أن البشرية والرسالة لا تجتمع في كائن واحد. وقوله «إن أنتم إلا بشر» لزوم الرسل سواه، وأصر المخاطب على ادعاء الرسالة، والمخاطب لهم الرسل، كانوا مصرين على ادعاء الرسالة، وقولهم وقول الرسل موافقة لقومهم «إن نحن مثل القائل»، أي مثل قولهم، هم قالوا: "ما أنتم إلا بشر"، فالرسل قالوا: "ما نحن إلا بشر".
ما كان بيننا هذا في المجلس السابق، لماذا وافقوه على نفس الحصر؟ فقولهم: «إن نحن مثل القائل»، أي مثل ما قلتم، كما أنكم حصرتم فنحن أعدنا حصراً، من المجاراة للخصم، أي من التنزل مع الخصم في الحوار، من المجاراة للخصم كي عثر، يعني أريد أن أجعله يتعثر في المحاورة. صح، نحن إلا بشر، طب هل هذا يمنع أن نكون رسلاً؟ يعني نحن إلا بشر ماشي، نحن إلا بشر، لكن هل هذا يمنع أن نكون رسلاً؟ فحصر لنا في البشرية، نحن لا نفي باعتبارنا بشر، لكن ننفي أنه سبب لنفي احتمال الرسالة عنا.
طيب، "من المجاراة للخصم كي عثر"، أراد التبكيت، فأراد المفعول المطلق، فأرادوا تبكيت بذلك، لا للنفي، "لا نفي قر"، أي ليس مرادهم مراد الرسل موافقة الكفار في نفي الرسالة عن أنفسهم، لا للنفي، أي ليس قصدهم إقرارهم على انتفاء الرسالة، وإنما قصدهم المجاراة لهم والتنزل معهم في الكلام، "إن نحن إلا بشر"، طب إيش يعني؟ هل هذا يعني أننا لا يمكن أن نكون رسلاً؟ فليس قصدهم نفي الرسالة، فالكفار ركزوا، فالكفار قصدهم: "إن أنتم إلا بشر" نفي الرسالة، والرسل لما وافقوا على أصل القصر هم أرادوا مجاراتهم في أصل الأسلوب، لكن لم يقصدوا مجاراتهم في نفي الرسالة عن أنفسهم.
طيب، "وإنما بعكسه"، خلص إنما في كل ما سبق عكس "ما وإلا"، فهي لا تكون إلا إذا كان المخاطب عالماً ممتزاً فأردت أن تذكره لأن عمله لا يجري على وفق علمه، وأما استعماله للجاهل فيكون خروجاً عن مقتضى الظاهر. فقال: «وإنما بعكسه»، «كأنما هذا أخوك»، أي فرق وارحمه، يعني شوي شوي عليه.
«وربما ينزل المجهول في دعوى الظهور كسواه فيأتي»، أي وربما هو شيء وقد ينزل المجهول منزلة المعلوم، فيؤتى فيه بـ "إنما"، عكس ما ورد فيما "ما وإلا"، وربما ينزل المجهول في دعوى الظهور كسواه، أي كالمعلوم، فيأتي المتكلم بـ "إنما".
«ثم على العطف لها مزية»، أي إن "إنما" الآن يتكلم عن "إنما" بالعطف، لها مزية، أسلوب الحصر بـ "إنما" له مزية على أسلوب الحصر.
بالعطف باستعمال "لا" و"بل" و"لكن" في ماذا قال؟ إذ يعلم الحكمان بالمعنى، ثم على العطف لها مزية؛ إذ يعلم الحكمان بالمعنى أي بنفس الجملة الواحدة، ضربت عصفورين بحجر زي ما بيحكوا، فهم النفي والإثبات.
أما الحصر بما "لا" و"بل" و"لكن"، فلا يعرف النفي والإثبات إلا بسماع كامل الجملة، فأنت أولاً تسمع النفي ثم تسمع الإثبات، أو تسمع الإثبات ثم تسمع النفي. زيد كاتب بل شاعر، فأنت أول شيء شو سمعت؟ النفي، بعدين سمعت الإثبات. أو كما نستعمل "لا": زيد قائم لا قاعد، شو أول شيء سمعت؟ الإثبات، بعدين سمعت النفي.
لكن لما قلت "إنما زيد قائم"، أنت بجملة واحدة فهمت الاثنين، أي أنه قائم مش قاعد، فهذه هي المزية في "إنما" على العطف، أن "إنما" بتفهمك المعنيين بجملة واحدة. أما العطف بـ "لا" و"لكن" و"بل"، فأنت تحتاج أن تسمع مقطعين حتى تعرف الإثبات والنفي. قال: إذ يعلم الحكمان بالمعنى، أي معاً في نفس الوقت.
قال ومثلها التقديم في التعويض، أي أن التقديم يعوض عن جملتين، ومثلها التقديم في التعويض، أي أن التقديم ما حقه التأخير؛ الحصر باستعمال أسلوب تقديم ما حقه التأخير مثل "إنما". ما معنى مثل "إنما" في التعويض؟ أي أنك بأسلوب واحد تفهم إثباتاً ونفياً، فكأنك بجملة واحدة عوضت عن جملتين.
فلما أقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، هذه ما معناها؟ نعبدك ولا نعبد غيرك؟ فأنا بجملة واحدة أفهمت النفي والإثبات، صحيح؟ فإذاً هي مثل "إنما"، ومثلها التقديم في إفادة التعويض.
وخير ما تورِد في التعريض، وأفضل مكان يستعمل فيه الحصر بـ "إنما"، إذا أردت أن تعرض فيه بشيء آخر، أكون أنا بعطيك حصر في جهة وأكون أعرض بجهة أخرى. ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19]. ونعم، حصل التذكر بأول الألباب، لكن له مقصد تعريض بالكفر؛ أنكم حمقى ومغفلون، فهو لم يقصد فقط إعطاءك حصر، لا، هناك مقصد بعيد للكلام وهو التعريض بغباوة الكفار.
هكذا نكون انتهينا تماماً من باب القصر، بعد إن شاء الله صلاة العصر نكمل المجلس الثاني في الباب الخامس أو السادس، أظن من أبواب علم المعاني. نحن انتهينا من الإسناد، والمسند إليه، والمسند، والمتعلقات، والقصر، بقي علينا ثلاثة أبواب بإذن الله، وهي: الإنشاء، والفصل والاطناب، والإيجاز والإطناب والمساواة.
شوف، علم المعاني هو أصعب علوم البلاغة. البيان أسهل، البيان يغلب عليه التفصيلات فقط؛ أسلوب التشبيه، أدواته، أشكاله، المجاز والحقيقة، بعض الأمور التي هي في متناول اليد. والبديع أسهره، لأن أفكاره هي أفكار عامة تُفهم بسرعة. فإذا أنهينا إن شاء الله علم المعاني، نكون أنهينا أكثر من ثلثي الكتاب بإذن الله. نسأل الله سبحانه وتعالى التيسير والسداد. نرتاح قليلاً إلى ما بعد العصر، الساعة الخامسة نبدأ، وصلى الله على سيدنا محمد.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل