دخولتسجيل الدخول

شرح ألفية عقود الجمان ( 27) / باب متعلقات الفعل - إبراهيم رفيق

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده حمد الذاكرين الشاكرين، وصلى وسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علمًا نافعًا يا أرحم الراحمين.

حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد من التعليق على منظومة «عقود الجمال» للعلامة السيوطي رحمه الله تعالى عليه. وفي المحاضرة السابقة أنهينا حديثنا عن باب المسند، وهكذا نكون أغلقنا الحديث عن الباب الثالث من أبواب علم المعاني، وننتقل بحول الله وقوته إلى الباب الرابع، وهو الباب الذي يتكلم عن متعلقات الفعل.

قال السيوطي: «وما يعمل عمل الفعل». وما يعمل عمل الفعل الآن أحبابي الكرام؟ كما لا يخفى عليكم الجملة إما اسمية أو فعلية؛ الجملة الاسمية تتكون من مبتدأ وخبر، هذا أساسها، والجملة الفعلية تتكون من فعل وفاعل. لكن في أغلب الأحيان الجملة الفعلية لا تقتصر على ركنيها الفعل والفاعل، بل الفعل يكون مرتبطًا أيضًا بمعمولات أخرى بها تكمل الفائدة وتزداد.

كما ذكرنا في الفصل السابق؛ لماذا يقيد المسند بالمفاعيل والحال والتمييز؟ إذا أردنا أن نكثر الفائدة، فالفعل في كثير من الأحيان لا يقتصر على الفاعل، بل تذكر معه المفاعيل لتتكثف الفائدة، ويذكر الحال والتمييز والجار والمجرور وما شابه ذلك.

فقوله هنا: «أحوال متعلقات»، أو «متعلقات»، ترى هي يجوز أن تقرأ هكذا وهكذا، متعلقات؛ إذا جعلناها اسم مفعول، والفعل هو المتعلق بها. ويريد أن يقول «متعلقات» إذا جعلناها اسم الفاعل، والفعل متعلق به، يعني حسب ما تقدر، يؤدي الغرض.

فإذا قال «أحوال المتعلقات»، إذاً نحن هنا نتكلم عما بعد الفاعل؛ بعد أن يأخذ الفعل فاعله، ما بعد ذلك مما يأتي في الجملة الفعلية من مفعول به، أو مفعول معه، أو مفعول فيه (ظرف زمان أو ظرف مكان)، أو مفعول لأجله، أو مفعول مطلق، أو الحال، أو التمييز، أو جار ومجرور يذكر في السياق. كل هذه تسمى «متعلقات». بل هو إذا أردت الدقة، حتى الفاعل يدخل تحت كلمة المتعلقات بالفعل، وهذا سيظهر معكم في البداية؛ أن كلمة المتعلقات -وإن كنا قد تكلمنا عن الفاعل باعتباره مسندًا وعن الفعل المسند- إلا أنه ضمن العبارة الدقيقة، الفاعل أيضًا هو أحد المتعلقات بالفعل؛ لأن الفعل يتعلق بالفاعل وبالمفاعيل وبالحال وبالتمييز وما شابه ذلك، لكن لأن الفاعل هو المسند إليه، فهذا الأصل أنه تم بحثه ضمن باب المسند إليه.

ثم قال: «وما يعمل عمله»، الذي يأخذ أيضًا مفاعيل وحالًا وتمييزًا، ليس فقط الفعل، بل الأسماء المشتقة والمصادر التي تعمل عمل الفعل، هذه أيضًا لها متعلقات. إذا كان الفعل له متعلقات من الفاعل والمفاعيل والحال والتمييز، أيضًا المشتقات التي درسناها في «قطر الندى» و«ألفية ابن مالك»، هذه المشتقات التي هي: اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، صيغة المبالغة، وأفعل التفضيل؛ هذه الخمسة -أحبابي الكرام- أيضًا لها متعلقات لأنها تعمل عمل الفعل، طبعًا بشروط وتفاصيل سبق أن درسناها في الألفية وقطر الندى، لكن المهم هنا أن تعرف أنه المتعلقات ليست مختصة بالفعل فقط في الجملة الفعلية، بل أيضًا تدخل على الجملة الاسمية إذا كان هناك الخبر مشتقًا.

فلو أن الخبر في الجملة الاسمية جاء مشتقًا؛ كقولك: «محمد قائم»، «محمد مضروب»، «محمد جميل»، هذا الخبر المشتق قد يأخذ متعلقًا: «محمد قائم أبوه»، «أبوه» متعلق (فاعل اسم الفاعل)، «محمد ضارب زيدًا»، الخبر أخذ فاعلًا ومفعولًا به، «محمد جميل وجهه»، «وجهه» فاعل للصفة المشبهة «جميل». وقس على ذلك، فحقيقة باب المتعلقات أوسع من أن يكون في الجملة الفعلية، بل يمكن أن يدخل على الجملة الاسمية إذا كان الخبر مشتقًا وأخذ فاعلاً أو مفعولاً أو غير ذلك من المفاعيل.

لكن الأصل في هذا الباب هو الفعل؛ لأنه هو الأصل في العمل، ولماذا نتكلم عن الفعل الابتداء؟ لأنه الأصل في العمل كما مر معنا قبل قليل. فهنا سيبدأ رحمه الله تعالى بذكر الأحوال المتعلقة بالمتعلقات، وكما قلنا كثير منها كأفكار مرت معنا؛ كالتقديم والتأخير، والحذف والذكر، ستجدون الأفكار متقاربة إلا بعض المباحث الزائدة.

لكن هناك تقرير مهم في البداية لا بد أن تفهمه؛ لأنه جوهري، وله مسيس بفهمه طبيعة اللسان العربي. يقول السيوطي: «الفعل أو بقية العوامل -وهي الأسماء المشتقة- مع اسمها المنصوب مثل الفاعل، علاقة الفعل بالمفعول به، باعتبار أن هذا التعلق من التعلقات مثل علاقة الفعل مع الفاعل، باعتبار أن هذا تعلق من التعلقات». هذا معنى المثلية هنا. ما معنى «مع اسمها المنصوب مثل الفاعل»؟ ما معنى المثلية؟ أنه كما أن الفعل يتعلق بالفاعل، كذلك الفعل يتعلق بمتعلقات من المنصوبات وغيرها؛ لذلك قال: «الفعل وهو بقية العوامل مع اسمها المنصوب مثل الفاعل» في ذكره ليفهم التعلق.

نص هنا على وجه المثلية، يعني في ماذا هذه المثلية؟ قال: كما أن الفاعل يذكر في الجملة الفعلية ليفهم وجود تعلق بين الفعل والفاعل، كذلك المفعول به يذكر في الجملة الفعلية ليفهم وجود تعلق بين الفعل والمفعول به؛ هي هكذا فلسفة الجمل الفعلية، ليفهم التعلق دون إفادة الوقوع مطلقًا.

يعني يريد أن يقول هذا سيأتي معنا في الشرح، لكن ابتداءً؛ إذا قلت لك: «وقع ضرب»، ركز في هذه الجملة، إذا قلت لك «وقع ضرب» هنا أنت تفهم وقوع حدث، وهو ما هو؟ الضرب، صح؟ فهنا أفدتك وقوع حدث، لكن هل أفدتك من فاعله أو مفعوله أو أي تعلق من متعلقاته؟ لا.

فإذا أردت هكذا -كما تفكر العرب- إذا أردت أن أخبر شخصًا بوقوع حدث دون ذكر أي تعلق من متعلقاته، لا آتي بالفعل الصناعي، وإنما آتي بالمصدر؛ لأن المصدر يدل على الحدث بدون أي ارتباط أو تعلق من متعلقاته. فيقولون: إذا أردت أن تخبر شخصًا بوقوع حدث؛ أكل، شرب، نوم، قيام، جلوس، طلب علم، أي حدث، ولم ترد إفادة أي تعلق من المتعلقات للفاعل ولا المفاعيل ولا شيء، فإنك تأتي به ماذا؟ مصدر. خلص: «وقع ضرب»، أنت ماذا فهمت؟ حدث اسمه الضرب وقع، «وقع درس»، «وقع نوم»، فهنا أنت أفدتنا الوقوع مطلقًا عن متعلقاته.

هذا معنى أن الفعل إذا ذكرت فاعله أو مفعوله أنت هنا ذكرت الحدث مع متعلقاته، فهذه فائدة ربط الفعل بمتعلقاته من الفاعل والمفاعيل والحال والتمييز، أما إذا ذكرته مجردًا عن كل متعلقاته، فإنك لا تأتي به فعلًا صناعيًا؛ الفعل الصناعي هو الفعل الماضي والمضارع والأمر، اسمه فعل صناعي لأنه فيه صنعة الفعل، أما المصدر فيسمى فعلًا طبيعيًا حقيقيًا لأن...

المصدر هو يدل على الفعل بالمعنى الحقيقي، الضرب، الأكل، الشرب؛ المصدر وإن كان اسماً من الناحية النحوية، لكن هو من الناحية الدماغية حدث فعل، بس فعل طبيعي. يسمى الأفعال الماضي والمضارع والأمر، ثم فاجئنا بالصناعي، لأنه أنت صنعته على هذه الصورة: فعّال، يفعال، يفعل، هذا أنت وزنته وصنعته وأتيت بالفعل عليه، ويسمى فعلاً صناعياً.

ففهمنا شو معنى "دون إفادة الوقوع مطلقاً"؟ يريد أن يقول إن الفعل مع الفاعل أو مع المفاعيل، إنما يذكر بهذه الصيغة ليفهم التعلق بين الفعل والفاعل والمفاعيل دون إفادة الوقوع مطلقاً، فهو لا يفيد مجرد الوقوع مطلقاً عن كل حيثياته، بل هو يفيد وقوع الفعل إذا ذكرت معه المتعلقات؛ فهو لا يفيد مطلق الحدود، بل يفيد الحدوث بمتعلقاته من الفاعل والمفاعيل، أما إذا ذكرته بدون متعلقات فلا تأتي به فعلاً صناعياً، بل تأتي به مصدراً.

ماذا يقول السيوطي؟ يقول السيوطي: «هذا باب أحوال متعلقات الفعل وما يعمل عمل الفعل من اسم الفاعل ونحوه»، والتنبيه عليه من زيادته، أي ذكر المشتقات مع الفعل. هذا ذكره السيوطي ولم يذكره الغزويني، الغزويني لما ذكر قال: «باب متعلقات الفاعل»، ولم يقل: «وما يعمل عمل الفعل»، فالتنبيه على أن ما يعمل عمل الفعل حكمه وحكم الفعل من زيادات السيوطي.

لا شك أن الفعل مع المفعول، مفعول به، مفعول معه، خليها على إطلاقاتها، كالفعل مع الفاعل. في ماذا قال من أن الغرض من كل منهما؟ ما الغرض من ربط الفعل بالفاعل أو ربط الفعل بالمفاعيل؟ من أن الغرض من كل منهما إفادة التلبس به، أي التعلق به، لا إفادة مجرد وجود الحدث فقط.

قال: فعمل الفعل الرفع في الفاعل؛ ليفيد وقوعه منه، وعمل الفعل النصب في المفعول به مثلاً ليفيد وقوعه عليه. يعني العرب خلاص اتفقت على أنه إذا رفع؛ لماذا رفع الفاعل ونصب المفعول به؟ قالوا الذي قام بالحدث سنرفعه، والذي وقع عليه الحدث سننصبه، هكذا فلسفة العرب. فعمل الفعل رفع في الفاعل ليفيد وقوعه من أين هو الذي أصدر منه الفعل، والنصب في المفعول به ليفيد وقوعه عليه.

تارة يريد المتكلم الإخبار عن الفعل، أي الحدث، من غير تلبس بفاعل ولا مفعول، وحينئذ لا يأتي بالفعل الصناعي، وإنما يأتي بالمصدر؛ فيقول: «وقع ضرب»، إذا أرادت أن أخبرك أنه فيه حدث وقع بدون ما أعطيك أي ملابسات من ملابساته، أتى بالمصدر. ما أقول: «ضرب»، لا أقول بالفعل الماضي لضربه أو المضارع أو الأمر، ما أقول: «ضرب» أو «يضرب» أو «يضرب»، لا، فقل: «وقع ضرب»، فأنت فهمت وقوع حدث في أرض الواقع اسمه الضرب، بدون تلبس أو ملابسات من ملابساته. قال: «فليس في هذا التركيب الذي هو (وقع ضرب) شيء من متعلقات الضرب». هذا إذا أردت أن أخبر به دون متعلقاته.

ثم قال: وتارة يريد المتكلم أن يخبر بفاعله لهذا الحدث، فيأتي بالفعل الصناعي، الذي هو الفعل الماضي والمضارع والأمر، ولو سمي صناعياً لأنه على أوزان صرفية معينة: فعّال، فاعل، فاعلان، وبعد ماذا يقول؟ يفعل، ويفعلون، هكذا. فيؤتى بالفعل الصناعي إذا أردت مباشرة أن تخبر عن فاعل ومفعول به متعلقات.

قالوا: ثم إن كان هذا الفعل متعدياً -وأنتم تعرفون الفعل في الصرف؛ إما فعل لازم أو فعل متعدٍ، الفعل اللازم لا يأخذ مفعولاً به، والفعل المتعدي هو الفعل الذي يأخذ مفعولاً به مباشرة- فيقول: فيؤتى بالفعل الصناعي، ثم إن كان الفعل متعدياً فتارة يقصد الإخبار بالحدث في المفعول دون الفاعل، فيبنى للمفعول.

تارة، يعني إذا كان الفعل متعدياً، فآحياناً -زي ما ذكرنا قبل شوي في ختام باب المسند- ممكن أنا أصلاً ما بدي أخبرك بالفاعل، بدي أخبرك فقط بالمفعول به، فأحذف الفاعل وأأتي بالمفعول به نائب فاعل، وهذا معنى قوله: «ثم إن كان الفعل متعدياً فتارة يقصد الإخبار بالحدث في المفعول»، يعني أن هذا الحدث وقع على فلان، مين الذي فعله به؟ ما يهم؛ ضرب زيد الضرب، وقع على زيد، فأخبرتك بالحدث في المفعول دون الفاعل، فيبنى الفعل للمفعول، يعني يبنى للمجهول.

وتارة يقصد المتكلم الإخبار بالفاعل ولا يريد ذكر المفعول به، مع أن الفعل متعدٍ؛ يعني أنا أتعامل مع فعل متعدٍ له مفعول به، بس أنا ما بدي أخبرك بالمفعول به، أنا فقط بدي أقول لك إنه في حدث هو الضرب قام به زيد، طب مين ضرب زيد وعلى من وقع؟ ما بدي أخبرك. فهل يجوز أن أقول: «ضرب زيد» بدون أن أذكر المفعول به؟ يجوز، وهنا ماذا يكون قصد المتكلم؟ الإخبار بوقوع هذا الفعل من هذا الفاعل ولا أحتاج أن أعرفك على من وقع هذا الفعل، لذلك قال: «وتارة يقصد الإخبار بالفاعل ولا يذكر مفعوله».

الآن سنبدأ نفصل شوي، إذا كان الفعل -دعوني أرتب الفكرة على الشاشة حتى تفهموها- إذا الفعل أيها الأحباب الكرام قد يكون لازماً، وقد يكون متعدياً. وما هو الفعل اللازم؟ الفعل اللازم هو الفعل الذي لا يأخذ مفعولاً به، لأنه بطبيعته يقوم بالشخص ولا يتعدى إلى غيره. متى يكون الفعل لازماً؟ لما يكون هو بطبيعته يقوم بشخص ولا يتعلق بآخرين في العادة.

الفعل متى يكون متعدياً؟ إذا كانت طبيعته يتعلق بآخرين. فلما أقول: «نام محمد»، هل هذا الحدث، هذا الفعل بطبيعته يقتضي وجود مفعول به؟ لا، هو شيء يقوم به وخلاص، محمد نام. لكن «الضرب»، آه، لأنه هو بطبيعته يقتضي وجود ضارب ومضروب، عشان هيك الأفعال العربية بطبيعتها تنقسم إلى لازم -لأن طبيعة الحدث يقوم بشخص ولا يتعلق بشخص آخر- أو متعدٍ، وهذا يكون إذا كانت طبيعة الفعل تقتضي وجود شخصين في المشهد.

الآن إذا كان الفعل لازماً، فهنا أنت في الوضع الطبيعي ستذكر الفعل زائداً فاعلاً، ما عندك أصلاً مفعول به، الفعل لا يتعلق بمفعول، ما له أصلاً مفعول به. وأحياناً يكون الفعل متعدياً، والفعل المتعدي له ماذا؟ فاعل ومفعول به، هذه صورة الجملة لما يكون فعلها متعدياً، فيكون في فعل وفي فاعل وفي مفعول به، وأحياناً يكون مفعولاً به أول ومفعولاً به ثانياً، وأحياناً مفعولاً به أول وثانٍ وثالث.

الآن كلام السيوطي راح يتركز هنا على الفعل المتعدي، فيقول لك: الفعل إذا كان متعدياً، وأنت قررت أن لا تذكر المفعول به، فقط قررت أن تذكر الفعل والفاعل ولا تريد ذكر المفعول به، هذا له صورتان. الصورة الأولى: أن تحذف المفعول به.

الصورة الثانية أن تحذف المفعول به لكنك تقدره في السياق، إذاً الصورة الأولى حذف المفعول به دون تقديره، والصورة الثانية حذف المفعول به مع تقديره؛ يعني أنا أقدر وجود مفعول به تقديراً وإن كان محذوفاً.

إذا المتعدي إذا اختصرت على الفعل والفاعل وحذفت المفعول به، فكم صورة له؟ له صورتان: الصورة الأولى أن تحذف المفعول به ولا تقدره أصلاً، والصورة الثانية أن تحذف المفعول به لكنني أقدره محذوفاً. سنبدأ الآن بأي صورة؟ بالصورة الأولى إن شاء الله، وهي حذف المفعول به دون تقديره.

ماذا قال السيوطي في هذه الحالة؟ قال: «وتارة يقصد الإخبار بالفاعل ولا يذكر مفعوله». هنا طبعاً كلامنا يتركز على المفعول به، ثم باقي المفاعيل أمرها أسهل. فقال: «وهو ضربان». يعني قضية حذف المفعول به ضربان، لها صورتان: الصورة الأولى أن يقصد إثبات المعنى للفاعل، أي يقصد المتكلم إثبات المعنى للفاعل أو نفيه عنه على الإطلاق، من غير اعتبار عموم ولا خصوص ولا تعلق بمن وقع عليه.

يعني أنا هدفي في الحالة الأولى التي أحذف فيها المفعول به ولا أقدره، ماذا سيكون هدفي؟ أن أخبرك أنه في فعل وقع من فاعل بغض النظر هل هذا الفاعل أوقعه على عموم الناس أو أوقعه على خصوص، وإذا كان أوقعه على خصوص من هو هذا الخصوص؟ كل هذا لا يهمني. هذا المعنى من غير اعتبار عموم ولا خصوص ولا تعلق بمن وقع عليه هذا الفعل بالتحديد في حال كونه خاصاً بشخص معين.

ففي الحالة الأولى لما أقول لك: «ضرب زيدٌ»، وأحذف المفعول به ولا أنويه أصلاً، هنا ماذا يكون مقصدك كما قاله السيوطي؟ إثبات وقوع الفعل وهو الضرب من شخص اسمه زيد، بدون اعتبار على من أوقع زيد هذا الضرب؛ هل أوقعه على عموم أو على خصوص؟ وإذا كان على خصوص، هل هو على زيد ولا على عبيد؟ كل هذا ليس من شأنه، لا أعتبره عموماً ولا خصوصاً ولا شخصاً معيناً، وإنما هدفي فقط إثبات وقوع هذا الحدث من هذا الشخص.

فهمنا مقصد الحالة الأولى التي يحذف فيها المفعول به دون أن يقدر؟ فسرها السيوطي بأن يقصد إثبات المعنى، ما المراد بالمعنى؟ معنى الفعل؛ أن يقصد إثبات المعنى، أي معنى الفعل لهذا الفاعل، أو ينفى عنه في حال الجملة منفية، مثلاً قلت لك: «ما ضرب زيدٌ»، فقد تكون مثبتة «ضرب زيدٌ» وقد تكون منفية «ما ضرب زيدٌ»، وهذه جائزة، ويلزمها كلها مثبته أو منفيه. فيقول لك: إما أن يقصد إثبات المعنى لهذا الفاعل أو نفي المعنى عن هذا الفاعل على الإطلاق، من غير اعتبار لا عموم ولا خصوص ولا تعلق بمن وقع عليه. لا نقصد معرفة هل فعل هذا الفاعل إطلاقا عموماً على طائفة كبيرة لا حصر لها، أو فعله على طائفة مخصوصة، أو شخص مخصوص، أو إذا كان مخصوصاً منه هو هذا الشخص؛ كل هذا ليس من غرضنا.

قال: «فالمتعدي حينئذٍ كاللازم». هذا النوع من الفعل المتعدي الذي يحذف فيه المفعول به ولا يُنوى هو في الحقيقة أصبح بمنزلة الفعل اللازم؛ لأن الفعل اللازم ما الفائدة منه؟ هي فعلاً إثبات فعل لفاعل على وجه الإطلاق، مثل: «نام زيدٌ»، خلاص، إثبات النوم لزيد وانتهينا. فيقول لك الفعل المتعدي إذا حذف المفعول به ولم يُقدر أصبح بمنزلة الفعل اللازم.

«فلا يذكر مفعوله»، لا هنا، لا يجوز ذكر المفعول؛ قال: «لئلا يتوهم السامع أن الغرض الإخبار بتعلقه بالمفعول». هنا إذا أنت ذكرت المفعول به خربت كل الطبخة، كأن المفعول مقدر تقديراً وكأنه مذكور وإن لم يكن مذكوراً صراحة. والمتكلم هنا تعميق في فهم الجملة العربية، ماذا قصد؟ أنا أريد أن أخبرك من الذي قام بالحدث، إذا كان هذا مقصدك فلا تأتِ بمفعول به لا ظاهر ولا مقدر، هذه الخلاصة.

بعد أن عرفنا هذه الصورة، وهي حذف المفعول بدون تقديره، قال لنا: «وهذه الصورة لها حالة واحدة». هذه الصورة لها حالتها، وانظروا الآن إلى التفريعات كيف تأتي وهي جميلة حقيقة. الحالة الأولى أن يجعل إطلاق الفعل — ومعنى إطلاق الفعل أن لا يذكر معه المفعول به — كناية عن فعل متعلق بمفعول مخصوص دلت عليه القرينة.

هذه الصورة لها احتمالان: الاحتمال الأول أن تكون أطلقت الفعل عن المفعول لكنك في الواقع أردت أن تكنّي عن فعل متعلق بمفعول مخصوص دلت عليه القرينة، وسآتي لذكر مثال إن شاء الله. قال في الصورة الأولى: «كقول البحتري يمدح المعتز بالله»، وهو من أفخم شعراء الإسلام المولدين، يقول: شجو حسادك وغيظ عداك ... أن يرى مبصر ويسمع واعي

الصورة الأولى: أن يجعل الفعل وهو مطلق عن المفعول به كناية عن فعل متعلق بمفعول به مخصوص، وهي غريبة؛ أنه أطلقه لكنه كنى به عن تقييده بمفعول به مخصوص. كيف ذلك؟ يقولون قول البحتري وهو يمدح المعتز بالله: شجو حسادك، أي الذي يجعلهم يغضبون، أي يا أيها الحاكم ما الذي يجعل حساد المعتز بالله يغضبون؟ مجرد أن يرى مبصر، ومجرد أن يسمع واعي.

هذا بحد ذاته يغيظ أعداء المعتز بالله. لماذا مجرد وقوع الرؤية من المبصرين أو وقوع السمع من الواعين يجعل خصوم المعتز بالله يغضبون؟ «يرى مبصرٌ»، يرى هذا فعل متعدٍ ومع ذلك حذف المفعول به وأسند فقط إلى الفاعل، «يرى مبصرٌ»؛ فعل، فاعل، والمفعول به محذوف وغير مقدر. قال: «يرى مبصرٌ الذي يحزن أعداءك»، أي يرى إنساناً مبصراً، وقال نفس الشيء: «يسمع واعي»، حذف المفعول به، والحذف مقصود، ولماذا أطلق الفعل عن المفعول به؟ قال: ليجعله كناية عن فعل.

مقيد بمفعول مخصوص، ماذا يقول البحتري؟

«أعداؤك يا معتز يخشون أن يرى مبصر». لأنه بمجرد أن يرى مبصر، لن يرى إلا حسنات المعتز بالله. بمجرد أن يرى مبصر، وإن فُتّحت عينه على الدنيا، كانت الدنيا مليئة بحسنات المعتز بالله. فبمجرد أن يرى مبصر، أو بمجرد وقوع أي نظرة، ستقع عينه على حسنات معتز، وبمجرد أن يسمع أي إنسان، لا مجرد أي عملية سماع ستحصل، فإنه ماذا سيسمع؟ سيسمع حسنات المعتز بالله.

فهو يخشون إذاً من وقوع أصل الرؤية، ويخشون من وقوع أصل السماع؛ لأنه إذا حصل، فإن كل ما سيرى هو حسنات المعتز، وكل ما سيسمع هو حسنات المعتز. فهم إذاً يخشون من أصل الرؤية وأصل السماع.

فإذا سألتك سؤالاً هنا: أطلق الفعل والفاعل وحذف المفعول به وأطلق هنا: «يسمع الواعون»، وهذا هو المفعول به، لكنه في الحقيقة كناية عن ماذا؟ عن فعل مخصوص. لو سألتك بعد فهمك لهذا البيت: ماذا أراد من حيث الواقع من التركيب؟ هو شجو حساده؛ ماذا يحدث في الواقع؟ أن يرى المبصرون حسنات المعتز، أن يرى المبصرون حسنات المعتز.

فحقيقة هو يريد المفعول به، هو فعلياً يريده، لو أتيت للواقع والمقصود والمعنى الكنائي، ما الذي يغيظ حساده؟ أن يرى المبصرون حسنات المعتز. فهنا نحن نتكلم عن فعل متعلق بمفعول به مخصوص وهو حسنات المعتز، ونتكلم عن رؤية يسمع الواعون حسنات المعتز. فنحن في الواقع لو أردنا أن نفتش عما هو المراد، فهو يتكلم عن فعل متعلق بمفعول به مخصوص، وهو أن يرى المبصرون حسنات المعتز، وأن يسمع الواعون حسنات المعتز.

لكن هل هو استعمل هذا صراحة؟ هل قال: «شجو حسادك أن يرى المبصرون حسناتك»، أو «أن يسمع الواعون حسناتك»؟ لا، كان ذكياً محترفاً في تركيب البيت؛ استعمل الفعل مطلقاً عن المفعول به وقصد به الكناية عن نفس الفعل مقيداً بالمفعول به. فهو قال: «شجو حسادك أن يرى مبصر»، «شجو حسادك أن يسمع واع». هو أطلق، لكنه فعلياً كناية، يقصد أن خشيته من أن يرى المبصرون حسناته، وأن يسمع الواعون حسناته.

لماذا استعمل هذه الكناية؟ لماذا جعل الفعل مطلقاً كناية عن الفعل المختص؟ لماذا؟ حتى يعمل حركة لطيفة في البيت. ما هي الحركة اللطيفة؟ التي ذكرنا قبل قليل أنه بمجرد وقوع الرؤية فلن يرى إلا الحسنات، وبمجرد وقوع السمع لن يسمع إلا الحسنات، وكأن هذه الحسنات عبأت هذا الكون. فبمجرد أن يبصر إنسان يمينه، يرى حسنات المعتز، يبصر شماله، يرى حسنات المعتز، فوقه حسنات المعتز، تحته حسنات المعتز؛ فكانت حسنات المعتز عبأت الدنيا. فكل رؤية لن يرى فيها إلا حسناته، وكل سمع لن يسمع فيه إلا حسناته.

وحتى يعمل هذا المدح الذي فيه غلو، اضطر أن يستعمل الفعل مطلقاً وكان به كناية عن الفعل المختص؛ لأنه لو قال: «شجو حسادك أن يسمع الواعون حسناتك»، فليس فيه حركة، البيت ليس فيه شغل، ليس فيه كناية أو غلو أو شيء من هذا. لكن لما قال: «شجو حسادك أن يرى مبصر»، عمل هذه الحركة؛ أطلق الفعل لكنه في الحقيقة كناية عن المخصوص. لماذا أطلقه؟ حتى يوهم أن الفعل إذا وقع مطلقاً لن يقع إلا على صورته المخصوصة.

فهمتم الصورة الآن؟ إذا وقع مطلقاً لن يقع إلا على صورة مقصودة؛ إذا وقع إبصار لن تبصر إلا الحسنات، إذا وقع سمع لن تسمع إلا الحسنات. طب، هذه مبالغة، وهي ليست واقعة، والفعل مطلق مثل الفعل المقيد، لا؛ لكنه أراد من باب الغلو في المدح أو الإفراط في المدح أن يفهمك ذلك، وهنا تشعر بصنعة البحتري وجماليته في الأداء. فهمتم الآن ما معنى أنه جعل الفعل مطلقاً كناية به عن الفعل المختص واستعمله مطلقاً ليدل على المبالغة؟

- واضح يا جماعة؟ - لا، هنا الفعل ليس مقدراً، يعني لما قلت: «أن يرى مبصر»، هنا مجرد وقوع الرؤية، لأنها إذا وقعت، فكأن مجرد وقوع الرؤية سيفضي إلى أن ترى الحسنات. فهو يريد أن يجعله مطلقاً، يعني في هذا السياق لم يقل: «أن يرى مبصر وحسناتك» مقدرة، لو قال: «حسناتك» مقدرة، لأصبحت في حكم المذكور، وبطلت صنعته. هو لم يقل إن المقدر كان مذكوراً، بل يريد إثبات أصل الرؤية؛ مجرد وقوع بصر، مجرد وقوع سمع. ما المشكلة في أن يرى مبصر؟ ما المشكلة في أن يسمع واع؟ المشكلة أنه بمجرد أن يرى مبصر سيحدث ماذا؟ رؤية للحسنات، وبمجرد أن يقع السمع سيحدث سمع للحسنات، وهكذا.

تفضل اسمعني، اجلس، نعم. المقصد أنه يخبر أن حسناته قد عبأت الدنيا، فبمجرد أن يقع البصر لن يقع إلا على الحسنات، وكأنه ليس في الدنيا بشر ولا شجر، ليس غير حسنات المعتز؛ لن تقع رؤية إلا على حسناته، ولم يسمع واع إلا حسنات هذا الرجل. لذلك ماذا قال السيوطي؟ قال: أي ليس في الوجود ما يرى في كل هذا الكون، ليس في كل هذا الكون ما يرى وما يسمع إلا حسنات وآثار محمودة للمعتز بالله. فإذا وقع إبصار، إذا أبصر مبصر، فلن يرى إلا محاسن المعتز، وإذا سمع سامع، فلن يسمع إلا محاسن المعتز أيضاً.

وقال: فغيض العدى؛ أي أصبح يغيظ الأعداء مجرد وقوع الأبصار، لأن وقوع الأبصار أصبح وسيلة لوقوع الفعل المخصوص. فغيض عداه أن يقع إبصار أو سمع، فإنه كيف يقع السمع؟ لن يقع إلا على محاسن المعتز. بخلاف ما لو قال بصريح العبارة: «شجو حسادك أن يرى مبصر حسناتك» مثلاً؛ فإنه ليس فيه حينئذٍ ما يقتضي أنه ليس في الوجود ما يبصر إلا محاسنه. هذا المعنى، أنه ليس في الوجود إلا محاسنك، لو أتى بالجملة صراحة لما استطعنا تحصيل هذه اللفتة الجميلة والغلو في المدح. فهمتم؟

طيب، إذاً هذه الصورة الأولى من صور حذف المفعول دون تقديره: أن يطلق الفعل عن المفعول، ولكن في الواقع يكون كناية عن فعل مقيد بمفعول به مخصوص، وإنما فعل هذا الإطلاق مع أنه كناية عن التقييد لإفادة المبالغة، يا رعاكم الله.

الصورة الثانية من صور حذف المفعول به دون تقديره، هي كقوله تعالى:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. الآن الفعل «يعلمون»، الفعل «علم» يتعدى إلى مفعول به أول، بل وإلى ثاني، وبعض الأحيان يصل إلى ثالث؛ فالفعل «علم» هو بطبيعته فعل متعدٍ.

هنا قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. هل علق العلم على مفعول به؟ هل قال: هل يستوي الذين يعلمون الشريعة والذين لا يعلمون الشريعة؟ هل قال: هل يستوي الذين يعلمون الفقه والذين لا يعلمون الفقه؟ هل قال: هل يستوي الذين يعلمون العربية والذين لا يعلمون العربية؟ لا، أطلق؛ قال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ذكر الفعل «علم» مع الفاعل وهو واو الجماعة، ولم يذكر المفعول به.

لماذا؟ هل نقول إن المفعول به مقدر؟ قالوا لا، المفعول به ليس مقدرًا؛ هو أراد مجرد إثبات فضل العلم، يعني مجرد أنك تعلم -بغض النظر عن الشيء المعلوم- هو أفضل من الشخص الذي لا يعلم. فهمتم؟ أراد إثبات مجرد أفضلية العلم، فقال: أي من له صفة العلم ومن ليست لها. انظر كيف شرح السيوطي الآية باختصار؛ هذا معنى الآية: هل يستوي من عنده صفة العلم ومن الشخص الذي ليس عنده صفة العلم، بغض النظر عن المعلوم؟ الإنسان الذي عنده علم عمومًا، هل يستوي مع إنسان جاهل ما عنده علم؟ فكرة عامة: لا يستوي.

فهنا نعم أطلق الفعل عن مفعوله، ولكن ليس المراد به الكناية؛ لا، هذه الحالة الأصلية. نستطيع أن نقول: هذه الحالة الأصلية أن يُطلق الفعل عن المفعول به ولا يُقدر، لمجرد إثبات وقوع الفعل من الفاعل أو عدمه. هذه الحالة الأصلية، فأنا أريد أن أقول: هل يستوي من يعلم ومن لا يعلم؟ بس، لم أقصد أن أكني به عن فعل مخصوص، بخلاف الحالة الأولى، وهذا كثير في القرآن الكريم؛ أن يُحذف المفعول به ولا يُقدر، ليكون المراد إثبات أصل الفعل ما فاعله.

فهنا ذكر آيات أخرى السيوطي، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 43]. «أضحك» ذكر الفعل والفاعل، أين المفعول به؟ «أضحك» مَن؟ ليس موضوعنا. المراد إثبات أن الذي أحدث هذا الفعل هو الله جل في علاه؛ أضحك، أبكى، أمات، أحيا؛ المفعول به في هذا السياق لا يهم، لأن هذا السياق هو سياق إثبات أفعال الربوبية لله سبحانه وتعالى بغض النظر عن المفعول به. إثبات من الذي يضحك؟ الله. من الذي يبكي؟ الله. من الذي يميت؟ الله. من الذي يحيي؟ الله. أما الأشخاص الذين تعلقت بهم هذه الأفعال فليست هي مراده في السياق.

و﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: 48] هو نفس الشيء؛ «أغنى» مَن؟ ما يهم؛ المهم من الذي صدر منه هذا الفعل؟ أي هو الذي وقع منه الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء والإغناء والإقناء.

وعلى ذلك، إذاً بنكون انتهينا من الضرب الأول من ضروب حذف المفعول به؛ يُحذف دون تقديره، وعرفنا أن هذا له حالتان: حالة يكون بها المقصود مجرد إثبات وقوع الحدث من الفاعل، والحالة الثانية يُحذف المفعول ويكون كناية عن فعل مخصوص، وإنما حُذف وأُريد الكناية على سبيل المبالغة. هاتان صورتان تضعونهما في الأعلى حتى لا يستهلكن الوقت.

نيجي الآن على الصورة الثانية، وهي صورة حذف المفعول به مع تقديره. صورة ثانية أن يُحذف المفعول به، لكنه يُقدر وجوده في السياق؛ زي ما رسمنا على الشاشة. متى يكون هذا؟ قال الضرب الثاني: ألا يقطع النظر عن المفعول به، بل يقصد تقديراً ولكنه لا يذكر لفظاً. وبماذا سيقدر؟ قال: بحسب القرائن. القرائن هي التي ستساعدك على تقدير المفعول به المناسب للسياق فيُقدر بحسب القرائن.

فهنا سنأتي إلى مبحث الحذف والذكر؛ مش نحن قلنا كنا في المسند إليه نبحث متى يُحذف المسند إليه ومتى يُذكر؟ نفس الشيء، بحثنا متى يُحذف ومتى يُذكر. هنا نفس الشيء المتعلقات؛ متى تُحذف ومتى تُذكر، لكن هنا نتكلم عن المفعول به بالتحديد. متى يُحذف المفعول به ومتى يُذكر؟ طبعاً متى يُذكر الأصل فيه، لكن هنا سنتكلم عن متى يُحذف. وعندما تتكلم عن حذف المفعول به، لا بد تتكلم عن حالتين: حالة يُحذف ولا يُقدر فيها، وحال يُحذف ويُقدر فيه، حتى تستوعب جميع الصور.

فالآن سيذكر متى يُحذف ولكنه يُقدر، انتبهوا. دعونا نرجع للمنظومة حتى يكون كلامنا متناسقاً؛ قال: «الفعلُ أو بقيةُ العواملِ مع اسمِها ... المنصوبِ مثلَ الفاعلِ في ذِكْرِهِ ليفهمَ التعلقَ دونَ إفادةِ الوقوعِ ... مطلقةً»

هذا شرحناه وفهمناه، صحيح؟ نذهب إلى ما يلي. قال: «فحذفُهُ إن أُطلقَ»، سيتكلم عن حذف المفعول به، سيبدأ بالصورة الأولى: الحذف دون تقديره. «فحذفُهُ إن أُطلقَ» يعني إذا حذف المفعول به وأُطلق الفعل، فلم يُقدر معه المفعول به أصالة، «فحذفُهُ إن أُطلقَ ما مقصودُهُ؟ الإثباتُ له أو نفيهُ ... أعني فاعلَهُ». كما قلنا، إذا حُذف المفعول به ولم يُقدر، ما الغرض الأساس؟ إثبات الفعل للفاعل أو نفي الفعل عن الفاعل. «ضربَ زيدٌ ما ضَرَبَ زيدٌ»، قال أو نفيه للاسم وقصد بالاسم هنا الفاعل.

لذلك شرحه قال: أو نفيه للاسم، أعني فاعله. باختصار: إثبات الفعل للفاعل أو نفي الفعل عن الفاعل. طيب، ليه قال: «لكونه هذا الفعل في هذه الحالة التي حُذف المفعول به ولم يُقدر نزل كـلازم»؟ لكونه نزل كـلازم لا مقدر فيه، يعني لا يوجد فيه مفعول به مقدر.

الآن هنا أريد أن أنظر في نسختك؛ فاما قال: «فأما جعل...». هذه الحالة التي يُحذف فيها المفعول به ولا يُقدر كما قلنا، لها صورتان: فإما أن يجعل في هذه الحالة الفعل كناية، يعني أن يجعل الفعل المطلق كناية عن الفعل المخصوص، كما مر معنا في البيت: «أن يجعل الفعل أي المطلق كناية عن الفعل المخصوص». مثل: «أن يُرى مبصرٌ» كناية عن «يرى مبصرٌ حسناتك». الفعل كناية عن الفعل يخص معموله، أي المفعول به، وهذا مرتبط به؛ دل عليه نوع النصب.

المخصوص ما الذي دل عليه النص؟ يعني السياق والقرائن. نعيد إذاً الحالة الأولى: أن يجعل الفعل المطلق كناية عن فعل مخصوص بمعمول معين، يعني بمفعول به معين: «يرى مبصرٌ حسادك أن يرى». ما الذي دل على هذا المعمول المحذوف أو المقدر؟ ما الذي دل عليه؟ نوع نص، يعني السياق والقرائن.

قصده بنوع نص؛ يعني النصوص السابقة واللاحقة، كوني أنا في سياق مدح مثلاً. ثم ذكر لك البيت، حتى تظل حافظًا عمرك ما تنسى، احفظ هذه الأبيات؛ لأن السيوطي جماليته في هذه المنظومة أنه في كثير من الأحيان يذكر الفكرة ويشرحها، ومثالها حتى تحفظ المثال عمرك ما تنساه. قال: «كشجو حسادك أن يرى». طبعًا هنا «شجو» لماذا مضمومة؟ لأنه حكاية، هو لا يجر، «شجو» الكاف دخلت على كل الجملة وليست على «شجو» وحدها؛ «كشجو حسادك أن يرى». طبعًا البيت ليس هكذا بالضبط، لكنه اختصر لك إياه، أي أن يكون مبصرًا لما ظهر، أي أن يوجد مبصر لما ظهر. هذا شرح منه للبيت: «شجو حسادك أن يرى»، أي شجو حسادك أن يوجد مبصر لما ظهر.

هذه الحالة الأولى، أن يكون الفعل المطلق كناية عن فعل مخصوص بمعمول دلت عليه القرائن. الحالة الثانية: ألا يكون القصد بالفعل المطلق الكناية عن الفعل المخصوص فقط، بل يبقى على الأصل؛ مثل مثال على الحالة الثانية: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].

ممتاز، الآن سننتقل إلى الحالة الثانية: أن يحذف المفعول به ولكنه يُقدَّر. قال: «أما الذي يُحدث وهو ما رُفض»، يعني المفعول به الذي يحذف لكنه لم يُرفض، يعني قُدِّر في السياق، كأنه يقول: الذي لم يُقدَّر كأنه مرفوض خلص ما بدنا إياه، وأما الذي قُدِّر فكأنك لم ترفضه، أنا بس حذفتك بس أنت موجود، حذفتك بس أنا مش رافضك، أنت موجود ومقدر في السياق.

قال: «أما الذي يُحدث وهو ما رُفض»، أي بقي مقدرًا ولم يتم إلغاؤه تمامًا. «فلائقٌ قدر»، يعني عليك أن تقدره بما يليق بالسياق، فعليك أن تقدره بما يليق بالسياق؛ فلائقٌ قَدِّر، يا أيها السامع أو القارئ، قدر مفعولًا به لائقًا بالسياق والمقام بحسب ما تراه من السوابق واللواحق.

وفي هذا الغرض، ما هو الغرض من الحذف هنا؟ الآن سيبدأ بذكر الأغراض، النكت في حذف المفعول به مع تقديري في هذه الحالة. قال أولًا: «من بعد الإبهام البيان». مثل: «شاء ما لم يكن التباسه مستوحشًا»، أو «عندكم منصوبة في بعض النسخ مستوحشة»، أو «دفع أن يبتدئ رذلهم إلى غير المراد»، و«اعتناء»، و«كما لا بذكر لقائي له بعد على صريحه»، و«أدب مع العلى»، و«اختصار مع دليل قام له»، و«هجنة»، أو «أن تراعي الفاصلة»، وكذلك «إفادة العموم بالكلام» كقوله: «يدعو إلى دار السلام» أو نحوًا. كل هذه نكت لحذف المفعول به مع تقديره، نذكرها، ليست شيئًا صعبًا، بل هي شيء سهل وجميل.

فقال: «والغرض في هذا الحذف في أمور»، أول نقطة ذكرها السيوطي قصد البيان بعد الإبهام؛ أن تقصد البيان بعد الإبهام، كيف ذلك؟ قال كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: 149]. هذا كثير يطرد بعد فعل المشيئة الذي يأتي بعد «لو».

كثير ما يطرد كقوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. الآن سؤال أحبابي: الفعل «شاء» فعل متعدٍ أم لازم؟ «شاء محمدٌ إكرامَ زيدٍ»، «شاء محمدٌ حضورَ الدرس»، عادي، فعل «شاء» فعل متعدٍ يأخذ مفعولًا به. ممتاز، طيب لو سألتك في هذه الآية: هل الفعل «شاء» أخذ المفعول به؟ «فلو شاء» مباشرة رحنا على جملة جواب الشرط: «لو شاء لهداكم». فالفعل «شاء» أخذ فاعله لكن لم يأخذ المفعول به، «لو شاء» إيش؟ صح، مش هيك بتسأل؟ «لو شاء»؛ فلو سألتك ما هو المفعول به للفعل «شاء»؟ المفعول به للفعل «شاء» محذوف مقدر يُفهم من جواب الشرط: «لو شاء هدايتكم لهداكم».

وهذا كثير يضطرد في الفعل «شاء» بالتحديد إذا جاء بعد «لو». طيب، إيش يعني هنا؟ وقع بيان بعد إبهام. هي نفس الفكرة التي ذكرناها مثلاً في المسند، إذا طُلب ثم جاء بعد ذلك المسند إليه، كيف يكون البيان له؟ وقع في الصدر. العرب تعرفها دائمًا؛ قيمة أن تلغز شيئًا ثم تبينه، كما قلت لكم قبل قليل، وهذه فكرة مضطردة في كثير من النكات البلاغية؛ قيمة أن تلغز شيئًا ثم ترجع تشرح وتبينه.

الآن لما قال: «لو شاء»، أنت الآن كسامع شعرت بلغز مخفي، لو جاء: «لو شاء إكرامكم.. لو شاء أهنتكم»، فأنت لما قال: «لو شاء» بقي عندك المفعول به غامضًا مبهمًا، فلما جاء الجواب جاء الجواب ليبين ما أُبهم في الجملة الأولى، قال: «فلو شاء لهداكم»، فعرفت من الجواب ما هو المفعول به المحذوف ابتداءً. إذن طلع المفعول به: «لو شاء هدايتكم لهداهم». لو قلت لك: «لو شئت لأكرمتك»، إيش المفعول به المحذوف؟ «لو شئت إكرامك لأكرمتك». فهذا من أساليب العرب التي يتعمدون فيها حذف المفعول به مع تقديره حتى يأتيك مفصلًا في الجواب، فيقع البيان بعد الإبهام.

وما قيمة أن يأتي بالبيان بعد الإبهام؟ قالوا هذا أوقع في نفس العربي؛ لأنه نحن عجب، يعني مش كثير نتذوق هذه المعاني، لكن العربي يفهمها جيدًا، أنه أنت كشفت له المستور في الجملة الأولى، كشفت له المفعول به المستور في الجملة الأولى، فيتلذذون بهذا الأسلوب ويحبونه. اسم البيان بعد الإبهام؛ فهمتم وين وقع البيان؟ الجواب الشرطي بيَّن المفعول به المبهم في جملة الشرط، وهذا مضطرد.

التقدير كما قال السيوطي: أي «هدايتكم»، «لو شاء هدايتكم لهداكم». فإنه إذا سمع السامع: «فلو شاء» بدون المفعول به، تعلقت نفسه بشيء انبهم عليه وهو المفعول به، طيب لا يدري ما هو، فلما ذكر الجواب استبان وعرف، فهنا تعلقت نفسه. قال: «إلا» طبعًا هذه الحالة الأصلية، «لكن في بعض الأحيان يصبح حذف المفعول به بعد فعل المشيئة غير مقبول وغير لغوي». ما هي هذه الحالة الاستثنائية التي لا يُحذف فيها المفعول به بعد فعل المشيئة؟ قال: «إلا أن يكون فعل المشيئة تعلقه به غريبًا»، يعني طبيعة التعلق شيء غريب، مش على ما هو مقتضى العقل؛ فهنا لا يحذف المفعول به بل لا بد من الذكر مباشرة، كقول الشاعر: «فلو شئت أن أبكي دما لبكيته عليك ولكن ساحة الصبر أوسع». الآن لو كنا على المثال السابق مشينا في هذا...

البيت: «لو شئت لبكيته»، بس هنا تشعر أنه بكى، لم توضح إبهام. يعني في طبقة خاصة أنه في شيء غريب في المتعلق هنا، ماذا يقول؟ «فلو شئت أن أبكي دما».

سؤال: هل الإنسان في الوضع العادي يبكي الدم؟ لا، ما هو الوضع الطبيعي؟ تبكي دموعاً. فبكاء الدم هو شيء غريب، فلما كان المفعول به يتضمن شيئاً غريباً هنا لم يصلح حذفه. لو كان هو البكاء الطبيعي، مش بكاء الدم بل بكاء الدموع، لصلح الحذف. قال: «لو شئت ولا بكيته»، وهنا أنت ستفهم أن المحذوف ليس البكاء الطبيعي، لكن لما قصد الشاعر بكاءً غريباً -ليس هو مقتضى العقول بكاء الدماء- فهنا هل يصلح أن يحذف المفعول به؟ لا، ليش؟ لأنه لو حذفه لن يعرف الشيء الغريب.

لو قلت لك: «لو شئت ولا بكيته»، هل ستعرف أنه بكاء دم؟ لا، ما راح تعرف، أنت ستقدر البكاء بمعناه المتعارف عليه أنه بكاء الدموع. فلما كان يقصد بكاءً غريباً احتاج أن يذكره حتى لا يقدر السامع البكاء بمعناه الطبيعي المعتاد، فلذلك قال: «لو شئت أن أبكي دما».

وهو محتاج أن يذكر المفعول به. طبعاً هذا المفعول به هو المصدر المؤول «أن أبكي» هنا. بعض من ليس له ضربة في العربية يقول لك: يا شيخ أصلاً «أن أبكي» مش هذا مصدر مؤول؟ «أن» مع الفعل المضارع هي مصدر مؤول تقديرها البكاء؛ فلو شئت بكاء الدم لبكيته. لكن هنا جاء المفعول به على صورة المصدر المؤول «أن» مع الفعل المضارع، وهي في حكم مصدر مؤول، والتقدير: لو شئت بكاء الدم لبكيته. فلماذا هنا ذكر المفعول به؟ ستجيب لأنه غريب، لأنه ليس أي بكاء معتاد بل هو بكاء دم، فلو حذفه لن يعرف.

إذن هذه النكتة الأولى: البيان بعد الإبهام.

النكتة الثانية: من حذف المفعول بما تقديره «دفعاً لابتدار الذهن إلى غير المراد». أن يدفع تبادر ذهنك إلى شيء غير مراد، وكيف ذلك؟ بالمثال يتضح المقال. قول الشاعر: وكم دت عني من تحامل حادثٍ ... وثورة أيام حززنا إلى العظم

هو يقول يمدح هذا الشخص، يقول له: كم شلت عني من هموم الحياة وثورة أيام، يعني طغيان أيام عليّ ودورانها عليّ، وهذه الأيام بماذا وصفها؟ قال: «وثورة أيام حززنا إلى العظم»، يعني وصل الوجع فيها إلى العظم. كيف أقول لك؟ والله هذا اليوم الألم فيه والتعب وصل للعظم أو للنخاع، يعني متعب جداً. فيقول لك: أنت أزحت عني هذه الهموم، وأزحت عني ثورة أيام -هذه الأيام التي حززنا إلى العظم- شقت لحمي حتى وصلت إلى عظمي.

نيجي نحلل البيت: الفعل «حززنا» فعل متعدد يأخذ مفعولاً به، ما هو المفعول به في السياق؟ اللحم. «حززنا اللحم إلى العظم»، فالمفعول به المحذوف المقدر هو اللحم، تقدير البيت: حززنا اللحم حتى وصلنا إلى العظم. لكن لماذا حذف اللحم هنا ولم يذكر المفعول به؟ قال: لأن مقصوده أن يبين أن هذه الأيام مشقتها وإرهاقها وصلت إلى عظمها، فلو ذكر المفعول به لأشغلك به عن التركيز على العظم. لو قال: «حززنا اللحم»، ستنشغل أنت بصورة اللحم، وأنا يا عمي موضوعي أنه وصل إلى العظم.

فلو ذكرت المفعول به لظن السامع أن مقصد المتكلم هو الإخبار أن هذه الأيام شققنا اللحم، وهل هذا مقصوده؟ لا، هو مقصوده أن يخبرك أن الوجع وصل للعظم. فلما كان مقصوده الإخبار عن وصول الوجع إلى العظم لم يناسب هذا أن يذكر المفعول به؛ لأنه لو ذكره لابتدر ذهنك إليه وانشغلت به وفات مقصود المتكلم من البلاغة.

فهمتم؟ شوف اللغة العربية لغة فخمة، كيف يفكر المتكلم العربي؟ إنه لو ذكر المفعول به سيشغل السامع به، فلا يريد ذكره لأن المهم عنده أن يصل ذهنه إلى العظم مباشرة، فيقول السيوطي: «فإنه لم يفهم أن المحزوز هو اللحم حتى علم وسمع أن الحز وصل إلى العظم». فأول شيء طرق سمعك هو العظم، فسمعت العظم فعرفت أن المفعول به المحذوف هو اللحم، فسمعت العظم قبل أن تعرف اللحم، وهذا هو مقصودي، أريدك أن تعرف أنه وصل للعظم.

شوف الفخامة في هذا التفكير؛ إذاً السامع لم يفهم أن المحزوز هو اللحم حتى سمع أن الحز وصل إلى العظم. فلو قال: «حززنا اللحم» مباشرة، لتوهم السامع أن المقصود هو الإخبار بحز اللحم من غير نظر إلى انتهائه إلى العظم، وأنا لا أريد ذلك. فهذا من جمالهم؛ أن يحذف دفعاً لابتدار ذهن السامع إلى غير المراد. في هذا البيت المراد هو الإخبار عن وصول الحز إلى العظم، فلو ذكرت اللحم لانشغل ذهنك باللحم بدلاً من العظم. هذا معنى أن يحذف المفعول به ويقدر دفعاً لابتدار الذهني إلى غير المراد.

النقطة الثالثة: ومنها إرادة ذكره، أي ذكر المفعول به على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه إظهاراً لكمال العناية بوقوعه عليه، وهذا أيضاً شيء فخم. كقول الشاعر: قد طلبنا فلم نجد لك في السؤدد ... والمجد والمكارم مثله الآن

أحبائي الكرام، هناك فعلان في هذه الجملة متعديان: الفعل الأول «طلبنا»، والفعل الثاني «لم نجد»، وكلاهما يأخذ مفعولاً به، وهذا قريب من باب التنازع في النحو، حيث يتنازعان مفعولاً به. هو يقول: قد طلبنا، فلم نجد لك في السؤدد والمجد والمكارم مثله الآن. الكلمة الأخيرة في البيت «مثله» هي مفعول به لأي فعل؟ هي مفعول به للفعل الثاني «لم نجد». ومع أنها هي المفعول به للفعل الأول أيضاً.

هو ماذا يريد أن يقول؟ يمدح شخصاً فيقول له: قد طلبنا لك مثلاً، فلم نجد لك مثلاً، يعني نحن كيف شخص؟ أنا حاولت أفتش على واحد مثلك ولكن لم أجد، فأنت إنسان لا يوجد مثلك. فما مفعول «طلبنا» المحذوف؟ مثلاً؛ قد طلبنا مثلاً لك. وما مفعول «لم نجد»؟ «مثله» أيضاً. لماذا لم تذكر المفعول به؟ يقول السيوطي: حذف المفعول به من الأول وقدره، وذكره مع الثاني صريحاً وأوضحه. سؤال: لماذا حذف المفعول به من الأول وأراد أن يذكره مع الثاني؟ شوف الجمال هنا في طريقة بناء البيت.

لو ذكر المفعول به مع الأول، لو قال: «طلبنا لك مثلا»، لكان ينبغي ألا يعيد المفعول به صراحة، بل يكتفي بضميرهم. الاسم الذي يذكر أولاً لا يحتاج إلى ذكره ثانياً بلفظه، وإنما يذكر بضميره. فالأصل لو كان يريد أن يمشي على القاعدة العامة: «طلبنا لك مثلاً فلم نجده»، الضمير خلص، مش داعي أقول: «طلبت لك مثلاً فلم أجد لك مثله»، الجملة أصلاً ضعيفة. تقول: «طلبت لك مثلاً فلم أجده»، هذا إذا ذكر مثلاً مع الفعل الأول، وهذا هو السياق الطبيعي.

لكن هنا في نكتة؛ هنا حذف المفعول به من الفعل «طلبنا» وجعله مقدراً، وستفهم وأنت من الفعل الثاني، حيث أصر أن يذكره صراحة مع الفعل الثاني. لماذا عمل هذه الحركة؟ الشيخ يقول إن تعلق الفعل بالمفعول به في الحالة الثانية أهم من تعلقه به في الحالة الأولى. هذه الأهمية تعني أنني مهتم بأن الفعل الثاني هو الذي يأخذ المفعول به صراحة ولا يأخذه ضميراً. أنا رأيت؛ كما قلنا لو ذكرت المفعول به مع الفعل الأول سأضطر أن أذكره مع الفعل الثاني ضميراً، وأنا حقيقة لا يهمني أن أذكر المفعول به صراحة مع الفعل الثاني وليس مع الفعل الأول؛ وذلك للأهمية، وقد يكون له مقاصد أخرى كالآداب.

انظر هنا إلى الأدب كيف: قال: «قد طلبنا فلم نجد لك مثله». لو قال له صراحة: «قد طلبنا لك مثلاً»، لكان فيه سوء أدب، كأنك تقول للخليفة: «أنا أحاول التفتيش عن مثل فلم أجده»، وهذا فيه نزول في المدح، كأنك تقول أنت: «أنا أفتش لكي أريك». لو صرح بالمفعول به مع الأول لكان فيه نزول عن مقام الأدب، كأنك تخاطب الحاكم تقول: «أطلب لك مثلاً»، فقال لك: «لا، أنا أريد أن أحذف المفعول به مع الأول». هل هو الأدب في الخطاب عندما تمدح خليفة أو تقول: «قد طلبنا»، فلا تريد أن يسمعك أنه «طلبت لك مثلاً»، بل «قد طلبنا»؟ شو طلبنا؟ لا يهمك أن تعرفها من الجملة الأولى، بل ستفهمها من الجملة الثانية بعد أن أكون رسخت الأدب: «فلم نجد لك مثله».

ذكر «مثل» ما عدم الوجدان، أقدم من ذكر «المثل» مع الطلب؛ فهنا حفاظاً على مقام الأدب في المخاطبة. وأيضاً هناك الأهمية، المهم أنني لم أجد لك مثلاً، وليس المهم أنني طلبت. وهذه أيضاً هي النكتة التي تفضلت بها؛ أن المهم أنني لم أجد المثل. فعدم الوجود هو المهم أكثر من الطلب، ولأن الأدب يقتضي أن يذكر المفعول به صراحة مع الثاني ليس مع الأول، من أجل هذا حذف المفعول به من الأول وذكره مع الثاني.

لذلك ماذا قال السيوطي؟ أراد إيقاع نفي الوجدان، الذي هو «لم أجد»، على «المثل» صريحاً، بخلاف ما لو قال: «قد طلبنا لك مثلاً فلم نجده». ومن المقاصد أيضاً: قال «ومنها التأدب مع المخاطب في مثل هذا البيت»؛ لأنه اعتبر التأدب نكتة أخرى، وهي التي سماها الاعتناء، أو دفع الاعتناء، أو الأدب مع الممدوح.

وجعل هذا البيت له نكتتان؛ النكتة الأولى التي ذكرها قبل البيت عندما قال: «ومنها إرادة ذكر المفعول به ثانياً». ونعود لما قبل البيت: إرادة ذكر المفعول به ثانياً على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه إظهاراً لكمال العناية بوقوعه عليه. العبارة خلاصتها، كما ذكر الأخ، أنه لو جعلنا المفعول به للفعل الأول «طلبنا»، لكان الفعل الثاني وهو عدم الوجدان سيأخذ الضمير، مثل: «طلبنا مثلاً فلم نجده». لكن أنا كمتكلم لا أريد هذا، أنا مهتم أن يقع الفعل الثاني، الذي هو عدم الوجدان، على المفعول به صراحة وليس ضميراً. وكيف أجعل الفعل الثاني يقع على المفعول به صراحة وليس ضميراً؟ بأن أحذف المفعول به من الفعل الأول، وأجعل المحذوف به -المفعول به المذكور صراحة- متعلقاً بالفعل الثاني. وهذا هو معنى قوله: «إرادة ذكره ثانياً على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه».

أنت الآن المفعول به هو نفسه؛ هذه النكتة متى تحصل عندك؟ متى يكون لفعلان نفس المفعول به؟ إذا ذكرته أولاً صراحة ستذكره ثانياً ضميراً، وأنا أريد أن أذكره ثانياً صراحة، فأقول: «إذا أردت ذكره ثانياً على وجه يتضمن إيقاع الفعل على صريح لفظه»، أي أريد أن أذكره مع الفعل الثاني صراحة وليس ضميراً. لماذا تريد ذكره؟ لأنه هذا هو المهم، قال: «إظهاراً لكمال العناية»، أنا معتنٍ بالفعل الثاني أكثر من اعتنائي بالفعل الأول، فاحترامي واعتنائي بالفعل الثاني جعلني أفضل أن أجعل المفعول به صريحاً مع الثاني، وأما الأول فأحذف المفعول به وأقدره تقديراً.

فهذا مثال عليه، ومن مقاصد حذف المفعول به التأدب مع المخاطب، ويصلح هذا المثال عليه كما ذكرت لكم: «قد طلبنا»، لم يقل: «قد طلبنا لك مثلاً»، لأن هذا من سوء الأدب أن تقول للحاكم: «إنني أطلب لك مثلاً»، بل قال: «قد طلبنا» دون أن أذكر من باب الأدب. قالوا: «ومنها التأدب مع المخاطب في مثل هذا البيت»، بأن لا يصرح له بأنه طلب له مثلاً.

ثم السيوطي له بيت يقول: «وما أحسن قولي في شيخنا العلامة تقي الدين السيوطي»، من جملة قصيدة يمدحه بها، آخذاً معنى هذا البيت، ومعترف السيوطي أنه أخذ هذا البيت، وصاغه على طريق أبلغ منه، وهو يقول: «بيتي أفضل من بيت البحتري». يريد أن يقول: «لماذا بيات السيوطي أعلى؟». ما طلبنا لعلمنا أنه مالك في المجد والمكارم... مثلٌ... صحيح، هذا النصب في كلمة «مثلاً»؛ الأصل أن يكون «مثله»، أي أن هناك مثلك.

إذن، هو يقول: «ما طلبنا لعلمنا أنه مالك في المجد والمكارم مثله»، أي أن هناك مثله. فكلمة «مثله» هنا منصوبة لأنها مفعول به للفعل «لم نجد» في المعنى، أما هنا في جملة «ما طلبنا لعلمنا أنه مالك في المجد والمكارم مثلاً»، فما هو إعراب «مثلاً»؟ إذا جعلتها مفعولاً به لـ«ما طلبنا» فليس هذا هو المقصود؛ لعلمنا أنه ما لك في المجد والمكارم مثلاً، فـ«مثلاً» هنا نفي لـ«مثله»، والخبر مقدم.

ومثل الأصل تكون مبتدأً مؤخراً: ما لك في المجد والمكارم مثلُ.

أليس هذا هو المتوقع؟ هل عنده إعراب آخر؟ تفضل. تحتاج العربية والنحو لا؟ ما مثل لك؟ نعم. يعني هنا أنا وجدتها غريبة في هذا السياق، حاولت أن أجد لها إعراباً يكون أقوى، لكن لو قلت حتى لو جعلتها «ما» الحجازية التي تعمل عمل «ليس»، «ما» الحجازية لا تعمل عليها «ليس»؛ لأن «ليس» ما يكون منصوباً خبرها وليس اسمها.

فما لك في المجد والمكارم مثلُ، هذا الذي يظهر أنه ينبغي أن تكون مبتدأً مؤخراً مرفوعاً.

الآن دعونا ننظر أين الفعلان؛ الفعل الأول «طلبنا» صح، والفعل الثاني «علمنا». علمنا ماذا؟ علمنا أن مفعوله به هو جملة «ما لك مثل في المجد والمكارم». الفعل الأول وهو «طلبنا»، ما مفعوله؟ التقدير: ما طلبنا مثلاً، لعلمنا أنه لا مثل لك؛ في نفس فكرة البيت السابق. ما طلبنا مثلاً، هذا تقديره ما طلبنا مثلاً لعلمنا أنه ليس هناك مثل لك في المجد والمكارم.

نفس فكرة البيت السابق، بس هنا بدي أسألك: ليش السيوطي اعتبر بيته أبلغ؟ أحسنت، السيوطي ماذا قال؟ قال: إحنا أصلاً ما طلبنا، ما فتشنا من البداية لعلمنا أنه لا يوجد مثل لك. لكن البحتري ماذا قال؟ «قد طلبنا»، يعني البحتري راح فتش فلم يجد. السيوطي من البداية ما فتشوا، أقول لك إنه أبلغ في المدح. أقول لك: قد بحثت لك عن مثل فلم أجد، ولا أقول لك: من البداية أنا أصلاً ما فكرت أبحث عن مثل لك لأني أعرف أنه ما في مثلك؟ أي مبلغ طبعاً أن تقول لي: أنا ما فتش من البداية لأنني منتهي من الموضوع أنه ما في مثل لك، بخلاف لو قلت لك: قد طلبتُ فلم أجد، يعني أنت نزلتني مرتبة، أنا حاولت.

ومن مقاصد الحذف الاختصار عند قيام قرينة دالة على قصده، أن يحذف المفعول به. أحبابي خذوها فائدة عامة: هو نكتة في كل سياق؛ حذف المسند إليه، حذف المسند، حذف المتعلقات، هي نكتة عامة. الاختصار لا يحتاج إلى التنصيص عليه في كل مرة، لأنه من المعلوم أن الحذف يولد اختصاراً، أليس كذلك؟

لكن متى يجوز أن أحذف اختصاراً؟ إذا كان المفعول به معلوماً مسبقاً، أما أن تحذف المفعول به باختصار وأنا لا أعرفه، فهذا خطأ، وحذف ما يعلم جائز كما قال ابن مالك. ومنها الاختصار عند قيام قرينة دالة على قصده، أي على المفعول به المحذوف، نحو: «أصغيتُ إليه»، لما أقول: «أصغيتُ إليك»، «أصغيت» فعل متعدٍ يأخذ مفعولاً به، ما تقديره؟ «أصغيتُ أذني إليك»، أي أملتُ إليك، ما معنى أصغى؟ أصغر شيء إمالته، أملتُ إليك، ماذا أملتُ إليك؟ عملت أذني إليك. فقال هنا حذف المفعول به اختصاراً للعلم به من السياق، أنه ماذا سيصغي أذنه.

ونفس الشيء قوله: «بنى على امرأته»، طبعاً هذا قديماً عندهم يقولون معلوماً: «بنى على امرأته»، أي: «بنى قبة»، فلان بنى قبة على امرأته، فالمفعول به محذوف للعلم به. طبعاً هذا العلم في زمنهم، لكن هنا ربما في سياق سفر أو شيء من ذلك، ولكن في سياق معينة، وقال «بنى على امرأته»، يعني إذا كان البناء حسياً وليس بمعنى الدخول والوطء، فيكون هو ماذا بنى؟ قبة، لكن كما قلت هذا في زمنهم، اليوم لو حكيت مئة مرة «بنى على امرأته» لن تخطر في بالك قبة، فهذا يتناسب في زمان دون زمان.

ومنها أيضاً من الاختصار قوله: ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143]. موسى ماذا قال لله سبحانه؟ ﴿أَرِنِي﴾. المفعول به الثاني محذوف، «أرني» الياء مفعول به أول، والمفعول به الثاني محذوف، وهو من المفاعيل، أرني ماذا؟ ذاتك، لكن لأن السياق واضح خاصة مع الجملة الثانية ﴿أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾، إذا فهمنا أنه يريد أن يرى ذاته، فحذف المفعول به الثاني للإنجاز والاقتصاد.

ومن مقاصد الحذف تجنب الهجنة؛ أن يكون المفعول به لفظاً غير لبق، فيُحذف. والهدف من الحذف هنا ليس الاختصار بل تجنب هجنة التصريح به، يعني الشعور بالإحراج من أن تذكره، كقول عائشة رضي الله عنها -والحديث فيه ضعف-: «ما رأيتُ منه ولا رأى مني»، تقصد ماذا؟ العورة، يعني ما رأيت عورته ﷺ ولا رأى عورتي. طبعاً الحديث غير صحيح، لكن ما يهمنا هنا المثال، لماذا لم تذكر عائشة كلمة العورة؟ يعني استحت أن تذكر العورة في مقام النبي ﷺ، فقال لك افهموها وحدكم؛ فحذف المفعول وهو كلمة العورة تأدباً، وهذا جميل.

ومن مقاصد حذف المفعول به أيضاً مراعاة الفاصلة. الفاصلة في القرآن مثل السجع في النثر، لما يقول لك في القرآن مراعاة الفاصلة يعني مراعاة السجع، بس القرآن تأدباً لا نقول فيه سجع، نقول فيه فواصل وتكون على إيقاع صوتي معين، كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ [الضحى: 1-2]. لاحظ كل سورة الضحى فاصلتها، سجعتها باللغة الشعرية هي الألف: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 3]. لو ذُكر المفعول به هنا، أي لو قال: «ما ودعك ربك وما قلاك»، لأصبح الإيقاع الصوتي مكسوراً، لا يعود الإيقاع واحداً، فُحذف المفعول به «ما قال» و«ما قلاك» حتى لا يفسد الإيقاع الصوتي للآيات، هذا يسمى مراعاة الفاصلة. إذا قرأت في تفاسير العلماء ستجد هذا كثيراً خاصة عند الطاهر بن عاشور والزمخشري وغيرهما ممن يهتم بالتفسير البلاغي.

ثم قال: ومن مقاصد الحذف أيضاً إفادة العموم، وهذا مهم جداً خاصة في باب أصول الفقه، أن يُحذف المفعول به ويكون الغرض من الحذف هو إفادة العموم، يعني أن الفعل يتعلق بجميع أفراد المفعول به، فلذلك لم يحتج إلى التنصيص على فرد معين منها. انظر هذا المثال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25]. «يدعو» يأخذ مفعولاً به، يدعو الأنبياء؟ يدعو محمداً؟ زيداً؟ خالداً؟ لا، لما أراد العموم أنه يدعو كل إنسان إلى الجنة، قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾، والتقدير: والله يدعوكم جميعاً.

يدعوكم جميعًا. لماذا حذف المفعول به؟ حتى يشعرك بالتعميم أنه لا يختص هذا الدعاء بشخص دون شخص، كل إنسان على وجه الأرض والله يدعوه إلى دار السلام حتى يدخلها، فهناك من يستجيب لهذه الدعوة ويستقيم، وهناك من يعرض عنها وينشغل. نسأل الله أن يكون من أهل دار السلام.

انظر ماذا قرر السيوطي: "لكل أحد"؛ لماذا حُذف لإفادة العموم؟ ثم قال السيوطي: "وقولي ونحو ذا في أول الأبيات الآتية كخوف ذكره"؛ يعني له مقاصد أخرى لحذف المفعول به، منها ما سيأتي: "خوف ذكره"؛ أي أحذفه لأنني أخاف إذا ذكرته أن يتأذى أو يتعرض لضرر أو مسألة، كخوف ذكره. وتأتي الإنكار عند الحاجة.

مرت بعض الأفكار في حذف المسند إليه، لماذا المسند إليه؟ "خوفًا عليه" حتى أستطيع أن أجعد؛ لا، أنا ما ذكرت أحدًا وهكذا. نقرأ الأبيات سريعة نختم درس اليوم إن شاء الله حتى نعود إلى الأبيات ونشرحها.

قال: "أما الذي يحذفه وهو ما رُفع فلائقًا قدر يا طالب العلم". وفي هذا الغرض، أي في هذا النوع، ماذا يكون الغرض؟ واحد: الإبهام ثم البيان؛ ثم ذكر لك الفكرة ذاتها، مثل حذف الهمزة في "شاء" وترك الألف، وهذا قصر الممدود، ويسمى وجائز في الضرورة الشعرية؛ الإبهام ثم البيان. ما لم يكن التباسه مستوحشًا، يعني ما لم يكن المفعول به للفعل "شاء" غريبًا لا يمكن أن يُفهم المعنى، إذا حذف. ومر معنا المثال "بكاء الدم".

السبب الثاني: دفع أن يبتدر الذهن إلى غير المراد. وهذه الفكرة قضية دفع أن يبتدر الذهن إلى غير المراد؛ ما المقصود بها؟ الحصول على العناية، لأنه ذكرها مع "دفع أن يبتدر الذهن إلى غير المراد" و"اعتناء". هي حقيقة ذكر الاعتناء مع الدفع؛ إذا تذكرون في الشرح ذكر الاعتناء مع دفع الابتدار اعتناءً، لكنه هنا عطفها على بعضها البعض، فقال: "أو دفع أن يبتدي الذهن إلى غير المراد واعتناءً كمالًا بذكر الإيقاع له بعد على صريحة". يرحمك الله، صحيح أنا أظنني سبحان الله بدأت أفصل في النهاية، أدخلت شيئًا في شيء.

"دفع أن يبتدر الذهن إلى غير المراد"؛ هذه صورة، مثل "حززنا اللحمة إلى العظمى"، هذه صورة. "واعتناءً كمالًا بذكر الإيقاع له بعد على صريحة"؛ هذه النقطة الثالثة. النقطة الرابعة: الأدب مع العلا. النقطة الخامسة: الاختصار مع دليل قام له الاختصار بشرط أن يكون معلومًا. السادسة: الهجنة. السابعة: أن تراعى الفاصلة. الثامنة: إفادة العموم بالكلام، كقوله: ﴿يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: 25].

ثم قال: "أو نحو ذا" طبعًا في بداية الشطر الذي يليه، "أو كونه مقدمًا"، هذا التقديم عندي الستة والنصف، ما شاء الله، وقفنا عند السادسة والنصف، ونقف عند هذا القدر إن شاء الله، ونترك الباقي للمجلس القادم إن شاء الله. ننهي الباب الرابع ونشرح في الباب المتعلقات، باب سهل وقصير، ونشرع في باب القصر، وباب خطير: باب القصر، وباب الإنشاء، وباب الفصل والوصل. حقيقة هذه الأبواب فيها الدسومة، أكثر من غيرها.

نسأل الله التيسير، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.