بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في مجلس جديد نعقده مدارسةً لألفية عقود الجمان في علم المعاني والبيان. في المجلس السابق أيها الأحبة، انهينا الحديث عن الحالة الأولى من حالات كمال الاتصال، ألا وهي أن تكون الجملة الثانية بالنسبة للجملة الأولى بمنزلة التوكيد اللفظي أو بمنزلة التوكيد المعنوي من باب النصيحة.
طبعاً أنا أنصحك أن تعود إلى الكتب التطبيقية في هذا الموضوع، يعني نحن ذكرنا مثالاً، لكن بالتأكيد ليس من مثال واحد ستحكم الفكرة وتحسن التفريق بين الصورتين. يمكن أن تعود إلى بغية الإيضاح للشيخ عبد المتعال الصعيدي في الأمثله والتمرينات التي يضعها في آخر كل باب من أبواب علم المعاني. الشيخ عبد المتعال الصعيدي في بغية الإيضاح يذكر أمثلةً على هذه الأفكار، تمام، ويعطيك أنت تحلها وتمارين حتى تطبق بنفسك.
فلا بد أن تطبق، يعني هذه الأمور ليست سهلة أن تحصل الملكة فيها إلا بعد ممارسة متكررة ممارسة متكررة. تمام، ترى النسفي الذي نحن فيه في التفسير يركز أحياناً على هذه الفكرة في مطلع الأجزاء الأولى. في مطلع الأجزاء الأولى كان يركز الأفكار البلاغية بقوة، فستجد فيها أيضاً كثيراً من هذه التطبيقات على باب الفصل والوصل.
لكن عموماً سأقرأ الآن الأبيات المتعلقة بكمال الاتصال في جهة التوكيد حتى نفسرها ونشرحها. قال عليه رحمه الله: ثم كمال الاتصال مثل أن تكون تأكيداً للأولى، فدفعاً لتكون الجملة الثانية، هذا التقدير: أن تكون الجملة الثانية تأكيداً للأولى. طب إذا كانت الجملة الثانية تأكيداً للأولى ما فائدة التوكيد؟ قال: فادفع توهم المجاز والسهو. لأن التوكيد كما قلنا إنما فائدته في أصل النحو هو رفع أو دفع المجاز والسهو، دفع احتمال المجاز أو السهو.
ثم ذكر المثال، قال: الآن المثال الأول مثال على أن تكون الثانية من الأولى توكيداً معنوياً، ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾ التي في سورة البقرة. وذكر لك فقط يعني نص الجملة تكمل ﴿لَا رَيْبَ﴾، إذا توهم المجاز والسهو ﴿لَا رَيْبَ﴾ فلما سيشرح: فلما بنهاية العُليا بُولغ في وصف الكتاب، يعني لما بولغ في وصف الكتاب أنه في نهاية العليا وفي أعلى الدرجات.
إذ جعل، طب كيف جعل الكتاب في نهاية العليا وفي أعلى الدرجات؟ في جملة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، سيعطيك تفسير ذلك بالتفصيل. يعني هنا أطال النفس في الأبيات ليشرح لك المثال، قال: إذ جعل مبتدأً «ذلك»، وذلك إشارة لأيش؟ بعيد للبعيد، فهي دلت على الكمال والبعد التعظيم. إذ جعل المبتدأ «ذلك»، واللام دخل، يقصد باللام أل التعريف يعني، والتعريف دخلت على الخبر «الكتاب» فأفادت الحصر. فهاتان القضيتان دلتا على بلوغ الكتاب نهايةً عليا.
فهنا بسبب هذا الذي أفهمته الآية جاز توهم المجاز، جاز أن يتوهم السامع أن هذا نوع من المجاز والتوسع وليس على وجه الحقيقة. جاز توهم المجاز قبل تأمل، قبل أن يتأامل الأمر بحقيقته، فدفعه، أي دفع هذا التوهم الذي سرى على السامع، فدفعه يجاز، أي يجوز دفعه، يعني يجوز دفع هذا التوهم من خلال الاتيان بجمله ثانية تدفعه وترده وتثبت أن المعنى في الجملة الأولى على حقيقته وليس على سبيل المجاز أو التوسع.
لذلك قال: فهو وزان نفسه، أي فهذا في الجمل ما وزانه في المفردات. قال: فهو وزان نفسه مؤكداً زيداً، أي فهو وزان قولك: جاء زيد نفسه. فهو وزان كلمة النفس إذا جاءت مؤكدة لزيد في أي جملة من الجمل، هذا مراد قوله: فهو وزان نفسه مؤكداً زيداً. فهذا في الجمل وزانه وزان كلمة النفس إذا جاءت مؤكدة لزيد في المفردات.
ثم انتقل إلى المثال الثاني، وهو مثال التوكيد اللفظي: كذاك قوله بعد هدى، أي كذاك قوله بـ أي في الجملة التي تليها ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ هو هدى للمتقين، فانه أو فإن معناه، ما معنى ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾؟ ما معنى؟ قال: فان معناه بلوغه إلى درجة نحو الهدى لن توصلا.
طبعاً هذا حقيقة لم أرحه أنا في نهاية المحاضرة السابقة، أنه ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ فيها دلالة على أن القرآن هو الهدى دون ما سواه على سبيل المبالغة لإثبات أن كمال الهدى وكمال الهداية إنما تتحقق في القرآن. جملة هدى للمتقين كيف دلت ها؟ لو قلنا هو هدى للمتقين كيف دلت هو هدى للمتقين على أن القرآن هو الكتاب الذي يستحق أن يكون هدىً دون ما سواه؟ أنه جعله خبر كلمة هدى وهو مصدر، ولم يجعل الخبر كلمة هادياً وهو اسم الفاعل.
الآن كان بالإامكان أن يقول: ذلك الكتاب لا ريب فيه هادياً للمتقين، باعتباره اسم فاعل أنه هو الذي يهدي هادياً. لكن الآية القرآنية لم تقل إن القرآن هادياً للمتقين، بل قالت ماذا؟ ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ جعلت المصدر مكان اسم الفاعل للمبالغة، نفس المبالغة التي في ذلك الكتاب حصلت هنا. أنه كأنه جعل القرآن هو نفسه نفسه الهدى هو مش فقط هادي لا لا هو مصدر الهدى، الهدى كحدث إنما يصدق على القرآن لا ما سواه.
كيف أقول: محمد الشجاعة؟ ما قلت محمد شجاع، لما أقول محمد الشجاعة شو معناها؟ على سبيل المبالغة جعلت الشجاعة كمصدر يصدق على محمد دون ما سواه، فنفس الشيء لما تقول القرآن ما بقول هو هادي لا لا القرآن هو الهدى فكان الهدى والرشاد كمفهوم لا يصدق تمام الصدق إلا على القرآن. لذلك قال السيوطي: فان معناه بلوغه إلى درجة نحو الهدى لن توصلا. كيف قال؟ حتى كانه هدى محض، فجعله هدىً محضاً، لم يجعله فقط هادياً فهو الهدى وذا.
وذا أي وهذا المعنى، وذا أي وهذا هذا المعنى اسم إشارة هذه. وهذا المعنى من ذلك الكتاب أي من الجمله الأولى قطعا اخذ، أي أخذ أيضاً من الجملة الأولى. لأن معناه أي لأن معنى الجملة الأولى الكتاب الكامل أي في الهدى، وهو الكتاب الكامل في ماذا؟ أي في الهدايه أيضاً. إذ لا سواه حامل أي لا محمل على شيء آخر، لما نقول ذلك الكتاب أي الكتاب الكامل هو كامل في ماذا؟ قال في الهداية.
فإذاً ما ضمن في الجمله الأولى صرح به في الجمله الأخيرة. فبالتالي هذا يسمى توكيداً لفظياً، فهو وزان زيد الثاني إذا كررته، يعني فهو وزان قولك في المفردات: جاء زيد زيد. فزيد الثانية ما إعرابها؟ توكيد لفظي لزيد الأولى. فكذلك هدى للمتقين ما توجيهها البلاغي؟ أنها توكيد لفظي للجملة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فهذا وزان هذا، فهو وزان زيد الثاني إذا كررته في حال انك قلت: جاء زيد زيد. فقس على هذا وسر يا طالب العلم.
هكذا نكون انتهينا من الحالة الأولى من حالات كمال الاتصال وهي حالة التوكيد بنوعيه؛ التوكيد اللفظي والتوكيد المعنوي. ننتقل الآن إلى الحالة الثانية ألا وهي حالة ماذا؟ حالة البدليه يا رعاكم الله، حالة البدلية. وهذه الصورة الثانية قال: أو بدلا من تلك غير وافيه بما يراد، أو كغير الوافيه ويقتضي المقام الاعتناء بشانه لنكته تراءى، لكونه في نفسه مطلوباً فضيعاً أو لطيفاً أو عجيباً.
كقوله جل: أمدكم بما ثما، أمدكم وعدِ الانع، فالقصد ذكر نعم. والثاني أو ف به إذن فصل المعاني ولم يحل، فهو وزان الوجه في: أعجب زيد وجهه البدر الوفي. كذلك رحل تقي من عندنا، فقصده إظهار كره واعتن. ولا تقم، أوفى به أدل مطابقاً وأكد المحل، فهو وزان الحسن في: أعجبنا وجه حبيب حسنه حين دنا.
في هذه الأبيات تكلم عن الحالة الثانية وهي حالة ماذا؟ البدلية. كيف تكون الجملة الثانية بالنسبة للجملة الأولى؟ كأن بدل بعض من كل أو بدل إشتمال. طب أنتم بتعرفوا شو الفرق بين بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال؟ ايش هو؟
البعض يمكن تجزيئه بمعنى البسيط يعني، أما بدل الاشتمال يعني لا يمكن تجزيئه تجزئة البعض، لا يمكن تجزئة المبدل منه قصدك إلى أبعاض. هذا أحد الفروق التي ذكر، بدل البعض من الكل خليني حتى أختصر عليكم الوقت. بدل البعض من الكل يكون في الأمور الحسية، يكون البعض بعضاً حسياً من الكل السابق. أقول: أكلت الرغيف ثلثه ها، لما أقول أكلت الرغيف ثلثه، ثلثه شو إعرابها؟ بدل من الرغيف، فالرغيف... ها، مثلاً أعطيك مثال على زيد، لو قلت لك: كسرت زيداً رجله. رجله بدل ايش؟ بعض من كل صح، لأن الرجل جزء محسوس من الكل.
طيب لو قلت لك: أعجبني زيد خلقه. هذا لا يسمى بدل بعض من كل، لأن هنا الخلق ليس جزءاً محسوساً من الكل وإنما جزء معنوي، جزء معنوي ملاحظ فيه. مثلاً لو قلت: أعجبتني هذه هذا العقار، أعجبني العقار طوبه، بعض من كل لأن الطوب جزء محسوس من العقار. طيب أعجبني العقار حسنه، اشتمال، لأنه هذا جزء شيء معنوي.
فهذا هو الفرق الأساسي بين بدل البعض من الكل وبدل الاشتمال؛ أن بدل البعض من الكل يكون البعض جزءاً حقيقياً ملموساً من الكل، وأما بدل الاشتمال يكون البدل جزءاً معنوياً وليس جزءاً حسياً. هذا سنستفيد منه الآن حتى نفهم متى تكون الجملة الثانية من الأولى تعتبر بدل بعض من كل، ومتى تعتبر الجملة الثانية مع الأولى بدل إجمال؟
فهمنا إذن شو الفرق إخوان بين البدلين حتى نحسن الفرق بينهما؟ كيف فرقنا بين التوكيد اللفظي والمعنوي؟ بدنا نفرق بين البدل البعض وبدل الإجمال. فهنا ماذا يقول السيوطي عليه رحمه الله قال: وأما البدل، قال وأما البدل أي كون الثانية بدلاً من الأولى.
الان بدي اياك تفهم فلسفة هذا الموضوع، أنا متى أحتاج لجملة ثانية تكون بدلاً من الجملة الأولى؟ يعني في اللغة العربية متى نحتاج إلى جملة ثانية تكون مبدلة من الجملة الأولى؟ قال: إذا كانت الجملة الأولى غير وافية تمام المراد، أو هي وافية لكن أنزلها منزلة غير الوافية. إذا كان المقام يقتضي الاعتناء بالمعنى المذكور في الجملة الأولى لكون المعنى المذكور في الجملة الأولى مطلوباً في نفسه في سياق التكلم، أو لكون المعنى اللي في الجملة الأولى فضيعاً عظيماً، أو لطيفاً رقيقاً، أو عجيباً غريباً.
نعيد مرة أخرى، نقول متى أحتاج أن أتي بجملة ثانية تكون بدلاً من الجملة الأولى؟ في عندك حالتان ابتداءً: أما أن تكون الجملة الأولى هي فعلاً أصلاً غير وافية بتمام المراد (يعني ما وصلت الفكرة بالكامل فأحتاج إلى جملة بدلية توصل الفكرة بتمامها)، أو لا تكون الجملة الأولى وصلت الفكرة بالكامل لكنني أنزلها تنزلاً منزلة ما لم يوصل الفكر بالكامل. لماذا أفعّل ذلك؟
لكون المعنى الموجود في الجملة الأولى هو عليه مدار حديث المتكلم فهو مطلوب في نفسه، يعني باختصار للأهمية، للأهمية العظمى له، فآتي بجملة ثانية بدل من الجملة الأولى وأنزل الأولى منزلة غير الوافية مع أنها وافية لكنني نزلتها منزلة غير الوافية لواحد من المقاصد الأربعة: أما لكون المعنى الأولى مهم جداً جداً وعليه مدار الكلام، أو لكون المعنى في الجملة الأولى فظيع أريد أن أظهر وأبين فظاعته، أو لأنه لطيف رقيق يحتاج إلى يعني أيضاً تفصيل أكثر في لطافته ورقته، أو لكونه عجيب غريب فريد في نوعه يحتاج إلى ماذا إلى بدل آخر يؤكد ويزيد العجب وضوحاً ويزيد العجب وضوحاً.
طبعاً هنا أنا لا أستطيع أن أقول إن البدلية هي منفصلة تماماً تماماً عن ملاحظة التقرير فيها، يعني هي فيها معنى التوكيد ستلاحظون بشكل من الأشكال، لكنها لم تعتبر توكیداً لأنها على جهة بدل البعض من الكل ستأتي، أو على صورة بدل الاشتمال.
أصلاً إذا بتذكر في الزمن الجميل لما أخذنا التوابع في البلاغة في باب المسند إليه، قلنا: البدل ما مقاصد استعماله في التوابع؟ طبعاً من يحفظ الأبيات وبعض... لزيد تقرير وإيضاح يقال صح مشيخ؟ ذكرنا في باب المسند إليه لما تكلمنا عن البدل، قلنا أصلاً العرب لماذا تاتي بالبدل كفلسفة؟ من أجل زيادة تقرير أو زيادة إيضاح، زيادة تقرير أي زيادة توكيد للمعنى. بس لا يكون توكيداً على نمط التوكيد المعنوي أو اللفظي، بل يكون توكيداً إما على صورة بدل البعض من الكل أو بدل الكل من الكل، أو على صورة بدل الإجمال.
المهم خلونا الآن على قضية البدلية، فإذاً هناك حالتان: إما الجملة الأولى غير وافية أو تنزل منزلة غير الوافية. متى أنزلها منزلة غير الوافية؟ لأربعة أشياء: أن يكون المعنى مهم جداً، أن يكون المعنى اللي في الجملة الأولى فظيع جداً، لطيف جداً، عجيب جداً، هاد الأربعة وذكرها في الأبيات أصلاً. فإذا أنت ستحفظ ستحفظها، فقال: فحينئذ تنزل الثانية من الأولى أما منزلة بدل البعض من الكل، أو تنزل الثانية من الأولى منزلة ماذا بدل الاشتمال.
ناخذ مثال، ناخذ المثال لنفهم، قال سبحانه وتعالى في سورة الشعراء: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآن الجملة الأولى ما
واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بما تعلمون هذه الجملة سؤال هكذا استطرادي: لها محل من الإعراب ولا ليس لها محل من الإعراب؟ ليس لها محل من الإعراب. ليه؟ صلة الموصول معروف، جملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. طبعا أنت خلص إذا أنت حافظ الجمل السبعة التي لها محل من الإعراب، خلص كل الباقي لا محل له، بس هو جيد أيضا أن تفهم أن «ما» هي سبب أنها ليس لها محل من الإعراب. هي حقيقة هي هم سبعة بسبعة، هم سبعة بسبعة يعني هم سبع جمل لها محل من الإعراب، وسبع جمل ليس لها محل من الإعراب. هذا ذكره الأزهري في تمرين الطلاب على صناعة الإعراب، وذكره غيره. وأيضا تجدونه عند ابن هشام رحمه الله عليه هذا التفصيل في كتاب قواعد الإعراب.
تمام. الآن إذا الجملة هي أمدكم بما تعلمون، هذه الجملة الأولى. الجملة الثانية التي جاءت في الآية التي تليها، شو قال؟ أمدكم بأنعام وبنين. هل هذه الجملة الثانية معطوفة على الجملة الأولى؟ هل قال ربنا الذي أمدكم بما تعلمون وأمدكم بأنعام وبنين؟ لا، فصلهم، ما عطفهم. ليش فصل؟ في كمال اتصال هون، شو كمال الاتصال؟
الآن جملة أمدكم بما تعلمون تشعر أنه فيها نوع من العمومية، صح؟ أمدكم بما، ما هي؟ أمدكم بما تعلمون، أمدكم بالذي تعرفونه، فأعطاهم أول شيء عموم، ثم أعطاهم تفصيل جزئي لبعض ما أمدكم به في الجملة الثانية، فقال: أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون. ذكر هذه الأربعة لأهميتها، وإلا فهو أمداكم بأكثر من ذلك سبحانه وتعالى. فلو سألتك: جملة أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون، بالنسبة للجملة السابقة لها (أمدكم بما تعلمون)، هي بمنزلة ماذا؟ بمنزلة بدل البعض من الكل؛ لأنه ذكر أول شيء عموم (أمدكم بكل ما تعلمونه)، ثم ذكر بعضا منه في الجملة الثانية (بأنعام وبنين وجنات وعيون)، فهي كأنك قلت: أكلت الرغيف ثلثه. نفس الفكرة؛ ذكر الكل ثم ذكر البعض، أمدكم بما تعلمون ذكر الكل، أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون ذكر البعض. فهذه علاقة الجملة الثانية بالجملة الأولى، علاقة البعض بالكل. فلذلك قال السيوطي: فان المراد التنبيه على نعم الله. أي والمقام يقتضي -هاها شوف ركز في هاي الفكرة- والمقام يقتضي الاعتناء بشأن هذه النعم، لكونه مطلوبا فينسه. اه هنا بدها رجعك لترتيب الفكرة؛ احنا قلنا متى نحتاج أن نأتي بجملة ثانية بدل من الجملة الأولى؟ إذا كانت الجملة الأولى غير وافية، أو كانت وافية لكن ساعدناها بمعاملة غير الوافية لمقصد من المقاصد الأربعة: أن يكون مطلوبا فينسه لأهميته فظيعا أو لطيفا أو عجيبا. فهنا هل الجملة الأولى (أمدكم بما تعلمون) هل نقول أنها غير وافية؟ كلا، هي وافية، لكننا سننزل منزلة غير الوافية؛ لماذا؟ بدك تعطيني مقصد من المقاصد الأربعة، فما هو المقصد؟ قال: لأن المعنى الذي دلت عليه الجملة الأولى مطلوب في نفسه في هذا السياق، وهو إظهار كمال الأنعام وكمال الاعتناء الذي قابله الكفار بالصد والاعراض والشرك. فلما كان المعنى -ما هو؟- إظهار كمال العناية والأنعام مطلوبا في نفسه وعليه مدار السياق، حسن التفصيل فيه على صورة بدل البعض من الكل، فهمتم؟
فإذا الجملة الأولى هي وافية، لكننا نزلناها منزلة غير الوافية لأن المعنى اللي فيها مطلوب بنفسه في هذا السياق، وهو قال: والمقام يقتضي الاعتناء بشانه لكونه مطلوبا في نفسه؛ لأن المقام مقام إظهار كمال الأنعام والعناية على هؤلاء الكفرة الذين قابلوا هذا الأنعام بالكفر والإعراض. لذلك أتى بعد ذلك فقال: أمدكم بأنعام وبنين إلى آخر الآيات إلى آخره، فكان أوفى بديته لدلالته عليهما بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين. يعني شوف لو ربنا قال: واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، كان خلص أحالهم على فكرهم أنه هم يبلشوا يعدوا بينهم وبين أنفسهم شو ربنا أنعم علينا كذا وكذا وكذا. لا، ربنا لا يريد أن يحيل لهم إلى أنفسهم بل زيادة الإحراج، قال لهم: تعالوا يا أيها الكفرة نعد تفاصيل شو انعمت عليكم حتى يكون هذا فيه كمال ازدرائه: أمد، أعطيتكم أنعاما وبنين وجنات وعيون. فهذا معنى قوله: فهو أوفى بتأدية المقام، وهو الاعتناء بشأن النعم، فهو أوفى بديته لدلالته على ماذا؟ على نعم الله سبحانه وتعالى التي أنعم بها عليهم بالتفصيل.
الأولى كانت بالعموم، الثاني صار فيها ايش؟ بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين؛ لأنه المخاطب هنا كان مين؟ قوم عاد المعاندين، فربما ما اعتمد على فقط أنه هم يعدوا النعم، لا لا قال لهم: تعالوا تعالوا تعالوا نعد النعم مع بعضنا هنا، فدخل في شيء من التفصيل لزيادة الإحراج. فهذا فائدة بدل البعض من الكل في هذا السياق، فهو في طبعا بدل البعض من الكل، قال: وزانه في المفردات قولك: أعجبني زيد وجهه؛ لأن وجهه بعض من الكل من زيد، اليس كذلك؟ فوزان هاتين الجملتين في هذه الآية في المفردات وزان قولك: أعجبني زيد وجهه، لدخول الثاني في الأول. لاحظوا أنه أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون هو جزء حسي من ماذا؟ من قوله في الجملة الأولى: أمدكم بما تعلمون. أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين وجنات. فالأنعام أليست جزءا حسيا مما علموه؟ بلى هو جزء حسي، فلذلك جعلنا الجملة الثانية مع الأولى في منزلة بدل البعض من الكل.
طيب لذلك قال: فهو وزان قولك وجهه في المثال (أعجبني زيد وجهه)؛ لدخول الثاني في الأول -دخول طبعا أزيدها من عندي هي- دخولا حسيا لدخول الثاني في الأول دخولا حسيا، ليس أي دخول. لان قوله بما تعلمون هو يشمل كل النعم التي علموها من الأنعام والجنات والعيون والزواقي وما شابه ذلك، فجاءت الثانية من الأولى إذا بالاختصار منزلة بدل البعض من الكل منها. طيب، إذا هكذا انتهى من ذكر مثال بدل البعض من الكل.
سننتقل الآن إلى ذكر مثال على بدل اشتمال: أن تكون الجملة الثانية من الأولى بمنزلة بدل الاشتمال. شوفوا هاي شوي بدها تركيز، بدها تركيز. إيش قال؟ قال الشاعر يا رب، طبعا نسب هذا إلى الأخطل، نسب هذا البيت إلى الأخطل وإن كان البعض ينكر هذه النسبه، أقول له: ارحل لا تقيما عندنا، والا فكن في السر والجهر مسلما. خلونا في الشطر الأول أقول له قال له ايش جملتين. الجملة الأولى ايش هي؟ ارحل. والثانية؟ لا تقيمن عندنا. إذا الجملة الأولى: ارحل. الجملة الثانية: لا تقيمن عندنا. طب هنا لاحظ الجملتان كلاهما إنشائية، صح؟ ارحل جملة إنشائية، ولا تقيمن عندنا جملة ايش؟ إنشائية. ممتاز.
لاحظ أنه لم يعطف الثانية على الأولى، لم يقل: ارحل ولا تقيمن عندنا، لا. فصل الثانية عن الأولى: ارحل لا تقيمن عندنا، ارحل لا تقيمن. فصلهما، لم يعطفهما. لماذا؟ قالوا: هنا في كمال اتصال، لذلك فصلنا. أين كمال الاتصال؟ قالوا: الجملة الثانية (لا تقيمن عندنا) هي بمنزلة بدل الاشتمال من الجملة الأولى (ارحل). كيف فلسفت ذلك؟ قال شوف السيوطي: فان المراد كمال إظهار، ها شو المراد أصلا من كل السياق؟ كمال إظهار كراهة الإقامة. يعني أنت بدك تأكد له كمال التأكيد وتقرر له كمال التقرير أنني كاره إقامتك عندي، أنا كاره وجودك عندي. هذا هو المعنى النهائي. فان المقصود النهائي إذا: إظهار كراهة إقامة هذا الشخص عندك في بيتك أو ما شابه ذلك. فقولك: لا تقيمن عندنا -ها- ما دام المقصود النهائي إظهار كراهة وجودك هنا، الذي يؤدي هذا المقصود بالتصريح الواضح بدون تلميح ما هو؟ لا تقيمن عندنا، الثانية. يعني عندك جملتين، ها أنا عندي قصد وهو أني بدي أبين لشخص أني كارهه بدي ياه يضل عندي. أي الجملتين أصرح في أداء هذا المعنى؟ ارحل ولا لا تقيمن عندنا؟ الذي يظهر صراحة أني كارهه: لا تقيمن عندنا؛ لأنه قولي لك: ارحل يحتمل عدة معاني: ارحل مع أني والله حزنان عليك وحاب تضل عندي، بس ارحل اكسب رزقك روح شوف لك شغلة كذا، يعني هي ليست صريحة في دلالة الكره، لكن (لا تقيمن عندنا) هي صريحة في أنني أكره وجودك عندي.
فيقول السيوطي: فان المراد في السياق كمال إظهار كراهة إقامة هذا الشخص عندك، وقولك: لا تقيمن عندنا، أوفى بديته لهذا المعنى لدلالته عليه بالمطابقة -يعني بالمصارحة بالصريح- وبالمطابقة بلا تلميح. وهذا المعنى -وهو إظهار كراهة إقامة هذا الشخص- متقرر في هذه الجملة الثانية بتوكيد، بدون التوكيد، بخلاف قولك في الجملة الأولى (ارحل)؛ فان دلالتها على كره الإقامة هي مجرد دلالة تضمن حتى هي غير لازمة، هي مجرد دلالة تضمن غير لازمة.
فإذا جملة ارحل -سؤال ها، إذا أنت عرفت المقصد النهائي وهو أنني أريد أن أظهر له كره إقامته عندي- هل الجملة الأولى وهي (ارحل) كانت وافية في توصيل هذه الفكرة؟ لا، فاحتج إذن للجملة الثانية. فاذا هنا البدل ما حاجته؟ ليس الجملة الأولى وافية ونزلناها منزلة غير الوافية لا لا، هي الجملة الأولى أصلا ليست واضحة وافية في إيصال الفكرة، فاحتجت إلى جملة ثالثة تزيدها وضوحا وتماما وكمالا، فقلت له: ارحل لا تقيمن عندنا، ها وأول شي سمع مني ايش؟ ارحل، فصار عنده عدة احتمالات: لماذا يطالبني بالرحيل؟ معقول كرهاني؟ لا لا، بجوز بده مصلحتي، بجوز كذا. فلما قلت له بعد ذلك: لا تقيمن عندنا، اعطيته من الآخر أنه لا لا شير كل الاحتمالات، وهو شيء واحد أنني أكره وجودك عندي. فالثانية هي التي أوفت المعنى صح، فالثانية هي التي أوفت المعنى.
طيب سؤال: لا تقيمن عندنا منزلتها بالنسبة للجملة (ارحل)؟ قلنا الرحيل معنى عام يشمل عدة أمور، صح؟ الرحيل معنى عام يكون له مقاصد عديدة. من مقاصده، من مقاصده أنني أكره وجودك عندي، صح؟ طيب هل هذا يجعل (لا تقيمن عندنا) بدل بعض من كل لأنها جزء من المقاصد، أو تجعلها بدل اشتمال؟ هم اعتبروها بدل اشتمال من جهة أن (لا تقيمن عندنا) هذا ليس معنى محسوس، وإنما هو أقرب إلى أن يكون معنى معنوي يشبه قولك: أعجبني زيد خلقه، أعجبني زيد حسنه، أعجبني زيد منطقه. فقالوا: الجملة الثانية ليست بدل بعض من كل، ليست جزء حسي من جزء حسي، بل هي أقرب إلى أن تكون جزئية معنوية، الجزء المعنوي. فهو أقرب إلى بدل الاشتمال منه إلى بدل البعض من الكل، لذلك جملة (لا تقيمن عندنا) علاقتها بالجملة الأولى (ارحل) كعلاقة قولك: أعجبني الدار حسنها. فحسن ما إعرابها؟ بدل اشتمال. فهذا وزان هذا، دائما هو بيقيس هي المفردات الجمل على المفردات حتى يظل الموازنة عندك واضحة. فيقول إذن: فهو مثال الحسن في قولك (أعجبني الدار حسنها)، حسنها ما إعرابه؟ بدل اشتمال. فكذلك (لا تقيمن عندنا) علاقتها (بارحل) بدل اشتمال.
قال: لأن عدم الاقامة -شوف الآن هي بدها تركز- قال: لأن عدم الاقامة المفهوم من جملة (لا تقيمن عندنا) هو مغاير حقيقة للارتحال المفهوم من الجملة الأولى (ارحل)، فلا يجوز أن نجعلها توكيدا -لو واحد قال ليش طب نجعلها أصلا توكيد؟ مش ممكن يخطر هذا في ذهنك أنه ليش أنتم مصرين على جعلها ماذا بدل اشتمال؟ أليست هي فيها جانب من التوكيد؟- قال: عدم الإقامة هو مغاير تمام المغايرة لماذا لقضية الارتحال. يعني أنا لما أقول لك: ارحل، أنا أطلب منك القيام بفعل معين وهو الرحيل. لما أقول لك: لا تقيمن عندنا، هذا موضوع مشاعر أنني لا أُريد أن أراك في هذا المقام. فيقول الجملة الثانية، وهي عدم الإقامة، مغايرة للارتحال المفهوم من الجملة الأولى، فبالتالي لا يصح أن يكون توكيدا، لا لفظيا؛ لأنها ليست، احنا قلنا التوكيد اللفظي ما شرطه؟ أن يكون معنى الجملة الثانية نفس معنى الجملة الأولى من حيث المحصل، وهنا ليس نفس المعنى؛ لأن الرحيل يحتمل عدة مقاصد وعدة احتمالات، فالجملة الثانية ليست نفس معنى الجملة الأولى، الرحيل هو فعل وتصرف له عدة مقاصد، فليست الجملة الثانية بنفس معنى الجملة الأولى.
وليست مقررة، يعني ليس هدفها التقرير للجملة الأولى على نمط (لا ريب فيه) أنها مجرد تقرير لذلك الكتاب. لا، هنا (لا تقيمن عندنا) هي إظهار للمقصود، إظهار للمقصود فهي التي أظهرت المقصود أصلا، بينما (ذلك الكتاب لا ريب فيه) المقصود واضح من (ذلك الكتاب ولا ريب فيه) هي فقط فقط جاءت لدفع أي مجاز أو سهو، وإلا فعنا بالجملة الأولى. أما هنا فعليا العناية هي في الجملة الثانية (لا تقيمن عندنا) هي هي المعنية. لذلك أصلا البدل ما هو؟ أليس البدل هو الذي يجعل البدل هو المقصود في الحكم والجملة الأولى في حكم المنسي الملغي؟ فهنا (ارحل لا تقيمن عندنا) التركيز منصب على الجملة الثانية، فهي ليست توكيدا لجملة أولى مقصودة، بل المقصود هي الجملة الثانية، والجملة الأولى (ارحل) مجرد توطئة لها، توطئة للوصول إلى الثانية.
فإذا لا يمكن أن يجعل هذا من قبيل التوكيد، وإن كان فيه رائحته وفيه معنى التقرير، والبدل أصلا بطبيعته فيه معنى التقرير كما سبق معنا في باب المسند إليه، ففيه معنى التقرير، لكن لا يجوز جعله توكيدا لهذه الملاحظات التي ملاحظناها. قال: فلا يكون توكيدا وهو غير داخل فيه، والجملة الثانية ليست داخلة دخولا حسيا في الجملة الأولى، فلا يجوز أن يكون أيضا بدل بعض من كل مع وجود ملابسة وارتباط عام بالتاكيد. فلا حل إلا أن تجعل بدل ماذا؟ اشتمال.
طيب فهنا ثم بعد أن عرفها عرفنا الصورة الثانية من صور، طبعا هذا كما قلت تحتاج إلى تطبيقات عليه كثيرة حتى تتقن أكثر وأكثر، لكن هنا دعونا بس نركز على الفكرة.
أما الصورة الثانية من صور كمال الاتصال، وهو البدلية، ولا يتصور إلا في صورتين: في صورة بدل البعض من الكل، وبدل الاشتمال.
فهنا طرح سؤال قال: لماذا لا يمكن أن يكون من صور كمال الاتصال بدل الكل من الكل؟ لماذا فقط حصرتم في صورتين: بعض من كل، واشتمال؟ لماذا لم تجعلوا من صوره بدل الكل من الكل؟
فماذا قال؟ قال: وأما بدل الكل من الكل، فلا يتأتي هنا -أي لا يمكن أن يأتي هنا لا في باب الفصل والوصل- البدل إما بدل بعض من كل أو إجمال. طيب، ليه؟ قال استغناء عن عطف البيان؛ لأنه عطف البيان أصلاً في النحو، كل بدل بعض -عفواً- كل بدل كل من كل يجوز أن يعرب عطف بيان. مش هيك القاعدة في النحو؟ كنا نقول كل كلمة إعرابها بدل كل من كل يجوز إعرابها ايش؟ عطف بيان. فخلص ما في داعي إذاً لبدل الكل من الكل، ونستغني بعطف البيان. طبعا هي القاعدة هذيك لها استثناءات، بس هي كقاعدة عامة صحيحة أن كل إعراب كل من كل يصح أن يعرب عطف بيان، فلا حاجة إذاً أن نكثر التقاسيم على الطالب.
هون بنقول: خلص ما بدنا نحكي بدل كل من كل، بنروح على عطف البيان، فهو يحصل لنا المقصود، خاصة أن هنا القضية مش إعرابية، هي القضية هنا فقط قضية معنى، جيد؟ فلذلك قال: لا حاجة إلى بدل الكل، استغناءً بعطف البيان؛ لأنه قريب منه؛ يعني عطف البيان والكل من الكل هي داني وهي داني -هي داني وهي داني- إلا في بعض الأمثله.
وقال في الإيضاح القزويني في الإيضاح: لأنه تأكيد في المعنى. إي الآن، هذه وجهة نظر أخرى؛ هي وجهة نظر أخرى لماذا لم نحتج إلى بدل الكل من الكل؟ يقول: لأنه تأكيد في المعنى، فبالتالي نستطيع هنا أن نستغني بماذا؟ بالتوكيد اللفظي أو المعنوي. يقول: بدل الكل من الكل لما أقول «جاء زيد أبو حفص» أبو حفص بدل كل من كل من زيد، أليست هي شكل من أشكال التوكيد؟ بل هي أقرب إلى التوكيد. والفرق بينها وبين التوكيد فقط أنه أين هو المقصود؟ أنه في البدل المقصود الثاني، وفي التوكيد المقصود الأول، لكن من حيث الناحية البلاغية بدل الكل من الكل قريب جداً جداً من الناحية البلاغية بدل الكل من الكل قريب جداً جداً من التوكيد.
فنستنتج -هذا كلام الإيضاح- قال وقال القزويني في الإيضاح: لأنه -أي لأن بدل الكل من الكل- هو من حيث المعنى توكيد، ممتاز. قال: ولانه مقصود دون متبوعه، والمقصود في البيان ونحوه الأول، والثاني توضيح له. شوف، هذا الكلام أظن نحتاج أن نرجع نقراه من التوضيح للقزويني؛ لأنه هو يعني نقل الفقرة في هذا المقام، الأصل أن ترجع للتوضيح للقزويني حتى ندرك سياقات القزويني.
ثم قال: ومن أمثلة ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ [يس: 20-21]. الآن، اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً، الآن أنت لو بدك تيجي على ظاهرها بتشعر أنه ايش؟ أن هي قريبة من بدل الكل من الكل؛ اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجراً. لكن هون ما بنقول إن هذا بدل من كل، بنقول إنه ماذا؟ عطف بيان. بس هنا كما قلت لكم المرة القادمة ذكروني أتي بغية الإيضاح؛ لأنه هون ذكر -يعني هو أخذ السيوطي كلام القزويني من منطقة وجابه لهي النقطة- فانا كنت أتمنى أنه ما دخلك في هي الجزئية حتى ما تربك عليك، سامحوني سأخف عن هي الجزئية حتى أُنهي الصورة الثالثة من صور كمال الاتصال، وهي صورة عطف البيان.
فقال: وأما البيان -شفتوا كلمة بعد خمس أسطر وور من الآية وأما البيان، شايفينها؟ وأما عطف البيان- هي الفقرة مش مشكلة بقراها المرة القادمة سريعة، لكن أنا بيهمني: وأما البيان أي واما أن تكون الجمله الثانية بمنزلة عطف البيان من الجملة الأولى.
قال: ليش؟ قال: وأما البيان أي كون الجملة الثانية عطف بيان للجملة الأولى، فهذا يكون متى أيها الأحبه؟ إذا كان الجملة الأولى فيها نوع من الخفاء، فتأتي الجملة الثانية كاشفه لهذا الخفاء؛ لأنه عطف البيان مثل النعت توضيحي كشفي يفيد الكشف لما هو غامض. فيقول: إذا كانت الجملة الأولى فيها شيء خفاء، تاتي جملة ثانية كاشفة وموضحة لهذا الخفاء فيكون محلها محل عطف البيان. إذاً لكون إذا أي الجملة الأولى فيها خفاء والمقام يقتضي إزالة هذا الخفاء، فنحتاج إلى جملة ثانية لإزالته، هذا معنى كلامه مع اقتضاء المقام إزالته؛ يعني الجملة الأولى فيها خفاء أحياناً بيكون المقام لا مقصود بقاء الخفاء والغموض فلا آتي بجمله ثانية، وفي مقامات لا تتطلب إزالة الخفاء والغموض، فأنت حسب مقصدك حسب سياق. فإذا كانت الجملة الأولى فيها غموض والمقام يقتضي إزالة الغموض، فهنا سناتي بماذا؟ بجمله أخرى تزيله ونقول: هذه الجملة الثانية هي بمنزلة عطف البيان. حتى اسمه، شو اسمه؟ عطف إيش؟ بيان، بيان، توضيح، كشف.
مثال: قال ذلك في قوله تعالى: ﴿فَوَوَسَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: 120] بتعرفوا في قصة آدم وحواء الشيطان وسوس قال: فوسوس إليه الشيطان هي الجملة الأولى. الآن، وسوس إليه الشيطان هل هي كافيه وواضحه بماذا وسوس؟ شو مضمون هذه الوسوسه؟ كان لا، وسوس إليه الشيطان فانت بصير في نفسك كقارئ تساؤل، هو بايش وسوس؟ يعني شو حكى لآدم؟ فتاتي الجملة الثانية كاشفة لهذا الغموض؛ لأن المطلوب هنا إزالة هذا الغموض والمقام يقتضي ذلك: ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: 120] فجملة قال يا آدم لم تأتي معطوفة، ما قال فوسوس إليه الشيطان وقال يا آدم، لا لا، جاءت بدون عطف ليه؟ لأن جملة قال يا آدم هي بمنزلة عطف البيان الكشفي التوضيحي للجملة الأولى فوسوس إليه الشيطان؛ لأن الجملة الأولى فيها نوع من الغموض والابهام، فأنت لا تعرف ما هي الوسوسه، فجاءت الثانية تكشفه قال يا آدم، فهذا تفسير لهذا الغموض، جيد. فجملة قال، فصل جملة قال يا آدم عن جملة وسوسه لماذا؟ لأن فيها في الجملة الثانية تفسيراً لها وبياناً لها.
طيب ناخذ مثال آخر، هنا تشجع السيوطي وذكر عدة أمثلة، قوله تعالى أيضاً: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8] الله عز وجل لما تكلم عن المنافقين في أول صفحة من سورة البقرة شو قال؟ وما هم بمؤمنين. فانت بتيجي بتقول: ليش ربنا نفى عنهم الايمان؟ لماذا نفى عنهم الايمان؟ ما زال عندك بعض التساؤلات: لماذا ما هم بمؤمنين؟ ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 9] يعني دير بالكم، هم صح بحكوا أمامكم: أشهد أن لا إله إلا الله، لكن في الواقع دير بالكم منهم مش مؤمنين. فانت كان عندك شيء من الغموض يحتاج تفسيراً: لماذا ليسوا بمؤمنين يا رب مع أنهم نطقوا بالشهادة؟ لماذا؟ قال يخادعون الله، يمارسون هذه الممارسات. فلذلك لم يقل: وما هم بمؤمنين ويخادعون الله، لا لا، جملة يخادعون لازم ما تعطف؛ لأنها ملتحم بالجمله السابقة؛ لأنها تفسير وكشف لها، فهي عطف بيان يوضح الجملة الأولى، فلا يجوز عطفها؛ لأن إذا عطفت أفادت مغايرة، مش أقول العطف يفيد المغايرة فتظن أنها يخادعون شيء ثاني، والله لم يقصد أن تكون شيئاً ثانياً، قصد أن تكون كاشفة لسبب عدم إيمانهم. فجملة يخادعون هي في مرتبة عطف البيان للجملة: وما هم بمؤمنين.
طيب، مثال ثالث أيضاً: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31] الآن بتعرفوا النسوة، نسوة صديقات امرأة العزيز لما جلسوا معها في المجلس، امرأة العزيز قالت ليوسف: اخرج عليهن، فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وايش قلن؟ ما هذا بشراً، حاش لله ما هذا بشر، ما هذا بشراً. الآن، ما هذا بشراً انتهت الجملة الأولى بس فيها غموض: أن ما هذا بشراً، طب شو هذا؟ ما هذا بشراً، فهمنا أنكم نفيتوا عنا البشرية، طب انتم اوقعتمونا في غموض ولا ايش هو؟ صح صار في نوع من اللبس هنا: إذا يوسف لم يكن بشراً، فمن أي نوع من أنواع الاجناس هو؟ فجاءت الجملة الثانية كاشفة، جاءت كاشفة وموضحة فقالت: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] فما قالوا: ما هذا بشراً وإن هذا لا، ما عطفت أنه هي مش مغايرة لها، هي تتم لها وتكملة كشفية توضيحية. ما هذا بشراً؟ طب ايش هو؟ إن هذا إلا ملك كريم.
فالجملة الثانية هي كاشفة وموضحة. بدون فهمك لهذه الارتباطات بين الجمل القرآنية عمرك ما رح تفهم القرآن صح، بقولك اياها من الآخر بدون ما فهمك أن هاي مؤكدة بهاي، هاي بدل من هاي، طيب بدل كل، بعض من كل ولا اشتمال هي عطف ب... هذا هو سر القرآن ومن اعظم أسباب إعجازه. هنا تبدا بتحط إيدك على الجرح، لذلك اللي تكلموا في إعجاز القرآن كالباقلاني والرماني وغيرهم ركزوا على هذه الفكرة، فكرة فهم الارتباط بين الجمل؛ أنه هنا عطفت، هنا ما عطفت، وهذا اصعب وادق باب في البلاغه؛ لأنه بده تفكير عميق وتحليل، وقد تتفاوت الأحكام، ممكن تجد الزمخشري اعتبر شيء بدل بعض من كل، وبتلاقي مثلاً الطاهر بن عاشور اعتبر توكيد. أحياناً بعض الأمور تصبح نسبية أصلاً وتصبح أنت بدك ترجح والله هي الثانية من الأولى توكيد ولا أقرب أن تكون بدل اشتمال. في بعض الشغلات ترى غير مجزوم بها، هي مش خطا، صح، هي في بعض المساحات اجتهادية، ويمكن أن يخطئ فيها عالم ويصوب عالم، ويدخل فيها باب الترجيح.
فهذه ثلاثة أمثلة على قضية عطف البيان بين جملتين. قال: فانه -شوف هون علق على هذه الجملة- فإنه إذا خرج يوسف عليه السلام من جنس البشر فلا بد وأنه دخل في جنس آخر، فاحتاج إلى تعيينه، فجاءت الجملة الثانية لتعينه: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31] فدخلوه في جنس الملائكة.
وقال أبو العلاء في وصفه للسيف يصف سيفاً: مقيم النصل في طرفي نقيض (النصل والسيف له طرفان متناقضان يكون تباين منه متناقضان، لكنهما بينهما شيء من التناسب والاشتكال -اشتيكالي- تناسب ما هما طرفه؟ قال:) تبين -عفواً تبينوا، طبعا التاء الأولى محذوفه تتبين اصلها- تبين فوقه ضحضاح ماء وتبصر فيه للنار اشتعالا الآن، بين ما هما طرفان نقيض؟ بين أعلاه وأسفله. أعلاه تمام -كانه يقول: هناك طرف نار وطرف ماء- يقول السيوطي: اخفى في البيت الأول اخفى ذكرى الماء والنار، طبعا الماء والنار هما مشبه بهما فقط هنا، والسيف مش عليه ماء ونار، لكن المراد فيه كأنه يقول: طرف مسالم في السيف وطرف في ايش؟ ناري. الطرف الناري هو الطرف الذي يقتل، والطرف المائي المسالم هي الزجاج، تذكروا كلام زهير لما تكلم عن قضية واحد استوى -يعني لما اتكلم عن قضية... اعوذ بالله، لما تكلم زهير في آخر منظومته معلقته- تعصي الزجاجة... ايش هي؟ -اعوذ بالله من غضب الله- ومن يعصي اطراف الرماح فانه يطيع العوالي -ركبت كل لهذم- نعم ومن يعصي اطراف الزجاج... فانه الزجاج فانه يطيع العوالي ركبت كل لهذم.
نستطيع أن نقول عندما قال الله تباركت وتعالى: وما... مخالفون الله والذين آمنوا والذين آمنوا -نعم- إذا اخذنا سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 190] اها ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ [آل عمران: 190] لآيات -كما قلنا- ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا﴾ [آل عمران: 191] لا، الذين يذكرون هذا نعت هي ليست جملة، آيات لأولي الالباب الذين يذكرون، أنت لا تقف على رأس الآية؛ لأنه الذين يذكرون هي ما زالت نعت أولي الألباب. من هم؟ ما نعتهم؟ الذين يذكرون الله قياماً، فأنت لم تأتي بجملة جديدة، لسه هذا ما زال نعت، نحتاج إلى جملة جديدة.
بس دعوني هنا يقول: اخفى في البيت الأول ذكر الماء والنار المشبه بهما طرافي السيف؛ لأن السيف له طرف مسالم، هذا طرف مائي، وطرف يقتل طرف الأعلى المدبب وهو طرف يشبه النار، اليس كذلك؟ فيقول: اخفى في البيت الأول الماء والنار؛ لأنه ايش قال؟ قال: مقيم النصل في طرفي نقيض؛ يعني السيف له طرفان نقيضان. الجملة الأولى: خليك باختصار، السيف له طرفان نقيضان، فأنت ما زلت تشكل: ما هما الطرفان النقيضان؟ فجاءت الجملة الثانية توضح ما هما هذان الطرفان النقيضان فقال: تبين فوقه ضحضاح ماء وتبصر فيه للنار اشتعالا فكان هذه الجملة الثانية -طبعاً الجملة الثانية تبدأ من عند قوله تتبين فوقه ضحضاح ماء- ممتاز.
ولأن الثانية مرتبطه بالثالثة؛ لأن الجملة الثالثة هي مرتبطة بالثانية؛ تبين الأولى الطرف المائي، والثانية تبين الطرف الناري، فهاتان -نعم- لابد من الوصل بينهما؛ لأن الثانية هي مشاركة للجملة الأولى، مشاركة للجملة الأولى في تبيين الأولى -اللي في المقطع الأول المهم- فالمراد أنه لم يقل: وتتبين فوقه ضحضاح ماء، هي الفكرة، الآن هو قال: مقيم النصل في طرفي نقيض، ثم قال في الشطر في البيت الثاني: تتبين فوقه ضحضاح ماء، لم يقل وتتبين فوقه؛ لأن جملة تتبين فوقه ضحضاح ماء هي جملة تفسيرية بيانية للإبهام الذي وقع في الجملة الأولى لما قال: مقيم النصل في طرفي نقيض. أنت قلت لي: مقيم النصل في طرفي نقيض، السيف له طرفان نقيضان وما فهمنا كيف، فجاءت الجملة الثانية مع المعطوف عليها: تبين فوقه ضحضاح ماء وتبصر فيه للنار اشتعالا؛ في في منطقة في مائية -يعني مسالمة- وفي منطقة في نارية ببتقتل، فهكذا فسرت لي الإابهام الذي وقع في قولك: طرفي نقيض. فقوله
أخفى في البيت الأول الماء والنار المشبه بهما طرائف السيف التي هي متنه وعرائس متن السيف ظهره الذي من جهته يكون الضرب.
فيقول طرفي نقيض، وبالغ فيه حيث جعل هذا من المبالغة وإن كان متناقضين لكنهما متشابهين متشاكلين، وحقيقة هنا التشاكل على سبيل التناسب؛ لأن النار والماء دائما متقابلان.
قال ثم أوضح هذا التناقض أين طرفي النقيض في قوله الماء والنار؟ هذا يعني خلاصة ما في هذا البيت، وعودوا إلى شرح سقط الزند.
هذا البيت لمين؟ لأبي العلاء المعري، فإذا اردتم كشف البيت أكثر وأكثر ترجعون إلى شرح سقط الزند فيظهر لكم المعنى بالتفصيل.
المهم في كل جملة كانت منزلتها من الجملة السابقة عطف بيان، يكون هذا وزانه في المفردات ماذا؟ فهو وزان قولك في المفردات عمر في قولك أقسم بالله أبو حفص عمر.
الآن في علم النحو كنا نقول عمر شو إعرابها؟ عطف بيان لأبي حفص هذا في المفردات.
وأيش قصة أقسم بالله أبو حفص عمر؟ هذه قصة تقرؤها واحدكم إن شاء الله؛ لأنها ليست من درس علم البلاغة، وإنما هو فقط أراد أن يعطيك ما هي قصة أقسم بالله أبو حفص عمر، هذه قصة تذكر في الكتب وتحتاج أيضا في سندها إلى إثبات أصلا، تحتاج في سندها إلى إثبات.
فهذا ليس من موضوعنا في علم البلاغة، وإنما قصة تاريخية.
فهو أراد أن يخبرك إذاً أن الجملة الأولى باختصار مع الجملة السابقة، الجملة الثانية مع الجملة الأولى إما أن تكون هذا خلاصة درس اليوم في كمال الاتصال، كمال الاتصال بين الجملة الثانية والأولى إذا كانت الجملة الثانية مع الجملة الأولى بمنزلة إما التوكيد اللفظي أو المعنوي، أو بمنزلة بدل الإجمالي أو بدل البعض من الكل، أو بمنزلة عطف البيان الكاشف.
الآن حتى تتقن هذا الباب يا طالب العلم تحتاج إلى شيئين: أولا أن تكون درست النحو سابقا فتحسن التفريق بين التوكيد والبدل وعطف البيان وفهمت فلسفة كل واحد منهم في علم النحو، حتى إذا درست هذا في علم البلاغة أنت تبني فهمك هنا على فهمك السابق في ماذا؟ في النحو؛ لأن كثير من الطلاب لماذا تستشكل عليهم هذه الابواب؟ لأنه هو أصلا مش فاهم الفرق بين شو هو عطف البيان أصلا في النحو وشو هو البدل وشو الفرق الدقيق بين هذه الأبواب.
فلذلك هناك أبواب سابقه يجب أن يتقنها الطالب في علم النحو حتى يرتب عليها فهمه لهذا الباب، نقرا الأبيات نعلق عليها ولا نخليها المرحلة الجاية.
مرة خلص الشيخ قال المرة الجاية للمرة القادمة؛ لأنه استوى العدس الظاهر عند الشيخ تمام.
والله يرضى عنكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل