بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى. حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد بنا في التعليق على ألفية عقود الجمان في علم المعاني والبيان للعلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى، وهو نظم لكتاب التلخيص للعلامة القزويني، وهو أهم كتاب في علم البلاغة عند المتأخرين.
وقد انتهى بنا الحديث في باب الحقيقة والمجاز إلى تقسيم المجاز إلى مجاز مرسل ومجاز استعارة، وعرفنا الفرق بينهما. دعونا نعرف مجاز الاستعارة لأنه أسهل، هو المجاز الذي تكون العلاقة فيه بين المعنى اللازم والمعنى الملزوم المشابهة. وأما إذا كانت العلاقة بين المعنى اللازم والمعنى الملزوم غير الاستعارة من العلاقات الأخرى فهذا يسمى المجاز المرسل. وهنا وصلنا إلى قول الناظم في بيان أمثلة المجاز المرسل: كاليد في القدرة، والتسمية بالجزء أو بالكل أو بالآلة أو سبب مسبب حال محل مجاور آلة عنه انتقل.
وصلنا عند بيان أنواع العلاقات في المجاز المرسل. ذكرنا النوع الأول: كاليد في القدرة، فأطلق اليد على القدرة؛ وهذه العلاقة لا تخرج عن كونها ما يسمى بعلاقة الآلة، فلا داعي لأن تفصل عنها لأنه سيذكر علاقة الآلة بعد قليل في النظم. المثال الثاني: كإطلاق الجزء في الكل، من أنواع العلاقات في المجاز المرسل أن تطلق الجزء وتريد الكل. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: 19]. قال العلماء: بالتأكيد هم لم يدخلوا كل الإصبع في الأذن؛ لأن كامل الإصبع لا يسع داخل الأذن، وإنما المراد أنهم أدخلوا الأنامل. هذا مثال على إطلاق الكل وإرادة الجزء.
أما إطلاق الجزء وإرادة الكل فأمثلته كثيرة، من أمثلته أن يطلق السجود ويراد به الصلاة، أو الركوع ويراد به الصلاة، كما قال سبحانه وتعالى لبني إسرائيل: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]، أي صلوا مع المصلين. فاطلق الركوع وأراد الصلاة به، أو أطلق السجود وأراد الصلاة به؛ هذا ما يسمى إطلاق الجزء وإرادة الكل.
وهنا سؤال: هل يجوز أن أطلق أي جزء من أجزاء الشيء وأريد به الكل؟ لا، هذا مهم أن تفهمه. لا يجوز أن أطلق أي جزء وأريد به الكل؛ الجزء الذي تطلقه وتريد به الكل لا بد وأن يكون جزءاً أساسياً من الكل لا يصلح الاستغناء عنه. لذلك قال في الشرح: "وكإطلاق الجزء في الكل إذا كان له مزيد اختصاص بالمعنى الذي قصد بالكل"، يعني يكون هذا الجزء له مزية اختصاصية عالية بهذا الكل، فهو ليس كأي جزء آخر. كإطلاق العين على الربيئة، والربيئة هو الجاسوس. لماذا يسمى عين؟ لأنه أهم شيء في الجاسوس عينه؛ هل أحد يرسل جاسوساً أعمى؟ ما في أحد يرسل جاسوساً أعمى. فالجزء الأهم في الجاسوس ليس يده ولا رجله، لذلك هل سمعت أحداً يسمي الجاسوس يداً؟ لا، لأنه أهم جزء هو العين حتى يتجسس بها، فتطلق العين ويراد بها كل الجاسوس.
ومثل له القزويني في شرحه "الإيضاح" بقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: 2]. ما الشاهد فيه؟ أطلق القيام وأراد الصلاة، والقيام جزء من الصلاة. لماذا ذكره؟ لأنه جزء أساسي في الصلاة لا يستغنى عنه.
وعكسه الآن: أن أطلق الكل وأريد الجزء، وهي علاقة أخرى. ومثلنا لهذا بقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، أطلق الكل وهو الإصبع وأراد جزأه وهي الأنملة؛ لأن الذي يدخل في الأذن هي فقط الأنامل. ومثل قول مسلم بن الحجاج: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، أطلق الصلاة وأراد الفاتحة. شوف أهمية إدراك المجاز، بدونها لن تفهم الكتاب والسنة ولن تدرك معاني الألفاظ. كثير من الناس يقول لك: ما معنى قسمت الصلاة؟ هل يعني الركوع والسجود؟ لا، هو أطلق الصلاة ككل وأراد الفاتحة كجزء؛ لأن أهم شيء في الصلاة أيضاً الفاتحة.
والعلاقة التي تليها هي تسمية الشيء باسم آله، نحو قوله تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84]. سيدنا إبراهيم ماذا دعا الله؟ قال: يا رب اجعل لي لسان صدق. ما معنى اجعل لي لسان صدق؟ قال المفسرون: الثناء؛ أي اجعل لي ثناءً حسناً بين الناس. لماذا عبر عن الثناء باللسان؟ لأن اللسان آلته.
العلاقة التي تليها السببية، نحو قولك: رعيت الغيث. أنت لا ترعى الغيث، بل ترعى النبات الذي يخرجه الغيث، فهنا أطلق الغيث وأراد النبات؛ فالعلاقة السببية؛ لأن الغيث سبب في خروج النبات. والعكس العلاقة التي تليها المسببية، وهي أن تطلق النتيجة وتريد السبب، كقولك: أمطرت السماء نباتاً. هل السماء تمطر نباتاً؟ نقول: أطلق النبات وهو النتيجة وأراد به السبب وهو المطر.
العلاقة التي تليها أن تطلق الحال في المكان وتريد المحل، أي المكان، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 107]، أطلق الرحمة وأراد بها الجنة؛ لأن الرحمة تحل في الجنة، فهو من باب إطلاق اسم الحال في المكان وإرادة نفس المكان.
أو العكس، أن تطلق المحل وتقصد الحال فيه، ومثل له بقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: 17]. النادي هو المكان، المجلس الذي يلتقي فيه الأصدقاء. هل أراد الله المعنى الحقيقي فليدعُ المجلس؟ لا، أراد فليدعُ الذين يحلون في المجلس. فأطلق النادي وهو المكان وأراد الحالين فيه وهم الجلساء.
العلاقة التي تليها علاقة المجاورة، وهذه كثيرة في اللغة، كإطلاق الراوية على المزادة، وهي في الحقيقة للبعير. ثم بعد ذلك أصبحوا يطلقون الراوية على المزادة والجرة التي توضع فوق ظهر البعير، لعلاقة المجاورة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي. كذلك الغائط؛ الغائط هو في الحقيقة المكان المنخفض من الأرض، ثم أصبح يطلق مجازاً على الخارج من الإنسان، لماذا؟ لعلاقة المجاورة، لأن العرب كانت في العادة إذا أرادت قضاء حاجتها تذهب إلى المكان المنخفض، فقضاء الحاجة والمكان المنخفض بينهما مجاورة.
أيضاً من العلاقات إطلاق الشيء وإرادة ما يؤول إليه، أن تطلق الشيء ولا تقصده هو بل تقصد ما يؤول إليه في المستقبل، كقول صاحب السجن: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: 36]. أطلق الخمر وأراد العنب الذي يعصر ليصبح خمراً، فالعنب هو الأصل، والخمر هو ما يؤول إليه الشيء.
أو العكس، أن تطلق الشيء قبل مآله وتريد به مآله، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]. اليتيم إنما يطلق على الشخص قبل البلوغ، فإذا بلغ لا يسمى يتيماً. إذاً لماذا قال آتوا اليتامى أموالهم؟ لأنه عندما يعطى المال يكون قد بلغ، فسمى البالغ يتيماً باعتبار ما كان عليه قبل البلوغ.
اليتيم لا يعطى ماله حتى يصبح غير يتيم، حتى يزول عنه اسم اليتم. فلما قال ربنا: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]؛ إذاً بالتاكيد هنا اليتامى مجاز، أطلق اليتامى وأراد به البالغين الذين تجاوزوا سن اليتم. أطلق لأنه قال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾؛ طب في الشريعة اليتيم لا يعطى ماله، فكيف ربنا يقول: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾؟ نقول هنا مجاز، أطلق اليتيم وأراد البالغ الذي زال عنه اسم اليتم. طيب لماذا سماه يتيماً باعتبار ما كان عليه؟ أي كيف سمى البالغ الذي زال عنه اليتم يتيماً؟ نقول باعتبار ما كان عليه.
سؤال سريع: لماذا ما أتى بالمعنى الحقيقي؟ لو أردت التأمل في الآية، لماذا ربنا استعمل المجاز هنا؟ لماذا ما قال: وآتوا البالغين الذين زال عنهم اليتم أموالهم؟ لماذا قال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ مع أنه عرفنا أن كلمة اليتيم هنا مجاز وأن المراد من بلغ وزال عنه؟ أحسنت، جميل، حتى يجعل نوعاً من الشفقة والحرص أن يعطوا أموالهم؛ لأنك لما تسمع ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ كلمة اليتيم تجعل الإنسان الولي يتقي الله في هذا المال ولا يتلاعب به ويؤديه كاملاً، ففيها حث على الإعطاء. فهذه ملحظ يجب أن ينبه عليه.
هذه عشر علاقات، إذاً كم علاقة إلى الآن درسنا؟ عشرة. في كتب البلاغة المطولة، وكذلك في كتب أصول الفقه، يوصلونها إلى 25 والبعض إلى 30 علاقة، لكن هذه العلاقات العشر هي الأكثر انتشاراً حقيقة. نعود نقراها مرة أخرى من المنظومة: كاليد في القدرة، والتسمية بالجزء. هؤلاء مع بعض: كاليد في القدرة، والتسمية بالجزء، هي اثنتان، أو بالكل؛ يعني أن تسمي الشيء باسم جزئه أو أن تسمي الشيء باسم كله، هذا معنى والتسمية بالجزء. إذاً: كاليد في القدرة، والتسمية بالجزء، أو بالكل، أو بالآلة، أو سبب، مسبب، حال، محل، مجاور، آلة، هكذا عشرة.
فعلاً كلامك صحيح، في المنظومة أحد عشر؛ فلماذا لم يعد "كاليد في القدرة"؟ هل يمكن أن يكون هو مشى معنا أنه خلص إطلاق اليد على القدرة من قبيل الآلة؟ أقول هذا منطقي وسليم، وبالتالي على طريقتنا التي ذكرناها ستكون عشرة، واليد في القدرة ندخلها في قضية الآلة، والله تعالى أجل وأعلم. هكذا نكون انتهينا من المجاز المرسل.
تفضل، بالنسبة لمسألة اليد: ما القرينة؟ مثل: في أيديهم، على اعتبار الحقيقي كنا لحوقاً بالنص نفسه؛ لأنهم حتى قيل في بعض الروايات أن نساء المؤمنين لما سمعوا أطولكن يداً صارت كل واحدة تقيس يدها، لكنهم لما عرفوا أن زينب بنت جحش ماتت رضوان الله عليها ولم تكن أطول يداً، عرفوا أن المراد المعنى المجازي. ومر معنا قضية "اقطع لسانها" لما الخنساء أنشدت الحجاج فقال: اقطع لسانها، فأراد خادم الحجاج أن يذهب يقطع لسانها فعلاً، فقالت له: يرحم والديه، ترى هو قصد ماذا؟ أعطني المكافأة. فهنا السياق هو الذي يحكم، فالسياق هو الذي يحكم، فلذلك ما عندنا مشكلة أن أختلف أنا وإياك في هل أراد المعنى الحقيقي أو المجازي؛ لأن فهمي للسياق قد يختلف عن فهمك، وهكذا اختلفت مدارك العلماء في الفهم والتفسير.
اختلاف المدارك في قضية فهم المجازات وأنواع المجازات وهذا الكلام على حقيقته ومجازه، كل هذا يبقى محتملاً والكلام فيه اجتهادي، ما دامت القرينة من داخل النص. نحن مشكلتنا القرينة التي تكون فلسفية عقلية؛ لأن الفلسفة الإغريقية لا تريد حمل آيات الصفات على ظاهرها، هذه مشكلتي معك، أما أن الحقيقة والمجاز واردة في القرآن فهي معلومة، وشيخ الإسلام ابن تيمية -كما قال بعض المحققين المعاصرين- من آخر أقواله أنه عاد فأقر بالمجاز، وإن كان المشهور عنه الآن في البحوث العلمية أنه ممن عارض المجاز. لكن ابن تيمية قيل إنه في آخر أمره عاد فأقر بالمجاز؛ لأنه في النهاية سميته حقيقة سميته مجازاً، كما قال ابن قدامة في روضة الناظر، الخلاف يصبح خلافاً اضطرارياً أو لا قيمة له، في النهاية الكل متفق على الصورة النهائية، الكل متفق على المخرج النهائي، لكن الاختلاف حصل حقيقة في طريقة التعبير عن الفكرة وليس في مضمونها وفحواها.
والإشكال مع الفرق المبتدعة أنا أعتقد ليس في المجاز، وإن كان كما إذا قرأت في الصواعق المرسلة ستجد أن أحد الأركان الأربعة التي هدمها ابن القيم هي فكرة هذا المجاز، بناها على أن أركان البدع منها فكرة المجاز، فحاول أن ينسفها. لكن كما قلت هي الحقيقة، أولاً ابن تيمية صحت عنه العودة في آخر أقواله، ثانياً أن الخلاف في حيث تأصيل فكرة المجاز يقرب أن يكون لفظياً؛ لأنه أنا عارف سيسمع كلام البعض ويقول لك لا، أنتم مش عارفين شو أصل فكرة ابن تيمية، ويبدأ يطرح لك حفلة كاملة، لكن ما أفهمه أنه يقرب أن يكون ليس خلافا حقيقياً في أصل الفكرة وإنما كيف يعبر عنها. وشيخ الإسلام رحمه الله عليه كان من منهجه أنه إذا أراد أن ينسف بدعة يحاول أن ينسفها من جدر الجذور ومن أصل الأصول، ليس كحالنا نأتي نتعامل مع الجزئيات، لا، لعقله الكبير الواسع رحمه الله عليه حاول أن يتتبع الفكرة كيف نشأت في ذهن الخصم، يبدأ يتتبعها جزئية جزئية حتى يصل إلى رأس الهرم فينسفه.
الآن تأتي هنا قضية المجاز، هو رآها أنها رأس الهرم فحاول أن ينسفها ويحولها إلى فكرة أخرى، طبعاً باجتهاد ونظر وتقعيد وتأصيل رحمه الله عليه. لكن هل بالضرورة حتى أنت توافق شيخ الإسلام في نسف هذه الفكرة؟ لا، لست ملتزماً، بل كثير من علماء أهل السنة والجماعة كانوا يثبتون المجاز، فهذه فكرة اجتهادية وكلام شيخ الإسلام يبقى اجتهاداً في هذه المسألة. ثم قال: سنعود، خلص المجاز المرسل ما لنا علاقة يا جماعة خلصنا في فكرتنا وفهمناه، بدنا نرجع على الاستعارة لأن هي صلب الكلام فيها.
فيقول: يا رب والاستعارة فتحقيق، وهي مجاز لغوي نثبت أن حقق المعنى بها في الحس أو عقل، ومن جعلها عقلاً أو من كذب مجازاً بالتأويل ثم لم تشب وصفاً فلا تأتِ علم، ثم قال: وشرط له قرينة فواحداً كأسد يرمي ترى فصاعداً. فالاستعارة أيها الكرام كتقييم أساسي تنقسم إلى استعارة تصريحية واستعارة مكنية، هذا أهم تقسيم للاستعارة، هو سيقسم أقساماً لكن أهم تقسيم للاستعارة هو تقسيمها إلى استعارة تصريحية تحقيق واستعارة مكنية. بدأ بالنوع الأول، قال: فالاستعارة.
الاستعارة لها اعتبارات، وتقدم أن الأصح أنها مجاز لغوي. الاستعارة يقول لك لها تقسيمات، لكن قبل ما ندخل في التقسيمات كفكرة عامة يجب أن نتفق عليها، وهي مسألة خلافية وهي أن الاستعارة شكل من أشكال المجاز اللغوي؛ مش هكذا حكينا قبل قليل؟ مجاز لغوي علاقته المشابهة. لذلك قال: الأصح أنها مجاز لغوي. لما تسمع كلمة الأصح أنها مجاز لغوي، ماذا يعطيك هذا انطباع؟ أنه في خلاف، بس أنا أريدك أنت كطالب علم تدرس الخلاف كدراسة، لكن حالياً خلّك على المشهور: هي مجاز لغوي، وهذا الذي يفتي به أكثر البلاغيين. إذاً، فالأصح أنها مجاز لغوي علاقة مشابهة؛ لأنها موضوعة للمشبه به لا للمشبه، ولا لأعم منهما. إيش يعني؟ يعني لفظ الأسد موضوع في الحقيقة للمشبه به الأسد، لم يوضع للمشبه اللي هو الرجل الشجاع، ولم يوضع بشكل عام ليشمل كلا الجنسين الحيوان المفترس والرجل الشجاع؛ لا، الأسد موضوع للحيوان المفترس، فبالتالي إطلاقه على الرجل الشجاع مجاز. هكذا يقول لك؛ لأن البعض الذي ينازع في أن الاستعارة مجاز لغوي، ماذا يفعل؟ يأتي يقول لك لفظة الأسد ليست موضوعة للحيوان المفترس بل هي موضوعة للأعم، يعني موضوعة بصورة عامة ليدخل فيها الحيوان المفترس وليدخل فيها الرجل الشجاع. فالسيوطي من البداية يقول لهم: لا، قال لأنها اللفظ المستعار موضوع حقيقة للمشبه به، الأسد وضع للمشبه به الحيوان المفترس، هذا وضعه الحقيقي. فأن تقول إنه موضوع للمشبه اللي هو الرجل الشجاع أو لما هو أعم ليشمل كلا الأمرين حقيقة، مش صحيح. هذه وجهة نظر الجمهور، فإذا استعملت الأسد الذي هو حقيقة في الحيوان المفترس وأردت به الرجل الشجاع، هذا مجاز، انتهينا.
إذاً هي مجاز لغوي، فالأسد في قولك: رأيت أسداً يرمي، هو موضوع حقيقة للسبع الذي هو الحيوان المفترس، لا للشجاع ولا لمعنى أعم منهما ليشمل هذا وهذا كالحيوان الجريء مثلاً. الآن كلمة حيوان جريء، هذا يصدق على الأسد ويصدق على الإنسان القوي لأنه حيوان جريء. فحيوان جريء يشمل الحيوان المفترس الذي يسمونه أسداً، ويشمل الحيوان الناطق الشجاع الذي يسمونه إنساناً. فحيو جريء، يقول لك السيوطي أنا ما عندي مشكلة تقول إنها بتشمل هذا وهذا، بس أسد لا، أسد خاصة بالحيوان المفترس المعروف. ولا لمعنى أعم منهما كالحيوان الجريء مثلاً يكون إطلاقه عليهما حقيقة كإطلاق الحيوان عليه، كما أن الحيوان يطلق عليهما. وهذا معلوم بالنقل عن أئمة اللغة قطعاً، كيف عرفت يا سيوطي ويا قزويني ويا غيركم أن الأسد فقط موضوعة للحيوان المفترس وأنها حقيقة لا تشمل الرجل الشجاع؟ كيف عرفنا ما هي الوسيلة؟ قال النقل، الوسيلة التي عرفنا بها هي هذه، مش أمور ذوقية، قال: وهذا معلوم بالنقل عن أئمة اللغة قطعاً، رواية جيل عن جيل حتى وصلت إلينا. قال فبالتالي إذا عرفنا ذلك، قال فأطلق الأسد على الرجل الشجاع، هو إطلاق له على غير ما وضع له حقيقة، مع وجود قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي وهو الحيوان المفترس، وهذا تعريف المجاز.
هذا هو القول الأول وهو الصحيح أن الاستعارة مجاز لغوي. القول الثاني، وقال بعضهم أنها مجاز عقلي، مش مجاز لغوي. البعض قال هي مجاز عقلي، تتذكروا المجاز العقلي شو هو؟ أخذناه في باب الإسناد الخبري: إسناد الشيء إلى غير من هو له. كيف يعني فسروها هؤلاء الذين قالوا إن الاستعارة مجاز عقلي؟ كيف بنوا هذه الفكرة؟ وقيل مجاز عقلي بمعنى أن التصرف فيها أمر عقلي لا لغوي؛ لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به، فكان استعمالها فيما وضعت له فتكون حقيقة لغوية، ليس فيها غير نقل الاسم وحده، وليس نقل الاسم المجرد استعارة لأنه لا بلاغة فيه بدليل الأعلام المنقولة، فلم يبقَ إلا أن تكون مجازاً عقلياً. ماذا يريد أن يقول؟
الآن انتبهوا على قضية الذين قالوا إنها مجاز عقلي، لم يقصدوا المجاز العقلي بالمعنى الذي شرحناه سابقاً: إسناد الشيء إلى غير من هو له، لا، إيش قصده بالمجاز العقلي هنا في هذا السياق؟ الذي قال الاستعارة مجاز عقلي قصد أن هذه الاستعارة التصرف فيها والوصول إليها ليس من جهة اللغة وإنما من جهة العقل، فهمتم ماذا قصد بالمجاز العقلي؟ أن الاستعارة التصرف فيها وفلسفتها ليست متعلقة باللغة وإنما فلسفتها متعلقة بجهد ذهني عقلي. ايش هو هذا الجهد يا شيخ؟ يقول لك هذا الجهد هو أن الذي يريد أن يستعير بيجي يقول لك الأسد في الأصل كانت حيوان مفترس، فالذي يريد يفعل استعارة يتصرف ذهنياً بلفظة الأسد، فيقول لك الأسد كانت ابتداء موضوعة فقط للحيوان المفترس، الآن بدي أتصب فيها بدي أخليها موضوعة للشغلتين: للحيوان المفترس والرجل الشجاع، فهو ماذا فعل؟ نقل -ركزوا على كلمة نقل لأن استخدمها السيوطي كثيراً- نقل كلمة الأسد من وضعها الأولي وهو الحيوان المفترس فوسعها لتصبح تشمل جنسين، تشمل الحيوان المفترس ويدخل تحتها المشبه اللي هو الرجل الشجاع، دخلنا تحتها فعلياً، الذي صار قال عملية نقل.
الذي صار هو عملية نقل. نعيد عبارة السيوطي مرة أخرى نفهمها؛ قال: وقيل مجاز عقلي، بمعنى أن التصرف فيها هو تصرف عقلي، الجهد في عملية الاستعارة وليس في اللغة وإنما هو جهد ذهني. ما هو؟ قال: لأنها لا تطلق على المشبه، يعني اللفظ المستعار وهو الأسد لا يصح إطلاقه على الرجل الشجاع، ركزوا في هذا الكلام، الأسد لا يطلق على الرجل الشجاع استعارة إلا بعد ادعاء دخوله، أي المشبه وهو الرجل الشجاع، إلا بعد ادعاء دخول الرجل الشجاع في جنس المشبه به. نعم، يعني الدعاء ليس حقيقة إنما أنا أدعي أن الرجل الشجاع دخل هنا، وهي مثل رأي السكاكي إذا تذكرتم الذي سماه الداخل حقيقة والداخل تأويلاً، لما ناقشنا كلام السكاكي أنه كيف تلاعب قليلاً في تعبير المجاز وأعطى رأياً آخر، فالكلام هذا قريب.
قال: لأنها لا تطلق على المشبه إلا بعد ادعاء دخوله في جنس المشبه به، فكان استعمالها فيما وضعت له، فتكون حقيقة لغوية. يقول لك أنا لما وسعت كلمة الأسد، ركزوا معي، لما وسعت كلمة الأسد فأصبحت تشمل الرجل الشجاع، إذا أصبح الآن إطلاق الأسد وإرادة الرجل الشجاع حقيقة ولا مجاز؟ حقيقة! فهمتم ما الذي صار؟ هو يقول لك أنت ابتداء كانت الأسد موضوعة للحيوان المفترس، لما جئت تعمل استعارة أنت وسعت الأسد فأصبح الأسد يشمل الحيوان المفترس والرجل الشجاع، بالتالي أصبح إطلاق الأسد على الرجل الشجاع رجع أنه حقيقة لغوية. أنا لست موافقاً على هذا، بس أريد أن تفهموا وجهة نظرهم؛ أنا لست موافقاً على هذا الكلام، لكن أريد أن أمشي معهم حتى نفهم أين وصلوا. إذاً فكان استعمالها بالتالي فيما وضعت له؛ لما تطلق الأسد على الرجل الشجاع هو أصبح استعمالاً للأسد فيما وضع له، بس اكتبوا هنا: فيما وضع له ثانياً وليس أولاً، هو أولاً لم يوضع لذلك. إذاً فكان استعمال الأسد في الرجل الشجاع استعمالاً فيما وضعت له بعد التوسعة، فتكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده؛ يعني يقول لك أنت ما زلت في مساحة الحقيقة اللغوية، بس ما الذي فعلته؟ أنت عملت عملية نقل. ما معنى النقل يا سالم؟ النقل يعني كان الأسد للحيوان المفترس، أصبح يشمل شغلتين بدل شغلة واحدة، بس أنت هذا الذي فعلته.
طيب، أليس هذا النقل هو مجاز لغوي؟ ونحن أصلاً، هو من أخطاء هذا القول، هي عملية النقل هي التي صار فيها تجوز، أنت تلغي المجاز اللغوي، والمجاز اللغوي أصلاً هو نقلت اللفظة من معناها الذي وضعت له ابتداء إلى معنى جديد سميته ادعاء دخول المشبه به تحت جنس المشبه به، ولا لا؟ هذا كلام لا حقيقة له أن يجعل القضية مجازاً حقيقة لغوية. يعني هو يقول لك العملية فقط نقل وإلا بقي حقيقة لغوية، مش صحيح، هو النقل الذي سبب أصلاً الانتقال من الحقيقة اللغوية إلى المجاز اللغوي هو نفس النقل، فأنت لماذا تعتبر النقل ليس مؤثراً هنا؟ هي الحبكة؛ هو اعتبر عملية النقل هذه ليست مؤثرة في الانتقال من الحقيقة اللغوية إلى المجاز اللغوي. فهمتم؟ لو كان هذا حقيقة لغوية لما احتجت إلى النقل، احتياجك إلى النقل هو أكبر دليل أنه فيه تجوز، بس أنا أريد أن أمشي معهم.
قال: فتكون حقيقة لغوية ليس فيها غير نقل الاسم وحده. والآن هو يريد أن يدافع عن وجهة نظره فيقول: وليس نقل الاسم المجرد استعارة لأنه لا بلاغة فيه، بدليل الأعلام المنقولة. هو يقيس عملية النقل هنا التي حدثت في لفظة الأسد على النقل في الأعلام المنقولة؛ يعني مثلاً واحد سميته أسد، لأنكم تعرفون في ألفية ابن مالك الأعلام هناك أعلام ارتجالية، وهو العلم الذي لا يطلق أول ما استعمل إلا للإنسان، زي أعلام يسمونها الأعلام المنقولة، شو الأعلام المنقولة؟ اللي هي تكون اسم حيوان، اسم شجرة، اسم كذا، فتطلق بعد ذلك علماً على شخص، هذه يسمونها الأعلام المنقولة؛ يعني واحد اسمه أسد، من أين جئنا بهذا الاسم؟ هل ابتداء كلمة الأسد استعملت علماً على الناس؟ لا، هي أصلاً اسم للحيوان المفترس، بعد ذلك أصبح الناس تستعملها كأعلام. فيقول لك في الأعلام المنقولة زي الأسد، هل الأعلام المنقولة فيها مجاز؟ يقول لك لا، ما فيها مجاز؛ لأنه هو كان صحيح الأسد اسم الحيوان المفترس، ثم بعد ذلك نقلت مجرد نقل، فجعلته علماً على شخص وهذا لا يعتبر مجازاً. بس هذا هو السؤال، هذا لماذا لا يعتبر مجازاً؟ لأنه في البداية لم أقم، فليس ثمة علاقة بين لازم وملزوم؛ المجاز فكرته وجود علاقة بين لازم وملزوم. فإطلاق الأسد على الرجل الشجاع هو مبني على ماذا؟ على وجود المشابهة بين الرجل الشجاع والمعنى الحقيقي للأسد، الحيوان المفترس. أما مجرد نقل علم كان اسم لحيوان ولا اسم لشجرة ولا اسم لنجم وحده، اسمها شمس مثلاً، وواحدة اسمها شمس وهي وجهها كحلة يا شيخ، تمام؟ طيب هي الشمس بيضاء وهذه كحلة، إذاً لما سموها شمس لم يعتبروا أي علاقات بين المعنى اللازم والملزوم، صح؟ ما هي سوداء! إذاً هو لم يعتبر علاقة بين اللازم، وإنما هو مجرد نقل. فهو يريد أن يقيس الذي يصير في الاستعارة بالأعلام المنقولة.
فهمتم؟ هو يقول لك في الأعلام المنقولة، ألست أنت تنقل اسم شمس، اسم قمر، اسم حائط، اسم كذا وتجعلها علماً على الأشخاص بدون ما يكون فيه مجاز؟ أقول له كلامك صح، الأعلام المنقولة ليس فيها مجاز؛ لأنه لم يلاحظ علاقة بين المعنى اللازم والمعنى الملزوم. أما هنا، لوحظت العلاقة بين الرجل الشجاع والحيوان المفترس، وإلا لم تتم هذه التوسعة التي أنت أتيت بها. فيقول لك إذاً: وليس نقل الاسم المجرد استعارة لأنه لا بلاغة فيه، بدليل الأعلام المنقولة. يرحمك الله، فلم يبق إلا أن تكون ماذا؟ فلم يبق إلا أن تكون مجازاً عقلياً. طبعاً هنا "وليس نقل الاسم المجرد استعارة"، هذه أحتاج أن أتأكد من اللفظة، أخشى أن تكون "وليس نقل الاسم المجرد مجازاً لغوياً" لأنه لا بلاغة فيه بدليل المنقولة، يعني هذه تحتاج فقط أن نتأكد من النسخة، لكن أنا فاهم ماذا يريد أن يقول في الجملة. قال: فلم يبق إلا أن تكون الاستعارة مجازاً عقلياً. تمام، يعني هو إذاً يقول لك الخلاصة: هذا مجاز عقلي، الاستعارة مجاز عقلي.
لماذا؟ لأن التصرف فيها ليس تصرفاً في اللغة، تصرف في العقل. كيف يعني تصرف في العقل؟ زي ما قلنا، قال أنت لما بدك تستعير شو بتعمل؟ هيك هو خطواته: أنت لما بدك تستعير شو بتعمل؟ بتجيء على الأسد، الحيوان المفترس، أنت بدك تستعيرها للرجل الشجاع، بتروح بتنقل الأسد، بتوسع مدلولها، بتقول: الأسد تطلق على الحيوان المفترس والرجل الشجاع، خلص عملية نقل مع توسعة، فلما نقلت ووسعت قال: أصبح الأسد إذاً يطلق على الرجل الشجاع حقيقة لغوية، والذي حدث فقط هو ماذا؟ عملية النقل، عملية النقل هذا تصرف عقلي، هذه عملية نقل الأسد من هنا إلى هنا، هذا تصرف عقلي وليس تصرفاً لغوياً، وبالتالي الاستعارة صفت مجازاً عقلياً، أنا هي تصرف عقلي نقلت هذا من هنا وخليته هيك، وأما في النهاية، في النهاية الأسد في الاستعارة يطلق حقيقة على الرجل الشجاع. هذا الكلام كله خطأ، يعني هذا الكلام هيك وجهة نظره بس هذا الكلام مش صحيح، هو لا، ولا أنت بهذه الطريقة تستطيع أن تستغني عن كل المجاز وكل شيء، بتقول خلص نقلنا ووسعنا وخلص، امشي مع من تمنيه إذا بدك، خلص سميها حقيقة لغوية؛ لأنه أنت وسعت، أنت تقول النقل هذا ليس تجوزاً وهي مجرد عملية ذهنية، والأسد يطلق على الرجل الشجاع حقيقة لغوية، فإذاً لذلك هو مجاز عقلي بس، أما في اللغة هو حقيقة، ولا سماه مجازاً عقلياً لأن عملية النقل هي تصرف عقلي وليس تصرفاً لغوياً، هذا الكلام مش صحيح، لكن بدنا نشرحه.
ثم قال: ورد بأن هذا الادعاء، ادعاء دخول المشبه تحت أي لفظ الأسد مثلاً، قال: لأن هذا الادعاء لا يقتضي كونها مستعملة فيما وضعت له. يعني أنت لما تقول الأسد أصبح يطلق على الرجل الشجاع حقيقة لغوية، قال هذا كلام ما هو صحيح، مين اللي قال؟ قال ورد بأن هذا الادعاء لا يقتضي أن تكون كلمة الأسد مستعملة فيما وضعت له عندما تطلق على الرجل الشجاع؛ للعلم السابق بأن أسد في قولنا "رأيت أسداً يرمي" مستعمل في الرجل الشجاع وهي موضوعة حقيقة للسبع، الكل يدرك هذا من داخله، قال: إن الأسد مستعمل هنا في الرجل الشجاع والموضوع له في الحقيقة أي في الأصل هو ماذا؟ هو السبع، هذا الشيء لا يمكن أنك تلغيه من داخل الإنسان.
طيب قولي: "وهي مجاز لغوي اثبت"، وقولي: "إن حقق" الآن معترض بين وبين قولي. الآن هنا دعوني بس أجلس حتى أنظر ماذا يقول هو في شرحه، يا رب بسم الله. نعم، لا هو، نعم هو يتكلم عن جملة معترضة: "إن حقق المعني بها في الحس أو عقل ومن جعلها عقلاً أبوا". يا رب، لكن حتى ننظر هو، إذاً يقول وقولي "وهي مجاز لغوي اثبت"، يقول هذا معترض، أي في بعده جملة معترضة، ما هي؟ وهي قولي: "يعني كما عندكم في المنظومة: إن حقق المعني بها في الحس أو عقل، ومن جعلها عقلاً أبوا"، يعني هو عمل شوية تداخل الآن، قوله: "إن حقق المعني بها في الحس أو عقل" هي لسه حط لها على جنب، هذه حطها على جنب لسه، الآن بدنا نشرحها. ثم قال: "ومن جعلها عقلاً أبوا"، هذه تكملة للفكرة السابقة، هيك بده يقول لك إنه هو اضطر إنه يقدم ويؤخر شوية في الأبيات. فقوله: "والاستعارة فتحقيق".
الآن سنتكلم مش عن الاستعارة المكنية، الاستعارة المكنية هذه خلوها على جنب، نتكلم عن الاستعارة التحقيقية. طيب، الآن قدم أول شيء معلومة عامة في كل الاستعارات، وهي أن الاستعارة ماذا؟ وهي مجاز لغوي أثبت. وفي البيت الثاني على الشطر الثاني تكملة الموضوع: "ومن جعلها مجازاً عقلياً أبوا كلامه". وفي جملة معترضة واقعة بينهم، إيش هي؟ "إن حقق المعني بها في الحس أو عقل"، قال: هذه فقط جملة معترضة ما لها علاقة بالموضوع، الآن بدنا نفهمها.
طيب، إذاً الآن قال: ثم الاستعارة قد تقيد بالتحقيقية. الآن سيعرف ما هي الاستعارة التحقيقية، قال: "إن حقق المعني بها في الحس أو عقل". فهذا تعريف للاستعارة التحقيقية. الاستعارة التحقيقية ما هي؟ الآن خلصنا موضوع الاستعارة هل هي مجاز لغوي ولا مجاز عقلي، والصحيح أنها مجاز لغوي، دعونا من هذه الفكرة، نذهب الآن إلى تعريف الاستعارة التحقيقية، فقال: "ثم الاستعارة قد تقيد بالتحقيق"، يعني هناك استعارة تحقيق. ما هي؟ قال: "وهي ما تحقق معناها حساً أو عقلاً". وهي ما تحقق معناها حساً أو عقلاً. طب كيف ذلك؟ قال: فمثال الأول، وهي الاستعارة التي تحقق معناها حساً كقولك: رأيت أسداً يرمي، فإن أسداً هنا استعارة تحقيق، لماذا؟ لأن معناها المجازي وهو الرجل الشجاع، هذا شيء يدرك بماذا؟ بالحس، صح؟ الرجل الشجاع مش هذا شيء نحن نحسه في الخارج من حيث نراه بأبصارنا؟ فباختيارك يريد أن يقول لك إذا كان المعنى المجازي للاستعارة شيء محسوس في الخارج أو كان المعنى المجازي للاستعارة شيء معقول يدرك بالعقل وليس بالحس، فكلا النوعين يدخلان تحت الاستعارة التحقيقية. هذه الفكرة، مش الاستعارة هي مجاز لغوي في معنى مجازي؟ بتشوف المعنى المجازي، إذا المعنى المجازي شيء يدرك.
بإحدى الحواس هنا، نقول: الاستعارة حسية. وإذا كان يدرك بالعقل وليس بالحواس، تكون ماذا؟ عقلية. وكلاهما سواء بالحس أو العقل يدخل تحت الاستعارة التحقيقية، سهلة الفكرة يعني لا يوجد فيها شيء كبير. فإطلاق الأسد إذا كان معناها الرجل الشجاع، هذا شيء يدرك بإحدى الحواس.
والمثال العقلي قولك: أبديت نوراً. شخص قاعد بيتكلم وكذا، وشيخ ويعطي أدلة بعد أدلة، فالطالب انبهر بشيخه، فقال: تكلمت نوراً أو أبديت نوراً. الآن هنا أطلق النور وأراد به المعنى المجازي الذي هو الحجة. هل النور أو الحجة هنا شيء محسوس يدرك بالسمع أو بالبصر؟ الحجة هي أمر معنوي؛ قالوا الحجج العقلية هي أمور معنوية. قبل أن تسمعها تقول: أنا سمعت الآن الحجة، هي كحجة قبل أن تسمعها، هي شيء في العقول وليس شيئاً محسوساً بإحدى الحواس الخمس، فهذا مثال على استعارة في أمور عقلية، لأن المعنى المستعار له -الذي هو المعنى المجازي- معنى عقلي. قال السيوطي: فإنها تدرك بالعقل.
ومنه قوله مثال على العقل أيضاً: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. الصراط المستقيم ما هو؟ استعارة للإسلام. تمام، الإسلام الذي هو المعنى المجازي للصراط المستقيم؛ هل هو شيء حسي ولا شيء عقلي معنوي؟ أي الدين الحق، وهو أمر محقق عقلاً. وأصله أي أصل معنى الصراط: الطريق الجادة، أي الطريق التي يسلكها الناس. فالصراط طبعاً يكون لها معاني كثيرة: الطريق المسلوك، الجادة، الطريق الواسع، الطريق الذي يبتلع من يمشي فيه، كل هذا يطلق عليه الصراط.
فالاستعارة وضع له؛ رجع يعرفنا الاستعارة مرة أخرى، وهذا فهمناه. نحن قلنا: الاستعارة مجاز علاقته المشابهة، أشبه المستعار له بالمعنى. وتفارق الكذب في التأويل ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر، وهذا أيضاً فهمناه سابقاً. حتى يصلح أي مجاز، سواء استعارة ولا مجاز مرسل، مش قلنا المجاز يحتاج إلى قرينة وإلا سيصبح كذباً؟ يعني هو بيقول لك إذا قلت: رأيت أسداً، وقصدت به الرجل الشجاع، بتكون كذبت؛ لأن الرجل الشجاع ما اسمه أسد. بقول لك ما الفرق بين الكذب والاستعارة؟ قال: إن الكذب لا تكون فيه قرينة؛ فبتقول: والله هذا رجل كذب، قال رأيت أسداً وهو ما شاف أسداً، شاف رجل شجاع. طيب لو قال: رأيت أسداً يخطب، بتقول له كذبت؟ لا، لأن القرينة دلت على أنه لم يكذب وأنه قصد بالأسد الرجل الشجاع. هي فكرة سهلة؛ ما الفرق بين المجاز والكذب؟ الفرق أن المجاز فيه قرينة وإلا سيصبح كذباً.
وتفارق الكذب بالتأويل ونصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر، أنت أتيت بقرينة تدل على أنك قصدت بالأسد الرجل الشجاع. وهذه القرينة إما أن يكون أمراً واحداً في السياق، كقولك: رأيت أسداً يرمي؛ فأين القرينة؟ كلمة يرمي، كلمة واحدة هي القرينة. وأحياناً قد تكون في الكلام قرينتان وثلاث وأربع وخمس، قد تكون مجموعة قرائن، كقول بعض العرب -فإن هذا البيت هو الذي ذكره في نظمه-: فإن تعافوا العدل والإيمان، فإن في إيماننا نيراناً. أي إذا بدكم العدل والإيمان، فإن في إيماننا سيوفاً ستسلط على رقابكم. فأطلق النيران، وين موطن الشاهد؟ كلمة نيران، النيران ما المراد بها؟ السيوف. أطلق النيران وأراد بها السيوف؛ قال السيوطي: أي سيوفاً تلمع كشعلة. إطلاق النار على السيوف اللامعة ما علاقته؟ المشابهة في اللمعان؛ لأنه قال: سيوف تلمع كشعلة النيران. فالعلاقة بين المعنى المجازي وهي لمعان السيوف، والمعنى الحقيقي وهو لهيب النيران، علاقة المشابهة.
إذن، في الاستعارة دائماً، ركز، ابحث عن علاقة المشابهة، لازم تكتشف أين المشابهة؛ لأنه نتكلم عن علاقة مشابهة، والاستعارة مبنية على التشبيه، فنقول: شبه لمعان السيوف بلهيب النيران، خاصة لمعان السيوف إخواني لما تكون الشمس جاية عليها، بتكون فعلاً تشبه لهيب النيران. طيب أين القرينة؟ هو الكلام أصلاً عن القرينة، وقلنا هنا في أكثر من قرينة ليس قرينة واحدة، قال: فتعلق قوله تعافوا بكل واحد من العدل والإيمان قرينة على أن المراد بالنيران السيوف لدلالته على أن جواب هذا الشرط تحاربون وتلجؤون إلى الطاعة بالسيوف إذا رفضتم العدل والإيمان. فتعلق الفعل تعافوا بالعدل أولاً، ثم بالمعطوف وهو الإيمان ثانياً، كل واحد يصلح أن يكون قرينة مستقلة؛ يعني لو قال: فإن تعافوا العدل فإن في إيماننا نيراناً، أنت رح تفهم أن النيران هنا السيوف، ولو قال: فإن تعافوا الإيمان وحده، فإن في إيماننا، أنت رح تفهم أن المراد بالنيران أيضاً السيوف. فلما جمع بين العدل وبين الإيمان، نقول كل واحد منهما قرينة على أن المراد بالنيران السيوف.
قد يستدل بمعانٍ ملتئمة، أي مرتبطة بعضها ببعض، يكون الجميع قرينة لا كل واحد. معنى هذا الكلام إخواني باختصار، أن القرينة مثلها مثل وجه الشبه، تذكر لما قسمنا وجه الشبه إلى واحد ومركب ومتعدد؟ يقول لك نفس الشيء؛ القرينة قد تكون واحداً بسيطاً، قد تكون واحداً مركباً من عدة أمور، وقد تكون أشياء متعددة. وهو ذكر مثالاً على الواحد البسيط: رأيت أسداً يرمي، ثم ذكر مثالاً على القرينة المتعددة، ثم الآن سيذكر مثالاً على القرينة إذا كانت واحداً مركباً. وهو معنى قولي في أول الأبيات الآتية: أو يستدل بمعانٍ تلتئم.
ما موطن الشاهد؟ سيعطينا الآن مثالاً على قرينة واحدة بس مركبة. قال: وصاعقة من نصله ينكف بها على أرؤس الأقران، خمس سحائب. هو يقول الآن: نصل هذا الرمح بخمسة، وهو ممسوك بخمسة أصابع، ينزل على رؤوس خصومه. هو يصور صورة فارس أو إنسان يقاتل، مسك الرمح بخمسة أصابع ونزلها على رأس أقرانه في المعارك. الآن أين وجه الاستعارة وأين القرينة المركبة؟ قال: استعار السحابة للأنامل التي هي الأصابع، لأنه قال: خمس سحائب، يعني خمس أنامل خمس أصابع. استعار السحاب للأنامل، وجعل القرينة ما هي؟ صاعقة من نصل سيفه على رؤوس الأقران.
فالسؤال إذاً: السحاب معناه الحقيقي الغمام الذي في السماء، ومعناها المجازي هنا في هذا السياق الأصابع الخمس لعلاقة المشابهة في الهجوم. فالسؤال إذاً، أنت أي مجاز بدك علاقة وقرينة. نحن الآن نتكلم عن العلاقة، خلص العلاقة فهمناها، أنا بدي أدور على القرينة المركبة، وين القرينة التي صرفت السحاب من معناها الحقيقي إلى المعنى المجازي؟ قال: قرينة مركبة، ما هي؟ قال: صاعقة من نصل سيفه على رؤوس الأقران الذين هم المحاربون أعداؤه، ثم عدد الأنامل لما قال خمسة؛ يعني كلمة خمس مع نصل السيف ورؤوس الأقران، يقول كل هذه ملتئمة مع بعضها البعض هي التي جعلتني أفهم أن المراد بالسحب هنا الأصابع.
ولا تكون الاستعارة في الأعلام، لماذا؟ لأن الاستعارة تقتضي عموماً ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به على وجه الادعاء، بجعل أفراده -أي كأنك تجعل اللفظ المستعار تجعل أفراده قسمين متعارف وغير متعارف- اللي نفس الطريقة اللي تكلمنا عنها أكثر من مرة، طريقة السكاكي. ولا يمكن ذلك في العلم، لأنه يقتضي التشخيص؛ شوف أسماء الأجناس تقدر توسعها زي ما بدك وتلعب فيها زي ما بدك لأنها تدل على أفراد في الخارج، لكن العلم بطبيعته يقتضي التشخيص، شو يعني؟ يعني لا يدل إلا على شخص واحد، لا يمكن أنك توسعه وتدعي دخول المشبه في أفراده. هو بحقيقته لا يقبل إلا فرداً واحداً وهو المسمى به.
ويقتضي أيضاً منع الاشتراك؛ يقول لك أنا ما حدا يدخل معي، العلم ما بيسمح إدخال أفراد حتى ولو ادعاءً. وهو بالتالي ينافي الجنسية، أي ينافي اسم الجنس. أسماء الأجناس بطبيعتها تقتضي العموم وبطبيعتها تتناول أفراداً، بالتالي بإمكانك أنك توسع أسماء الأجناس، لذلك الذي يصلح للاستعارة أسماء الأجناس وليس الأعلام.
إلا نوع واحد من الأعلام، سيستثنيه الآن، قال: فإن تضمنت الأعلام نوع وصفية كحاتم الطائي؛ فانه علم أصبح يعامل معاملة اسم الأجناس. ليه؟ باختصار إخواني، بعض الأعلام اشتهرت بصفات في التاريخ فأصبح هذا العلم رمزاً على فكرة تشبه اسم الجنس. فلما تقول فلان حاتم، شو يعني؟ قصدك حاتم جواد، فحاتم الطائي لما عرف في التاريخ بالجود، أصبح حاتم وان كان في الأصل علماً، لكنه يعامل معاملة اسم الجنس، كأنه أصبح اسم جنس للجود.
عرفت عبر التاريخ بصفات ومراجل، فأصبح يمكن معاملتها معاملة أسماء الأجناس، كحاتم الطائي؛ فإنه علم، لكنه يتضمن الوصف بالجود. ومادري لا أعرفه، يوصف بالبخل عبر التاريخ، فلما تقول فلان مادري، يعني أي بخيل. سحبان معروف، سحبان وائل المعروف أي؟ بالفصاحة، إذا قلت والله فلان سحبان وائل، شو يعني؟ قصدك فصيح.
فهؤلاء صحيح أعلام لأشخاص، لكن لما اشتهرت بصفات، أصبحت هذه الأعلام كأنها أسماء أجناس، فجاز الاستعارة بها وجاز استعمالها في الاستعارة. فتقول: هذا حاتم الطائي جالس معنا في الغرفة، وهذا سحبان جالس معنا في الغرفة، هنا استعرت سحبان من صاحبها الأصلي وأطلقت على هذا الشخص الذي يجلس أمامي. الاستعارة شو الذي جوزها مع أن الأعلام قلنا لا يصلح الاستعارة فيها؟ لأنه هذا العلم بالتحديد له ميزات، أصبح يمكن معاملته معاملة أسماء الأجناس.
فجاز أن يشبه شخص بها، فأقول عنك -وأنت الآن في القرن الواحد والعشرين- أقول عنك حاتم الطائي، بس أنت عارف شو قصدي بهذا التشبيه في الجود والكرم. وحتى يجوز الاستعارة في هذه الأعلام المشهورة، لا بد أن نتأول، تأولاً أولاً أن حاتم كأنه اسم جنس وضع للجود، ومادري وضع للبخل، وسحبان اسمه جنس وضع على الفصاحة، سواء في الرجل المعهود الذي هو سحبان الحقيقي، أو لكل من سيشبه به بعد ذلك، فكأنها كما قلنا أصبحت أسماء أجناس.
