الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقد فيه التعليق على ألفية عقود الجمان في علم المعاني والبيان للعلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى. وشرعنا في المجلس السابق في الباب الثاني من أبواب علم البيان، ألا وهو باب المجاز.
سماها السيوطي الحقيقة والمجاز، وذكر الحقيقة لأنها توطئة لفهم المجاز، وإلا فالمقصود كما قال السيوطي في شرحه المجاز؛ لأن به يحصل التباين والاختلاف في درجات الوضوح. علم البيان هو علم يعلمك كيف تورد المعنى بطرق مختلفة في درجة الوضوح، والمجاز هو الذي يعطي التباين في درجات الوضوح، لأن هناك مجازاً خفياً ومجازاً متوسطاً ومجازاً واضحاً، أما الحقيقة فهي لا يوجد فيها تفاوت فلا يظهر في استعمالها تباين. المجاز هو لوازم المعنى الحقيقي، وهل اللوازم في نفس الدرجة في الوضوح؟ لا، هي متباينة في درجات وضوحها وفي جمالياتها.
بعد أن عرفنا الحقيقة والمجاز وعرفنا الفرق بينهما، أخذ معنا هذا الموضوع تقريباً ساعة ونصفاً لوجود كثير من النقاط التي يجب أن تتضح، خاصة الفرق بين المجاز والكناية. ما الفرق بين المجاز والكناية؟ في المجاز أنت تقصد المعنى اللازم فقط ولا تقصد المعنى الحقيقي، بل أتيت بقرينة تدل على عدم إرادتك للمعنى الحقيقي. وأما الكناية، فأنت أردت المعنى اللازم مع صحة إرادة المعنى الحقيقي؛ هذا فرق جوهري يجب أن تفهمه بشكل دقيق بين الحقيقة والمجاز.
نشرع الآن في تقسيم المجاز، فنقول: المجاز بعد أن عرفنا مفهومه يقسمونه إلى قسمين في علم البلاغة، وهذا التقسيم يهتم به علماء البلاغة؛ يعني ليس من عمل الأصوليين أو أبواب أخرى، يقسمونه إلى مجاز مرسل وإلى مجاز استعارة. هذا التقسيم باعتبار العلاقة؛ هكذا تقول: ينقسم المجاز باعتبار العلاقة إلى مجاز مرسل وإلى مجاز استعارة.
مفهوم العلاقة أظنه وضح معكم في الدرس السابق، قلنا إن المعاني اللازمة لا بد من وجود علاقة تربطها بالمعاني الحقيقية وإلا لادعى كل شخص ما شاء من المعاني اللازمة وأصبحت الأمور فلتان. فكل معنى مجازي لا بد له علاقة تربطه بالمعنى الحقيقي، إما علاقة المشابهة، وإما علاقة السببية، وإما علاقة الآلية، وإما علاقة الكل والجزء أو ما شابه ذلك.
بناء على هذا كما قلنا ينقسم المجاز إلى مجاز مرسل ومجاز استعارة. التعريف سهل جداً: مجاز الاستعارة هو المجاز الذي علاقته المشابهة فقط، وأما إذا كان المعنى اللازم علاقته بالمعنى الحقيقي غير المشابهة من سائر العلاقات، فهذا يسمى مجازاً مرسلاً. إذا عرفت مجاز الاستعارة، فالباقي كله مجاز مرسل.
قال السيوطي: ثُمَّ المَجَازُ المُرْسَلُ العَلاقَهْ ... لا شَبَهٌ وَغَيْرُهُ اسْتِعَارَهْ
عرف لك المجاز المرسل والاستعارة في بيت واحد، قال لك: ثم المجاز المرسل العلاقة لا شبه، وغيره استعارة. إذا فهمت البيت ستعرف أن الاستعارة هي المجاز الذي علاقته المشابهة.
ثم قال: وغالباً تطلق في استعمال "اسم" -بمعنى الاسم، والاسم فيه عشر لغات في طريقة التلفظ به، ومنها "سُم"- أي في استعمال "اسم" مشبه به لمشبه. شرع الآن في الاستعارة وأراد أن يخبرك ما معنى الاستعارة وما أطرافها، ثم سيعود إلى المجاز المرسل، ثم سيعود إلى الاستعارة مرة أخرى فيتكلم في أنواعها؛ هذه طريقته.
لذلك قال: وغالباً تطلق الاستعارة ويراد بها استعمال اسم المشبه به للمشبه، يعني استعمال لفظ "الأسد" للرجل الشجاع؛ فاستعمال الأسد للرجل الشجاع هذا أبرز وأوضح مثال للاستعارة. دائماً تقول: "رأيت أسداً يخطب"، هذا استعارة، لأننا نقول: الأسد أريد بها الرجل الشجاع، وعلاقة الرجل الشجاع -وهو المعنى اللازم- بالمعنى الحقيقي للأسد -وهو الحيوان المفترس- هي المشابهة في صفة الشجاعة.
الاستعارة فعلياً، وبالاستقراء، هي أكثر أنواع المجاز؛ حوالي 80% من المجاز علاقته المشابهة. استعمال العلاقات الأخرى موجود طبعاً، لكنه ليس بكثرة استعمال المشابهة، لذلك تجد أكثر الكلام في الاستعارة وأنواعها وأشكالها، وأما المجاز المرسل فكأنهم يمرون عليه مرور الكرام.
دعونا نقرأ ماذا قال السيوطي في شرحه، قال: المجاز أقسام، منه المجاز العقلي، وهذا مر معنا كما قلنا في باب أحوال الإسناد الخبري، وهو أن يسند الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له. والنوع الثالث ما سماه السيوطي -لما ذكره صاحب الإيضاح والتبيان- المجاز الخالي عن الفائدة، قال: وهناك مجاز اسمه المجاز الخالي عن الفائدة، وهو أن يأتي اسم مقيد فتستعمله بدون قيده.
مثال ذلك استعمال "المرسن" في أنف الإنسان مجازاً، وهو موضوع لمعنى الأنف مع قيد أن يكون مرسناً؛ والمرسن هو الأنف الذي يكون فيه فتحه أو شيء لوضع الحبل، وهذا يكون في الدواب. المرسن هو اسم لأنف الدابة؛ لماذا يسمى أنف الدابة مرسناً؟ لأن هذا الأنف يوضع فيه ثقب من أجل إدخال حبل يوضع فيه اللجام أو الزمام أو ما شابه ذلك؛ فالمرسن هو أنف الحيوانات ليس أنف الإنسان في الأصل.
في بعض أشعار العرب وجدوهم يستعملون المرسن للتعبير عن أنف الإنسان، فقالوا هنا استعمل المرسن بمعنى الأنف مطلقا بدون قيد أن يكون مرسناً، فهمتم؟ لما تقول لي المرسن أطلقتها وأردت بها مطلق الأنف سواء كان مرسناً أو لا، فهذا يسمى استعمل اللفظ المقيد مطلقاً، قالوا هذا خالٍ عن الفائدة.
لكن حقيقة هذا ليس متفقاً عليه، إنما أخذه السيوطي من القزويني في الإيضاح ومن الطيبي في التبيان. البعض يقول: لا، هذا حقيقة يجب أن يدخل تحت صور المجاز المرسل ولا داعي لأن نجعل صورة مستقلة وحدها باسم المجاز الخالي عن الفائدة. أنا أميل أنه يُجعل من ضمن المجاز المرسل ونحاول أن نبحث عن علاقة تؤطره.
الآن عرفنا الأنواع، سينتقل السيوطي ليعطيك ما معنى الاستعارة فقال: فهي اللفظ المستعمل فيما شُبِّه بمعناه الأصلي لعلاقة المشابهة، كـ "أسد" في قولنا: "رأيت أسداً يرمي". وكثيراً ما تطلق الاستعارة على فعل المتكلم، وهو استعمال اسم المشبه به في المشبه، ويكون حينئذ بمعنى المصدر.
الاستعارة هي مصدر، والمصدر يدل على حدث، أي على فعل الفاعل كالضرب والأكل والشرب والنوم، فإذن حقيقة الاستعارة يجب أن تكون حدثاً، وهو استعمال المتكلم اللفظ المشبه به ويقصد به المشبه. فمثلاً لما قلت: "رأيت أسداً يخطب"، قلت هنا عملت استعارة، أي استعملت لفظ المشبه به وهو الأسد وقصدت به المشبه وهو الرجل الشجاع.
هناك قاعدة بدك تفهمها طبعاً، السيوطي ركز عليها، أنه حتى تفهم الاستعارة لازم أولاً تحولها لتشبيه. مشان هيك السيوطي في أول باب علم البيان طرح لنا مشكلة: هل التشبيه مقصود؟
لا يبحث في علم البيان لذاته، ولا يتحدث عنه البياني إلا لأنه وسيلة فقط لفهم الاستعارة. يتذكر هذا الزمن الجميل يا شيخ مالك؟ لما تكلمنا عن التشبيه، هل التشبيه يبحث في علم البيان باعتباره ركناً من أركانه؟ ولا التشبيه يبحث في علم البيان فقط لأنه به سنفهم الاستعارة؟ البعض قال: التشبيه ليس ركناً من أركان علم البيان، وإنما يبحث فقط لأنه توطئة لفهم الاستعارة. فأنت أصلاً حتى تفهم الاستعارة في أي بيت شعري، أو في أي حديث نبوي، أو في أي آية قرآنية، لازم تعمل شيئاً: تحول الاستعارة إلى تشبيه، تعرف أين المشبه وأين المشبه به، ثم بعد ذلك تترجم أمامك الاستعارة.
فلما قلت: رأيت أسداً يخطب، فعلياً حلل الاستعارة لتشبيه؛ ماذا تقول؟ أصلها: رأيت إنساناً شجاعاً كالأسد يخطب. هكذا أصلها؛ إذاً أصله تشبيه: رأيت إنساناً شجاعاً كالأسد يخطب. حذفت المشبه، وحذفت أداة التشبيه، وخليت فقط كلمة أسد. لكن ركزوا معي، لما كانت رأيت إنساناً شجاعاً كالأسد يخطب، وبين رأيت أسداً يخطب، الآن ما الفرق بين التشبيه والاستعارة؟ وهذه لازم تفهمها.
في التشبيه ذكرت الطرفين، في الاستعارة ذكرت المشبه به، وأريد أن أركز في التشبيه لما قلت: رأيت إنساناً شجاعاً كالأسد، الأسد ما معناها هنا؟ المعنى الحقيقي الحيوان المفترس. أما في الاستعارة لما قلت: رأيت أسداً يخطب، أسداً هنا ما معناها؟ ليس المعنى الحقيقي، هنا أصبح المعنى المجازي، وهو الرجل الشجاع. إذاً في التشبيه لا يوجد عندي مجاز، في التشبيه عندي مشبه على معناه الحقيقي، شبهته بالمشبه به على معناه الحقيقي، وعندي أداة التشبيه. وأما في الاستعارة فالموضوع مختلف، أصبح المشبه به أطلقته وأردت به المشبه.
أنت حتى تحول التشبيه إلى استعارة، ماذا تفعل يا مالك؟ تحذف أولاً المشبه، الإنسان الشجاع، ثم تقول المشبه به وهو الأسد، سأنقل من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي، وهو المشبه. فأنت أصبحت الأسد، كان معناه الحيوان المفترس، حتى تصبح استعارة حذفت المشبه، وأطلقت الأسد بمعنى المشبه، فنتجت عندي الاستعارة. إذاً ما هي الاستعارة؟ نرجع لتعريفها: استعمال لفظ المشبه به، وهو الأسد، وأقصد به المشبه لوجود علاقة المشابهة.
طبعاً برضه من باب إيضاح أكثر، العلاقة في الاستعارة هي وجه الشبه في التشبيه. نحن في التشبيه كان عندنا أركان: مشبه، ومشبه به، ووجه الشبه، وأداة التشبيه. في الاستعارة عندك مشبه ومشبه به، بس المشبه انحذف، وأطلقت المشبه به وعبرت به عن المشبه. العلاقة هي ما نستطيع أن نقول هي وجه الشبه، ممكن ينتقد هذا علي أن وجه الشبه أدق قليلاً من العلاقة، لأن العلاقة هي المشابهة عموماً، ووجه الشبه هو أن تحدد ما هو الوجه الذي حصلت به المشابهة بالتحديد، والبعض ممكن يسامحني فيها ويتجاوز لي فيها، لكن أنا أشعر إذا قلت العلاقة في الاستعارة تقابل وجه الشبه في التشبيه تساعدنا على ترتيب الأفكار.
المهم، نحن أصلاً ما كان موضوعنا؟ ما معنى كلام السيوطي أن الاستعارة لها تعريفان؟ إذاً الاستعارة حقيقة يجب أن تعرف هكذا: الاستعارة هي الاستعمال. البعض وهذا كثير شائع في كتب البلاغة يقول: الاستعارة بالمعنى الأول الذي ذكره السيوطي، ماذا قال السيوطي في تعريفها؟ قال: الاستعارة هي اللفظ المستعمل فيما شُبِّه بمعناه الأصلي لعلاقة المشابهة. البعض عرف الاستعارة كيف يا مشايخنا؟ قالوا: الاستعارة هي اللفظ المستعمل في المشبه لعلاقة المشابهة. هنا على التعريف الثاني أطلقوا الاستعارة على نفس اللفظ المستعار، أما على التعريف الأول أطلقوا الاستعارة على عملية نقل الأسد من معنى المشبه به إلى المشبه. وأنت ستقول لي ليست هذه القصة يا شيخ، بس هم يدققون قليلاً في هذه الأمور، قال: الاستعارة هل هي العملية التي يسمونها فعل المتكلم؟ هل هي العملية، ولا الاستعارة هي اللفظ الذي كان للمشبه به وأعطيته الآن للمشبه لوجود العلاقة؟
البعض يقول لك يجوز أن تُعرف هكذا ويجوز أن تُعرف هكذا، لكن الحقيقة هو هذا الأول، لأن الاستعارة مصدر، إذاً ينبغي أن تفسر بمصدر، أما تقول الاستعارة اللفظ، فلا. هي فعلياً لو أردت أن تدقق، الاستعارة ليست هي اللفظ، الاستعارة هي استعمال المتكلم لهذا اللفظ في معنى المشبه، هذه حقيقتها. أما أن تقول الاستعارة هي اللفظ، فهذا بعيد، لكنهم يتجوزون في مثل هذه الأمور فيقولون الاستعارة هي نفس اللفظ الذي نقلته من المشبه به إلى المشبه. هذا الذي أراد السيوطي رحمه الله أن يناقشه هنا لما قال: فهي اللفظ المستعمل فيما شُبِّه بمعناه الأصلي لعلاقة المشابهة، كقولك الأسد في قولنا: رأيت أسداً يرمي، فالأسد هو لفظ استعمل ليس في معناه الحقيقي المشبه به، بل نُقل إلى معنى المشبه.
وكثيراً ما تُطلق الاستعارة على فعل المتكلم، أي عملية الاستعمال، كما ذكرت لكم هنا: أي استعمال اسم المشبه به في المشبه لعلاقة المشابهة. ويكون إذا قلت الاستعارة هي استعمال المتكلم اللفظ، فإذن هنا أنت تكون أطلقت الاستعارة على معناها المصدري، الذي هو المعنى الظاهر الحقيقي لها، ويكون حينئذ بمعنى المصدر. أما إذا قلت الاستعارة هي اللفظ، فالحقيقة اللفظ سياتي معنا اللفظ ليس الاستعارة، اللفظ هو المستعار، لكن أنت إذا قلت الاستعارة هي اللفظ، نقول أطلق الاستعارة وأراد بها المستعار، وهذا نوع أصلاً من المجاز. إذا قلت الاستعارة هي اللفظ لو أنا أردت أن أتماشى معك، أنت فعلياً أطلقت الاستعارة وأردت بها المستعار.
خلونا على المعنى الأول، ما رأيكم أن الاستعارة هي الاستعمال؟ لأن هذا هو المعنى الحقيقي. قال: والطرفان حينئذ، يعني إذا قلنا الاستعارة هي استعمال المتكلم، فقوله: والطرفان حينئذ، ما معنى حينئذ؟ أي والطرفان بناءً على التعريف الثاني للاستعارة. إذا قلنا الاستعارة هي الاستعمال، فبناءً على هذا ماذا ستكون الأطراف؟ نحن في باب التشبيه ماذا عرفت التشبيه؟ الحاق المشبه بالمشبه به. التشبيه مصدر، فلما شرحته وعرفته قلت: التشبيه إلحاق. طب الاستعارة نفس الشيء مصدر، إذاً الأصل تقول الاستعارة استعمال، لما كنا نقول التشبيه إلحاق به بالمشبه، إذاً ما أطراف التشبيه؟ ستكون مشبه ومشبه به، صح.
نفس الشيء هنا، إذا قلنا الاستعارة هي استعمال المتكلم اللفظ المشبه به ويقصد به المشبه، إذاً ما أطراف الاستعارة؟ هذا ما سيشرح الآن، فقال: والطرفان حينئذ، أي المشبه به والمشبه، يصبح اسمهما ويتحول اسمهما إلى ماذا: مستعار منه ومستعار له. فإذاً أطرافها: المستعار منه، اللي هو، اكتب تحته المشبه به حتى تعرف ما المستعار منه، والمستعار له اللي هو المشبه. تمام، بس بدي إياك تركز، لما نقول المستعار منه، لما نقول هو المشبه به، هل المراد المشبه به باعتبار اللفظ ولا باعتبار المعنى؟ أحسنت، لما نقول المستعار منه هو المعنى المشبه به، وهو الحيوان المفترس، والمستعار له هو المشبه اللي هو الرجل الشجاع، والمستعار بدون شيء، بدون منه ولا له، اللي هو نستطيع أن نقول هنا: والمستعار هو لفظ المشبه به.
ركز معي الآن، أنا عندي كلمة أسد، أسد ما معناها الحقيقي؟ حيوان مفترس، وما معناها المجازي؟ رجل شجاع. المستعار منه هو هذا المعنى الحقيقي، والمستعار له هو المعنى المجازي، والمستعار هو اللفظ الموضوع للمعنى الحقيقي. فأنت فعلياً عندك ثلاثة أركان لو أردت أن تفصلها، أنا استعرت، فكأنك استعرت لفظ الأسد. هكذا جئت للمعنى الحقيقي الذي هو الحيوان المفترس، قلت له: يا أيها المعنى الحقيقي، هل تسمح لي أن أستعير اللفظة الموضوعة لك لأستعملها في المعنى المجازي؟ بدك تتخيلها بهذه القصة، جئت على المعنى الحقيقي اللي هو الحيوان المفترس، فقلت له: يا أيها المعنى الحقيقي، هل تسمح لي أن أستعير اللفظة الموضوعة لك من أجل أن أستعملها في المعنى المجازي وهو الرجل الشجاع؟ فالمعنى الحقيقي قال لك: توكل على الله يا شيخ مالك، خذ اللفظة.
إذاً المستعار منه، فلو سألتك: أنت استعرت ممن؟ رحت على من واستعرت منه؟ رحت على المعنى الحقيقي، وكلمة المشبه به تشمل اللفظ والمعنى، فأنا بدي أدقق أكثر، المعنى رحت على المعنى وهو الحيوان المفترس، استعرت منه، شو أخذت منه؟ قلت له: أعطني لفظتك، أعطني لفظتك الموضوعة لك، وهي كلمة أسد، بدي أروح أستعملها في معنى ثاني اللي هو المعنى المجازي، الرجل الشجاع. فهمت لماذا سُمي المعنى الحقيقي مستعاراً منه؟ كأنك رحت على عمر وقلت له: أريد أن أستعير منك شيئاً أريد أن أستعمله لشيء ثانٍ، فأنت أعطيتني هذا الشيء، إذاً في واحد عم يعطي، من الذي عم يعطي؟ المعنى الحقيقي هو عم يعطيك اللفظة بتاعته، عشان هيك سُمي مستعاراً منه، وأعطاك إياها وأنت رحت استعملتها في الشيء الذي تريده اللي هو المعنى المجازي، فهذاك مستعار له، هكذا القصة باختصار.
لذلك قال: والطرفان حينئذ، أي المشبه به والمشبه، المشبه به يُسمى مستعاراً منه، بس بدك تكتب تحتها باعتبار معناه، والمستعار له هو المشبه، واللفظ اللي هو زي ما حكيت لكم، ولفظ المشبه به إيش اسمه؟ مستعار، بدون لا منه ولا له، خلص هو الشيء الذي استعرته. إذاً فعلياً كم ركن عندنا؟ ثلاثة، مستعار منه المعنى الحقيقي، بدي أكتب المشبه به لأن كلمة مشبه به ستعمل لكم توتر، نكتب المستعار منه المعنى الحقيقي، المستعار تكتب عنده: اللفظ الموضوع للمعنى الحقيقي، والمستعار له هو المعنى المجازي اللي هو المشبه. تمام، واضحة أكثر من كذا، ما فيش مجال توضح.
هكذا نكون انتهينا من تعريف الاستعارة، سنرجع الآن للمجاز المرسل. إذاً سريعا نقرأ الأبيات، قال: ثم المجاز المرسل، العلاقة لشبه وغيره استعارة. الآن شرح الاستعارة قال: وغالباً يطلق، لماذا ما قال وغالباً تطلق؟ لأن الاستعارة مؤنث. لماذا قال وغالباً يطلق؟ لأنه قصد لفظ الاستعارة، فلذلك أتى بالياء وليس بالتاء باعتبار اللفظ. أي وغالباً ما يطلق لفظ الاستعارة في استعمال اسم المشبه به للمشبه، لاحظ أنه في المنظومة اعتمد أي تعريف؟ تعريف الاستعارة بمعناها المصدري، الاستعارة هي الاستعمال وليس المعنى الأول، أو التعريف الذي ذكره هو ابتداءً أن الاستعارة هي اللفظ. فلذلك قال: وغالباً يطلق مصطلح الاستعارة ويقصد به استعمال اسم المشبه به للمشبه.
ثم قال: فالطرفان بناءً على هذا التعريف، فالطرفان ماذا يقال لهما؟ المستعار منه، والثاني ماذا يقول له؟ طبعاً هو جمعهم بكلمة واحدة، فالطرفان المستعار منه له، يعني فالطرفان المستعار منه، والثاني المستعار له، ريح حاله. وأما اللفظ فقال: والمستعار اللفظ، ها فالطرفان المستعار منه له، وأما اللفظ فهو المستعار، خلص لك موضوع الاستعارة، وعرّف لك إياها، ثم انتقل الآن للمجاز المرسل، فقال: ثم المرسلة. يعني أما المجاز المرسل نحن قلنا شو المجاز المرسل؟ كل مجاز علاقته ليست المشابهة. نأخذ أمثلة، دعونا نشوف أمثلة على العلاقات.
قال: ومثال المرسل، الآن سنشرح في المجاز المرسل، قال: كإطلاق لفظ اليد وإرادتنا، بلشت الأشعرية تأتي بأنيابها في كلام السيوطي رحمه الله عليه، قال: كإطلاق لفظ اليد وإرادة النعمة والقدرة، وأصلها الجارحة، بقول لك: يلا تعالوا نبدأ فيهم واحدة واحدة، اليد شو معناها الحقيقي؟ الجارحة، طبعاً أنا لا أوافق على هذا الكلام أن هذا هم يريدون أن يوصلوا فيه لعقيدتهم الأشعرية أنه إذا يد الله إيش هي؟ جارحة، وهذا الله يوصف بالجوارح، يعني تبلش الدربكة التي هم عادة الأشاعرة سلفوا فيها، هو قال لك الجارحة المعنى الحقيقي، فإذا أطلقت اليد وأردت بها المعنى المجازي وهو ماذا؟ النعمة أو القدرة. هسا شوفوا، أنا ما عندي مشكلة أن اليد معناها المجاز النعمة أو القدرة، هذا وارد عند العرب، لكن أنا مشكلتي أنك أسقطت هذا على القرآن في نصوص واضحة أن المراد باليد معناها الحقيقي، نحن هنا مشكلتنا، الكناية، المعنى الحقيقي واللازم، لا أنت قصدك في الكناية لا يضبط لأنه الكناية يكون المعنى.
اللازم هو المراد بالدرجة الأولى، والمعنى الحقيقي مهمش؛ لكن في أشياء لا، خلقه بيده، وليس خلقه بيده بيده ما في داعي نقعد نقول اليد هي القدرة والنعمة والخرابيط هذه. عموما هو إذا بيقول لك اليد، فماذا معناها؟ الحقيقة الجارحة، ومعناها المجازي النعمة. الآن شو العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي؟ مش في علاقة لازم؟ لازم ما تكون المشابهة، لازم ما تكون المشابهة، خل نمشي معه. قال: قالوا كاطلاق اليد في النعمة والقدرة، وأصلها الجارحة. لماذا؟ وما العلاقة بينهما؟ قال: لأن النعمة منها تصدر، والقدرة بها تكون حقيقة. أنا شفت السيوطي شوي هنا؛ يعني سيذكر علاقة الآلة بعد قليل، لكنه جعل العلاقة هنا علاقة أن اليد هي مصدر النعمة، وأن بها تكون القدرة حقيقة. أنا لا أرى هذا يخرج عن كون العلاقة هي الآلية، وإن هو حاول يعملها علاقة أخرى منفصلة؛ لكن هي حقيقة هي الآلية، يعني ما فيش داعي أن نصنع علاقة جديدة، فأنا من عندي راح أقول لكم هي الآلية.
ها العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي هي ماذا؟ الآلية. شو يعني الآلية؟ أن المعنى الحقيقي -وهو الجارحة- آلة لتنفيذ المعنى المجازي، وهو النعم والقدرة وفعل الأشياء في الحياة؛ فهذا معنى أن العلاقة هي الآلية، أن المعنى الحقيقي آلة بها يتم تنفيذ المعنى المجازي. وقس على ذلك كل آلة أطلقتها وأردت بها المفعول بها؛ مثلاً فرضاً قلت: المشط، وقصدت بالمشط ترتيب الشعر. أطلقت المشط وأردت به مش الآلة، ترتيب الشعر، هذا بصير؟ أطلق المشط وأراد تصفيف الشعر، نقول: ما العلاقة بين المعنى المجازي لكلمة المشط، وهو تصفيف الشعر، وبين المعنى الحقيقي لكلمة المشط، وهو الآلة التي لها أسنان؟ أن المعنى الحقيقي هو آلة لتنفيذ المعنى المجازي، وقس على ذلك، فهمت؟ فهذه إحدى العلاقات الواردة. طبعاً كل هذه العلاقات ثابتة عن العرب، ولا مجال للاجتهاد في علاقة جديدة، هذه اكتبوها، لو شخص قال يا شيخ بصير أستحدث أي علاقة جديدة بين معاني حقيقية ومجازية؟ الصحيح لا، وإلا لو استحدثنا لفتحنا باب اللغة.
قال: ومن استعمال اليد بمعنى النعمة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً». أطلق اليد هنا النبي صلى الله عليه وسلم وأراد الإنفاق والعطاء؛ إطلاق اليد بمعنى الإنعام والعطاء، هذا حقيقة مجاز علاقته الآلية. هذا الذي يظهر لي ما في داعي يكون أنها علاقة أخرى منفصلة، وإن كان السيوطي ظاهر أمره أنه يجعلها معنى أو علاقة أخرى، لكن لا يظهر لي إلا أنها الآلية.
ومنه أيضاً، الآن هذا في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10]، شوفوا في هذه الآية بالتحديد حقيقة في نقاش؛ يعني إذا شخص أثبت لله صفة اليد على طريقة أهل السنة والجماعة، لكن جاء إلى آية يحتمل من قرائن أن اليد فيها بالمعنى المجازي، ترى أنا ما عندي مشكلة؛ لأنه أيضاً بعض إخواننا من أهل السنة والجماعة يصل لدرجة بسميها أنا الغلو في الإثبات، فيأتي إلى آيات حقيقة المعنى المجازي فيها قوي، ومباينة الآية على المعنى الحقيقي، يظن بذلك أنه يحمي عقيدة أهل السنة والجماعة. لا، شوفوا الإنسان بده يكون مرن ويفهم أن هذه قواعد نحن نسير عليها، القضية مش تشنجات فكرية، القضية علم صح. بالتالي أنا كإنسان ثبت لي أن الله متصف باليد، أنا أثبت عقيدة أهل السنة والجماعة، لو جاءت عندك بعض الآيات يحتمل فيها حقيقة أن تكون اليد ليس المراد بها المعنى الحقيقي، وإنما المراد بها معنى القدرة أو الإنعام؛ لو جاء بعض الآيات فيها هذا أنا ما عندي مشكلة، بس بشرط أنك تكون القرينة من داخل النص؛ يعني النص هو بيحكي لي أن اليد بمعنى القدرة، مش لأن الفلسفة الإغريقية بتحكي أن الله لا يجوز يوصف باليد؛ فرق هائل بين هذا وهذا. وللأسف بعض شباب أهل السنة وأهل الحديث ترى لا يعون هذا الكلام فيوقع نفسه في مضائق أمور مخجلة، ولا يستطيع الإجابة عنها؛ لأن هو يتعسف أيضاً في تكليف النص ما لا يحتمل من أجل ينصر عقيدة أهل السنة. لا، وأنت بدك تكون فاهم قواعد اللغة حتى تدافع عن عقيدة أهل السنة، وتدرك الفرق بين المجاز اللغوي والمجاز الفلسفي؛ أنا بسميه الأشاعرة المجاز الذي عندهم مجاز فلسفي؛ لأن القرينة كلها الفلسفة، كل مجازهم مبنية على الفلسفة، أما عند أهل السنة ما عندي مشكلة.
مثلاً في هذه الآية: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، لو أن شخصاً من أهل السنة قال المراد باليد يد الله، ليس المراد حقيقة أن يد الله فوق أيدي المبايعين تحت الشجرة، وإنما المراد تأكيد العهد أو أن قدرة الله فوق قدرهم، أو عبارة من هذه العبارات المجازية، حقيقة ما عندي مشكلة، ولا أعتبر هذا أنه خالف طريقة أهل السنة والجماعة؛ لا، ما أنت اهدأ شوي. إذا هو مثبت لصفة اليد، لكن النص نفسه يحتمل معنى مجازياً، يعني تشعر أنه فيه إشارة؛ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، كان الله يقول أنا فوقكم مطلع عليكم، فذكر اليد هنا هل مراد به أن اليد حقيقة يد الله فوق أيديهم؟ أنا أرى أن هذا نوعاً ما فيه بعد، وأن المراد تأكيد هذه البيعة وشهود الله لها. في حدا عنده مثلاً نقاش في هذا الموضوع لو أننا حملنا الآية على هذه الفكرة وليس المراد اليد حقيقة؟ لأنه بعض المشايخ الأفاضل الشيخ ابن عثيمين وغيره بيقول لك: لا، اليد حقيقة هنا، المراد أن يد الله حقيقة فوق أيديهم، يقول لك: لا مانع من هذا. هو تمام لا مانع من هذا، لكن هل النص بمعناه البلاغي والسياق يقصد هذا؟ أنا هذا النقاش فيه، هل النص بمعناه السياقي والبلاغي يقصد هذا؟ إيش رأيك شيخ عمر؟ متحقق الله فوقية، لكن ليس هذا المراد.
نعم، هم يقولون إنه حتى لو أردت المعنى المجازي هكذا يقولون، فهذا يدل على أن المعنى الحقيقي ثابت تلقائياً. أنا ما عندي مشكلة في هذا الكلام، لكن سؤالي هل اليد هنا أراد بها المعنى الحقيقي؟ هذا النقاش الذي بدي إياك أنت تفهمه، وأنني بس فقط أريد أن أعلمك كونك على طريقة أهل السنة والجماعة لا يعني هذا أنه كل نص وردت فيه هذه الألفاظ وأنت رأيت أن سياقه يدل على فكرة أخرى ليس مراد المعنى الحقيقي؛ أنه إذا أنا فهمت على المعنى المجازي أنك خرجت عن الجادة، هذا معنى غير صحيح، وللأسف يرسخ، وترسيخه ترى عند المعاصرين بهذه الصورة، وليست عفواً طريقة ابن تيمية وابن القيم وما شابه ذلك. هم يدركون أنه إذا الإنسان أثبت أصل الصفة لورودها في نصوص قطعية تدل على ثبوتها، فما بعد ذلك يصبح نقاشاً لغوياً، أنه هل النص يحتمل ذلك ولا لا؟ وانتهينا بدون ما يكون عندك تشنج أنه لا إذا أنا حكيت هيك معناته خرجت عن طريق أهل السنة والجماعة. هذا ليس بصحيح، فقط هذه فائدة سريعة.
قال مثلاً هذه علاقة الآلية، ثم قال: العلاقة الثانية استعمال الجزء وإرادة الكل، علاقة الجزئية والكلية من العلاقات التي تربط بين المعاني الحقيقية والمجاز، يعني إطلاق الجزء وإرادة الكل هذا كثير، وهذا كثير. بس هنا في فكرة أشار إليها، وأظن أن الوقت داهمنا حقيقة، أقف عند هذا القدر، وحتى لأن هذه الفكرة تحتاج إلى شرح، نشرحها في المجلس القادم، ونشرحها إن شاء الله في درس المعلقات، وصلى الله على سيدنا محمد.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل