دخولتسجيل الدخول

الدرس 55 - باب التشبيه (4)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقده في التعليق على ألفية عقود الجمان في علم المعاني والبيان للعلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى عليه.

ما زال حديثنا قائماً في باب التشبيه من أبواب علم البيان، وهو الباب الأول من أبواب هذا الفن. وفي المجلس السابق تكلمنا عن تقسيمات أوجه الشبه؛ وقلنا إن علماء البلاغة عندما يتحدثون في التشبيه يتكلمون عن تعريفه أولاً، ثم يتكلمون عن أركانه الأربعة: الطرفان المشبه والمشبه به، ووجه التشبيه، وأداة التشبيه. ثم يتكلمون بعد ذلك عن أغراض التشبيه؛ أي ما هي المقاصد التي تُقصد في التشبيه، وذلك بعد أن يتكلموا عن أركانه وعن كل ركن على حدة وما يتضمنه من التقسيمات.

لا أخفيكم أن هذا الباب أطال فيه المتأخرون في موضوع التقسيمات على صورة جعلت كثيراً من الطلبة ينفر منه. أطالوا الكلام في التقسيمات مع أنه كان بإمكانهم أن يختزلوها أكثر وأكثر، مع ذلك جيد أن الطالب يقرأ ما ذكره العلماء وينظر فيه ويفهم ما في معانيه، لكن جيد أيضاً أن يكون لك نظرة ناقدة: هل نحن نحتاج إلى هذا الكم؟ اليوم إن شاء الله سيأتي معنا أقسام التشبيه، وستجدون كماً كبيراً من التقسيمات كان بإمكاننا أن نختزلها وأن نُدخل بعضها في بعض. عموماً هذا الذي يوجد عندنا الآن، وسنقرأ إن شاء الله الفصل الذي يتعلق بأدوات التشبيه.

قال السيوطي عليه رحمه الله: اداته الكاف ومثل وكان ... والاصل في الكاف وما اشبه ان تلى مشبها به وربما تلى سواه مثل الدنيا كما قلت ولا يكون مثل الا في ذي غرابه وشان جل وربما يذكر فعل ينبي عنه ... فان كان مريد القرب علمت زيدا اسدا والمبعد حسبته قلت وذا منتقد

هذه الأبيات تتكلم عن موضوع أدوات التشبيه. أراد السيوطي أن يتكلم عن الأدوات التي تُستعمل في أسلوب التشبيه؛ فكما قلنا عندما تلحق المشبه بالمشبه به ينبغي أن يكون هناك أداة، إما ظاهرة وهذا هو الأصل، وقد تحذف وتكون مقدرة كما أسلفنا. فيقول في شرحه: أداة التشبيه الكاف، وهي أم الباب كما يقولون، نحو: محمد كالقمر، زيد كالأسد. فالكاف هي الأم في هذا الباب. أيضاً كلمة مثل: نحو هند مثل سعاد، هذا الثوب مثل هذا الثوب؛ فكلمة مثل أداة من أدوات التشبيه. وكذلك كان: نحو كان محمداً قمر، فكان التي هي من أخوات إن من أدوات التشبيه.

قال: إذاً أداة التشبيه الكاف ومثل وكان ونحو ذلك مما يشتق من مصدر المماثلة والمشابهة، يعني كل ما يؤخذ من المشابهة والمماثلة ويشتق منها من الأفعال والأسماء، هذا أيضاً يستعمل كأداة من أدوات التشبيه. مثل كلمة نحو: هذا الثوب نحو هذا الثوب؛ هذا تشبيه. كذلك كلمة شبه: هذا الثوب شبه هذا الثوب، وهذا الهاتف شبه هذا الهاتف، وهذه المسألة شبه هذه المسألة؛ فهذه كلها أيضاً تعتبر من أدوات التشبيه.

لكن هنا السيوطي ذكر فائدة أخذها من الطيبي، وهي أن أداة التشبيه مثل لا تُستعمل إلا إذا كان التشبيه فيه نوع غرابة. يقول: ولا يستعمل المثل إلا في حال أو صفة لها شأن، يعني يكون التشبيه في شيء فيه شأن وعظمة وأهمية، وفيها غرابة. إذاً أداة التشبيه مثل، أنت ربما في أوساط ابتدائية تقول للطالب: ائتني بتشبيه، فيأتيك بالتشبيه يقول: محمد مثل زيد. استعمل كلمة مثل، والطيبي يرى أن هذا يمكن أن يُقبل في الأعمار الابتدائية أو في الدرس الابتدائي في البلاغة، لكن لما يتقدم طالب علم البلاغة ليدرس تلخيص المفتاح عليه أن يعرف أن كلمة مثل الأصل أنها لا تستعمل في التشبيهات الباردة البسيطة، وإنما تستعمل في التشبيهات البليغة العالية.

ثم سينتقل إلى فكرة أخرى، قال: والأصل في الكاف وما أشبهها من أدوات التشبيه -كلفظ النحو والشبه والمثل بخلاف التماثل والتشابه والتكافؤ- أن يلي المشبه به لفظاً أو تقديراً. الآن هو يقول: أدوات التشبيه باختصار على نوعين؛ أدوات التشبيه التي يأتي بعدها مباشرة المشبه به، وهذه سهلة واضحة: محمد كالأسد، بعد الكاف ذُكر المشبه به. نحو زيد، بعد نحو ذُكر المشبه به. محمد شبه زيد، محمد مثل عمر، فبعد لفظ الكاف أو النحو أو الشبه أو المثل المتعارف أنه يأتي المشبه به، إما منصوصاً أو مقدراً. منصوصاً: زيد كالأسد. مقدراً: كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: 19]. لماذا جعله مقدراً؟ لأن علماء التفسير يقولون الله لم يشبه المنافقين بالصيب، المراد تشبيه المنافقين بأناس أصابهم صيب، فإذاً هناك كلمة محذوفة بعد الكاف تقديرها حالهم كحال صيب، هكذا قالوا: كحال صيب، فالشبه به هم الذين يسيرون في الصيب وليس هو الصيب. فالمشبه في السياق فهمتم؟ فيقول هذه حالة تقديرية، أو كذوي صيب، لأن الله يشبه جماعة المنافقين بجماعة أصحاب صيب.

وربما يليه غيره، يعني في بعض الأحيان قد تأتي هذه الأدوات ولا يليها المشبه به، مثال ذلك حتى نفهم، قوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45]. هنا الله شبه الحياة الدنيا بماذا؟ إذا أردت أن تمشي على الظاهر جاءت الكاف إذاً بعد الكاف هو المشبه به، فسيقول الطالب مستعجلاً: شبه الدنيا بالماء، واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه. قال: لكن من دقق في التشبيه عرف أن المشبه به ليس الماء، وإنما المشبه به النبات المذكور في داخل السياق، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾. فلو فهمت التشبيه ستعرف أن المشبه به حقيقة ليس الماء النازل من السماء، بل النبات الخارج من الأرض. وانظروا ماذا قال السيوطي: ليس المراد تشبيه الدنيا بالماء بل تشبيه حالها في بهجتها وما يعقبها من الهلاك بحال النبات الذي ينتج من الماء، الحاصل من الماء كيف يكون أخضر ثم ييبس فتطيره الرياح ثم يكون حطاماً. ففي هذه الحالة لا بد ألا تنخدع، ولا تستعجل، المشبه به لم يأتِ بعد الأداة مباشرة، جاء في أثناء السياق، وهذا بالتالي يعتمد على مقدار فهمك واستيعابك للمراد من المثل.

في المقابل هناك أدوات تشبيه يأتي بعدها المشبه وليس المشبه به، العكس، يعني قلنا في أدوات تشبيه بوضعها اللغوي أن يأتي بعدها المشبه به مثل الكاف ونحو وشبه. هناك أدوات تشبيه لا، بطبيعتها يأتي بعدها المشبه، مثلاً: كان زيداً قمر، كان ما الذي جاء بعدها؟ المشبه وهو زيد، والمشبه به جاء متأخراً. كذلك ما ذكره قال: بخلاف التماثل والتشابه والتكافؤ؛ إذا كانت هكذا تُقرأ أقول: يماثل زيد عمراً، هنا ما الذي جاء بعد الفعل؟ يماثل المشبه، يكافئ زيد عمراً، يكافئ هذا الثوب ذلك الثوب، الذي جاء بعد يماثل ويكافئ ويشابه ماذا جاء؟ جاء المشبه. فإذاً هذا شيء واضح أظنه، لكنهم ينبهون عليه لتفهم أنه أحياناً أداة التشبيه يأتي بعدها المشبه، وأحياناً يأتي بعدها المشبه به بحسب طبيعتها.

ثم ختم ما يتعلق بأدوات التشبيه بهذه الفكرة فقال: وربما يذكر فعل ينبئ عن التشبيه. فيؤتى في التشبيه القريب بنحو: علمت زيداً أسداً، الدال على التحقيق. إنه فعلاً كذلك، ويؤتى في التشبيه البعيد بقولك: حسبت زيداً أسداً، الدال ليس على التحقيق والجزم. التحقيق يعني الجزم هنا، حسبت وظننت تستعمل في الظن ولا تستعمل في التحقيق، ثم قال: هكذا قال في التلخيص، يعني هذه الفكرة من أين أتى بها السيوطي؟ من الأصل وهو متن التلخيص. قال: واعترض بأن في مثل كون هذه الأفعال تنبئ عن التشبيه نوع خفاء، يعني هذا كلام ليس واضحاً يا قزويني، والأظهر أن الفعل ينبئ عن حال التشبيه في القرب والبعد، وأن الأداة محذوفة مقدرة لعدم استقامة المعنى بدونها.

إذاً وقع خلاف في هذه المسألة، البعض أو القزويني في التلخيص قال: أحياناً تستعمل... سأشرح كلام القزويني ثم نشرح كلام الطرف الآخر. القزويني ماذا يقول؟ هناك بعض الأفعال تُذكر وتتضمن في داخلها معنى التشبيه، هذا معنى قولي أنها تنبئ عن التشبيه، يعني هي في الأصل ليست أفعال تشبيهية، علمت وحسبت هل هي أفعال تشبيهية؟ هل فيها مادة الشبه والمثل؟ لا، هي ليست أفعال تشبيهية، لكن يقول: في بعض السياقات قد تنبئ، يعني كأنها تتضمن في داخلها تشبيهاً. فعندما أقول: علمت زيداً أسداً، تشعر -يقول لك القزويني- تشعر أنه ماذا؟ أن علمت هنا حملت في بطنها تشبيهاً، ولا يوجد، خلص هي نفسها كأنها حلت محل أداة التشبيه، فهمتم؟ يعني هو لماذا يذكرها هنا؟ كأن علمت حملت في بطنها تشبيهاً، فأصبح الفعل علمت هنا محل أداة التشبيه، ونفس الشيء حسبت زيداً أسداً، الفعل حسب كان في بطنه تشبيه، فأصبح يحل محل أداة التشبيه، هكذا يرى القزويني.

طبعاً متى تستعمل علمت زيداً أسداً ومتى تستعمل حسبت زيداً أسداً؟ قال: إذا كنت متيقناً واثقاً جازماً بتشبيهه تقول علمت، لأن للجزم، وإذا كنت ها، يعني ترى الأمر بعيداً لكنك تحمله ولو على وجه البعد تقول ظننت وحسبته، هذا يعني هو الفرق بين علمت وحسبت في هذا السياق. لكن عموماً هل وافق العلماء أو غير القزويني القزويني في هذه الفكرة؟ حقيقة السيوطي ماذا يقول؟ واعترض على القزويني بأنه أن تقول أن علم وظن تحل محل أداة التشبيه بعيد وفيه خفاء، وإنما ماذا نقول؟ نقول علم وحسب في هذا السياق هي تنبئ، يعني هي ليست تحمل في بطنها تشبيهاً، كيف عبروا؟ قال: تنبئ عن حالة تشبيه موجودة وتكون أداة التشبيه محذوفة مقدرة.

ستقول لي ما الفرق بين القول الأول والقول الثاني؟ القول الأول قول القزويني هو يرى أن علم وحسب هي أصبحت أداة التشبيه وحلت محلها، القول الثاني يقول لك: نعم السياق فيه تشبيه، لكن لا نقول أن علم وحسب حلت محل أداة التشبيه، لا هذا صعب، وإنما قال: تنبئ عن حال التشبيه، يعني هي قرينة أن هنا في هذا السياق في تشبيه، طيب وين أداته؟ محذوفة مقدرة. النتيجة النهائية كلاهما متفق على وجود تشبيه، لكن الخلاف تنظير: هل علم وحسب حلت محل الأداة؟ أم علم وحسب قرينة على وجود أداة محذوفة؟ هذا هو ملخص الخلاف بينهم.

طيب هذا القول الثاني الذي اعترض هو الطيبي، السيوطي جداً جداً محتفي بكتاب التبيان للعلامة الطيبي من أهم كتب البلاغة، ولذلك حتى من يريد يقرأ حاشية الطيبي على الكشاف للزمخشري عليه قبل أن يقرأ الحاشية وينظر فيها -وهي طبعاً أعظم حاشية على الكشاف- عليه أن ينظر في ماذا؟ في كتاب الطيبي في التبيان، لأن الطيبي وهو يعلق على الزمخشري يعلق بناءً على مصطلحاته وتقسيماته هو، فبدك تكون أنت مطلع على تقسيمات الطيبي ومصطلحاته. بعض الطلاب يقرأ مباشرة في الحاشية وهو لا يعرف آراء الطيبي البلاغية، لا، خطأ. حاشية الطيبي على الكشاف للزمخشري في تفسير القرآن إنما تقرأ بعد قراءة مصطلحاته ومعرفة مذاهبه البلاغية. طيب عموماً هكذا نكون انتهينا من أداة التشبيه، يا ريت كل الأمور مثل أداة التشبيه لطيفة وخفيفة.

طيب، ننتقل الآن إلى ماذا؟ بعد أن تكلم الآن، هكذا يكون انتهى من الكلام عن أركان التشبيه جميعاً، تكلمنا عن الطرفين وتقسيماته، تكلمنا عن وجه الشبه وتقسيماته، تكلمنا عن أداة التشبيه والكلام الذي يدور حوله. الآن سيتكلم في ماذا؟ مقاصد التشبيه أو أغراض التشبيه، يعني متى العربي يأتي بالتشبيه، ماذا يكون مقصده؟ العربي عندما يأتي بالتشبيه، ماذا يكون مقصده من تشبيه شيء بشيء؟ هذا ما سندرس الآن، لكنك ستكتشف بعد انتهاء هذا الفصل أننا سنعود إلى الفصل الختامي، أقسام التشبيه، مرة أخرى، وسيعود فيذكر لنا تقسيمات في وجه الشبه والأطراف، فستتكاثر عليك هذه التقسيمات.

دعونا فيما نحن فيه نقرأ ماذا قال السيوطي: أداته الكاف ومثل وكان، والأصل في الكاف وما أشبهها أن تلي مشبها به. الأصل في الكاف وما أشبهها وهي النحو، والشبه أن تلي أي أن يأتي بعدها المشبه به. وربما في بعض الأحايين تلي سواه، كما قلنا في بعض الأمثلة القليلة قد يأتي بعدها غير المشبه به، مثل الدنيا كما أعطاك إشارة للمثال اللي هو ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. ثم قال: قلت، يعني هذا زيادة على ما في القزويني، قلت: ولا يكون مثل إلا في ذي غرابة وشان. جل هنا السيوطي أعطاك فائدة أخذها من الطيبي وهي أن أداة التشبيه المثل لا تستعمل كأداة تشبيه إلا في شيء غريب عظيم جليل الشأن.

جيد، ثم قال: وربما يذكر فعل ينبئ عنه، ينبئ عنه هذا رأي القزويني، معنى الإنباء أن الفعل حل محل أداة التشبيه باختصار. ينبئ عنه، فإن كان أنا مريد القرب وهو الجزم علمت زيداً أسداً، وأما إن كان التشبيه بعيداً ليس مجزوماً، لذلك قال: والمبعد، يعني الذي ليس مجزوماً به تقول حسبته. ثم قال: قلت وذا منتقد، قال السيوطي ورأي القزويني منتقد، من الذي انتقد؟ الطيبي في التبيان. تمام، فهمتم الأبيات الآن؟ سننتقل إلى أغراض التشبيه، قال فصل:

غرضه يعود للمشبه في أكثر الأمر وفي أغلبه، بيان إمكان وحال، وكذا قدر وتقرير لها. وكل ذا يقضي بأن الوجه في المشبه به أتم وهو أشهر به، وفيه نقد. ثم للتشويه وزينه والظرف كالتشو للفحم ذي الجمر، ببحر مسك وموجه من ذهب ذي سبك. ووجه ظرف كونه يبرز في ممتنع أو قل في الذهني، في للمشبه به الغرض عم، أما لإيهام بأنه أتم وذاك في المقلوب، أو للاهتمام كجائزة بالتمام إظهار مطلوب، وكل ذا إذا إلحاق ناقص بغير يحتذى. وقد يراد الجمع للشيء في أمر ولم ينظر لنقص أو وفي، فالأحسن العدول للتشابه وذكره التشبيه من صوابه.

طب هذا فصل مهم حقيقة ومفيد، هذا من الفصول المفيدة والمهمة التي ينبغي على طالب علم البيان أن يفهمها وهي أغراض التشبيه. التشبيه أيها الكرام إما أن تعود فائدته إلى المشبه ويكون هو المقصود، أو أن تعود فائدته إلى المشبه به ويكون المشبه به هو المقصود. هذا تأسيس تمام، العربي عندما يأتي بالتشبيه إما أن تكون فائدة التشبيه لمصلحة المشبه والكلام يحوم حوله، أو تكون فائدة التشبيه لمصلحة المشبه به والكلام يحوم حوله. لكن يا ترى ما هو الأصل؟ أن تكون فائدة التشبيه للمشبه أو للمشبه به؟ للمشبه. فالأصل أن فائدة التشبيه تكون للمشبه. الآن هل يمكن تأتي للمشبه به؟ نعم، لكن هذا فرع وليس أصلاً في باب التشبيه. تمام، لذلك ماذا قال في أول بيت: غرضه يعود للمشبه في أكثر الأمر وفي أغلبه، يعني في الأكثر والأغلب فائدة التشبيه ومقصده يكون متعلقاً بمن؟ بالمشبه.

الآن أراد أن يبين ما هي هذه الأغراض التي تعود للمشبه، فقال في شرحه عليه رحمه الله: الغرض من التشبيه ما، الآن هو سيشرح لك أصلاً ما معنى كلمة الغرض. لما يقول لك الغرض من التشبيه، شو معنى كلمة الغرض من التشبيه؟ قال الغرض من التشبيه هو ما يقصده المتكلم من إيراده، يعني أنت أيها المتكلم لما أوردت التشبيه لماذا أوردته؟ ماذا كنت تقصد؟ تمام، الغرض من التشبيه هو ما يقصده المتكلم من إيراده، وهذا الغرض وهذا المقصود عائد إلى المشبه غالباً، وقد يكون في بعض الأحايين يعود إلى المشبه به، فنبدأ بما هو غالب.

قال فالأول، وهو أن يكون الغرض يعود إلى المشبه، قال فالأول على وجوه: أما هي الآن بدك ترقم حتى تعرف هذه المقاصد التي تعود إلى المشبه، قال أولاً: أما بيان إمكان الوجود. أحياناً أنا أشبه شيئاً بشيء ويكون مقصدي بيان أن المشبه ممكن أن يكون موجوداً كما أن المشبه به موجود، فكل التشبيه إيش فائدته؟ أريد أن أؤكد للسامعين أن المشبه يمكن أن يوجد في الخارج. طبعاً هذا الإمكان قد يكون إمكاناً حقيقياً وستكتشف أنه يمكن يكون إمكاناً ادعائياً على سبيل المبالغة، لكن هذا هدفه، تمام، المهم هدفه أن يقول إنه هذا الشيء ممكن أن يوجد في الخارج.

طيب متى هذا؟ متى برأيكم متى يمكن أن يستعمل هذا؟ هذا يستعمل إذا كان المشبه بطبيعته الناس تستبعد جداً أن يكون موجوداً في الخارج، وأنت بدك تفكر بالمنطق هون؛ أنا متى يكون مقصدي من التشبيه إثبات إمكانية وجود المشبه؟ إذا كان المشبه بطبعه يستبعد الناس وجوده في الخارج يعني، مش ممكن تقول لي خد كالورد وتقول لي هذا لإمكان الوجود، غلط لأن الخد موجود ولا أحد يستبعد وجوده، فأنت بدك تشوف أن يكون المشبه شيئاً مستبعد الوجود فيريد المتكلم أن يثبت إمكانية وجوده. قال بأن يكون المشبه أمراً غريباً يمكن أن يخالف فيه، أي يمكن أن يأتي إنسان وينكر وجوده ويدعي امتناعه، فيأتي المتكلم فيستشهد له أن يأتـي بشاهد على إمكانية وجوده باستعمال التشبيه.

شوفوا هذا المثال الجميل، كقول المتنبي وهو يمدح أحد أمراء الزمان إيش يقول: فإن تفُق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزالِ جميل هذا البيت. المتنبي يقول لهذا الرجل: يقول أنت أيها الأمير أصبحت جنساً مختلفاً عن الناس، فالسامع استنكر، كيف؟ أليس هو من البشر؟ كيف يكون هذا الأمير من جنس آخر ومن طينة أخرى؟ فالمتنبي يقول: أتستنكرون ذلك أن يكون إنسان يعيش معنا لكنه من طينة أخرى؟ أعطيكم شاهد يؤكد إمكانية ذلك، قال: فإن المسك بعض دم الغزال. المسك ذو الرائحة الطيبة من أين أخذ؟ ألم يستخلص من الدم ذي الرائحة الكريهة؟ فهل يستبعد وجود إنسان يمشي معنا لكن طينته مختلفة؟ إذا كنتم تنكرون ذلك فسأعطيكم ما يؤكد إمكانية الوجود.

إذاً المشبه ما هو؟ كون الأمير أصبح من جنس آخر أو من طينة أخرى، طبعاً هذا قلت لكم هذا ادعائي شوي بس مش مشكلة. المشبه أن الأمير من طينة أخرى، لما كان هذا مستبعداً ومستغرباً أراد أن يثبت إمكانية وجود ذلك. يا شيخ محمد فقط سهّل على حاله أخرى موجودة فيها جاء شيء عذب من طينة شيء كريه وهو استخلاص المسك من دم الغزال، مش المسك يؤخذ من دم الغزال؟ قال فإن تفُق الأنام وأنت منهم، أين التشبيه؟ تشبيه طبعاً هنا الأداة محذوفة لكنه مفهوم ضمناً، فكأنه يقول فانت كالمسك الذي هو بعض دم الغزال، أداة التشبيه محذوفة لكنها مقدرة.

يقول السيوطي: فإنه لما ادعى أن الممدوح فاق الناس حتى صار أصلاً برأسه وجنساً بنفسه، وكان هذا الظاهر ممتنعاً، العوام يقولون: كيف هذا أصبح من جنس آخر؟ أليس هذا من مجازفات أيها المتنبي؟ احتج المتنبي لهذه الدعوى وبين إمكانها بأن شبه هذه الحال بحال المسك الذي هو في الأصل ماذا؟ هو من الدماء ولكنه ترفع عنها، المسك الذي هو من الدماء ثم ترفع عنها وأصبح ذا رائحة طيبة، هذا المراد. قال ثم إنه لا يُعد، يعني بعد ذلك المسك مع أنه أصله من الدماء هل يُعد بعد أن أصبح مسكاً وله رائحة، هل أحد يقول هذا دم؟ لا، أصبح الناس يقولون مسك. قال ثم إنه لا يعد من الدماء لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا توجد في الدم. والتشبيه فيه إيش قال؟ ضمني لا صريح، زي ما قلنا لأن أداة التشبيه مذكورة لا، فالتشبيه في هذا البيت ليس صريحاً لأن أداة التشبيه مقدرة.

طيب إذا عرفنا الصورة الأولى أو الغرض الأول من أغراض التشبيه التي تعود إلى المشبه وهو إثبات إمكانية وجوده في الخارج.

اثنان، المقصد الثاني بيان حال المشبه بأنه على أي وصف من الأوصاف. أريد أن أبين حال المشبه للسامعين ما صفته وعلى أي صورة هو في الخارج، فأشبّهه بشيء آخر صفته في الخارج معلومة لدى السامعين. قال كما في تشبيه ثوب بآخر في السواد، إذا كان السامع على علم بالمشبه به دون المشبه. تمام، يعني مثلاً أنا أكون اشتريت ثوباً جديداً، فأقول لك والله يا شيخ عمر ترى أنا اليوم اشتريت ثوباً جديداً كذا وكذا ورائع، بتقول لي كيف لونه؟ فقول لونه كلون ثوبك. الآن هو عرف صفة الثوب الذي اشتريته لأنني شبهته بالثوب الذي هو يلبسه ويرتديه أمامه، فهنا أنا بينت له حال المشبه من خلال قياسه على المشبه به. عرفتم؟ وهذا فكرة واضحة وهذا ما تحتاج إليه أحياناً بعض الألوان، مهما جلست توصفها يا أخي السامع بقولك شو هاللون هذا؟ بتقول يا أخي والله مش عارف، بشبه هذا، اللون اللي بتشوفه في البيت، بشبه هذا، خلص هذا بيان الحال. هذا اسمه بيان حال.

قال: إذاً لذلك لم يذكر له مثالاً لكثرته وشيوعه بين الناس.

السبب الثالث، المقصد الثالث، إذاً الثاني بيان الحال، الثالث بيان القدر، يعني بيان المقدار. وهذا أيضاً واضح لأن الأشياء تتفاوت في مقاديرها، كما قال قوة وضعفاً وزيادة ونقصاناً. تمام، فأنت مثلاً إذا أردت تقول والله هذا الكأس كم فيه من الماء أو أنا اشتريت مثلاً كمية من المياه أو الحليب أو اللبن، فأنت سألتني كم الكمية اللي اشتريتها؟ الآن ربما أنا مش قادر أقول لك والله هي لتر، لتر ونص، مش محدد، فإيش بقول لك؟ كميتها ككم هذا الوعاء اللي أمامنا. نفس الفكرة السابقة بس هنا مش بيان صفة، بيان إيش؟ مقدار، إنه أنا اشتريت شيئاً من السوائل أو اشتريت شيئاً بأي شيء له مقدار، وأنت تقول لي كم مقدار ما اشتريت، فأنا حقيقة ما أعرف يعني كم لتر هو بالتحديد، فأتي أشبهه بشيء أنا وإياك نعرف كم مقداره، فأقول لك والله اشتريت بشيء يشبه مقدار هذا ويكون هناك شيء مثلاً أمامنا أو شيء متعارف عليه عند الناس، أو أقول لك اشتريت بمقدار تنكة الماء، اشتريت كمية لبن كتنكة ماء. تنكة الماء شيء متعارف عليه فرضاً بين كم يسع، فلما أقول لك اشتريت كمية لبن كتنكة ماء أنا هنا بينت لك المقدار من خلال التشبيه. لذلك قال بيان قدر حال المشبه من حيث القوة والضعف والزيادة والنقصان. طبعاً كما قال قد تكون القضية لترات، قد تكون قوة وضعفاً، يعني بتقول لي مثلاً اشتريت ضوء، كم قوة هذا؟ الآن هنا مش لتر، لا، مثلاً والله هذا اشتريت لك ضوء قوته زي قوة هذا من حيث قوة الإشعاع مثلاً، بتقول لي كم فولت؟ بقول لك أخي أنا مش مهندس كهرباء ما بعرفش كم فولت، بس قوة إشعاع الضوء الذي اشتريته كقوة هذا، فهنا أيضاً مقدار من حيث القوة والضعف وهذه فكرة سهلة لا تحتاج إلى كثير.

قال: كما في تشبيه ثوب أسود بالغراب، أقول لك والله اشتريت ثوباً أسود، أسود فحمة كالغراب، هنا أردت أن أدل على مقدار سواده، إنه شديد السواد لدرجة أنه أصبح يشبه بالغراب الأسود.

طيب، وكقول الشاعر: فأصبحت من ليلى الغداة كقابض ... على الماء خانته فروج الأصابعِ

يلا مين يعطيني كيف هذا البيت يتكلم عن مقدار؟ فأصبحت من ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع. يلا حللوا لي هذا البيت وأخبروني ماذا قصد بالتشبيه؟ ونحن دائماً بدي إياكم تركزوا أحبابنا على التفكير، يعني علم البيان وعلوم البلاغة عموماً ما بينفع تضلك في حالة المتلقي، بدك تتعود تقرأ الأبيات وحدك وتتعب في التفكير فيها والتحليل وليس دائماً تطلب الشيء الجاهز، فهنا نقول: فأصبحتم ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع. فالآن بقول لك يا شيخ محمد، وين المشبه به؟ كقابض على الماء خانته فروج الأصابع. طبعاً أنا أيضاً، هو أصلاً فهم القضايا البلاغية يعتمد أولاً على مقدار قدرتك على فهم الأبيات، صح؟ يعني أنت لو جلست من هنا للصبح وتحاول تستخلص فكرة من بيت وأنت مش فاهم البيت ما راح تستفيد، فأنت أولاً حاول تفهم البيت اجتهد. إحنا ليش بندرس المعلقات؟ حتى تعرفوا شو فائدة دراسة المعلقات، رفع الذائقة لدى الطالب، إنه هو يصبح له قدرة على تحليل الأبيات ومعرفة مقاصد الشعراء. الآن هو يتكلم عن محبوبة اسمها ليلى، هذه المحبوبة تتخلف معه ولا تريد وصاله، وكلما كانها أعطته عهداً خدعته. فيقول أصبحت حالي مع ليلى كحال شخص قابض على الماء، تخيل هكذا بيدك، واضع يدك على الماء، هل ستستطيع تمسك الماء؟ لو من هون لبكره الصبح طلتك تعمل كذا وتعمل كذا الماء سيخرج من فروج الأصابع. فبقول لك حالي، فبالتالي هو لما يقول علاقتي مع ليلى في مواعيدها ووصالها كانسان قابض على الماء، كلما قبض خرج الماء من فروج أصابعه.

وجه الشبه ما هو؟ هو إذا بدك تقول مقداره، إذاً يشبه شيئاً بالمقدار، لذلك ذكر البيت هنا، هو يتكلم عن مقدار اليأس والإحباط الذي وصل إليه. وهذا مقدار مقدار التفلت، ممكن برضه، أما مقدار يأس وإحباط، مقدار اليأس والإحباط من الحصول على الشيء. هذه الصورة موجودة في المشبه به، لأنه الماء دائماً طالع من بين...

أصابعه، وموجودة في المشبه وهو صاحبنا الذي ليلى ما هي راضية تعطيه المواعيد الصحيحة. فهمتم؟ فإذا ما هو المقدار هنا؟ المقدار لا يتعلق بشيء محسوس، بشيء معنوي، مقدار اليأس، وهذا بالتالي يوسع كلمة المقدار عندك؛ فالمقدار قد يكون من الأشياء المحسوسة، وقد يكون مقدار حزن، مقدار يأس، مقدار إحباط، كلمة المقدار عامة في سياقها.

ثم قال: المقصد الرابع يا شيخ محمد من مقاصد التشبيه التي تعود إلى المشبه: تقرير حال المشبه في نفس السامع وتقوية شأنه. أي أن يكون المشبه أريد تقريره، يعني تأكيد، أريد أن أؤكد صورة في ذهنك وأثبتها، خلص الفكرة؛ ما هو التقرير والتقوية للمشبه في ذهنك؟ كأنك عارف الصورة هنا، أنت مش جاهل بها، بس أنا أريد أن أزيدها تثبيتًا، أريد أن أزيدها تقريرًا في عقلك الباطن. قال كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء؛ إنسان بيسعى وبيتعب وبيطلع كثير في الحياة لكنه لا يثمر ذلك فيه، طالب علم يطلب العلم بطريقة غلط وبأساليب خاطئة، بيتعب ويتعب ولا يحصل على نتيجة، هذا يشبه بمن كالراقم على الماء. إيش يعني الراقم؟ الكاتب على الماء. تخيل أنك بتكتب على مي، لهون إلى عشر سنوات بتضلك تكتب على البحر، هل في شيء سينتج؟ لا، تتعب لكن من دون فائدة. كذلك طالب العلم الذي لا يسلك المسالك الصحيحة في التعلم، يتعب ويحفظ ويحضر دورات، لكن -يعني إن شاء الله حصل ثواب عند رب العالمين- لكن نقول كناتج دنيوي لم يحصل ثمرة.

فلما يأتي الحديث -وإن كان رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح كما مر معنا في جامع بيان العلم وفضله-: «مثل الذي يتعلم العلم في صغره كالنقش على الحجر، ومثل الذي يتعلم العلم في كبره كالذي يكتب على الماء». الآن فيه تشبيه، صح؟ كلاهما، إيش المقصود منه؟ لو سألتك الآن عندك مقاصد، هل المراد إمكان الوجود؟ لا، هل هو بيان حال شيء مجهول في ذهن السامع؟ لا، المشبه مفهوم لدى كل السامعين، المشبه هنا الكل يعلم وجوده، الكل يعلم صورته في الخارج، الكل يعلم -يعني القضية مش هنا- لا الأول ولا الثاني ولا الثالث، لا، القضية أن المراد بالتشبيه ترسيخ هذه الصورة المؤلمة في ذهن السامع؛ صورة الرجل الذي يتعب ويتعلم العلم على كبر ويتفلت منه كصورة من يرقم على الماء. فهنا هي ترسيخ لصورة المشبه، وإلا المشبه ربما كل من يقرأ الحديث يفهم لأن صورته معلومة. كذلك مثلاً: «إن التعلم في الصغر كالنقش في الحجر»، المشبه هو التعلم في الصغر، هل أحد لا يعرف وجوده؟ هل أحد يجهل صورته؟ الكل يفهم هذا، فلماذا شبهته؟ ما مقصدك من التشبيه؟ هيك بتسأل: ما مقصدك من التشبيه؟ أقول: أن أرسخ قيمة التعلم في الصغر، وأن أرسخ أن التعلم في الكبر تأخر، لا ينبغي أن يصل الإنسان أو يسوف الإنسان في التعلم حتى يأتي وقت الكبر وهكذا.

وقال ابن العميد: "ذي ملة يأتيك أثبت عهده * كالخط يرسم في بسيط الماء". ذي ملة، أي الملة هي الطريقة في العادة، لكن هذا طبعًا يحتاج أن نعرف ما هي الأبيات السابقة واللاحقة، لكن عمومًا الملة هي الطريقة، كأنه يقول هذا الرجل صاحب طريقة، يأتيك أفضل عهده كإنسان يخط على الماء. نفس الفكرة السابقة، بده يخبرك أنه هذا إنسان طريقته في الحياة خاطئة غير منتجة، ما في منه فائدة، كإنسان يرسم على الماء؛ هو نفس التشبيه السابق.

قال صاحب التلخيص -من صاحب التلخيص؟ السكاكي- وهذه الأغراض الأربعة التي ذكرناها: إمكان الوجود، بيان الحال، بيان المقدار، والتوكيد؛ هذه الأربعة تقتضي -يعني تتطلب- أن يكون وجه التشبيه في المشبه به أتم؛ لازم تكون وجه الشبه في المشبه به أتم من وجوده في المشبه حتى يصلح القياس والتشبيه على طريقة أصول الفقه، مش بقول لك العلة لازم تكون موجودة في الأصل بتمامها وفي الفرع بتمامها؟ بس هون بقول لك في باب التشبيه لازم يكون وجه الشبه -الذي هو قلنا صفة موجودة في المشبه والمشبه به- بس لازم يكون في المشبه به أتم. في كلمتين بدي إياك تحفظهم الآن: أتم وأشهر؛ بدنا نحفظ هذول الكلمتين، أتم حصوله أتم من حصوله في المشبه، وأشهر في العرف من وجوده في المشبه، شغلتين، هكذا يقول القزويني: "وهذه الأغراض الأربعة -يعني حتى فعلًا تحقق غرض من هذه الأغراض- يقول المنطق إن وجه التشبيه يجب أن يكون وجوده في المشبه به أتم، وأن يكون المشبه به بوجه الشبه أشهر".

فإذا الآن لما قبل شوي قال المتنبي: "فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال"، خلينا نطبق كلام القزويني، ما وجه الشبه؟ أن الشيء قد يستخرج منه شيء مغاير له؛ هذه كفكرة عامة، وجه الشبه: أن الشيء يُستخرج منه شيء مغاير. الصورة: استخراج شيء مغاير من الشيء السابق، وجودها في المسك ودم الغزال أتم وأشهر من وجودها في المشبه وهو هذا الأمير الذي يمدحه، صح؟ لما شبهت ثوبي بثوبك في الصفة في اللون، قلت لي: "اشتريت ثوب"، قلت له: "والله ثوبي كهذا الثوب". هنا إيش يقول القزويني؟ لازم يكون المشبه به أتم وأشهر في الصفة التي هي وجه الشبه، رح يجي الآن انتقاد؛ لأنه رح تقول لي: لا، ليش في هذه الحالة؟ ليش؟ رح يجي انتقاد الآن لكلام القزويني، بس امشي معي، فالقزويني بيحكي: إذا شبهت ثوبًا بثوب في اللون لازم يكون المشبه به أتم في الصفة اللي هي وجه الشبه، وأشهر به. كذلك في المقدار، إذا قلت: "الزجاجة اللي عندي الكمية اللي فيها كما في هذه الزجاجة"، لازم يكون المشبه به أتم وأشهر. وكذلك في التقرير والتأكيد، لما قلنا الذي يطلب العلم في الكبر كالراقم على الماء، لازم يكون المشبه به أتم وأشهر، يعني وجه الشبه في المشبه به أتم وأشهر؛ هي وجهة نظر مين؟ القزويني.

مين اللي انتقد؟ سعد الدين التفتازاني في المطول قال: لا، كلامك في نظر. يقول سعد الدين التفتازاني: والتحقيق أن غرض التشبيه -سأضيف بعض الكلمات مني حتى تفهم- والتحقيق أن غرض التشبيه إذا كان بيان الإمكان أو بيان الحال -اللي هو الأول أو الثاني- فهذان الغرضان لا يقتضيان الأشهريّة، يعني لا يقتضيان أن يكون وجود وجه الشبه في المشبه به أشهر من وجوده في المشبه، من الذي قال لك ذلك؟ إذا كان الغرض من التشبيه بيان إمكان وجود الشيء في الخارج أو بيان صفته، من الذي قال إنه يجب أن يكون وجه الشبه في المشبه به أشهر من المشبه لحتى يصح القياس ويتم الاحتجاج في الأول ويعلم الحال في الثاني؟ يعني هذا كله كلام واحد، قال: "والتحقيق أن بيان الإمكان والحال لا يقتضيان الأشهريّة"، حتى يصح القياس ويتم الاحتجاج في الغرض الأول، أو حتى يعلم الحال في الغرض الثاني؛ هذا كلام مش صحيح. بالتالي التفتازاني شو بقول لك؟ أنا ممكن أشبه شيئًا بشيء لإثبات إمكانية الوجود ويكون المشبه به ليس مشهورًا، من الذي قال كذلك؟ لما شبهت ثوبي بثوبه، قلت: والله اشتريت ثوبًا كهذا الثوب، من الذي قال إنه أشهر من المشبه؟ من الذي زعم أنه يجب أن يكون كذلك؟ فهو يقول للقزويني كلام غير صحيح غير دقيق، اشتراطك أن يكون وجه الشبه في المشبه به أشهر بالنسبة للغرض الأول والثاني.

وكذا بيان، لكن لاحظ هو هنا انتقد اشتراطه للأشهرية لكن لم ينتقد اشتراط القزويني للتمام، انتقد أشهرية، قال: لا يُشترط أن يكون أشهر، وأما أن يكون أتم فهذا لم ينتقده، قال: ما عندي مشكلة فيه، ليش؟ لأن شوف الصورة الثانية: قال وأما الغرض الثالث وهو أن يكون الغرض من التشبيه بيان المقدار، فهذا لا يقتضي التمام، بل أن يكون المشبه به على حد ونفس مقدار المشبه أصلًا، لا أزيد ولا أنقص، ليتعقب على ما هو عليه، وهذا كلام علميًا صحيح؛ أنه أنت لما تقول لي أنا أردت بالتشبيه بيان المقدار، ثم بتقول لي بعد ذلك يا قزويني إنه لازم يكون المشبه به أتم من المشبه، طيب وأنا عم ببين مقدار، أقول: "هذه الزجاجة فيها من اللتر كذه الزجاجة"، كيف بده يكون المشبه به أتم؟ مش لازم يكونوا متساويين؟ كيف يجب أن يكون المشبه به أتم؟ ألا يُشترط التسويه بدون زيادة ولا نقصان حتى يكون التشبيه في المقدار صحيحًا ودقيقًا؟ فاشتراط الأتم لم يوافق عليه في الغرض الثالث.

قال وأما التقرير والتوكيد، اللي هي الحالة الرابعة، قال: فهذا نعم، هذا يقتضي الأمرين جميعًا، وهو أن وجه الشبه يجب أن يكون في المشبه به أتم وأشهر؛ لأن النفس إلى الأتم والأشهر أميل، فالتشبيه به لزيادة التقرير والتقوية أجدر. ثم ختم السيوطي فقال: وإلى ذلك أشرت في المنظومة بقولي. فإذا ملخص كلام التفتازاني ما هو؟ أنه بالنسبة للغرض الأول والثاني التفتازاني يقول: لا تُشترط الأشهرية، وإنما التمام؛ هذا ظاهر كلامه. وبالنسبة للغرض الثالث وهو المقدار لا تُشترط التمام، وإنما قال تُشترط الأشهرية فقط. وأما بالنسبة للغرض الرابع وهو التقرير والتأكيد، فأي نعم بوافقك يا قزويني: يُشترط التمام والأشهرية.

يعني القزويني في الأغراض الأربعة اشترط الأتم والشهره، التفتازاني فصّل؛ قال لك الغرض الأول والثاني فقط التمام وأما الأشهرية لا، وبالنسبة للغرض الثالث العكس؛ التمام لا والأشهرية فقط، وبالنسبة للغرض الرابع قال: نعم بوافقك للأشهر والتمام. يعني في الغرض الرابع أنا بتفق مع التفتازاني، بس بالنسبة للأوجه الثلاثة يعني ممكن يُناقش في قضية حتى في الغرض الأول والثاني؛ لماذا؟ لأنك قلنا بالنسبة للغرض الأول والثاني قال لا تُشترط الأشهرية، لكنه لم ينتقد قضية التمام، طب برضه تمام يعني، لماذا لازم يكون المشبه به أتم من المشبه؟ ألا يكفي أن يكونا متساويين؟ ألا يكفي أن يكونا متساويين حتى أقول هذا الثوب كهذا الثوب؟ هو يعني لما ذكر حتى هو لم يذكر مثالًا أصلًا في القضية الثانية، وأنا أقول هذا الثوب كهذا الثوب في الصفة عمومًا، لما أقول هذا الثوب كهذا الثوب في الصفة -اللي هو بيان الحال- أنا بتفق أنه لا نحتاج إلى الأشهرية، لكن حتى التمام لماذا أنتم تشترطون أن يكون وجه الشبه أتم في المشبه به؟ لماذا لا يكونان متساويين؟ أنا هنا فقط أثير نقاش، لا أستطيع أن أجزم، لست في مقام هؤلاء الكبار، لكن تبقى هذه تدور في ذهني، يعني قضية التمام لماذا أنت لم تنتقدها أيضًا في كلام قزويني؟ هل فقط الأشهرية تنتقد هنا؟ طيب أيضًا بالنسبة للغرض الثالث وهو أنه في بيان المقدار لا نشترط التمام، لكنه سكت عن الأشهرية، فكأنه قال نشترط الأشهرية، ماذا تقصد بالأشهرية هنا؟ ألا يكفي أن يكون السامع يعرف المشبه به حتى يتم التمثيل ولا يُشترط أن يكون مشهورًا بين الناس؟ يعني إذا كنت تقصد بالشهره بين الناس ففي أحيان لا أحتاجها، يكفيني أنه السامع يعرف المشبه به حتى يعرف المقدار، يعني في النهاية هدفي أن السامع يعرف المقدار سواء قارنت بشيء معروف عند الناس أو يعرفه هو وحده وليس مشهورًا، فسكوتك عن الأشهرية وعدم انتقاده في الصورة الثالثة أيضًا يحتاج إلى بحث ونظر.

وأما الصورة الرابعة فأنا أتفق معهم، أنه لحتى يحصل التأكيد والتقرير فأي نعم لازم تكون الصورة وجه الشبه في المشبه به أتم وأشهر، حتى يحصل زيادة التأكيد، فلما شبهنا الذي يطلب العلم ولا ينتفع بالراقم على الماء، نعم هنا وجه الشبه أتم وأشهر؛ لأن بذلك يحصل تعميق وتقرير وتأكيد للفكرة في ذهن السامع، وأما الأوجه الثلاثة فأنا ما زلت يعني في طي النقاش فيها. أه يا عمر؟ التفتازاني لم يشترط في بيان الإمكان الشهرة، في بيان الإمكان قال: لا، نعم، ولكن ظاهر كلامه اشترط التمام، لكن حتى الشهرة أليس المفترض أن تكون أيضًا موجودة؟ لأنه أصلًا في ذات نفس المسألة اشترطنا بيان إمكان، يكون أمرًا غريبًا هو الأمر المشبه، المشبه يكون غير غريب، سيكون أشهر؛ ما هو أحيانًا إيش بقول لك؟ يعني لما أنت تقصد في "فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال"، يحتاج أن يكون مشهورًا، ألا يكفي؟ أنا هذه وجهة نظري، وإذا التفتازاني ما أعرف إذا هو يفكر بهذه الطريقة، أن هو يقول لك يكفي أن يكون الشيء معلوم الوجود عند السامع، يعني لما أريد أن أثبت أن هذا الشيء ممكن وجوده قياسًا على شيء موجود في الخارج، ألا يكفي أن يكون السامع يعرف ذلك؟ لماذا يحتاج أن يكون مشهورًا ومعروفًا عند جميع الناس أو أغلب الناس؟ ألا يكفي معرفة المخاطبين بذلك؟ نعم، لا أن يكون الأشهريّة مقارنة بالمشبه، الأشهرية أنه هذا وجه معروف، مشهور بهذا.