واضح؟ هيك بنكون انتهينا من هذا القسم. نقرأ الآن: «والاستعارة تحقيق وهي مجاز لغوي، أثبت أن حقق المعنى بها في الحس أو عقل». طبعاً هنا، أن حقق المعنى لها في الحس أو عقل، هذا تعريف الاستعارة التحقيقية. بعدين رجع فقال: «ومن جعلها عقلاً أبو»، وفهمنا الاعتراض، ثم قال: «من كذب تماز بالتاويل».
ثم كيف ما هو الفرق بين كل المجاز والكذب؟ هذا ليس خاصاً بالاستعارات. ما هو الفرق بين المجاز والكذب؟ أنك تحتاج إلى علاقة وقرينة حتى يحصل مجاز، وإلا سيكون كذباً. إذا قال: «من كذب تماز بالتاويل»، أي تتميز الاستعارة عن الكذب، تتميز الاستعارة عن الكذب بماذا؟ أن الاستعارة لازم فيها علاقة وقرينة، واللي هو هنا سماه التأويل؛ في التأويل ينبغي وجود علاقة وقرينة.
وبناء على ذلك: «إن لم تشب وصفاً فلا تأتِ علماً». يعني إذا كان اللفظ المستعار ليس اسم جنس ما فيه معنى الوصف الذي يقصد اسم الجنس، فلا تأتِ علماً. هو يريد أن يقول: بناءً على ذلك -يا مشايخ- ما دامت الاستعارة تحتاج إلى تأويل، فهذا يقتضي عندنا أن الاستعارة لا بد أن تكون في أسماء الأجناس، فلا يجوز أن تأتي في الأعلام إلا في الأعلام التي شيبت فيها، شيبت بمعنى الوصف. فهمتم ماذا يريد أن يقول؟ «إن لم تشب وصفاً فلا تأتِ علماً». هذا البيت فيه تقديم وتأخير؛ فلا تأتِ علماً إن لم يشب هذا العلم معنى الوصفية. فكأنه يريد أن يقول إن الاستعارة لا تكون إلا في أسماء الأجناس.
طبعاً هنا سيأتي معنى الاستعارة في أسماء الأجناس وهي يسمونها الاستعارة الأصلية، وسيأتي معنى استعارات تبعية في الأفعال والحروف، سيأتي معنا إن شاء الله، لكن أنا أتكلم عن الاستعارة الأصلية التي في الأسماء، وأما في الأفعال والحروف تسمى استعارة تبعية عموماً. فتقول: فلا تأتي الاستعارة علماً إن لم يشب العلم بوصف، بأن يكون فيه دلالة على وصف الجود أو البخل أو الفصاحة، وأما ما عدا ذلك فالأصل أن الأعلام لا يؤتى فيها بالاستعارات.
ثم قال: «وشرط لها قرينة»، فواحدة، أن القرينة قد تكون واحدة كـ: «أسد يرمي»، ترى «فصاعداً فصاعداً» يعني اثنتان فأكثر، كـ: «كان تعافوا العدل والإيمان فإن في إيماننا نيراناً»، أو يستدل بمعانٍ تلتئم، وهي القرينة المركبة. فذكر القرينة الواحدة، والقرينة المتعددة من اثنين فصاعداً، أو القرينة المركبة أو يستدل بمعانٍ تلتئم. هذا كلام عن القرينة المركبة، وعرفنا المثال الذي ذكره على القرينة المركبة.
ثم قال: «وباعتبار الطرفين تنقسم إلى الوفاقية أن يجتمعا في ممكن، وذي العناد امتنعا، وما بضد والنقيض استعمل ذات تهكم وتمليح جلا». الآن هذا تقسيم آخر سيأتي معنا من تقسيمات الاستعارة. طبعاً كما قلنا، الاستعارة أهم تقسيماتها الاستعارة التصريحية والمكنية، لكن في تقسيمات أخرى. فقال: تنقسم الاستعارة باعتبار الطرفين. شو الطرفين؟ هذا درسنا المرة الماضية: المستعار منه، والمستعار له، واللفظ المستعار.
فالمستعار باعتبار الطرفين اللذين هما المستعار منه والمستعار له -الذي هو المشبه به والمشبه حتى أسهلها عليك- الوفاقية بأن يكون اجتماعهما اجتماع المشبه والمشبه به في شيء ممكناً في الواقع. هذا تقسيم أقرب لطريقة المناطقة؛ أنه إذا كان المستعار منه والمستعار له يمكن اجتماعهما في الخارج فهذه تسمى استعارة وفاقية. إذا كان المستعار منه والمستعار له لا يمكن اجتماعهما في الخارج، وهذا متى يكون؟ إذا كانا ضدين أو نقيضين.
ما هي الأشياء التي لا تجتمع في الخارج يا شيخ عمر في نفس الوقت؟ الضدان؛ أبيض وأسود، قائم وجالس، هل يمكن لشخص يكون قائماً جالساً في نفس الوقت عند أهل اليقظة؟ لا يجوز، لكن إخواننا الصوفية ممكن. لا يجوز، فقائم وجالس ضدين، أسود وأبيض ضدين، فالأضداد والنقيض والأشياء المتناقضة لا يمكن أن تجتمع مع بعضها في نفس الوقت في الخارج.
فيقول لك إذا كان المستعار له والمستعار منه يمكن اجتماعهما في الخارج فهذه تسمى استعارة وفاق، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122]. فنقول الميت هنا كناية عن ماذا؟ استعارة للكافر الضال، والحي استعارة للمؤمن اليقظ. هل يمكن للإنسان أن يكون ضالاً وميتاً في نفس الوقت؟ هل يمكن هذا في الخارج؟ نعم، فأبو جهل ميت الآن وهو ضال، فالمستعار له يمكن اجتماعهما في الخارج، لأن الميت مستعار للضال، فهل يمكن؟
يكون الشخص في نفس الوقت ميتًا وضالًا؟ نعم يمكن، فأبو جهل الآن ميت وضال. وهل يمكن للشخص أن يكون مهتديًا وحيًا في نفس الوقت؟ نعم، فكل أهل الإيمان الأحياء الآن هم مؤمنون وهم أحياء؛ فاجتمع هنا هذه الاستعارة، ويمكن فيها اجتماع المستعار منه والمستعار له في الخارج في نفس الوقت. استعير الأحياء من جعل الشيء حيًا للهداية التي هي الدلالة على ما يسر، والأحياء والهداية مما يمكن اجتماعهما في شخص في الخارج، وهذا كثير. والمقابل، هذه تسمى الوفاقية.
أما إذا كان المستعار منه والمستعار له لا يمكن اجتماعهما في الخارج، فهذه ماذا يسمونها؟ فيعل مبلغه عناديه؛ كأنهما متعاندان مع بعضهما. إذا كان المستعار منه والمستعار له لا يمكن اجتماعهما في الخارج، فهذه تسمى عنادية بأن يكونا ضدين أو نقيضين.
مثال ذلك كاستعارة المعدوم. المعنى هكذا مباشرة، دائمًا بدك تترجم في دماغك الاستعارة؛ تقول: المعدوم ما المعنى الحقيقي له؟ الذي هو غير موجود في الخارج. طيب، المعنى المجازي له: الشخص الموجود في الخارج الذي لا نفع له. ما هي العلاقة؟ ما وجه الشبه بين الشخص الموجود الذي لا فائدة منه، والشخص أو الشيء المعدوم؟ عدم الفائدة، أو العراء من الفائدة؛ هذه وجه المشابهة. هكذا بتكون أنت ترجمت الاستعارة سريعًا.
الآن بقي عليك أن تقول: هل المستعار منه والمستعار له يمكن اجتماعهما في شخص في الخارج؟ بأن يكون الشخص نفسه معدومًا وموجودًا ولا فائدة منه؟ مش ممكن، هل يمكن يكون شخص هو في نفس الوقت معدوم وموجود لكن لا فائدة منه؟ مش ممكن، هو يا معدوم يا موجود. فهذا مثال على استعارة عنادية أطرافها لا يمكن اجتماعها في الخارج.
وعكسه؛ أعني استعارة الموجود لمن عدم، أو استعارة الموجود لمن عدم وفقد وبقيت آثاره الجميلة التي تحيي ذكره. كذلك يمكن نقول: الشافعي موجود بيننا. النبي ﷺ موجود بيننا؛ طيب هنا أنت استعرت كلمة موجود وأردت عكس هذا، هذا معاكس تمامًا. هي الاستعارة، قلت الشافعي موجود بيننا، هنا أطلقت الموجود على شخص؛ ما المعنى المجازي لها هنا؟ المعدوم الذي بقيت آثاره. فكلمة موجود معناها الحقيقي الذي له وجود في الخارج، ومعناها المججازي المعدوم الذي بقيت آثاره.
تمام، هنا لما أقول الشافعي موجود بيننا، أنا قصدت ماذا؟ المعنى الاستعاري أنه معدوم وآثاره باقية. وهنا نفس الشيء، المستعار منه والمستعار له لا يمكن اجتماعهما في الخارج؛ لأن الموجود في الخارج حقيقة لا يمكن أن يكون هو في نفس الوقت معدومًا وآثاره باقية. شخص موجود في الخارج، هل يمكن في نفس الوقت أن يكون هو موجودًا في الخارج ويكون في نفس الوقت معدومًا وآثاره باقية؟ مش ممكن، يا موجود يا معدوم.
لذلك قال، بإمكانك تأتي بأكثر من مثل على هذه الفكرة؛ ومن أنواع الاستعارة العنادية ما يسمى الاستعارة التهكم والاستعارة التمليح، هذه كلها من أنواع العنادية، وهما ما استعمل فيه ضد أو نقيض. أصل العنادية كلها تقوم على استعمال الضد والنقيض. لكن يقول هنا من أمثلة الاستعارة العنادية أن يكون المقصود بها التهكم بشخص ما؛ معنى التهكم الاستهزاء، أو يكون القصد بها التمليح، يعني النكت والظرف والأمور الطيبة.
فمثال التهكم قوله تعالى للكفار: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 55]. سؤال، يلا هكذا سريعًا، بدك تترجم البشارة؛ شو معناها الحقيقي؟ الإخبار بالخير، وهنا في الآية أراد بها المعنى المجازي: الإخبار بالشر. طيب سؤال، هل يمكن أن يكون هنا البشارة، أي الشيء، خيرًا وشرًا من جهة واحدة؟ من جهات متعددة ممكن، بس من جهة واحدة لا يمكن، فهنا في عناد بين الطرفين؛ لذلك قال هنا: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
البشارة تكون بالخير، هل يمكن أن يكون الشيء المبشر به من جهة واحدة خيرًا وشرًا؟ لا، هو يا خير يا شر. فبالتالي يقول هنا: أنذرهم؛ استعيرت البشارة وهي في الأصل الإخبار بما يسر، وقصد بها الإنذار، الإنذار بما يرعب أو بما يخيف، والإنذار الذي هو ضده بإدخال النار؛ إدخال تحت جنس البشارة على سبيل التهكم والاستهزاء. فأنت هكذا تقول: البشارة معناها الحقيقي الإخبار بما يسر، ومعناها المجازي الإخبار والإنذار بما يرعب، وهذا مناقض لهذا، هذا ضد هذا تمامًا. فإذًا هي عنادية.
ما المراد بقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؟ ما المراد؟ أن يتهكم بالمنافقين والكفار، لذلك ما قال: فإنذر بعذاب أليم. كيف أقول لك: بشر سالم بأنه راسب؟ شو قصدي؟ إن شاء الله سلامة خيرك، بس الفكرة حتى أفهمه شو يعني بشر سالم بأنه راسب، أتهكم به. بشر الفاشل، أو الذي لم يدرس، بالفشل بتهكم؛ فهذا نوع من أنواع العنادية.
ومن أمثال التهكم أن ترى إنسانًا جبانًا فتقول: «جاء الأسد»، وتقصد ماذا؟ الإنسان الجبان. الأسد معناها الحقيقي هو الحيوان المفترس، وهنا معناها الرجل الجبان؛ واحد جبان قاعد أمامي فقلت والله جاء الأسد. هنا أنت أطلقت الأسد على الرجل الجبان؛ هي صح الأسد تطلق على الشجاع، لكن هنا أطلقتها على الرجل الجبان، لكن على سبيل ماذا؟ على سبيل التلطيف، هو ما سماها تهكم، هو فيها تهكم بيني وبينك، لكن هو سماها على سبيل التمليح والتنكيت.
وكقوله: «رأيت أسدًا»، وأنت لا تريد رجلًا شجاعًا، وأنت تريد به رجلًا جبانًا على سبيل التمليح والظرف، يعني أننا نمزح. وجه عدم اجتماع الأسد ويكون جبانًا؛ الشجاعة والجبن لا يجتمعان، فالأسد رمز الشجاعة، والجبن مختلف تمامًا عنه؛ فالشجاعة والجبن لا يجتمعان في شخص، يا شجاع يا جبان، فهذه وجه العنادية، واعتبرت شكلًا من أشكال التمليح.
ثم قال تقسيمًا آخر للاستعارة، وباعتبار جامع قسمين، فداخل أو ليس في الطرفين وإن خفى غريبه وإن بدا عميه إلا بتصريف شديد. إذا، خلينا نرجع على الأبيات السابقة، ثم قال: أو يستدل بمعانٍ تلتئم، هذا على قابل الموضوع السابق. ثم قال: وباعتبار الطرفين تنقسم الاستعارة؛ كما أن التشبيه له تقسيمات باعتبار طرفيه، تذكروا هذا الكلام. فالاستعارة ممكن، وذي العناد امتنعا؛ أي امتنع اجتماعهما. إذا تنقسم الاستعارة إلى وفاق، يمكن الاجتماع.
وعن عنادية يمتنع الاجتماع، ثم قال: وما بضد والنقيض استعمل ذات تهكم وتمليح جلا. قال: والعنادية التي تكون فيها العلاقة بين المستعار منه وله علاقة الضد أو علاقة التناقض؛ فهنا لماذا تستعمل في العادة إما للتهكم بالشخص الأمامي أو للتمليح والظرافة؟
فبيقول لك: وما بضد والنقيض استعمل، يعني إذا كانت العلاقة بين المستعار منه وله -وهي لا يمكن اجتماع ما في الخارج وهي الضد والنقيض- فبالتالي ماذا؟ فهذا يعتبر من قبيل التهكم أو التمليح. طبعاً كأنه هنا لما ينص هو في هذه الحالة على الضد والنقيض، هل هو يتصور أن تكون العنادية -وهذا السؤال خطر في ذهني- هل هو يتصور أن يكون هناك عنادية في غير الضد والنقيض؟
أنتم ملاحظين هو ايش يفعل؟ قال: «فإذا كانت العنادية في الضد أو النقيض فهذا يكون إما لقصد التهكم أو التمليح». هو سؤال: العنادية عموماً هل يمكن أن يكون الطرفان متعاندين وهما غير متضادين أو نقيضين؟ فهمتم سؤالي؟ هل هناك صورة أخرى يمكن أن تأتي فيها العنادية ولا تكون العلاقة بين أقصى الطرفين ضد أو نقيض؟ هذا يحتاج إلى نظر؛ لأنه الأصل في علم المنطق الذي لا يقبل الاجتماع هو: إما الضدين أو النقيضين. والعدم والملكة، أصلاً شيخ الإسلام أدخلها تحت الأضداد، يعني قال: ما في داعي أن يجعل قسماً مستقلاً اسمه العدم والملكة، فهذا الكلام يوحي كأنه كان هناك نوع آخر غير الضد والنقيض تدخل تحت العنادية، لكنني لا أعرف شيئاً آخر إلا أن يبحث وينظر.
ثم قال: وباعتبار جامع قسمين فداخل أو ليس في الطرفين، وإن خفي غريبه وإن بدا عاميه إلا بتصريف شدا. يقول: تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع؛ والجامع هو ما قصد اشتراك الطرفين فيه، اللي هو الشيء الذي وقعت فيه المشابهة بين المستعار منه والمستعار له، وجه الشبه. يعني كما قلت بالمعنى العام باعتبار الجامع بين المستعار منه والمستعار له، اللي هي الجزئية التي وقع فيها التشابه.
تنقسم الاستعارة باعتبار الجامع -أي ما قصد اشتراك الطرفين فيه- إلى ما هو داخل في مفهوم الطرفين، كحديث: «خير الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلما سمع هيئة أو فزعة طار على متن فرس فالتمس القتل والموت» [رواه مسلم]. يلا وين الشاهد سريعاً في الحديث؟ وين الاستعارة في الحديث؟
من الذي قال أحسنت؟ ظاهر أنك قلت: "طار"، هي طاره، الفعل "طار". طار أطلقت على من؟ على المجاهد الذي كلما سمع صيحة للجهاد أخذ فرسه وذهب إليها. إذاً "طار" معناها الحقيقي ما هو يا أبا محمد؟ الطيران بالأجنحة، هذا معناها الحقيقي. ومعناها المجازي ما هو؟ في اعتبار اسم الجنس: السرعة في الانتقال إلى الأراضي والمعارك والجهاد؛ كلما سمع صيحة.
ما هو وجه الشبه اللي هو الجامع؟ ما الجامع بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي؟ المعنى الحقيقي عصفور يطير -خلي نقول- والمعنى المجازي رجل ينتقل بحركة سريعة من أرض إلى أرض، الجامع هو السرعة، الجامع هو الحركة السريعة.
يقول: رواه مسلم في حديث أبي هريرة، الهيئة هي الصياح الذي يفزع منه، استعار الطيران للعدو -لا تقل العدو الله يرضى عنك- استعار الطيران للعدو، اللي هو الركض السريع، استعار الطيران للعدو وهو الركض السريع، والجامع بين العدو والطيران قطع المسافة بسرعة، فالسرعة هي الجامع التي اتفقنا عليها.
الآن، هي داخل في ماذا؟ داخل في الأطراف، في المستعار منه والمستعار له. بتعرف هذا التقسيم شو يشبه؟ بتذكر لما قسمنا وجه الشبه إلى ما هو من الصفات الذاتية والصفات العرضية؟ هو هذا نفسه لما قسمنا في باب التشبيه وجه الشبه إلى صفات ذاتية لا تخرج عن حقيقة الشيء، أو صفات عرضية طارئة؛ هو نفس التقسيم في الاستعارة بس بيكرره بعبارة أخرى.
يعني قال لك: أن يكون الجامع داخلاً في الطرفين، أي في حقيقتهما، كأنه يقول من صفاتهما الذاتية، فهو داخل في العدو وهو داخل في الطيران، إلا أن السرعة تكون في الطيران أقوى. والنوع الثاني: الجامع الذي ليس داخلاً، يعني من الصفات العرضية، كاستعارة الأسد للرجل الشجاع؛ لأن الشجاعة هل هي من الصفات الذاتية للأسد أم الصفات العرضية؟ على طريقة المناطقة هي من الصفات العرضية، لأن الشجاعة عارضة، والأسد داخل في مفهومه. فهذا نفس التقسيم اللي مر معنا في التشبيه؛ أن وجه الشبه ينقسم إلى وجه شبه ذاتي ووجه شبه عرضي، فتقول: الجامع في الاستعارة جامع ذاتي وجامع عرضي، لذلك لن أطيل فيه.
ثم قال تقسيم آخر للاستعارة: وتنقسم أيضاً إلى عامية مبتذلة -وهو ما يظهر الجامع فيها- نحو: رأيت أسداً يرمي، وخاصة غريبة -وهي ما لا يظهر إلا بدقة-. هذا يشبه ماذا في باب التشبيه؟ تقسيم وجه الشبه؛ مبتذل (قريب) وغريب (بعيد). نفس التقسيم، هو استنساخ باختصار إخواني؛ الاستعارة مبنية على التشبيه، ونفس التقسيمات التي وردت في التشبيه ستمر معنا في الاستعارة لأن الاستعارة استنساخ مش أكثر.
إذن يقول السيوطي: وباعتبار جامع قسمين؛ فداخل أو ليس في الطرفين، فإن خفي -أي فإن كان الجامع غريباً يحتاج إلى دقة أو كثير تفصيل حتى يفهم- فهذا يسمى الجامع الغريب، وإن بدا -وكان ظاهراً- فالاستعارة عامية. ونفس الشيء، الاستعارة العامية التي يكون الجامع فيها مبتذلاً يمكن أن تصبح غريباً بالتصرف فيه؛ قال: «إلا بتصريف شدا»، يعني وإن بدا الجامع فإن الاستعارة تكون عامية إلا إذا كان هذا الجامع البادي تم التصرف فيه، كأنك عملت له بعض البهارات والحركات الخفيفة، فقلته من كونه عامياً واضحاً إلى غريب جميل.
و"خاصة" وهي ما لا يظهر إلا بدقة، كقول الشاعر يصف فرساً بأنه مؤدب: وإن احتبى قربوسه بعنانِهِ ... يعلك الشكيم إلى انصراف الزائري
يعني "وإن احتبى قربوسه بعنانه، يعلك الشكيم إلى انصراف الزائري"؛ يقول لك هذا فرس مؤدب يا شيخ، فرس مؤدب ما يغلب صاحبه إذا جاء عنده زوار، فهذا صاحبه يضع العنان على القربوس -والقربوس هو السرج- يرجع العنان -وهو الحبل- على سرجه، والفرس يصبح ماذا؟ يعلك هذا العنان، ما يصير يقول بدي آكل أو يغلبه، يصير يتحرك حركات حتى يطلب الطعام، لا يبقى يعلق.
في الينان يبقى يعلك في العنان حتى يروح الضيف، أقول لك هذا مثال على فرس مؤدب، وإذا احتبى قربوسه بعنانه على الشكيمة إلى انصراف الزائر، يبقى هذا الفرس يعلك الزمام يدبر حاله باختصار حتى يذهب الزائر، بعد ذلك ينادي على صاحبه بأن يطعمه.
شبه هيئة وقوع العنان في موقعه من قربوس السرج بقربوس السرج، قال هو مقدم السرج منطقة معينة في السرج، مقدمة ممتدة إلى جانبي فم الفرس. بهيئة وقوع الثوب موقعه من ركبة المحتبي. حتى أختصر عليك كل الاستعارة في هذا البيت في كلمة واحدة: «احتبى».
كل الاستعارة في كلمة «احتبى»؛ لأن الاحتباء حقيقة ما هو على طريقة إخواننا اليمنية، مش على طريقتنا المعروفة. الاحتباء عند إخواننا في اليمن هذا مشهور، وهو في اللغة عندنا الاحتباء أن ترفع رجليك وتحط عليهم أيديك، بس عند إخواننا في اليمن -كنت أشوفها في المدينة- يكون معه حبل، إما شماغ أو شيء يربط به قدميه بعد أن يرفعهما إلى ظهره. صورة وضع الحبل أو الشماغ أو قطعة القماش على الأقدام بعد رفعها ووضعها خلف الظهر تشبه صورة الخيل لما تمسك عانه وترميه على القربوس. أقول لك نفس الصورة، صورة المحتبي مثل صورة الخيل عندما تضع عانه وترجعه إلى قربوسه، فهذا موطن الاستعارة، استعارة.
قال: شبه هيئة وقوع العنان على مقدم السرج بهيئة وقوع الثوب موقعه من ركبة المحتبي، اللي هو الثوب الذي تم اللف به ممتداً إلى جانب ظهره. قال: ثم استعار الاحتباء، وهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب، وعادة كان يجمعوا بشماغه وشيء من ذلك، لوقوع العنان في قربوس السرج، فجاءت الاستعارة غريبة، يعني هذا مثال على استعارة غريبة صراحة، حلوة ولطيفة؛ كيف جاب صورة الاحتباء الذي تكون في الإنسان وجعلها استعارة لصورة العنان الذي يلقى على قربوس السرج، طبعاً اللي هو مش متخيل القربوس ومتخيل العنان، وهذا مش رح يفهم الاستعارة أصلاً.
قال: وقد يتصرف في الاستعارة العامية بما يجعلها غريبة، زي ما صار معنا في التشبيه، كقولك: «أخذنا بأطراف الحديث بيننا، وسالت بأعناق المطية الأباطح». هذا تذكروه تمام، هذا مر معنا ونحن ندرس مقدمة المرزوقي في الأدب، وكيف أن الجرجاني وكل العلماء استحسنوا -اللهم إلا ابن قتيبة وتيارته الذين لم يستحسنوا- والجرجاني وأكثر العلماء استحسنوا هذه الاستعارة: «وسالت بأعناق المطية الأباطح».
الآن هي في الأصل عامية مبتذلة؛ لأنك أن تقول «سال الوادي» هذا الكل بيعرفه، كلمة «سال الوادي» هي استعارة تمام، ولكن الكل يعرف لأن الذي يسيل ليس الوادي، الذي يسيل هو الماء الذي في داخل الوادي، ف هذه الاستعارة أيها الكرام مبتذلة معروفة، لكن هنا لما تصرف فيها جاء التصرف جميلاً وأصبحت انتقلت من عامية إلى غريبة. أين التصرف؟ قال استعار سيلان السيول الواقعة في الأباطح والوديان لسير الإبل الحثيث.
إذن هو في الحقيقة استعار سيلان الماء في الوادي وجعله لسير الإبل، سيراً حثيثاً بكمية كبيرة داخل الوادي تسير سيراً سريعاً في غاية السرعة، فكانت الإبل وهي تمشي سريع هكذا كأنها ماء، تخيل هكذا تنظر لها بالغرافيك وترى إبلاً بكميات ضخمة وهي تسير سيراً سريعاً، تشعر كأنها ماء يسيل في داخل الوادي، فاستعار سيلان الماء داخل الوادي لسير الإبل الكثيفة سيراً حثيثاً في غاية السرعة، ومجمل على لين وثلاثة.
واصل، تشبيه السير السريع بالسيل؛ يعني أن نقول إنه السير السريع يستعار له لفظ السيل، هذا مبتذل الكل بيعرفه، فليس الفضل لما أتى به الفكرة، يعني استعارة السيل للسير السريع هذا ليس مبتذلاً. في هذا البيت ما هو إسناد السيلان ليس إلى الماء، هذا الذي حسن الاستعارة هنا، إسناد السيلان إلى ماذا؟ إلى الأباطح، إسناد الفعل إلى الأباطح وليس إلى الإبل.
لأنه لو أردت أن تستعير السيلان الذي هو للماء، الأصل أن تقول: شبه سيلان الإبل في الوادي بسيلان الماء في الوادي، فإذا كان الأصل أن يقول: «سالت الإبل في الأباطح كما يسيل الماء فيها»، فالفعل «سال» حقه أن يسند إلى الإبل؛ لأن الاستعارة وردت بين الإبل والماء، فالأصل هكذا: «سالت الإبل في الأباطح كما يسيل الماء في الوادي». أنا رجعتكم للتشبيه حتى ننتقل للاستعارة، فالأصل تشبيه: «سالت الإبل في الأباطح كما يسيل الماء»، ثم حذف المشبه، ثم حذف المشبه به وهو الماء.
إذاً حذف المشبه به، ننتقل إلى ماذا؟ الاستعارة مكنية، ليست الاستعارة التصريحية، الاستعارة المكنية عكس الاستعارة التصريحية. نحن في الاستعارة المكنية بدنا ننتبه، نحن ما الذي نبقيه؟ المشبه ولا المشبه به؟ نحن نلقي المشبه به. فالأصل أنه ما حذف أعناق المطية، كان الأصل يحذف أعناق المطية مش يحذف الماء؛ لأن التشبيه: «سال أعناق المطية في الأباطح كما يسيل الماء».
إذا كان الأصل أنه يحذف أعناق المطية مش يحذف الماء، لكنه فعلياً ماذا فعل؟ هو حذف في الماء لكنه لم يحذف المشبه به، بل عمل نوعاً آخر من المجاز، وهذا ذكاؤه الذي جعل البيت جميلاً، حذف المشبه به وهو الماء، لكنه عمل مباشرة نوعاً آخر من المجاز، مجاز عقلي. إذاً هنا في استعارة وفي مجاز عقلي؛ لأنه أسند السيلان إلى الأباطح التي هي الوديان مع أن الذي يسيل هو الماء الذي في الوديان، فهو عمل استعارة زائد مجاز عقلي.
الاستعارة كانت ابتداءً أنه شبه الإبل وهي تملأ الوادي سيلاً وسرعة بالماء، ثم بعد ذلك حتى يطور الفكرة ويجعل البيت في جمال عمل مجازاً عقلياً، فبدل أن يسند السيلان للماء الذي هو المشبه به حقيقة، أسند السيلان إلى الوادي، وهذا ما جعله يبقي أعناق المطية هنا ولا يحذف المشبه. هذا الذي جعله يبقي المشبه ولا يحذفه أنه خلص: «أنا بدي أعمل استعارة وفي نفس الوقت بدي أعمل مجازاً عقلياً»، إضافة المجاز العقلي هي التي جعلت البيت جميلاً، لذلك قال حيث أسند الفعل إلى الأباطح إلى الوديان ولم يسندها إلى أعناق الإبل مع أنها هي المشبه حقيقة.
طيب، ماذا استفدت أنا لما قال «سال الوادي»؟ لما تقول «سال الوادي» أقوى بكثير من أن تقول «سالت الإبل في الوادي»؛ لأنك تقول «سال الوادي» مثل «فجرنا الأرض عيونه»، كأن الوادي كله عم يسيل، فهي تفيد امتلاءً وزخماً وكثرة وكثافة.
أبلغ بكثير من لو قلت: سال الماء في الوادي، أليس كذلك؟ سال الوادي مجاز عقلي أبلغ من سال الماء في الوادي.
أقف اليوم عند هذا القدر إن شاء الله، ونكمل في الجلسة القادمة. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل