دخولتسجيل الدخول

الدرس 63 - ختام الكلام عن الاستعارة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في التعليق على عقود الجمان في علم المعاني والبيان للعلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى عليه. وها نحن نخطو خطواتنا الأخيرة إلى إنهاء علم البيان بحمد الله سبحانه وتعالى. وقبل أن أدخل في موضوع مجلس اليوم، وهو الحديث عن حسن الاستعارة والتفاضل بين مراتب الاستعارات، سأعلق على فقرة لم أشرحها في ختام الدرس الماضي، لم يسعفنا الوقت، ثم أنطلق في مجلس اليوم.

هذه الفقرة تتعلق بالتعليق على فكرة ذكرها العلامة السكاكي عليه رحمة الله، وهي أنه جعل الاستعارة التبعية ترد إلى الاستعارة المكنية. تذكر أن للسكاكي وجهة نظر معينة، بل وجهات نظر، ومن أبرز وجهات نظره أنه قال إن الاستعارة التبعية مثل «نطقت الحال»، يقول: بدل ما نقول نطقت فعل استعارة فيه تبعية من النطق، واستعارة النطق للدلالة؛ لأنه استعارة من الدلالة. فقال بدلاً من أن نعتبرها استعارة تبعية، دعونا نجعلها استعارة مكنية. كيف؟ قال: نأتي إلى الفاعل وهو الحال، نقول الحال هو المشبه، شبه الحال بإنسان متكلم، ثم حذف المشبه به وأبقى المشبه على طريقة الاستعارة المكنية، حذف المشبه به وهو الإنسان المتكلم، وأبقى المشبه وهو الحال، وأبقى شيئاً من لوازم المشبه به وهو النطق، وهو فعل نطق.

فهذه وجهة نظره، حتى أنشبت المنية أظفارها، المنية شبه المنية بالسبع، فحذف السبع وهو المشبه به، وأبقى شيئاً من اللوازم وهو أنشبت. فنطقت الحال مثل أنشبت المنية، فقال: لماذا نجعلها استعارة تبعية؟ اجعلوها كلها استعارة مكنية. السيوطي بين ما هي وجهة نظر السكاكي، وهي أن نقلل التقسيمات في الاستعارة، فالشيخ عبد الله يقول لك: تعبتونا في التقسيمات، فوجهة نظر السكاكي أنه بدل ما نعمل موضوعاً اسمه استعارة تبعية وفي شيء اسمه الكناية، أنت حقيقة تستطيع أن تفهم الاستعارة التبعية على أنها شكل من أشكال الكناية بنظرة معينة بينتها في الدرس الماضي.

لكن هنا السيوطي رد عليه، هي الفقرة التي قفزنا عنها، قال السيوطي ورد كلامه بأنه إن قدر الاستعارة التبعية حقيقة لم تكن تخيلية؛ لماذا؟ لأنها مجاز عنده. الآن أنا أصلاً لم قفزت عن هذه الفقرة؟ قلت لكم أريد أن أشرح الفقرة الأخيرة حتى نفهم وجهة نظر السكاكي في التخيلية، بعدين نرجع هنا. السكاكي ما وجهة نظره في الاستعارة التخيلية؟ السكاكي جعلها قسماً من أقسام الاستعارة التصريحية. فإذا كان السكاكي يجعل الاستعارة التخيلية قسماً من أقسام الاستعارة التصريحية، إذاً هي مجاز عنده؛ لأن التصريحية مجاز باتفاق الجميع، وأنت يا سكاكي متفق معنا أن الاستعارة التصريحية مجاز، وجعلت التخيلية نوعاً من أنواع التصريحية، إذاً التخيلية عندك مجاز، بخلاف القزويني؛ نحن عندنا التخيلية ليست مجازاً، لأن عندنا التخيلية ليست من أقسام التصريحية. تذكروا «أنشبت المنية أظفارها»، قلنا أظفارها حقيقة ولا مجاز على وجهة نظر القزويني والسيوطي؟ حقيقة.

فهنا السيوطي مسكها عليه، قال له: تعال، أنت تريد أن تقول إن الاستعارة التبعية، مثل الفعل «نطق»، إذا قلت أنها حقيقة، الفعل هنا «نطق» بمعنى نطق باللسان، فهذه لن تكون تخيلية. إذا قلت الفعل «نطق» حقيقة في هذا المقام وليس مجازاً، إذاً لن يكون الفعل «نطق» تخييلاً أو استعارة تخيلية؛ لأن الاستعارة التخيلية مجاز عند السكاكي، وهو يقول: الفعل «نطق» على معناه الحقيقي، إذاً مستحيل يكون الفعل «نطق» استعارة تخيلية على هذه الطريقة.

إذاً إلى ماذا سيؤدي هذا؟ قال: إذا قدرنا أن الاستعارة التبعية حقيقة، فإنها لن تكون تخيلية، لأن الاستعارة التخيلية عند السكاكي مجاز. حيث جعلها من أقسام المصرحة، لأنها مجاز عنده، حيث جعل التخيلية قسماً من أقسام الاستعارة التصريحية وسماها المصرحة المفسرة بذكر المشبه به وإرادة المشبه. وحينئذ لا تكون المكنية عنها ملزمة للتخييل، وذاك باطل بالاتفاق؛ إذ لا توجد مكنية بدون تخيلية قطعاً.

ماذا يريد أن يقول الآن؟ هو انطلق من فكرة معينة؛ نحن قلنا في قاعدة في المجلس السابق: الاستعارة الكنائية يجب أن يكون معها استعارة تخيلية. السكاكي رد الاستعارة التبعية إلى الاستعارة المكنية، فالآن سيلزمك أن تطبق عليها قواعد الاستعارة المكنية، وقواعدها أنه لا توجد استعارة مكنية إلا ومعها استعارة تخيلية. فسنقول للسكاكي: تعال، إذا أنت تريد أن تجعل الاستعارة التبعية نوعاً من أنواع المكنية، لازم يكون عندنا استعارة تخيلية، بدك تجيب لنا إياها.

فبدأ يناقش السيوطي الحلول عند السكاكي، قال السيوطي: أن تجعل الفعل «نطق» هو التخييل، ما يضبط إذا جعلنا نطق حقيقة، لأن الاستعارة التخيلية عند السكاكي لازم تكون مجازاً. طيب إذا قال السكاكي: لا، الفعل «نطق» أنا عندي إياه مجاز؛ فأقول: إذا عندك إياه مجاز، فستكون استعارة ضرورة، ويحتاج إلى القول بها وعدها في الأقسام. فرجعت اعترفت بالاستعارة التبعية التي كنت تريد الهرب منها، فجبرًا عنك سترجع تعترف بالاستعارة التبعية.

أما الاستعارة التخيلية عند القزويني والسيوطي، هل هي حقيقة أم مجاز؟ هي حقيقة. احفظها: «أنشبت المنية أظفارها»، ليس طول الدرس السابق أن نحكي الأظفار هنا هو التخييل، ليس هو على معناه الحقيقي. لأن الاستعارة المكنية عند القزويني عبارة عن تشبيه مضمر، وأنه شبه المنية بالأسد، ثم حذف الأسد وهو المشبه به، وأبقى شيئاً من لوازمه وهو التخييل. فتخييل التي هي كلمة «الأظفار» يسمونها استعارة تخيلية، بس هي حقيقة. فكلمة أظفارها على معناها الحقيقي، ويقصد بها أظفار السبع نفسها، ولا يوجد فيها تجوز، هذا هو الرأي الذي يفتى به.

باختصار، السكاكي لا فائدة من رده الاستعارة التبعية للاستعارة المكنية، لأنك إذا جعلتها مكنية وقلت إن «نطقت» حقيقة، فانت جعلت المكنية لا يوجد معها تخييل، وهذا باطل. وإن جعلتها مكنية وقلت «نطقت» مجاز وهي التخييل، فأنت بتسميها تخييل، ونحن بنسميها استعارة تبعية، فأنت ما عملت شيئاً جديداً. لكن هنا، السيوطي قال: وقال العلامة الكافيجي -شيخ السيوطي- عكس الطاولة على السكاكي، شو قال؟ قال: لو قيل برجوع الاستعارة المكنية إلى التبعية لكان أولى.

لكونها أظهر من ماذا من الكناية. الاستعارة التبعية أظهر فيها معنى الاستعارة من الاستعارة المكنية، لأن الاستعارة المكنية هي في الحقيقة تشبيه مضمر، أما الاستعارة التبعية فهي استعارة فعلياً.

الآن بدي أياك تفهم الفرق بين رأي السكاكي ورأي الكافيجي؛ السكاكي شو بقول لك: الاستعارة التبعية خلينا نعتبرها استعارة مكنية وننظر إلى الفاعل فيقول هنا استعارة مكنية، وهذا تخييل، بس مشكلته في التخييل تورط السكاكي. الكافيجي شو بقول لك: بقول لك لا بالعكس، كل شيء أنتم بتخلوه استعارة مكنية رجعوه على أنه استعارة تبعية. كيف؟ أنشبت المنية أظفارها، مش قلنا المنية الآن هي استعارة مكنية، والأظفار هي ماذا؟ لازم من اللوازم اللي سميناها تخييل. ممتاز، فبقول لك الكافيجي: أنا لو بدي أكون مكان السكاكي بعمل العكس، بقول بدال ما تخلي المنية استعارة مكنية وأن شبه هو التخييل لا، أعمل العكس، أرجع على الاستعارة التبعية وقول أنشب فيه استعارة تبعية.

تماما صور هجوم الموت وسرعة الموت وانقضاء الموت على الإنسان بالإنشاب للأظفار، فماذا فعلنا؟ حذفنا المشبه وأبقينا المشبه به، لكننا لم نقل الأظفار، اشتقنا منه الفعل أنشب، فأصبحت استعارة تبعية في الفعل أنشب، والقرينة على وجود الاستعارة التبعية هو الفاعل. أنا بحاول أفهمكم قدر المستطاع كيف ينظر، وين الخلاف هون؟ الخلاف بين الكافيجي والسكاكي أننا نتطلع على الفاعل ولا على الفعل. السكاكي شو وجهة نظره؟ اطلع على الفاعل فخليه هو الاستعارة المكنية وخلي الفعل تخييل. الكافيجي بقول أعمل العكس لا، اطلع الفعل فخلي الفعل فيه استعارة تبعية، وخلي الفاعل هو المجاز، عفواً هو القرينة، وألغي الاستعارة المكنية. فهمت شو بحكي لك؟ هذا الكافيجي بقول لك ألغي الاستعارة المكنية، خلي الاستعارة تبعية في الفعل وخلي الفاعل وهو المنية قرينة على وجود الاستعارة، وألغي المكنية كلياتها، وبتزبط معه فعلياً.

السكاكي لا بقول لك العكس، خلينا نخلي الفاعل هو الاستعارة المكنية ونخلي الفعل تخييل. طيب يا سكاكي إذا خليته تخييل مش راح يزبط عندك، هذا رد السيوطي، لأنك إذا جعلته تخييل بيجي بقول لك نطق على معناها الحقيقي ولا المجازي؟ إذا قلت على معناها الحقيقي راحت عليك، ليه؟ لأنه التخييل عندك مجاز. إذا قلت لا هي أيضاً هنا في مجاز، بقول لك إذا جعلتها مجاز وتخييل في نفس الوقت بنقول لك أنت ما عملت إذاً شيء كبير، لأنه إذا جعلتها مجاز تخييلي يعني -لأنه التخييل عندك مجاز- نحن عندنا إياه مش مجاز، بس لأنه عندك مجاز أنت سميت استعارة تخيلية، ونحن بنسميها استعارة تبعية، يعني ما استفدت حاجة كبيرة. هذا هو ملخص الرد والنقاش في هذه الجزئية.

سننتقل الآن إلى الفصل الأخير أو قبل الأخير في باب التشبيهات والمجاز وما شابه ذلك كاملاً قبل أن ننتقل إلى الكناية. خلص هيك إحنا بنكون خلصنا كلام عن الاستعارة بأنواعها وأشكالها وصورها، الآن فقط سنذهب إلى المفاضلة. إحنا الآن كم نوع من أنواع الاستعارة درسنا؟

الاستعارة عموماً دعكم من كلام السكاكي، الله يسهل عليه، رجع الكلام الطبيعي كلام القزويني صاحب الأصل. الاستعارة أقسامها الأساسية تصريحية ومكنية، والمكنية لا بد يكون معها استعارة تخيلية. تمام، هذا كلام عن الاستعارة في المجاز المفرد، وأما الاستعارة في المجاز المركب ايش كنا نسميها؟ التمثيل، الاستعارة التمثيلية أو التمثيل على سبيل الاستعارة.

تقسيمات الاستعارة التي تذكر في كتب البلاغيين، التقسيم الأساسي نقول الاستعارة إذا كانت في مجاز مفرد فتنقسم إلى تصريحية ومكنية، وهاي المكنية معها تخييل، خلص يعني استعارة تصريحية، استعارة مكنية وتخييل مع مكنية، وأما في المجاز المركب فهو نوع واحد فقط يسمى تمثيلاً، والبعض يسميه تمثيلاً على سبيل الاستعارة. ممتاز، هذا أهم تقسيم، تفهم أن الاستعارة إما في مجاز مفرد أو مركب؛ إذا كانت في المجاز المفرد فتنقسم تصريحية أو مكنية، والمكنية لازم يكون معي تخييل. فهذه المصطلحات هي أكثر مصطلحات تتكرر في كتب التفسير والشعر والأدب.

يا استعارة تصريحية، استعارة مكنية، استعارة تخيلية، استعارة تمثيلية، هي لذلك بقول لك هذا اللي بدك تهتم فيه الآن في تقسيمات. نعم، الاستعارة التهكمية والوفاقية هذه جزئية فرعية مش أساس الكلام، أما أساس فهمك لباب الاستعارة أن تخرج من هذه الدورة وقد فهمت التفريق بين أنواع الاستعارات الأربع: استعارة تصريحية، استعارة مكنية، استعارة تخيلية، استعارة تمثيلية. ونرتب لكم إياها كمان، تقول هناك أربع استعارات لازم تحفظها: استعارة تصريحية، استعارة مكنية، استعارة تخيلية، واستعارة تمثيلية.

مين بيقدر يعرفهم؟ يلا شو الاستعارة التصريحية بتعريف بلدي سهل بناءً على ما فهمت؟ رايت أسداً يخطب. الاستعارة التصريحية هي تذكر المشبه به وتحذف المشبه مع وجود قرينة على المجاز. اكتب مجاز، ذكر المشبه به وحذف المشبه.

الاستعارة المكنية هي أنشبت المنية أظفارها. المكنية هي حذف المشبه به وذكر لازم من لوازم المشبه به، وتذكر أن على طريقة القزويني أن الاستعارة المكنية هي حقيقة ليست مجازاً وإنما هي تشبيه مضمر في النفس. هذه الجزئية بدك تفهمها. بس إحنا باللغة السهلة بقول لك الاستعارة المكنية هي حقيقة ذكر المشبه وحذف المشبه به مع ذكر لازم من لوازم المشبه به.

الاستعارة التخيلية هي حقيقة وهي اللازم المذكور في الاستعارة المكنية، لأنه إحنا حكينا ما في تخييل إلا مع استعارة مكنية، والتخييل هو اللازم، فإذاً الاستعارة التخيلية هي حقيقة أيضاً، وهي اللوازم المذكورة مع الاستعارة المكنية.

أما الاستعارة التمثيلية فهي التمثيل الذي أخذناه، وهو يكون في المركبات، أن يكون مركباً ذكر في شيء فأخذه إلى صورة مشابهة له. هي مجاز، وهو نفس الشيء ذكر المشبه به وحذف المشبه لكن في المركبات. لما أقول: الصيف ضيعت اللبن، هذا المشبه به صح، وضعته في مكان جديد مكان المشبه، شبهت الرجل الذي يضيع وقته في وقت كان بامرأة تلك المرأة التي ضيعت الصيف جهدها، فهو فعلياً صيغته نفس صيغة الاستعارة التصريحية، الاستعارة التمثيلية هي تعريفها مشابه لتعريف الاستعارة التصريحية، بس شو الفرق بينه وبين الاستعارة التصريحية؟ أن الاستعارة التصريحية في المفرد "رأيت أسداً يخطب"، والاستعارة التمثيلية في المركبات وأشهر أمثلتها الأمثال العربية كلياتها.

إذاً الاستعارة التصريحية مجاز، الاستعارة المكنية حقيقة، الاستعارة التخيلية حقيقة، الاستعارة التمثيلية مجاز. هيك أول شيء، بعدين بتجيب تعريفهم وتذكر مثالاً على كل واحدة، هيك أنا بعتبر حالي خمرت المعلومة.

أنا ليش اهتممت أذكر؟ لأنه الآن سنفاضل بين هذه الأنواع الأربعة، أيها أبلغ؟ فقال السيوطي:

الحسن في استعارة التخييل بحسب المكنى والتمثيل، وذي الكناية وذي التحقيق أن يرعى الذي في وجه تشبيه زكن، ولا يشم ريحه لفظاً، وأن يجلو ولا يكون كالغازي عنه، فلا يقال أسد لبانخه حتى سيراً طرفيه كالواحد، مثل العلم والنور فاستعارة ذو حتم.

الآن هو يتكلم أي هذه الأنواع التي ذكرناها على الشاشة أكثر بلاغة؟ إحنا ذكرنا أربعة، فماذا قال السيوطي في شرحه؟ هذا فصل في شرائط حسن الاستعارات عموماً، متى تكون هذه الاستعارات أبلغ من بعضها البعض؟ قال: فاستعارة التخيلية حسنها بحسب حسن الاستعارة المكنية، لأن الاستعارة التخيلية مثل الطفل اللي بيتبع أمه، إذا كانت الاستعارة المكنية جميلة فالاستعارة التخيلية جميلة. تكتب: قوة الاستعارة المكنية هو -أحياناً بسميها استعارة مكنية أحياناً المكنى عنها اختلاف المصطلحات- فإحنا بنحاول نرجعك لمصطلح واحد.

تكتب الاستعارة التخيلية قوتها وحسنها بحسب قوة وحسن الاستعارة المكنية، هذه قاعدة حفظناها. قال: لأنها لا تكون إلا تابعة لها، وليس لها في نفسها تشبيه بل هي حقيقة. إيش يعني إحنا شو حكينا الاستعارة التخييلية حقيقة ولا مجاز؟ حقيقة. هذا معنى "ليس لها في نفسها" أي هي ليست مجازاً حتى نبدأ نحاكم على قواعد المجاز، لأنه المجاز يتفاوت في جماله. الاستعارة التخيلية ليست مجازاً، هي حقيقة، والحقيقة لا تفاوت فيها، وإنما التفاوت في أساليب البيان يظهر وين؟ في المجاز.

وأما الاستعارة التحقيقية وهي التصريحية عندنا، والتمثيلية، فحسنها برعاية جهات حسن التشبيه بأن يكون وجه الشبه شاملاً للطرفين، والتشبيه وافٍ في إفادة الغرض. يعني بقول لك: الاستعارة التصريحية الأولى والاستعارة التمثيلية، متى نحكم عليها بأنها حسنة قوية أو ضعيفة؟ قال: بناءً على التشبيه لأنه أصلها، فأنت حتى تحكم أن هذه الاستعارة سواء تصريحية ولا تمثيلية قوية ولا ضعيفة لازم ترجعها لأصلها، ترجع تحلل شو هو التشبيه أصلاً، شو عناصره من المشبه والمشبه به. إذا كانت العلاقة بين المشبه والمشبه به صحيحة ووجه الشبه منطقي وأفاد التشبيه غرضه، إذاً الاستعارة التي ستكون مبنية على هذا التشبيه ستكون قوية.

العامل الثاني في الحكم على قوة الاستعارة التصريحية والتمثيلية هو قدرتك على عدم إظهار المشبه، لأنه إذا شممت رائحة التشبيه من جهة اللفظ يبطل الغرض من الاستعارة، وهو ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، لما في التشبيه من الدلالة على أن المشبه به أقوى من المشبه.

تشمى رائحته في الكلام كلما كنت أقوى على ألا تشمى رائحة المشبه في الكلام كلما كانت الاستعارة التصريحية والتمثيلية أقوى. ليش؟ لأنه فكرة الاستعارة تقوم على ماذا يا عمر؟ على إلغاء المشبه وتسليط الضوء على المشبه به؛ وكأن المشبه أصبح فرداً من أفراد المشبه به ادعاءً. فعندما أقول: رأيت أسداً يخطب، أنا ادعيت أن الرجل الشجاع أصبح فرداً من أفراد الأسد، لذلك استعرت له الأسد. يجب أن تحافظ على سرية المشبه، بحيث لا يذكر شيء من لوازمه إلا القرينة الأساسية التي تدل على المجاز. رأيت أسداً يخطب؛ لو قلت: رأيت أسداً يخطب كلمني بعد الصلاة وحاورني وأخذت، بقول لك: يا عمي هيك أفشلت الاستعارة، ليه؟ لأنك ذكرت كثيراً من لوازم المشبه، فراحت رائحته طلعت. رح تقول لي: ما هي رائحته طلعت من كلمة يخطب، بقول لك: أنا عارف إنه ريحته طلعت من كلمة يخطب، بس أنا محتاج ليخطب ليش يا عمر؟ لأنها القرينة، ما في عندي مجال، لكن ما بعد القرينة حاول لا تكثر من ذكر لوازم المشبه حتى لا تظهر رائحته؛ كلما استطعت أن تخفيه كان ذلك أفضل.

لذلك مر معنا أن الاستعارة المرشحة أفضل من الاستعارة المجردة والمطلقة. بتذكروا الاستعارة المرشحة؟ يلا نشوف من الشباب، الله يعطيكم العافية، تذكروها: الاستعارة المرشحة هي أن يذكر شيئاً من لوازم المشبه به أكثر وأكثر، والاستعارة المطلقة أن لا يذكر شيئاً لا من لوازم المشبه ولا المشبه به، والاستعارة المجردة بالعكس، أن يذكر شيئاً من لوازم المشبه. هذا أخذناه في الاستعارة التصريحية، أخذنا أن في تقسيمات الاستعارة التصريحية هناك تقسيم، وهو تقسيمها باعتبار هل هي مرشحة أو مجردة أو مطلقة. وقلنا المرشحة أن يكثر المتكلم من ذكر لوازم المشبه به، وهذا سيجعل المشبه يختفي أكثر وأكثر. لما أقول لك: رأيت أسداً يزأر ومخالبه ظاهرة وخطب خطبة قوية، هس أنت عرفت أن قصدي بالأسد مين؟ الرجل الشجاع، لكن ذكرت أشياء كثيرة من صفات الأسد الحقيقي، فهذا تسمى ترشيحاً، كأنني أخفيت قدر المستطاع المشبه وجعلتك تعتقد لوهلة أنني أتكلم عن أسد حقيقي. فذكر لوازم المشبه به كثيراً، هذا يسمى ترشيحاً؛ هذا أقوى شيء، ليه؟ لأني جعلتك تتناسى المشبه كأنك نسيته.

أما التجريد فبالعكس، التجريد عكس الترشيح، وهو أن تذكر لوازم المشبه، فتقول: رأيت أسداً يخطب، كلمني بعد الصلاة واشتريت أنا وإياه قفياً من بر ثم ذهب إلى بيته، يا زلمه خلاص احكِ رجل شجاع، ريحني، هذا بطل، أسد أنت أوضحت المشبه بطريقة عنيفة. فبقول لك: أيهما أبلغ؟ لاحظوا شو قال: «وألا تشم رائحة التشبيه»، يعني كأنه المشبه منسي تماماً من جهة الألفاظ، وإن كنت تعرف أنه في تشبيه من جهة العقل. لماذا قال ذلك؟ لأنه لو كانت رائحة التشبيه وذكر المشبه واضحاً، أبطلنا الغرض من الاستعارة. أنا أصلاً ليش جبت الاستعارة؟ حتى أدعي أن المشبه أصبح من عائلة المشبه به، فإذا ينبغي أن لا أذكر المشبه؛ فإذا أنت أظهرت رائحته كأنك ذكرته فأبطلت الفائدة من الاستعارة.

قال: «لأنه يبطل الغرض من الاستعارة بادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به، لما في التشبيه من الدلالة على أن المشبه به أقوى من المشبه». يعني هو يقصد بهذا السطر أن التشبيه أصلاً عموماً يقوم على ماذا؟ وذا مر أن المشبه به أقوى من المشبه، لذلك ألحقت المشبه به، فلما جعلت المشبه به أقوى من المشبه، بنيت التشبيه على ذلك، ثم بنيت استعارة على ماذا؟ على إدخال المشبه ادعاءً وجعله فرداً من أفراد المشبه به؛ لأن المشبه به هو الأقوى، هو الأعلى في هذه الصفة التي وقع فيها التشبيه. يعني أنا لما قلت الرجل الشجاع ادعاءً، سأجعله يا عمر فرداً من أفراد الأسد؛ لماذا؟ لأنه الأسد هو الرمز في الشجاعة، هو الأقوى، هو أعلى مثل، بالتالي أجعل كل المشبهات كأنها فرد من أفراده إذا أردت أن أحول التشبيه إلى استعارة.

إذن هذه النقطة الثانية التي تزيد من جودة الاستعارة. إذاً شو النقطة الأولى في جودة الاستعارة التصريحية والتمثيلية؟ لو سألتك ما معايير الجودة في الاستعارة التصريحية والتمثيلية؟ النقطة الأولى: جودة التشبيه الأصلي نفسه. واثنين: أنه بعد أن ترى جودة التشبيه تنتقل إلى نفس الاستعارة، فتتأكد من عدم وجود رائحة التشبيه، وأنك استطعت أن تخفيه تماماً في رحم الاستعارة، هذا مهم جداً حتى نمدح جودتها. ثالثاً: قال، واكتب هي ثالثاً: أن يكون الشبه جلياً لئلا تصير الاستعارة من باب الألغاز والتعمية. هل هذا معيار ثالث، ولا يمكن إدراجه تحت المعيار الأول؟ هو جعله معياراً ثالثاً لحسن الاستعارة، وهو أن يكون وجه الشبه بين المشبه والمشبه به واضحاً مفهوماً لكل من يقرأ، ولا يكون ألغازاً؛ يعني ما حدا فاهم شو وجه الشبه. هس حقيقة أنا لا أعتبر هذا الشيء نقطة ثالثة، أنا أعتبرها داخلة في النقطة الأولى؛ وهي أن حسن الاستعارة مبني على قوة التشبيه، فإذا كان التشبيه وافياً من جملة وفيته أن يكون وجه الشبه واضحاً، لا ألغاز فيه، فنقطع إلى النقطة الأولى وهي قوة التشبيه.

مثال ذلك، لو قلت لك يا شيخ محمد: رأيت أسداً يخطب، أنت شو فهمت؟ الاستعارة مبنية على تشبيه، صح؟ تشبيه مين؟ أي إنسان، الخطيب الشجاع، أحسنت. الخطيب الشجاع، أنت مش خطيب تابع للحكومة، الخطيب الشجاع. فإذا كان الخطيب الشجاع شبه بالأسد، إذاً كيف عرفت أني أتكلم عن الخطيب الشجاع؟ بما في الأسد من معنى الشجاعة، أحسنت؛ يعني هذا تلقائياً أنت فهمته. فإذا قلت لك: لا والله أنا مش قصدي أشبه الخطيب الشجاع بالأسد، قصدي أشبه الخطيب الذي له رائحة فم كريهة بالأسد، بتقول لي ليش؟ بقول لك الأسد معروف أنه أبخر، صح؟ قلت لك أكثر من مرة الأسد أبخر، فإذا قلت لي لما قلت: رأيت أسداً يخطب، قصدت الخطيب الذي له رائحة فم كريهة، بنقول لك: استعارة فاشلة. ليش فاشلة؟ لأن وجه الشبه ملغز تعمية، ما حدا فاهم هذا الكلام على طرائق العرب.

فلذلك قال: كما لو قيل، شوف: رأيت أسداً يخطب، أو ما شابه ذلك، مراداً به إنساناً أبخر؛ أي صاحب رائحة الفم الكريهة، لأن الأسد أبخر. فيقول لك: لو شبه ما بينفعش تجيء به الاستعارة. قال: فإن وجه التشبيه بين الطرفين خفي في هذه الحالة. طيب سألتك سؤال، في هذه الحالة إذا كان وجه الشبه غير مألوف، شوف شو بقول لك: لا مشكلة عندنا أنك تشبه إنساناً بالأسد باعتبار رائحة الفم، بس هون في عندي شرط، ما هو؟ احنا ما عندنا مشكلة أن تشبه إنساناً بالأسد في رائحة الفم، بس في شرط؛ لا، مش أن يكون تشبيهاً مش استعارة، وأن تنص على وجه الشبه، لازم شغلتين. لو قلت: رأيت رجلاً كالأسد في رائحة الفم، ماشي صح، ليه؟ لأنه ما استعملت الاستعارة، لأن الاستعارة مبنية على وجه الشبه الأعلى. فأنت إذا بدك تستعمل وجه شبه خفي غير واضح، بدك تحولها لتشبيه وتنص على وجه الشبه، تقول: رأيت رجلاً كالأسد في رائحة الفم، وهذا سيأتي معنا، هي الحالة التي يجب فيها التشبيه ولا يجوز الذهاب إلى الاستعارة. لو سألتك: متى يجب التشبيه ولا يجوز الذهاب إلى الاستعارة؟ تقول: إذا كان وجه الشبه خفياً ملغزاً، فإذا استعملت الاستعارة لن يظهر؛ يتعين التشبيه وأن تنص على وجه الشبه.

لذلك شو قال السيوطي هنا؟ قال: كما لو قيل رأيت أسداً وتقصد به الإنسان الأبخر، فإن وجه التشبيه بين الطرفين خفي، فإيش قال؟ شوف شو قال، حط تحتها ثلاث خطوط، فإن وجه التشبيه بين الطرفين خفي، فيتعين التشبيه في هذه الحالة، لا يجوز تعمل استعارة، يتعين التشبيه حتى تذكر وجه الشبه ونفهم ماذا الذي تريده. وضحت؟ فيتعين التشبيه حينئذ ولا تحسن الاستعارة هنا. كانه لما ذكر الحالة التي يتعين فيها التشبيه أراد أن يستفيد ويوظف الانتقال إلى ماذا إلى حالة يجب فيها الاستعارة معاكسة تماماً ولا يجوز فيها التشبيه. هل هناك حالات إخواني يجب فيها استعارة ولا يجوز فيها التشبيه؟ آه، معاكسة تماماً. قال: فإن قوي الشبه بين الطرفين جداً جداً جداً، حتى اتحد أو كأنهما اتحدا، كالعلم والنور، كتشبيه العلم بالنور وتشبيه الشبه العقلية بالظلام، حينئذ شو قال؟ تعينت الاستعارة ولا يحسن التشبيه على طرائق العرب، ليه؟ قال: لأن لئلا يصير كتشبيه الشيء بنفسه، فلا يقال عند فهم مسألة حصل في قلب ماذا؟ عفواً، فيقال عند فهم مسألة - يعني ربنا فتح عليك وفهمت مسألة وأردت أن تأتي بعبارة بلاغية - إيش بتقول يا عمر؟ حصل في عقلي نور، هل يجوز أن أقول حصل في عقلي علم كالنور؟ لا.

هس شوف أنتم في حياتكم العملية، لما يقول لك المعلم في المدرسة: أعطني مثال، نسمح للأطفال أو الشباب الناشئين يقول لي: هذا مثال على التشبيه، هو كتشبيه، تشبيه بس العرب ما بتتكلم هيك. فرق بين أن تأتي بمثال وبين أن تأتي بشيء على لسان العرب، صح؟ فرق أن تأتي بمثال، نعم لو قلت: عندي المثال هو حصل في قلبي علم كالنور، وقال الطالب هذا مثال على التشبيه، أنت في ورقة الاختبار مش راح تحط له غلط، أنت مضطر تحط له صح، لكن الطالب اللي في مرحلتك بحط له غلط، بقول هذا ليس تشبيهاً، لماذا؟ وتشبيه كأدوات، لكن العرب لا تقول هذا، لماذا؟ لأن العلاقة بين المشبه والمشبه به واضحة جداً وجه الشبه، فلما يصبح وجه الشبه واضحاً جداً ومستهلكاً يسموه تمام، لذلك حقيقة حقيقة لو قال شخص - صح يا شيخ عمر - لو قال شخص: رأيت رجلاً شجاعاً كالأسد يخطب، الجملة غلط ليه؟ لأنه مستهلك جداً هذا التشبيه، تشبيه الرجل الشجاع بالأسد، فما بيستعمل التشبيه، لازم أستعمل الاستعارة، لازم. لو قال الطالب: رأيت رجلاً شجاعاً كالأسد يخطب، بقول له الجملة غلط ليه؟ لأنه تشبيه الرجل الشجاع بالأسد مستهلك، شو يعني مستهلك؟ الكل بيعرف، العامي والصغير والكبير واللي بيعرف بلاغة واللي ما بيعرف بلاغة الكل يفهمه، فلما تأتي هنا بتشبيه في شيء مستهلك، بقول لك غلط؛ أصبح الارتباط بينهما واضحاً جلياً فتتعين الاستعارة في هذه الحالة. معلومة مهمة جداً من حيث الذوق البلاغي وفهم طرائق العرب في البلاغة.

طيب بسم الله، لذلك تقول: حصل في قلبي نور، ولا تقول: حصل في قلبي علم كالنور. إذاً الخلاصة، شو يعطيك خلاصة؟ فالخلاصة، الأقسام ثلاثة، ضعوا نقطتين رأسيتين. الأول: ما يحسن فيه التشبيه والاستعارة؛ إيش يعني؟ أول شيء ما يمكن فيه استعمال التشبيه وما يمكن فيه استعمال الاستعارة، مثل إيش مثلاً؟ ممكن نقول ما يحسن فيه الاستعارة، هو أغلب صراحة، الأغلب من هذا النوع، بس سبحان الله الآن، إيش مثلاً؟ ممكن ما يحسن فيه مثلاً: رأيت فتاة كالقمر، بزبط صح، ورأيت قمراً في بيتنا، بزبط صح، لأنه لم يصل للاستهلاك لمرحلة رأيت أسداً، فلو قلت: رأيت فتاة كالقمر، ورأيت قمراً في بيتنا، مرة استعملت تشبيهاً، مرة استعملت استعارة، بزبط، طيب هذا يحسن فيه هذا ويحسن فيه هذا.

طب لكن متى أستعمل هذا ومتى أستعمل هذا؟ هذه ذكرت لكم في شرح المعلقات، متى أقول رأيت فتاة كالقمر ومتى أقول رأيت قمراً؟ ذكرت في معلقة امرئ القيس. متى؟ الآن هو قال لك الحالة الأولى، الخلاصة أن الأقسام ثلاثة، حالة يجوز فيها التشبيه والاستعارة، بصير تحكي هكذا ويجوز تستعمل هذا، وذكرت لكم مثالاً: رأيت امرأة كالقمر، ورأيت قمراً في بيتنا، تمام، لكن متى أرجح التشبيه ومتى أرجح الاستعارة مع أن أيهما جائز، لكن متى أرجح هذا ومتى أرجح هذا؟ آه يا محمد، ترجح التشبيه إذا أردت أن تبقي ذكرى المشبه، أحسنت، أبقِ التشبيه إذا أردت أن أبقي ذكر الفتاة حاضراً وألا تغيب في المشهد. لذلك امرؤ القيس في أغلب معلقته استعمل التشبيه، ما استعمل الاستعارات تمام، حتى «وليل كموج البحر»، أرخى سدوله، تشبيه، ليه؟ لأنه هو يريد أن يبقي صورة المشبه حاضرة، بده يركز عليها، فإذا أردت أن تركز على صورة المشبه لتبقى حاضرة في ذهن المتلقي تستعمل التشبيه، وأما إذا كان هدفك الأسمى والأعلى التركيز على الاستعارة، وليس المشبه مهماً جداً جداً أن يذكر، فإنك ستستعمل الاستعارة. هذا التفاضل بينهما وإلا فهذا جائز وهذا جائز.

الحالة الثانية: ما يتعين فيه التشبيه، ما هي هذه الحالة؟ يلا، الآن شرحناها، متى يتعين التشبيه؟ هس حكيناها مشايخ، متى؟ مش قلنا في حال يجب فيها التشبيه، ما هي؟ آه محمد، إذا غمض وجه الشبه، إذا أصبح وجه الشبه.

يتعين التشبيه حتى أذكر وجه الشبه. الحالة الثالثة قال: وما يتعين فيه الاستعارة، هي عندما يكون وجه الشبه واضحاً جداً، ومستهلكاً بين المشبه والمشبه به، هنا يتعين الاستعارة. هذه فكرة مهمة يجب أن تحفظها جيداً، متى يتعين التشبيه، متى يتعين الاستعارة، متى يجوز الأمران، وإذا جاز الأمران متى أفضل هذا ومتى أفضل هذا. أنا بعتبرها من المفاصل المهمة في التذوق للكلام العربي.

الآن كل هذا الكلام الذي شرحناه فيما يتعلق بالاستعارة التصريحية والاستعارة التمثيلية. فالخلاصة أن الاستعارة التخيلية حسنها بحسن الاستعارة المكنية، وأن الاستعارة التصريحية والتمثيلية حسنها بحسن التشبيه، وألا تشم رائحة التشبيه. وأما القضية الثالثة وأنه لا يكون هناك ألغاز، فهذا قلنا يعود إلى النقطة الأولى. هكذا جمعنا أمورنا، نأتي للنقطة الأخيرة. نحن تكلمنا إذاً عن التصريحية والتمثيلية والتخيلية، ماذا ظل؟ المكنية.

فقال: وأما الاستعارة المكنية فهي كالاستعارة التصريحية في أن حسنها يكون أيضاً برعاية حسن التشبيه؛ لأن المكنية هي تشبيه مضمر، فجمالها بحسب جمال التشبيه الذي بنيت عليه، فهي مثلها مثل التصريحية لأنها تشبيه مضمر. وقد انتهينا الآن، لو أنه جعل الكلام عن المكنية مع التصريحية كان اختصر على نفسه؛ لأنها نفس الفكرة الاعتماد على حسن التشبيه. لكن الفرق بينها وبين التصريحية هو أن التصريحية فيها معيار ثانٍ وهو ألا تشم رائحة المشبه، وهذا في المكنية غير ممكن؛ لأن المكنية مبنية على ذكر المشبه، فيستحيل ألا تشم رائحته.

ثم انتقل فقال: وقد تقدم أن الترشيح أبلغ من التجريد والمطلق. ذكرت لكم الآن أن هذا يتعلق بالاستعارات التصريحية، وهو أن الترشيح أبلغ من المجردة والمطلقة. ما الفرق بين المجردة والمطلقة؟ المطلقة هي التي لم يذكر فيها لا لوازم المشبه ولا لوازم المشبه به. المجردة هي التي ذكر فيها لوازم المشبه، والترشيح هي التي ذكر فيها لوازم المشبه به. وذكرت لكم الأمثلة قبل قليل: «رأيت أسداً يزأر ماداً أظفاره يخطب»، هذا ترشيح، وهي أعلى لأنها مبنية على تناسي المشبه. وأما التجريدية والمطلقة فهي أضعف، وفعلياً أيهما أقوى برأيكم، المطلقة ولا التجريدية؟

أحسنت، المطلقة ستكون أقوى من التجريدية؛ لأني لا ذكرت هذا ولا ذكرت هذا، أي لا ذكرت شيئاً من لوازم المشبه ولا ذكرت شيئاً من لوازم المشبه به. أما أضعف شيء ستكون التجريدية؛ لأنني أتيت بلوازم المشبه فظهرت رائحته، والاستعارة التصريحية تقوى كلما خفيت الرائحة. طبعاً هذه التقسيمات الثلاث (ترشيحية، تجريدية، مطلقة) في التصريحية، ويمكن اعتبارها في التمثيلية حقيقة، لا مانع من اعتبارها في التمثيلية. إذاً فالترشيح من شرائط حسن الاستعارة التصريحية.

وقد ذكر الطيبي في هذا الفصل، وتقدم أيضاً معنا؛ الطيبي في هذا الموطن فصل محسنات الاستعارة. الطيبي في كتابه التبيان ذكر شيئاً نحن ذكرناه، لكن القزويني ذكره في تقسيمات التشبيه، وهو أن الاستعارة والتشبيه الذي يكون وجه الشبه فيه غريباً بعيداً، أحسن من الذي يكون فيه وجه الشبه قريباً مبتذلاً. والتفصيلية التي يكون وجه الشبه فيها مفصلاً أقوى من الذي يكون وجه الشبه إجمالياً.

وذكر الطيبي هنا أيضاً وزاد أن تكون التخيلية مؤكدة لمعنى المشاكلة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]. حقيقة هذا الاستدلال بهذه الآية على هذه الفكرة مشكل؛ لأن النقاش هنا متعلق بعقليات. وين الاستعارة التخيلية؟ الاستعارة التخيلية مبنية على أنها في استعارة مكنية، فأين الاستعارة المكنية في ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾؟

قالوا: المشبه هو الله -لفظ الجلالة- والمشبه به هم الصحابة الذين بايعوا، حذف المشبه به وهم الصحابة الذين بايعوا وأبقى شيئاً من لوازمهم وهو اليد. وأنا ما عندي مشكلة أن تقول هذه الآية تدل على التوثيق وليس المراد منها إثبات صفة اليد، لكن أن يكون النقاش بهذا المستوى أنا حقيقة أرفض. لفظ الجلالة مشبه، والمشبه به هم الصحابة الكرام -حذف المشبه به على نفس قواعد الكناية وأبقى شيئاً من لوازمه وهو اليد- فاليد هنا استعارة تخيلية.

وهي مؤكدة لمعنى المشاكلة؛ لأن الكلام قبلها عن البيعة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، والبيعة تمت بالأيدي، فاستعارة التخيلية تشاكل المعنى، أي مؤكدة لمعنى البيعة ومتناسبة مع معنى التبايع المذكور قبلها. فلما جاءت الاستعارة المكنية وقرنتها الاستعارة التخيلية (اليد)، جاءت الاستعارة التخيلية مؤكدة لمعنى البيعة. إذاً قد تأتي الاستعارة التخيلية مؤكدة لتناسب في السياق باختصار.

أيضاً من المحسنات التي ذكرها الطيبي قال: وأن يكون في الكلام عدة استعارات، يقول الطيبي كلما كثرت الاستعارات في الكلام حسن الكلام، ومثل على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112].

أين الاستعارات الكثيرة في هذه الآية؟ قال: أول استعارة ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾، أطلق القرية وأراد أهلها، لكن حقيقة هذا ليس استعارة، هذا من قبيل المجاز التغييري، حذف المضاف وجعل المضاف إليه مكانه، لكن هو توسع فيه واعتبره من قبيل الاستعارة، قال استعار القرية للأهل على سبيل الكناية، لكن حقيقة هذا لا يظهر لي أنه استعارة؛ فالاستعارة تقوم على التشبيه، وهذا بعيد.

أما الاستعارات فيما بعدها، قال: استعار الذوق للكسوة على التحقيقية، استعارة تصريحية. لاحظ هذا الجمال في الآية، ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾، تشعر أنه في شيء غريب في سياق الآية. اللباس هذا شيء يلبس، أليس الأصل كان يقال: "فكساها الله لباس الجوع"؟ فعدل عن المجاز المتوقع "كساها" إلى استعارة غير متوقعة وهي ﴿فَأَذَاقَهَا﴾.

السيوطي قال: استعارة الذوق للكسوة، هنا استعارة تبعية في الفعل "أذاق"، أطلق الذوق وأراد الكسوة، ثم نزلت الاستعارة للأفعال. لماذا عدل عن الفعل "كسا" مع أنه المتوقع في السياق؟ لأن "الإذاقة" أقوى في الإدراك من اللمس؛ فاستعارة الذوق بدلاً من الكسوه لأنها أكثر إحساساً بالمشاعر. فإذا عبر الذوق بدلاً من الكسوة لأنها أكثر إحساساً بالمشاعر. وأما ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ فهي استعارة تصريحية، حيث شبه آثار الجوع التي تظهر على بدن الإنسان (النحول والاصفرار) باللباس.

كناية، ما المراد بهذا التشبيه؟ اشتملت عليك إجمالًا آثار الجوع من اصفرار البدن والنحول والضعف والمرض، كل هذه الآثار شبهها باللباس. ما وجه الشبه؟ يلا هيك عناصر التشبيه هيك بدك تفكر، وجه الشبه بين هذه الآثار وبين اللباس الإحاطة والشمولية، فكما أن اللباس يحيط بك ويشتمل عليك فهذه الآثار شملتهم من رأسهم إلى أخمص قدميهم دلالة على كثرتها. جيد، ثم حذف المشبه وهو الآثار وأبقى المشبه به وهو اللباس، ها هي التشبيه وانتقل إلى استعارة تمام، لذلك قال واللباس للجوع.

اكتب يعني هذا يقصد واللباس للجوع، أي واستعار اللباس لآثار الجوع. بدنا نعدل شوي على عبارة السيوطي، السيوطي فاهم بس اختصر الكلام، نقول واستعار اللباس لآثار الجوع واكتبوا عناصر التشبيه: شبه آثار الجوع من الاصفرار بلباس يشتمل على الإنسان ووجه الشبه الإحاطة والشمول، ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به. شوف ها العبارات كل ما استعملتها أكثر كل ما فهمت أكثر وكل ما كنت تحليلي تفصيلي كل ما كنت مدركًا أكثر لعمق هذه الأمور البيانية. فهمتم؟ هو بده يقول لك إنه ها الآية اجا فيها ثلاث استعارات، بس أنا ما وافقته على الأولى اللي هي القرية للأهل أنه لا أراها استعارة.

نكمل البيتين الأخيرين بعد الصلاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. سنصلي إخواننا ثم نعود إلى الدرس بإذن الله.