وان يكون المشبه به بوجه شبه أشهر وأعرف بوجوده في المشبه به؛ نعم هو بالمقارنة بالمشبه. لكن هو يتكلم عن قضية الشهرة والعرف، وكلمة شهرة تقتضي أن يعرفه عامة الناس وغالب الناس، هذا معنى أن يكون أشهر من المشبه. هل أن يكون وجه الشبه في المشبه به أشهر من المشبه؟ صح، عند من؟ عند الناس، عند السامعين. فإذا كان يقصد عند الناس عموماً، فلا قضية الشهرة لا تشترط، يكفي أن يكون معروفاً ومشهوراً عند السامعين. أما إذا قصد الشهرة عند السامعين فقط، فإذا كنت تقصد عند السامع فنعم، يجب أن يكون معروفاً ومشهوراً عند السامع. فإذا القزويني لما قال لا يقتضيان الأظهر لصحة القياس، كان التفتزاني يقول لا يقتضي أن يكون مشهوراً عند عامة الناس، يكفي أن يكون معروفاً للسامع.

أما إذا كان القزويني لما اشترط الشهرة، يشترطها فقط عند السامع وليس العبرة بعامة الناس، فسيكون الخلاف بين القزويني والتفتزاني خلافاً لفظياً؛ لأن التفتزاني انتقد الشهرة بمعناها المتعارف عليه بين الناس. إذا كان المقصود القزويني الأظهر فقط عند السامع بغض النظر عن معرفة الناس بذلك أو لا، فليس هذا سيكون الذي انتقده التفتزاني، وسيكون الخلاف بينهم خلافاً لفظياً. فهنا سنحتاج أن نعرف ماذا تقصد بالأظهر؟ هل تقصد عند السامع، ولا تقصد الشهرة العامة، أن يكون وجه الشبه في المشبه به أعم من المشبه عند عامة الناس وفي أذهان عموم من يقرأ هذه الأبيات؟ فهمت؟ فهنا نحتاج أن نناقش ماذا تقصد بالأظهر، وعند من؟ إذا كنت تقصد عند السامعين، فلا أظن أن التفتزاني يخالفك، لأنه إذا أردت أن أثبت أن هذا الشيء ممكن وجوده كهذا الشيء، لازم يكون المشبه به وجوده في الخارج أوضح لدى السامع وإلا كيف شبهت به؟ فهذه الفكرة أظن تحتاج حتى إلى تحليل أكثر لمقاصد القزويني ومقاصد التفتزاني في تحديد مفهوم الأظهر، لكن عموماً أنتم فهمتم وجهة نظر التفتزاني، ويبقى الباب مفتوحاً في هذا الموضوع، تفضل محمد.

إذا جعلنا الأظهرية مقارنة ما بين المشبه به والمشبه، فهذا يطلب أن يكون المشبه فيه نوع شهرة، لأن "أشهر" تفعل مفاضلة. هذا لا، دعك من ذلك؛ لأن أفعال التفضيل قد تأتي على غير بابها، مش مشكلة، ليس دائماً أفعال التفضيل تقتضي أن يكون حتى المشبه فيه شهرة، ممكن يكون المراد أن الشهرة فقط في الطرف الآخر، ما في مشكلة، تزبط. يعني هذا نقاش سريع ولا أريد، وحتى السيوطي قال وفيه نظر، يعني السيوطي قال إن المسألة فيها نقاش؛ القزويني حكى شغلة وانتقده التفتزاني، والنقاش سيبقى مفتوحاً بين المتذوقين؛ لأن المسألة فيها جانب كبير من الذوق الشخصي.

الآن سننتقل إلى المقصد الخامس والسادس من مقاصد التشبيه التي تعود إلى المشبه، قال: قصد تشويه المشبه، أي تقبيحه في عين السامع، أو تزيينه، لذلك جعلهم اثنين مع بعض، الخامس والسادس، باختصار اكتبوا التشويه أو التزيين، يعني حتى نختصر على أنفسنا المسافة. المقصد الخامس والسادس التشويه، هذا الخامس، والتزيين هذا السادس، قال: ليرغب عنه، يرغب عنه أي يكرهه، هذا تشويه، أو ليرغب فيه أي يحبه. فرغبت عن هذا يعود إلى التشويه، ورغبت فيه يعود إلى التزيين، لذلك في قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127]، لما حذف ربنا حرف الجر، اختلف المفسرون، فبعضهم قال: وترغبون عن أن تنكحوهن، كرهها، وبعض المفسرين قال: وترغبون في أن تنكحوهن، حباً. لما حذف ربنا حرف الجر اختلف التفسير؛ ترغب عن ليس ترغب في، عكس تماماً.

كما في تشبيه وجه مجدور، أي وجه معبأ بالجدري بالحبوب، بماذا؟ بسلحة جامدة قد نقرتها الديكة. السلحة أحبابي الكرام البعض يقول هي قاذورات تخرج من البطن، وإذا جمدت أصبحت جامدة، ثم جاء الديك فنقرها، كيف يصبح شكل هذه السلحة الجامدة إذا جاء ديك فنقرها؟ هكذا طبعاً هذا تشويه للوجه، يعني هو أراد أن يشوه الوجه المعبأ بالجدري، فشبهه بشيء قذر، باختصار جاء ديك فعمل فيه نقرات تشويه، هداه الله. ثم قال في المقابل، نفس هذا الوجه أو وجه قريب منه، مثلاً وجه أسود من أصحاب البشرة السوداء تريد أن تجمله، فأيش تقول؟ وجه أسود كمقلة الظبي. هسه السواد في مقلة الظبي جميل ومرغوب ويتغزل به، فإذا قلت وجه أسود كمقلة الظبي هنا زينته. شوف نفس الفكرة، يعني أنت باختصار الشيء الواحد، إما تستطيع أن تجمل في أعين السامعين، وتستطيع أن تبغضه في أعين السامعين. الشيء الواحد يمكن أن تبغضه وتشوهه، ويمكن أن تزينه وتحليه.

وهنا قال ابن الرومي، طبعاً هذا مثال ليس مثالاً على هذا، بيسموه تأسيساً لهذه الفكرة، الذي سيقوله عن ابن الرومي ليس مثالاً للتأسيس لأن الإنسان البليغ قادر على أن يشوه الشيء وقادر على أن يزينه، وهو نفس الشيء، قال: تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت ذا قيء الزنابير يعني نفس هذا الشيء، نفس العسل، العسل بإمكانك أن تزينه لدى السامعين فتقول هذا مجاج النحل، وبإمكانك أن تقول هذا قيء زنابير، حشرات، نفس العسل، شوف أنت كيف لما سميته مجاج النحل، أو شبهته بمجاج النحل كتشبيه له بقيء الزنابير. هذه الفكرة، وللأسف كثير ما يستعمل في وسائل الإعلام اليوم، نفس الواقعة بتفتح على قناة: رباط وجهاد وكذا، وفي قناة أخرى: إرهاب وسفك دماء، هي نفس الفكرة، لكن هذا يزينها ويصورها بطولات، وذاك يشوهها ويظهرها أنها إجرام. فهذا من عمل السحرة ومن عمل الإعلام، ﴿وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا﴾. قال بعض شراح الحديث، قالوا: إن من البيان لسحراً، ماذا قصد به النبي صلى الله عليه وسلم؟ البعض قال: قصد به الذم، على أن المراد أن صاحب البيان يمكن أن يسحر عقول السامعين، فيشوه لهم الجميل، ويزين لهم القبيح من المعتقدات والأفكار، هذا معنى "إن من البيان لسحراً" على من رآه ذماً.

واضح التشبيه والتزيين ما بدي أطول فيه، السابع الاستظراف، يعني أن تأتي بشيء ظريف، ما معنى الاستظراف؟ أنك تأتي بشيء ظريف هكذا تستظرفه النفس وتحبه، أن يكون المقصد أن يستظرف ويستملح المشبه. قال كما في تشبيه فحم فيه جمر ببحر من المسك موجه ذهب. المسك لونه أسود، فبحر من مسك يعني بحر أسود، موجه ذهبي. الآن شوف هذا التشبيه، أكيد كلكم شويتوا في حياتكم، صح؟ حط الفحم، الفحم أسود، وأشعل النار في بعضه، انفخ عليه كذا، بيبين في كأنه لون ذهبي أحمر في فحم أسود، مش هيك؟ هو الشواء، أنت بتكون حاط فحم أسود وتشعل السطح العلوي منه، فالسطح العلوي لما يبدأ يجمر، خاصة لما تنفخ عليه يبدأ يجمر، هيك بيقول لك تخيل فحم أسود وعلى رأسه الطبقة العلوية منه ماذا؟ ذهب. شبهه بعض الشعراء بماذا ببحر أسود أمواجه ذهبية، هذا تشبيه الفحم بما على سطحه من النار الذهبية بماذا ببحر أسود أمواجه العلوية ذهبية. فهمتم وجه التشبيه؟

ما المراد من هذا التشبيه يا شيخ عمر؟ قال: الاستظراف، يعني أنك تخلي صورة المشبه محبوبة ظريفة، شبهته ببحر أسود وعليه أمواج ذهبية، هيك بيقول لك هذا استظراف. قال: وجه الظرافة وهو أنك أبرزت الشيء في صورة، هذه فكرة برضه زيدوها على كلامي، أنه أبرز الشيء الموجود في الخارج وهو المشبه في صورة مشبه به ممتنع وجوده في الخارج؛ لأن المشبه به بحر أسود عليه أمواج ذهبية وهذا موجود في الخارج يا جماعة؟ هي كأعلام ياقوت نشرنا، هي نفس الفكرة، خيالي هذا خيالي. فيقول: إبراز الشيء الموجود في الخارج في صورة الشيء الممتنع عادة؛ لأنني شبهته ببحر أسود موجه ذهب.

وقال: وقد يكون الظرف أيضاً، يا رب لكون المشبه به، يعني من أين أتت الظرافة أيضاً؟ ليس فقط لأنك شبهت الموجود بالممتنع، من جهة أخرى أيضاً، قال: لكون المشبه به أصلاً نادر الحضور في الذهن، إما مطلقاً نادراً حضوره أصلاً هو، الناس لا تفكر به كالمثال المذكور. قال: كالمذكور، يعني كالمثال المذكور، فإن بحر أسود أمواجه ذهبية في حدا عمره فكر فيكم فيه؟ وأنتوا صغار وأنتم كبار عمره ما حدا فكر فيه أصلاً، يعني هو كل هذه الصورة ما حدا بيفكر فيها في العادة. أو أن يكون المشبه به نادر الاستحضار بجانب المشبه، يعني في مشبهات بها لا تستحضر أصلاً إلا في النادر، هي بطبيعتها، وفي مشبهات بها لا هي تستحضر، لكن ما أحد في العادة يستحضرها مع المشبه، يعني في هذا الظرف، يعني ما حدا بيقدر يربط بينها، باختصار عدم استحضار الربط، أو ندرة استحضار الربط بينها وبين المشبه. يعني أقول لك تشبيه الرجل الشجاع بالأسد، هذا الاستحضار أو الربط نادر ولا معروف؟ معروف. تشبيه الشخص الجواد بالبحر، نادر ولا معروف؟ معروف، لكن في أحياناً أشياء، المشبه به لحاله معروف، والمشبه لحاله معروف، بس النادر ايش؟ الشبك بينهم، نادر ما حدا بيفكر فيه إلا الأذكياء، فهنا ماذا ذكر مثالاً عليه؟

قال كقول ابن المعتز، هذا مثال على الربط النادر: لازوردية تزهو بزرقتها ... وسط الرياض على حمر اليواقيت هذه الوردة اللي هيك اسمها، وأنا مش عارف صورتها، بس بيقول لك بنفسجية في الأعلى وتحتها أحمر، لذلك قال الياقوت، قلنا ايش؟ أعلام ياقوت حمراء، فاليواقيت دائماً إذا شفت كلمة ياقوت يعني شيء أحمر. فهو يقول: وهذه وردة بنفسجية في رأسها وتحتها حمار، أما تحتها يعني الذي أعتقده لا يقصد الساق هنا أنها حمراء، لا يقصد، بتعرفوا بعض الورود رأسها العلوي بنفسجي، ولكن باقي الأوراق اللي تحتها حمراء، فهو عم بيشبه هذه الوردة الحمراء بس رأسها العلوي شو بنفسجي، بماذا يشبهها؟ قال: كأنها وضعاف القطب تحملها ... أوائل النار في أطراف كبريت تخيل أنك أشعلت عود كبريت، كيف يكون اللهب على عود كبريت؟ ضعيف في أعلاه لهب، كيف بيكون شكل اللهب؟ أحمر والفوق بنفسجي صح أو أزرق يعني ميال للبنفسجي، صحيح؟ فبيقول لك تخيل شوف هذا التشبيه الجميل، عود الكبريت النحيل وعلى رأسه نار، النار أسفلها أحمر ورأسها أزرق قد يميل إلى البنفسجي، شبه هذه النبتة التي رأسها بنفسجي وتحتها أوراق حمراء ويحملها قضيب يعني عود خفيف، بكبريت اشتعلت فيها النار، فرأسها بنفسجي وتحتها نار حمراء والكبريت نحيلة. فهذا وين الكلام؟ الكلام استحضار صورة الكبريتة التي مشعلة بالنار بجانب هذه الزهرة، هذا نادر، استحضار هذه الصورة بجانب هذه الصورة نادر، وإن كان المشبه به وهي الكبريتة كلكم بتعرفها، في حد ما بيعرف الكبريت؟ هو غريب، ليس مثل بحر المسك من أمواج ذهب والقصص هذه، هذيك في حدا بيعرفها أصلاً أو ما حدا يستحضرها، لكن هنا المشبه به مستحضر، لكن الغرابة والندرة في شبكه وفي ربطه بالمشبه.

أحسنتم، جميل. دليل كخذروف الوليد أمره تتابع كفيه، ما قاله امرئ القيس في معلقته لما شبه ماذا؟ سرعة سيره أو مش سرعة سيره مع ضربه على الأرض بتتابع في أثناء الركض، شبه بما قلنا "دوارية" التي هي اللعبة التي يلعب بها الطفل، فريرة الأطفال الصغار، جميل أحسنت، تفكير جيد وأنا أحب التفكير. طيب، قال: فإن صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حصولها في الذهن عامة، أي كما يندر بحر المسك الموجه ذهبي، لكن يندر حضورها عند حضور زهرة البنفسج، هي سماها الزهرة هي سماها زهرة البنفسج هيك اسمها، قال: فيستغرب يعني بتشعر أنه والله التشبيه فعلاً جميل وحبيته، يعني فعلاً بعض التشبيهات يا أخي بتستمتع بها، "كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتان إلى صم جندل"، تشعر فعلاً البيان جميل لما يحسن الإنسان الإتيان بصورة التشبيه الجميلة.

ثم قال: قال ويحكى أن جريراً، جرير بتعرفوا شاعر جرير، قال: أنشدني عدي، عدي العاملي، يقول: عرف الديار توهماً فاعتادها ... من بعد ما شمل البلا أبلادها يعني هذا مطلع القصيدة، الوقوف على الأطلال، فلما بلغ عدي إلى قوله: يُسجي أغنه ... كأن أبرة روقه ما معنى روقه؟ يلا بدي أشوف توظيف للمعلقات، أنا بشرح معلقات عشان تيجوا، ما معنى الروق؟ وين مرت معنا كلمة الروق؟ أيوه، وين مرت معنا كلمة الروق في الزمن الجميل؟ يعني ما أراها بعيدة كثير، الروق مش قلنا القرن؟ "فظل يعجم أعلى الروق منقبضاً، في حالك اللون صدق غير ذي أود"، معلقة النابغة الذبياني، الثور اللي قتل هذا ضمران، هذا فائدة الحفظ إخواني للمفردات أنه تسعفك ذاكرتك، هذه مرت معي في معلقة. هو الآن في المهم، هذا الرجل اللي هو عدي في أثناء قصيدته كانه يتكلم عن ديار المحبوبة أن فيها غزال أغن يمشي، كأن أبرا روقه، أعلى قرنه. بتعرفوا الغزلان لها قرون، صح؟ بعضها ما شاء الله قرون وبتكون حفلة يعني ما شاء الله.

فقال: ﴿كَأَنَّهُ أَبْرَقُ رَوْقِهِ﴾. رحمته، وقلت: «وقع»! سقط. هذه قصة جميلة؛ عشان تعرف الشعراء كيف بتذوق. قال: أنا عم بسمع لعدي وهو عم بينشد أمامي، فلما وصل إلى قوله: «يسجي أغنَّ كان أبره روقه»؛ يعني أعلى روقه، رحمته، وقلت: «المسكين هس رحمته»؛ يعني قلت تورط، ما أصعبها هي! شو بدك تشبّه «أبره روقه»؛ يعني أعلى قرن الغزال، بأيش بدك تشبّهه بالله عليك؟ فيقول جرير: رحمته عديًا، قلت: سقط، ما راح يعرف يكمل الشطر الثاني.

طلع عدي أشطر من جرير، فأيش قال؟ قال: فلما بلغ قوله، الآن شو قال في الشطر الثاني؟ «قلم أصاب من الدواة مدادها». جميل! شايفين هذا القلم، ضعه في دواة الحبر الأزرق، ضعه هكذا. قديمًا كان عندهم محض هذا الحبر، يوضع في دواة، ويوضع فيه الريشة أو القلم. فيقول: كأنها رأس القلم وضع في دواة، وارتفع، فماذا سيظهر عليه؟ على زرقاء، فهو يريد أن يقول إن قرن هذا الغزال عليه لون كأنه أسود، كأنه مش أزرق، خلي نقول أسود؛ لأنه نحب الأسود، قديمًا قرنه أعلاه عليه سواد نقطة. شوف كيف ربط بينها وبين أيش؟ شيء غريب، ربط بينها وبين قلم أو ريشة وضعتها هكذا في محبرة ورفعتها، فيكون أعلاه ماذا؟ عليه نقطة سوداء.

فبقول لك ماذا قال جرير؟ قال: فاستحالت الرحمة حسدًا؛ له حسدته. أنا قبل شوي قلت وقع، طلع أشطر مني، فحسدته؛ كيف استطاع أن يربط بين هذين الشيئين؟ هسا قضية أنك تضع قلم في محبرة هذا معروف، بس الشبك، أن تربط، هس يا إخواني هذا فن الجاهليين، هذا فن الجاهلية. لما يخرج لكم اليوم شخص اشتهر مقطعه، هذا الأخ الموريتاني الذي خرج وقال: إن المتأخرين أقوى من الشعراء الجاهليين؛ لأن الصنعة ازدادت، ورد عليه كثير من الأفاضل من المشايخ والمهتمين بالثقافة.

حتى تعرف ضعف الصنعة عنده، المتأخرون أكثر من التشبيهات، لكن المتقدمين أحكم في صناعة التشبيه؛ لقدرتهم على ربط شيء بشيء. لما يقول لك امرؤ القيس: «وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله»، هذا مين قالوه من المتأخرين؟ صورة الليل المليء بالهموم والأتعاب وبينزل شوي شوي، فقلت له: «لما تمطى بصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل». أعطيني واحد من كل المتأخرين أتى بصورة الليل في لحظة انقشاع، بصورة الجمل في لحظة تهم للنهوض؛ أن تربط بين الأشياء المتباعدة. مش هذا اللي قلناه التقريب في التشبيه؟ الذي هو أحد أعمدة الشعر، بتتذكروا زمن الجميل لما شرحنا أعمدة الشعر، وكان من أركان الأعمدة المقاربة في التشبيه؟ هذا هو، هون الآن إحنا عم نشرحه في البلاغة؛ هو أن تأتي إلى مشبه به معروف، لكن استحضاره بجانب المشبه نادر جدًا فتشبّه بينهما. هذه قدرات عالية جدًا، هذه قدرات عالية جدًا، هذا معنى المقاربة في التشبيه اللي إحنا تكلمنا عنها في عمود الشعر، هون الآن عينًا عم ندرسها في البلاغة، فهمتم يا رب؟

فقال: استحالت الرحمة حسدًا له؛ لأنه رآه حين افتتح التشبيه بذكر ما لا يحضر له شبه في بادئ الفكرة؛ يعني هو جرير شو اللي صار لما رأى قال: «كان أبره روقه»؛ قلت تورط، ما فيش له هذا تشبيه في الخارج، صعب. قال: وحين راه ظفر بأقرب صفة من أبعد موصوف؛ يعني أبعد موصوف اللي هو القلم، صفته وهو على رأسه الحبر، هذا أقرب شيء يمكن تشبّه به أعلى القرن لما يكون رأسه عليه نقطة سوداء. عجيب فعلًا، قمة التشابه من أشياء بعيدة الربط في الذهن، هذا إبداع، هذا هو الإبداع الذي أبدع فيه امرؤ القيس وغيره ممن سار على هذا المنوال.

طيب، قال: وأما القسم الثاني، الآن انتهينا من القسم الأول وهو أن يكون مقاصد التشبيه لمصلحة أيش المشبه. الآن سننتقل للقسم الثاني، اكتبوا: وأما القسم الثاني، اكتبوا ما معنى القسم الثاني، وهو أن يكون مقاصد التشبيه لصالح المشبه به، أن تأتي بتشبيه ومقاصده تتعلق بأيش بالمشبه به. قال: وهو ما يعود من الغرض إلى المشبه به، هو المقصود في كلامك، وليس المشبه. وهذا نادر، أو ليس، مش أقول نادر، قليل. قال: فهذا مرجعه إما، هاه، هذا واحد: لإيهام أن المشبه به أتم من المشبه. «أتم»؛ التي هي قضية التمام التي اتكلم عنها القزويني. قال: وانتقدوا التفتزاني قبل شوي، فهنا سنركز على موضوع التمام، ركزوا على كلمة «أتم». قال: أن يكون المتكلم غرضه أن يوهم أن المشبه به أتم في وجه الشبه، أتم في وجه الشبه. اكتبوا: هي إيهام أن المشبه به أتم في وجه الشبه.

لا، خلص مكتوب، مكتوب خلص. وضعت أنا لأني ما أكملت الفقرة. أن المشبه به أتم من المشبه في وجه الشبه، وذلك في ماذا؟ في التشبيه المقلوب. مر معنا قبل فترة، قلت لكم سياتي معكم شيء اسمه التشبيه المقلوب، اللي هو الأصل أن يكون هذا مشبه وهذا مشبه به، لكني عكسته فجعلت المشبه مشبه به وجعلت المشبه به هو المشبه، عكسته، قلبته. التشبيه المقلوب يقوم على فكرة أساسية وهي ما ذكرها السيوطي هنا، ركزوا في هذا الكلام: التشبيه المقلوب يقوم على فكرة أساسية، ما هي هذه الفكرة؟ إيهام السامع أن المشبه الذي أصبح مشبها به، أتم في وجه الشبه من المشبه به الأصلي الذي أصبح الآن مشبهًا. فهمتم؟ فهمت يا شيخ عمر؟

وضعنا الآن عندك مشبه، مشبه به، عكست مكانهم. شو قصدت بهذا العكس؟ أن أوهمك إيهام أن المشبه اللي صار هو الآن مشبه به أتم في وجه الشبه من أيش من المشبه. لأن العادة كما ذكر القزويني قبل قليل، العادة أن المشبه به أتم في وجه الشبه، صح؟ فإذا جعلت المشبه مكان المشبه به، أنا خدعت السامع وأوهمته أن المشبه الذي أصبح الآن مشبهًا به هو الأتم، وإن كان في الحقيقة وفي الواقع هو الأتم المشبه به الأصلي الذي هو الآن في هذا المثال مشبه. لاحظوا هذا المثال؛ إذا وقال: وذلك في التشبيه المقلوب بأن يجعل الناقص اللي هو المشبه مشبهًا به قصدًا إلى ادعاء الأكمل، هاه؛ اللي هو الإيهام، كأنك تدعي أنه أكمل، ولكن في الواقع هو ليس كذلك، لكن هذا نوع من أنواع المبالغة، العرب تحب المبالغات وهذا شكل من أشكال المبالغة.

يقول الشاعر: «وبِضُوءِ الصَّبَاحِ كَانَ غُرَّتَهُ وَجْهُ الْخَلِيفَةِ»، حين يمتدح، جميل هذا، واضح يهز الذنب بشكل كبير يا شيخ عمر، فأراد الآن في العادة، العادة الأصل أنه وجه الخليفة هو المشبه، مشبه به الصباح، فأنت تشبّه وجه الخليفة في وضاءته وأنه منور بالصباح؛ لأن الصباح هو أتم وأشهر على طريقة القزويني في وجه الشبه في النور، فالعادي أن يشبه الوجه بالصباح. لكن هذا الشاعر، لأنه متقن في النفاق الاجتماعي، عكس القضية، فقال: الصباح كأنه وجه الخليفة، ما شاء الله! عكس؛ لأن هو يريد أن يوهمك أن وجه الخليفة أصبح أصلًا في النور فيشبّه به غيره وليس فرعًا. وهذه جميلة حقيقة، دعك الآن من النفاق الاجتماعي، دعنا نعود إلى الجمال، هو جميل هذا التفكير، أن جعلت وجه الخليفة أصلًا والصباح هو الملحق به وليس هو العكس، وهذا على سبيل المبالغة.

طيب قصد إيهامه أن وجهه وجه الخليفة أتم من الصباح في الضوء والضياء. وكقول الشاعر: «فِي طَلْعَةِ الْبَدْرِ شَيْءٌ مِنْ مَحَاسِنِهَا * وَلِلْقَضِيبِ نَصِيبٌ مِنْ تَثَنِّيهَا»، هذا أجمل لسه لأنه بعيد عن النفاق، هذا حب. «في طلعة البدر شيء من محاسنها، وللقضيب -القضيب اللي هو ماذا؟ قضيب الرمح- نصيب من تثنيها». هو يريد الأصل أن المحبوبة وجهها يشبه بالبدر، وأن قدّها وخصرها يشبه بقضيب الرمح، فقضيب الرمح هو الأصل، والبدر هو الأصل، لكنه عكس، شبّه طلعة البدر بوجهها، أي بيّن أن وجهها أصل والبدر هو الذي يشبه به، وجعل القضيب، الرمح، يشبه بخصرها، فجعل خصرها أصلًا في الرقة والقضيب يقاس عليه، وإن كان العادة هو ماذا؟ عكس ذلك. وهذا كله على سبيل المبالغة، والمراد به كمال التشبيه والمبالغة فيه، ليجم ولطيف صراحة هذا يلفته الإنسان.

قال: فإن العادة أن تشبّه الطلعة -يعني طلعة المحبوبة- بماذا بالبدر، وأن يشبه قدّها وهو خصرها بماذا بقضيب الرمح. لكن هذا عكس، قال فعكس مفضلا حسن طلعتها على البدر هو، فضلًا وجعل خصرها أصلًا وفضله على القضيب، قضيب الرمح. طيب، قال: «أو العلاء المعري: ظلمناك في تشبيه صدغي بالمسك». شوفوا، وأنتم مع قراءة في كتب البلاغة ستعرفون كثيرًا من رموز التشبيه؛ يعني إحنا قلت لكم الياقوت لما يأتي في التشبيه لأنه لونه ايش أحمر، الزبرجد أخضر، المسك أحيانًا يشبه برائحته وأحيانًا بلونه؛ الرائحة معروفة لكن اللون كثير من الطلاب، لونه أسود.

فهنا لما شبّه الصدغين بالمسك بماذا؟ باللون. الصدغين ما هما؟ هذا الشعر يا إخواني بتعرفوا في الفقه، هذاك الشعر الذي في جانبي الجبين، الذي داخل عن جبينك، هذا بسموه شو الصدغ. فيقول: ظلمناك لما شبّهنا صدغيّ في سوادهما بالمسك الأسود، ليش؟ كأنه يريد أن يقول كان يجب أن يشبه المسك الأسود بصدغيّ، مش يشبه صدغيّ بالمسك الأسود، لكن سامحنا أيها الأمير. وقاعدة التشبيه نقصان؛ ما يحكي ايش يعني؟ ولماذا اعتبر تشبيه صدغيه في سوادهما بالمسك عيبًا؟ عيد السؤال: لماذا اعتبر تشبيه صدغي الخليفة بالمسك ظلمًا وعيبًا؟ طب على سبيل الاستظراف ليه؟

آه يا محمد؛ لأن الأصل أن يكون المشبه أنقص، أحسنت. قال: لأن القاعدة في باب التشبيه أن المشبه أنقص من المشبه به. أنا لما شبّهت صدغي بالمسك كأنني أقول على قاعدة التشبيه أن الصدغين أنقص من المسك، لذلك الحقناه، وإلا الأصل أن أقول المسك كصدغيك. وهذا شكل من أشكال المداهنة الجميلة، شاف! ولذلك أبو العلاء المعري نظم لك قاعدة التشبيه؛ القاعدة في التشبيه، وكما ذكر القزويني -وإن كان ناقشه التفتزاني- المعروف التشبيه أن المشبه يجب أن يكون أنقص في الصفة من ماذا؟ والمشبه به أتم وأشهر، مش قلنا أتم وأشهر؟ مش هيك حكى القزويني؟ طيب، وكان فيها نقاش طويل. قال: إذا، إذًا هذا هو السبب الأول أو الغرض الأول عفوا الغرض الأول من أغراض التشبيه التي تعود إلى المشبه به، ما هو؟ مين يعطيني إياه باختصار، الغرض الأول من أغراض التشبيه التي تعود المشبه به؟ أيوه محمد، إيهام أن المشبه به أتم، أتم، كأن المشبه به حقه في الأصل أن يكون مشبّهًا، هيك بتحكي، إيهام أن المشبه به أتم؛ إذا كان المشبه به في الأصل من حقه أن يكون مشبّهًا، وليس مشبّهًا به، وهو بين قوسين؛ أنت أصلًا ممكن تحفظها: التشبيه المقلوب. أحيانًا بعض الكلمات مفتاحية خلص، تشبيه مقلوب، هي بتوصل لك كل الفكرة.

طيب، الهدف الثاني قال من مقاصد التشبيه التي تعود المشبه به أيضًا: لبيان الاهتمام بالمشبه به، أنك تأتي بالمشبه به لأنك يعني اخترته دون ما سواه، لأنك مهتم بهذا المشبه به. قال: كإنسان جائع، شوف هذه القصة العجيبة أو اللطيفة، قال: كإنسان جائع؛ الإنسان الجائع بيشوف كل الدنيا رغيف خبز، فلما يريد أن يشبه دينارًا دائريًا بقول لك والله هذا الدينار كرغيف الخبز، لما يشوف الشمس بقول لك والله قرص الشمس كرغيف الخبز، لما يشوف كل شيء يراه أيش رغيف خبز؛ ليه؟ لأنه جوعان، مش بقول لك الواحد الجائع لما يكون جائع يرى الدنيا كلها رغيف خبز؟ فهنا لماذا هو يشبّه كل شيء برغيف الخبز؟ يقول لأنه يريد أن يظهر لك اهتمامه بماذا برغيف الخبز. كيف أنت تكون جوعان وبدك واحد من الشباب يجيب لك أكل، بتقول: والله يا أخي شفتك دجاجة ما شاء الله! ولماذا شفتك الدجاجة؟ يعني بدي كان يجيب لك سؤلًا معينًا ولا شيء معين.

طيب، قال: فإن الإشراق والاستدارة، كالبدر في الإشراق والاستدارة، كتشبيه الجائع وجهًا كالبدر في الإشراق والاستدارة، إظهار المطلوب. كأنك أنت أيها المتكلم حقيقة أنت مش هامك الوجه اللي هو المشبه، يعني لماذا هذا جعل من مقاصد المشبه به؟ لأنه أنت فعليًا مش هامك المشبه، ولا لو أنت هامك المشبه لطلبت له أعلى أوجه التشبيه، صح؟ أنت هامك أيش هون المشبه به، فلذلك ألحقت به دون ما سوى إظهار المطلوب. قال: ولا يحسن هذا النوع وهذا القصد إلا في مقام الطمع، يعني متى أصلًا يجوز للشاعر أو المتكلم أن يقصد هذا أن يأتي المشبه به لأنه مطلوب؟ إذا كان يطمع في حصول المشبه به له، يعني يريد، كما قلت أنت بتحكي: والله رأيتك كالدجاج؛ لأنك طمعان أنه هو يشتري لك دجاج، رأيتك كالخبز، والله ما شاء الله وجهك، لأنك طمعان أنه يأتيك برغيف خبز. فهنا ماذا ذكر مثالًا على ذلك؟ قال: كما روي أن الصاحب بن عباد -وهذا معروف الصاحب بن عباد في الشعر- مدح قاضي سجستان بقوله: «وعالمٍ يعرف بالسجينات وشيء من ذلك»، وقف عند الشطر الأول وسكت، وأشار إلى الندماء، إلى الجلساء، جلساء القاضي، قال لهم احفظوا بس الشطر الأول وخلوني واقف. قال وأشار إلى الندماء -من الندماء هم الجلساء اللي بيكونوا في مجلس القاضي- بإجازة هذا النصف، أنه يعني خلوني أقف عند الشطر الأول. قال فلما انتهت النوبة إلى شريف، كانه يعني أنا مش عارف شو النظام قديمًا، قال النوبة هو الدور، لما انتهى الدور إلى شريف -يعني هو كانه المجلس في هناك من يتناوب على حضوره- كانه هكذا، المهم وصل للمجلس، جاء الدور لشخص شريف، محترم، جواد، كريم، جاء دوره حتى يجلس.

في مجلس القضاء هنا ابن عباد أكمل الشطر الثاني، قال: «أشهى إلى النفس من الخبز»، أكمل الشطر الثاني أمام الجلساء. طبعاً في ماذا؟ أن يحصل منه طعاماً أو شيئاً شهياً. لو أتى بشيء أشهى من الذهب، أنت تأتي لتطلب رغيف خبز يزن من الذهب، اطلب لك شيئاً أدسم، لكن خلص هذا الذي طلع معه. قال: «أشهى»، قال: الآن بدك ترجع للشطر الأول وعالَمٌ يُعرفُ بالسجل النفس من الخبز، تمام؟ فهو بالتأكيد لا يرفع من شأن المشبه، لما تقول والله هذا العالم أشهى من الخبز، واضح أنه يريد أن يوصل رسالة أنه يريد عطاءً أو يريد شيئاً أو يريد خبزاً، فذكر الشطر الثاني.

لما جاءت نوبة الشريف، الشريف إذا سمع هذا البيت قال: هذا البيت لا يصدر إلا من جائع، ولا يصدر من شاعر؛ لأنه الشاعر لا يشبه العالم بالخبز إلا في وضع صحي كحالته. قال: فأمر، شو قال؟ قال: فأمر بإحضار المائدة، الشريف قال: يا عمي جيبوا له وهذا صح الرز، أمر بإحضار المائدة، قال: عرف أن هذا الشاعر جائع. ثم هذا الذي ذُكر من جعل أحد الشيئين مشبهاً والآخر مشبه به إنما يكون إذا أُريد إلحاق الناقص بالزائد حقيقةً أو ادعاءً. نحن قلنا التشبيه قاعدة: أن المشبه أنقص من المشبه به، فأنت تلحق الناقص بالزائد، هذه الفكرة الختامية. هذا هو الأصل، أن قاعدة التشبيه كما ذكرها أبو العلاء المعري في بيته: قاعدة التشبيه أن المشبه أنقص من المشبه به، فأنت إذا شبهت تلحق الناقص بالزائد، أليس كذلك؟ وهي نفس التي نص عليها القزويني قبل قليل: أن يكون المشبه به أتم وأشهر.

قال: هذا هو الأصل، هذا هو الأصل. قال: فإن أُريد، ها حالة استثنائية، قال: لكن إذا أردت الجمع بين شيئين في أمر من الأمور من دون أن تقصد إلى كون أحدهما ناقصاً والآخر زائداً، سواء وُجد أم لا، يعني وُجد في الخارج أو لا، قد يكون هذا قصده سواء وُجد أو لا، فالأحسن ترك كلمة التشبيه أو استعمال أسلوب التشبيه المعروف إلى استعمال التشابه، ولفظة التشابه؛ ليكون كل من الشيئين مشبهاً ومشبه به في نفس الوقت، احترازاً من ترجيح أحد المتساويين. ما معنى هذا الأمر؟ انتبهوا معي.

نحن قلنا قاعدة التشبيه على طريقة القزويني وأغلب البلاغيين ما هي؟ أن المشبه أنقص والمشبه به أكمل، وبناءً على هذا المتبادر إلى أذهان السامعين أنك إذا قلت محمد كالأسد، وخد كالورد، الأصل أن المشبه أنقص وأنك تريد إلحاقه بالمشبه به. لكن أقول لك أحياناً أنا كمتكلم لا أكون قصدي أن المشبه أنقص والمشبه به أكمل، لا، أنا يكون قصدي أن أخبر أن هذين الشيئين يجتمعان في صفة أو يجتمعان في أي أمر من أمور الحياة، فقط هذا قصدي، أن أخبر هذا الثوب وهذا الثوب يجتمعان في أنهما من الكتان، أو هذا الكرسي وهذا الكرسي يجتمعان في أنهما من الحديد، بس أنا ما بدي أشبه، يعني باختصار ما في ناقص وكامل وأنا بدي ألحق الناقص بالكامل، لا، هناك شيئان أنا أريد أنهما يجتمعان في صفة من الصفات. فهنا يقول لك البلاغيون: انتبه، إذاً لا تستعمل أساليب التشبيه الصريحة؛ لأنك إذا استعملتها، إذا قلت هذا الكرسي كهذا، ايش رح يكون المتبادر؟ أن هذا الأصل أتم وهذا أنقص، صح؟ فإذا بدك تجمع بين شيئين في صفة بدون أنه واحد أنقص وواحد أكمل، فيقول لك: اعدل إلى استعمال لفظة التشابه وليس إلى استعمال التشبيه الصريح.

ايش يعني لفظة التشابه؟ طبعاً نقول: يتشابه هذا الثوب بهذا الثوب، هكذا تقول أو يشابه هذا الثوب هذا الثوب. قال: مصطلح التشابه بالتحديد مصطلح يضيع من المشبه ومن المشبه به، إذا قلت يشابه هذا الثوب ذلك الثوب، هنا أنت ما بتعطي انطباعاً للسامع أنك ترجح، كل واحد فيهم يصلح أن يكون مشبهاً ومشبه به، تعطي انطباعاً لفظة التشابه بالتحديد تعطي انطباعاً للسامع أنه لا يوجد أصل وفرع، وإنما كل واحد منهما يصلح أن يكون مشبهاً ومشبه به. شوف هذا البيت حتى تفهم أكثر:

تشابه دمعي إذ جرى ومدامتي فمن مثل ما في الكاس عيني تسكب

العين شو بتسكب؟ دموع سائل، والموجود في الخمر سائل. طيب، قال: فمن مثل ما في الكاس اللي هو السائل، عيني تدمع، اللي هو سائل الدموع يعني باختصار، هو يشبه الدموع بسائل الخمر، يشبه دمعه بالخمر السائل. قال: فوالله ما أدري أبالخمر أسبلت جفوني أم من عبرتي كنت أشرب؟

جميل، هو يقول: شوف البيت الثاني، يقول: فأنا مش عارف شو اللي صار، الدنيا دخلت ببعضها عندي، أنا مش عارف هو أنا جفوني أسبلت، يعني كان الأماكن تبدلت، وهذه قضية أن الأماكن تبدلت وأنا مش عارف، الدنيا دخلت في بعضها، كأنه عيني صارت تنزل خمراً وكأني صرت أشرب دموعاً، العكس، صارت الأمور، فهمتم؟ كان هو الأصل أنه هو بيشرب كأساً من خمر وعينه عم بتنزل دموعاً، فيقول اختلط الأمران، كان الأمور دخلت في بعضها، فكأن عيني أصبحت هي التي تنزل خمراً بدل دموع، والكأس أصبحت طعمها دمع بدل خمر، فانعكست الأمور تماماً. فكأنه يقول: تشابه دمعي، ها لي فكرة تشابه دمعي ومدامتي، استعمل لفظة التشابه: تشابه دمعي ومدامتي، تشابه هذا الثوب وهذا الثوب، فتشابه دمعي ومدامتي اختلطوا ببعض، تشابه هذا الثوب وهذا اختلطوا ببعض، كل واحد فيهم يصلح أن يكون مشبهاً ويصلح أن يكون مشبهاً به، ومقصد أن تدل على ماذا؟ على اشتراكهما في صفة وهو السيولة أو الانهمار أو ما شابه ذلك.

قال: لما اعتقد التساوي بين الدمع والخمر ترك التشبيه الصريح إلى التشابه. إذاً البلاغيون يفرقون بين التشبيه والتشابه، التشبيه هو كل ما مر معنا، التشابه استعمال مفردة التشابه؛ يعني كانها موقوفة عندما تختلط الأمور ولا تريد أن تحدد مركزياً من المشبه ومن المشبه به، تأتي مصطلح التشابه، ليش التشابه؟ لأنه على صيغة تفاعل، والتفاعل تدل في علم الصرف على المشاركة بدون تمييز وتفضيل.

طيب، يا رب نصلي إن شاء الله، ثم ننتقل إلى أقسام حبيبنا، نعلق على الأبيات، طيب نعلق على الأبيات ثم ننهي الصلاة. قال: غرضه يعود للمشبه، أي غرض التشبيه يعود للمشبه في أكثر الأمر وفي أغلبه، بيان إمكان وحال وكذا قدر وتقرير لها هي أربعة، وكل ذا يقضي بأن الوجه في المشبه به، المشبه به دير بالك، اربط البيت الشطر الثاني يقضي بأن الوجه في المشبه به أتم وهو أشهر، وهو أشهر به، يعني التمام والشهرة التي نص عليها القزويني وقش فيها التفتازاني، وفيه نقد. خلص، قال لك هذا الكلام انتقده التفتازاني على القزويني.

ثم يريد أن يكمل: «ثم للتشويه وزينة الخامس والسادس والظرف»، اللي هو السابع، ثم ذكر مثال الظرف: «والظرف كالتشويه للفحم ذي الجمر، ببحر مسك وموجٍ منه من ذهبٍ ذي سبك». ايش وجه الظرف هنا؟ قال: ووجه ظرف كونه يبرز في ممتنع، أن المشبه به ممتنع في العادة كما مر معنا، ووجه ظرف كونه يبرز في ممتنع أو قل في الذهن يفي، يفي يعني يأتي، يعني قل إتيانه وحضوره في الذهن أو قل في الذهن يفي، وقلنا هذا إما أن يكون مطلقاً أو ماذا؟ أن يكون المشبه به لا يأتي مع المشبه وإن كان معروفاً عموماً، هذا له صورتان كما مر معنا.

ثم انتقل للحالة الثانية، القسم الثاني، وهو أن يكون الغرض للمشبه به في بعض الأحايين، طيب ما هي الأغراض؟ «إنما للبيان بأنه أتم، وذاك في المقلوب»، أي في التشبيه المقلوب، «أو للاهتمام»، الغرض الثاني. كجائزة بالتمام، شبّه وجهاً تاماً بالخبز، شبّه وجهاً تاماً برغيف خبز مستدير، هذا معنى بالتمام أي بوجه تام في الاستدارة والتعلق، شبّهه بالخبز. ثم قال: «وهذا ماذا يسمى؟»، إظهار مطلوب، يسمى هذا النوع الثاني وهو الاهتمام كما مر معنا، يسمى إظهار المطلوب، أنه أنا يا عمي بدي خبز، إظهار مطلوب.

«وكل ذا إذا»، وكل ذا أي كل هذه الأغراض التي ذكرناها سواء للمشبه أو للمشبه به، يعني بعد إظهار مطلوب تضع فاصلة؛ لأنه الآن سيبدأ بفكرة ختامية: «وكل ذا»، أي وكل هذه الأغراض، ذا اسم إشارة يعود على الأغراض، «وكل هذه الأغراض إذا إلحاق ناقص بغير»، أي بغير ناقص يعني بكامل، هذا مفهوم المخالفة، «إلحاق ناقص بغير يُحتذى»، أي يُراد ويُقصد. «وقد يُراد الجمع لشيء»، أما الصورة هذه الأخيرة وهي الجمع بين الشيئين في أمر ودون قصد التفاضل بينهما، «وقد يُراد الجمع للشيء في أمر، ولم يُنظر لنقص أو كمال»، ولم يُنظر لنقص أو كمال وتمام، ففي هذه الحالة قال: «فالأحسن»، اه كلمة الأحسن تدل أيها الأحبة على الوجوب ولا على الاستحباب؟ على الاستحباب. فلو أنك جمعت بين الشيئين غير المتفاضلين بالألفاظ المعتمدة للتشبيه كالكاف، أأنت ارتكبت كبيرة من كبائر البلاغة؟ لا، لكنك خالفت الحسنى بس، فهمتم؟ فاستعمال التشابه ليس لازماً في هذه، لكنه مستحب، فالأحسن العدول للتشابه، وذكره التشبيه من صوابه.

طيب، هكذا نكون انتهينا من التعليق على هذه الأبيات، وإن شاء الله بعد الصلاة لا بد ننهي إن شاء الله أقسام التشبيه لننهي الكلام في باب التشبيه، ويكون موضوعنا في الجلسة القادمة في الحقيقة والمجاز، والله تعالى أعلم.